← Общие книги

Общие книги · id 31504

الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

سعيد بن علي ثابت

Полный текст (168 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات] المبحث الثالث الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات - نماذج من خطب الغزوات: * روايات خطبة بدر الكبرى. * روايات خطبة فتح مكة. * روايات خطبة غزوة تبوك. - مبررات اختيار هذه النماذج بعينها. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة بدر الكبرى. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة فتح مكة. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة غزوة تبوك.

стр. 37

نماذج من خطب الغزوات: إذا كانت خطبة الجمعة تعد نموذجا اتصاليا فريدا لتوجيه الرأي العام الإسلامي , في إطار كتاب الله وهدي نبيه محمد ﷺ وفق استراتيجية مستمرة، فإن خطب الغزوات نموذج أيضا لتعبئة الرأي العام في زمن الحرب؛ وذلك لرفع الروح المعنوية وإقناع الرأي العام بمشروعية القتال، والتصدي لحملات التشكيك، وحملات الحرب النفسية المتمثلة في الدعاية المضللة، والشائعات المروعة التي يبثها الأعداء، ولذلك تعد الدول عددا كبيرا، وتسخر الخبرات الإعلامية؛ لهندسة المواقف، والمتتبع لخطب الرسول ﷺ في الغزوات يدرك تميز خطب الجهاد ببعض الخصائص والسمات التي كانت من أهم عوامل الإقناع، الذي ظهرت آثاره باهرة في كثير من المواقف، وسوف نعرض بعض هذه الخطب لإبراز دلالات الاتصال والإقناع في خطب الغزوات. ومن خطب الغزوات: أولا: خطبة يوم بدر: حيث خطب ﷺ وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه , وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله، على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون , وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه. وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم، وتدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] (١)

стр. 38

انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه , وأراكم من آياته، وأعزكم بعد الذلة، فاستمسكوا به يرضى به ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا، تستوجبوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته , فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد. وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم , إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا (١) وعليه توكلنا، وإليه المصير , يغفر الله لي وللمسلمين» .

стр. 39

ثانيا: خطبة النبي ﷺ يوم الفتح: عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها حلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر، فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه، قال الوليد فقلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ » (١) . وساق ابن إسحاق نصا لهذه الخطبة أوفى وأبسط فقال: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ وقف على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه

стр. 40

العمد، بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظامها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (١) . يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال ﷺ : اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢) .

стр. 41

ثالثا: خطبته ﷺ في غزوة تبوك: روى البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله ﷺ ليلة لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ فيها حتى كانت الشمس قيد رمح، قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر، فقال: يا رسول الله ذهب بي النوم الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله ﷺ من ذلك المنزل غير بعيد، ثم صلى , ثم ذهب بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ ، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدي ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثى جهنم، والكنز كي من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه , وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتيمه، وشر

стр. 42

الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه , ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي - قالها ثلاثا - ثم قال: أستغفر الله لي ولكم» (١) .

стр. 43

مبررات اختيار هذه الخطب دون غيرها: لقد تم اختيار هذه الخطب دون غيرها كنماذج لخطب الغزوات بناء على عدة اعتبارات منهجية ولا سيما الأحداث والملابسات المرتبطة بكل خطبة من خطب هذه الغزوات الثلاث، التي تمثل كل منها مرحلة من مراحل الجهاد في سبيل الله تعالى إبان عهد النبوة، ويمكن إجمال هذه المبررات في النقاط التالية: أولا: مبررات اختيار خطبة غزوة بدر الكبرى: ١ - إن غزوة بدر الكبرى تعد إعلانا لبدء حياة جديدة تعلو فيها كلمة الحق؛ لبناء عقلية جديدة مستضيئة بنور الهدى والإيمان؛ ولذا سماها الله تعالى الفرقان في سورة الأنفال. ٢ - كانت خطبة بدر الكبرى الدرس التعبوي الأول، فهي أول تجربة لجماعة المسلمين في التضحية والقتال في سبيل حمل الدعوة الإسلامية حملا جهاديا، ولا تخفى أهمية الإعداد الإعلامي؛ لرفع الروح المعنوية؛ لخوض مثل هذه التجربة. ٣ - كانت فتح الفتوح للدعوة الإسلامية، ارتفع فيها صوت الحق، وكبت الباطل أي كبت، فقد سمعت الجزيرة العربية كلها بقوة دولة الإسلام الجديدة. ٤ - استوعبت بدر الكبرى الإسلام كله، والهجرة كلها، وبيعة الأنصار كلها، عندما أعلنت في ساعة واحدة للناس في كل مكان المفاصلة على عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد , فكانت بدر الكبرى شامة في جبين الزمان، واستحق أهلها بجدارة أن يكونوا سادة في الأرض، وسادة في السماء، ففي الأرض يقول الرسول ﷺ في حادثة حاطب بن أبي بلتعة: «لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت

стр. 44

لكم الجنة، أو قد غفرت لكم» (١) ولعل هذا ما جعل عمر بن الخطاب ﵁ يجعل أهل بدر في مقدمة أهل العطاء. ثانيا: مبررات اختيار خطبة فتح مكة: ١ - لقد كانت نصرة للمظلوم، ووفاء بالعهد لخزاعة حليفة النبي ﷺ ، وهي أول غزوة يخرج فيها الجيش الإسلامي لنصرة المستضعفين من جماعة المسلمين، فقد «جاء عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي ﷺ فقال: يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبيه وأبينا الأيكدا فانصر رسول الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريش أخلفوك الموعدا هم بيتونا بالوثير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا فقال الرسول ﷺ : " نصرت يا عمرو بن سالم» . ٢ - يعد فتح مكة ثمرة الجهاد والتضحية بالنفس والمال في سبيل الله، فبالأمس خرج المهاجرون فرارا بدينهم، واليوم يدخلون مكة منتصرين على أعدائهم، وفي هذا درس لجماعة المسلمين أنه لا نصر بدون الإسلام , ولا إسلام بدون العبودية الحقة لله، ولا عبودية بدون التضحية والبذل والضراعة إلى الله والجهاد في سبيله. ٣ - في هذه الغزوات حرر البلد الأمين من رجس عبودية الأوثان والأصنام إلى الأبد. ٤ - كسرت شوكة جاهلية العرب في هذه الغزوة، وطوي نظامها، وحل مكانه النظام الإسلامي، ودخل العرب ميادين الحضارة الإسلامية، فأصبحوا قادة الأمة الإسلامية في فتوحاتها، وسياستها، ومعارفها ,

стр. 45

وعلومها، فكانوا بحق كما أراد لهم الله أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، بفضل الله ثم بفضل هذا الفتح العظيم، ولا يخفى أهمية الاتصال الإعلامي الذي عقب هذا الفتح العظيم لذا اختيرت خطبة فتح مكة. ثالثا: مبررات اختيار خطبة غزوة تبوك: ١ - لقد كانت تبوك آخر غزوة للنبي ﷺ فهي خاتمة غزواته. ٢ - كانت غزوة تبوك أول تجربة جهادية لمجتمع الجزيرة العربية المسلم. ٣ - كانت غزوة تبوك إعلانا للحرب على النظام العالمي الجاهلي، الذي حجر على عقول الناس وقلوبهم، ومنعهم من سماع صوت الحق بالإرهاب الفكري والمادي، والمتمثل في هيمنة الحضارة والثقافة الرومانية. ٤ - كانت غزوة تبوك معركة نفسية عنيفة، لتمحيص الصف الإسلامي، فقد أعلنت الحرب على أكبر قوة في العالم في ذلك الوقت، وأعلن النفير العام في ساعة العسرة , وحينما طابت الثمار، وقرب قطفها، وقرب الحصاد، وفي شدة الحر مع بعد الشقة , فالمعركة تحتاج أولا إلى السير الطويل في الصحراء. ولذلك كشفت الغزوة سوءات المنافقين وظهرت ظاهرة النفاق مستفحلة منظمة في جوانب شتى، كالتخلف عن السير مع الرسول ﷺ ، والاعتذار بأعذار واهية، وبث الشائعات المروعة، ولمز المطوعين في الصدقات من المؤمنين، ثم حركة الهمس والتشكيك في معجزات النبي ﷺ ومقدرته على حرب الروم، ثم محاولة اغتيال النبي ﷺ ، بل وبناء المؤسسات للنفاق، مثل مسجد الضرار. ٥ - ظهرت في هذه الغزوة مستويات عظيمة من التضحية والبذل بالنفس والنفيس.

стр. 46

الدلالات والمعاني الإعلامية في خطب الغزوات أولا: الدلالات والمعاني في خطبة غزوة بدر الكبرى ١ - توجيه الرأي العام الإسلامي من خلال الاحتكام إلى مسلمات جماعة المسلمين، وقد ظهر هذا الأمر واضحا في بداية الخطبة؛ حيث قال ﷺ : «أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق ,ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله» ، فخاطبهم ﷺ من خلال عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد. ٢ - الإقناع المشترك؛ حيث يوجه الرسول ﷺ هذا الخطاب البليغ إلى جماعة المسلمين، الذين تسودهم روح الجماعة والحوار المشترك، وهذا الجو الاتصالي لا شك أنه يحقق الإقناع والإمتاع المشترك؛ لما فيه من التفاهم والقرب النفسي. ٣ - أسلوب انتهاز الفرصة للتأكيد على أهم القيم وفي مقدمتها الإخلاص لله تعالى وابتغاء مرضاته ، قال ﷺ في هذه الخطبة: «قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه» . ٤ - التجاهل المتعمد للعوامل المادية وتحول الانتباه إلى القوة الحقيقية، وهي قوة الإيمان، وهذا التحول مبني على معرفة تامة للعوامل النفسية والاجتماعية لجماعة المسلمين - الجمهور المستهدف بهذه الخطبة - وما تتميز به على الفئة الكافرة، وهذا الأسلوب يعمل على تكوين المواقف المؤيدة ورفع الروح المعنوية عند الجندي المسلم. ٥ - الاستشهاد بالقيم الدينية والاحتكام إلى المسلمات الأساسية للمجتمع الإسلامي، ويظهر ذلك في قول الرسول ﷺ : «فاستحيوا اليوم أن يطلع

стр. 47

الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] » . ٦ - بث الثقة بالله واليقين بنصره لأوليائه في جماعة المسلمين والجزم بأن الخصم ليس على شيء قال ﷺ : «وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا تستوجبوا الذي وعدكم» . ٧ - البشارة والنذارة، وتظهر دلالة هذا المبدأ الإعلامي في آخر خطبة غزوة بدر. ٨ - إحكام الاتصال، وهذا يعني التعامل مع الحدث الذي يهم الرأي العام بواقعية، وبدون تهويل، وعرض الحقائق كاملة على الرأي العام بدون مبالغة، ومخاطبة جماعة المسلمين بلغة مفهومة الدلالات وبأسلوب بسيط؛ لتهيئة الرأي العام الإسلامي لمواجهة الحدث بموقف إيجابي، ومعنويات مرتفعة. ٩ - البعد عن الهجاء السياسي، والمفاخرة والمنافرة الجاهلية، واللغو وإثارة النعرات، والشحن العاطفي، وإسقاط ذلك من اهتمامات الخطبة؛ لبناء الرأي العام الإسلامي على أساس من العلم والحكمة والإيمان بالله الواحد الأحد.

стр. 48

آثار ونتائج هذا الاتصال البليغ في خطبة بدر ١ - موقف الأنصار ﵃: عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: إيانا تريد يا رسول الله , والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا، قال فندب الرسول ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا» (١) . قال النووي: (قال العلماء إنما قصد رسول الله ﷺ اختبار الأنصار؛ لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال، وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن قصده، فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقون على ذلك، فأجابوا أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وغيرها) (٢) . وروى ابن مردويه أيضا عن طريق محمد بن عمر بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ "، فقال أبو بكر: يا رسول الله إنهم بكذا وكذا قال ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ "، فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ "، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، لئن سرت

стр. 49

برك الغماد من ذي يمن لنسير معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] (١) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله لك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض , وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فأنزل الله القرآن الكريم على رأي سعد بن معاذ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] (٢) وزاد الأموي في مغازيه: (وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من عمدان لنسيرن معك) » (٣) وأخرج البخاري عن ابن مسعود يقول: «شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] (٤) ولكننا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك ومن خلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره» (٥) . ب- موقف عمير بن الحمام الأنصاري: لقد «كان الرسول ﷺ يحرض المسلمين على القتال في سبيل الله ويقول: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا

стр. 50

محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة، من قتل قتيلا فله سلبه "، وقوله: " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض "، فسمع ذلك عمير بن الحمام الأنصاري، فقال: يا رسول الله: جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: " نعم "، قال: بخ بخ، فقال له رسول الله: " ما يحملك على قول بخ بخ "، قال: لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: " فإنك من أهلها» ، وكان معه تمرات في يده يأكل منهن، فقال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة!! فرمى بما بقي معه، ثم قاتل وهو يقول: راكضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة للنفاد غير التقى والبر والرشاد وما زال يقاتل حتى قتل شهيدا ﵁ وأرضاه (١) . ج- ولقد عبر حسان بن ثابت ﵁ عن إجمالي موقف جماعة المسلمين في بدر بقوله (٢) . وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد آزروه ... على الأعداء في لفح الحروب بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب

стр. 51

ثانيا: الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة الرسول ﷺ يوم الفتح إن المتأمل في نصوص خطبة فتح مكة يدرك ما اشتملت عليه من الدلالات الإعلامية التي تؤكد فاعلية الإعلام النبوي في الإقناع، ولعل أهم هذه الدلالات ما يلي: ١ - البداية المثيرة للانتباه التي تؤكد على مسلمات الأمة الإسلامية الأساسية: في رفع شعار (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ، وتبرز مقومات الشعار الجيد والناجح في جذب الانتباه وإثارة الاهتمام بسمة معينة بارزة يرى القائم بالاتصال أنها أكثر تأثيرا على الجمهور المستهدف (١) وهي هنا إبراز توحيد الألوهية، فالله وحده الذي أخلصت له جماعة المسلمين جميع أنواع العبادة هو الذي أيدها بنصره يوم الأحزاب، وهذا اليوم العظيم، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (٢) فجماعة المسلمين التي يقودها النبي محمد ﷺ مؤيدة بنصر الله، فلا غالب لها، وهذا الرمز والشعار يساق لمجتمع قريش في مكة، الذي كان يظن أن قريشا مؤيدة ومحمية بحمى الله لها بحراستها لبيته وولايته، وهذه دعوى لا أساس لها في الواقع، فبيت الله ليس تركة يرثها الخلف عن السلف، إنه بيت الله يرثه أولياؤه المتقون، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] (٣) هذا الشعار الذي رفعه رسول الله ﷺ في خطبة الفتح هو ذلك الشعار الذي

стр. 52

رفعه في خطبة الصفا، وفي سني الدعوة المكية كلها , وقد كانت قريش تدرك مدلول هذا الشعار على أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعقدية، وتدرك تعلم علم اليقين صدق الرسول ﷺ , ولكن إلف الواقع وعبادة المواريث الثقافية، والعادات والتقاليد الجاهلية حالت بينها وبين الانقياد لهذا الشعار وهو اليوم يعود بسلطانه القاهر، وبالحق العميق الذي يحمله ليكتسح قوى الجاهلية. ٢ - مدخل الهم والمشكلة: إن مشاركة الجمهور المتلقي في همومه، والتعاطف معه في مشكلاته، تعتبر من المداخل للتأثير في النفوس، فقد عظم في نفوس أهل مكة اقتحام الحرم عنوة , لذا قال الرسول ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي» . لقد كانت هموم المجتمع المكي يوم الفتح مداخل خطبة الفتح، لتفسير هذا الحدث للرأي العام من خلال مسلمات الأمة الإسلامية، وللتأكيد على قيم الإسلام، والأحكام المتصلة بالحرم المكي. وتؤكد الدراسات الإعلامية على أهمية مخاطبة هموم الناس وحاجاتهم في الإقناع بالأفكار، من خلال إشباع طموحات الجمهور، ومصالحه، والسعي إلى تلبية حاجاته المادية والمعنوية (١)

стр. 53

وهذا الأسلوب في الإقناع هو من أهم الأساليب لتحقيق الهدف الرئيسي للعملية الاتصالية في هذه الخطبة التي تعد من جوامع كلمه ﷺ ، والتي تهدف إلى تغيير اتجاهات الرأي العام من الجاهلية إلى الإسلام، بالإضافة إلى نقل قيم الإسلام ومبادئه إلى هذا المجتمع , وإحلال العقائد السليمة والمعلومات الصحيحة مكان التصورات والقيم الجاهلية الفاسدة لبناء الرأي العام الإسلامي في المجتمع المكي على أسس ثابتة. وفي مقدمة هذه القيم هدر دماء الجاهلية وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية، «ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» ، ومنها أيضا التأكيد على مبدأ المساواة في الإسلام، والبعد عن النعرات الجاهلية والحمية العصبية، قال ﷺ «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظيمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب» وهذه المساواة هي التي تزيل الشحناء والبغضاء، وتورث المحبة وتدفع إلى التعاون والتآزر على الخير، لبناء المجتمع الفاضل. ٣ - الاستشهاد بالمصادر الموثوقة والتمسك بالدليل: أثناء مخاطبة الرأي العام في المجتمع المكي، والدليل قد يكون نصا من الوحي بشقيه، وقد يكون استقراء الأحداث من التاريخ وشواهد الواقع، كما جاء في الخطبة من التذكير بحادثة الفيل، وما هي عن أذهان أهل مكة في ذلك الزمان ببعيدة، وكذلك التذكير بنصر الله للمسلمين يوم الأحزاب، فقد كان ذلك مقدمة لهذا الفتح العظيم، وعنده أكد الرسول ﷺ على مبدأ المساواة في الإسلام، ودعا إلى نبذ نعرة الحمية الجاهلية، وتلا قول الله تعالى:

стр. 54

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] (١) . والتمسك بالدليل والاعتماد على المصادر الموثوقة يزيد من تأثير الرسالة الإعلامية، فكلما زادت الثقة في المعلومة كلما زادت قابلية تصديق الرسالة لدى الجمهور المتلقي، وزادت فاعلية الإقناع، وحمل الناس عليه , وهذا ما تؤكده الدراسات العلمية في مجال الاتصال بالجماهير والرأي العام (٢) . ٤ - استخدام المصطلحات والألفاظ في التعبير الخطابي: التي تحمل في دلالاتها قوة فطرية طبعية على الاقتناع بالأفكار، وهذه الدلالة واضحة في نص الخطبة الأول والثاني، ولعل هذه الدلالة هي التي دفعت الرجل اليمني الذي قام فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «اكتبوا لأبي شاه» ، قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . وهكذا فإن استخدام المصطلحات التي تحمل في دلالتها قوة طبيعية على الإقناع ظهر أثرها عند اختتام الرسول ﷺ لخطبته في قول هذا الرجل: اكتبوا لي يا رسول الله. وهذا الإقناع بالرسالة نقلها إلى بعد آخر، وهو الاتصال على مرحلتين، فهذا الرجل الذي اقتنع بما قال الرسول ﷺ أحب أن ينقل هذه الحقائق إلى أهله وقومه، وهكذا يكون الاتصال الفعال مفتاح

стр. 55

لاتصال متتال، أو ما يعرف في الدراسات الإعلامية بالاتصال على مرحلتين. ٥ - الرحمة بالمخاطبين ودفء العاطفة نحوهم والحرص على سلامتهم ونجاتهم وسعادتهم: إن من أهم أساليب الإعلام الإسلامي في الإقناع الرحمة بالمخاطبين , وفتح آفاق الأمل أمام الناس، والبعد عن التيئيس والتبكيت، ومخاطبة السلوك الإنساني على أساس الفرصة المفتوحة، وفتح حساب الاحتمالات، والبعد عن التيئيس والقرارات الحتمية المطلقة؛ لأن هذه الطرق المسدودة اتجاهات لا يقرها الإعلام الإسلامي، كما أرسى دعائمه الرسول ﷺ في هذه الخطبة؛ لأن ذلك يحجر ما وسعه الله، ويربط الناس في سجن الواقع، ويخيب الآمال، قال ﷺ «يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم» هذا التساؤل كان بداية الخير وبداية الرحمة؛ لأن الذي يعزم على العقاب لا يستشير، ولذا استبشر أهل مكة خيرا فقالوا مقولتهم هذه، إن الرحمة بالمخاطبين والتعاطف معهم أسلوب تؤكد الدراسات الإعلامية فاعليته في الإعلام والاتصال الفعال بالجماهير (١) .

стр. 56

ثالثا: الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة الرسول ﷺ في غزوة تبوك ١ - أسلوب فن التوقيت المناسب لإذاعة الحقيقة: إن الحالة النفسية المهيأة وظروف الزمان والمكان المواتية مناخ إعلامي مناسب لبث الحقائق والمعلومات والأفكار والإقناع بها (١) فلقد سار الرسول ﷺ مع الجيش وحدثت في الطريق أحداث كونية وإنسانية وخوارق ومعجزات لنبينا محمد ﷺ ، وخطب الرسول خطبا كثيرة، لكنه لم يسبق هذا الكم الكثير من الحقائق لتربية الجندي المسلم وإعداده إلا في هذا الوقت وهذا المكان عندما بلغ الجيش هدف سيره وعسكر في تبوك، والثابت في الدراسات الإعلامية أن القائم بالاتصال المتميز ورجل الإعلام الإسلامي النابه الذي يسعى لإقناع الناس، هو الذي يجمع الحقائق، ويختزل المعلومات، ويرصد الوقائع، ثم يدرس اللحظة، وينظمها في سياق التأثير والإقناع، ويعطي المعلومات في الوقت المناسب لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا هو إحكام الاتصال، والإحكام من أسمى معاني الحكمة التي هي كما يرى الإمام ابن القيم ﵀: (فعل ما ينبغي , على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) ، ثم يقول أيضا: (وهي أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه عن حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه) , ثم يعلل ذلك بأن الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها شرعا وقدرا، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر، ولذا كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث في الاتصال بالناس، وهذا ما فعله

стр. 57

الرسول ﷺ في هذه الخطبة التي ساق فيها كثيرا من الحقائق , أعلم بها جيشه في الوقت المناسب، حتى يحقق للمعلومات أكبر قدر من الإقناع والفاعلية في حياة الجند الإسلامي والمجتمع الإسلامي. ٢ - أسلوب تقوية الجبهة الداخلية والإعداد المعنوي المناسب: لقد كشفت غزوة تبوك ظاهرة النفاق التي برزت في عدة جوانب منها: - التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك والاعتذار بالأعذار الواهية التي فندها القرآن الكريم. - تثبيط الرأي العام ودعوة الناس إلى القعود عن الجهاد مع النبي ﷺ ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] (١) واتهام المنافقين بالرياء، بل ذهبت حركة النفاق إلى أبعد من ذلك كله من الاستهزاء بالله ورسوله والمجاهدين في سبيله الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٢) بل حاول المنافقون اغتيال رسول الله ﷺ ليلة العقبة (٣) . كما كشفت هذه الغزوة تفاوت المستويات الإيمانية بين الجند في حديث الرسول ﷺ وهذه المستويات هي غير حال المنافقين , الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولكنها قد تتشابه المظاهر أحيانا بين المؤمنين الضعفاء وبين المنافقين، ولذلك جاء معظم هذه الخطبة البليغة منصبا أصلا على تربية جماعة المسلمين، وتقوية الجبهة الداخلية، والإعداد المعنوي للصف

стр. 58

الإسلامي، وتذكير هذا الجمع الكبير بقيم الإسلام، إذ لا ينبغي مواجهة العالم والحضارات المادية المناهضة للإسلام بصفوف مضطربة وأفكار هزيلة مشوشة، ولا بد من وضوح الهدف، وسمو الغاية، واستقامة منهج التفكير , ولذلك فإن الناظر في هذه الخطبة يراها منصبة على البناء الثقافي، الذي إذا سلم صحت التصورات الفكرية المرتبطة بعقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد. ٣ - أسلوب تحويل انتباه الجماهير من المنافع المادية والمكاسب الدنيوية إلى قضايا الأمة الكلية: وشغل الجيش الإسلامي بما ينفعه في دينه ودنياه ويعود على المجتمع الإسلامي كله بالخير العميم، ولذلك فقد رأى الرسول ﷺ أن يحمّل هذه الرسالة الزاخرة بقيم الإسلام وتعاليمه ثلاثين ألفا، أو أربعين، أو سبعين، على خلاف في عدد هذا الجيش، لينقلوا هذه المعلومات للناس، فتوجيه هذا الكم من المعلومات والأحكام والقيم الإسلامية لهذا الجند الإسلامي ليس الهدف منه فقط تربية الجند الإسلامي، بل كان الهدف الاتصالي أبعد من ذلك؛ لأن المضمون الاتصالي تناول قضايا اجتماعية واقتصادية ليست مباشرة في الجهاد، ويعد هذا الأسلوب في الاتصال الإقناعي من الأساليب الفعالة في الاتصال الجماهيري، ويعرف بانسياب المعلومات على خطوتين أفقية ورأسية في وقت واحد، مما يعني ضرورة الاعتماد على القيادات وقادة الرأي العام ودعاة التغيير في المجتمعات لإيصال المعلومات إلى عامة الناس كخطوة ثانية (١) . ٤ - لقد كانت هذه الخطبة ثمرة هذا الاتصال الحضاري: (٢) الذي تمثل في

стр. 59

غزوة تبوك، التي كان لها أثرها الإعلامي الضخم , فهي وإن لم يجر فيها قتال وطعان، ولكنها قوة إعلامية هزت قوى الكفرة العالمية هزا عنيفا، جعلت ركائز النصرانية في جزيرة العرب تأتي مسالمة، فقد جاء وفد إليه ليمثل نصارى العرب في الجزيرة، وصادف وصول رسول قيصر إمبراطور الروم إلى تبوك ليعلن نفس الهدنة، وبذلك دانت جزيرة العرب للإسلام (١) ؛ وليس مهمة القوة الإعلامية والجهادية في الإسلام التدمير والقتل وسفك الدماء (٢) ؛ إنما هي القوة الرادعة المرهوبة الجانب، التي تمكن لحرية البلاغ حتى يعرض دين الله على الناس، وهي القوة التي تلجم الطغاة الذين يريدون فتنة الناس عن دين الله وكبت حريتهم. وهذا كله يؤكد لنا أهمية القوة التي ينبغي أن تقوم أولا لحماية النظام الإعلامي الإسلامي، ولحماية رجال الدعوة والإعلام في كل أرض، فالعملية الاتصالية ترتبط بالظرف الاتصالي وما يتأثر به في الجملة.

стр. 60

[الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع] المبحث الرابع الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع - روايات خطبة حجة الوداع. - الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة الوداع.

стр. 61

روايات خطبة حجة الوداع عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: فسار الرسول ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم , كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات» (١) . الرواية الثانية للخطبة: وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله

стр. 62

عنه قال: قال رسول الله ﷺ وهو على ناقته المخضرمة بعرفات: «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، ألا وإني فرطكم على الحوض، ألا وإني مستنقذ أناسا، ومستنقذ مني أناس، فأقول: يا رب: أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١) . الرواية الثالثة: قال ابن إسحاق في السيرة: (مضى رسول الله ﷺ على حجته، فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف أبدا , أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت , فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله تعالى أنه لا ربا، وأن ربا عمي عباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضعه دم ابن عمي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس: فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس: إنما النسيء زيادة في الكفر يضل

стр. 63

به الذين كفروا فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهم ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن المسلم أخ المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت» , ويقول ابن إسحاق ذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم اشهد " (١) . الرواية الرابعة: قال ﷺ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة،

стр. 64

وأول دم أبدأ به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاه موضوعة غير السدنة والسقاية، والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصى والحجر , وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم، أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحدة فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق: لكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعظوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئا، إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس: إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن الله

стр. 65

قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، وإنه لا وصية لوارث، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث. والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله» (١) .

стр. 66

الدلالات والمعاني الإعلامية في خطبة حجة الوداع ١ - حسن الابتداء وبراعة الاستهلال لتهيئة المتلقي لقبول الفكرة: إن من بلاغة القول التألق في المدخل المثير للانتباه، وجعله نابضا بالحركة والحياة، حتى يصل المعنى إلى قلب السامع في أحسن صورة، فيكون أدعى للإقناع بالأفكار في أعذب لفظ، وأجزله، وأرقه، وأسلسه، وأصحه معنى , وأوضحه وأخلاه من التعقيد، وقد تميزت خطب النبي ﷺ في اتصاله بالناس كلها بحسن الابتداء وخاصة في هذه الخطبة، وقد جاءت في الرواية الثانية بصيغة الاستفتاح بالاستفهام؛ حيث قال ﷺ «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام وشهر حرام ويوم حرام» ، وتؤكد الدراسات الإعلامية أن هذه طريقة مهمة وناجحة في إثارة اهتمام القارئ (١) وهي أيضا من أساليب الخطاب القرآني (٢) وعلى كل حال فإن من المتعارف عليه عند علماء البلاغة والبيان أن هناك أمورا معينة وأحوالا خاصة إذا أجاد فيها القائم بالاتصال براعة الاستهلال أجاد في غرض من أغراض الاتصال، لذا عرف بعض شعراء العرب بجودة المديح، وآخرون بالهجاء، وكانت الأسبقية لبعضهم في وصف الحروب وغيرهم في الحكمة ودقة التعبير عن المعاني العقلية والنفسية، أما تسنم ذروة الفصاحة والبيان في كل صغيرة وكبيرة فهذا

стр. 67

ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر؛ لأنهم كما يقول ابن عطية: (يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما، ولا يكون ذلك إلا للخالق ﷻ وتعالى شأنه، الذي أحاط بالكلام كله، فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب، وما يصلح أن يكون رديفا لها، فلذا جاء نظم القرآن الكريم في الغاية القصوى من الفصاحة) (١) وجاء كلام المصطفى المعصوم في غاية البيان، كيف لا وهو من قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) والمتتبع للبداية المثيرة للانتباه في هذه الخطبة البليغة يجد الاستفتاح بجملة خبرية هزت الجمهور المتلقي وأثرت فيه أيما تأثير، وهي الإعلان بقرب أجله، وقرب ختم الرسالة المحمدية؛ حيث قال ﷺ «أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف؟!!» ، وقد جمع الرسول ﷺ في هذه البداية أسلوبين من الاستهلال هما: الاستفتاح بالنداء الشامل للناس، والاستفتاح بالجملة الخبرية المثيرة لاهتمام جماعة المسلمين، لا سيما وأنهم يحبون الرسول ﷺ أكثر من أنفسهم، ومشاركة الناس همومهم والتعاطف مع قضاياهم ومشكلاتهم تعد من المداخل الهامة لجذب الاهتمام، وتحريك الوجدان، واستثارة العقول، وقد أتقن الاتصال النبوي هذا الأسلوب في الاتصال، فأقنع الناس بالحق، وأتقن الإعلام المعاصر هذا المدخل فخاطب الإنسان واتصل به من خلال غرائز التملك والطموح والمحافظة على الصحة، وظهر ما يعرف بنظرية إشباع الحاجات في الاتصال

стр. 68

الحديث (١) وربط هذا المدخل بمصالح دنيوية، وأغراض وأعراض هابطة. بينما في الاتصال الإسلامي ربط بالقيم الراشدة والتصورات الصحيحة والمعلومات السليمة , فانعكس ذلك التأثير الراشد على مواقف الإنسان وسلوكه في الحياة في عهد النبوة والعهود الإسلامية الراشدة التي كانت تهتدي بهدي النبي ﷺ في الاتصال بالناس. ٢ - في هذه الخطبة الجامعة نقلة عظيمة للبلاغ في الاتصال بالجماعة الإسلامية من الاتصال المباشر إلى الاتصال الجماهيري: فقد كانت هذه الخطبة بمثابة البيان الختامي لرسالة الإسلام، حمل الرسول ﷺ أمته أمانة تبليغها إلى من لم تبلغه من البشر في كل أصقاع الدنيا , وما أروعها من كلمات تلك التي ألقاها الرسول ﷺ في عرفات , راح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ، بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، ثلاثة وعشرين عاما لا يكل ولا يمل، ما أروعها من ساعة تلك التي جمع حوله فيها الألوف المؤلفة، خاشعين متضرعين لله تعالى، وطالما تربصوا به متآمرين ومحاربين، وقد أخذ الرسول ﷺ ينظر من خلال تلك الوجوه الطيبة إلى الأجيال المقبلة إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها «أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا» ، وأنصتت الدنيا لتسمع قوله ﷺ ووصاياه لأمته. ٣ - الإعلان عن حقوق الإنسان في الإسلام وبيان أن المسلم محرم دمه

стр. 69

وماله وعرضه: قال ﷺ : «أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» ، وكرر ذلك في خاتمة الخطبة زيادة في التأكيد على ضرورة هذا المبدأ، فقال ﷺ : «تعلمون أن المسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم» . بهذا البيان في هذه الخطبة الجامعة حقنت الدماء التي لم يكن لها قبل الإسلام حرمة كالتي حظيت بها بعد الإسلام، فكم من قبيلة أبادتها قبيلة، وكم من فصيلة طحنتها فصيلة، وكم من بريء قتل جهرة أو غيلة بجريرة غيره، وربما كان ذلك من أجل شاة رعت حول الحمى , أو مستجير فر من عقوبة يستحقها، أو غير ذلك من الأسباب الحقيقية أو الموهومة , فلما شرف الله البشرية بالرسالة الخاتمة، رسالة الإسلام، حقن الله بها دماء الناس إلا بحق، فحقن الدماء في الإسلام ليس قاصرا على المؤمن، بل يتعداه إلى غيره من أهل الكتاب والمشركين الذين بيننا وبينهم عهد ممن دخل في دار الإسلام أو في ذمة المسلمين بأمن، فيحرم على المسلمين قتله، بل حتى الكافر أو المشرك الذي استجار بالمسلمين قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] (١) وهذا أقصى ما يطلب في المحافظة على حقوق الإنسان. وهذه الحقوق التي يؤكد عليها الرسول ﷺ تشكل الإطار العام للنظام الإسلامي، ويربط بها حق الاتصال والإبلاغ، وحرية الإعلام المرتبط بخصوصية الأمة الإسلامية، وبعد هذا الإعلان بأربعة عشر قرنا أدرك المجتمع الدولي أن هذه الحقوق مجتمعة ضرورة إنسانية أساسية،

стр. 70

وعماد للنظام الاجتماعي، ولذلك أقرها المجتمع الدولي ممثلا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أقرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في تقريرها الذي نشرته تحت عنوان: أصوات متعددة وعالم واحد، واعتبرت حق الاتصال مرتبط بحقوق الإنسان العامة، وهو حق شامل (١) . وتقضي بنود السلة الثالثة بأن تتصرف الدول المشتركة في اتفاقية هلسنكي على أن تضع دول الاتفاقية نصب أعينها تيسير عملية توزيع المعلومات من كل البلاد المشتركة في اتفاقية هلسنكي (٢) . وهكذا فإن حقوق الاتصال هي مجموعة متكاملة من الحقوق التي تم الاعتراف بها في إطارات عديدة على المستوى الدولي في واقعنا المعاصر، ولكن الإسلام قد سبق إلى ذلك كله بإعلان حقوق الإنسان في خطبة حجة الوداع، وأعطتها الحضارة الإسلامية للناس بعد ذلك، فأصبحت واقعا ملموسا، بينما لا تزال الحضارة المعاصرة تنادي بهذه الحقوق ولا تطبقها في واقع الناس، فهي مجرد أماني وطموحات. ٤ - تأسيس مبدأ الحرية على قاعدة العبودية لله الواحد الأحد: يقول ﷺ «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» ، وهكذا فإن فكر الجاهلية وقيمها ومسلماتها التي ترتبط بها وضعت كلها ودفنت في غياهب النسيان، ثم عدد الرسول ﷺ بعض تلك القيم الجاهلية التي كانت ترتبط بها قيمة الحرية عندهم، فقال: «دماء الجاهلية موضوعة. . . وربا الجاهلية

стр. 71

موضوع. . كله. . . ومآثر الجاهلية موضوعة» ، ثم أسس الرسول ﷺ مبدأ الحرية في الإسلام على أساس العبودية الخالصة لله تعالى الواحد الأحد فقال ﷺ «أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم» . هكذا أسس مبدأ الحرية على الخروج من مآثر الجاهلية، ومن قيد الشيطان والدخول في قيم الإسلام وقيد الرحمن، ومن هنا تكون حرية الإنسان المسلم وإرادته لما يصلح حياته في إطار هذه القيم الثابتة، والسير في ركاب هذا المفهوم يجعل حياة الإنسان في توافق وانسجام مع نواميس الكون وسنن الله في فطرة الوجود كله (١) . وبعد تأسيس مبدأ الحرية العام في الإسلام جاء التأكيد في هذه الخطبة الجامعة على الحريات المتعلقة بخصوصية الإنسان قال ﷺ : «أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق» ، وقال في رواية أخرى: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. . .» . وفي هذا تحديد للعلاقة بين الرجال والنساء في الإسلام وتأسيس لحرية المرأة المسلمة التي كفلها لها الإسلام. ٥ - إعلان مبدأ المسؤولية الإعلامية في الإسلام: في هذه الخطبة البليغة أعلن الرسول ﷺ عن مبدأ من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي وهو مبدأ المسؤولية الإعلامية التي هي جزء من المسؤولية العامة في الإسلام بشتى أنواعها، المسؤولية الخلقية، والاجتماعية،

стр. 72

والإعلامية، التي يؤكد عليها الرسول ﷺ في هذه الخطبة؛ لارتباطها بحرية القول التي جعلها الإسلام حقا لكل إنسان بل تكون واجبا فيما يمس الأخلاق والصالح العام والدعوة إلى الله انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) وقال الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢) ولذا حمل الرسول ﷺ جمهور خطبة حجة الوداع مسؤولية الإعلام بدين الله، وأداء واجب البلاغ المبين، وهم بدورهم حملوا هذه المسؤولية لكل أفراد الأمة، قال ﷺ في الرواية الثالثة: «وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها» ، وفي الرواية الرابعة قال: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد، اللهم اشهد» ، وجاء في بعض الروايات: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (٣) . قال ابن حجر العسقلاني ﵀: (ليبلغ الشاهد الغائب أي الحاضر في المجلس الغائب عنه، والمراد

стр. 73

إما تبليغه القول المذكور في الحديث أو تبليغ جميع الأحكام. فرب مبلغ أوعى من سامع، أي عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد، ثم قال: وفي هذا الحديث من الفوائد: الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم) (١) . هكذا علم الرسول ﷺ أمته مبدأ المسؤولية الإعلامية، فقد أمره الله تعالى تبليغ رسالة ربه للناس جميعا، وأن يحاج المكذبين والكفار ويخاطب عقولهم، ولكن الله تعالى لم يترك لرسوله وهو النموذج الأول لرجل الاتصال حرية القول على الإطلاق بل حدد له منها حدا للقول وللاتصال، وأوجب عليه أن يعتمد في اتصاله بالناس على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل الناس بالتي هي أحسن، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله , وأن يقول للناس حسنا، هذه الحدود لحرية القول وللمسؤولية الإعلامية علمها الرسول ﷺ صحابته وحملهم إياها كما علمهم الصلاة، وقال صلوا كما رأيتموني أصلي، وحج وقال خذوا عني مناسككم. هذه المسؤولية الإعلامية لها أثرها في حياة الناس، فهي بلا شك تعود على الأفراد والأمم بالنفع العام , وتؤدي إلى الإخاء والحب والاحترام والتعاون بين الأفراد والهيئات داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وتجمع كلمة أولي الأمر على الحق، وتقضي على النعرات الشخصية والطائفية، وهذا كله ينقص النظام الإعلامي العالمي اليوم، إن المسؤولية الإعلامية في

стр. 74

الإسلام حصن لحماية الأخلاق والآداب والنظام من الاعتداء، واحترام لكل حق. ٦ - أساس الحق في الاتصال: لقد أعلن الرسول ﷺ في هذه الخطبة البليغة مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في أكمل صورها، مقررا أن الناس سواسية بحسب خلقهم وعناصرهم الأولى، قال ﷺ في الرواية الرابعة: «أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد» ، أي كلكم منحدرون من أب واحد، وأم واحدة، فلا فضل لأحدكم على الآخر بحسب عنصره وطبيعته، وإنما معيار التفاضل هو التقوى، وهي ثمرة العمل الصالح، وهكذا صان الإسلام مبدأ المساواة والعدل بين الجميع، ثم ترك الباب مفتوحا أمام كل فرد، للتفاضل بجهده ونتاج عمله وثمرة سعيه وخبرته، ولم يحصر التفاضل في الجوانب المادية فقط كما تزعم الحضارة الغربية المعاصرة، وتكرس ذلك في نظامها الإعلامي المعاصر، ولم يحصر المساواة في العامل الاقتصادي كما يزعم النظام الإعلامي الشيوعي (١) وإنما جعل للاتجاه الروحي دوره البارز في جمع الناس والمساواة بينهم، ولذا قال ﷺ في الرواية الثالثة: «أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن المسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة» ، وهكذا يقرر الرسول ﷺ مبدأ المساواة على أساس العقيدة والمبدأ، ومن هنا كانت المساواة في الإسلام مؤكدة لدفع الأفراد نحو السعي والعمل، وسعي الإنسان وعمله كما يكون في مجال السلوك اتباعا لهدي النبي ﷺ يكون

стр. 75

أيضا في مجال المعرفة وفي المجالات الأخرى التي يسهم فيها الإنسان بنشاطه الفكري، وقدرته الإبداعية، وفي مقدمتها الاتصال بأشكاله المختلفة، فمن الثابت أن دراسات الاتصال تؤكد على هذا الحق المبني على مبدأ المساواة، فقد جاء في دراسة لليونسكو أن من أهم مقومات الحق العام في الاتصال ما يلي (١) . ١ - حق الكلام. ٢ - حق الإنسان في أن يستمع إليه. ٣ - الحق في الحصول على رد. ٤ - حق الرد. ٥ - حق الاستماع. ٦ - حق الإنسان في أن يرى. ٧ - حق الإنسان في أن ينظر إليه. ٨ - حق التعبير عن النفس كتابة أو طباعة. ٩ - الحق في التعبير عن النفس بشكل من أشكال الإبداع الفني. ١٠ - الحق في الخيار أي حق الامتناع عن الاتصال. وفي نظري لا يمكن أن تتحقق هذه الحقوق في ظل نظم إعلامية لا تقر مبدأ المساواة في الجانب المادي والروحي كما جاء في الإسلام وكما قرره الرسول ﷺ في أروع العبارات وأبلغها في خطبة حجة الوداع،
следующие страницы →