وأما تعليق الأخ الإسكندراني على قول السرخسي: " علي وابن عباس " يقوله (٣ / ٤٢٠) :
يشير إلى ما روي عنهما رضي الله عن هما في تفسير قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) : بأنه الكحل والخاتم وقد بين الإمام أكمل الدين محمد البابرتي الحنفي في
شرح العناية على الهداية " أن دلالة قولهما على الوجه والكفين غير واضح قال:
إذ الظاهر أن موضع الكحل هو العين لا الوجه كله وكذا موضع الخاتم هو الإصبع لا الكف كله والمدعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله وإلى كفيها بالكلية
اه. (١٠ / ٢٤) "
فأقول: هذا التعليق والاستظهار الذي فيه خطأ من وجوه:
أولا: أنه على أن الزينة المذكورة في الآية هي الزينة نفسها وليس موضعها وهذا خطأ مخالف لما عليه المحققون من المفسرين وغيرهم - كما تقدم (ص ٢٧ - ٣٢) - ولا أدل على ذلك من أنه لا قائل بأنه لا يجوز للمرأة أن تظهر حليها للأجنبي وهي ليست على بدنها كما لا قائل بالعكس أي أن تظهر مواضعها من بدنها والزينة ليست عليها
ثانيا: مما يؤكد الخطأ أنه لا يمكن رؤية الخاتم في الإصبع إلا برؤية الكف فثبت أن المقصود في الأثر هو الموضع وليس الزينة نفسها
[١٣٠]
стр. 177
ثالثا: أن ذلك قائم على اللفظ الذي ذكره المعلق: " الكحل والخاتم " وذلك خطأ منه لأمرين اثنين:
الأول: أنه ضعيف لا يصح حكى ذلك المعلق نفسه في مكان آخر (٣ / ٤٣١) والصحيح الثابت عن ابن عباس وغيره إنما هو بلفظ: " الوجه والكفان " كما تقدم قريبا فالدلالة واضحة جدا
والأخر: أن المقرون مع ابن عباس في عبارة السرخسي إنما هو ابن عمر أو عائشة - كما رجحته آنفا - ولفظهما هو عين اللفظ الصحيح عن ابن عباس كما رأيت وعليه فلا يجوز حمل لفظهما - أو لفظ أحدهما - على لفظ ابن عباس الضعيف عنه كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم
وبهذا يسقط الاستظهار المذكور من أصله ويظهر أن التعليق المذكور لا قيمة له من الناحية العلمية لأنه قائم على التحويش دون التحقيق والتفتيش وتمييز الصحيح من الضعيف من الروايات
وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم -:لماذا آثر الأخ محمد بن إسماعيل اللفظ الضعيف على اللفظ الصحيح؟
والجواب: من وجوه:
أولا: لأنه المناسب لكلام البابرتي الحنفي
ثانيا: لأنه لا يعرف الفرق بين اللفظين رواية ويعرف الفرق بينها دراية
[١٣١]
стр. 178
ثالثا: أنه لا يعلم صحة أي منهما لأنه كان تورط ببحث طويل للشيخ عبد القادر السندي - أصلحه الله - حول أثر ابن عباس دندن فيه حول هذا اللفظ الضعيف وأفاض في بيان ضعفه مع المبالغة في تضعيف رواية - مع التكرار الممل والاضطراب المخل في الحكم - بما لا مجال لبيان ذلك هنا وكتم هذا اللفظ الصحيح ولم يتعرض لذكر إسناده ولكنه أشار إليه (ص ١٨) بقوله:
وهنا أسانيد أخرى لا تقل درجتها في الضعف والنكارة
كذا قال هداه الله وهو في ذلك كاذب وانطلى كذبه على أخينا الطيب فنقل كلامه في كتابه (٣ / ٢٦٣ - ٢٦٥) وأقره عليه لجهله كغيره بهذا العلم بل وعنون له بقوله: " تحقيق الآثار المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عن هما " أتبع ذلك ببحث عنون له ب " الجواب عن قول ابن عباس على فرض نسبته إليه " (٣ / ٢٦٧) :
ولذلك أراني مضطرا في أن أسوق إسناده الصحيح ليكون القراء على بينة منه أولا وليعرفوا الصادق من الكاذب والعالم من الجاهل ثانيا ولكي لا يغتروا بكل ناعق يهرف بما لا يعرف ثالثا. والله المستعان
قال ابن أبي شيبة ﵀ في " المصنف " (٤ / ٢٨٣) : حدثنا زياد بن أبي الربيع عن صالح الدهان عن جابر بن زيد عن ابن عباس:
(صحيح) " (ولا يبدين زينتهن) : قال: الكف ورقعة الوجه "
[١٣٢]
стр. 179
قلت: وهذا إسناد صحيح لا يضعفه إلا جاهل أو مغرض فإن رجاله ثقات فأبدأ بشيخ ابن أبي شيبة زياد بن الربيع فهو ثقة دون أي خلاف يذكر وقد احتج به البخاري في " صحيحه "
وصالح الدهان ثقة أيضا كما قال ابن معين. وقال أحمد في " العلل " (٢ / ٣٣) :
ليس به بأس
وذكره ابن حبان في " الثقات " (٦ / ٤٥٧)
وأما جابر بن زيد - وهو أبو الشعثاء الأزدي - فهو أشهر من أن يذكر من ثقات التابعين المشهورين بالأخذ عن ابن عباس وخرج له الشيخان وشهد له ابن عباس بأنه من العلماء بكتاب الله - كما تقدم (ص ٥٠) - وهو الذي تلقى عن ابن عباس تفسير (الإدناء) بقوله: " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به " - كما تقدم (ص ٥٠) - وهو الذي كان يأمر هند بنت المهلب أن تضع الخمار على الجبهة أي: وليس على الوجه كما يزعم التويجري ومقلدوه
وقد تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس. عند ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده ضعيف
وتابع ابن عباس عبد الله بن عمر بسند صحيح وتقدم لفظه المطابق
[١٣٣]
стр. 180
للفظ ابن عباس الصحيح آنفا فلا يغتر بعد هذا بقول مؤلف " كشاف القناع " (١ / ٢٤٣) - بعد أن عزاه لابن عباس وعائشة -:
رواه البيهقي وفيه ضعف
وأقره الإسكندراني (٣ / ٤٣١) فإن إسناده عند البيهقي غير إسناده عند ابن أبي شيبة على أن قوله: " إسناده " على الإفراد يوهم أن البيهقي رواه عنهما بإسناد واحد وهذا خلاف الواقع فإنه رواه (٢ / ٢٢٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ثم من طريق عكرمة عنه فهذان طريقا ثم رواه من طريق عطاء بن أبي رباح عن عائشة فهذا إسناد ثالث فليتأمل القارئ الكريم كم في نقل هذا الأخ الإسكندراني - وغيره ممن خاضوا فيما لا يحسنون - ومن جنف وظلم على هذا العلم الشريف؟
لقد ابتعدنا بقرائنا قليلا أو كثيرا عن موضوع البحث فمعذرة إليهم وإن كان في ذلك بعض الفوائد التي قد لا يجدونها في غير هذا المكان فلنعد إلى ما كنا في صدده من مناقشة الشرط الذي وضعه أولئك المقلدة مخالفين في ذلك من كان مجتهدا في المذهب وهو العلامة السرخسي (١)
стр. 181
فضلا عن غيره من العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى عصرنا هذا الذين استمروا على القول بجواز النظر إلى وجه المرأة وكفيها إذا أمن الناظر الفتنة وقد ذكرت أقوالهم في ذلك قريبا (ص ١١٩ - ١٢١) فليراجعها من شاء أن يتذكر وهي كلها تلتقي على أنه يجب على الرجال أن لا ينظروا إلى وجوه النساء عند خشيتهم الفتنة فما أجهل ذلك المؤلف الذي نسب إلى الأئمة اتفاقهم على أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها حتى لا يفتتن الرجال بها وفيهم من كان في القرن السادس وما بعده - كالقاضي عياض والنووي وابن مفلح والشوكاني - وقالوا كما تقدم:
لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها
وأنه لا ينبغي الإنكار عليهم إذا كشفن عن وجوههن في الطريق
وكأن ذلك المؤلف ومن على شاكلته - من المقلدة كالصابوني والغاوجي وأمثالهم - يتوهمون أن الفتنة كانت مأمونة في تلك القرون وأن الله ﵎ لم يضع الذرائع والسدود أمامها بما فرض على النساء من الحجاب وبما أمر به الجنسين من غض البصر وقال في ذلك: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) [الأحزاب: ٥٣] ويتناسون أن طبيعة البشر واحدة في كل زمان كما جاء في القرآن: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين. . .) [آل عمران: ١٤] الآية. وأنهم إنما يتفاوتون بالتقوى واتباع أحكام الله تعالى ومن ذلك قصة الفضل بن العباس رضي الله عن هما مع
[١٣٥]
стр. 182
الخثعمية الحسناء وتكرار نظره إليها وهو حاج وكيف كان النبي ﷺ يكتفي بصرف وجهه عنها ولا يأمرها أن تسدل على وجهها وهذا هو وقت الفتنة بها وسد الذريعة دونها بزعمهم ولكنه ﷺ لم يفعل ذلك فدل فعله ﷺ على بطلان ما ذهبوا إليه من إيجاب الستر كما هو ظاهر لاتفاق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولذلك فقد أساء أحدهم حين قال - تخلصا من هذه الحجة الظاهرة -:
لعل النبي ﷺ أمرها بعد ذلك
أي: بتغطية وجهها
فأقول تبعا لابن عمر - أو غيره من السلف -: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب لأن فيه تعطيلا للسنة التي منها إقراره ﷺ ذلك لأنه ما من شيء سكت عنه ﷺ وأقره إلا ومن الممكن لكل مجادل أن يبطله بمثل ذلك القول كمثل كحديث ذلك الرجل الذي أحرم بعمرة في جبته بعدما تضمخ بطيب فأمره ﷺ بنزع الجبة وغسل الطيب وهو في " الصحيحين " فاستدل به العلماء - ومنهم الحنابلة - على أنه لا فدية عليه قال ابن قدامة في " المغني " (٣ / ٢٦٢) :
لأن النبي ﷺ لم يأمر الرجل بفدية
فهل يقول المشار إليه هنا كما قال هناك:
لعل النبي ﷺ أمره بعد ذلك
؟
أم هو الكيل بمكيالين والوزن بميزانين؟ والله المستعان
[١٣٦]
стр. 183
واعلم أيها القارئ أن الأحاديث التي أخذ منها العلماء - على اختلاف مذاهبهم - كثيرا من الأحكام من إقراره ﷺ أكثر من أن تحصر ولو أن باحثا توجه لجمعها في كتاب وتكلم عليها رواية ودراية لكان من ذلك مجلد أو أكثر
ومن هنا تظهر خطورة هذا الترجي الذي لا يحمل عليه إلا التقليد والدفاع عن المذهب والرأي ومن ذلك قصة الصحابي الجليل معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عن هـ الذي حفظ لنا قول النبي ﷺ للجارية: " أين الله؟ " وجوابها: " في السماء " وشهادته ﷺ فيها: " إنها مؤمنة " فقد كان رضي الله عن هـ يصلي وراءه ﷺ يوما - وهو حديث عهد بالإسلام - فنادى: " واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ ". إلى أخر القصة في " صحيح مسلم " وغيره وهو مخرج في " الإرواء " (٢ / ١١١ / ٣٩٠) واستدل به العلماء ومنهم الشافعية: " إن كلام الجاهل في الصلاة لا يبطلها " على تفصيل في ذلك عندهم قال النووي في " شرح مسلم ":
لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة
ونحوه قال ابن تيمة في " الفتاوى " (٢٠ / ٣٦٦ و ٢٢ / ٦٢٤)
وإنما قلت آنفا: " وهذا وقت الفتنة. . . " لقول العباس رضي الله عن هـ - كما في حديث علي في الكتاب (ص ٢٨ - الطبعة السادسة) -:
يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟
قال ﷺ :
[١٣٧]
стр. 184
" رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما "
فهذا صريح في أنه ﷺ إنما فعل ذلك مخافة الفتنة كما قال الشوكاني في " نيل الأوطار " (٦ / ٩٧) فمن فعل في مثل هذه الحالة خلاف فعل النبي ﷺ فقد خالف هديه ﷺ وتعرض لوعيد قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمر أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: ٦٣] وقوله ﷺ : ". . . ومن رغب عن سنتي فليس مني " متفق عليه. فكيف به إذا جعل مخالفته قاعدة مستمرة إلى ما شاء الله؟
ثم قال الشوكاني ﵀:
وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه
وقد أجاب بعض من لا فقه عنده عن عدم أمره ﷺ إياها بالتغطية بقوله:
لو أمرها لأصبح واجبا أن تغطي وجهها ولم ندع هذا
انظر " حجاب العدوي " (ص ٩٩)
فأقول: من رأيك الذي ألفت " حجابك " من أجل تأييده والرد على مخالفك أن الوجه واجب على المرأة ستره فهل تعني بقولك المذكور أنه
[١٣٨]
стр. 185
لا يجب الستر على المحرمة؟ لئن قلت ذلك - بل صرحت بذلك (ص ٩٧) - فقد جئت ببدع من القول خالفت به سبيل المؤمنين فإننا لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بوجوب الستر كأصل مع عدم الوجوب على المحرمة ولو عند الفتنة وإلا لما احتاج متبوعوك إلى أن يتكلفوا شتى الأجوبة للخلاص من دلالة الحديث الظاهرة على بطلان قولهم بالوجوب وقد سبق بيان بطلان تلك الوجوه في الصفحة (٤١ - ٤٣ و ١٣٥ - ١٣٦)
ومع هذه المخالفة للعلماء جميعا فقد تناقض مع نفسه مرة أخرى فإنه مع ذلك جزم (ص ٨١) بأنه يلزم الأمة أن تستر وجهها إن خشيت الفتنة سدا للذريعة والأصل عنده أنه ليس ذلك بلازم عليها وهنا لم يقل بلزوم ذلك على الحرة مع تحقق الخشية والأصل أن ذلك واجب عليها عنده أليس هذا من التلون في دين الله الذي نهى عنه أبو مسعود الأنصاري رضي الله عن هـ؟ (١) تخلصا من دلالة الحديث الظاهرة التي نص عليها كبار العلماء وجروا على ذلك حتى اليوم كما تقدم تحقيقه والله المستعان
وخلاصة القول: إن الفتنة بالنساء كانت في زمن نزول الوحي على النبي ﷺ ومن أجل ذلك شرع الله من الأحكام للجنسين - سدا للذريعة - ما سبقت الإشارة إليه فلو شاء الله تعالى أن يوجب على النساء أن يسترن وجوههن أمام الأجانب لفعل سدا للذريعة أيضا (وما كان
стр. 186
ربك نسيا) [مريم: ٦٤] ولأوحى إلى النبي ﷺ أن يأمر المرأة الخثعمية أن تستر وجهها فإن هذا هو وقت البيان كما تقدم ولكنه على خلاف ذلك أراد ﷺ أن يبين للناس في ذلك المشهد العظيم أن سد الذريعة هنا لا يكون بتحريم ما أحل الله للنساء أن يسفرن عن وجوههن إن شئن وإنما بتطبيق قاعدة: (. . . يغضوا من أبصارهم) وذلك بصرفه نظر الفضل عن المرأة
وفي نقدي أنه لا فرق بين هؤلاء المقلدة الموجبين على النساء ستر وجوههن - سدا للذريعة كما زعموا - وبين ما لو قال قائل: يجب على الرجال أن يستروا وجوههم - كما هو شأن الملثمين في بعض البلاد - كي لا تفتتن النساء بالنظر إليهم سدا للذريعة أيضا فهذا كهذا ومن فرق فقد تناقض وتعصب للرجال على النساء إذ أنهم مشتركون جميعا في وجوب غض النظر فمن زاد على الآخر حكما جديدا بغير برهان من الله ورسوله فقد تعدى وظلم (والله لا يحب الظالمين) [آل عمران: ٥٧]
وهنا أستحضر بيتا من الشعر كأن امرأة فقيهة تتمثل به فتقول:
غيري جنى وأنا المعذب فيكم فكأنني سبابة المتندم
ولعل من نافلة القول أن أذكر: أن جل هذا البحث إنما هو مع أولئك المقلدة الذين خالفوا أئمتهم في هذه المسألة - والكتاب والسنة معهم - والذين يرى المقلدون وجوب تقليدهم لأن أقوالهم بالنسبة إلى المقلدين كأدلة الكتاب والسنة بالنسبة للمجتهدين فكما لا يجوز لهؤلاء إلا اتباع
[١٤٠]
стр. 187
الكتاب والسنة فكذلك أولئك لا يجوز لهم إلا تقليدهم هكذا يقولون وهذا مبلغ علمهم وأما هنا فقد أجمعوا على مخالفة الكتاب والسنة من جهة وأقوال أئمتهم من جهة أخرى وزادوا على ذلك - ضغثا على إبالة - فقلدوا من لا يجوز عندهم تقليدهم لأنهم مقلدون مثلهم ومن متأخريهم كما تقدم والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (١ / ٥١ و ٢ ٢٩٣) وحكى أبو الحسن السندي في أول " حاشيته على ابن ماجه " عن السيوطي: إن المقلد لا يسمى عالما. ولذلك سماه المرغيناني الحنفي في " شرح الهداية " (٦ / ٣٥٩) ب " الجاهل " وحكى الخلاف في جواز توليته القضاء ونقل ابن الهمام في " فتح القدير " عن الإمام محمد: إن المقلد لا يجوز أن يكون قاضيا وما أحسن المثال الذي ضربه الإمام الشافعي للمقلد حين قال:
مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري
رواه البيهقي في " المدخل " (٢١٠ - ٢١١) بسند صحيح عنه (١) . ومن الحجة لهم في ذلك قوله ﷺ :
إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم
стр. 188
بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم (وفي رواية: برأيهم) فضلوا وأضلوا ". متفق عليه واللفظ والرواية الأخرى للبخاري (رقم ٦٨ - مختصر البخاري) وراجع له " فتح الباري " (١٣ / ٢٨٢ - ٢٩٠) إن شئت فقد أفاض في شرحه وبيان فوائده وأن المراد بقوله: " رؤوسا جهالا ": إنما هم المقلدة والواقع في أكثر البلاد الإسلامية مصداق هذا الحديث الصحيح ومنه ما نحن فيه. والله المستعان
ثم إنني أقول:
لو أن أولئك المقلدة كانوا على شيء من العلم لما أوجبوا على النساء أن يسترن وجوههن خشية أن يفتتن الرجال بهن مع قولهم: إن الأصل جواز الإسفار. ولقالوا: إذا خشيت المرأة أن يصيبها مكروه من بعض الرجال الأشرار بسبب إسفارها فعليها أن لا تسفر سدا للذريعة. لو أنهم قالوا هذا لكان فقها مقبولا وأما أن يفرض ذلك على النساء عامة في كل زمان ومكان فهو تشريع ما أنزل الله به من سلطان فلا جرم أنه لم يقل به أحد من علماء الإسلام بل قالوا نقيض ذلك كما قدمنا عن القاضي عياض والنووي وابن مفلح وغيرهم من الأعلام
[١٤٢]
стр. 189
خلاصة البحوث المتقدمة:
وتلخيصا لما تقدم أقول:
لقد تجلى للقراء الكرام من هذه البحوث النيرة الحقائق التالية:
стр. 190
١ - إن القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها وكفيها ليس عندهم نص في ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع بل وليس معهم أثر واحد صحيح صريح عن السلف يجب اتباعه اللهم إلا بعض النصوص العامة أو المطلقة التي تولت السنة بيانها ولم يجر العمل بإطلاقها وعمومها عند الأمة فمنهم من استثنى الوجه والكفين ومنهم من استثنى نصف الوجه ومنهم من استثنى من الوجه العينين ومنهم من استثنى عينا واحدة والأولون هم أسعدهم بالكتاب والسنة
стр. 191
٢ - تفسيرهم ل (الخمار) و (الإدناء) و (الجلباب) و (الاعتجار) بخلاف الأحاديث النبوية والآثار السلفية والنصوص اللغوية بل وخلافا لتفسيرهم لآية القواعد من النساء
стр. 192
٣ - استدلالهم على ذلك بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية والموضوعة وهم يعلمون أو لا يعلمون
стр. 193
٤ - ادعاء بعضهم الإجماع على رأيهم وهم يعلمون الخلاف فيه وقد ينقلونه هم أنفسهم ولكنهم يكابرون ومن المخالفين لهم الأئمة الثلاثة ومعهم أحمد في رواية
[١٤٣]
стр. 194
٥ - أنكروا نصوصا صحيحة صريحة على خلاف رأيهم تارة بتأويلها وتعطيل دلالاتها وتارة بتجاهلها أو بتضعيفها وهم جميعا ليسوا من أهل التصحيح والتضعيف وإنما اضطروا أن يدخلوا أنفسهم فيما ليس لهم به علم فصححوا وضعفوا ما شاؤوا دفاعا عن رأيهم
стр. 195
٦ - وربما غير بعضهم في إسناد الرواية راويا بآخر تقوية له وحذف من متن الحديث أوكلام العالم ما هو حجة عليه وساق الأثر محتجا أو مستشهدا به وهو عليه
стр. 196
٧ - تهافتهم على تضعيف قوله ﷺ : " إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها " ومخالفتهم للمحدثين الذين قووه وللقواعد العلمية التي تستوجب صحته بتعليلات وآراء شخصية لا يعرفها أهل العلم
стр. 197
٨ - اتفاقهم على تضعيف الآثار المروية عن الصحابة التي تشهد للحديث مع أن بعضها صحيح السند كابن عباس وابن عمر وله عن ابن عباس وحده سبعة طرق
стр. 198
٩ - كتمان بعضهم بقية طرق الحديث المقوية له وادعاء بعضهم الضعف الشديد في بعض رواته تمهيدا للتخلص من الاستشهاد بها وإيهامهم القراء أنه لا موثق له بالإحالة إلى بعض المصادر والواقع فيها يكذبه
[١٤٤]
стр. 199
١٠ - ادعاء بعضهم نسخ الحديث بآية (الإدناء) خلافا للقواعد العلمية التي توجب الجمع بحمل العام على الخاص ونحو ذلك
стр. 200
١١ - تعلقهم بما لا يصح رواية ودراية لرد ما صح رواية ودراية. وتمسكهم بمطلق القرآن وقد قيدته السنة
стр. 201
١٢ - تعطيل بعض المقلدة لأدلة الكتاب والسنة ولأقوال أئمتهم أيضا القائلة بجواز كشف المرأة لوجهها بتقليدهم بعض المقلدة القائلين بوجوب الستر سدا للذريعة - بزعمهم - خلافا للسرخسي وغيره من العلماء إلى عصرنا هذا
стр. 202
١٣ - تعطيل أحد شيوخهم للقاعدة الفقهية: " تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز " ولقاعدة الاحتجاج بإقراره ﷺ وسكوته عن الشيء للتخلص من دلالة حديث الخثعمية على جواز الكشف
هذه جملة من الحقائق والأوهام التي وقع المخالفون المتشددون فيها - لتعصبهم لرأيهم وإهمالهم القواعد العلمية الحديثية منها والفقهية وإعراضهم عن الاستفادة من أقوال واجتهادات العلماء الآخرين سلفهم وخلفهم - يتلمسها القراء الكرام من تلك البحوث العشرة أحببت أن أجعلها ماثلة بين أعينهم لتكون عبرة لمن يعتبر
[١٤٥]
стр. 203
الخاتمة
هذا ولا بد لي في هذه الخاتمة من لفت النظر إلى أن التشدد في الدين شر لا خير فيه. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: " الخير لا يأتي إلا بالخير ". متفق عليه فكذلك الشدة شر لا تأتي إلا بالشر ولذلك تكاثرت الأحاديث وتنوعت عباراتها في التحذير منها فقال ﷺ :
(صحيح) أولا: " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا. . . ". رواه البخاري (رقم ٣٩)
(صحيح) ثانيا: " إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ". رواه أصحاب الصحاح: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء وغيرهم وهو مخرج في " الصحيحة " (١٢٨٣)
(صحيح) ثالثا: " لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات ". أخرجه البخاري في " التاريخ " وغيره وفد خرجته في " الصحيحة " (٣١٢٤)
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن القراء الكرام قد لاحظوا هذا التشدد مجسما فيما حكينا من أقوالهم وآرائهم التي منها قولهم: " حتى ظفرها " وفي الصلاة أيضا وما تكلفوا به من رد الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية وشهادة فضلاء الصحابة
[١٤٦]
стр. 204
والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك وما قول الإمام مالك إمام دار الهجرة ببعيد عن ذاكرة القارئ وهو أنه يجوز - أو لا بأس - أن تأكل المرأة مع غير ذي محرم (انظر ص ٣٥) وغير ذلك من أقوالهم الصريحة بأن الوجه ليس بعورة
فأقول: ومع ذلك يضلل الشيخ التويجري من قال بهذا القول - كما تقدم نقله عنه (ص ٨) - بل يجعل ذلك من الإلحاد في آيات الله. . . (ص ٤٩) ثم هو لا يخجل أن يدعي الإجماع على أن وجه المرأة عورة وهو نفسه يذكر أن أكثر العلماء على خلاف ذلك - كما تقدم (ص ٣٢) - وأتباعه في هذا التشدد فيهم كثرة مع الأسف
هذا من الناحية العلمية التي يشاركنا في معرفتنا لها كل من وقف على أقوالهم
وأما من الناحية العملية فالأمر غريب جدا وقد توفر عندي ثلاثة أمثلة:
الأول: حدثني صهر لي أنه قصد زيارة شيخ فاضل من أولئك المتشددين فلم يحفل به ولا استقبله لأن زوجته كانت سافرة عن وجهها مع أن حجابها شرعي من كل النواحي هذا والشيخ معروف بتواضعه ودماثة خلقه فأين هذا من قول الإمام أحمد المتقدم (ص ٩) :
لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه
؟
[١٤٧]
стр. 205
الثاني: لما اعتمرت أنا وزوجتي أم الفضل سنة (١٤١٠ هـ) كنا نرى كثيرا من المعتمرات يسعين منقبات فكنت أنصح الرجال وهي تنصح النساء بأن هذا لا يجوز فإن كان ولا بد فعليكن بالسدل ونذكر الحديث الوارد في ذلك فلا نجد منهم تجاوبا وكنت أشعر بأن ذلك أثر من تشديد بعض المشايخ في مسألة الوجه وكان عليهم - إذ أبوا إلا التشديد - أن يضيفوا إلى ذلك تحذير المحرمات من الانتقاب فإنه فاش جدا فيهن كما شاهدت ذلك في كل حجاتي وعمري ورأيت في المسعى شابا يسعى وبجانبه امرأة متنقبة فاقتربت منه وسألته: هذه محرمة؟ قال: نعم. فقلت: يا أخي قال رسول الله ﷺ : " لا تنتقب المرأة المحرمة ولا. . . ". فلم يدعني أكلم الحديث وبادر بقوله: هذه مسألة خلافية قلت: ليس بحثي في وجه المرأة وإنما في انتقاب المحرمة. فلم يعبأ بي وانطلق معها يسعى
الثالث: في السنة المذكورة - وبعد العمرة - قيض لي أن أزور المنطقة الشرقية من السعودية وألقيت فيها بعض المحاضرات وأجبت عن أسئلة السائلين والسائلات أيضا كتابة وهاتفيا فبلغني عن بعض الملتزمات منهن لما بلغهن حديث: " لا تنتقب المرأة المحرمة. . . " قلن: نتنقب ولا نكشف عن وجوهنا ونفدي
فقلت: سبحان الله ما يفعل الجهل بأهله فقد جعل الله لهن
[١٤٨]
стр. 206
مخرجا: أن يسترن وجوههن بالسدل ولكن ذلك من آثار تشديد بعض المشايخ في تلك البلاد مع إهمال التنبيه على الجوانب الأخرى المتعلقة بالمسألة والتيسير فيها
وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلا من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم كما كن في عهد النبي ﷺ كالقيام على خدمة الضيوف وإطعامهم والخروج في الغزو يسقين العطشى ويداوين الجرحى وينقلن القتلى وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية - إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين - أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن متنقبات ومتقفزات؟ لا وربي فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن وجوههن وأكفهن وقد ينكشف منهن ما لا يجوز عادة كما قال تعالى: (إلا ما ظهر منها) كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي ﷺ :
الأول: عن فاطمة بنت قيس: أن النبي ﷺ قال لها:
(صحيح) " انتقلي إلى أم شريك ". وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان فقلت: سأفعل. فقال:
[١٤٩]
стр. 207
" لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك. . . " الحديث. رواه مسلم وهو مذكور بتمامه في " الجلباب " (ص ٦٦)
الثاني: عن سهل بن سعد قال:
(صحيح) " لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي ﷺ وأصحابه فما صنع لهم طعاما ولا قدمه إليهم إلا امرأته أم أسيد. . . فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس "
رواه البخاري ومسلم وغيرهما وهو مخرج في " آداب الزفاف "
الثالث: عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
(صحيح) " تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن. . . قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير - التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي على ثلثي فرسخ قالت: فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه فدعاني ثم قال: " إخ إخ ". ليحملني خلفه قالت: فاستحييت. . . " الحديث
أخرجه البخاري (٥٢٢٤) ومسلم (٧ / ١١) وأحمد (٦ / ٣٤٧) وابن سعد (٨ / ٢٥٠)
[١٥٠]
стр. 208
الرابع: عن جابر:
(صحيح) " أن النبي ﷺ أتى امرأة من الأنصار فبسطت له عند صور -[والصور: النخلات المجتمعات]- ورشت حوله وذبحت شاة وصنعت له طعاما فأكل وأكلنا معه ثم توضأ لصلاة الظهر فصلى فقالت المرأة: يا رسول الله قد فضلت عندنا من شاتنا فضلة فهل لك في العشاء؟ قال: " نعم ". فأكل وأكلنا ثم صلى العصر ولم يتوضأ "
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٤ / ١١٦ / ٢١٦٠) والطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٣٩) من طريق محمد بن المنكدر عنه
قلت: وإسناده صحيح والحميدي في " مسنده " (٥٣٣ / ١٢٦٦) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل: أنه سمع جابر بن عبد الله به نحوه أتم منه والزيادة له
قلت: إسناده حسن ومن هذه الطريق أخرجه أحمد أيضا (٣ / ٣٧٤ - ٣٧٥) به نحوه دون الزيادة
(تنبيه) : لقد توسع المعلق على " أبي يعلى " توسعا غير محمود في تخريج الحديث وعزوه إلى عبد الرزاق وأصحاب السنن وابن حبان وغيرهم موهما أنه عندهم جميعا بهذا التمام الذي عند أبي يعلى وليس كذلك وإنما عندهم الأكل في المرة الأولى والوضوء ثم صلاة الظهر الأكل المرة الأخرى ثم صلاة العصر ولم يتوضأ. وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٨٦)
[١٥١]
стр. 209
الخامس: عن أنس قال:
(صحيح) " لما كان يوم أحد. . . رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخل) تنقزان (أي تحملان) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم "
أخرجه الشيخان. وهو في الكتاب (ص ٤٠)
السادس: عن الربيع بنت معوذ قالت:
(صحيح) " كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة "
أخرجه البخاري (٢٨٨٣) وأحمد (٦ / ٣٥٨)
السابع: عن أم عطية قالت:
(صحيح) " غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى "
أخرجه مسلم (٥ / ١٩٩) وابن أبي شيبة في " المصنف " (١٢ / ٥٢٥) وأحمد (٥ / ٨٤ و ٦ / ٤٠٧) وابن سعد (٨ / ٤٥٥) وللبخاري (٣٢٤) ونحوه والطبراني (٥ / ٥٥ / ١٢١)
[١٥٢]
стр. 210
الثامن: عن أنس:
(صحيح) " أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله: " ما هذا الخنجر؟ ". قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل رسول الله ﷺ يضحك. . . الحديث "
أخرجه مسلم (٥ / ١٩٦) وأحمد (٣ / ١١٢ و ١٩٠ و ١٩٨ و ٢٨٦) وابن سعد (٨ / ٤٢٥) والطبراني (٢٥ / ١١٩ - ١٢٠) وله عند أحمد طريق أخرى (٣ / ١٠٨ - ١٠٩ و ٢٧٩)
وفي رواية له والطبراني (٢٥ / ١٢٣ - ١٢٤) :
(صحيح) " كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى "
وصححه الترمذي وابن حبان وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٢٢٨٤)
التاسع: عن ابن عباس قال:
(صحيح) " كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة "
أخرجه مسلم وغيره وصححه الترمذي وهو مخرج في " الإرواء " (٥ / ٦٩ / ١٢٣٦) و " صحيح أبي داود " (٢٤٣٨ و ٢٤٣٩)
[١٥٣]
стр. 211
ثم جرى الأمر على هذا المنوال بعد وفاته ﷺ وإليك بعض الأمثلة المتيسرة على شرطنا في الثبوت:
الأول: عن مهاجر الأنصاري:
(حسن) " أن أسماء بن يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها "
أخرجه سعيد بن منصور في " السنن " (٣ / ٢ / ٣٠٧ / ٢٧٨٧) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢٤ / ١٥٧ / ٤٠٣) بإسناد حسن
الثاني: عن خالد بن سيحان قال:
شهدت تستر مع أبي موسى ومعنا أربع نسوة يداوين الجرحى فأسهم لهن
أخرجه ابن أبي شيبة (١٢ / ٥٢٧) والبخاري في " التاريخ " (٢ / ١ / ١٥٣) بسند يحتمل التحسين
الثالث: عن عبد الله بن قرط الأزدي قال:
(صحيح) " غزوت الروم مع خالد بن الوليد فرأيت نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات يحملن الماء للمهاجرين يرتجزن "
أخرجه سعيد (٣ / ٢ / ٣٠٧ / ٢٧٨٨) بإسناد صحيح وله عنده (٢٧٨٥) طريق آخر ضعيف معضل
[١٥٤]
стр. 212
الرابع: عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم قال:
(إسناده جيد) " رأيت سمراء بنت نهيك - وكانت قد أدركت النبي ﷺ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر "
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٤ / ٣١١ / ٧٨٥) بإسناد جيد قال الهيثمي (٩ / ٢٦٤) :
ورجاله ثقات
(١)
فأقول: هذه وقائع صحيحة تدل دلالة قاطعة على ما كان عليه نساء السلف من الكمال والسماحة والتربية الصحيحة حتى استطعن أن يقمن بما يجب عليهن من التعاون على الخير ولو لم يكن ذلك في الأصل واجبا عليهن فكيف يكون حالهن إذا فرض الواقع ذلك عليهن مثل الدفاع عن النفس كما فعلت أم سليم رضي الله عن ها حين اتخذت يوم حنين خنجرا ونحوه ما فعلته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عن هما
стр. 213
وهي التي أدبها النبي ﷺ بحديثها المتقدم: ". . . لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها " فقد روى ابن سعد (٨ / ٢٥٣) بسند صحيح:
(صحيح) " أن أسماء بنت أبي بكر اتخذت خنجرا زمن سعيد بن العاص للصوص وكانوا قد استقروا في المدينة فكانت تجعله تحت رأسها "
ذلك كله أثر من آثار تربية النبي ﷺ لهن على الحنيفية السمحة التي لا إفراط ولا تفريط فكانوا كما قال الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران: ١١٠] وقال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة: ١٤٣]
على هذا المنهج النبوي الكريم يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالا ونساء ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرفوا على السنة والسيرة النبوية الصحيحة التي تشمل: قوله ﷺ وفعله وتقريره وما كان عليه سلفنا الصالح مما صح عنهم فإن فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله مستعينا على ذلك بأقوال الأئمة المجتهدين والعلماء المحققين وإلا حاد عن الحق وسبيل المؤمنين ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين نبه على هذا - وهو من نفائسه ولم أره لغيره - بقوله المتقدم (ص ٤٨) :
والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله
[١٥٦]
стр. 214
واعتقادي أن العلماء لو التزموا هذا المنهج لزال كثير من الخلاف القائم بينهم بشرط أن يخلصوا لله ﵎ في طلب الحق والابتعاد عن التقليد الأعمى للمذاهب والآباء والأجداد الذي ابتلي به اليوم كثير من الناس. والله المستعان
ومن خير ما أختم به كتابي هذا كفارة المجلس:
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
عمان مساء الاثنين ٢٦ ذي الحجة سنة ١٤١١
وكتب: محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن
[١٥٧]