← Общие книги

Общие книги · id 31504

الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

سعيد بن علي ثابت

Полный текст (168 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] الجوانب الإعلامية في خطب الرسول ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٢) . والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأعلم برسالات ربه خير إعلام فلم يسمع الناس بعد القرآن الكريم بكلام قط أعم نفعا ولا أصدق لفظا من خطابه ﷺ الذي قلت حروفه وكثر معناه وجل عن الصناعة وتنزه عن التكلف، ولم ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، شهد الله له بالقبول، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٣) واجتمعت فيه الحلاوة والمهابة، وكتب الناس في فنونه المختلفة بهدف التعرف على هدي النبي ﷺ في أصول العبادات، وضوابط المعاملات , وأنماط السلوك، وفي فقه السيرة. ونحن إذ نؤصل للإعلام الإسلامي في أمس الحاجة إلى التعرف على

стр. 2

الإعلام النبوي لما له من أهمية علمية بالغة، ولما انبنى عليه من آثار جليلة ولحسن تبليغه وتطبيقه؛ ولذا فإني أسعى من خلال هذه الدراسة إلى إبراز الجوانب الإعلامية في خطب الرسول ﷺ لمعرفة هدي النبي ﷺ في الاتصال بالناس وتبليغه الرسالة الإعلامية بفاعلية واقتدار. ولذلك اعتمدت بعد الله تعالى في هذه الدراسة على منهج الاستقراء الناقص الذي تتبعت من خلاله خطب الرسول ﷺ ثم اخترت منها نماذج بحيث يشكل كل أنموذج منها مرحلة من مراحل الاتصال في العهد النبوي بدأ بخطبة الصفا التي صدع الرسول ﷺ فيها برسالته العظيمة إلى خطبة حجة الوداع التي تعد نموذجا للاتصال شبه الإعلامية، من ناحية الممارسة الإعلامية، أما من ناحية المضمون والأسلوب فقد كانت تمثل البيان الختامي للرسالة المحمدية، مرورا بخطبة أول جمعة صلاها الرسول ﷺ في المدينة التي تمثل الاتصال الجمعي في الإسلام، ويتسم الخطاب الإعلامي فيها بمراعاة خصائص جماعة المسلمين ومسلماتها وخطب الغزوات والتعبئة للجهاد الإسلامي. وبعد دراسة هذه الخطب دراسة تحليلية كشف التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ عن ثلاثة جوانب: الجانب الأول: الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الرسول ﷺ ، ويمثل الفصل الأول من هذه الدراسة. أما الجانب الثاني: فهو مقومات منهج الخطاب الإعلامي في خطب الرسول ﷺ ، ويمثل هذا الجانب معالم مقومات منهج الإعلام ويشمل الفصل الثاني من هذه الدراسة. والجانب الثالث: وهو أصول الإقناع في خطب الرسول ﷺ ، ويشمل الفصل الثالث والأخير، ويستطيع من يتأملها أن يدرك بوضوح

стр. 3

وجلاء فاعلية الإقناع في الاتصال الإسلامي الذي كان الأساس المتين لانتشار الإسلام، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وقيام الحضارة الإسلامية كحضارة عالمية في فترة وجيزة؛ وذلك لما للرسالة الإعلامية في الإسلام المهتدية بهدي النبي ﷺ من أثر في نفوس الناس. فقد انتظمت دعوة الإسلام شعوبا كثيرة تتباين في أصلها وعقائدها ومواريثها الفكرية والثقافية فآمنت بالإسلام واستقر في عقولها ووجدانها وعاشت به حتى يومنا هذا، كيف لا والمثل الأعلى لرجل الاتصال المسلم هو الرسول ﷺ الصادق الأمين، وحري بنا ونحن نؤصل للإعلام الإسلامي أن نستقي من فيض هدي النبي ﷺ في الاتصال الذي شهد الله تعالى له بالخلق العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١) وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٢) وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣) وعلى كل حال أرجو الله العلي القدير أن يكون هذا الجهد العلمي المتواضع خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لإخواني الدارسين والعاملين في حقل الإعلام والاتصال بالجماهير، وأن يكون فيه ما يعينهم على أداء الأمانة وتبليغ الرسالة الإعلامية على أساس من هدي النبي ﷺ حتى يكون الإعلام أمينا ونافعا وفعالا في حياة الأمة الإسلامية كما كان في عهد النبوة والخلافة الراشدة والعهود الإسلامية الزاهرة، وبعد هذا فما كان في هذه الدراسة من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان وأعيذ نفسي وإياكم بالله من

стр. 4

الزلل، والله أسال أن يرزقنا معرفة الحق والسير على هدي نبيه محمد ﷺ والتمسك بسنته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

[الفصل الأول الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الرسول ﷺ ] الفصل الأول الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الرسول ﷺ المبحث الأول: الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا. المبحث الثاني: الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في أول خطبة جمعة صلاها النبي ﷺ في المدينة المنورة. المبحث الثالث: الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطب الغزوات. المبحث الرابع: الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الوداع.

стр. 6

[توطئة الفصل الأول] توطئة الفصل الأول في هذا الفصل من هذه الدراسة العلمية المتواضعة قام الباحث بتتبع الروايات الموثقة لخطب النبي ﷺ المختارة للدراسة في إطار المعيار الذي ذكره في مقدمة الدراسة، وقد كشف التحليل الإعلامي لهذه النصوص عن الجانب الأول من الجوانب الإعلامية في خطب النبي ﷺ وهو الدلالات الإعلامية الظاهرة في نصوص الخطب والمعاني والمفاهيم الإعلامية التي أمكن استخلاصها من فحوى الخطاب الإعلامي في خطب النبي ﷺ ، ويكفي أن نشير إلى هدي النبي ﷺ في الاتصال بالناس الذي نحن بأمس الحاجة إلى التعرف عليه للانطلاق منه إلى تأطير الإعلام الإسلامي. ونحن نجزم واثقين أننا إذا فهمنا الفقه الإعلامي في خطاب النبي ﷺ فإننا سوف نخلص إلى حقائق لا أقول أن الإسلام قد سبق إليها أساتذة الإعلام والاتصال بالجماهير في الواقع المعاش، وإنما هي حقائق تتضاءل إلى جانبها اكتشافات خبراء الإعلام وفلاسفته المحدثين، كيف لا وهي تستند إلى فعل النبي ﷺ وتسير في ظل الآيات والسنن. فالهدف من هذا الفصل تأصيل المعاني والمفاهيم للممارسات الإعلامية وردها إلى الأصول الثابتة في فعل النبي ﷺ .

стр. 7

[الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا] المبحث الأول الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا - روايات الخطبة. - الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في هذه الخطبة.

стр. 8

روايات خطبة الصفا: لقد بقيت الدعوة سرا ثلاث سنوات إلى أن أمر الله تعالى نبيه ﷺ بإظهار دينه , قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (١) ثم أتبع هذا الإنذار العام بإنذار خاص لقومه وعشيرته ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] (٢) عندئذ انطلقت صيحة الحق، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبا لك سائر هذا اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢] (٣) » (٤) . وفي رواية أخرى «لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين) (٥) . خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: " يا صباحاه "، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد.

стр. 9

فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان!! يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! ، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ ، قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام. فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] » (١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله ﷺ قريشا، فخص وعم، فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ببلالها» (٢) .

стр. 10

الدلالات والمعاني والمفاهيم الإعلامية في خطبة الصفا ١ - مبدأ البشارة والنذارة: وهو مبدأ أصيل من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي؛ حيث إن الاتصال من خلال المنظور الإسلامي ينبغي له أن يلتزم هذا المبدأ في مخاطبة الناس وتوجيه الأحداث، فالإعلام الإسلامي يبشر الناس، ويفتح أمامهم آفاق الأمل، ولا يثبط هممهم، وهو أيضا ينذرهم من سوء المصير لمن لم يعتبر بالآيات والسنن، وأتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. ٢ - من الاتصال الشخصي إلى الاتصال الجمعي: لقد كانت هذه الخطبة نقلة عظيمة للحركة بالدعوة الإسلامية في العهد المكي، حيث كانت البداية الحقيقية للاتصال الجمعي، الذي تميزت به الحضارة الإسلامية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وفي العهود الإسلامية الزاهرة. لقد كان الاتصال الدعوي قبل هذه الخطبة يدور في إطار الجماعات الأولية مثل: الأسرة , والأصدقاء، ومن يثق بهم الرسول ﷺ مثل: زوجته خديجة بنت خويلد، وابن عمه علي بن أبي طالب، وصديقه أبي بكر الصديق ﵃ جميعا (١) . فلما نزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٢)

стр. 11

أرشد الله تعالى نبيه إلى هذا الشكل الاتصالي الجديد في حمل الدعوة الإسلامية. ٣ - فن التوقيت: لقد اهتبل الرسول ﷺ ظروف الزمان المواتية، ودرس اللحظة المناسبة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإقناع برسالات ربه. لقد جاءه الأمر الإلهي بالصدع برسالته، ومكاشفة المجتمع الجاهلي بدعوته، فساق لهم الحقيقة كاملة، والجدير بالذكر أن هذه الدلالة الإعلامية في خطبة الصفا تؤصل لنا مبدأ من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي، ألا وهو العرض الموضوعي، وقول الحقيقة، والبعد عن التعتيم الإعلامي، وتزوير الأخبار، وتلفيق الوقائع، وتزييف الحقائق , لما في ذلك من امتهان لحرية الإنسان وكرامته، وتلاعب بعقله (١) . ومع ذلك وأنه لا يلبث الواقع

стр. 12

حتى يكشف عوار هذا الإعلام الدعائي التضليلي ويفقده ثقة الناس بأهله ومؤسساته، فقد أثبت التاريخ فشل التضليل والكذب في اكتساب القلوب، وإقناع العقول، والهيمنة على النفوس، وما التجارب الدعائية النازية والفاشية والبلشفية من ذلك ببعيد. ٤ - المقاصد الحسنة والغايات السامية تقتضي استخدام الوسائل المناسبة: فقد وفق الرسول ﷺ في أعلى وسيلة تختصر مساحات المكان، وتخاطب أكبر عدد من الناس في أسرع وقت ممكن، فصعد جبل الصفا، ولعل في هذا دلالة أهمية العناية بالوسيلة، والتألق في فنون الاتصال الإعلامي لإقناع الناس بالحق , وحتى لا يكون سبب الإعراض عن الدعوة الإسلامية عجز القائم بالاتصال عن القيام بواجبه. ٥ - المدخل الاتصالي المناسب: لقد كانت كلمة: " يا صباحاه" التي استهل بها الرسول ﷺ خطبة الصفا غاية البدايات الجيدة، والاستهلاك الحسن، والمدخل المثير للانتباه والاهتمام، والمحرك للوعي، والملفت للنظر في مجتمع ديدنه الحروب التي كانت تنشب بين قبائله لأتفه الأسباب؛ لذا كان حسن الابتداء هذا مفتاحا لعقول القوم، فجاءوا زرافات ووحدانا، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا، حتى امتلأت ساحة الصفا. ٦ - إشراك الجمهور في العملية الاتصالية والحوار المفتوح: وهذا الأسلوب الحواري في الإعلام له أثره الفعال في تحقيق الإقناع والاقتناع , وهذا ما تؤكده الدراسات الاتصالية، حيث تعد من مؤهلات الإقناع بالرسالة الإعلامية إشراك الجمهور المتلقي في العمل الإعلامي (١) .

стр. 13

كما أن الدراسات الإعلامية تؤكد أيضا على احترام إرادة الإنسان وحريته الاتصالية، والحوار، والمناقشة (١) . فالإعلام إنما يكون للناس وليس للقائم بالاتصال، فإذا كان الناس لا يستمعون للقائم بالاتصال، وإذا كان لا يقرأ رسائله إلا هو فالسكوت له أفضل من صرخة في واد. ٧ - القدرة على بث الثقة في الجمهور: من أهم عوامل الإقناع في الاتصال وهذا يعني ثقة القائم بالاتصال بما عنده، وبقيمه، وأهدافه، وغاياته السامية، وثقة الناس في صدقه، وأمانته، وعدله، وهذه الدلالة تؤكد على أهم مؤهلات القائم بالاتصال. والقائم بالاتصال في هذه الخطبة هو الرسول ﷺ الذي انتزع الله له إجماعا عاما من قريش بأنه الحكم العدل والصادق الأمين كلمة قالوها، وشاء الله أن تكون عليهم حجة إلى يوم القيامة. وقريش شوكة العرب , وهي عندهم المأمونة على حرم الله، المحروسة بحراسة الله، وحمايته لبيته وحرمه، وخاصة بعد حادثة الفيل؛ حيث عجز العرب قاطبة أن يقفوا في وجه أبرهة الحبشي ويمنعوا البيت الحرام، ولكن الله

стр. 14

حمى بيته وأهله، ولذا كانت قبائل العرب تقول: إذا دخلت قريش الإسلام دخلنا؛ لأنها قبيلة مؤيدة بتأييد الله لها، فما إن فتحت مكة حتى سمي العام التاسع من الهجرة بعام الوفود؛ لكثرة وفود العرب المسلمة. ٨ -إحكام الاتصال: وهذا يعني تنظيم طرح حقائق ومضامين الاتصال، إذ إن لكل حقيقة في الإسلام حدا لا ينبغي أن تتجاوزه، والمساواة بينها في الطرح الإعلامي من أهم أسباب الاضطراب في عملية الاتصال، فالرسول ﷺ في هذه الخطبة لم يتجاوز حقيقة الألوهية والعبودية، وحقيقة البعث والنشور والجزاء والحساب يوم القيامة، وما ينتظره المحسنون من الأجر والمثوبة، والمعاندون الكافرون من العذاب. وإحكام الاتصال غاية الحكمة لذلك عرف ابن القيم الجوزية الحكمة بقوله: هي (أن يعطى كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه) ، ثم يقول: (وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا , فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، ويعجلها عن وقتها كحصاده قبل إدراكه كماله (١) والحكمة إذا فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي. ٩ - ربط الطرح الإعلامي بمسلمات الأمة: وذلك لأن الإطار المرجعي يقوم بتمرير المعلومات والمعارف المقبولة بناء على أساس المخزون المعرفي الذي تكون نتيجة العوامل الثقافية المؤثرة على شخصية الإنسان، بالإضافة إلى قيم المرء الدينية وتقاليده الاجتماعية،

стр. 15

ولذلك فإنه ينبغي على القائم بالاتصال مراعاة الرواسب الفكرية والاجتماعية (١) . التي تكون الإطار المرجعي، حتى يقرر الإطار المرجعي قبول هذه المعلومات، ومن ثم تمثلها واختزانها، لتكون نظاما معرفيا، يحكم مواقفه وسلوكه (٢) . وقد جاءت دلالة الطرح الإعلامي بالمسلمات العقلية والفكرية والاجتماعية عندما بدأ الرسول ﷺ خطبة الصفا بقوله: " يا صباحاه "، وهذا الهاتف له دلالة في مجتمع القبائل والعشائر التي يغير بعضها على بعض لأتفه الأسباب، هذه الكلمة تعني: الجيش صبحكم أو مساكم. " يا بني فلان، يا بني فلان " يدعو العشائر القرشية بأحب الأسماء إليها، وبما تعارفوا عليه في مجتمعهم، ليثير فيهم النخوة والحمية. ثم يوجه لهم الخطاب والطرح الإعلامي من خلال مسلمة في أدمغتهم، وحتى يلزمهم بالحجة العقلية بدأ بسؤالهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ".» فما تفوه أحد بكلمة إلا من سبقت عليه الشقاوة في الدنيا والآخرة أبو لهب عليه لعائن الله. ١٠ - التكرار والملاحقة: هذه الدلالة تؤكد على أسلوب من أساليب الإعلام وهو التكرر

стр. 16

الذي يساعد العمل الإعلامي على الانتشار بين الجماهير، ويعد من أجدى الأساليب الإعلامية، وأكثرها فاعلية في تغيير اتجاهات الرأي العام (١) . إذا أتقنه القائم بالاتصال، وأخذ في اعتباره الأوقات التي يتم فيها التكرار، والوسائل الإعلامية الملائمة، والظروف المرتبطة بها، والسوابق الإعلامية، والتأثير الممكن حدوثه. وتزداد أهمية هذا الأسلوب في الإعلام الإسلامي؛ لأنه احتفى به القرآن الكريم احتفاء عظيما، لما له من الأثر النفسي في تثبيت المعنى وتقريره، حتى يصبح عقيدة راسخة. يقول صاحب تفسير الكشاف عند تعليقه على أسلوب التكرار وبيان أثره في النفس الإنسانية عند تفسير قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] (٢) (مثاني) بيان لكونه متشابها؛ لأن القصص المكرورة لا تكون إلا متشابهة والمثاني جمع مثنى، مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه في أحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه ثم قال فإن قلت: ما فائدة التثنية التكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة فما لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله

стр. 17

ومن ثم كانت عادة الرسول ﷺ أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح (١) . ومما يؤكد هذا الأسلوب الفعال أن خطبة الصفا جاءت بأكثر من رواية، وهذا يعني أنها كررت في أوقات متعاقبة لاعتبارات ترتبط بالظرف الاتصالي جملة، فالتكرار المتنوع على هذه الصورة هو جوهر الفاعلية المطلوبة لكل رسالة إعلامية. ١١ - المسؤولية الإعلامية ودرجاتها: هذه الدلالة يؤكدها الانتقال من الإنذار العام إلى إنذار عشيرة الرسول ﷺ وذوي قرباه وكان من الممكن الاكتفاء بعموم الأمر الأول في قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٢) فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار العشيرة؟ الحقيقة أن في هذا الانتقال إلماحا إلى درجات المسؤولية التي تقع على عاتق رجل الاتصال في الإعلام الإسلامي. فأدنى درجات المسؤولية هي المسؤولية الشخصية وهي مسؤولية الرسول ﷺ عن نفسه، وإعدادها لهذا العمل العظيم، ومن أجل ذلك استمرت فترة ابتداء الوحي تلك المدة الطويلة، ريثما يطمئن الرسول ﷺ إلى أنه نبي مرسل، وأن ما ينزل عليه هو وحي من الله ، فيؤمن أولا ويوطن ذاته على حمل حقائق الإسلام وقيمه للناس، فالعلم النافع قاعدة العمل الصالح , قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (٣) . ومن هنا فإن رجل الاتصال الحر لا بد أن يكون على علم بما يقدمه

стр. 18

من معلومات وأفكار حتى يستطيع أن يؤثر في الناس. الدرجة الثانية من درجات المسؤولية هي مسؤولية الإنسان تجاه أهله وعشيرته الذين يلوذون به للقيام بحق هذه المسؤولية، خص الله تعالى الأقارب بضرورة الإنذار والتبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ والجهر به - وليس من فرق في مضامين دعوة الرسول ﷺ ودعوة رجال الاتصال في الإسلام إلا أن الرسول ﷺ يدعو إلى شرع جديد نزل عليه. ورجل الإعلام الإسلامي يدعو أهله وعشيرته الأقربين بدعوة الرسول الذي بعث إليه، فهو يبلغ عنه ويدعو بدعوته وينطق بلسانه، وكما أنه لا يجوز للنبي أو الرسول أن يقعد عن تبليغ الناس ما أوحي إليه، فكذلك لا يجوز لرجال الإعلام الإسلامي والدعاة المخلصين أن يقعدوا عن إنذار قومهم , بل يجب إقناعهم بالإسلام وحملهم عليه وإلزامهم به. أما الدرجة الثالثة فهي مسؤولية رجل الاتصال الإسلامي في مسؤولية رجل الاتصال في الإسلام تجاه الإنسانية بهدف إنقاذ أكبر عدد ممكن من البشرية من النار، رحمة بهم ووفاء بالأمانة وأداء لواجب البلاغ المبين، وهذه المسؤولية كان يضطلع بها الرسول ﷺ انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (١) وقال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) . وانطلاقا من هذه المسؤولية فإن وسائل الإعلام في المجتمع المسلم ينبغي أن تحسن الخطاب الإعلامي لأمة الدعوة فتصمم برامج على أسس علمية دقيقة تقنع الناس وتكفل الاستجابة لها وذلك عندما تراعي خصائص المجتمعات التي توجه لها الرسالة وخلفياتها الفكرية والاجتماعية

стр. 19

انطلاقا من هدي النبي ﷺ في خطبة الصفا. ١٢ - المكاشفة والمصارحة في الطرح الإعلامي: هذه الدلالة تؤكدها نصوص خطبة الصفا جميعها، فقد صدع الرسول ﷺ بحقيقة الألوهية وحقيقة الإنسان وحقيقة الدين وحقيقة ما عليه ذلك المجتمع الجاهلي من خلال ما عاب على قومه أن يأسروا أنفسهم للتقاليد الموروثة عن آبائهم وأجدادهم دون تفكير ودون تحرير لعقولهم من أسر الاتباع الأعمى لجاذبية تلك المواريث التي لا تقوم على الفكر والمنطق السليم. لقد كانت هذه الخطبة غاية في مفاصلة القوم على المبدأ كما كانت غاية في البلاغ، إذ لم تكن طريقا أقصر من هذا البيان وأوضح وأبين، فقد أوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق برسالة الإسلام هو أس الصلة، والرابطة الحقة بين النبي ﷺ وبين قومه، بل وبينه وبين أقرب الناس إليه. والمكاشفة بالحقائق من مبادئ الإعلام الإسلامي؛ لأن الإعلام الذي ينطلق من هدي النبي ﷺ لا يبالي فيما يدعو إليه وفي طريق تعامله مع الناس بالمصلحة الآنية ولا المكاسب السياسية المرحلية، ولا يهتم بتحقيق أغراض وأعراض دنيوية طارئة، فيتنازل وينادي بنصف الحقيقة ويوافق على إجراء أي تسوية أو تأييد مشروط؛ لأنه الإعلام الهادف إلى نشر عقيدة التوحيد الملتزم بالأوامر والنواهي الموصول بها، لا يقول إلا الحق ولا يهدف إلا إلى إظهار دين الحق في الأرض. من أجل ذلك كله تميز الإعلام الإسلامي في عهود الحضارة الإسلامية الزاهرة بالوضوح والصراحة والواقعية دون مراعاة لمصلحة فرد أو فئة من الناس؛ لأن مصير المجتمع الذي يبنيه الإعلام الإسلامي لا تقرره حماية فرد أو فئة مهما عظم شأنها، كل ذلك بفضل القاعدة الأساس التي ينطلق منها وهي عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد التي حررت الإنسان من أنواع العبودية لغير الله وجاذبية الأعراف الجاهلية.

стр. 20

١٣ - أسلوب حسن العرض وفن الصياغة: هذه الدلالة تؤكدها نصوص هذه الخطبة جميعها فالرسول ﷺ لم يبتكر جديدا في ألفاظ اللغة العربية، ولكن الأمر أمر حسن الاختيار في تلك الألفاظ والأوضاع أيها أحق بالأخذ لتأدية الغرض، سواء بالنسبة للألفاظ المفردة باعتبارها اللبنات التي تصاغ منها الجمل، أو طريقة تركيب الجمل وصياغة العبارة، فقد كان النبي ﷺ يتخير أشرف المواد وأمسها رحما بالمعنى المراد، ويضع كل لفظ في موضعه الذي هو أحق به. وأسلوب العرض الجيد لا تخفى أهميته على المنظرين للفلسفة الإعلامية والعاملين في حقل الإعلام، كما أن هناك بعضا من رجال الاتصال والدعاة إلى الله أهملوا قضية أسلوب الصياغة وطرحوه جانبا، وانطلقوا يقدمون ما يحفظون من نصوص للناس، فأخفق الاتصال بالناس، ونفروا الناس بأسلوبهم السيئ، وخالفوا هدي النبي ﷺ في استخدام بلاغة القول وفن صياغة الرسالة الاتصالية لإقناع الناس بمبادئ الإسلام وقيمه. [الدلالات والمعاني الإعلامية في أول خطبة جمعة للرسول صلى الله عليه] وسلم في المدينة المنورة

стр. 21

المبحث الثاني الدلالات والمعاني الإعلامية في أول خطبة جمعة للرسول ﷺ في المدينة المنورة - روايات الخطبة. - الدلالات والمعاني الإعلامية في هذه الخطبة.

стр. 22

روايات أول خطبة جمعة للرسول ﷺ في المدينة المنورة لقد كانت الهجرة النبوية فتحا عظيما للدعوة الإسلامية، كما كانت نقلة كبيرة للإعلام النبوي؛ حيث تعد هذه الخطبة قاعدة لإعلام جماعة المسلمين في مجتمع قائم وشريعة مطبقة، ولذا فإن هذه الخطبة هي في الحقيقة نموذج لشكل من أشكال الاتصال في المجتمع الإسلامي، وهو الاتصال الجمعي؛ حيث يخاطب القائم بالاتصال جماعة من المسلمين متجانسة عقيدتها واحدة وإيمانها واحد وقيمها السائدة ومعاييرها وأفكارها متجانسة، ولذلك فإن الطرح الإعلامي سيأتي بلا شك مختلفا عن متطلبات خطبة الصفا التي كانت الخطبة فيها موجهة إلى القوم والعشيرة من أمة الدعوة , وليس لأهل الرابطة الإيمانية. روى ابن كثير عن ابن جرير قال حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن، أنه بلغه عن خطبة النبي ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عون ﵃: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة، على فترة من الرسل , وقلة من العلم، وضلالة من الناس، [وانقطاع من الزمان] ، ودنو من الساعة , وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذركم الله من

стр. 23

نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه لتقوى لمن عمل به على وجل وفخامة، وعون وصدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذخرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوء يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] (١) هو الذي صدق قوله وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] (٢) واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية إنه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] (٣) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] (٤) وأن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة. خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله , قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين , فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة , ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، إنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٥) .

стр. 24

نص آخر لهذه الخطبة: روى ابن كثير ﵀ عن البيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵄ قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيها الناس: فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل , ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف , والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته» (١)

стр. 25

نص ثالث لهذه الخطبة: ثم خطب الرسول ﷺ مرة أخرى، فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم [ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم] فإن من كل ما يخلق الله يختاره الله ويصطفي، فقد سماه خيرته من الأعمال مصطفاه من العباد والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم , وتحابوا بروح الله بينكم، وإن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى وهذه الطرق مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها، وإن اختلفت الألفاظ (١) . إن ألفاظ الخطبتين الثانية والثالثة اللتين رواهما البيهقي بسنده عن

стр. 26

عن شيخه أبي عبد الله الحافظ المعروف بالحاكم صاحب المستدرك. وهذه الخطب وإن كانت مرسلة فإنها في جملتها على منهاج النبي ﷺ في دعوة المؤمنين لتقوية إيمانهم وتغذيته بتقوى الله تعالى , ولولا أن الحفاظ الثقات من أمثال ابن كثير والبيهقي أوردوها ما أقدمت على روايتها ونقلها، وقد أخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بألفاظ أخرى (١) . ، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضا. كما أن بعض عبارات هذه الخطب في الأحاديث الصحيحة.

стр. 27

الدلالات الإعلامية لأول خطبة جمعة للرسول ﷺ في المدينة المنورة ١ - براعة الاستهلال والبداية المثيرة للانتباه: هذه الدلالة تؤكدها بدايات الخطب الثلاث (١) . ، ويظهر في هذا الاستهلال وبراعة الانطلاق من المسلمات الفكرية والعقدية في الاتصال بجماعة المسلمين وبناء الرأي العام المستنير على أساس عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد، والبداية المثيرة للانتباه ينبغي في إطار الأصل الاتصالي أن تكون قريبة من الصورة الذهنية للجمهور المتلقي، وبسيطة وبعيدة عن التعقيد، وقريبة جدا من الموضوع الذي يرغب القائم بالاتصال طرحه على الناس، والمتتبع لخطب الرسول ﷺ يدرك اختلاف البداية المثيرة للانتباه من خطبة إلى أخرى تبعا لموضوع الخطبة وطبيعة الجمهور المستهدف. ٢ - في هذه الخطبة نقلة كبيرة في مستويات التأثير الاتصالي: فمن الخطاب الإعلامي للجماعات الأولية البسيطة المتمثلة في الأفراد والجماعات العشائرية إلى مستوى الأمة ذات الرابطة القائمة على أساس العقيدة والمبادئ الإسلامية الخالدة، بدل النعرات العرقية الجاهلية، هذا بالإضافة إلى اعتبار أن الجمهور الذي كان يتلقى هذا الخطاب الإعلامي

стр. 28

النبوي لم يكن هو المقصود بالمضامين الدعوية فقط، وإنما كان الرسول ﷺ يعد هذه الجماعة لتولي أعباء قيادة الأمة الإسلامية تلك القيادة الراشدة التي أخرجت الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن تسلط النظم والفلسفات المادية إلى آفاق الحرية الحقة في رحاب الإسلام، والذي يؤكد هذه الدلالة أسلوب مخاطبة الروح الجماعية في الروايات الثلاث لأول خطبة جمعة للنبي ﷺ في المدينة، والإطار المرجعي الذي صيغت رموز الخطبة من خلاله، وهو خلاصة خبرات جماعة المسلمين الأولين في المدينة وتجاربها وما تعلمته من الوحي ومن هدي النبي ﷺ ، فخاطبها الرسول ﷺ من خلال هذه التجارب. ٣ - استثارة الدوافع الإيمانية والإنسانية: فقد جاءت الوصية بالتقوى ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية في الروايات الثلاثة للخطبة ففي الرواية الأولى قال ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله فإن خير ما وصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله» . وفي الرواية الثانية: «من استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة» . وفي الرواية الثالثة قال ﷺ : «فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته» ، وجاءت استثارة الدوافع الإنسانية في الدعوة للتكافل في المجتمع الإسلامي والبذل للمحتاجين , ولا يستهان بالقليل فإنه كثير عند الله، ومن لم يجد فلا أقل من أن يواسي إخوانه في المجتمع الإسلامي بالدعاء والكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة صدقة كما في هذا القول الذي جاء في الرواية الأولى والثانية، بينما في الرواية الثالثة جاءت الدعوة صريحة إلى التحاب في ذات الله تعالى والوفاء بالعهود، قال ﷺ : «تحابوا بروح الله

стр. 29

بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده» ، ومثل ذلك جاء في الرواية الأولى: «إن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب وترفع الدرجة» ، وهنا استثار الرسول ﷺ الدوافع الإيمانية والإنسانية لبناء الرأي العام الإسلامي المتألف والمتعاون على أساس سليم. ٤ - الإحاطة بالظرف الاتصالي جملة , وتوجيه الرأي العام الإسلامي للمواجهة الفكرية والمفاصلة على أساس العقيدة والمبدأ: فقد جاء في الرواية الأولى: قوله ﷺ «فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة» ، وهنا يوجه الرسول ﷺ الرأي العام الإسلامي بالمكاشفة بالحقائق كاملة , فقيام الدولة الإسلامية في المدينة يعني المواجهة لكل نظم الكفر الفاسدة , والرأي العام الإسلامي الذي يؤسسه الاتصال الفعال على أساس من المصارحة بالحقائق تأتي مواقفه ثابتة، ويكون تأييده لقيادته قويا وثقته بها متينة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] (١) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (٢) وأهمية هذه الدلالة لا تخفى على المهتمين بالدراسات الإعلامية فأسلوب عرض الحقائق من أهم الأساليب الفعالة في تغيير الرأي العام (٣) . , والحقيقة هي التي تبقى في النهاية وتحدث آثارا

стр. 30

إيجابية على عكس التضليل والخداع الذي لا بد أن ينكشف ويحدث آثارا عكسية، أما الحقيقة فهي ذات وجه صريح وثابت لا يتغير وإن اختلفت الأساليب التي يلجأ لها باختلاف ظروف الاتصال. ٥ - مراعاة أحوال المخاطبين: يؤكد ذلك أسلوب الدعوة إلى التعاون بعد التأكيد على قضايا الإخلاص لله تعالى وتقواه في السر والعلانية , وقد جاء هذا الأسلوب في صياغة بارعة تربط التآلف والتكافل الاجتماعي بالإيمان بالله الواحد الأحد والإيمان باليوم الآخر والجزاء والحساب في الدار الآخرة. وهذا الخطاب لا شك أنه مبني على معرفة تامة بأحوال جماعة المسلمين في مجتمع المدينة الجديدة، وما فيه من المهاجرين الذين يحتاجون إلى المواساة بالمال ولو بالقليل، فإن لم تكن هناك مساعدة مادية فلا أقل من الكلمة الطيبة التي تثمر المحبة والألفة، وتبرز هذه الدلالة أيضا في التذكر بنعم الله تعالى على عباده المؤمنين وفي مقدمتها نعمة الإيلام. وقد ظهر ذلك واضحا في مقاطع من الرواية الأولى للخطبة وفي الرواية الثانية، وخص في الرواية الثالثة بنعمة القرآن الكريم، ثم طلب منهم أن يحسنوا كما أحسن الله إليهم، ولهذا الأسلوب أهمية في شحذ الهمم للتمسك بالحق والثبات عليه (١) . لأن قوة هذا الاتصال وفاعليته في الإقناع تكمن في الحق الذي يحويه المضمون الاتصالي.

стр. 31

٦ - اختلاف أنماط الاستشهاد باختلاف الإطار المرجعي للجمهور المتلقي: إذا قورنت مصادر الاستشهاد وأنماطه في هذه الخطبة وخطبة الصفا نجد أن مصادر الاستشهاد في هذه الخطبة تختلف، فبينما كانت الاستشهادات في خطبة الصفا تقوم على شواهد الواقع والعقل والمنطق فإن الشواهد في هذه الخطبة تقوم على أساس نصوص الوحي حيث كان الرسول ﷺ يستشهد بالآيات كما في رواية الخطبة الأولى؛ وذلك لأن الخطاب الإعلامي كان موجها لجماعة المسلمين الذين يؤمنون بالله وبرسوله ﷺ وبما أنزل عليه من القرآن، فكان الخطاب في كلتا الخطبتين يوجه للجمهور المستهدف من خلال المسلمات الأساسية له المرتبطة بقيمه وإطاره العام. ٧ - العوامل المؤثرة في الرأي العام الإسلامي: لقد تعددت نظريات بناء الرأي العام تبعا للنظم الفلسفية الإعلامية المختلفة، فمن نظرية تقول بالعامل الواحد، وأخرى تقول بالعوامل المتعددة , وثالثة تقول بأثر البيئة والمحيط. . . إلخ (١) . ، والرسول ﷺ في هذه يبني الرأي العام الإسلامي على أسس في مقدمتها الإيمان بالله الواحد الأحد، والإخلاص له في السر والعلانية؛ لأن الإيمان أس الحرية الحقة، التي تحقق للإنسان كينونته الحقة، التي أكرمه الله بها، وتخرجه من قيد الشيطان إلى قيد الرحمن، وتجعل قلب الإنسان معلقا بالله، والحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب (٢) . ، وهذه الحرية الحقة هي التي كونت الإيرادات الإيمانية،

стр. 32

التي حملت الإسلام للناس في كل مكان. هذا بالإضافة إلى القرآن الكريم الذي شكل عقلية الأمة الإسلامية وصاغها صياغة فريدة، تجعل الإنسان المؤمن يرى بنور الله، فلا تتعدد مواقفه في قضية واحدة ولا تضطرب، وتكون أقرب إلى الحق، وقد ظهر ذلك واضحا في مواقف الصحابة والسلف رضوان الله عليهم أجمعين عندما التزموا هدي النبي ﷺ في الاتصال , وأحسنوا التعامل مع الناس (١) . ، عندما كانت لهم غايات سامية , وأهداف محددة، ويظهر في الخطبة أن الرسول ﷺ حدد غايات الأمة الإسلامية وأهدافها بوضوح. ففي الرواية الأولى لهذه الخطبة قال ﷺ : «ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله تعالى يكن له ذخرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت» ، وهذا ما جعل مواقف جماعة المسلمين تتصف بالاتساق، كيف لا؟ وعقيدتها واحدة، وأهدافها واحدة، وغاياتها واحدة، وقيمها السائدة مشتركة، وأفكارها متجانسة (٢) . ؛ وما ذلك إلا لأنه تم بناء المسلمين على أسس سليمة وغايات وأهداف واضحة ومحددة. ٨ - الإقناع بالأفكار: تميز الطرح الإعلامي في هذه الخطبة بالانطلاق من مبدأ الإقناع بالأفكار وليس التحكم في الفكر، إما عن طريق الإثارة والتهييج، كما في المدرسة الإعلامية الشيوعية الاشتراكية؛ حيث إن محور الاتصال عندهم هو الإثارة والتهيج (٣) . أو عن طريق التحكم في الفكر عن طريق الإرهاب

стр. 33

الفكري، الذي يهدف فيه رجل الإعلام إلى إلزام الجمهور المتلقي بالتسليم لقضاياه وأهدافه بالحجة، ويظهر في هذا المدرسة الإعلامية الغربية عن طريق التحكم المنظم في المعلومات (١) . ولذا تعمل وسائل الإعلام الغربية عمل سحرة فرعون، الذين سحروا أعين الناس واسترهبوهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] (٢) . والذي يؤكد لنا هذه الدلالة في روايات الخطبة: ١ - الاستعانة بمنطق الأخوة كما جاء في رواية الخطبة الأولى: هو اجتباكم وسماكم المسلمين. ب - أسلوب الاستعانة بضرب الأمثال لتقريب المعاني وتجسيدها في أشكال محسوسة، لينتقل بالإنسان من الإلف بالفكرة إلى الاقتناع بها، وذلك واضح في المثل الذي ساقه الرسول ﷺ لبيان أهمية الإنفاق في سبيل الله تعالى، فالادخار الحقيقي هو ما يدخره الإنسان لآخرته كما جاء في الرواية الثانية لهذه الخطبة. جـ- مخاطبة عقل الإنسان والثقة بمقدرته في حمل مسؤولية الاتصال والوفاء بواجب البلاغ المبين وهذه المخاطبة بينة في روايات الخطبة الثلاث،

стр. 34

والحقيقة أن بحوث الاتصال تؤكد أهمية مخاطبة عقل الإنسان في إطار السياق الذي يتم فيه الاتصال (١) . على اعتبار أن الجمهور المتلقي عنصر رئيسي وفعال في عملية الاتصال؛ لأن الرسائل التي يستقبلها ليست سوى خبرات محملة بالمعلومات، تصب في الصورة العقلية وتؤثر فيها، فإذا لم يفهم الإنسان ويدرك بعقله تلك الرسائل فإنه لا يحدث التغيير المقصود في الصورة الذهنية، وأما إذا لاحظ العقل الرسالة وبلغته واستوعبها، فإنه يحدث التغيير ويتراوح بين إضافة معلومات جديدة تعزز الصورة الذهنية ومعلومة جديدة تحدث مراجعات فيها أو تغيرها، وبقدر ما تكون المعلومات حقيقية وصادقة بقدر ما يكون التغير إلى الأفضل. ٩ - مخاطبة الجمهور والمتلقي بلغة مفهومة واضحة الدلالة قوية الحجة فالرسول ﷺ كان يخاطب جماعة المسلمين بلغتهم، فالمضمون الاتصالي لا يخرج عن خبرات ومعارف جماعة المسلمين الأولى في المدينة المنورة يوم هاجر النبي ﷺ إليها، ولا تخفى أهمية العناية باللغة والإطار الدلالي؛ لأن التشويش الدلالي يعد عائقا من معوقات الاتصال (٢) . وهذا النوع من التشويش يحدث نتيجة عدم فهم المتلقي للرسالة حتى ولو نقلت بدقة فائقة. والمتتبع لروايات الخطبة الثلاث يجد سهولة اللغة ووضوح دلالتها , وما ذلك إلا لتيسير التفاهم والتواصل والقرب النفسي بين جماعة المسلمين؛ لتحقيق الإقناع بمضامين خطبة الرسول ﷺ في أول جمعة صلوها في المدينة المنورة.

стр. 35

١٠ - من دلالات هذه الخطبة استخدام أسلوب التكرار للحث على بعض المضامين في خطبة الرسول ﷺ , وفي مقدمتها الحث على الإخلاص ومراقبة الله تعالى والتقوى، وقد كررت في روايات الخطبة جميعها، وقد أثبتت دراسات الاتصال ودراسات علم النفس الحديثة أهمية التكرار في إقناع الناس بالآراء والأفكار المختلفة، كما أن تكرار الحقائق والمعلومات يعمل على تثبيتها في العقول، وقد جاء هذا الأسلوب في القرآن لتحقيق الإقناع العقلي بغاياته الكبرى وفي مقدمتها عقيدة التوحيد (١) التي يتحدد على أساسها مصير الإنسان في الدنيا والآخرة. وهكذا جاءت أول خطبة جمعة خطبها الرسول ﷺ في المدينة بهذا الأسلوب الذي استقاه الرسول ﷺ من القرآن الكريم الذي احتفى به احتفاء عظيما؛ لما له من الأثر النفسي في المتلقي، فهو لا يقنع بالمعاني فقط، بل يثبتها ويقررها , حتى تصبح عقيدة راسخة. وعلى كل حال فإن هذه الخطبة بما اشتملت عليه من دلالات باهرة في الاتصال والإقناع تعد نموذجا للاتصال الإسلامي الفعال في حياة جماعة المسلمين، تميزت بسداد المنهج، القائم على هدي النبي ﷺ , ووضوح الهدف الاتصالي، وغزارة العلم والحكمة، وفاعلية الأساليب الإقناعية , المرتبطة بالظروف البيئية المتغيرة.

стр. 36

[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات] المبحث الثالث الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات - نماذج من خطب الغزوات: * روايات خطبة بدر الكبرى. * روايات خطبة فتح مكة. * روايات خطبة غزوة تبوك. - مبررات اختيار هذه النماذج بعينها. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة بدر الكبرى. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة فتح مكة. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة غزوة تبوك.

стр. 37

نماذج من خطب الغزوات: إذا كانت خطبة الجمعة تعد نموذجا اتصاليا فريدا لتوجيه الرأي العام الإسلامي , في إطار كتاب الله وهدي نبيه محمد ﷺ وفق استراتيجية مستمرة، فإن خطب الغزوات نموذج أيضا لتعبئة الرأي العام في زمن الحرب؛ وذلك لرفع الروح المعنوية وإقناع الرأي العام بمشروعية القتال، والتصدي لحملات التشكيك، وحملات الحرب النفسية المتمثلة في الدعاية المضللة، والشائعات المروعة التي يبثها الأعداء، ولذلك تعد الدول عددا كبيرا، وتسخر الخبرات الإعلامية؛ لهندسة المواقف، والمتتبع لخطب الرسول ﷺ في الغزوات يدرك تميز خطب الجهاد ببعض الخصائص والسمات التي كانت من أهم عوامل الإقناع، الذي ظهرت آثاره باهرة في كثير من المواقف، وسوف نعرض بعض هذه الخطب لإبراز دلالات الاتصال والإقناع في خطب الغزوات. ومن خطب الغزوات: أولا: خطبة يوم بدر: حيث خطب ﷺ وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه , وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله، على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون , وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه. وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم، وتدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] (١)

стр. 38

انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه , وأراكم من آياته، وأعزكم بعد الذلة، فاستمسكوا به يرضى به ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا، تستوجبوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته , فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد. وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم , إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا (١) وعليه توكلنا، وإليه المصير , يغفر الله لي وللمسلمين» .

стр. 39

ثانيا: خطبة النبي ﷺ يوم الفتح: عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها حلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر، فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه، قال الوليد فقلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ » (١) . وساق ابن إسحاق نصا لهذه الخطبة أوفى وأبسط فقال: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ وقف على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه

стр. 40

العمد، بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظامها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (١) . يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال ﷺ : اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢) .
следующие страницы →