Полный текст (309 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[الخطابة]-
كود المادة: LARB٤٢٢٤
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ مقدمة في الخطابة .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(مقدمة في الخطابة)
مقدمة في تعريف الخطابة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فاعتقد الأقدمون أن للخطابة علمًا له أصول وقوانين من أخذ بها عد خطيبًا، وعرفوا هذا العلم بأنه مجموع قوانين تعرف الدارس طرق التأثير بالكلام وحسن الإقناع بالخطاب، فهو يعنى بدراسة طرق التأثير ووسائل الإقناع، وما يجب أن يكون عليه الخطيب من صفات، وما ينبغي أن يتجه إليه من المعاني في الموضوعات المختلفة، وما يجب أن تكون عليه ألفاظ الخطبة وأساليبها وترتيبها.
إن علم الخطابة هو العلم الذي يعرف الداعية الخطيب كيف يخاطب الناس ويقنعهم ويجذبهم ويرغبهم ويرهبهم، وكيف يتكلم بتؤدة وتمهل حتى يفهم الناس منه ويعقلوا عنه، وكيف تكون خطبته لمستمعيه بما تتناسب مع عقليتهم وثقافتهم وما تتفق مع أعمارهم ولهجاتهم، حتى يستحوذ على نفوس المخاطبين ومشاعرهم، ويكون له في المجتمع أثر وفي مجال الإصلاح تغيير. كذلك يعرف الدارس كيف يملك قلوب المخاطبين ويشدهم إلى تقبل الحق، ويدفعهم إلى الالتزام ويحرك عزائمهم ويستثير وجدانهم، وذلك باستعمال النداءات الاستعطافية والمخاطبات التشويقية.
وهذا العلم الذي يعرف الداعية الخطيب عيوب الخطيب ليتحاشاها ويبتعد عنها؛ كعيوب النطق والحركات الكثيرة والمبالغة في الإشارات، والمواقف التمثيلية المتكلفة، والغلو في رفع الصوت إلى درجة تصك الآذان، والهمس إلى
стр. 3
درجة تجهد السامعين، والسرعة إلى درجة تتطاير معها الحروف وتتآكل معها الكلمات، والبطء إلى درجة تستدعي التثاؤب والنعاس، والعبث باللحية وفتل الأصابع والإكثار من السعال بغير مبرر، والإثارة واضطراب الأعصاب وسوء المظهر، إلى غير ذلك مما يخل بشخصية الداعية ويضعف مهابته، ويجعله محل نقد ومثار سخرية.
كما أن علم الخطابة يعرف الخطيب ما ينبغي أن يكون عليه وهو يتكلم، بأن يكون قوي الملاحظة حاضر البديهة طليق اللسان، رابط الجأش مراعيًا مقتضى الحال، قوي الشخصية؛ وذلك ليحرص على التحقق بها ويعمل بمقتضاها؛ ليستمر عطاؤه ويؤثر كلامه ويحقق الخير والعز والسيادة لأمة الإسلام.
يضاف إلى هذا أن علم الخطابة يعرف طلاب الدعوة -الذين لم يسبق لهم أن يمارسوا التحدث ولا المحاضرة ولا الخطابة- طرق التحضير وتهيئة الموضوع من جميع نواحيه، ويعد لهم من جميع جوانبه ويشبعه بحثًا ودرسًا وشواهد، حتى يستطيع أن يدلي بحجته فيصيب المرمى وينال السبق، ويبلغ الغاية ويؤثر في الناس بهز المشاعر وتحريك أوتار القلوب، ويبين لهم الخطوات الموصلة إلى الارتجال في الخطابة، والبواعث التي تثير انتباه الجمهور إليه، وتبدد ظلام اليأس في نفوس المخاطبين، ويشرق فيها نور الرجاء والأمل.
وعلم الخطابة بهذا ينير الطريق أمام من عنده استعداد للخطابة ليربي ملكاته، وينمي استعداداته، ويخلصه مما عنده من عيوب، ويرشده إلى طريق إصلاح نفسه ليسير في الطريق ويسلك السبيل.
فهذا العلم هذه وظيفته أن ينير الطريق للخطيب، ولكنه لا يحمله على السلوك، فهو يرشد دارسه إلى مناهج ومسالك ولا يحمله على السير فيها، وهو يعطيه
стр. 4
المصباح ولا يضمن له أن يرى به إذا كان في عينيه رمد، حتى إن أرسطو واضع كتاب (الخطابة) لم يكن خطيبًا. وليس علم الخطابة بدعًا في ذلك، فعلم النحو لا يضمن لمتعلمه أن ينطق بالفصحى ما لم يتمرن عليها، وعلم الأخلاق لا يضمن لعارفه سلوكا قويمًا ما لم يروض نفسه على الأخذ به، وعلم العروض لا يكوِّن شاعرًا، وعلم المنطق يسن قانونًا لاعتصام الذهن، ولا يضمن للعالم به عصمة الذهن ما لم يروض نفسه عليه رياضة كاملة، وهكذا كل العلوم النظرية التي تظهر ثمرتها في العمل، تعطي من يريدها قانونًا يساعده ولا تضمن له العمل إلا إذا راض نفسه على قانونها.
تعريف الخطابة
الخطابة لغة: مصدر خطب يخطب خطبة وخطابة. جاء في (مختار الصحاح): "خطب الخطب سبب الأمر. تقول: ما خطبك؟ أي ما أمرك، وتقول: هذا خطب جليل وخطب يسير، وجمعه خطوب، قاله الأزهري. وخاطبه بالكلام مخاطبة وخطابًا، وخطب على المنبر خطبة -بضم الخاء- وخطابة، وخطب المرأة في النكاح خطبة -بكسر الخاء- يخطب، بضم الطاء فيهما -في خطبة النكاح وخطبة المنبر- واختطب أيضًا فيهما، وخطب من باب ظرف صار خطيبًا".
وقال الراغب في (المفردات في غريب القرآن): "خطب الخطب والمخاطبة والتخاطب المراجعة في الكلام، ومنه: الخُطبة والخِطبة، لكن الخُطبة تختص بالموعظة والخِطبة بطلب المرأة.
стр. 5
قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾ (البقرة: ٢٣٥) وأصل الخطبة الحال التي عليها الإنسان إذا خطب نحو: الجلسة والقعدة.
ويقال مِن الخُطبة: خاطب وخطيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير، والفعل منهما خطب. والخطب الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب. قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ (طه: ٩٥) وقال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (الذاريات: ٣١) وفصل الخطاب: ما ينفصل به الأمر من الخطاب".
قال الإمام محمد أبو زهرة -رحمة الله عليه- في تعريف الخطابة: "الخطابة مصدر خطب يخطب أي صار خطيبًا، وهي على هذا صفة راسخة في نفس المتكلم يقتدر بها على التصرف في فنون القول؛ لمحاولة التأثير في نفوس السامعين، وحملهم على ما يراد منهم بترغيبهم وإقناعهم، فالخطابة مرماها التأثير في نفس السامع ومخاطبة وجدانه، وإثارة إحساسه للأمر الذي يراد منه، ليذعن للحكم إذعانًا ويسلم به تسليمًا".
وقد قال ابن سينا: "إن الحكماء قد أدخلوا الخطابة والشعر في أقسام المنطق؛ لأن المقصود من المنطق أن يوصل إلى التصديق، فإن أوقع التصديق يقينًا فهو البرهان، وإن أوقع ظنًّا أو محمولًا على الصدق فهو الخطابة، أما الشعر فلا يوقع تصديقًا لكنه لإفادة التخييب الجاري مجرى التصديق، ومن حيث إنه يؤثر في النفس قبضًا أو بسطًا عُد في المُوصِّل إلى التصديق، والتخيل عنده إذعان للتعجب والالتزام تفعله صورة الكلام".
وقال الدكتور أحمد الحوفي في تعريف الخطابة: "هي فن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته، فلا بد في الخطابة من مشافهة وإلا كانت كتابة أو شعرًا
стр. 6
مدونًا، ولا بد من جمهور يستمع وإلا كان الكلام حديثًا أو وصية، ولا بد من الإقناع، وذلك بأن يوضح الخطيب رأيه للسامعين، ويؤيده بالبراهين ليعتقدوه كما اعتقده. ثم لا بد من الاستمالة، والمراد بها أن يهيج الخطيب نفوس سامعيه أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاء سارًّا أو محزنًا مضحكًا أو مبكيًا، داعيًا إلى الثورة أو إلى السكينة".
وإذًا فأسس الخطابة هي هذه الأربعة: مشافهة، وجمهور، وإقناع، واستمالة، فالخطابة فن، أي إنها وإن كانت استعدادًا فطريًّا لا يباع ولا يشترى، فهي مع ذلك فن من الفنون يمكن تعلمه بالممارسة.
يقول أرسطو: "بعض الناس يمارس الخطابة فطرة وسليقة، وبعضهم يمارسها بالمرانة التي اكتسبها من مقتضيات الحياة، والوسيلتان ممكنتان، فواضح أن تكون هناك طريقة وأن يكون هناك مجال لتطبيقها، ولضرورة النظر في السبب الذي يؤدي إلى نجاح هذا العمل المنساق بالعادة، أو المندفع بالفطرة أو السليقة، لا يشك إنسان في أن مثل هذه الدراسة من خاصة الفن".
أما المخاطبة فإذا كان كاتب المقال يسطر أفكاره على الورق، ويغير من أفكاره ما شاء له التغيير، فإن الخطيب مسئول أن يبلغ رسالته مباشرة وأمام الجمهور مواجهة، بكل ما تحمله المواجهة من أخطار، والخطيب لا يواجه فردًا أو اثنين أو ثلاثة ولكنه يلاقي جمهورًا غفيرًا، ومع كثرته فهو متعدد المستويات متنوع الثقافات، ويفرض ذلك على الخطيب أن يكون ذا إرادة قوية وصوت عالٍ وانفعال بما يقول؛ ليستطيع بذلك السيطرة والإمساك بزمام موقف معقد متعدد الجبهات والمفاجآت. ويتميز الخطيب بلون من الأداء، فليس الخطيب بالقاص الذي يسرد الوقائع سردًا، وليس مؤرخًا يحكي أحداث التاريخ بصوت رتيب.
стр. 7
تاريخ علم الخطابة ونشأتها
الخطابة قديمة العهد والاستعداد لها مخلوق مع الإنسان، إذ لا غنى للإنسان عن الإبانة والتعبير لغيره عما يدور في خلده وضميره من معانٍ وأفكار، وعن إقناعه بصدق مقاله وسداد رأيه. وقد كان للأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام- في الخطابة الحظ الأوفى والمقام الأعلى، فكل واحد منهم -عليهم الصلاة والسلام- كان داعية خطيبًا إلى توحيد الله تعالى وطاعته وتقواه، وإرشاد الناس إلى طريق الخير وطريق الشر، بحيث من سار في طريق الخير سعد ونجى، ومن سار في طريق الشر هلك وشقى، كما قال رب العالمين سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣، ١٢٤).
وهكذا كان كل نبي من لدن آدم إلى محمد -صلى الله عليهم وسلم- كانوا أجمعون يقومون في أقوامهم دعاة خطباء، يدلونهم على الله وما يقربهم منه ويوصلهم إلى طاعته، ويبينون لهم الثمرات الطيبة التي تنعكس عليهم من جراء التوحيد والطاعة في الدنيا والآخرة، كما يبينون لهم الآثار السيئة والعواقب الوخيمة -التي تنتظرهم وتحل بساحتهم- إن أقاموا على التكذيب والجحود والكفران، وأصروا على التمرد والعصيان، كما أخبر الله عنهم في كتابه الكريم، وأطلعنا على ذلك نبينا محمد ﷺ .
وقد بقي من آثار الخطابة على طول الأمد خطب التوراة التي قام بها الأنبياء ﵈ إلى بني إسرائيل؛ ليحملوهم على الاستقامة ويردوهم عن الشر والغواية. وأول من كتب في هذا العلم اليونان، بل هم مستنبطو قواعده
стр. 8
ومشيدو أركانه ومقيمو بنيانه؛ وذلك لأن أهل "أثينا" في عصر "بركليس" قويت فيهم رغبة القول واشتدت فيهم داعيته، إذ صار يأسرهم القول البليغ دون سواه.
يقول المسيو "شارل": "امتازت أثينا أولا ببلاغة خطبائها، فكانت حقًّا بلد الأدب وحسن الإلقاء، فبالخطب في مجلس الأمة يقرر شهر الحروب وعقد السلم، ووضع القطائع والضرائب وكل الشئون العظيمة، وبالخطب التي تلقى في المحاكم يحكم على الوطنيين والرعايا أو يبرئون، فللخطباء السلطة وعلى الأمة أن تعمل بنصائحهم ومواعظهم، وربما عهدت إليهم بإدارة شئون المملكة، فقد عين "كاليون" قائدًا ورأس "ديموستين" الخطيب حرب "فيليب".
وللخطباء نفوذ كبير، وكثيرًا ما يُلجئون إلى بلاغة قولهم للنيل من عداتهم في سياستهم، وربما أثروا لأنهم ينالون من المآرب ما يرضيهم من المال ليعاضدوا أحد الأحزاب. فقد أخد "إيشيل" مالًا من ملك "مقدونيا"، وقبض "ديموستين" دنانير من ملك الفرس، ثم إن بعض الخطباء كانوا ينشئون خطبًا ليلقيها غيرهم، إذ لا يسوغ لمن كانت له قضية أن يرفعها بوكالة محام كما هو الحال عندنا، بل تقضي شريعة البلاد أن يتكلم صاحب القضية في قضيته بالذات، فمن ثم كان عليه أن يقصد إلى أحد الخطباء يلتمس منه تأليف خطاب له يحفظه ليتلوه في مجلس القضاء، وكثيرًا ما كان بعض الخطباء يجوبون البلاد اليونانية ويتكلمون في موضوعات توحيها إليهم مخيلتهم، فتحتفل لذلك المحافل وتعقد الأندية والمؤتمرات".
وإذا كان التسابق البياني وصل إلى ذلك الحد، فلا عجب إذا رأينا أن من لم يكن قديرًا على فنون القول يحاول أن يتعلمها، ولذا اتجه الناس إلى تعلم الخطابة
стр. 9
والتدريب عليها، والتمرين على الإلقاء وتعويد اللسان النطق الصحيح والبيان الفصيح، لذلك أخذ العلماء يستنبطون قواعد الخطابة وقوانينها، بملاحظة الخطباء وطرق تأثيرهم وأسباب فشل من يفشل منهم، ويظهر أن أول من اتجه إلى استنباط تلك القواعد السوفسطائيون؛ فإنهم كانوا يعلمون الشبان في "أثينا" طرق التغلب على خصومهم في ميدان السبق الكلامي، وكيف يغالطونهم وكيف يلبسون عليهم الحقائق، ويمرنونهم على القول المبين والإلقاء المحكم، وطبعي أن يتجه من نصبوا أنفسهم لذلك إلى استنباط قواعد وقوانين، مَن أخذ بها أَمِنَ العثار وسبق في الخصال.
وقد جاء من بعد هؤلاء السوفسطائيين أرسطو، فجمع قواعد علم الخطابة وضم شوارده في كتاب أسماه (الخطابة)، كان أصلًا لذلك العلم ومرجعًا يرجع الخطباء والمؤلفون في الخطابة إليه، وصدرًا يصدرون عنه ويردون موارده.
وقد جاء بعد أرسطو عصر نشطت فيه الخطابة عند الرومان نشاطها عند اليونان. يقول مسيو "شارل": "كان الخطباء يأتون إلى ساحات الاجتماع، حيث تلتئم مجالس الأمة في أواخر عهد الجمهورية، يخطبون ويكثرون من الحركات وسط دوي القوم".
وإذا تركنا الحديث عن اليونان والرومان وتوجهنا شطر العرب؛ وجدنا أن الخطابة في صدر الإسلام وصلت إلى الذروة وبلغت كمال أوجها، وجاء العصر الأموي فوجدت الخطابة لها غذاء من الفتن والثورات التي أظلت ذلك العصر، وقد أخذ الفتيان والكهول يتبارون في الخطابة ويتسابقون في ميدانها، وكان مكان ذلك الوفادة ومجالس الخلفاء والأمراء والولاة. وقد نشأ من هذا أن وجد أناس يعلمون الشبان الخطابة ويمرنونهم عليها. وقد ظهر ذلك واضحًا كل
стр. 10
الوضوح في العصر العباسي الأول، فقد جاء في (البيان والتبيين) للجاحظ وفي (العقد الفريد) لابن عبد ربه أن بشرًا بن المعتمر مر بإبراهيم بن جبلة وهو يعلم فتيانه الخطابة، فقال بشر: "أضربوا عن ما قال صفحا واطووا عنه كشحا"، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه، وفي هذه الصحيفة وصف جيد لأساليب الخطابة وألفاظها ومعانيها، ويظهر أنهم لم يقتصروا على استنباطاتهم العربية، بل كانوا يستعينون بما في آداب الأمم الأخرى؛ ليعاونهم ذلك في استنباطهم ويمدهم بما ليس عندهم، وينبههم إلى ما عساه يعزب عن خواطرهم.
ومن ذلك ما جاء في (البيان والتبيين) و (الصناعتين) قال معمر أبو الأشعث: "قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة لا أحسن ترجمتها لك، ولم أعالج هذه الصناعة، فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها وتلخيص لطائف معانيها. قال أبو الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجم فإذا فيها: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح ... "، إلى آخر ما جاء في هذه الصحيفة من وصف جيد للخطيب والأسلوب الخطابي.
ألا ترى من هذا ما يدل دلالة راجحة على استعانتهم بالآداب الأجنبية وتغذيهم بها، وقد استمر البحث في الخطابة وأصولها ينمو ويكثر ما كانت الخطابة ناهضة، وكان أكثر من يقوم به أئمة المعتزلة الذين احتاجوا إليها؛ ليحتازوا مجالس المناظرات ويتغلبوا على خصومهم من ذوي الجدل، ولذا نبغ فيهم خطباء كثيرون، ومنهم من يعرف بعض أصول الخطابة وقوانينها؛ كعمرو بن
стр. 11
عبيد وبشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس والجاحظ وغيرهم كثيرون، غير أن بحوث أولئك الأدباء لم تجمع في كتاب مستقل، بل كانت متفرقة في الكتب وعلوم اللغة، ولم يعن أحد بتدوينها في كتاب مستقل لتكون علمًا قائمًا بذات، حتى ترجم إسحاق بن حنين كتاب (الخطابة) لأرسطو وشرحه الفارابي.
وقد جاء في (الفهرست) لابن النديم في أثناء سرد ما كتبه أرسطو في المنطق: "الكلام على ريطو ريقا ومعناه الخطابة. وقيل: إن إسحاق نقله إلى العربي، ونقله إبراهيم بن عبد الله وفسره الفارابي. رأيت بخط أحمد بن الطيب هذا الكتاب نحو مائة ورقة بنقل قديم، وقد أتى ابن سينا في كتاب (الشفاء) بلب كتاب (الخطابة) لأرسطو مع تصرف غير ضار به". وبنقل كتاب (الخطابة) لأرسطو صار في العربية قواعد للخطابة مدونة في بحث مستقل، وإن كان جزءًا من علم المنطق على ما سبقت الإشارة إليه.
أهمية الخطابة ومكانتها
إن الإنسان إذا عرف أهمية الشيء ومكانته في الحياة سعى إليه بكل طاقته وجهده؛ ليتحصل عليه وينال شرفه وفضله. والخطابة من أهم الأشياء في حياة الإنسان؛ لأن الإنسان بطبيعته مدني اجتماعي يحب الخلطة ويكره العزلة، فإذا خالط الناس فلا بد أن يحدث بينه وبينهم اختلاف أيًّا كان سبب هذا الاختلاف، وحينئذ فلا بد له ولغيره من محاولة كل منهما بإقناع الآخر برأيه، وهنا تأخذ الخطابة دورها في المعارك الدائرة هجومًا ودفاعًا. ومن هنا عرف الناس الخطابة منذ أن اجتمعوا في مكان واحد واستوطنوه، لأن الطبيعة تقتضي اختلاف الناس متى اجتمعوا سواء كان هذا الاختلاف في رأي
стр. 12
أو في عقيدة، أو كان الاختلاف بسبب تنافس على غنيمة أو متاع أو سلطة، فيحاول المتفوق أن يستميل إليه من يخالفونه وأن يقنعهم، فإذا ما أقنعهم واستمالهم فهو خطيب وقوله خطبة، ثم إنه من الطبيعي أن تنشب أمور تستدعي تعاون المجتمع، وتضافر قواه على اجتلاب نفع عام مشترك أو اتقاء ضرر عام، فيتصدر بعض النابهين من هذا المجتمع لقيادة الجماعة وزعامتها، وعدتهم في ذلك الخطابة، على أن الناس في حياتهم القديمة تسلحوا بأسلحة مادية للدفاع والعدوان، وتسلحوا أيضًا بسلاح معنوي هو اللسان.
وما زالت الخطابة إلى الآن سلاحًا مرهفًا تتصاول به الأمم مهما جيشت جيوشها، وتفننت في اختراع القذائف والمدمرات، لذلك لم يخلُ من الخطابة سجل أمة وعى التاريخ ماضيها، فقد حفظها خط أشور المسماري، وقيدها خط الفراعنة الهيروغليفي، ثم رواها تاريخ اليونان السياسي والأدبي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وبها أخضع بوذا الجموع الهندية لتعاليمه، وبها أذاع الدين أنبياء بني إسرائيل، وكان لها مكانها العظيم في مجامع العرب قبل الإسلام وفي أسواقهم الأدبية بنوع خاص.
يقول ابن رشد ناقلًا عن أرسطو: "ليس كل صنف من أصناف الناس ينبغي أن يستعمل معه البرهان في الأشياء النظرية، التي يراد منهم اعتقادها، وذلك إما لأن الإنسان قد نشأ على مشهورات تخالف الحق، فإذا سلك نحو الأشياء التي نشأ عليها سهل إقناعه، وإما لأن فطرته ليست معدة لقبول البرهان أصلًا، وإما لأنه لا يمكن بيانه له في ذلك الزمان اليسير الذي يراد منه وقوع التصديق فيه، فهذا الصنف الذي لا يجدي معه الاستدلال المنطقي تهديه الخطابة إلى الحق الذي يراد اعتناقه؛ لأنها تسلك من المناهج ما لا يسلك المنطق".
стр. 13
وهذه أول ثمرة من ثمرات الخطابة، وللخطابة فوق ذلك ثمرات كثيرة؛ فهي التي تفض المشاكل وتقطع الخصومات، وهي التي تهدئ النفوس الثائرة، وهي التي تثير حماسة ذوي النفوس الفاترة، وهي التي ترفع الحق وتخفض الباطل، وتقيم العدل وترد المظالم، وهي صوت المظلومين، وهي لسان الهداية، ولأمرٍ ما قال موسى ﵇ عندما بعثه رب العالمين إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: ٢٤ - ٢٨).
ولا يمكن أن ينتصر صاحب دعاية ومناد بفكرة وصاحب إصلاح إلا بالخطابة، فالخطابة هي الدعامة التي قامت عليها الانقلابات العظيمة والثورات الكبيرة، التي نقضت بنيان الظلم، وهدمت قصور الباطل، فهذه الثورة الفرنسية إنما قامت على الخطابة، وهي التي كانت تؤجج نيرانها وتذكي لهبها.
والخطابة قوة تثير حمية الجيوش وتدفعهم إلى لقاء الموت، وتزيد قواهم المعنوية، ولذلك كان قواد الجيوش المنتصرون في القديم والعصور الحديثة خطباء، ومنهم: نابليون، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وطارق بن زياد، كل هؤلاء القواد حملوا معهم سلاحًا معنويًّا بجوار السلاح الحديدي، والخطباء هم المسيطرون على الجماعات، هم الذين يقيمونها ويقعدونها. وفي الحكومات الشورية يكون الخطباء هم الغالبين، تصدع الأمة بإشاراتهم وتخضع لسلطانهم؛ لأن الغلبة في ميدان الكلام والسبق في حلبة البيان لهم، فآراؤهم فوق الآراء؛ لأنهم يستطيعون أن يلحنوا بحجتهم ويسبقوا إلى غاياتهم، وفي ذلك نشر لسلطانهم ورفعة لهم. فالخطابة طريق للمجد الشخصي كما أنها طريق النفع العام، والحق أن الخطابة مظهر اجتماعي للمجتمع الراقي، تحيا برقي الجماعة وتخبو بضعفها.
стр. 14
ولقد قال ابن سينا في فائدة الخطابة: "إن صناعة الخطابة عظيمة النفع جدًّا؛ وذلك لأن الأحكام الصادقة فيما هو عدل وحسن أفضل نفعًا وأعم على الناس من أضدادها فائدة؛ لأن نوع الإنسان يعيش بالتشارك والتشارك محوج إلى التعامل والتحاور، وهما محوجان إلى أحكام صادقة، وهذه الأحكام الصادقة تحتاج إلى أن تكون مقررة في النفوس ممكنة في العقائد، والبرهان قليل الجدوى في حمل الجمهور على الحق، فالخطابة هي المعينة بذلك".
وقال في حق الخطيب: "إن الخطيب يرشد السامع إلى ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، ويقيم له مراسيم لتقويم عيشه والاستعداد لآخرته".
إن الخطابة هي سلاح المجتمع الإنساني في سلمه وحربه، وفي ترقيته والإسراع به نحو المثل الأعلى الذي يجب أن يقصد إليه، فليس بدعًا أن كانت بلاغ النبيين إلى أممهم، والراح الذي يسكبه القواد في نفوس جنودهم قبيل المعركة، فيسرعون باسمين إلى قتال أعدائهم، وغصن الزيتون يلوح به دعاة السلام في عالم كربه العداء والخصام، والقوة الساحرة التي يقود بها الزعماء السياسيون والمصلحون الاجتماعيون أممهم، إلى حياة أرقى وأعز وأبقى، ولسان الأحزاب السياسية تنشر به دعوتها وتظفر به على خصومها، ونورًا يهدي القضاة إلى العدالة وتبرئة المظلوم والقصاص من الباغي.
ثم هي في العصر الحديث -خاصة- عدة الزعماء والساسة، تستند إليها الديمقراطية وتعتمد عليها الدكتاتورية، ويتسلح بها المؤتمرون في المجامع الدولية، ويصعد عليها النواب إلى قمة الشهرة وذيوع الأحدوثة، ويرتقي بها المحامون إلى الصيت الطائر والثراء الغامر.
وحسبنا في إبراز أهمية الخطابة ما ذكره ابن سينا في كتابه (الشفاء) إذ يقول: "إن الخطيب يرشد السامع إلى ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، ويقيم له
стр. 15
مراسيم لتقويم عيشه والاستعداد إلى معاده، وحسبها شرفًا أنها وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ومن على شاكلتهم من العلماء العاملين وعظماء الملوك وكبار الساسة".
فالخطابة إذًا ذات أهمية كبرى في حياة الأمم والشعوب والأفراد والجماعات. ومما يوضح ذلك أكثر وأكثر وقوفك على فضلها وعظيم منزلتها وشرفها بين العلوم، فهي سيدة العلوم كلها؛ لأنها لسانها المعرف بها، وصاحبها دائمًا ما يكون صاحب سيادة ومكانة مرموقة، ما إن قام بواجباتها كما ينبغي، ولما كان فضل العلوم والصناعات واستظهار شرفها يتوقف على شرف غايتها؛ فإن الخطابة ذات شأن خطير في غايتها؛ وما ذاك إلا لأن غايتها إرشاد الناس إلى الحقائق، ومواجهة الأباطيل بالتنبيه عليها، وحملهم على ما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم.
والخطابة معدودة من وسائل السيادة والريادة والزعامة، وقد كانت من شروط الإمارة، فهي من أساسيات كمال الإنسان، وسبب من أسباب رفعته إلى ذرى المجد، أرأيت كيف أن الخطابة شرفها جسيم وفضلها عظيم، فهلا كنت واحدًا من أرباب هذا المجد الشامخ، في سماء العلوم وذروة سنام الفنون.
إن لدراسة علم الخطابة فوائد كثيرة: أن دراسة علم الخطابة توقف الدارس على معرفة كيفية امتلاك القلوب، واستمالة النفوس، وتهييج المشاعر، وإثارة العواطف الكامنة الهادئة نحو مراده من مستمعيه، فبمعارفها تستضيء موارد الدليل، وتتضح مصادر الحجة لإنفاذ كل أمر جلل وجليل، وإدراك كل غاية شريفة، وبقوانينها يترشد الطالب إلى مواطن الضعف وشعب السهو والزلل، فيقوى على دحض حجة المناظر وتزييف سفسفطة المكابر، كما أنها من جانب آخر تثير الحماسة في النفوس الفاترة، وتهدئ النفوس
стр. 16
الثائرة، وهي التي ترفع الحق وتخفض الباطل، وتقيم العدل وتدفع المظالم، وهي التي تهدي الضال إلى سواء السبيل، وتقضي على النزاع وتقطع الخصومات.
وما من شك في أن الخطيب البارع النابه والعالم المتحدث الفذ هو الذي تبرز قوته ودقته، ومدى استفادته من دراسة علم الخطابة؛ بالتعبير عن ما في نفسه، وقيامه بين ذوي الاتجاهات المختلفة، والأفكار المتضاربة، والآراء المتناحرة، والحكم بينها، فلا يزال يبين لهم النافع من الضار والصواب من الخطأ، حتى يجعل الجميع في قبضة يده.
والخطيب البارع يقوم بين طائفتين قد استعرت بينهما نار العداوة والبغضاء، فيذكرهم بعواقب فساد ذات البين والتقاطع، وما يجره عليهما طول أمد الخصومة، ومن ثم فهو يسلك معهم سبيل التحذير والترهيب من مغبة هذا البغض وتلكم العداوة، وما يجر عليهما بسببه من نتائج سيئة، ثم يرغبهما في الصلح وما له من فضل وثواب عند الله ﵎، ويراعي في ذلك كله الصبر والمثابرة.
إذًا فالمهمة صعبة، والطريق إلى تحقيق المراد شاق ومليء بالأشواك والفتن وذرائع الشيطان، فإذا ما تم ذلك لم تلبث القلوب إلا أن تصفو متألقة والنفوس متآخية صالحة. فماذا لو أدرك الداعية إذًا مسئولية الكلمة التي يوجهها للناس، أو إن أردت صوابًا فقل: يوجه الناس إليها أو بها، ثم ماذا لو وضع في اعتباره جيدًا نوعية من يتحدث إليهم، مِن حيث مستوى التعليم والثقافة والبيئة وتقييم الوضع الاجتماعي والنفسي، وأهم من هذا كله درجة الوعي الديني أو مستوى الوعي الديني والتربية العقدية.
إن الخطيب لو فعل ذلك لبانت له أكثر وأكثر ضرورة وقوف من يتصدى لمهمة توجيه الناس على أصول وقواعد وقوانين علم الخطابة، ولبان له فائدة دراستها وثمرة معرفة أصولها.
стр. 17
إن الداعية يخاطب كل الناس والناس مختلفون في دوافعهم وأهدافهم، فلا بد أن يكون الخطيب أعلم منهم، يطل بثقافته الواسعة عليهم جميعًا، ويلاحقهم بمعرفته بطبائع النفوس التي يتمسك بأعرافها وتقاليدها، إلى حد الدفاع عنها ومهاجمة من يحاول النيل منها.
ومن ثم فالحكمة تقتضي مسايرة الداعية الخطيب لهذه الطبائع، وملازمتها بالرفق واللين، دون أن ينمع معها، وصولًا بها إلى إعلان شعائر الإسلام، بعد أن تكون النفوس المخاطبة مِن قِبله قد تهيأت للغراس الجديد. فإذا كانت الخطابة لها هذه الأهمية العظيمة، ولها هذا الأثر الكبير في حياة الأمم والجماعات والأفراد؛ فهي إذًا جديرة بأن تدرس، وجديرة بأن توضع لها أصول؛ ذلك أن فن الخطابة يحاول تحليل الخطب، واستنباط الأصول العامة للخطابة الناجحة، ويرسم السبل التي يسلكها الخطيب ليستميل الجمهور ويقنعه، وبهذا تقوى الخطابة، ويتزود الخطباء بتجارب سابقيهم، وتنضج مواهبهم، ويقفون على خصائص الخطباء الكبار، وعلى ما في خطبهم من دقائق كفلت لهم البراعة.
ومنذ القدم وضع أرسطو للخطابة أصولًا ما تزال تراعى، وقرر أنها فن في قوله: "إن كل الناس يلجئون للخطابة والجدل بدرجات متفاوتة، وبعض الناس يمارس الخطابة والجدل فطرة وسليقة، وبعضهم الآخر يمارسها بالمرانة التي اكتسبها من مقتضيات الحياة، والوسيلتان ممكنتان، فواضح أن تكون هناك طريقة وأن يكون هناك مجال لتوجيه تطبيقها، ولضرورة النظر في السبب الذي يؤدي إلى إنجاح هذا العمل المنساق بالعادة، أو المندفع بالفطرة والسليقة، ولا يشك إنسان في أن مثل هذه الدراسة من خاصة الفن".
هذا، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 18
الدرس: ٢ الغاية من الخطابة .
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(الغاية من الخطابة)
أهمية الخطابة للدعوة الإسلامية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن الخطابة كانت ولا تزال من أهم وسائل الدعوة إلى الله تعالى باللسان، ولا نتجاوز الحقيقة كثيرًا إن قلنا: إن الخطابة هي أهم وسائل الدعوة الإسلامية، ففي بداية الدعوة كان للخطابة الدور الرئيسي في التبليغ، حيث امتثل النبي ﷺ لأمر ربه له بالدعوة جهرًا ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر: ١، ٢)، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤).
لما نزلت هذه الآيات جعل النبي ﷺ الخطابة سلاحه في التبليغ. روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله ﷺ قريشًا فعم وخص؛ فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك من الله ضرًّا ولا نفعًا. يا معشر عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا. يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا. يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرًّا ولا نفعًا، إن لك رحما وسأبلها ببلالها)) أي: إن لك قرابة وسأصلها كما أمرني الله .
كذلك اتخذ النبي ﷺ الخطابة وسيلة للدعوة عند استقباله للوفود، التي كانت تتوالى عليه معربة عن قبولها للإسلام دينًا، كما كانت الخطابة منهج النبي ﷺ في توجيه قيادة الجيوش الإسلامية الذاهبة لنشر الإسلام في كافة الأنحاء، وكان النبي ﷺ يأمر مَن يراه أهلًا للخطابة بأن يخطب بحضرته ﷺ .
стр. 20
ويتضح هذا في موقفه ﷺ من وفد بني تميم، حين دخل الوفد إلى المسجد النبوي الشريف ونادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: "يا محمد اخرج إلينا، يا محمد اخرج إلينا، فآذى ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم؛ فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا، فقال ﵊: ((قد أذنت لخطيبكم فليقل)) فقام أحدهم فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس؟! ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وأن لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكننا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نُعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: ((قم فأجب الرجل في خطبته)).
فقام ثابت ﵁ فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه السموات والأرض، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرمه نسبًا وأصدقه حديثًا وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين. ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس حسبًا وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله ﷺ نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم ورحمة الله".
стр. 21
ثم اتخذ الخلفاء الراشدون وأولو أمر المسلمين من بعدهم -في كل زمان ومكان- الخطابة وسيلة لنشر الإسلام، وتثبيت دولته، إما بأنفسهم مباشرة وإما بتكليفهم من يقوم بها على وجهها، وذلك لاعتقادهم أن الخطابة في الإسلام هي مظهر الحياة المتحركة فيه، الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب ويثب من فكر إلى فكر، وينتقل مع الزمان من جيل إلى جيل ومع المكان من قطر إلى قطر.
وذاك هو السر في أن النبي ﷺ كان يخطب كل أسبوع وكل عيد، ويخطب أو ينيب عنه أميرًا يخطب في وفود الحجيج عند جبل الرحمة، ولأهمية الخطابة ومكانتها في الدعوة الإسلامية جعلها الإسلام الحنيف شعيرة من أهم شعائره، في كافة المناسبات الدينية والدنيوية؛ دعمًا للحق وهدمًا للباطل. ومن أهم هذه المناسبات: مناسبات أسبوعية وأخرى سنوية وثالثة طارئة، ففي كل أسبوع يحتشد المسلمون في المسجد الجامع؛ ليسمعوا داعية إلى الله تعالى يذكر به ويعلم دينه، وفي كل عيد يجتمع الرجال والنساء في الميادين الرحبة، أو في المصليات المحيطة بالقرية ليسمعوا التوجيه المناسب بعد صلاة العيد، وفي كل موسم جامع للحجيج تلتقي وفود الأمة الإسلامية المترامية الأطراف حول عرفة، لتستمع إلى خطاب خطير يتناول شئونها ويشرح قضاياها ومبادئها، وفي الأمور الطارئة كالخسوف والكسوف والجدب يجتمع المسلمون للصلاة والابتهال إلى الله تعالى، ولسماع خطيب يذكرهم بنعم الله تعالى على الناس خاصة، وسننه في خلقه عامة، ويخوفهم بما أراهم الله ﵎ من الآيات لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا.
إن فضل الخطابة عظيم وشرفها جسيم، وفضل العلوم والصناعات وشرفها إنما هو بشرف غاياتها وأهدافها، وللخطابة غاية ذات شأن خطير وهي إرشاد
стр. 22
الناس إلى الحقائق، وحملهم على ما ينفعهم في العاجل والآجل، وفوائد الخطابة جمة؛ فالخطابة تنقل السامع من موقف إلى آخر، ومن عقيدة إلى أخرى باعثة في السامع نزعة للعمل الإيجابي فيما كان يقف موقفًا سلبيًّا، فغاية الخطابة هي تحويل الأفكار الذهنية الجامدة إلى عواطف متحركة.
إنها مهمة الأنبياء ووظيفة المرسلين والخلفاء والمصلحين، من قام بها على الوجه الأحسن والأكمل كان من الرابحين الفائزين، وهل كان شغل الأنبياء والمرسلين إلا دلالة الخلق على الله، وحثهم على الخير ونهيهم عن الشر، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتذكيرهم بين الحين والحين بما يصلحهم في دنياهم، ويسعدهم في عقباهم، وعن طريق الخطابة ترد النفوس إلى باريها، ويوصل المنقطعون بخالقهم، ويهتدي التائه الحيران، ويسكن القلِق ويطمئن المضطرب، ويعرف الناس غايتهم، ويزيد التقي تقًى والمهتدي هدًى، ويقوى الضعيف ويعز الذليل ويجتمع الشتات وتتوحد الصفوف.
إنها زاد للأرواح وغذاء للعقول وتربية للأبدان، وبها تزكو النفوس وتعبد بارئها ومولاها، وتفر إليه وتحب طاعته، وتحرص على نيل مرضاته، وتمقت مخالفته، وتكره عصيانه. وبالخطابة تفض المشاكل وتقطع الخصومات، ويرفع الحق ويهدم الباطل، ويقام العدل وترد المظالم، وبالخطابة يتعاون الناس على البر والتقوى، وينصر المظلوم ويغاث المستغيث ويعان المحتاج.
إن الخطابة هي لسان الهداية والدعامة الكبيرة التي تهدم الباطل، وتحرر الأرض ومن عليها من رق العبودية لغير الله ، ولهذه المنزلة للخطابة في الإسلام عدت من شعائره الكبرى.
стр. 23
يقول الدكتور محمود محمد عمارة في بيان أهمية الخطابة: "والخطابة فوق ذلك كله سلاح من أسلحة الدعوة يحق الله به الحق ويبطل الباطل. وعندما يكثر المبطلون في الأرض ويظهر شرهم في البر والبحر؛ فإن الخطيب واحد من الذين يتصدون لهذا الشر كسرًا لشوكته، مع غيره من رفاق السلاح على طريق الحق.
يقول النبي ﷺ في بيان موضع الخطيب المجاهد بلسانه مع إخوة له: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا ي فعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).
ولو تأملت موقف النبي ﷺ في قضية المرأة المخزومية التي سرقت، وجاء أسامة بن زيد ليشفع لها، لو تأملت هذا الموقف لتبين لك دور الخطبة الرئيسي في التربية. لقد أنكر النبي ﷺ على أسامة -وهو حبه وابن حبه- أنكر عليه شفاعته قائلًا: ((أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).
والناظر في الخطب النبوية يجد أن النبي ﷺ دعا بالخطبة إلى العقيدة الصحيحة، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، ومواجهة الأعداء بالجهاد والنضال، وكذلك فعل الصحابة ﵃ من بعده، وفعل التابعون لهم بإحسان.
وبالخطبة أيضًا دافع النبي ﷺ عن الحق، وهاجم الباطل، وألزم الخصوم، وأفحم المعاندين ورد كيدهم في نحورهم، وكتب السنة والسيرة فيها ما يثبت ذلك بفضل الله ".
стр. 24
إعداد الخطبة
إن الخطيب البارع هو الذي يحدد خطبته ويحضر موضوعها تحضيرًا دقيقًا؛ حتى تكون خطبته مركزة ومنظمة معالجة للمشاكل المعاصرة، وحتى يربط بين الدين والحياة. ويبدأ بتحديد موضوع الخطبة ثم يرتب عناصرها وأفكارها، ثم يشرحها مدعمة بالأدلة النقلية والعقلية، ويستخلص النتائج والدروس التي تناسب الأحداث التي يعيشها الجمهور، وبذلك يشد انتباههم ويقنع عقولهم ويستميل وجدانهم، أما إذا لم يحدد الخطيب موضوعًا بدا وكل الدلائل تشير إلى أنه شارد الذهن، مشتت الفكر يشرق ويغرب، ويأتي بأفكار من هنا ومن هناك، بل ربما يبدو فيها التضارب والتناقض مما يؤدي بالجمهور إلى الملل والانصراف عنه، وكل ذلك نتيجة اعتماد الخطيب على الكلام المرتجل، الذي قد يخطر على بال صاحبه دون سابق تحضير، ولا يستطيع الإنسان أن يشعر بالارتياح حين يواجه مستمعيه إلا بعد أن يفكر مليًّا، ويخطط ويعرف ما الذي سيقوله في خطبته. إنه إن لم يفعل ذلك سيكون كالأعمى الذي يقود أعمى في مثل تلك الظروف، فالواجب على الخطيب أن يكون واعيًا لنفسه وأن يشعر بالندم والخجل لإهماله.
كتب "تيدي روزفيلد" في مذكراته يقول: "انتخبت إلى المجلس التشريعي في خريف سنة ١٨٨١، وقد وجدت نفسي أصغر رجل في المجلس، ومثل سائر الشبان والأعضاء غير المتمرسين وجدت صعوبة بالغة في تعلم الخطابة، وقد استفدت كثيرًا من نصيحة رجل ريفي عجوز يقول فيها: لا تتكلم حتى تتأكد أن لديك ما تقول، واعرف عما ستتحدث ثم قله واجلس".
стр. 25
كلمة جميلة حكيمة يجب على كل خطيب أن يرددها على مسامعه حتى يحفظها.
وهنا نصيحة حكيمة من العميد "براون" في جامعة "بيل"، الذي كان يدرب الآخرين على الخطابة، وكيفية الإلقاء وتحضير الخطبة، وتوزيع بعض النصائح التي تفيد الخطيب إذا كان بائع قماش أو صانع أحذية. يقول "براون" في نصيحته: "احتضن دراستك. احتضنها حتى تصبح يانعة، فمن خلالها تحصل على قطيع كامل من الأفكار الناجحة، مثلما تسبب ذرات الحياة الصغيرة في الانتشار والنمو، ويستحسن أن تستمر هذه العملية فترة طويلة، وحين تنهمك في جمع مادة علمية لإلقاء خطبة في احتفال معين اكتب جميع الأفكار المتعلقة بالمادة التي تخطر ببالك. دَوِّن جميع أفكارك ببضع كلمات كافية لتثبيت الفكرة، ودع عقلك يبحث عن المزيد منها. تلك هي الطريقة التي من خلالها يتدرب العقل على الإنتاج، وبها تبقى عملياتك الذهنية نشطة وبناءة. دَوِّن كل هذه الأفكار التي دَوَّنها تفكيرك من دون أي مساعدة، فهي بالنسبة لتغذيتك الفكرية أثمن من الياقوت. دَوِّنها على قطع من الورق، وستجد من السهل ترتيب هذه القطع حين تنظم مادتك. ثابر على كتابة جميع الأفكار التي ترد إلى تفكيرك. ليس عليك الإسراع في هذه العملية؛ فهي أهم عملية فكرية سيتاح لك الانهماك فيها. إنها الوسيلة التي تدفع العقل للنمو لكي يصبح قوة حقيقية منتجة".
إنها نصائح غالية حقًّا، خلاصة هذه النصائح: أن الخطيب لكي ينجح في مهنته لا بد من تحضير موضوع الخطبة، وإعداده إعدادًا دقيقًا. وإعداد الخطبة وتحضيرها ليس عيبًا يشين الخطيب؛ فإن كبار الخطباء ومشهوريهم -في القديم والحديث في الشرق والغرب- كانوا وما زالوا يقضون وقتًا في إعداد خطبهم، قبل أن يخرجوا بها إلى الناس، مع قدرتهم البالغة على الكلام في أي موضوع من واقع تجربتهم، وخبرتهم السابقة في مجال الخطابة والإلقاء.
стр. 26
ومن أشهر خطباء العصر الحديث في الغرب العالم الغربي "دوتلي مودي". كيف حضر هذا العالم خطبه التي جعلته مشهورًا عبر التاريخ؟ قال مجيبًا عن هذا السؤال: "ليس لدي أي سر حين أختار موضوعًا أكتب اسمه على مغلف كبير، لدي الكثير من تلك المغلفات، فإذا وجدت أثناء القراءة شيئًا جيدًا حول الموضوع الذي سأتحدث عنه أنقله إلى المغلف الصحيح وأضعه جانبًا، ودائمًا أحمل معي دفتر ملاحظات، فإذا استمعت إلى عبارات أثناء أي احتفال -تلقي ضوءًا على الموضوع- أسجلها ثم أنقلها إلى المغلف، وربما تركته جانبًا لمدة سنة أو أكثر. وحين أريد أن ألقي خطبة أتناول ما أكون قد جمعته، فأجد مادة كافية مما أجده هناك، إضافة إلى اجتهادي الخاص".
ويقول "آدوين جايبس": "إن الخطب المجيدة هي تلك التي تتسلح بمادة احتياطية وافرة وفائضة، وهذه المادة الاحتياطية من المعلومات لا تتم ولا تتوطن عند الخطيب؛ إلا بتحضير موضوع الخطبة تحضيرًا دقيقًا، وإعداده إعدادًا جيدًا قبل مجيء موعد الخطبة بوقت كاف، وهذا التحضير والإعداد لموضوع الخطبة يعطي الخطيب فرصة كبيرة للتأثر بخطبته، والتأثير بها في غيره، كما يعطي الخطبة بهاءً وجمالًا من حيث أسلوبها وكلماتها.
أما الأساليب الخطابية المرتجلة فهي أقل بهاء ورونقًا من المُعَدَّة والمحضرة، وكذلك الأفكار المرتجلة فهي فجة مبتسرة، إذا قيست بالأفكار المدروسة الناضجة المختمرة. ثم إن ظهور الخطيب بمظهر المجازف الذي لم يعد الخطبة فيه اعتداد بالنفس، واستهانة بالحاضرين، وتبجح بعدم الاهتمام، ودعوى أن خاطر الخطيب أسرع من خواطر الناس، وهذه كلها صفات لا ترتضيها الجماعات.
стр. 27
ولقد يعسر على المرتجل تفكيرًا وتعبيرًا أن يعالج الموضوع، وأن يصل منه إلى نتيجة، فهو كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح، أو كهائم لا يعرف وجهته ولا المسالك إليها، ويرتجل الكلام وليس فيه سوى الهذيان من حشو الخطيب".
وإذا كان الخطباء المعاصرون المشهورون يحضرون خطبهم ويعدونها إعدادًا دقيقًا، فقد كان البلغاء القدامى المشهورون يحضرون خطبهم، ويهذبونها ويتمرنون على إلقائها. هكذا كان يفعل "شيشرون"، وكان "كانتليان" من أساتذة الخطابة عند اللاتين، يرى أن الارتجال لا يتهيأ للمرء إلا في آخر عمره، بعد أن يكون قد تدرب وتمرن. وكتاب (الجمهورية) لأفلاطون يوضح أن جميع خطباء "أثينا" كانوا ينمقون العبارات قبل أن يلقوا خطبهم، لذا تتراءى فيها آثار التعمل والتنقيح والإعداد، وكان محظورًا على غير المتقاضين أن يترافعوا في المحاكم.
وقال البعيث الشاعر وكان أخطب الناس: "إني والله ما أرسل الكلام قضيبًا خشيبًا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك". وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة، فقال: "وما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب". يريد بالرأي الفطير الأمر المستعجل الذي لم يبلغ نضجه. وقيل لابن التوأم: "تكلم فقال: ما أشتهي الخبز إلا بائتًا". وقال أحد الشعراء لرجل: "أنا أقول في كل ساعة قصيدة وأنت تقرضها في كل شهر فلم ذلك؟ فقال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك". كأنه يقول له: إن المهم ليس هو كثرة القصائد، وإنما المهم هو مدى تجويدها وتحضيرها وإعدادها.
стр. 28
وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات؛ لأنه كان يمكث حولًا كاملًا في إعدادها وتنقيحها. كذلك فعل خطباء وشعراء العروبة والإسلام؛ لأنهم يدركون أهمية الإعداد والتحضير في الشعر والنثر، ولأنهم يعلمون أن الإعداد والتحضير سمة للإنتاج البليغ.
وفي الحقيقة أن الناس لا يسألون عن هذا الإنتاج في كم يوم تم، وإنما يعجبون به ويمتدحون صاحبه، وما من أحد يسأل: كم ساعة أو يومًا كان يقضيها المتنبي وشوقي في نظم القصيدة، أو علي بن أبي طالب والحجاج بن يوسف في تنسيق الخطبة، أو الجاحظ والمنفلوطي في تحضير المقالة، فرب بيت منقح خير من قصيدة ألف بيت، ورب سطر مجيد خير من كتاب.
والخطيب البادئ يحتاج إلى مجهود كبير في إعداد خطبته، ولكنه لا يتم تكوينه خطيبًا إلا بهذا المسلك، وبعض الخطباء يرون أنفسهم قد نجحوا غير مرة في خطبهم، فيعتمدون على شهرتهم، ويقصرون في إعداد خطبهم وصيانة نفوسهم، فيسقطون وينصرف عنهم السامعون. فعلى الخطيب أن يعلم أن مجهوده في بناء نفسه أول أمره -مهما كان كبيرًا- أسهل من مجهوده في إعادة بنائه إذا سقط. ومعنى هذا أنه ينبغي أن يكون حذرًا من السقوط مهما كانت رتبته.
وعلى هذا فإن من أعظم العوامل لنجاح الخطيب في مهمته، والتي تعلي كعبه وترفع قدره عند مستمعيه، ويتلهفون على لقائه، ويشدون إليه الرحال للاستفادة منه والاستماع إليه في ساعتهم الراهنة، والتحضير الجيد الذي يلم بالموضوع من جميع جوانبه، وأن يراعي ترتيب الموضوع ترتيبًا ويضع كل عنصر في موضعه الذي يناسبه، فلا تجد شيئًا حول الموضوع إلا قد ألم به وأفاده، وأن يكون للخطبة موضوع محدد، كل آية وكل حديث وكل أثر وكل قصة
стр. 29
وكل فكرة وكل بيت شعر وكل كلمة حكمة، تكون لبنة في بناء الموضوع ودعمًا قويًّا للفكرة المراد توصيلها وإقناع الناس بها، ولا يقدم ما ينبغي تأخيره ولا يؤخر ما ينبغي تقديمه، ويبدأ خطبته هادئًا في ثقة بسيطًا في عمق، والإلقاء يكون جيدًا خلابًا يأخذ بتلابيب القلوب ويشنف الآذان، ويستميل المستمعين إلى الخطيب وإلى ما يدعو إليه.
إن التخطيط والتحضير الجيد للخطبة من الأهمية بمكان، كما يفهم من تصريح عمر بن الخطاب ﵁ يوم السقيفة حيث قال: "لقد زورت كلمات أعجبتني -أي: حضرتها في نفسي وأعددتها- فقال لي أبو بكر: على رِسْلِك يا عمر، فوالله لقد جاء عليها كلها". يقول عمر: لقد جاء أبو بكر على تلك الكلمات التي زورها في نفسه. فهذا عمر الملهم، وعمير سفير في الجاهلية وملهم ومُحَدَّث في الإسلام، يزور كلمات يواجه بها الموقف، فمن لم يبال بهذا العمل فإنه لا يسلم من الفشل. وقد قال الجاحظ: "إنما يجترئ على الخطبة الغر الجاهل الماضي الذي لا يثنيه شيء، أو المطبوع الحاذق الواثق بغزارته واقتداره".
ثم إن الإعداد والتحضير يؤدي إلى تحسين وتجويد التصوير والتفكير، ولأن تجويد التصوير يستدعي تجويد التفكير في نظر "فلوبير" الكاتب الفرنسي المتفنن، فقد كان لا يكرر صوتًا في كلمة ولا يعيد كلمة في صفحة، وكان يتلو ما كتب بصوت إيقاعي ليؤلف بين الحروف والكلمات، ويوفق بين السكنات والحركات.
وإذا كان الارتجال ضروريًّا في بعض الخطب الاضطرارية، فإن الإعداد ضروري في بعضها الآخر، على تفاوت في طريقته والحاجة إليه، فالخطب السياسية لا
стр. 30
مندوحة من إعدادها، وأي خطيب سياسي لا يعد خطبته إيجادًا وتنسيقًا فالإخفاق نصيبه. على أن بعض الخطب السياسية يعوزها الإعداد إيجادًا وتنسيقًا وتعبيرًا؛ لحاجتها إلى دقة التعبير ووزن الألفاظ، كخطب المعاهدات وبعض خطب المؤتمرات الدولية، فهذه تعد إعدادًا كاملًا. والناحية التطبيقية على القانون في الخطبة القضائية لا بد من إعدادها إعدادًا كاملًا أيضًا، تتجلى فيه الثقافة القانونية والثقافة العامة. ومن الخير للخطيب أن يجمع بين الارتجال والتحضير، فيعد موضوعًا ثم لا يتقيد بما أعد، بل يتصرف كما تملي عليه الظروف، وحينئذ تمده ذاكرته بما قد أعده وتسعفه بديهته بالجديد الذي لم يعده.
فمتى يحسن التحضير؟ ومتى يحسن الارتجال؟
يقول الإمام محمد أبو زهرة ﵀: "إن الخطيب يلقي خطبته إما بعد تحضير وإعداد وإما على البديهة والارتجال، ولكل مواضع ومحاسن؛ فالتحضير يحسن -بل يكون لازمًا- إذا كانت معلوماته في الموضوع الذي هو بصدد القول فيه لا تسمح له بالقول على البداهة، وإن تكلم قال كلامًا مبتسرًا لا يقيم حقًّا ولا يخفض باطلًا ولا يجذب نفسًا ولا ينفر من أمر، فهو يدرس الموضوع من كل نواحيه ويقتله بحثًا ودرسًا؛ ليستطيع أن يدلي فيه بحجته فيصيب المحز ويدرك الشأن وينال السبق، وكذلك يعمد إلى التحضير إذا كانت عنده فسحة من الوقت، يستطيع فيها أن يبدي ويعيد وأن يتثبت فيما يقول، ويختار لمعانيه أجود الألفاظ ويتجه إلى أقرب الطرق التي يصل منها إلى النفوس، ويهز بها أوتار القلوب هزًّا رفيقًا أو عنيفًا كما يريد. ويعمد إلى التحضير أيضًا إذا
стр. 31
كان بين قوم يتسقطون هفواته، ويتتبعون سقطاته يحصونها عليه إحصاء، ويحاسبونه عليها حسابًا عسيرًا، فهو يتقدم إليهم بسلاح التحقيق مستندًا على متكأ من الحقائق، فلا يسقط إن حاولوا أن يأخذوا عليه ما يسقط، ولا يعثر ولا يزل ولا تنزلق قدمه في مزالق الخطر ومداحض الزلل.
ولذلك كان أكثر خطباء اليونان والرومان يهيئون خطبهم قبل إلقائها، ولا يجرؤ واحد منهم مهما تكن ثقته بنفسه قوية، ومهما يكن صيته ذائعًا ومعروفًا باللسان والبيان على الوقوف من غير سابقة تحضير، وإلمام تام بما يقول؛ خشية أن يأخذ عليه النقاد شيئًا، أو يسقط بين أديب سقطة تذهب برواء قوله وحسن مذهبه وما يدعو إليه. ولا يتوهمن متوهم أن في تحضير الخطبة ما يعيب مقدرته، فإن العيب أن يقول كلامًا مبتذلًا لا قيمة له ومعناه تافه صغير. ولتكن له أسوة حسنة في كثير من كبار الخطباء الأقدمين والمُحْدَثين، فإن كثيرين منهم مع قدرتهم التامة على الارتجال يأخذون للموقف الأهبة ويعدون له العدة، عالمين بأن الخطيب كالمجاهد لا يخوض غمار الحرب من غير أن يتدرع بدروعها، ويتترس بتروسها، ويلبس لها لأمتها، ويتخذ لها شوكتها، وليس ذلك في الخطيب إلا بالتحضير والتهيئة والاستعداد للموقف من كل نواحيه.
وإن الذي يتعرض للخطبة من غير سابق تحضير ولا تهيئة، ولم يكن ذا إلمام سابق بالموضوع يجيء كلامه ضعيفًا في معناه ومبناه، بل إن ذا الاطلاع الواسع والعلم الغزير بما يقول إن لم يراجع نفسه آنًا بعد آنٍ، ويفكر طويلًا فيما يعتزم قوله وقتًا بعد آخر يضعف أسلوبه الخطابي وتلين عباراته، وينحدر إلى منزلق سحيق، وتتجه معانيه اتجاهًا سطحيًّا، وتفقد قوة التأثير في المشاعر والأهواء".
стр. 32
وطرق التحضير كثيرة متشعبة؛ فمن الخطباء من يكتفي في تحضيره بدراسة الموضوع دراسة تامة، ثم يجمع عناصرها في خاطره ويرتبها بينه وبين نفسه، ويستحضر الألفاظ اللائقة بالمقام والعبارات الجديرة بالموضوع. وهذه طريقة لا يتبعها إلا المتمرن على المواقف الخطابية الذي اندرج في سلك الخطباء. وكثير من الأدباء يعد الخطبة التي تحضر وتلقى على هذه الشاكلة مرتجلة، ولكنا نرى الارتجال أن تقال الخطبة على البداهة، من غير أي تحضير للموقف السابق.
ومن الخطباء من يدرس الموضوع ويهيئ معاني الخطبة ويرتبها ترتيبًا محكمًا، ثم يكتب عناصرها وأجزاءها في مذكرة يستصحبها عند الخطبة؛ لتكون مرجعًا له وضابطًا وليحفظ المعاني والأفكار، من أن تضيع بضلال الذاكرة، وذلك النوع من الخطباء كثير. وفي الأخذ بهذه الطريقة مزايا كثيرة لما فيها من ضبط للأفكار، وجمع للخواطر وإحكام للمعاني، وهي كسابقتها لا يتجه إليها إلا الخطباء الذين تمرنوا على القول، وعرفوا مقاتله ومواضيع التأثير فيه، وأصبحت لهم طرق خاصة في الإلقاء يتجهون إليها من غير قصد، بل بمقتضى الإلف والاعتياد.
ومن الخطباء من يطلع على الموضوع ويدرسه بعناية، ثم يتكلم فيه بينه وبين نفسه بصوت مرتفع في غرفة قد انفرد فيها، أو في مكان خلوي أو يتكلم على بعض الناس، ومثل ذلك النوع من الخطباء مثل المطربين، إذ يلحنون القطع التي هم بصدد ترتيلها والتغريد بها في وسط الناس، ويتمرنون على ذلك أمدا غير قصير، حتى تستقيم لهم النغمات فكذلك هذا النوع من الخطباء.
ومن الخطباء من يكتب الخطبة، ويتحرى في الكتابة أبلغ الأساليب التي توصله إلى غايته، وتؤدي به إلى ما يريد ويحكم معانيها، ويحملها كل ما ينبغي من
стр. 33
وسائل التأثير وطرق الإقناع، التي يصوبها نحو هدفه ويرمي بها إلى غرضه، وبعد الكتابة يقرأ ما كتب مرارًا وينقحه في كل مرة، وبهذه القراءة التي يتحرى بها جودة الإلقاء وحسن النطق تعلق معاني الخطبة، مرتبة ترتيبًا تامًّا بذاكرته، ويحفظ كثيرًا من ألفاظها وعباراتها. وهذه الطريقة يتبعها كثير من المحامين، في القضايا ذات الشأن التي تحتاج إلى تحضير كبير، وجمع لعدة نصوص قانونية.
ومن الخطباء من يكتبون خطبهم ويحسنون تحبيرها، ثم يحفظونها حفظًا تامًّا، ومنهم من يتحلل أحيانًا مما حفظ إن وجد المقام يدفعه إلى غيره. ومن الناس من يكتب ويحفظ بدون أن يغير شيئًا كما كان يفعل. ومن الناس من يكتب الخطبة ثم يلقيها بالقراءة في الورقة التي كتبها فيها، وهذه الطريقة في الحقيقة لها آفات وعيوب كثيرة، فلن تستحل الأفكار دمًا يجري في عروق الخطيب إلا إذا مارس الحياة، وذاق حلوها ومرها وعاش التجربة التي يحكيها، عندئذٍ يمكنه أن ينقل الأفكار إلى الآخرين بكل ما حولها من انفعالات وإيجابية، تحمله على تنفيذها في دنيا الواقع.
أما خطيب الورقة فهو محروم من هذا كله، بعيد عن هذه الساحة الحافلة بالحركة والنشاط. إن اللفظ والصوت والإشارة بل والهيئة كل أولئك عوامل تأثير لا بد منها؛ كي تحول المستمعين من وضع إلى وضع، وتنقلهم من التلقي الرتيب لينهضوا مسارعين إلى ما دعاهم إليه الخطيب. وخطيب الورقة بنبرته الرتيبة ووصفه الآلي لا يصل إلى ما ينبغي أن يكون. إن صوته يمضي بالمستمع على نبرة واحدة، تفرض عليه النوم أحيانًا. إنه مشغول بالنظر إلى ما خطه قلمه في الورقة خشية الزلل، وإذًا فلا تلتقي عينه بالمستمع الذي يحس بأن شخصًا آخر
стр. 34
يحدثه غير هذا الخطيب الذي يراه، فلا رابطة بين الخطيب وبين المستمع، وإذا دعت الضرورة للاختصار فلن يستطيع كاتب الورقة أن يختصر؛ لأنه مرتبط بالنص المكتوب.
وقد تكون الضرورة مما لا يمكن التساهل فيه وحينئذٍ تزيد الهوة اتساعًا، وقد تصل هذه الظروف الطارئة إلى حد تغيير موضوع الخطبة بكامله، ولا يستطيع الخطيب أن يغير الموضوع؛ لأنه ليس له إلا ما كتبه.
فنصيحتنا للخطباء أن يهتموا بتحضير الخطبة، ولا مانع من كتابتها كتابة عناصر أو كتابتها كاملة، ولكن لا بد من ترديدها وحفظها حتى يرتجلها على المنبر ولا يقرأها من الخطبة. وإذا كنا قد أوجبنا التحضير والتهيئة، فليس معنى ذلك أن الخطيب لا يحتاج إلى الارتجال، إذ القدرة على الارتجال ألزم الصفات للخطيب، بل لا يعد الخطيب خطيبًا ممتازًا إلا إذا كان من القادرين على الارتجال.
إن حاجة الخطيب للارتجال واضح، فقد يحضر الخطيب، ثم يرى من وجوه السامعين وحالهم ما يحمله على اتجاه آخر، فإن لم تسعفه بديهة حاضرة وخاطر سريع ومران على الارتجال طويل ضاع هو وما يدعو إليه، واتقاه الناس بالبكاء والتصدية والصفير والسخرية والاستهزاء في كل مكان. وقد يخطب الخطيب فيعترض عليه بعض الناس في خطبته، فإن لم تكن له بديهة حاضرة ترد الاعتراض وتقرعه بالحجة القوية ذهبت الخطبة وآثارها.
وقد كان العرب أيام ازدهار الخطابة فيهم من أقوى الناس على الارتجال. قال الجاحظ في وصفهم: "وكل شيء للعرب فهو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر ولا استعانة".
стр. 35
ولكن على الخطيب حتى يتعود على الارتجال عليه أن يتربى بسماع الخطباء المرتجلين الممتازين؛ لأن السماع يحفز من عنده استعداد الكلام إليه، ولأن فكر البشر يتغذى بالتقليد والمحاكاة، وبأن يأخذ نفسه من وقت لآخر بالكلام مرتجلًا، ويغشى الجماعات ويتقدم إلى القول؛ ليفك عقدة لسانه ويزيل حبسة الحياء. ومن أمثل الطرق أن يجتهد في أن لا يخطب من ورق، وأن يعرف ملخص ما يقول بعد تحضيره، فإذا دأب على ذلك واتته فطرة قوية واستعداد قويم على القول على البديهة، من غير تحضير عند الاقتضاء. وعلى مريد الخطابة أن يستنصح رفيقا له يدله على عيوبه، كما أن عليه أن يراقب نفسه مراقبة تامة، ويأخذ نفسه بالإصلاح، ولا يترك عادة لا تستحسن تثبت وتنمو، وعليه أن لا يتقيد بعبارات خاصة، ولا أثار سخرية الناس وما التمكين خصومه من العبث بسمعته البيانية.
هذا، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 36
الدرس: ٣ عناصر الخطبة .
стр. 37
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(عناصر الخطبة)
تركيب الخطبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
تركيب الخطبة: ف بعض الناس يتصورون أن إلقاء الخطبة عملية سهلة، ويكفي فيها صوت جهير أو رجل جريء، يحفظ القرآن أو بعضًا من أحاديث رسول الله ﷺ ، أو يحفظ مقاطع من النثر أو أبياتًا من الشعر، يستطيع بها أن يفهم المستمعين أنه يجيد الخطبة ويحسن التعبير، ولكن الحقيقة غير ذلك؛ فالخطابة لها شروط، والخطبة ليست عملية سهلة هينة، وليست مجرد كلام يقال دون ترتيب أو تبويب أو تنظيم، ولكنها أمر شاق يحتاج إلى وقت وجهد، كما أن الذين يستمعون لها إنما هم بشر لهم عقول تحكم، ولهم أرواح تحس، ولهم نفوس تتذوق، ولذا يتحتم على الخطيب -حين يريد أن يخطب- الاستعداد والإعداد لهذا الكلام الذي لا بد أن يكون له معنى، وأن يقصد من ورائه إقناع الجمهور واستمالتهم إلى مقولته، ولذا كان عليه أن يتصور هذه الخطبة بوجدانه قبل أن يلقيها، وأن يفكر في عناصرها ويركزها بعقله قبل أن ينطق بحرف منها، وأن يقف على الأدلة والبراهين التي سيوردها خلال إلقائها، ويهيئ ويرتب أسلوبه وبيانه الذي سيحدث به المستمعين.
فالخطبة لا بد أن تكون متسلسلة منظمة، وأن تكون واضحة البيان في أسلوبها حتى تقنع المستمع، وتستميله بأدلتها. وإذا لم يكن من إعداد الخطبة بد فكيف يعد الخطيب الخطبة؟ أقول: هب أنني مقبل على حديث مع مسئول كبير لي عنده حاجة، فماذا أفعل؟ إنه عليَّ -والحالة هذه- عدة أمور:
الأول: أن أستبين الموضوع الذي سأتكلم به إليه، وأحدد غايتي منه تحديدًا كاملًا.
стр. 38
ثانيًا: أن أرتب مقدمات الحديث وأساليب النقاش، مستعدًا للرد على كل ملاحظة يمكن أن تثار.
ثالثًا: أن أكون مرنًا ولبقًا في كل ما يوجه إليَّ من كلمة أو رأي معارض.
رابعًا: أن أستعد بالأسلوب الشيق السهل والكلمات ذات المعنى الأكثر تعبيرًا عن الفكرة، وهكذا وعلى ضوء هذا من الممكن أن تعد الخطبة.
وعلى الخطيب أن ينظر في ما حوله من الأمور المهمة، والأحداث اليومية التي تشغل الناس في أحاديثهم، وتدور على ألسنتهم ولها آثار بينة بينهم، ثم يتخير من هذه الحوادث أجلها ويجعلها موضوع خطبته ومدار عظته، ثم يستحضر ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة في الموضوع الذي اختاره، ويفكر إن كان موضوع التنفير من الرذيلة في الأضرار التي تنشأ عنها، ويتوسع في فهم هذه الأضرار، ويستحضر الألفاظ والأساليب التي تخص موضوع خطبته، فإن كان موضوعه مثلًا: التنفير من شرب الخمر؛ يفكر في الأضرار الصحية والمالية والخلقية والاجتماعية، فوق ما أعد الله تعالى من العقاب لشارب الخمر، وإن كان موضوعه دعوة إلى عمل نافع؛ يفكر في آثاره الجليلة ومنافعه الجزيلة في الدنيا، وما أعده الله في الآخرة من النعيم لفاعله.
فإذا أراد الكلام في حث الناس على تكوين جمعية للبر بالفقراء، فكَّر في آثار هذا العمل في نفوس الفقراء وفي معيشتهم وحالتهم الاجتماعية، وفي هذا أيضًا يصرفهم عن التفكير في سلب أموال الناس وإقلاق راحتهم، فتستقر النفوس ويستتب الأمن وتصفو الحياة، ويفكر في الثناء الذي تنطق به الألسن على هؤلاء الخيرين، والذكر للإنسان عمر ثاني، ثم يفكر في أن هذا العمل يجعل الأغنياء والفقراء متحابين، تشيع بينهم المودة والمحبة، متضامنين يشعر كل واحد منهم
стр. 39
بحاجته للآخر، ويتذكر ما أعده الله للمحسنين من جزيل الثواب في الدنيا والآخرة.
وليكن تفكيره في جو من الهدوء وصفاء النفس وطهارة القلب، والنية الصادقة والإخلاص في الدعوة إلى الله، وما أجمل قبل التفكير أن يطهر قلبه ولسانه بقراءة ما تيسر من كتاب الله، ويستلهمه المعونة والتوفيق، وما أحسن إذا وقع في قلبه موضوع ما أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويستخير الله على الكلام في هذا الموضوع، أو عدم الكلام فيه، فالله يعلم والخطيب لا يعلم، والله يقدر والخطيب لا يقدر، فعلى الخطيب أن يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله ﵎ وقوته، وعليه أن لا ينتظر من الناس ثناء ولا شكرًا، ولا يؤمل منهم أجرًا بل أجره على الله رب العالمين.
وبهذا نرى أن هناك أركانًا ثلاثة لا بد للخطيب من رعايتها:
الأول: موضوع الخطبة أي عنوانها.
ثانيًا: المادة العلمية التي تقوم عليها الخطبة.
ثالثًا: صياغتها النهائية.
ولتسهيل الأمر على الخطيب عليه أن يقسم الخطبة إلى عناصر وفقرات مترابطة، ثم يستحضر هذه العناصر ويستحضر في نفسه أساليبها والعبارات التي تؤدي بها.
يقول الإمام أبو زهرة ﵀: "لا شك أن من يريد إلقاء خطبة في موضوع يجمع العناصر أولًا، ثم يرتبها ويضع كل عنصر في موضعه اللائق به، ثم يعبر عن ذلك، وقد تحدث منه تلك الأعمال الثلاثة في أسرع وقت وأقصر زمن، كما يكون في الخطب الارتجالية وفي المجاوبات والمناقشات الخطابية، وقد تحدث منه
стр. 40
هذه الأعمال الثلاثة بعد تروية وإمعان وتفكير وفي زمن طويل، وذلك في الخطب التي تهيأ وتحضر وتعد إعدادًا، ومهما يكن من حال الخطيب والخطبة فتلك الأعمال الثلاثة لا بد أن تكون".
وقد جاء في كتاب (علم الخطابة) للعالم "لويس شيخو": "قال ابن المعتز والشيباني: إن البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوص لحظة القلب في أعماق الفكر، وتتأمل لوجوه العواقب، وتجمع بين ما غاب وما حضر، ثم يعود القلب على ما أعمل الفكر، فيحكم سياق المعاني والأدلة ويحسن تنضيدها، ثم تبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستعمال محاسنها.
قال بعض الحكماء: العلوم الأدبية مطالعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكِّر وبيان مصوِّر ولسان معبِّر، ويسمى العمل الأول: إيجادًا أو اخترعًا، والثاني: التنسيق، والثالث: التعبير، وتلك هي الأركان التي تقوم عليها الخطبة، والعناصر التي تتحد في تكوينها".
ونحن نسميها أركانًا للخطبة جريًا على الغالب، ولكنها في الواقع ليست أركانًا حتمية في كل خطبة، بحيث تكون الخطبة التي تخلو من جزء أو ركن منها مختلة ناقصة، أو لا تستحق أن تسمى خطبة، وإنما هو عمل فني يراد به جعل الخطبة أدنى إلى الدقة والكمال، كما يراد منه مساعدة الخطيب وإرشاده إلى ما يكمل به خطبته، ويرفعها ويجعل السامعين أكثر استفادة منها.
إذًا فهذا التقسيم ما هو إلا تنظيم لأجزاء الخطبة، وإحكام تركيبها وربط بعضها ببعض، ووضع أدلتها في شكل منتِج، حتى يأخذ بعضها بحَجُز بعض، ويجعل الغرض منها واضحًا، إذ لا يذكر المعنى إلا بعد التمهيد له، فيكون قريبًا مألوفًا وواضحًا مكشوفًا، وإذا أخذ به تمام الأخذ -مع التجنب لعيوبه والتحري
следующие страницы →