← Фикх общий

Фикх общий · id 314

الرد المفحم

ناصر الدين الألباني

Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحقيقة التي غفل عنها المنكرون بقوله في كلمته الرائعة المتقدمة (ص ٩٧) : فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة يعني: ليس في التفاصيل التي لم تتفق الطرق عليها فالمستبعد من هذا القبيل كما هو ظاهر لكل ذي بصيرة ومن هذا المنطلق كنت قلت في " الإرواء " (٦ / ٢٠٣) : فالحديث بمجموع الطريقين حسب ما كان منه من كلامه ﷺ وأما السبب فضعيف لاختلاف لفظه في الطريقين كما ذكرت " والوجه الآخر: استبعاد ذلك مكابرة مكشوفة طالما رأينا منهم أمثالها ذلك لأنه ليس في الشرع - ولا في العقل - وما يمنع من وقوع ذلك من أسماء أو غيرها لانتفاء العصمة كما ذكرت آنفا كيف وقد استجاز النبي ﷺ أن يقع من عائشة الصديقة المطهرة أخت أسماء ما يهون ذكر ما استعبده هؤلاء عن أسماء ألا وهو قوله ﷺ لعائشة في قصة الإفك: (صحيح) " إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. . . " الحديث؟ رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في " الصحيحة " (١٢٠٨) أضف إلى ما تقدم أنه ليس في حديث أسماء أنها لبست الثياب الرقاق تبرجا ومخالفة للشرع فلو أنه صح ذلك عنها - ولم يصح كما علمت - لوجب حمله على أنه كان منها عن غفلة أو لغير علم فقد وقع [١٠٦]

стр. 142

نحوه لحفصة بنت أخيها عبد الرحمن فقالت أم علقمة بن أبي علقمة: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا أخرجه مالك في " الموطأ " (٣ / ١٠٣) فثبت من هذا البيان أن ما استبعدوه غير مستبعد شرعا ولا عقلا على أنه لم يثبت وأنه لو ثبت لم يخدش في متن الحديث. والله ولي التوفيق وإن تعجب فعجب من هؤلاء كيف يتعلقون بما لا يصح رواية ودراية إذا كان عليهم؟ فإذا كان لهم قبلوه وأوهموا ثبوته وهو بالاستبعاد أولى فقد ذكر الشيخ التويجري في كتابه (ص ١٨١) من رواية عائشة أنها تنقبت لتنظر إلى صفية لما قدم بها النبي ﷺ المدينة فسأل ﷺ عائشة: (ضعيف) " كيف رأيت؟ ". فقالت: يهودية وسط يهوديات فهذا القول في صفية ومن معها من نساء الأنصار غير مستبعد عندهم لماذا؟ لأن في الحديث ذكر انتقاب عائشة مع أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني عن هذا الحديث المنكر (١) ألا يدل هذا أن القوم لا ينطلقون من

стр. 143

علم وإنما عن هوى وعن القاعدة الجاهلية: الغاية تبرر الوسيلة؟ ومثله احتجاج التويجري (ص ١٨٢) - وتبعه ظله محمد بن إسماعيل (٣ / ٣٢٩) وغيره - بحديث ابن عمرو: (ضعيف) " قبرنا مع رسول الله ﷺ رجلا فلما رجعنا إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها فقال: يا فاطمة. . . " الحديث وفيه: " لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " وهذا كالذي قبله أورده مستدلا به على تستر النساء في زمنه ﷺ وليس هذا موضع خلاف لو فرض أنه نص في ستر الوجه لأنه مشروع ولكن لا يدل على الوجوب هذا لو صح وليس كذلك كيف وقد ضعفه مخرجه النسائي بربيعة بن سيف فقال: " ضعيف "؟ وكتم التويجري هذا وظله واغتر بمن صححه من المتساهلين أو الواهمين كما بينته في " ضعيف أبي داود " (٥٦٠) الشبهة الثانية: ذكرها العنبري الذي سبقت الإشارة إليه في " كتيبه " فأعله أيضا (ص ٣٢ - ٣٣) باختلاف الرواة في ضبط متن الحديث كذا قال وهو يعني سبب ورود الحديث وجوابه يعلم مما ذكرته في الجواب الأول عن الشبهة الأولى فإنه لا علاقة له بمتن الحديث الذي هو [١٠٨]

стр. 144

قوله ﷺ وقد اتفقت الطرق الثلاثة عليه فلا داعي للإعادة نعم لقد شغب العنبري على المتن من ناحية واحدة فقال: نرى الرسول ﷺ في الطريق الأولى يشير إلى الوجه والكفين وفي الطريق الثانية لم يبد إلا أصابعه فأقول: نعم ولكن ما بالك كتمت اتفاق الطريق الثالثة الصحيحة إلى قتادة باعترافك مع الطريق الأولى؟ أليس هذا مما يرجح لفظ " الكفين " على " الأصابع " ثم ماذا يفيد هذا الشغب في هذا الاختلاف المرجوح مع اتفاق الطرق الثلاثة على ذكر الوجه وهو الجانب الأهم من الاختلاف الذي خالفتم فيه السلف والأئمة؟ الشبهة الثالثة: زعموا أن الحديث لو كان صحيحا لما خالفته أسماء بنت أبي بكر التي وجه الحديث إليها فقد كانت تغطي وجهها من الرجال وهي محرمة فنقول: أولا: لم تتفق الطرق على ذكر أسماء في الحديث كما اتفقت على متنه فإن ثبت ذلك من أن النبي ﷺ وجه الحديث إليها فالجواب: ثانيا: قد قررنا مرارا أن تغطية المرأة وجهها هو الأفضل خلافا لما افتراه [١٠٩]

стр. 145

الأفاكون علينا (١) فأسماء رضي الله عن ها قد أخذت بالأفضل وتركت ما هو جائز لها فلا إشكال وإنما كان من الممكن أن يصح زعمهم لو كان يدل الحديث على وجوب كشف المرأة عن وجهها وهذا مما لا يخطر في بال أحد إلا أن يكون أعجميا لا يفقه من العربية شيئا كما فعل بعضهم حينما نسبني إلى مخالفة فتواي تقواي - على حد تعبيره - كما كنت شرحت ذلك في المقدمة الثانية لكتابي " الحجاب " فراجعها إن شئت فالظاهر أن الزعم المذكور على مثل هذه العجمة وإلا لما قال قائلهم: " فما لأسماء لم تعمل بحديث السفور " (٢) ومن العجيب أن هذا القائل ينتسب إلى بني تميم فما مثل هذا إلا كما لو قال قائل: ما بال بلال رضي الله عن هـ لم يعمل بالاستثناء في قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) [آل عمران: ٢٨] وقوله: (إلا من أكره

стр. 146

وقلبه مطمئن بالإيمان) [النحل: ١٠٦] كما فعل عمار رضي الله عن هـ كما يروى عنه أنه قال كلمة الكفر إبقاء لمهجته؟ لا يقول هذا عربي بل ولا أعجمي مستعرب لأنه يعلم أن الاستثناء هنا إنما يفيد الجواز فأخذ به عمار دون بلال فهل من إشكال؟ انظر كتاب الشيخ التويجري (ص ٢٠٤) لترى الفقه الأعجمي مجسدا مجسما الشبهة الرابعة: تفرد بإيرادها الأخ محمد بن إسماعيل الإسكندراني فقال في " عودة الحجاب " (٣ / ٣٤٢) : لا يتصور أن تأمر الآية والأحاديث الصحيحة المؤمنين بغض الأبصار في حين نجد في هذا الحديث تصريحا بإباحة النظر إلى الوجه والكفين مما يوجب تأويل الحديث - على فرض ثبوته إلى آخر كلامه فأقول: أما ثبوته فقد سبق بيانه بما لا يدع مجالا للشك فيه عند كل منصف يعرف طرق العلماء في إثبات الأحاديث وقواعدهم التي عليها يبنون أحكامهم وأما الجهلة بهذا العلم والذين لا يسألون أهل الذكر ويتشبثون بأقوال من هب ودب ممن ليس في العير ولا في النفير فلا شأن لنا معهم وأما الجواب فهو كالتالي: [١١١]

стр. 147

لقد قام في نفسك أن الآية مطلقة وأن الحديث لا يصلح لتقييدها وكل من الأمرين أنت فيه لغلبة التقليد عليك وفقدان التحقيق أما الحديث فقد سبق الكلام فيه وأنه صحيح وأما الآية فقد أفصحت عن خطئك فيها حين قلت (ص ٣٧٨) : إن الأمر بغض البصر مطلق فيشمل كل ما ينبغي أن يغض البصر عنه. . .) فقولك: مطلق " خطأ جرك إلى رد هذا الحديث الصحيح فإنه خلاف ما عليه المفسرون: كابن جرير والقرطبي وابن كثير فقالوا - واللفظ لابن كثير -: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه. . .) ففي الآية إذن ما يحرم النظر إليه وما يباح على الرجال والنساء فادعاؤك الإطلاق مردود عليك ولا سيما أنك بنيت عليه رد هذا الحديث الصحيح أو تعطيل دلالته بمعول التأويل الذي هدمتم به أدلة قاطعة وبخاصة ما كان منها حديثا نبويا كما فعلت أنت ومقلدك بحديث الخثعمية وغيره - كما تقدم في البحث السادس " (ص ٤١ - ٤٤) - وبحديث فاطمة بنت قيس - كما تقدم هناك (ص ٤٦ - ٤٧) - وقلده من يجري خلفه دون أي بحث أو تحقيق - كابن خلف وغيره - ثم نقلته أنت [١١٢]

стр. 148

عنه في كتابك (٣ / ٣٢٧) مسلما مستكثرا به جاهلا أو متجاهلا - لا أدري والله - أن الخمار لغة وشرعا: غطاء الرأس دون الوجه كما عليه المسلمون سلفا وخلفا - وأنت منهم - فإني مهما ظننت بك وبأمثالك من المخالفين لا يصل الظن بكم أن تأمروا نساءكم أن يسترن وجوههن إذا قمن إلى الصلاة في البيت عملا بقوله ﵊: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " بناء على زعمكم أن الخمار غطاء الوجه أيضا والمقصود أن الغض ليس على إطلاقه كما زعمت ولذلك قال ابن كثير في تمام كلامه السابق: (صحيح) " فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا كما رواه مسلم عن جرير قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري " (١) قلت: فالآية إذن كالحديث إنما تأمر بغض النظر عما حرم فقط فالإنصاف أن يقال: إن كان وجه المرأة مما يحرم عليها كشفه أمام الأجانب حرم عليهم النظر وإن جاز جاز. فهل أنصف القوم؟ الجواب مع الأسف: لا والدليل: أنهم لا يجيزون للمرأة أن تنظر إلى وجه الرجل وما دونه

стр. 149

مما ليس بعورة منه واحتجوا بهذه الآية أي: بإطلاقها وقد عرفت خطأهم بخطأ مقلدهم كما احتجوا بحديث: " أفعمياوان أنتما؟ " وهو ضعيف كما تقدم بيانه والجواب عنه على افتراض صحته (ص ٦٣ - ٧٢) ثم تكلفوا في رد أدلة المجيزين للنظر بدون ريبة كما فعلوا بحديث نظر عائشة رضي الله عن ها إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد وهو مخرج في " آداب الزفاف " (٢٧٢ - ٢٧٤ / المكتبة الإسلامية) من رواية الشيخين وغيرهما وفيه: أن النبي ﷺ قال لها: (صحيح) " أتحبين أن تنظري إليهم؟ ". وقولها: فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم. وقولها: وما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه. ومع هذه النصوص الصريحة في نظرها إليهم فقد عطلوا دلالتها - كما هي عادتهم - بقولهم تارة: ليس في الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم وإنما نظرت إلى لعبهم فأقول: يكفي القارئ الكريم أن يتصور هذا الجواب ليظهر له بطلانه إذ لا يمكن الفصل بين النظر إلى الصفة وهو اللعب وبين الموصوف وهو اللاعب فكان عائشة تنظر في زعمهم إلى اللعب دون اللاعب هكذا فلتعطل النصوص ولو أنهم قالوا: لم تنظر إلى عورة أو لم تنظر إليهم بنظرة مريبة أو بخشية الفتنة لأصابوا فإن هذا هو المحرم بين الجنسين [١١٤]

стр. 150

أن ينظر أحدهما إلى عورة الآخر أو إلى ما ليس بعورة ولكن بشهوة أو يخشى الفتنة كما تقدم عن ابن عبد البر وغيره وقد تقدمت أقوالهم في بعض البحوث المتقدمة وسأجمعها لك قريبا إن شاء الله تعالى ثم رأيت للحافظ ابن القطان كلاما قويا جدا - لم أره لغيره من أهل العلم - يوافق ما ذكرته من الإنصاف من جهة ويلتقي في النهاية مع أقوالهم المشار إليها من جهة أخرى فرأيت أن لا أفوت على القراء فائدتها فقال ﵀ في كتابه (ق ٥٤ / ٢) : وقد قدمناه في مواضع أن إجازة الإظهار دليل على إجازة النظر فإذا نحن قلنا: يجوز للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها لكل أحد على غير وجه التبرج من غير ضرورة لكون ذلك مما ظهر من زينتها ومما يشق تعاهده بالستر في حال المهنة فقد جاز للناس النظر إلى ذلك منها لأنه لو كان النظر ممنوعا مع أنه يجوز لها الإبداء كان ذلك معاونة على إثم وتعريضا للمعصية وإيقاعا في الفتنة بمثابة تناول الميتة للآكل غير المضطر فمن قال من الفقهاء بجواز الابداء فهو غير محتاج إلى إقامة دليل على جواز النظر وكذلك ينبغي أن يكون من لم يجز للمرأة الإبداء والإظهار غير محتاج إلى إقامة الدليل على تحريم النظر وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها فإذن النظر إلى ذلك جائز لكن بشرط أن لا يخاف الفتنة وأن لا يقصد اللذة أما إذا قصد اللذة فلا نزاع في التحريم [١١٥]

стр. 151

وتارة يقولون: كان ذلك قبل نزول آية الحجاب (١) وأنها كانت صغيرة. نقل هذا التويجري معجبا به قائلا (ص ١٥٤) : ولا مزيد عليه وهذا من مكابرته وجحده للحقائق العلمية فإنه يعلم أن الحافظ ابن حجر قد أبطل هذه الأقوال فأثبت أن ذلك كان بعد بلوغ عائشة رضي الله عن ها بسنين فانظر لزاما " فتح الباري " (١ / ٥٥٠ و ٤٤٣ - ٤٤٥) ومن ذلك تأويلهم لحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عن ها - كما تقدم بيان ذلك (ص ٤٦ - ٤٧) - فإنه يدل على جواز نظرها إلى الضيفان الأجانب ونظرهم إليها أي: إلى وجهها. ولذلك جعلها القرطبي في " تفسيره " مخصصا لعموم قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) [النور: ٣١] وبه وبحديث عائشة استدل كبار علماء الحنابلة من المقادسة وغيرهم - كما تقدم (ص ٦٦) - على إباحة نظر المرأة إلى غير عورة الرجل وقد يكون هذا من المتفق عليه بشرط انتفاء الشهوة فقد رأيت الحافظ ابن القطان يقول في كتابه (ق ٦٤ / ١) : لا خلاف أعلمه في جواز نظر المرأة إلى وجه الرجل ما كان إذا لم تقصد اللذة ولم تخف الفتنة كنظر الرجل إلى وجه الغلمان والمردان إذا

стр. 152

لم يقصد ولا خوف. . . كذلك أيضا لا خلاف في جواز إبداء الرجال شعورهم وأذرعهم وسوقهم بحضرة الرجال وبحضرة النساء " إذا عرفت هذا فأنا أقول دون أي تردد: إن هؤلاء المتشددين على النساء مع مخالفتهم للنصوص الشرعية وأقوال الأئمة فإنهم لا يفكرون فيما يخرج من أفواههم أو على الأقل لا ينتبهون إلى أبعاد أقوالهم وإلا كيف يتصورون أن تغض المرأة بصرها عن الخطيب يوم الجمعة مثلا وهو يخطب أو عن المفتي وهي تستفتيه؟ بل كيف يمكن لهذا المفتي وأمثاله من الباعة أن لا ينظروا إلى وجهها ويديها وهم يتعاملون معها "؟ فالحق أقول: إن هؤلاء المتشددين يقولون ما لا يعقلون ويعملون بخلاف ما يقولون فأخشى أن يعمهم قول رب العالمين: (يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) [الصف: ٢] وهذا الحديث الصحيح الذي نحن في صدد دفع الشبهات عنه يؤكد المعنى المذكور في الحديثين المذكورين ويزيد عليهما أنه يصرح بجواز نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها كما ذكر الأخ الإسكندراني نفسه ولكنه أساء - مع الأسف - مرتين: الأولى: أنه فهم الأمر بغض البصر أنه مطلق وليس كذلك كما تقدم عن أئمة التفسير والأخرى: أنه بدل أن يفسر آية الغض بهذا الحديث - كما هي القاعدة [١١٧]

стр. 153

في تفسير القرآن بالسنة - فإنه خالف القاعدة وضرب الحديث بها وضربه إياه كان على وجهين: أولا: افترض صحة الحديث وهو صحيح في واقع الأمر عند أهل العلم الواقعين على طرقه وشواهده كما تقدم تحقيقه في هذا البحث الثامن بما لا تجد له نظيرا في كتاب آخر. والفضل كله لله أولا وآخرا ثانيا: تأويله إياه وذلك أن التأويل لأي نص شرعي لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع وليس الأمر كذلك في هذا الحديث فقد وافق العلماء - على اختلاف اختصاصاتهم ومذاهبهم - بحمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص - كما تقدم عن القرطبي - أو بقاعدة استثناء الأقل من الأكثر كما يقول ابن حزم وإلى هذا مال الشوكاني في " نيل الأوطار " كما تقدم نقله عنه (ص ٢٧ - ٢٨) وإليك الآن ما وعدتك به من جمع أقوال العلماء المتقدمة الذين صرحوا بما دل عليه هذا الحديث الصحيح من جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها ونظر الرجال إلى ذلك منها دون شهوة أو ريبة ليتبين للقراء الكرام أن بعض المشايخ المخالفين يتشددون على الناس ويدلسون على قرائهم ويوهمونه أن الإجماع على خلاف أقوال العلماء المشار إليهم ملاحظين في سردها تاريخ وفياتهم ليتبين لهم استمرار القول بذلك إلى يومنا هذا كاستمرار العمل به مذكرين مرة أخرى بأن الغرض من ذلك إنما هو بيان [١١٨]

стр. 154

ما أمر الله بيانه من العلم ونهي عن كتمانه وبخاصة بعد أن قام أولئك المشايخ بكتمانه عن الناس وقلب الحقائق الشرعية حتى حمل ذلك آخرين من المتشددين على معاكستهم فألف أحدهم ما أسماه ب " تذكير الأصحاب بتحريم النقاب " فهذا في واد وأولئك في واد والحق بينهما كما كنت ذكرت نحوه في مقدمة الطبعة الثانية ل " الحجاب " فها هي الأسماء وبجانبها تاريخ الوفاة ومعها أقوالهم:

стр. 155

١ - سعيد بن جبير (ت ٩٥) : لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها (ص ٥١)

стр. 156

٢ - و ٣ و ٤ - أبو حنيفة (ت ١٥٠) وصاحباه أبو يوسف (ت ١٨٣) ومحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩) ويأتي قولهم قريبا

стр. 157

٥ - مالك بن أنس (ت ١٧٩) : لا بأس أن تأكل المرأة مع غير ذي محرم (ص ٣٥)

стр. 158

٦ - أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١) : أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (ص ٣٤) [١١٩]

стр. 159

٧ - ابن عبد البر (ت ٤٦٣) : وجائز أن ينظر إلى يديها ووجهها كل من نظر إليها لغير ريبة ومكروه (ص ٣١)

стр. 160

٨ - البغوي في " شرح السنة " (ت ٥١٦) : لا يجوز للرجل أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين إلا عند خوف الفتنة (ص ٣٥ - ٣٦)

стр. 161

٩ - الزمخشري (ت ٥٣٨) : لا بأس بإبداء ما كان ظاهرا منها كالخاتم والكحل والخضاب (ص ٢٧)

стр. 162

١٠ - القاضي عياض (ت ٥٤٤) : قال العلماء: لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال (ص ٢٧ و ٤٠)

стр. 163

١١ - ابن القطان (ت ٦٢٨) : وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها فالنظر إلى ذلك جائز لكن بشرط أن لا يخاف الفتنة وأن لا يقصد اللذة أما إذا قصد اللذة فلا نزاع في التحريم (ص ١١٥) [١٢٠]

стр. 164

١٢ - ابن مفلح الحنبلي (ت ٧٦٣) : قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي الإنكار عليهن إذا كشفن عن وجوههن في الطريق (ص ٤٠)

стр. 165

١٣ - ابن رسلان من شرح " سنن الترمذي " (ت ٨٠٥) : يجوز نظر الأجنبية عند أمن الفتنة (ص ٢٧)

стр. 166

١٤ - الشوكاني (ت ١٢٥٥) : إن الوجه والكفين مما استثني واستدل بهذا الحديث (ص ٢٨)

стр. 167

١٥ - جماعة من علماء المذاهب الأربعة المعاصرين قال في " الفقه على المذاهب الأربعة ": يحل النظر لهما عند أمن الفتنة (ص ٣٠) قلت: وبالجملة فهذه الأقوال من هؤلاء العلماء الأجلاء متفقة على أمرين اثنين: الأول: أن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة وهو مذهب أكثر العلماء ورواية عن الإمام أحمد كما أثبتنا ذلك في " البحث الخامس " (ص ٢٧) والآخر: أنه يجوز النظر إلى ذلك من المرأة بغير شهوة فأقول وينبغي أن يكون هذا مذهب سائر العلماء الذين قالوا بالأمر [١٢١]

стр. 168

الأول ضرورة أنه لا يجتمع القول بالمنع مع القول بجواز الإبداء كما حققه ابن القطان ﵀ فيما نقلته عنه آنفا (ص ١١٥) وهذا مطابق تماما لهذا الحديث الصحيح المصرح بالأمرين معا فعدم تصور الأخ الإسكندراني لذلك من ضيق عطنه وقلة علمه وإلا لزمه القول بأن هؤلاء العلماء الأجلاء قالوا بما " لا يتصور " وما أظنه يبلغ به الأمر إلى اتهامهم بذلك وبهذا تنهار هذه الشبهة الرابعة أيضا الشبهة الخامسة: قال أحد الفضلاء: وعلى التسليم بصحة الحديث يحمل على ما قبل الحجاب (١) لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم فأقول: لا يصح الحمل المذكور هنا لأمرين: الأول: أنه ليس في تلك النصوص ما هو صريح الدلالة على وجوب ستر الوجه واليدين حتى يصح القول بأنها ناقله عن الأصل والآخر: أن " نصوص الحجاب " المشار إليها تنقسم إلى قسمين من حيث دلالتهما: الأول: ما يتعلق بحجاب البيوت حيث المرأة مبتذلة في بيتها فهذا

стр. 169

لا علاقة له بما نحن فيه كما هو ظاهر على أنه ليس فيه إلا آية الأحزاب: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) [الأحزاب: ٥٣] وقد قدمنا عن ابن تيمية أنها في البيوت والآخر: ما يتعلق بالمرأة إذا خرجت من بيتها وهو الجلباب فالنصوص الواردة فيه قسمان أيضا: الأول: ما كان خبرا عن تجلبب النساء في عهده ﷺ فما كان من هذا النوع منصوصا فيه على ستر الوجه - كحديث عائشة في قصة الإفك ونحوه مما كنت ذكرته في فصل " مشروعية ستر الوجه " - فلا علاقة له بالبحث لأنه مجرد فعل لا يصلح أن يكون ناقلا من الأصل إلى التحريم وهذا ظاهر لا يخفى على عالم فقيه منصف وإن غفل عنه بعض الدكاترة والآخر: ما كان تشريعا يتضمن أمرا بخلاف ما كانوا عليه من قبل وليس من هذا إلا آية " إدناء الجلابيب " وآية " ضرب الخمر على الجيوب " وليس فيهما أي دليل على تحريم كشف الوجه واليدين لا لغة ولا شرعا كما سبق تحقيقه - بما لا مزيد عليه - فيما وإن مما يؤكد هذا لكل منصف متجرد عن الهوى والعصبية المذهبية أن هؤلاء المسلمين بصحة هذا الحديث يشتركون معنا في القول بجواز النقاب الذي يكشف عن عينيها - وعما دونهما ولو أحيانا - فهل خالفوا [١٢٣]

стр. 170

بذلك تلك النصوص الناقلة بزعمهم أم (هم قوم خصمون) ؟ وزيادة في بيان بطلان هذه الشبهة أقول: إن قصدهم بقولهم المذكور: إن هذا الحديث - الصحيح عندنا والمسلم بصحته عندهم - منسوخ بآية الحجاب: (يدنين عليهن من جلابيبهن) [الأحزاب: ٥٩] وقد صرح بذلك بعض مقلديهم كتلك المسماة ب (رغداء) في " حجابها " (ص ٣٤) والشيخ البليهي والصابوني وغيرهما كما في " العودة " (٣ / ٣٤٣) وهذا - والله - من أعجب العجاب من أولئك الفضلاء لأن الآية ليس فيها دلالة صريحة على وجوب التغطية كما ذكرت آنفا ولئن دلت على ذلك فإنما هو بدلالة العموم (١) لا يمكن إلا ذلك سواء من حيث لفظة (الجلباب) أو (الإدناء) فالحديث يشترك في الدلالة هذه في شطره الأول: " إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها. . . " فإنه بمعنى لم يصلح أن يرى منها شيء ثم زاد على الآية فقال: " إلا وجهها وكفيها " فهذا صريح في أن العموم غير مراد فإن كانت الآية عامة فالحديث مخصص لها وإلا فهو مبين لها كما قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل: ٤٤] وهذا ظاهر جدا فلا أدري كيف استقام في أذهان هؤلاء المخالفين ادعاء

стр. 171

نسخ الحديث بالآية؟ فإن هذا مخالف لما هو مقرر في علم أصول الفقه فما مثلهم إلا كمثل من قد يقول: إن حديث: (صحيح) " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " (متفق عليه) منسوخ بقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨] وأن قوله ﷺ في البحر: (صحيح) " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " - وما في معناه - منسوخ بقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) [المائدة: ٣] والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة جدا ولذلك صرح الشوكاني باستثناء الوجه والكفين مستدلا بهذا الحديث كما تقدم آنفا ثم بدا لي وجه ثالث: وهو أنه إنما يصح الحمل المذكور على فرض أن الحجة في مسألتنا إنما هي البقاء على الأصل ألا وهو الإباحة فحينذاك يصح الحمل المذكور أما والواقع ليس كذلك - لأن البحث في هذا الحديث على التسليم بصحته - فالحمل المذكور باطل إذ كيف يحمل على ما قبل الحجاب أو الجلباب وهو معه في تحريم عدم تستر المرأة بالجلباب؟ أي: في النقل عن الأصل ويزيد على آية الجلباب أنه استثنى منه الوجه والكفين - كما تقدم بيانه - وهذا واضح جدا وبهذا يتبين أيضا سقوط كلام الأخ الإسكندراني في كتابه (٣ / ٣٤٤) الذي حاول به دعم الحمل المذكور بكلام نقله عني حول الذهب المحلق متوهما أنه حجة علي لغفلة عن الفرق بين ما هو الأصل فينقل عنه بالنص العام وبين النص الناقل عن الأصل مقرونا بالاستثناء الدال على [١٢٥]

стр. 172

بقاء ما فيه على الأصل لقد غفلوا جميعا عن هذه الحقيقة وما مثلهم في ذلك إلا مثل من يحرم الذهب مطلقا والحرير على النساء مع استثنائه ﷺ لهن من التحريم في الحديث الصحيح لطرقه: " هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها " حاملا إياه على الأصل فهل يفعل هذا أحد من أهل العلم؟ ذلك مما لا أظنه ولكن قد فعل مثله هؤلاء الخالفون في حديثنا هذا فنسخوا الخاص بالعام والله المستعان وما تقدم آنفا هو الجواب أيضا عن سؤال طرحه المعروف بابن خلف في " نظراته " (ص ٨٧) فقال بجهل بالغ: لماذا لا يقول بالقاعدة الفقهية: إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر؟ وأيده الأخ الإسكندراني (٣ / ٣٤٥ - ٣٤٦) بكلام لا طائل تحته بعضه يتعلق بالخبر الناقل عن الأصل - وعرفت جوابه - والآخر بهذه القاعدة والجواب هو الجواب نفسه أي: ليس هنا فهي كالقاعدة الأولى المتعلقة بتقديم الخبر الناقل عن الأصل فالقاعدتان صحيحتان ولكن وضعتا في غير مكانهما ومن لم يصدق فليطبقهما على مثال الحرير والذهب للنساء إن شاء وخلاصة الجواب عن هذه الشبهة الخامسة: أن القوم أعرضوا عن التعامل مع هذا الحديث - على تسليمهم بصحته وهو عندنا صحيح - بالقواعد العلمية الأصولية الصحيحة التي منها: لا يصار إلى النسخ [١٢٦]

стр. 173

إلا إذا تعذر الجمع ومنها حمل العام على الخاص وقد قال العلماء: لا يحل لأحد أن يقول في آية أو حديث: إنهما منسوختان لا يجوز العمل بهما إلا بنص جلي أو إجماع ذكره ابن حزم في " الإحكام في أصول الأحكام " وأن إجماع العلماء عليه (٣ / ١٣٠) وفصل ذلك في " فصل في كيف يعلم المنسوخ والناسخ مما ليس منسوخا " (٤ / ٨٣ - ٩٢) فليراجعه من شاء فإنه مهم البحث العاشر: هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدا للذريعة؟ فأقول: هذا السؤال يطرحه اليوم كثير من المقلدة الذين لا ينظرون إلى المسائل الشرعية بمنظار الشرع وأدلته ولا يتحاكمون عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة وإنما إلى ما قام في نفوسهم من الآراء والأفكار ولو أنهم استجابوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم لاستراحوا وأراحوا ولكنهم أعرضوا عن ذلك وعن أقوال أئمتهم بأن عليهم جميعا - رجالا ونساء - أن يغضوا من أبصارهم على التفصيل المتقدم بيانه ولجؤوا إلى تقليد بعض المقلدين الذين جاؤوا من بعد الأئمة بعلة ابتدعوها وهي قولهم: " بشرط أمن الفتنة " (١) - أي: الافتتان بها - وإلا وجب عليها سترهما

стр. 174

وغلا أحدهم - ممن لا فقه عنده ولا نظر - فنسب ذلك إلى اتفاق الأئمة رضي الله عن هم (١) فإن المتبادر من لفظة: " الأئمة " إنما هم الأئمة الأربعة المجتهدون ولا علم عن أحد منهم أنهم اشترطوا الشرط المذكور ولا يليق ذلك بعلمهم لما يأتي بل إن ظاهر ما تقدم ذكره (ص ١١٩ - ١٢١) من قولهم بإباحة النظر إلى ذلك منهن ينافيه ولذلك لم يعرج على الشرط المذكور أحد كبار أتباع أبي حنيفة من المتأخرين وهو محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر شمس الأئمة السرخسي المتوفى في حدود الخمسمائة الذي وصفه العلامة اللكنوي في " الفوائد " (١٠٨) ب: كان إماما علامة حجة متكلما مناظرا أصوليا مجتهدا عده ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل أقول: فالسرخسي هذا - مع إمامته - صرح - تبعا لأبي حنيفة وصاحبيه والطحاوي كما تقدم - بإباحة النظر إلى الأجنبيات مع أنه ذكر أن حرمة النظر لخوف الفتنة وأن الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر أعضائها فقال في كتابه " المبسوط " (١٠ / ١٥٢ - دار المعرفة بيروت) :

стр. 175

" ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس رضي الله عن هم فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفيها. . . (١) إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها " قلت: وقوله: " علي " لعله سبق قلم أو خطأ من الناسخ أو الطابع فإنا لم نجد في الأخبار التي أشار إليها السرخسي شيئا عن علي وهي عن ستة من الصحابة وقد ذكرت أسماءهم فيما تقدم (ص ١٠٣ - ١٠٤) ومنهم عائشة وابن عمر فأخشى أن يكون محرفا من " عائشة " ولفظ حديثها عند البيهقي (٢ / ٢٢٦) : (ضعيف) " (ما ظهر منها) : الوجه والكفان " وإسناده ضعيف لكن له طريق أخرى بنحوه عند ابن أبي شيبة وغيره ويشهد له أثر ابن عمر بلفظ: (صحيح) " الزينة الظاهرة: الوجه والكفان " أخرجه ابن أبي شيبة (٤ / ٢٨٤) بسند صحيح عنه ثم روى مثله عن ابن عباس وسنده صحيح أيضا

стр. 176

وأما تعليق الأخ الإسكندراني على قول السرخسي: " علي وابن عباس " يقوله (٣ / ٤٢٠) : يشير إلى ما روي عنهما رضي الله عن هما في تفسير قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) : بأنه الكحل والخاتم وقد بين الإمام أكمل الدين محمد البابرتي الحنفي في شرح العناية على الهداية " أن دلالة قولهما على الوجه والكفين غير واضح قال: إذ الظاهر أن موضع الكحل هو العين لا الوجه كله وكذا موضع الخاتم هو الإصبع لا الكف كله والمدعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله وإلى كفيها بالكلية اه. (١٠ / ٢٤) " فأقول: هذا التعليق والاستظهار الذي فيه خطأ من وجوه: أولا: أنه على أن الزينة المذكورة في الآية هي الزينة نفسها وليس موضعها وهذا خطأ مخالف لما عليه المحققون من المفسرين وغيرهم - كما تقدم (ص ٢٧ - ٣٢) - ولا أدل على ذلك من أنه لا قائل بأنه لا يجوز للمرأة أن تظهر حليها للأجنبي وهي ليست على بدنها كما لا قائل بالعكس أي أن تظهر مواضعها من بدنها والزينة ليست عليها ثانيا: مما يؤكد الخطأ أنه لا يمكن رؤية الخاتم في الإصبع إلا برؤية الكف فثبت أن المقصود في الأثر هو الموضع وليس الزينة نفسها [١٣٠]

стр. 177

ثالثا: أن ذلك قائم على اللفظ الذي ذكره المعلق: " الكحل والخاتم " وذلك خطأ منه لأمرين اثنين: الأول: أنه ضعيف لا يصح حكى ذلك المعلق نفسه في مكان آخر (٣ / ٤٣١) والصحيح الثابت عن ابن عباس وغيره إنما هو بلفظ: " الوجه والكفان " كما تقدم قريبا فالدلالة واضحة جدا والأخر: أن المقرون مع ابن عباس في عبارة السرخسي إنما هو ابن عمر أو عائشة - كما رجحته آنفا - ولفظهما هو عين اللفظ الصحيح عن ابن عباس كما رأيت وعليه فلا يجوز حمل لفظهما - أو لفظ أحدهما - على لفظ ابن عباس الضعيف عنه كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم وبهذا يسقط الاستظهار المذكور من أصله ويظهر أن التعليق المذكور لا قيمة له من الناحية العلمية لأنه قائم على التحويش دون التحقيق والتفتيش وتمييز الصحيح من الضعيف من الروايات وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم -:لماذا آثر الأخ محمد بن إسماعيل اللفظ الضعيف على اللفظ الصحيح؟ والجواب: من وجوه: أولا: لأنه المناسب لكلام البابرتي الحنفي ثانيا: لأنه لا يعرف الفرق بين اللفظين رواية ويعرف الفرق بينها دراية [١٣١]

стр. 178

ثالثا: أنه لا يعلم صحة أي منهما لأنه كان تورط ببحث طويل للشيخ عبد القادر السندي - أصلحه الله - حول أثر ابن عباس دندن فيه حول هذا اللفظ الضعيف وأفاض في بيان ضعفه مع المبالغة في تضعيف رواية - مع التكرار الممل والاضطراب المخل في الحكم - بما لا مجال لبيان ذلك هنا وكتم هذا اللفظ الصحيح ولم يتعرض لذكر إسناده ولكنه أشار إليه (ص ١٨) بقوله: وهنا أسانيد أخرى لا تقل درجتها في الضعف والنكارة كذا قال هداه الله وهو في ذلك كاذب وانطلى كذبه على أخينا الطيب فنقل كلامه في كتابه (٣ / ٢٦٣ - ٢٦٥) وأقره عليه لجهله كغيره بهذا العلم بل وعنون له بقوله: " تحقيق الآثار المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عن هما " أتبع ذلك ببحث عنون له ب " الجواب عن قول ابن عباس على فرض نسبته إليه " (٣ / ٢٦٧) : ولذلك أراني مضطرا في أن أسوق إسناده الصحيح ليكون القراء على بينة منه أولا وليعرفوا الصادق من الكاذب والعالم من الجاهل ثانيا ولكي لا يغتروا بكل ناعق يهرف بما لا يعرف ثالثا. والله المستعان قال ابن أبي شيبة ﵀ في " المصنف " (٤ / ٢٨٣) : حدثنا زياد بن أبي الربيع عن صالح الدهان عن جابر بن زيد عن ابن عباس: (صحيح) " (ولا يبدين زينتهن) : قال: الكف ورقعة الوجه " [١٣٢]

стр. 179

قلت: وهذا إسناد صحيح لا يضعفه إلا جاهل أو مغرض فإن رجاله ثقات فأبدأ بشيخ ابن أبي شيبة زياد بن الربيع فهو ثقة دون أي خلاف يذكر وقد احتج به البخاري في " صحيحه " وصالح الدهان ثقة أيضا كما قال ابن معين. وقال أحمد في " العلل " (٢ / ٣٣) : ليس به بأس وذكره ابن حبان في " الثقات " (٦ / ٤٥٧) وأما جابر بن زيد - وهو أبو الشعثاء الأزدي - فهو أشهر من أن يذكر من ثقات التابعين المشهورين بالأخذ عن ابن عباس وخرج له الشيخان وشهد له ابن عباس بأنه من العلماء بكتاب الله - كما تقدم (ص ٥٠) - وهو الذي تلقى عن ابن عباس تفسير (الإدناء) بقوله: " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به " - كما تقدم (ص ٥٠) - وهو الذي كان يأمر هند بنت المهلب أن تضع الخمار على الجبهة أي: وليس على الوجه كما يزعم التويجري ومقلدوه وقد تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس. عند ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده ضعيف وتابع ابن عباس عبد الله بن عمر بسند صحيح وتقدم لفظه المطابق [١٣٣]

стр. 180

للفظ ابن عباس الصحيح آنفا فلا يغتر بعد هذا بقول مؤلف " كشاف القناع " (١ / ٢٤٣) - بعد أن عزاه لابن عباس وعائشة -: رواه البيهقي وفيه ضعف وأقره الإسكندراني (٣ / ٤٣١) فإن إسناده عند البيهقي غير إسناده عند ابن أبي شيبة على أن قوله: " إسناده " على الإفراد يوهم أن البيهقي رواه عنهما بإسناد واحد وهذا خلاف الواقع فإنه رواه (٢ / ٢٢٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ثم من طريق عكرمة عنه فهذان طريقا ثم رواه من طريق عطاء بن أبي رباح عن عائشة فهذا إسناد ثالث فليتأمل القارئ الكريم كم في نقل هذا الأخ الإسكندراني - وغيره ممن خاضوا فيما لا يحسنون - ومن جنف وظلم على هذا العلم الشريف؟ لقد ابتعدنا بقرائنا قليلا أو كثيرا عن موضوع البحث فمعذرة إليهم وإن كان في ذلك بعض الفوائد التي قد لا يجدونها في غير هذا المكان فلنعد إلى ما كنا في صدده من مناقشة الشرط الذي وضعه أولئك المقلدة مخالفين في ذلك من كان مجتهدا في المذهب وهو العلامة السرخسي (١)
следующие страницы →