الحديث الخامس: عن أم سلمة قالت:
كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب - فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه ". فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ :
أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟
أخرجه أصحاب السنن إلا ابن ماجه وغيرهم من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في " الإرواء " (٦ / ٢١٠ / ١٨٠٦) و " الضعيفة " (٥٩٥٨) فمن شاء التفصيل رجع إليهما أو على الأقل إلى الأول منهما لأن الآخر لما يطبع حتى الساعة
وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:
стр. 72
١ - أن الحديث تفرد به نبهان وعنه الزهري كما قال النسائي والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم
стр. 73
٢ - وأن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر وقريب منه قول الحافظ في " التقريب ": " مقبول " (١) فإنه يعني: أنه غير مقبول
стр. 74
إلا عند المتابعة كما نص عليه في مقدمة " التقريب " وأن قوله في " الفتح ": " إسناده قوي " غير قوي لمخالفته لقوله في " التقريب " وللقواعد الحديثية - كما هو مبين في " الضعيفة " - على أن قوله: " مقبول " وإن كان مؤيدا لضعف الحديث فهو غير مقبول لأن حقه أن يقول مكانه: " مجهول " لما تقدم من تفرد الزهري عنه وما في " تهذيبه ": أنه روى عنه أيضا محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة فهو غير محفوظ كما حققه البيهقي وشرحته هناك في " الضعيفة " وفيه الرد على الحافظ مفصلا وعلى غيره ممن سبقه أو قلده من المقلدين كالتويجري وغيره ممن خالفوا التحقيق العلمي وأقوال الأئمة الآخرين - ومنهم الإمام أحمد ﵀ كما يأتي - ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من " الفتح " بقوله (١ / ٥٥٠) :
وهو حديث مختلف في صحته
فهل علم الشيخ التويجري بهذا النص من الحافظ أم جهله؟ فإن كان الأول فلماذا اكتفى - كلما ذكر هذا الحديث - بذكر من صححه من المتساهلين والرد على من خالفه بقوله (ص ١٥٤) :
ولا يلتفت إلى من قدح فيه بغير حجة معتمدة
كذا قال - هداه الله - وهو يشير بذلك إلى الرد علي فإني كنت ضعفت الحديث بالجهالة في " الإرواء " في المكان المشار إليه آنفا. أهكذا
[٦٤]
стр. 75
يكون الرد يا فضيلة الشيخ؟ أهذا هو سبيل العلماء؟ أرأيت لو أن رادا رد عليك كتابك الذي ترد فيه على مخالفك أو رد على من قلدك بغير علم ولا كتاب منير فألف رسالته التي سماها: " اللباب في فريضة النقاب " بمثل قولك هذا أيكون محقا في رده أم جاهلا كذاك الدكتور - زعموا - الذي ألف في الرد عليك - أو على مقلدك المشار إليه - كتابا سماه " تحريم النقاب "؟ (١) لا شك أنه فعل فعلتك هذه أو نحوها من المكابرة والادعاء أقول هذا وإن كنت لم أطلع على كتابه ولكني وقفت على نتف منه مردودا عليه في " مجلة التوحيد " التي تصدرها جماعة أنصار السنة في القاهرة / العدد السابع سنة (١٤١١)
لقد كان المفروض - يا فضيلة الشيخ - أن تنصح لقرائك وتحكي حجة مخالفك وتقرع الحجة بالحجة كما يقتضيه علم مصطلح الحديث وليس على سبيل المقلدين الذين يمثل فعلهم المثل المعروف: " عنزة ولو طارت "
في ظني أن الشيخ قال تلك الكلمة الهزيلة لعدم علمه بمن سبقني إلى تضعيف الحديث وإعلاله بنبهان وإلا لما أجاز لنفسه أن يقولها وهو يصيب بها أئمة لهم وزنهم - حتى عند أمثاله من المقلدين الذين ليس لهم
стр. 76
معرفة بهذا العلم الشريف - مثل الإمام أحمد - كما سبقت الإشارة إليه - ومن تبعه من علماء الحنابلة فضلا عن غيرهم وهذا أوان الوفاء بما أشرت:
قال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في " المغني " (٧ / ٤٦٥ - ٤٦٦) وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في " الشرح الكبير " (٧ / ٣٥٢ - ٣٥٣) والشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه القيم " شرح منتهى الإرادات " (٣ / ٦) (١) و " المنتهى " للشيخ محمد تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين بن نجار الفتوحي وكلهم من كبار علماء الحنابلة فقال الشيخ منصور - وما بين الهلالين للشيخ تقي الدين ونحوه عن المقدسيين -:
(و) يباح (لامرأة نظر من رجل إلى غير عورة) لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس:
اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك ". وقالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ". متفق عليهما. ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة قالت: " قلت: فذكر الحديث كما تقدم
стр. 77
ثم قال:) فقال أحمد نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث والآخر: " إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه " كأنه أشار إلى ضعف حديثه إذا لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله ﷺ بذلك قال أحمد وأبو داود "
وذكر الشيخ لأحمد: حديث نبهان لأزواجه ﷺ وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم "
وزاد ابنا قدامة المقدسيين:
وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال
وما عزوه لأبي داود ثابت في بعض النسخ من " سننه " كما في نسخة " عون المعبود " (٤ / ١٠٩) قال أبو داود:
هذا لأزواج النبي ﷺ خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم
[٦٧]
стр. 78
وخلاصة الكلام على هذا الحديث أن الشيخ ومقلديه قد خالفوا - ليضيق أفقهم العلمي - الإمام أحمد ومتبعه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثيا وفقهيا
أما الأول فلأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلل بالجهالة ولم ينتبه لها ابن القطان في " نظره " (٦٦ / ١) فإن من عادته أن يعل الحديث بمثلها بل وبالجهالة الحالية عنده كما فعل بحديث أم صبية: " اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد ". (ق ٢٠ / ٢) وهو حديث صحيح مخرج في " صحيح أبي داود " (٧١)
وأما الآخر فلأنهم حملوه على عموم النساء وهو خاص بنسائه ﷺ وهو الذي استحسنه الحافظ في " التلخيص " (٣ / ١٤٨) وقال:
وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا
وأما غير الحنابلة فقال القرطبي في " تفسيره " (١٢ / ٢٢٨) : " هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه نبهان ممن لا يحتج بحديثه "
فما الحيلة مع هذا الشيخ الذي يأخذ من الأقوال ما يشتهي ولو تبين خطؤها ومخالفتها لقواعد العلماء؟ (١)
стр. 79
هذا ولا بد لي هنا من التنبيه على بعض تدليسات وتضليلات ومشاغبات الشيخ عبد القادر السندي في " حجابه " واستغلاله لزلات بعض العلماء وإعراضه عن تطبيقه لقواعدهم العلمية التي وضعوها لمن بعدهم ليلتزموها ويسلموا قيادة عقولهم لها لا لينحرفوا عنها إلى تقليدهم فيما خالفوا فيه قواعدهم كما فعل في ترجمة السبيعي وغيره في حديث الخثعمية (ص ٢٦) فأقول:
أولا: كرر مرتين في صفحة واحدة (٤٩) زعمه أن إسناد هذا الحديث صحيح ثم أكد ذلك في الصفحة التي بعدها مذكرا بالمثل المعروف: " عنزة ولو طارت " لأنه مجرد دعوى لم يثبها بترجمته لراويه نبهان على الأقل وما قاله كل أئمة الجرح فيه دون الاقتصار على نقل التوثيق دون التجهيل ويؤكد هذا ما يأتي
ثانيا: كتم الحافظ في " التقريب ": " مقبول " لأنه يعلم أنه يعني به أنه لين الحديث وأنه يعارض قول الحافظ في " الفتح " فيه والذي لا وجه له في العلم كما تقدم
ثالثا: قال عقب قوله المشار إليه في " الفتح ":
ونقله العلامة المباركفوري في
تحفة الأحوذي " وأيده "
وهذا كذب على المباركفوري لأنه لا يلزم من مجرد النقل التأييد - كم لا يخفى على أهل العلم - ولا سيما وأنه قد نقل قول الحافظ في
[٦٩]
стр. 80
" التقريب " - وإن لم يشر إليه -: " نبهان مقبول من الثالثة " ونقله هذا في أول شرحه للحديث وقول " الفتح " في آخره فإن كان هذا تأييدا فذاك تأييد أيضا فالمباركفوري مجرد ناقل ولم يكن في صدد البحث والتحقيق ليرجح قولا على آخر بحلاف السندي ولذلك كتم قول " التقريب " لأنه يستلزم ضعف الحديث لعلم السندي بأنه يعني أن نبهان لين الحديث لأنه ليس له متابع ولذلك فهو يجري على القاعدة اليهودية المشؤومة: " الغاية تبرر الوسيلة " ولولا ذاك لنقله أيضا وحاول التوفيق بنيهما ولكنه لما كان يعلم - فيما أظن - أن الجرح مقدم على التعديل - وبخاصة إذا كان التعديل يحتاج إلى تعديل - رأى أن التولي والهرب نصف الشجاعة - كما يقال في بعض البلاد - فكان منه ذلك الكتمان والله المستعان
رابعا: نقل السندي ترجمة نبهان من " تهذيبي " المزي والعسقلاني وفيهما: أن ابن حبان ذكره في " الثقات " موهما القراء أنهما وثقاه أيضا وليس كذلك كما هو معروف عند العلماء العارفين بأسلوبهما الذي هو مجرد نقل ما قيل في المترجم جرحا وتعديلا ولذلك ألف الحافظ كتابه المتقدم " تقريب التهذيب " فإنه مجتهد فيه غير ناقل يقدم فيه رأيه في المترجم بأقل ما يمكن من الألفاظ والبحث في تحقيق هذا مما لا مجال له هنا وحسب القارئ اللبيب المنصف مثالا على ما ذكرت أن الحافظ الذي
[٧٠]
стр. 81
ذكر في " تهذيبه " توثيق ابن حبان لم يتبن ذلك في " تقريبه " بل لينه بقوله فيه: " مقبول يعنى: عند المتابعة وإلا فلين الحديث عند التفرد - كما هنا - هذا اصطلاحه فيه كما نص عليه في مقدمته
خامسا: ثم نقل السندي من " تهذيب المزي " الحديثين اللذين تعجب من ضعفهما الإمام أحمد - كما تقدم - أحدهما هذا الحديث: " أفعمياوان أنتما "؟ وقال عقبهما:
قلت: يرى الإمام المزي ﵀ كما علمت من سياق كلامه - أنه يحتج بهذه الأحاديث (كذا) التي رواها في ترجمة نبهان ويرى أن نبهان ثقة يحتج بحديثه كما نقل عن النسائي بأنه أخرج حديثه الثاني من وجوه أخرى
قلت: فيه أربعة أكاذيب على الحافظ المزي:
الأولى: أنه يحتج بالحديثين المشار إليهما - وقوله: " الأحاديث " من مبالغته التي لا تخفى على أحد - وذلك لأن الحافظ لم يزد على ذكرهما بإسنادهما ليبين أنه ليس له عند أصحاب السنن غيرهما ونقل عقبهما تصحيح الترمذي لهما وليقول عقبهما: " فوقع لنا بدلا عاليا " (١)
стр. 82
فاستغل السندي ذلك وعزاه إلى الحافظ أنه يحتج بهما فصنيعه هذا مثل صنيعه المذكور في (رابعا) والرد هو الرد نفسه
الثانية: أن المزي يرى أن نبهان ثقة وهذا كالذي قبله والرد هو المشار إليه آنفا
الثالثة: عزوه للمزي أنه قال: " أخرجه من وجوه أخرى "
فهذا كذب محض أو تدليس خبيث فإنما قال المزي: " من وجوه أخرى عن الزهري " وكنت أود أن أقول: لعله سقط من قلمه سهوا قوله: " عن الزهري " لولا أنه كرر ذلك مرة أخرى في الصفحة نفسها وأنه لا فائدة من نقله الجملة بتمامها بل هي حجة عليه لأنها صريحة الدلالة بتفرد نبهان بالحديث فليتأمل العاقل ما يفعل الهوى أو الجهل بصاحبه وفي أي واد سحيق يرديه. نسأل الله السلامة
الرابعة: تجاهله مخالفته لحديث مسلم عن فاطمة بنت قيس كما بينه العلماء وأصرح منه رواية الطبراني في " الكبير " (٢٤ / ٣٧٧) بسند صحيح عنها قالت:
وأمرني ﷺ أن أكون عند ابن أم مكتوم فإنه مكفوف البصر لا يراني حين أخلع خماري
فهذه أحاديث خمسة من الأحاديث الضعيفة التي يتداولها أكثر المؤلفين في تحريم وجه المرأة وكفيها وهم يخالفون في الإكثار والإقلال
[٧٢]
стр. 83
منها حسب توسع أحدهم في الموضوع وما يتصل به وأوسعهم في ذلك الشيخ التويجري - هداه الله - فقد سن لهم سنة سيئة فإنه حشد في كتابه كل ما عثر عليه من الأحاديث الواهية التي يتوهم أنها تقوي حجته ولا يشعر أنها في الواقع تفل " صارمه " وتجعله ينبو ويكل عن القيام بما كان يرمي إليه وقد بلغ عددها قرابة خمسين مرفوعا - أو تزيد - منها الضعيف والمنكر والموضوع
ومن المفيد أن أقدم إلى القارئ نماذج منها ليكونوا على علم بها أولا وليعرفوا حقيقة علم الشيخ ومن سار مسيرته ثانيا دون الكلام على أسانيدها مكتفيا بالإحالة إلى كتابي الذي خرجته فيه وتكلمت عليه مفصلا
стр. 84
١ - " قول فاطمة رضي الله عن ها لما سئلت: ما خير النساء؟ فقالت: أن لا يرين الرجال ولا يرونهن. (ص ٣٠) ". " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (٦١٠٢)
стр. 85
٢ - " ما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها. (ص ٣١) (١) ". " الضعيفة " (٦٢١٦)
والحديث صحيح بلفظ: " ثيابها " مكان خمارها " وهو ثابت في عدة
стр. 86
روايات ذكرها الشيخ نفسه فلماذا ذكر الشيخ هذا اللفظ المنكر: " خمارها "؟ ألم يعلم أنها مخالفة ليس فقط للروايات الأخرى بل ولقوله تعالى في آية النور: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن. . .) إلى أن قال: (أو نسائهن) ؟ لأن المقصود بالحديث نزع ثيابها كلها في حمام السوق - كما هو مشروح في " آداب الزفاف " - أما أن ترفع خمارها في غير بيت زوجها إمام النساء المسلمات فالآية صريحة بذلك وسترى في الحديث التالي
стр. 87
٣ - " عورة الرجل على الرجل. . . وعورة المرأة على المرأة كعورة المرأة على الرجل. (ص ٣٨) ". " الضعيفة " (٣٩٢٣)
ثم فسر الشيخ معناه ثم نقل (ص ٤١) عن النووي أنه قال:
عورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة وكذلك المرأة مع المرأة
وأقره الشيخ على ذلك وأشاد به في فهرس كتابه وذلك منه تقليدا لمذهبه ثم تتابع المقلدون على ذلك مثل محمد كلكل الذي سمى كتابه " فقه النظر " (ص ١٣٨) ولا فقه ولا نظر وانظر التعليق (١) (ص ١٢٨)
وهو من العجائب التي يحار المسلم الذي أنجاه الله من الجمود على المذهب كيف يقولون بأن عورة المرأة من المرأة ما بين السرة والركبة؟ فإن هذا مع كونه مما لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى
[٧٤]
стр. 88
في آية النور: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن. . .) إلى قوله تعالى: (أو نسائهن) فإن المراد مواضع الزينة وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود وذكره الشيخ التويجري نفسه في كتابه (ص ١٥٦) (١)
فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع فهل الشيخ يرى أن من مواضع الزينة المذكورة في الآية: صدرها وظهرها وخصرها؟ والله لقد احترت في هذا الشيخ الذي يجمع في ذهنه بين المتناقضات فيشدد على المرأة تارة فيحرم عليها ما أباح الله من إبداء الوجه والكفين ويتساهل معها تارة فيبيح لها ما حرم الله من إبدائها لأختها المسلمة ما فوق سرتها الأمر الذي لم يقع فيه بعض الحنفية المتهمين بالأخذ بالرأي فلم يقولوا بقول الشيخ هذا فلم يبيحوا الظهر والبطن لأنها ليست بمواضع الزينة كما في " البحر الرائق " (٨ / ٢٢٠) ومما زادني حيرة أنه بذلك خالف أيضا رواية ابن مسعود التي عليها المفسرون وارتضاها الشيخ (ص ١٥٦) لأنها في رواية أخرى عنه توافق تشدده المذكور فهل هو الجهل أو التجاهل واتباع الهوى؟
стр. 89
لست أدري والله وقلده في الأمرين الأخ العدوي في " حجابه " و " أحكامه " (١٦ - ١٧) مع علمه هو ومقلده بكثرة المفاسد التي تترتب من تكشف النساء أمام النساء المسلمات بل وأمام الذميات أيضا بل وأما الرجال المحارم أيضا على " مذهب " التويجري
стр. 90
٤ - " إن النساء سفهاء إلا التي أطاعت قيمها. (ص ٦٨) ". " الضعيفة " (٦٠٥١)
стр. 91
٦ - " وما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال. (ص ٧٠) "
الضعيفة
(٢٠١٨)
стр. 92
٧ - " اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طلاع رصاد وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء. (ص ٧١) "
وهذا من موضوعاته " الضعيفة " (٢٠٦٥)
стр. 93
٨ - " النظرة الأولى خطأ والثانية عمد والثالثة تدمر. نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم. . . الحديث. (ص ١٣٧) "
موضوع أيضا وتمام الحديث ضعيف. " الضعيفة " (٥٩٧٠)
[٧٦]
стр. 94
٩ - " نهى أن يحد الرجل النظرة إلى الغلام الأمرد. (ص ١٣٩) "
موضوع أيضا. " الضعيفة " (٥٩٦٩)
стр. 95
١٠ - " من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله. (ص ٢٤٨) "
الضعيفة
(٢٧٤٤)
هذه نماذج من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي هي بعض مما سود به التويجري كتابه وهي قل من جل كما أشرت آنفا وتقدمت نماذج أخرى من قبل
وإليك مثالا أخرى من نوع جديد يحاول فيه تقوية حديث لقيس بن زيد استدل به على مشروعية استتار النساء على الرجال - وهو مما لا نزاع فيه خلافا لما يوهم به قراءه - فيه تجلبب حفصة بعدما طلقها ﷺ قال الشيخ (ص ١٨٢ - ١٨٣) هداه الله وعلمه:
رواه الطبراني قال الهيثمي: ورجاله رجال
الصحيح ". قلت: ورواه ابن سعد والحارث ابن أبي أسامة بأسانيد صحيحة وهو حديث مرسل على الصحيح وله شاهد من حديث أنس رضي الله عن هـ عند الحاكم وغيره "
قلت: هذا تخريج الشيخ وهو على اختصاره فيه خربشات عجيبة:
[٧٧]
стр. 96
أولا: قوله: " بأسانيد صحيحة ". باطل من ناحيتين:
الأولى: أنه ليس له إلا إسناد واحد
والأخرى: أن هذا الإسناد نفسه ليس بصحيح فقد أعله ابن عبد البر والحافظ بالإرسال كما هو مذكور في الكتاب (ص ٨٦) والشيخ نفسه يقول به
ثانيا: كيف يكون له أسانيد صحيحة وهو يقول عقبه مباشرة:
وهو حديث مرسل على الصحيح
؟
هذان قولان متناقضان لا يجتمعان في مخ أحد شم شيئا من رائحة هذا العلم الشريف والأمر واضح جدا لا يحتاج إلى بيان
وبناء على ما تقدم ألا يحق لي أن أقول: فمن كان هذا حاله في الجهل بعلم الحديث وعجزه عن معرفة الحديث الصحيح والضعيف - ولو من طريق التقليد الذي هو الجهل بعينه كما يقول العارفون - فما له ولإدخاله نفسه في زمرة العلماء والفقهاء بل والرد عليهم وتسفيه آرائهم؟ لا أعني نفسي - وإن كنت أرجو أن أحشر معهم - وإنما أعني جمهور العلماء من السلف والخلف الذين تجاهل الشيخ قولهم المبطل لقوله هو كما تقدم بيانه فيما سلف ولقد ذكرني حاله هذا معهم بقول الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
[٧٨]
стр. 97
وفي البحث التالي ما يؤكد ما تقدم آنفا من جهل الشيخ - ومن جرى مجراه - بعلم الحديث وطرق نقده تصحيحا وتضعيفا حسب القواعد العلمية الصحيحة وتعصبهم على حديث النبي ﷺ انتصارا لمذهبهم ورأيهم وهواهم والله المستعان
البحث الثامن: تأكيد صحة قوله ﷺ :
(صحيح) " إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها "
أقول وبالله المستعان:
لقد تهافت القوم على نقد متن هذا الحديث وتضعيفه مخالفين في ذلك من قواه من حفاظ الحديث ونقاده: كالبيهقي في " سننه " والمنذري في ترغيبه والذهبي في " تهذيبه " وغيرهم وقد اختلفت أساليبهم في ذلك فمنعم من قنع بذكر طريق واحدة وتضعيفها ومنهم من زاد على ذلك كما سترى ولكنهم جميعا اتفقوا على نقل ما قيل في الراوي من الجرح دون التوثيق (١) بل إن بعضهم دلس وأوهم أنه ليس هناك موثق بل وأنه في منتهى درجة الضعف بحيث أنه لا يستشهد به وهذا كذب محض كما اتفقوا جميعا على مخالفة قاعدة العلماء في تقوية الحديث
стр. 98
بالطرق والآثار السلفية الأمر الذي أكد أنهم دخلاء في هذا العلم ولئن كان فيهم من هو على شيء من المعرفة به فقد جار على السنة وحاد عن الحق اتباعا للآباء والمذاهب
وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أنني مع كوني كنت قد خرجت الحديث في كتابي هذا من حديث عائشة وأسماء بنت عميس وقتادة مبينا علة إسنادي الأولين وإرسال الثالث فإن جمهورهم كتم هذه الحقيقة وأوهموا قراءهم أنني إنما استدللت بحديث عائشة وحده فقط وأني ما بينت ضعف سنده وليس كذلك كما هو في الكتاب مسطور ويأتي بيانه الآن ومن أولئك الجمهور: الشيخ التويجري وابن عثيمين والشنقيطي في " الأضواء " (٦ / ٥٩٧) وغيرهم ولقد كان الواجب عليهم - لو أنصفوا - أن يبينوا نقطة الخلاف بيني وبينهم وأن لا يوهموهم خلاف الواقع فيحملوا وزر من يصرح كمؤلفة " حجابك أختي المسلمة " فقد قالت (ص ٣٣) : " أما الفئة التي أجازت كشف وجوه النساء لم (كذا) تستدل إلا بحديث أبي داود. . . " وهي في ذلك مقلدة للتويجري في هذا النفي (ص ٢٣٦) ويبدو من تعريفها للحديث المرسل أنها لا تفقه شيئا من علم المصطلح البتة
الثاني: أنه لا يجوز لهم أن يقتصروا على نقل أقوال الجارحين للراوي دون أقوال المخالفين لهم ولا سيما وهم في صدد الرد على مخالفيهم
[٨٠]
стр. 99
فإنه ينافي الأمانة العلمية المنوطة بهم كما هو ظاهر وقد تولى كبرهم هذا الكتمان الشيخ عبد القادر السندي - هداه الله - فإنه أضاف إليه أنه أوهم القراء أن الكتمان من صنيع الذهبي وهو منه بريء كما أنه لم يذكر من الأحاديث الثلاثة - تبعا للشنقيطي والتويجري وابن عثيمين - إلا حديث عائشة فقال بعد أن ذكر انقطاعه المعروف (ص ١٣ - ١٤) :
قلت: في إسناده علة أخرى قادحة وهي أن سعيد بن بشير منكر الحديث قال الإمام الذهبي
ثم سود ستة أسطر كلها من عبارات الجرح وعلق عليها عازيا:
ميزان الاعتدال للإمام الذهبي ١٢٨ / ٢
فأقول: إذا رجع القراء إلى هذا المصدر الذي منه نقل السندي تلك العبارات وجد العجب العجاب والجرأة الغريبة في التدليس والتضليل فإنه ترك من " الميزان " ما يخل به ميزان النقد والاعتدال فيه وإليك بعضا مما ترك هداه الله
стр. 100
١ - وقال أبو حاتم: " محله الصدق "
стр. 101
٢ - وقال شعبة: " صدوق اللسان "
стр. 102
٣ - وقال ابن الجوزي: " قد وثقه شعبة ودحيم "
стр. 103
٤ - وقال أبو حاتم: " يحول من (كتاب الضعفاء) "
стр. 104
٥ - قال ابن عدي: " لا أرى بما يروي بأسا. . . "
[٨١]
стр. 105
هذه الأقوال كلها مما كتمه الشيخ السندي - هداه الله - عن قرائه وهي كلها في " الميزان " الذي نقل منه ما تقدم من الجرح فعل ذلك ليتسنى له أن يختم تلك العبارات الجارحة بقوله:
هذه الروايات لا تصلح أن تكون صالحة للمتابعات والشواهد. . . فيكون إسناد هذا الحديث ضعيفا جدا
هذا هو بيت القصيد - كما يقال - من كتمانه لعبارات التوثيق هذه لأنها تحول بينه وبين التضعيف الشديد الذي تبناه في نفسه سلفا ثم أخذ من كلام الذهبي ما يوافقه ولم يكتف بما سبق من التدليس والتزوير بل زاد - ضغثا على إبالة - فقال عقب قوله الآنف:
راجع المراجع الآتية:
الكامل " لابن عدي. . . وغيرها من كتب الرجال حتى تقف على حقيقة الرجل والله المستعان "
قلت: وذكر مع " الكامل " سبعة مصادر أخرى إذا رجع القراء إلى بعضها وجدوا خلاف ما يعنيه من التضعيف الشديد فمنها:
стр. 106
١ - " التاريخ الكبير " للبخاري قال (٢ / ١ ٤٦٠) :
يتكلمون في حفظه
زاد فيه ابن عساكر في " التاريخ " (٧ / ٢١٥ - المصورة) و " التهذيب ": " وهو محتمل "
[٨٢]
стр. 107
٢ - الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم فإذا رجعت إليه وجدت فيه:
أولا: عن ابن عيينة: " كان حافظا "
ثانيا: عن أبي زرعة الدمشقي قال: سألت دحيما: ما كان قول من أدركت في سعيد بن بشر؟ فقال:
يوثقونه وكان حافظا
ثالثا: قال أبي وأبو زرعة:
محله الصدق عندنا
رابعا: سمعت أبي ينكر على من أدخله في " كتاب الضعفاء " وقال: " يحول منه "
стр. 108
٣ - " الكامل " لابن عدي ختم ترجمته بقوله (٣ / ٣٧٦) :
ولا أرى بما يروي الوليد بن مسلم عنه بأسا ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق
стр. 109
٤ - " الضعفاء " لابن الجوزي قال فيه (١ / ٣١٥) - بعد أن حكى أقوال مضعفيه -:
وقد وثقه شعبة ودحيم
[٨٣]
стр. 110
قلت: وهناك مصادر أخرى أشار إليها السندي بقوله: " وغيرها " منها: