← Общие книги

Общие книги · id 31489

حقوق الإنسان في الإسلام للتركي

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» (١) وأقامت الشريعة الإسلامية أصل المساواة في أحكامها، على النحو الذي يجعل هذا المبدأ وسيلة لرقي الإنسان، وتحصيل مصالح الحياة. إن المرأة في الإسلام مكلفة مثل الرجل، بما أمر الله به وما نهى عنه، وإن جزاءها مثله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (سورة النحل، الآية ٩٧) . وكل من الرجل والمرأة، له حقوق وعليه واجبات، وهي حقوق وواجبات تكاملية، تجعل من حقوق الرجل وواجباته، وحقوق المرأة وواجباتها، كلا متكاملا في وحدة واحدة، تصلح بها حياة الأسرة.

стр. 72

فإذا كان من حق الرجل الطلاق، فإن من حق المرأة الخروج من زوجية تضرها- بشروط معينة- ولها الحق في طلب التطليق إذا أضيرت من زوجها، الذي لا يكون أمينا عليها. ومن حقها العمل إذا احتاجت إليه، أو احتاج العمل إليها، كما في بعض المهن والأعمال المناسبة لها، وفق ضوابط الشرع. ولها أهليتها الكاملة وذمتها المالية المستقلة. وهي كما قال الرسول ﷺ : «إنما النساء شقائق الرجال» (١) ومع التسوية في الكيان الإنساني، ومع الحقوق والواجبات التي تتكامل في الأسرة، ففي الإسلام دعوة إلى التوصية بالمرأة، ومعاشرتها بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] (سورة النساء، الآية ١٩) وفيه نداء إلى الرجل ألا يسارع إلى كراهة امرأته ولو

стр. 73

كان فيها بعض ما يعاب، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] (سورة النساء، الآية ١٩) . وفي هذه التسوية التكاملية، مصلحة المرأة والرجل، ومصلحة الأسرة، ثم المجتمع الإنساني. وفي الإسلام يباح للرجل أن يعدد زوجاته إلى أربع، مع القدرة على ذلك، ووجوب العدل والتسوية بينهن. والتعدد يفتح الباب لمراعاة امرأة لا يصح أن تترك في الحياة بلا معيل، ولا مسؤول بها، كما يغلق الباب أمام استغلال المرأة، وجعلها مجرد أداة للمتعة واللهو، دون تحمل للمسؤولية، ودون الالتزام نحوها بشيء. وهذا حال المرأة التي تقبل معاشرة غير مشروعة، تكون هي الخاسرة في كل حال، حيث لا التزام نحوها ممن يتخذها خليلة له، ويتظاهر بأنه لا يعدد الزوجات. والتعاون والتكامل بين الحاكم والمحكوم من القواعد الأساسية في الإسلام. ويعلم النبي ﷺ أصحابه، وهو أفضل الخلق، مبدأ المساواة في أمثلة متعددة، منها أنه لما كان يصفُّ

стр. 74

أصحابه للقتال، دفع بعصا صغيرة في يده رجلا خرج من الصف، فلما شكا الرجل إليه، كشف الرسول ﷺ عن بطنه الشريفة؛ لكي يقتص منه الرجل، فإذا به يهوي ليقبل جسد النبي ﷺ ، وكان مبتغاه ومراده أن يمس جسد الرسول قبل أن يستشهد في القتال (١) ولقد تعلم أصحاب النبي ﷺ ذلك، يقول أبو بكر ﵁ للناس: (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني) (٢) وهي مساواة لا تخل بحق الطاعة لولي الأمر، الذي يرعى مصالح المسلمين. فإذا كان من حق المحكومين التسوية في الحقوق والواجبات، فإن من حق الحاكم الطاعة له في المنشط والمكره. وهذا الحق، أساسه الشريعة التي أعطت الحق في المساواة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (سورة النساء، الآية ٥٩)

стр. 75

وفي الإسلام تسوية بين البشر في الكيان الإنساني، فالكرامة الإنسانية هي للآدمي، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (سورة الإسراء، الآية ٧٠) . ومال المعاهد والذمي، لا يحل للمسلم إلا برضاه، وعرضه مصون في المجتمع الإسلامي. يقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: (إن المسيحية نعمت بتسامح ملحوظ في ظل الحكم الإسلامي، لم تعرفه منذ قرون طويلة) . ويمكن للذمي أن يعيش في المجتمع الإسلامي آمنا على نفسه وماله وعرضه، بل ويتمتع بالبر الإحسان، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين أعطى

стр. 76

شيخا من شيوخ أهل الذمة من بيت المال، لما رأى حاجته، وعجزه عن الكسب، (١) وكل ذلك من آداب التسوية بين الناس وقواعدها العامة، وهي مستمدة من قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] (سورة الممتحنة، الآية ٨) . تلك من أهم صور المساواة التي جاءت في الإسلام أصولها ومفاهيمها، في قضايا مهمة من قضايا البشر: التفرقة العنصرية بسبب اللون أو الجنس، وقضية المرأة وحقوقها في المجتمع الإسلامي، وقضية التسوية بين الحاكم والمحكوم، والعدل والمساواة في التعامل مع الذميين. ولم تكن قواعد المساواة تلك، معروفة في المجتمعات الإنسانية قبل الإسلام.

стр. 77

[التكافل الاجتماعي] التكافل الاجتماعي يرتكز التكافل الاجتماعي في الإسلام، على بناء فكري متكامل، له أساسه من العقيدة، ومن المنظومة الأخلاقية الإسلامية، فلم يكن تقرير هذا الحق للإنسان وليد تجارب بشرية فرضته فرضا، كما هو الشأن في نظم الضمان الاجتماعي التي تسود العالم الحديث. فقد نشأت فكرة الضمان الاجتماعي في نهاية الحرب العالمية الثانية، وروعي في تقريرها أن السلام الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق في حياة الشعوب إذا ترك الفرد يواجه محنه وشدائده وحاجته، دون أن يشعر بأن المجتمع من حوله على استعداد لمد يد المعونة إليه وقت ضعفه ومحنته. ولكن التكافل في الإسلام، يمثل فكرة متقدمة، تتجاوز مجرد التعاون بين الناس، أو تقديم أوجه المساعدة وقت الضعف والحاجة.

стр. 78

ومبناه ليس الحاجة الاجتماعية التي تفرض نفسها في وقت معين أو مكان بعينه، وإنما يستمد التكافل الاجتماعي في الإسلام مبناه من مبدأ مقرر في الشريعة، وهو مبدأ الولاية المتبادلة بين المؤمنين في المجتمع، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] (سورة التوبة، الآية ٧١) . فهذه الولاية المتبادلة، لها مسؤولياتها وتبعاتها في الجوانب المادية والمعنوية من حياة الإنسان، والولاية لها معان متعددة، فهي تتضمن معاني الهيمنة والقدرة والتساند والتعاضد. فالإنسان في التصور الإسلامي، لا يعيش مستقلا بنفسه، منعزلا عن غيره، وإنما يتبادل مع أفراد المجتمع الآخرين الولاية، بما تعنيه من الإشراف والتساند

стр. 79

والتكافل في أمور الحياة، وفي شؤون المجتمع. والتكافل في الإسلام، يعني التزام القادر من أفراد المجتمع تجاه أفراده. ومن أوضح الأحاديث النبوية في الدلالة على هذا المعنى، قول الرسول ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» (١) . يقول راوي الحديث: إن الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- أخذ يعدد من أنواع المال حتى حسبنا أن لا حق لنا في الفضل. فالتكافل في الإسلام، يتجاوز التعاون المتبادل لمصلحة، إلى معنى العون بلا مقابل، سوى أداء الواجب والرجاء في ثواب الله . وهذا العون متى احتاج إليه الإنسان كان لازما على المجتمع المسلم أن يقوم به، ولو كان احتاج غير مسلم، باعتباره آدميا يعيش في مجتمع لا يهدر كرامة

стр. 80

الإنسان بسبب الضعف والحاجة. فقد عاون الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ الفقراء والمحتاجين من أهل الذمة الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي (١) وجرى على ذلك ولاة الأمور من المسلمين، فلا تكليف ماليا على غير المسلم منهم فوق قدرته إذا ثبت فقره وحاجته، كما أنه يعان ماديا حتى تحفظ حياته. هكذا فعل عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يتحدث أحد عن الضمان الاجتماعي، بألف وأربعمائة عام. والمؤمنون إخوة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (سورة الحجرات، الآية ١٠) . وهم أولياء بعض. وقد حث الله على الإنفاق والصدقة وإعانة المحتاج، ودعا إلى الوفاء بحق المحتاج باعتباره حقا واجبا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] (سورة المعارج، الآيتان ٢٤، ٢٥) .

стр. 81

وذلك يضع الأساس للتكافل الاجتماعي باعتباره حقا من حقوق الإنسان. وإلى جانب ذلك مجموعة من أحاديث الرسول ﷺ ، تجعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وتصور المسلم كأنه عضو أخيه المسلم، يشتكي لشكواه، وقد بين الرسول ﷺ مسؤولية المجتمع عن كل فرد محتاج فيه، في عبارة قوية في إنذارها للفرد والمجتمع: «ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» (١) . ويصل الرسول ﷺ في تحميل المجتمع ومن يقوم عليه مسؤولية الضعيف والمحتاج، إلى مدى لا ينال حتى في هذا العصر، عصر حقوق الإنسان المزعومة. يقول الرسول- صلوات الله عليه وسلامه-: «من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي» (٢)

стр. 82

إنه التكافل الذي يلتزم به المجتمع، ويؤديه ولي الأمر نحو الأيتام والضعاف من الناس، حتى لا يضيعوا في الحياة. وإذا كان لا بد من تحديد الحقوق، حتى لا يصبح الحق شعارا يتردد فحسب، فقد بين الشرع الإسلامي صور التكافل، وحدد مسؤولية القادرين عليه من أفراد المجتمع. تظهر الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام، وفريضته الاجتماعية، أول صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، وهي فريضة على كل مسلم، وهي حق مقدر بتقدير الشارع الحكيم في المال بشروط معينة، وهي تدل على معنى أخص من الصدقة التي لا تتحدد بمال معين أو قدر بذاته. فالصدقة متروكة لاختيار الأفراد في قدرها، وفيمن توجه إليه من المحتاجين، وذلك على خلاف الزكاة التي فرضها الله في أنواع المال التي حددها الشارع، وبين نصاب كل نوع، ومقدار الزكاة فيه، فالخمس (٢٠%) في الركاز، وهو ما وجد مدفونا

стр. 83

من أموال الجاهلية، على اختلاف أنواعها، وربع العشر (٢. ٥ %) في كل من النقدين الذهب والفضة، ويأخذ حكمهما الأوراق النقدية، وفي عروض التجارة، والمعادن، وهي ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها، مما له قيمة، سواء أكان جامدا كالذهب والفضة وغيرهما، أم كان سائلا كالقار، والنفط. كما أوجب الله الزكاة في الخارج من الأرض من الزروع والثمار بمقدار العشر (١٠ %) إذا كان يسقى بغير مشقة ولا مؤنة، كالذي يشرب من السماء والأنهار، وبمقدار نصف العشر (٥%) إذا كان مما يسقى بمشقة ومؤنه، كالذي يسقى بالدواب، والآلات. وتشمل الزكاة المفروضة بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، إذا بلغت نصابا معلوما، بمقادير محددة في كتب الفقه الإسلامي. وقد أصلحت الزكاة ميزان تداول المال في المجتمعات الإنسانية، فقد كان تداوله في المجتمعات القديمة يجري على النقيض من العدل والتكافل. كان الفقراء يكدحون؛ لكي تتراكم الثروة لدى

стр. 84

الأغنياء وأصحاب السلطان، فعدل الإسلام الميزان، وجعل القادر، هو الذي يؤدي للمحتاج والفقير فريضة من الله، والله عليم حكيم. وأحكام الزكاة في المال، مفصلة في كتب الفقه، ولا يقتضي المقام تفصيلها. ومن أهمها، أن جمع الزكاة وإنفاقها في مصارفها، مسؤولية ولي الأمر في المجتمع. وحدد الإسلام تحديدا واضحا من تدفع إليه الزكاة، ويكفي أن نذكر في ذلك الآية الشريفة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] (سورة التوبة، الآية ٦٠) . وهي مصارف تجمع أصحاب الحاجة بجميع صورها، وفي كل أوقاتها وظروفها. وإلى جانب فريضة الزكاة في المال، شرعت زكاة الفطر؛ لتقيم التكافل بأجلى صوره في يوم العيد بعد صيام شهر رمضان، وهي تجب على من يملك قوت

стр. 85

يومه وليلته، ومقدارها زهيد يستطيع كل من يؤديها، أن يشعر بقدرته على الإسهام في التكافل الاجتماعي، وأداء هذا الحق لمن يستحقونه. ومن صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، ما شرعه الله من وجوب نفقة الأقارب الفقراء على القريب الغني، فنفقة الزوجة على الزوج، والأبناء على الأب، ونفقة الوالدين الفقيرين على الولد القادر، ونفقة الأخ الفقير أو المحتاج على أخيه الذي يرثه، وقد وسع بعض علماء المسلمين في شأن نفقة الأقارب، حتى تصل إلى ذوي الأرحام. ومن صور التكافل الاجتماعي، أحكام الديات في القتل الخطأ، فإن الدية تجب لورثة القتيل، وقد يكونون صغارا، فتعينهم على مواجهة الحياة بعد فقد مورثهم. ويتشارك أقرب العصبة إلى القاتل خطأ في دفع الدية إلى ورثة المقتول. والدية هنا، تمثل ضمانا من المجتمع لورثة المقتول، فلا يضيع دم إنسان هدرا في مجتمع مسلم. ولا يقتصر التكافل الاجتماعي في الإسلام، على

стр. 86

الجوانب المادية فحسب، بل يمتد إلى ما يعد تعاونا شاملا على البر. فمن التوجيهات في الإسلام، ألا يكتم الإنسان علمه النافع عمن يحتاج إلى التعليم، ولا يبخل الإنسان بنصحه على من يحتاج للنصح والإرشاد، فالدين النصيحة، كما ورد في الحديث الشريف. ولا تكاد توجد حالة ضعف أو محنة، يتعرض لها الفرد في المجتمع الإسلامي، إلا ويجد توجيهات في الإسلام تدعو القادرين إلى مد يد المساعدة إليه، أو توجب عليهم هذه المعونة، مالا أو نفعا، أو حتى مواساة وشفقة ورحمة.

стр. 87

[المملكة العربية السعودية وحقوق الإنسان] المملكة العربية السعودية وحقوق الإنسان هناك خصوصية تميز العالم الإسلامي في الجملة، عن مختلف دول العالم في مجال حقوق الإنسان، وتنبع هذه الخصوصية من اختلاف المجتمعات الإسلامية عن غيرها من المجتمعات، في المنطلقات والمفاهيم، وفي التكوين الفكري والثقافي المميز للشعوب الإسلامية عامة. إن الإسلام- منذ عصر النبوة- هو الذي صاغ العقل المسلم والفكر الإسلامي على امتداد القرون، ويمثل الوحي الإلهي، جانبا كبيرا من عقل المسلم وفكره، ومصدرا من أهم مصادره للعلم والمعرفة، إلى جانب ما هيأه الله له من مصادر المعرفة الأخرى. بينما لا يمثل الوحي الإلهي، جانبا ذا بال في الفكر الغربي في العصر الحديث بالذات؛ ولذلك جرى تهميش الدين في الحياة الغربية بوجه عام، ولم يعد الوحي الإلهي مصدرا يقينيا وثابتا للمعرفة الإنسانية، بل إن الدين عرف في الموسوعة الفرنسية بأنه: " كل سلطة

стр. 88

أو معرفة تتعارض مع العلم ". واستقرت الحضارة الغربية في العصر الحديث، منذ القرن السادس عشر الميلادي على منطلقات فكرية بشأن الدين، كان من نتيجتها مبدأ فصل الدين عن الدولة. وهذا المفهوم للدين، بل والعداء له، بعيد تماما عن تفكير المسلم فردا أو جماعة؛ إذ يعتبر المسلم المحافظة على الدين، أهم مقاصد الحياة، وأولى ضروراتها التي ينبغي الحفاظ عليها، إضافة إلى أن المنظومة الخلقية الإسلامية، تظل عند المسلمين، هي المثل الأعلى والضابط للقيم والسلوك الاجتماعي، وتظل أصول الشريعة ونصوصها، هي النظام التشريعي للمجتمع في علاقاته كلها، الأسرية والاجتماعية. ومهما كانت درجة الالتزام والاتباع الفردي أو الاجتماعي، فإن ذلك لا يغير من الإيمان بقدسية الدين وضرورته، وصلاحية الشريعة وقدرتها، على إصلاح الفرد والمجتمع في كل زمان ومكان. وتعتبر المملكة العربية السعودية، نموذجا للخصوصية الإسلامية في التزام العقيدة، وفي تطبيق الشريعة، وفي

стр. 89

التمايز الفكري والاجتماعي على هدي الإسلام. ذلك، أن المملكة تتشرف بأنها تضم أهم مقدسات المسلمين، الكعبة المشرفة، أول بيت وضع للناس، والمسجد الحرام في مكة المكرمة، ومسجد الرسول - صلوات الله عليه وسلامه- في المدينة النبوية. وفي أرض المملكة، كانت أول أمة للإسلام، وقامت أول دولة له في عصر النبوة، وكانت هذه الأمة، خير أمة أخرجت للناس، كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (سورة آل عمران، الآية ١١٠) . وكانت دولة الإسلام في نشأتها الفريدة على هدي القرآن، وحكمة الرسول ﷺ ، المثل الأعلى والنموذج الكامل لكل دولة إسلامية، تظهر في كل زمان ومكان بعد عصر النبوة، إلى آخر الدهر. والخصوصية التي أشرنا إليها، والتي تميز العالم الإسلامي في موضوع حقوق الإنسان، أشد ما تكون

стр. 90

ظهورا ووضوحا في المملكة العربية السعودية. فمنذ نشأة الدولة السعودية في العصر الحديث، بداية من عهد مؤسسها الإمام محمد بن سعود ﵀ عام ١١٥٧ هـ، إلى توحدها في عهد، الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ﵀ في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي، وإلى وقتنا الحاضر، وهي قائمة على اتباع شرع الله تعالى، وإنفاذ أحكامه في جميع أمورها. فالكتاب والسنة، هما الحاكمان على سياسات المملكة وتنظيماتها. وقد حافظت المملكة منذ نشأتها، على اتخاذ الشرع حاكما وموجها وضابطا لكل أنظمتها التي اقتضتها حركة النمو والتطور، التي صاحبت توحيد المملكة العربية السعودية، ثم نهضتها وعلو مكانتها في المجتمع الدولي. والتزام المملكة بشرع الله على هذا النحو، يظهر الخصوصية الإسلامية بكل وضوح أمام المجتمع الدولي، ويجعلها النموذج الذي ينظر إليه في العلاقات الدولية

стр. 91

بين العالم الإسلامي والعوالم الأخرى. وبسبب التزام المملكة بتطبيق أحكام الشرع، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفق منهج متكامل في المملكة، فإن مكانتها في العالم الإسلامي، وفي نظر المجتمع الدولي، مستمدة من الإسلام ذاته. ففيها، أول بيت وضع للناس، وبعث في أرضها رسول الإسلام وخاتم الأنبياء والمرسلين- ﵊ وانتشر هديه ونوره من أرضها، وأقيمت فيها دولة الإسلام الأولى. فالإسلام، أعطى المملكة كل مقوماتها. والتزام المملكة اليوم بتطبيق شريعته، أعطاها في المجتمع الدولي قيمتها ومكانتها. ونتناول في الصفحات التالية حقوق الإنسان في النظام الأساسي للحكم في المملكة، وفي بعض أنظمتها الخاصة، بما يظهر الخصوصية الإسلامية عامة، ويكشف عن التزام المملكة خاصة بأحكام الشرع الإسلامي، وفق كتاب الله الكريم، وسنة نبيه المطهرة.

стр. 92

[حقوق الإنسان في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الأخرى في المملكة] حقوق الإنسان في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الأخرى في المملكة صدر النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية، بمقتضى الأمر الملكي الموسوم بالرقم أ / ٩٠ في ٢٧ / ٨ / ١٤١٢ هـ. وهو النظام الذي يوضح شكل الدولة، ونظام حكمها، ويحدد سلطاتها، ويبين الحقوق والواجبات لمواطنيها، والمقومات الاجتماعية، والمبادئ الاقتصادية، التي يسير عليها المجتمع والدولة. فهو بإيجاز، نظام المملكة الذي تلتزمه سلطاتها ومؤسساتها، في سعيها الدائم إلى حفظ الدين، عقيدة وشريعة، وتحقيق مصالح الناس، والوفاء بحقوقهم التي أوجبها الشرع، وضمان أمنهم ورخائهم على أرض المملكة. وفي كلمة خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم لإخوانه وأبنائه المواطنين، تبرز الأسس والمبادئ

стр. 93

التي أقيم عليها نظام الحكم في المملكة. فقد أقيم على الإسلام عقيدة وشريعة، وعلى المنهاج الصحيح في فهم أحكامهما. وبذلك - كما قال خادم الحرمين الشريفين - كانت المملكة، نموذجا متميزا في السياسة والحكم في التاريخ السياسي الحديث. ولم تأت صياغة نظام الحكم في المملكة من فراغ، بل كانت توثيقا لشيء قائم، وأمر واقع معمول به، عماده الشريعة التي استمر تطبيق أحكامها قرونا عديدة، وظهر الالتزام الكامل بها، منذ قامت الدولة السعودية الأولى. إن الدستور في المملكة، هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إليهما يحتكم، وإليهما يرجع في كل شيء يختلف فيه. إن السيادة والسلطة العليا في المملكة العربية السعودية، هي لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهما مصدر السلطة فيها، كما تصرح بذلك المادة السابعة من نظام الحكم.

стр. 94

فالسلطة أو السيادة - في النظر غير الإسلامي - للحاكم أو الدولة، أو لسلطة من السلطات البشرية. لكن هذه السلطات في المملكة، تخضع لحكم الله في الكتاب والسنة. وفي المادة الثامنة من النظام الأساسي، يقوم الحكم على أساس العدل والشورى والمساواة، وفق قواعد الشريعة الإسلامية. وتحقيق هذه المبادئ، يتم وفق المرجع الأعلى، وهو الكتاب والسنة. فهي ليست شعارات تطلق، ثم يبحث لها الناس عن معنى ومرجع ومفهوم، تختلف فيه الآراء والأهواء والعقول. وفي مجال حقوق الإنسان التي أوردتها المواثيق الدولية، وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة ١٩٤٨ م، واتفاقيتا الحقوق المدنية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، الصادرتان سنة ١٩٦٦ م، واللتان بدأ العمل بهما سنة ١٩٧٦م. نرى أن النظام الأساسي للحكم في المملكة، نص

стр. 95

على أكثر مما نصت عليه تلك المواثيق من مبادئ. لقد أوردت المواثيق الدولية، مفردات عديدة من الحقوق، تحت هذه المبادئ، مستمدة كلها من واقع المجتمعات الغربية وظروفها وتراثها التاريخي والديني والاجتماعي. غير أنه تبقى ميزة الشرع الإسلامي، الذي استمد منه النظام الأساسي للحكم في المملكة، في أنه يفتح الباب لكل الحقوق التي تبيحها الشريعة، والتي تندرج تحت مبادئ الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والتكافل الاجتماعي والشورى. ولكل هذه المبادئ، مرجع يوضح، ويحدد مفاهيمها الصحيحة على المستوى الإنساني كله. إن المرجع هنا، وهو شريعة الله، يحدد الحقوق، ويوضح المفاهيم، ويستبعد الزائف، ويستبقي الصالح. ففي الباب الثالث من نظام الحكم، الذي يتعلق بمقومات المجتمع السعودي، تظهر قيمة الأسرة في النظر الإسلامي نواة للمجتمع، حيث يربى أفرادها على

стр. 96

أساس العقيدة الإسلامية، والولاء والطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر، واحترام النظام، وتنفيذه، وحب الوطن والاعتزاز به (م٩) . وتحرص الدولة على توثيق روابط الأسرة، والحفاظ على قيمها العربية والإسلامية (م١٠) . ويهدف التعليم إلى غرس العقيدة في نفوس النشء، وإكسابهم المعارف والمهارات (م١٣) . وفي المبادئ الاقتصادية، نص النظام الأساسي للحكم، على حرمة الملكية الخاصة، ومنع الاستيلاء عليها إلا للمصلحة العامة، ومقابل تعويض عادل (م ١٨) . وحظرت المادة ١٩ مصادرة الأموال مصادرة عامة، ولا تكون المصادرة الجزئية عقوبة على جريمة إلا بحكم قضائي. وأمر مهم في شأن الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة، فإن النظام في المملكة يتفوق على غيره في دول العالم كافة، فالضرائب والرسوم في معظم الدول من إطلاقات الدولة، تفرضها بحسب ما تراه.

стр. 97

أما في المملكة، فلا تفرض إلا عند الحاجة، وعلى أساس العدل، وهو أعدل وأكثر يسرا على المواطنين. وأما الزكاة، فقد نصت المادة الحادية والعشرون، على أنها تجبى، وتنفق في مصارفها الشرعية. فالمواطن السعودي، آمن بحكم الشرع من المظالم المالية التي تعانيها شعوب كثيرة في العالم. وفي الباب الخامس من النظام الأساسي للحكم المتعلق بالحقوق والواجبات، نصت المادة السادسة والعشرون، على أن تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية. وهو نص رئيس، يؤكد أهمية هذه الحقوق، والتزام الدولة بالوفاء بها. وجاءت النصوص التالية لهذا النص الرئيس، الذي أشار إلى حقوق الإنسان ضمن باب الحقوق والواجبات، بمفردات حقوق الإنسان التي وردت في الشريعة الإسلامية، قبل المواثيق الدولية بألف عام على الأقل.

стр. 98

في حين أن كثيرا من الدساتير المعمول بها في دول عديدة، لا تتضمن مثل نص المادة السادسة والعشرين، التي جعلت حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، من حقوق المواطن. إن مفردات حقوق الإنسان التي وردت في النظام الأساسي للحكم، تشمل الحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية، وتزيد عليها في بعض الحقوق، التي تلتزم بها الدولة تجاه المواطنين. إن الدولة، تكفل حق المواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي (م ٢٧) . وهو نظر إسلامي أصيل ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، من حيث المبدأ والتطبيق. والدولة تيسر مجالات العمل لكل قادر عليه، وتسن الأنظمة التي تحمي العامل وصاحب العمل (م ٢٨) . وهو تطبيق أمين لمبادئ الشرع الإسلامي. وفي نظام العمل والعمال في المملكة، تفصيل لأوجه عديدة من وجوه حماية العامل في أجره وصحته، وأمنه

стр. 99

من الفصل التعسفي. وخصص فصل في النظام، لمكافحة البطالة التي نهى الشرع عنها. والدولة ترعى العلوم والثقافة والآداب، وتعنى بتشجيع البحث العلمي، وتصون التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية (م ٢٩) . وتوفر الدولة التعليم العام، وتلتزم بمكافحة الأمية (م ٣٠) . وهو تطبيق إسلامي لما ورد في القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ ، من الحض على العلم، ورعاية أهله، وتيسير طرقه أمام الناس. وهذه النصوص، تشمل الصالح من الحقوق الثقافية التي وردت في المواثيق الدولية، وتزيد عليها. وفي المادة الحادية والثلاثين، تعنى الدولة بالصحة العامة، وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن. وهذه من الحقوق الاجتماعية الرئيسة للإنسان. وزاد النظام الأساسي للحكم، حقا للمواطن،

стр. 100

والتزاما على الدولة، بالمحافظة على البيئة وحمايتها وتطويرها، ومنع التلوث عنها (م ٣٢) . وهو نص مستحدث على مستوى دساتير العالم كله، اقتضاه التطور العلمي لعلوم البيئة وارتباطها بالصحة العامة، وسارعت المملكة إلى إدراجه في النظام الأساسي للحكم، حقا من حقوق المواطن في أرض صالحة وهواء نقي وماء طهور. وفي القرآن الكريم، نهي عن الفساد في البر والبحر. وفي السنة النبوية، توجيهات شريفة تحمي المكان وطعام الإنسان وشرابه وصحته من الفساد. وفي المادة السادسة والثلاثين، تلتزم الدولة بتوفير الأمن لجميع مواطنيها والمقيمين على إقليمها، ولا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام. وهو نص يرد عادة في كل دساتير الدول المتمدنة. وفي المادة السابعة والثلاثين، نص النظام الأساسي للحكم، على أن للمساكن حرمتها، ولا يجوز دخولها بغير إذن صاحبها، ولا تفتيشها إلا في الحالات التي

стр. 101

يبينها النظام. وفي المادة الثامنة والثلاثين، نص على قاعدة شرعية تأخذ بها دساتير الدول المتمدنة: العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي. وهذه النصوص، تعد أصولا كبرى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. والمبادئ الواردة في النصوص الثلاثة سالفة الذكر، تطبيق أمين لكتاب الله الكريم وسنة رسوله ﷺ . يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (سورة النجم، الآية ٣٩) . ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] (سورة الإسراء، الآية ١٥) . ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (سورة الإسراء، الآية ١٥) .

стр. 102

وفي القرآن الكريم في حرمة المساكن، نهي عن دخولها إلا بعد الاستئذان والسلام على أهلها، وفي قول للخليفة عمر بن الخطاب ﵁ قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة عام- يجمع الضمانات التي نصت عليها المواد الثلاث المذكورة قبل: (والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول) (١) . وهذه الضمانات نظرا لأهميتها، أوردها النظام الأساسي للحكم في المملكة. وكل الأنظمة التي تصدر تفصيلا لأحكامها، ينبغي أن تتقيد بهذه المبادئ الإسلامية. وفي مجال التعبير والرأي والاتصال، نص النظام الأساسي للحكم، على التزام وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير، بالكلمة الطيبة وبأنظمة الدولة. وحظرت المادة التاسعة والثلاثون، ما يؤدي إلى الفتنة والانقسام، أو يمس بأمن الدولة وعلاقاتها العامة، أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه، وتبين الأنظمة كيفية ذلك.

стр. 103

كما تصون المادة الأربعون، حرمة المراسلات البرقية والبريدية والمخابرات الهاتفية، فلا تجيز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو تأخيرها أو الاستماع إليها، إلا في الحالات التي يبينها النظام. والضوابط التي وضعتها المادتان السابقتان لحرية التعبير، ضمانات معترف بها في النظم القانونية العالمية. ولكنها في النظام الأساسي للحكم في المملكة تستهدي بأصلها في القرآن الكريم، وبأحكام الشريعة التي تنهى عن الفتنة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (سورة البقرة، الآية ٢١٧) . وتحض على الوحدة والاعتصام بحبل الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (سورة آل عمران، الآية ١٠٣) . كما أن الشرع يحمي خصوصية الإنسان وأسراره، ويصونها عن الابتذال، لا سيما ما يتعلق بشؤون أسرته التي تتناولها وسائل التراسل والاتصال. وينهى الشرع عن التجسس عامة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] (سورة الحجرات، الآية ١٢)

стр. 104

ولا يباح ذلك إلا لحماية حقوق المجتمع أو الغير، كما ورد في النظام الأساسي للحكم. والمرجع في إقرار الحق للناس، وفي تحديد مفهومه وضوابطه، هو شرع الله ، كما في الكتاب والسنة. وينص النظام الأساسي للحكم، على استقلال السلطة القضائية في المملكة، ولا سلطان على القضاة في قضائهم إلا للشريعة الإسلامية (م ٤٦) . وحق التقاضي، مكفول للمواطنين والمقيمين (م ٤٧) . والملك ومن ينيبه، معنيون بتنفيذ الأحكام القضائية (م ٥٠) . واستقلال السلطة القضائية، وعناية الملك ومن ينيبه بتنفيذ أحكامها، يعد ضمانة مهمة لإنفاذ حقوق الإنسان، التي نص عليها النظام الأساسي للحكم، إذا تعرضت للانتهاك أو الانتقاص. إن ميزة حقوق الإنسان التي نص عليها النظام الأساسي للحكم في المملكة، أنها قواعد شرعية وأحكام

стр. 105

نظامية واضحة ومحدده المعالم والمفاهيم، وليست شعارات ومبادئ براقة، يدخل تحتها بفعل الأهوال والمفاهيم الزائفة، ما يضيعها، وما يجعلها تضر بالمجتمع والإنسان المسلم. فحقوق الإنسان في الشرع الإسلامي، تؤدى بمفاهيمها الصحيحة إلي رقيه، وتقدمه، وجدارته بعمارة الأرض.

стр. 106

[الخاتمة] الخاتمة وأخيرا: فإن هذه الخصوصية الإسلامية في حقوق الإنسان، والتي تظهر تطبيقاتها في المملكة العربية السعودية، لم تحظ للأسف بالتزام كثير من الدول في العالم الإسلامي. لقد اعتنقت كثير من دول العالم الإسلامي- نتيجة انبهارها بالفكر الغربي بالذات أو انهيارها أمامه- المبادئ والشعارات التي يطلقها الفكر الغربي، والتي تمثل تاريخه وتراثه وحياته بعيدا عن الهدي الإلهي. ولذلك، تبدو هذه الدول ضعيفة أمام انتقادات الغرب لها في مجال حقوق الإنسان. لقد بدأت هزيمتها الفكرية باعتناق مفاهيمه، والجري وراء شعاراته وقوانينه. فإذا تبين لها- بالنظر إلى ما توجبه عقيدة شعوبها المسلمة، وشريعتها وتراثها الحضاري وقيمها الاجتماعية- أن تلك المبادئ تضر بمجتمعاتها، وتحول دون تقدمها، وحاولت الخروج من تلك التبعية للفكر الغربي في موضوع حقوق الإنسان، انبرت لها وسائل

стр. 107

الإعلام الغربية، تنكر عليها حقها في الخصوصية الدينية والاجتماعية والثقافية، وهو ما تشكو منه دول كثيرة، وتتحمل نتائجه الظالمة. وقد ظهر ذلك واضحا في مؤتمر فينا لحقوق الإنسان، الذي عقد في الفترة من ٢٤ ذي الحجة ١٤١٣ هـ إلى ٥ محرم١٤١٤ هـ الموافق ١٤- ٢٥ يونيه ١٩٩٣م، إذ حاولت كثير من الدول المشاركة فيه، أن تتمسك بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية، أمام طغيان الثقافة الغربية ومفاهيمها في قضية حقوق الإنسان. إن الحل في يد البلاد الإسلامية، وهو اختيارها للهدي الإلهي، القرآن الكريم والسنة النبوية، وأصول الشريعة ومبادئها، وإظهار الاعتزاز بتلك الخصوصية الدينية والثقافية، وتطبيقها والالتزام بها. وهذه الخصوصية، هي التي تكفل لها موقعا مشرفا في مجال حقوق الإنسان في المجتمع الدولي. إن المسلمين، يلتزمون أحكام الشريعة التي تمليها عليهم عقيدة الإسلام، ومن أصول هذه الشريعة، تنبع مبادئ حقوق الإنسان ومفاهيمها الصحيحة، لا سيما

стр. 108

فيما يتعلق بحرية الإنسان التي ترفعه، وتنهض بحياته الإنسانية، وما يتعلق بحقوق المرأة المسلمة في نطاق كرامتها الإنسانية، ومصلحة الأسرة والمجتمع. ومن أصول هذه الشريعة، يستمد المسلمون نظامهم في مواجهة الجريمة وأثرها المدمر للمجتمع، الذي من حقه الأمن والأمان، بما توفره الشريعة من وقاية من الجريمة، وردع لها في أحكام الحدود والقصاص والتعزيزات. ولدينا في الشريعة الإسلامية، القيم العالية في حرية التفكير والتعبير بضوابطها الشرعية، فلا نحتاج إلى التقليد والاستعارة من الغير. وقد رأينا ما أدت إليه المفاهيم الزائفة لمبادئ حرية الإنسان، والتسوية الحسابية بين الناس، دون اعتبار للنظرة الإنسانية، ولا للعدالة في الحقوق والواجبات داخل المجتمع، من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في كثير من مجتمعات العالم. إن تطبيق الشريعة الإسلامية، هو العاصم للأمة الإسلامية من التردي فيما وقعت فيه المجتمعات الغربية

стр. 109

من تدهور أخلاقي، وشيوع للظلم والفساد، وانتشار للجريمة، وتفكك للأسرة. وهو أيضا سلاحنا وجوهر دفاعنا حين نتصدى لما يوجه إلى البلاد الإسلامية من حملات مشبوهة ومغرضة، تطلب من المسلمين أن يكونوا تابعين للفكر الغربي ومفاهيمه، مع أنهم حملة الهدي الإلهي في العقيدة والشريعة في عالمنا المعاصر، وهو الذي يضمن لهم أن يعودوا كما كانوا: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (سورة آل عمران، الآية ١١٠) . وسوف تظهر الأمة الإسلامية في موضوع حقوق الإنسان، حاملة للهدي الإلهي الذي كرم الإنسان قبل المواثيق الدولية بأكثر من ألف عام: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] (سورة الإسراء، الآية ٧٠) . وحين تجمع الأمة الإسلامية- الدول والشعوب- على اختيار الأقوم والأنفع في حقوق الإنسان في ضوء الهدي الإلهي، سوف يكون موقعها في العالم المعاصر، وفي هذا الموضوع بالذات، هو موقع المعلم، وليس مقعد الطالب:

стр. 110

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (سورة الأنفال، الآية ٢٤) . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم