← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدرس: ٣ عناصر الخطبة .

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (عناصر الخطبة) تركيب الخطبة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: تركيب الخطبة: ف بعض الناس يتصورون أن إلقاء الخطبة عملية سهلة، ويكفي فيها صوت جهير أو رجل جريء، يحفظ القرآن أو بعضًا من أحاديث رسول الله ﷺ ، أو يحفظ مقاطع من النثر أو أبياتًا من الشعر، يستطيع بها أن يفهم المستمعين أنه يجيد الخطبة ويحسن التعبير، ولكن الحقيقة غير ذلك؛ فالخطابة لها شروط، والخطبة ليست عملية سهلة هينة، وليست مجرد كلام يقال دون ترتيب أو تبويب أو تنظيم، ولكنها أمر شاق يحتاج إلى وقت وجهد، كما أن الذين يستمعون لها إنما هم بشر لهم عقول تحكم، ولهم أرواح تحس، ولهم نفوس تتذوق، ولذا يتحتم على الخطيب -حين يريد أن يخطب- الاستعداد والإعداد لهذا الكلام الذي لا بد أن يكون له معنى، وأن يقصد من ورائه إقناع الجمهور واستمالتهم إلى مقولته، ولذا كان عليه أن يتصور هذه الخطبة بوجدانه قبل أن يلقيها، وأن يفكر في عناصرها ويركزها بعقله قبل أن ينطق بحرف منها، وأن يقف على الأدلة والبراهين التي سيوردها خلال إلقائها، ويهيئ ويرتب أسلوبه وبيانه الذي سيحدث به المستمعين. فالخطبة لا بد أن تكون متسلسلة منظمة، وأن تكون واضحة البيان في أسلوبها حتى تقنع المستمع، وتستميله بأدلتها. وإذا لم يكن من إعداد الخطبة بد فكيف يعد الخطيب الخطبة؟ أقول: هب أنني مقبل على حديث مع مسئول كبير لي عنده حاجة، فماذا أفعل؟ إنه عليَّ -والحالة هذه- عدة أمور: الأول: أن أستبين الموضوع الذي سأتكلم به إليه، وأحدد غايتي منه تحديدًا كاملًا.

стр. 38

ثانيًا: أن أرتب مقدمات الحديث وأساليب النقاش، مستعدًا للرد على كل ملاحظة يمكن أن تثار. ثالثًا: أن أكون مرنًا ولبقًا في كل ما يوجه إليَّ من كلمة أو رأي معارض. رابعًا: أن أستعد بالأسلوب الشيق السهل والكلمات ذات المعنى الأكثر تعبيرًا عن الفكرة، وهكذا وعلى ضوء هذا من الممكن أن تعد الخطبة. وعلى الخطيب أن ينظر في ما حوله من الأمور المهمة، والأحداث اليومية التي تشغل الناس في أحاديثهم، وتدور على ألسنتهم ولها آثار بينة بينهم، ثم يتخير من هذه الحوادث أجلها ويجعلها موضوع خطبته ومدار عظته، ثم يستحضر ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة في الموضوع الذي اختاره، ويفكر إن كان موضوع التنفير من الرذيلة في الأضرار التي تنشأ عنها، ويتوسع في فهم هذه الأضرار، ويستحضر الألفاظ والأساليب التي تخص موضوع خطبته، فإن كان موضوعه مثلًا: التنفير من شرب الخمر؛ يفكر في الأضرار الصحية والمالية والخلقية والاجتماعية، فوق ما أعد الله تعالى من العقاب لشارب الخمر، وإن كان موضوعه دعوة إلى عمل نافع؛ يفكر في آثاره الجليلة ومنافعه الجزيلة في الدنيا، وما أعده الله في الآخرة من النعيم لفاعله. فإذا أراد الكلام في حث الناس على تكوين جمعية للبر بالفقراء، فكَّر في آثار هذا العمل في نفوس الفقراء وفي معيشتهم وحالتهم الاجتماعية، وفي هذا أيضًا يصرفهم عن التفكير في سلب أموال الناس وإقلاق راحتهم، فتستقر النفوس ويستتب الأمن وتصفو الحياة، ويفكر في الثناء الذي تنطق به الألسن على هؤلاء الخيرين، والذكر للإنسان عمر ثاني، ثم يفكر في أن هذا العمل يجعل الأغنياء والفقراء متحابين، تشيع بينهم المودة والمحبة، متضامنين يشعر كل واحد منهم

стр. 39

بحاجته للآخر، ويتذكر ما أعده الله للمحسنين من جزيل الثواب في الدنيا والآخرة. وليكن تفكيره في جو من الهدوء وصفاء النفس وطهارة القلب، والنية الصادقة والإخلاص في الدعوة إلى الله، وما أجمل قبل التفكير أن يطهر قلبه ولسانه بقراءة ما تيسر من كتاب الله، ويستلهمه المعونة والتوفيق، وما أحسن إذا وقع في قلبه موضوع ما أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويستخير الله على الكلام في هذا الموضوع، أو عدم الكلام فيه، فالله يعلم والخطيب لا يعلم، والله يقدر والخطيب لا يقدر، فعلى الخطيب أن يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله ﵎ وقوته، وعليه أن لا ينتظر من الناس ثناء ولا شكرًا، ولا يؤمل منهم أجرًا بل أجره على الله رب العالمين. وبهذا نرى أن هناك أركانًا ثلاثة لا بد للخطيب من رعايتها: الأول: موضوع الخطبة أي عنوانها. ثانيًا: المادة العلمية التي تقوم عليها الخطبة. ثالثًا: صياغتها النهائية. ولتسهيل الأمر على الخطيب عليه أن يقسم الخطبة إلى عناصر وفقرات مترابطة، ثم يستحضر هذه العناصر ويستحضر في نفسه أساليبها والعبارات التي تؤدي بها. يقول الإمام أبو زهرة ﵀: "لا شك أن من يريد إلقاء خطبة في موضوع يجمع العناصر أولًا، ثم يرتبها ويضع كل عنصر في موضعه اللائق به، ثم يعبر عن ذلك، وقد تحدث منه تلك الأعمال الثلاثة في أسرع وقت وأقصر زمن، كما يكون في الخطب الارتجالية وفي المجاوبات والمناقشات الخطابية، وقد تحدث منه

стр. 40

هذه الأعمال الثلاثة بعد تروية وإمعان وتفكير وفي زمن طويل، وذلك في الخطب التي تهيأ وتحضر وتعد إعدادًا، ومهما يكن من حال الخطيب والخطبة فتلك الأعمال الثلاثة لا بد أن تكون". وقد جاء في كتاب (علم الخطابة) للعالم "لويس شيخو": "قال ابن المعتز والشيباني: إن البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوص لحظة القلب في أعماق الفكر، وتتأمل لوجوه العواقب، وتجمع بين ما غاب وما حضر، ثم يعود القلب على ما أعمل الفكر، فيحكم سياق المعاني والأدلة ويحسن تنضيدها، ثم تبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستعمال محاسنها. قال بعض الحكماء: العلوم الأدبية مطالعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكِّر وبيان مصوِّر ولسان معبِّر، ويسمى العمل الأول: إيجادًا أو اخترعًا، والثاني: التنسيق، والثالث: التعبير، وتلك هي الأركان التي تقوم عليها الخطبة، والعناصر التي تتحد في تكوينها". ونحن نسميها أركانًا للخطبة جريًا على الغالب، ولكنها في الواقع ليست أركانًا حتمية في كل خطبة، بحيث تكون الخطبة التي تخلو من جزء أو ركن منها مختلة ناقصة، أو لا تستحق أن تسمى خطبة، وإنما هو عمل فني يراد به جعل الخطبة أدنى إلى الدقة والكمال، كما يراد منه مساعدة الخطيب وإرشاده إلى ما يكمل به خطبته، ويرفعها ويجعل السامعين أكثر استفادة منها. إذًا فهذا التقسيم ما هو إلا تنظيم لأجزاء الخطبة، وإحكام تركيبها وربط بعضها ببعض، ووضع أدلتها في شكل منتِج، حتى يأخذ بعضها بحَجُز بعض، ويجعل الغرض منها واضحًا، إذ لا يذكر المعنى إلا بعد التمهيد له، فيكون قريبًا مألوفًا وواضحًا مكشوفًا، وإذا أخذ به تمام الأخذ -مع التجنب لعيوبه والتحري

стр. 41

لمحاسنه- ضمن للمتكلم حسن الإصغاء وكمال الانتباه، وعلى هذا يكون الغرض من الحديث عن أجزاء الخطبة أو تنسيقها أو أركانها هو خروجها كاملة، أو قريبة من الكمال. وهذه الأجزاء أو الأركان -التي سنذكرها- ليست ملزمة للخطيب؛ فقد يرى الخطيب أن الموقف لا يحتاج إلى بعض الأجزاء أو الأركان، فيستغني عنه وإنما نذكرها للاستئناس بها، ولأن الخطب في أغلب الأحيان تشتمل عليها، ويكون كمالها وتنسيقها في تحقيق كل أجزائها. ولقد قسم أرسطو الخطبة إلى أربعة أجزاء: المقدمة، والعرض، والتذليل، والخاتمة. أما المقدمة فهي من الخطبة كالمطلع من القصيدة، كل منهما يمهد لما بعده ويعد السامعين إلى الإصغاء. والمقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرًا بفشله وتفاهة أثره. وكثيرًا ما تتخذ المقدمة وسيلة لأن يسود الصمت بعد هرج حدث إثر خطبة سابقة، أو من جراء مناقشة في موضوع الخطبة قبل سماع الرأي فيها، أو اضطراب لسبب من الأسباب. ولقد تكون المقدمة ضرورية لا يستغني عنها الخطيب، كأن يكون الخطيب مجهولًا لا صلة للسامعين به، فيعتمد على المقدمة لعقد هذه الصلة، أو يكون الموضوع الذي يخطب فيه مجهولًا للسامعين، أو لا يثير اهتمامهم؛ لأنه لا يمس صالحهم. فيعتمد الخطيب على المقدمة لتوضيح أهمية الموضوع وبيان قيمته، حتى يتصل بقلوبهم فيعوا ما يقال عنه، أو يكون الخطيب مبغضًا إلى السامعين لأنه من غير حزبهم، أو لمقالة سوء ذاعت عنه، أو لأنه كان قد حكم فظلم فيلجأ إلى

стр. 42

المقدمة ليخفف من هذه الكراهية ولو مؤقتًا، ويتطلب منهم تناسي الحزازة والحكم البريء. أو تكون الفكرة التي يدعو إليها الخطيب بغيضة إليهم، كأن يدعو إلى تقييد التعليم في جمع من المتعلمين، أو إلى الاشتراكية في جمع من المالكين، أو إلى التحلل من قيود الدين في مجتمع من المتدينين، أو إلى الخضوع لأحكام الدين في جمهور من الماجنين، فيقدم خطبته بكلمة ملطفة لهذه الخصومة، مخففة لما في نفوسهم من عداء سابق لما يدعو إليه؛ إذ يدعو الجمع إلى الخضوع للحق والتجرد من التعصب للهوى ولو فترة من الزمن، وفي غير هذه الأحوال لا حاجة إلى مقدمة. وحتى تكون المقدمة جيدة يشترط لها شروط: الأول: أن تكون متصلة بالموضوع نفسه لتخدمه وتمهد له. ومثال ذلك خطبة أبي بكر ﵁ يوم السقيفة، فقد قدم للموضوع -وهو أن المهاجرين أولى بالخلافة من الأنصار- بهذه المقدمة، قال ﵁: "إن الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه وشهيدًا على أمته؛ ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عندهم شافعة ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه". ثانيًا: أن تكون المقدمة واضحة مناسبة لعقول السامعين، موزونة المعاني دقيقة التعبير؛ لأن السامعين في أول الخطبة أبصر بالنقد وأقرب إلى العناد، حتى إذا بهرهم الخطيب أسلسوا له القياد.

стр. 43

ثالثًا: أن تكون شائقة تجذب السامعين إلى الموضوع، جديدة غير مبتذلة أو مشاعة، صالحة لكل خطبة. جاء في تعريف ابن المقفع للبلاغة: "وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته". وعلق الجاحظ بقوله: "كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناه، ولا يشير إلى مغزاه، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت". ثانيًا: العرض أو الموضوع: وهذا هو الجزء الذي يلي المقدمة مباشرة، وهو يشمل الفكرة أو المبدأ الذي يدعو إليه الخطيب ويشرحه شرحًا وافيًا بإيضاح، مع التدليل عليه وتأكيده بكافة البراهين النقلية والعقلية التي يستطيعها خطيب، ودفعه ما يمكن أن يوجه إلى هذه الفكرة أو المبدأ من انتقادات وطعون. وتتمثل أهمية هذا الجزء في أنه أساس الخطبة أو عمودها الفقري أو كيانها وصلبها، فالأجزاء الأخرى يمكن الاستغناء عنها أحيانًا، أما هذا الجزء فهو الخطبة نفسها وما عداه من أجزاء فهو من أجله، ولخدمته تمهيدًا وانتهاء، ومهمتها هي إنجاح وتثبيت آثاره. ويشترط لجودة ونجاح الموضوع عدة شروط من أهمها: أولًا: الوحدة العضوية أو الموضوعية؛ بأن يدور الكلام في الخطبة كلها حول فكرة واحدة، ويحللها تحليلًا دقيقا ويؤكدها تأكيدًا قويًّا تدليلًا وتفنيدًا.

стр. 44

ثانيًا: ترتيب الكلام ترتيبًا منطقيًّا يبدأ فيه بالأفكار البسيطة السهلة، ثم يتدرج حتى يصل إلى قمة ما يريده، وفي القمة يبدو انفعاله وقوة صوته وقوة عبارته جميعًا. ثالثًا: الوضوح؛ فلا يُسئم السامع بالتعقيد والغموض، فإن ذلك يصرف الأذهان عن متابعة الخطيب. ثالثًا: الخاتمة أو النتيجة، وهي خلاصة ما يتوصل إليه الخطيب من موضوع الخطبة، والخاتمة لها أهمية كبرى من حيث أن لها الأثر الأكبر والأخير في نفوس السامعين؛ لأنها آخر شيء من الخطبة يبقى في آذانهم وأذهانهم، وفيها تتركز مشاعرهم وتتجمع عواطفهم، وكأن الخطيب يقول لهم فيها: هذه آرائي فما رأيكم فيها، وهذه وجهة نظري فما حكمكم عليها؟ وهي التي يتلوها عادة أخذ الأصوات في الخطب البرلمانية تأييدًا للحكومات أو معارضة لها، وإصدار حكم القضاة في الخطبة القضائية إما بالبراءة أو الإدانة، وخشوع السامعين لخطب الوعظ الديني بتأثرهم أو عدمه، وتقدير السامعين للخطيب والمحتفل به في الخطب الحفلية أو عدمه. إذًا فالخاتمة إن كان وقعها حسنًا انسحب ذلك على الخطبة حسنًا، وإن كان وقعها سيئًا انسحب ذلك على الخطبة كلها، وساء الأثر وضاعت الغاية المنشودة والأمل المرجو والأمر المبغي، لذلك يجب أن يكون في الخاتمة من جمال التعبير وحسن الانسجام، وجودة المعنى وإصابة الغرض، ولطف المقطع وإحكامه ما يبقي أحسن الآثار وأحكم الأفكار.

стр. 45

وأمثل المناهج لحسن الخاتمة في خطب الخطباء منهجان هما: أولًا: أن يلخص الخطيب في الخاتمة آراءه السابقة في العرض أو الموضوع. ثانيهما: أن يحاول اجتذاب عواطف السامعين إلى رأيه، وأحيانًا يجمع الخطيب بين المنهجين، فإذا سلك الخطيب المنهج الأول ينبغي أن يلخص آراءه في دقة وإيجاز، مقتصرًا على أهم ما قال وعلى الأصول دون الفروع، ويحسن أن لا يكرر عبارته السابقة، بل يجدد في التعبير حتى يجدد في نشاط السامع، وأن يكون في تلخيصه موجزًا لا مطنبًا. وإذا سلك الخطيب المنهج الآخر يجب أن يكون خبيرًا بأنفس السامعين عارفًا بطرق استمالتهم، فيستعمل في كل خطبة أهم الوسائل التي تتفق وذوق السامعين ونفسيتهم. ويشترط لجودة الخاتمة أن تكون صدى لما استعمله من عرض وتدليل وتفنيد، وأن تكون قوية، ويستحسن أن تكون أقوى جزء في الخطبة كلها؛ لأنها خلاصة موضوع الخطبة، وبقوتها يبقى أثر الموضوع في آذان وأذهان المستمعين، وأن تكون قصيرة ما أمكن، وأن تكون مثيرة للعواطف في الأمر الذي يريده الخطيب. والهدف من جودة الخاتمة أن يتم إقناع السامعين، حتى لا يبقى للنفوس بعده تطلع، وأن تقوى في المستمعين الرغبة في العمل بما أذعنوا له، وهذان الأمران هما: الإقناع والاستمالة، وهما أكبر ما يعول عليه في الخطابة، ويميزها عن غيرها من فنون القول المختلفة.

стр. 46

مصادر الخطبة ينبغي أن يستمد الخطيب عظته ونصحه من النصوص الشرعية والعلوم الكونية والفضائل النفسية. والخطابة الإسلامية الرشيدة هي التي تستمد من القرآن الكريم والسنة المحمدية، والنصوص الصحيحة وتسير في ضوئها. ولنا في هدي النبي ﷺ خير قدوة وأفضل توجيه، فكثيرًا ما كان يخطب بالقرآن الكريم. وفي (صحيح مسلم) عن أم هشام بنت حارثة قالت: ((ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق: ١) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة إذا خطب الناس)) وكان عمر ﵁ يخطب أحيانًا بسورة "النحل". فالقرآن الكريم والسنة الشريفة والنصوص الصحيحة وأقوال السلف الصالح؛ هي المصادر التي ينبغي أن تستمد منها الخطابة الإسلامية، وتلك هي الروافد الدافقة التي تمد الخطابة في الإسلام، وهي الينابيع الصافية التي ينبغي أن يجعلها الخطيب مصدر روائه وغذائه. ولا غرو؛ فمن معاني القرآن الكريم تنفجر ينابيع الخطابة الصحيح، والخطابة المستمدة منه هي وقود النهضة الرشيدة، وضياء أمة تريد أن تستقيم على دربها، إذ إن أسلوبه في خلق الضمير الزكي والفكر الراقي وتقويم السلوك المعوج يكفي ويغني، ويشفي ويهدي للتي هي أقوم، كما قال من أنزله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩). كما أن للقرآن قدرة فذة على قيادة الناس إلى الحق، وعلى استثارة أفكارهم، واستضاءة مشاعرهم، والسمو بهم إلى كل ما هو خير. ولم يكن الوعاظ والمذكرون في صدر الإسلام يذهبون إلى أبعد من الكتاب والسنة في توجيهاتهم

стр. 47

ونصائحهم، وكان عماد الخطبة أو العظة في عصرهم: إما القرآن، وإما السنة، وإما كلام مستمد منهما يدور في فلكهما ولا يتجاوز محيطهما. وعندما نتأمل الخطب المروية لنا عن الخلفاء الراشدين نراها محكومة بتلك المعاني التي أشرنا إليها، وهي خطب فتحت لنفسها طريق الخلود والبقاء، فما زالت قائمة يرجع إليها الدعاة حينا بعد حين؛ ليقتبسوا منها ويأتنسوا بهديها ويأخذوا منها القدوة، بل ويتعلموا منها فنون الكلام. وعلى الخطيب أن يحاول جهده في أن تكون خطبته محكومة بهذا الإطار السابق، ولا مانع من الاستئناس ببعض القصص القصيرة والصحيحة، خاصة للعامة التي تحب هذا النوع من القول وتطير وراء أصحابه، وليكن ذلك بحذر وبقدر. وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة متسع كبير في هذا المجال، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١). أما القرآن الكريم هو أول مصدر يجب على الخطيب أن يستمد منه مادته، فهو كتاب الله ، ختم الله به الكتب، وأنزله على نبي ختم به الأنبياء، بدين عام خالد ختم به الأديان، فهو دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كل تشريع، وأودعه كل نهضة، وناط به كل سعادة، وهو حجة الرسول وآياته الكبرى، يقوم في فم الدنيا شاهدًا برسالته ناطقًا بنبوته، دليلًا على صدقة وأمانته، وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه الدين في عقائده وعباداته وحكمه وأحكامه، وآدابه وأخلاقه، وقصصه ومواعظه، وعلومه ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى، تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها، وتفوق سائر اللغات

стр. 48

العالمية به في أساليبها ومادتها، وهو أولًا وآخرًا القوة المحولة التي غيرت صورة العالم، ونقلت حدود الممالك، وحولت مجرى التاريخ، وأنقذت الإنسانية العاثرة، فكأنما خلقت الوجود خلقًا جديدًا. وما جاء في القرآن الكريم من أساليب الترغيب والترهيب، والتبشير والتحذير، والوعد والوعيد، على الأسلوب البالغ حد الإعجاز، يؤثر في القلوب ويستجيش الوجدان، ويثير العواطف ويأخذ بشكائم النفوس، ويعين على التقنن في أساليب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات، والحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات، حتى إن الخطيب البليغ -الذي يحسن استخدام الآيات- يمكنه أن يدفع بالخطبة الواحدة من الملمات ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك من قلوب الرجال ما لا يملك بالأموال، كما صنع أبو بكر ﵁ في خطبته يوم السقيفة. أما السنة المطهرة فهي أعظم نبع بعد القرآن الكريم، يغترف منه الخطيب غرفًا ويعب منه عبًّا؛ أولًا: ليحيا هو في نفسه بالسنن، وليقيم بيته وأهله وحياته كلها على السنة، فيكون مرآة صافية للناس يرون فيها عيوبهم، ويتعرفون منها على جوانب النقص فيهم، فيقوِّمون العيوب ويستدركون النقص بمحاكاة الإمام والخطيب والاقتداء به. وثانيًا: ليحفظ الكثير من أحاديث رسول الله ﷺ وهديه في سننه، فيضمه إلى محفوظاته من القرآن الكريم ليستشهد بها في موضوعه، ويدلل بها على صحة فكرته، فهذا أدعى إلى الإذعان وأقوى في التسليم والانقياد، وأنصح للخطيب بعد أن يحفظ كتاب الله حفظًا جيدًا أن يهتم بحفظ كتاب (رياض الصالحين)؛

стр. 49

فإن هذا الكتاب المبارك بفضل الله قد أحسن الإمام النووي ﵀ في ترتيبه، على الأبواب التي نحن كخطباء نتعايش معها، ونعيشها دائمًا في كل خطبة وفي كل موعظة. ومن شأن الإمام في ذلك الكتاب أنه يصدر الموضوع بالآيات المناسبة من القرآن، ثم يعقب عليها بالأحاديث الصحيحة، فإذا حفظ الخطيب القرآن الكريم، ثم حفظ هذا الكتاب المبارك (رياض الصالحين) كان معه ذخيرة حية قوية كثيرة من القرآن الكريم، ومِن أحاديث النبي ﵊ فما عليه في أي خطبة أو في أي موعظة إلا أن يرتب الآية بعد الآية والحديث بعد الحديث، ويصل بين الآية والحديث بكلمة أو كلمات، وإذا به قد خرج بأثر كثير في قلوب الناس؛ لأنه لم يخرج منه إلا قال الله، قال رسول الله، وكلام الله كله بركة ورحمة وكلام رسول الله كله بركة ورحمة، وكلام الله كله نور وكلام رسول الله ﷺ كله نور، ألا ليت شعري متى يعلم الخطباء أن زمان الإنشاء قد انتهى، وأنه يجب علينا أن نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ . كذلك يستمد الخطيب خطبته من دراسة السيرة والتاريخ، وأقصد بالسيرة: أولًا: سيرة النبي ﷺ ودراسة كل ما يتصل بحياته ﷺ ونشأته وبعثته، ودراسة دعوته ومراحلها المختلفة، وأساليبه في الدعوة ومنهجه في الدعوة والتربية والتعليم، وجهاده في سبيل نشر الدين الذي بعثه الله به، وأخبار هجرته وغزواته ومعاركه، إلى غير ذلك مما يتصل بحياته ﷺ من ميلاده إلى وفاته، والاستفادة من ذلك، والسير بالدعوة والتحرك بهذا الدين في ضوء هذه السيرة. ومن عاش مع هذه السيرة العطرة دراسة وتأملًا واتعظ واعتبر واتبع واقتدى؛ أعانته على طاعة الله الطاعة المثلى، وأرشدته إلى الكمال الإنساني في أوج

стр. 50

صوره وأبهى حلله، وحسنت أخلاق دارسها، وورثت قلبه الطمأنينة إلى الله، والثقة في منهجه، وأعانته على فهم وتذوق روح ومقاصد كتاب الله ، واستشعر حلاوة الإيمان ولذة اليقين، وأمدته بقوة البيان الذي يؤثر به في العقول والقلوب، والحجج الساطعة والأمثلة البليغة، التي تعين الخطيب على إثبات ما يريد إثباته من حقائق الإسلام الحنيف. ثانيًا: سيرة السلف الصالح رأس الأولياء وصفوة الأتقياء، وقدوة المؤمنين وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين، جمعوا بين العلم بما جاء به رسول الله ﷺ وبين الجهاد بين يديه، شرفهم الله بمشاهدة خاتم أنبيائه ﷺ وصحبته في السراء والضراء، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله ، حتى صاروا خيرة الخيرة وأفضل القرون بشهادة المعصوم ﷺ فهم خير الأمم سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم، هم الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية وأطفئوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف المشركة عربية وعجمية، وأوصلوا دين الإسلام إلى أطراف المعمورة شرقها وغربها ويمينها وشمالها، فاتسعت رقعة الإسلام وطبقت الأرض شرائع الإيمان، وانقطعت علائق الكفر وانفصمت أوصاله، ودان بدين الله سبحانه الأسود والأحمر والوثني والملي. أولئك قوم شيد الله فخرهم ... فما فوقه فخر وإن عظم الفخر سلام من الرحمن نحو جنابهم ... فإن سلامي لا يليق ببابهم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن الله تعالى اطلع في قلوب العباد فاختار محمدًا ﷺ فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب العباد بعد فاختار له أصحابًا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه". فعلى الخطيب أن يعنى بدراسة سيرة الصحابة والتابعين، بعد سيرة سيد المرسلين ﷺ .

стр. 51

وعلى الخطيب أن يحذر كل الحذر من الإسرائيليات، وهذه هي أهم وصية نوصي الخطيب بها، أن يكون عماد درسه أو خطبته القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف الصالح، وعدم الجري وراء القصص المملة والإسرائيليات الموضوعة؛ فإن ذلك موضوع نقد شديد وشكوى كثيرة من الجمهور للخطيب. ثم إنه ينبغي أن لا يغفل جانب الخطورة التي تعود على المسلمين من رواية الإسرائيليات؛ نظرًا لما تحويه من أباطيل وخرافات، نسب بعضها إلى الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وذلك من حيث إنها تفضي إلى الآتي: أولًا: إن هذه الإسرائيليات تظهر الإسلام بمظهر الدين الذي يهتم بالترهات والأساطير، والأباطيل التي لا أصل لها، كما أنها تظهره في صورة دين خرافي يعشق الخرافات ويطير وراءها، ويعنى بأوهام من صنع الخيال. ثانيًا: إن رواية مثل هذه الإسرائيليات تكاد تصرف الناس عن ما هو أهم في دينهم ودنياهم، وتشغلهم بالتوافه والصغائر عن البحث في الأحكام والتفاصيل المهمة، وعن التدبر في آيات القرآن والانتفاع بعبره وعظاته وقصصه الحق، مع أن شغل الناس بمثل هذه الأمور مضيعة للوقت، فيما لا فائدة من معرفته، وما يعتبر البحث عنه عبثًا محضًا. ثالثًا: أنها تعطي معلومات عن الكون ونظامه وسننه التي يسير عليها، ذلك أن كل ما خلقه الله تعالى قائم على سنن وقوانين شرعها الله تعالى، وجعلها نظامه الذي لا محيص عنه ولا خروج على حدوده، لكن نظرة في ما يرويه بعض المفسرين والواعظين تخيل للشخص أن هناك أمورًا تجري هكذا دون ما سبب أو ما مسبب، كيف والله يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) ويقول: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢). رابعًا: إن مثل هذه الروايات لا تذكر هكذا وإنما تنسب إلى بعض الصحابة والتابعين، الأمر الذي يسيء إلى سمعة صحابة أجلاء وتابعين كرام ويهز الثقة فيهم.

стр. 52

كما أن على الخطيب أن يجتنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة. يقول العلامة الألباني ﵀: "من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى: انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم، لا أستثني أحدا منهم ولو كانوا علماءهم، إلا من شاء الله منهم من أئمة الحديث ونقادهم؛ كالبخاري وأحمد وابن معين وأبي حاتم الرازي وغيرهم، وقد أدى انتشارها إلى مفاسد كثيرة؛ منها ما هو من الأمور الاعتقادية الغيبية ومنها ما هو من الأمور التشريعية". فعلى الخطيب أن يبذل جهده ما استطاع في تحقيق الأحاديث التي سيوردها في خطبته، حتى يخرج من عموم قول النبي ﵊: ((إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). الأسلوب الخطابي التعبير الخطابي أو الأسلوب الخطابي: أسلوب الخطبة وأسلوب المقال يتدرج العمل الفني في ثلاثة أدوار: الإيجاد، والتنسيق، والتعبير، والمراد بالإيجاد التفكير لاستنباط المعاني، والمراد بالتنسيق تنظيم المعاني وترتيبها، أما التعبير فهو إبراز هذه المعاني بأسلوب ملائم لها وللسامعين وللمتكلم، أسلوب ملائم لها لأن الموضوعات تختلف؛ فالخطبة الحربية تلائمها الكلمات القوية الحماسية والصور الخيالية، والخطبة القضائية يلائمها الأسلوب المتزن، وخطبة التأبين يشاكلها الأسلوب المتفجع وهكذا. وملائم للسامعين فيتأنق الخطيب في خطبته للخاصة، ويعدل إلى السذاجة مع العامة، ويطنب في الجمع المستكثر المستزيد، ويوجز في الجمع المؤثر للإقلال وهكذا، وملائم لحال الخطيب نفسه من فرح أو أسى ومن غضب أو رضا ومن انتقام أو رحمة.

стр. 53

والكتابة والخطابة تشتركان في الإجادة والتنسيق ولكنهما تختلفان في التعبير؛ لأن تعبير الخطيب خاضع لذوقه، وما يدعو إليه المقام من تقصير الجمل أو تطويلها، ومن تكرار أو إيماء، وانتقاء للألفاظ الخفيفة على السمع، أو التحليق في سماء الخيال حينًا، وإيثار النكتة حينًا آخر، مع الإشارة والحركة ونبرة الصوت ونفوذ الخطيب، وغيرها مما يتطلبه فن الخطابة، ثم لا بد في أسلوب الخطبة من الوضوح والسهولة. أما تعبير الكاتب ففيه ترو وتأنق وتصعيب أحيانًا؛ لأن للقراء فسحة من الوقت يفكرون فيها في معنى ما استغلق، ويكررون تلاوته، فلا ضير أن يصعب الكاتب ويعلل ويحلل، أما الخطيب فإنه يقذف بكلماته، فيتلقاها الجمع في سرعة لا تيسر له مراجعتها أو التوقف لتفهمها؛ لأنه مضطر إلى متابعة الخطيب وتلقف ما يقول، فإذا توقف للتفهم انقطعت صلته بالخطيب فضاعت قيمة الخطبة. وكثيرًا ما ينزل التعبير الخطابي عن مكانة التعبير الكتابي في جودة المبنى ودقة المعنى، ولكنه يستعيض عن هذا النزول مؤثرات أخر؛ مِن فصاحة النطق، وجهارة الصوت، وإجادة الأداء، وروعة الموقف، ولهذا فإن بعض الخطب مسموعة ذات أثر قوي عميق في نفوس سامعيها، ولكنها مقروءة لا شيء من الامتياز فيها. والكلمات هي اللبنات التي يبني منها الأديب عمله الفني، فهي كالدهان في رسم الرسام، واللآلئ في أنامل اللآء، والأحجار في يد البناء، والصخور في محفر النحات، والأديب يستطيع بمواهبه وسعة حيلته أن يصنع منها صورًا عدة، تمثل العواطف المختلفة تمثيلًا كاملًا، وذلك برصفها وتأليفها في أسلوب خاص، فإن المفردات التي لا ينتظمها أسلوب لا أثر لها في النفس، وإنما يبين أثرها إذا ما صيغت لتصور عاطفة أو تعبر عن فكرة. والخطيب والأديب عامة يتخير الألفاظ المعبرة عن عاطفته، وينتظمها في نسق ملائم للمقام. وللأسلوب في الخطبة قيمته وأهميته، فليست البلاغة أن تفهم المعنى فحسب، وإلا لتساوت الركاكة والتعبير والإشارة والجيد والرديء والعامي والفصيح،

стр. 54

وإنما البلاغة رتبة فوق إفهام المعنى، رتبة سمكها الامتياز في التعبير ومطابقته للحال، وأن يضفي الخطيب من أسلوبه على معانيه حلة من نور؛ ليتسنى للسامعين أن يتملوا معه جمال روائه وبراعة خياله. لكن النقاد قد اختلفوا منذ زمن بعيد في الأصل الذي يرجع إليه جمال الأدب وجلاله، أهو الأسلوب أم المعنى أم هما معًا؟ والحق أن اللفظ والمعنى معًا عنصران من عناصر الأدب، وإنما نقول: عنصرين؛ لأن للنص الأدبي عناصر أخر لم يعرض لها القدماء، ولها في النقد الحديث تقدير وذيوع، وأهمها: العاطفة والخيال ومقوماته لا ينفرد أحدها بالسبق والامتياز، فلكل منها قيمة في جمال النص الأدبي وجلاله، فمن التعسف أن يتحاكم بعض النقاد إلى اللفظ وحده وبعضهم إلى المعنى وحده. فإن تأثرنا بالنص الأدبي لا ينشأ عن ألفاظ من حيث إنها أصوات مسموعة، وحروف مفردة، وكلمات مجردة تتوالى في النطق، وإنما ينشأ عن ما بين المعاني والألفاظ من الاتساق العجيب في لباقة اللفظ بتأدية المعنى، وملاءمة معنى الكلمة للمعنى التي تسبقها والتي تلحقها، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال. وإذًا فإن الصواب في النظر إلى الأسلوب والمعنى على أنهما وحدة لا تتجزأ؛ لأن سر البلاغة يرجع إلى روعة المعنى وسموه وتأثيره وطرافته، وإلى جزالة اللفظ وقوته أو رقته وفصاحته، فليس النص معنى منفصلًا عن اللفظ وليس لفظًا منفصلًا عن المعنى، بل هو مزيج من عناصر عدة؛ مزيج من الفكرة والعاطفة والخيال والتعبير، وليس من المستطاع فصل التعبير عن المعنى أو قطع المعنى عن التعبير؛ لأن النص الأدبي وليد اجتماعهما، كما يتحد الأكسجين والهيدروجين بنسبة ١:٢ فيستحيلان إلى ماء، وللماء خواص غير خواص كل منهما منفردًا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 55

الدرس: ٤ محتويات الخطبة .

стр. 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (محتويات الخطبة) افتتاح الخطبة إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: فإذا أراد الخطيب أن يجعل لخطبته افتتاحًا وجب أن يعنى به تمام العناية، وأن يجمله بكل وسائل التجميل المناسبة التي تجتذب الأفكار إليه، وتهيئ الأسماع له وتجعل النفوس تتقبله بقبول حسن، فإن الفكرة الأولى عن شيء أو عن أمر أو عن شخص تثبت وتقر بالنفس، ومحوها يحتاج إلى عناء شديد، فإن كانت حسنة صعب تهجينها، وإن كانت سيئة صعب تزيينها، والافتتاح هو أول ما يلقى الخطيب به الجماعة، فإن وقع من نفوسهم القبول كانت الخطبة غالبًا على غراره، واستطاع أن يصل إلى قلوبهم، وإن لم يصادف قبولًا صعبت الحال واحتاج الأمر إلى خبير بأحوال النفوس حاذق في طرق العلاج، ووسائل الشفاء من ذلك النفار وهذا الشماس. قال ابن الأثير في كتاب (المثل السائر): "وإنما خصت الابتداءات بالاختيار؛ لأنها أول ما يطرق السامع من الكلام، فإذا كان ذلك الابتداء لائقًا بالمعنى الوارد بعده، توافرت الدعاوي على استماعه، ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في أول سورة "الحج": ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١). فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وللخطباء مذاهب شتى في افتتاحهم، ولا نستطيع حصر طرقها؛ لأن أفضل مناهجها مرجعه إلى حسن تصرف الخطيب وجودة تقديره، ولكننا نذكر بعضها على سبيل المثال لا على طريق الحصر، فمن الخطباء من يفتتح خطبته بما يشير إلى موضوعها، ويلوح بالقصد

стр. 57

منها، وقد كان يستحسن ذلك الجاحظ، وابن المقفع، فقد جاء في (البيان والتبيين) نقلًا عن المقفع وتعليقًا عليه: "وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، فكأنه يقول فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة المواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناه، ولا يشير إلى مغزاه، وإلى العمود الذي بسطت إليه والغرض الذي نزعت إليه". ومن أبلغ الافتتاحات التي تشير إلى موضوع الخطبة افتتاح الإمام علي ﵁ في خطبته بعد اختلاف الحكمين، واستنصار معاوية بقول حكم عمرو بن العاص، فقد قال علي ﵁: "الحمد الله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وآله- أما بعد؛ فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحيرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونقلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر، فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن: أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ... فلم تستبين النصح إلا ضحى الغدِ ومن الخطباء من يبتدئ خطبته بحكمة أو مثل سائر أو ببعض أقوال المتقدمين أو بآية كريمة أو حديث شريف يناسب المقام، فيكون حجة في الاستدلال كخطيب يبتدئ خطبته في تعاون الجماعة في إصلاح حالها، وتقويم الفاسد من أمرها، فيبدأ بقول الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).

стр. 58

ومن الخطباء من يبتدئ خطبته بذكر كلام خصومه، ودلائلهم والدوافع التي دفعتهم إلى رأيهم ثم يعقب بالنقض كما يكون في الخطب السياسية، وخطب الخصوم في مجالس القضاء ومحال الخلاف، ومن الخطباء من يفاجأ السامعين في مفتتح كلامه بما يزعجهم كما كان يفعل حجاج في ابتداء خطبه. ومن الخطباء من يفتتح خطبته ببيان أنه من الجماعة التي يخاطبها، وأنه في مستواها ليقربها إليه، ويكون لكلامه فضل تأثير فيها، ومن الخطباء من يفتتح خطبته بإحياء آراء قديمة للجماعة ليبني عليها ما يدعوه إليه من جديد كما فعل النبي ﷺ عندما أنذر عشيرته الأقربين حيث سألهم عن صدق حديثه فقال: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي)) فقالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا، فألقى ﵊ خطبته. وقد يحيى الخطيب بافتتاحه كلامًا قد قاله؛ ليربط ما بين ما قاله أولًا، وما يقوله الآن فيكون ذلك إيناسًا للمعلومات وتوثيقًا لها، وقد يبتدئ الخطيب خطبته بالثناء على السامعين ليهيئ نفوسهم لتلقى كلامه بالقبول؛ إذ لا شيء يهز أعطاف السامعين كالثناء عليهم، وذلك باب واسع يصح الدخول فيه بشرط الاتزان وضبط النفس. والخطب الدينية يستحسن فيها أن تبدأ بالحمد لله، وببعض الأحاديث النبوية الشريفة أو الآيات القرآنية التي تناسب المقام الديني الذي يتكلم فيه، ولقد كان النبي ﷺ يستفتح خطبته في كل المناسبات بما عرف بخطبة الحاجة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل

стр. 59

فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله يا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١). أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)). هذه الخطبة لما سمعها ضماد حين أتى النبي ﷺ قال بعد ما سمعها: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ثلاث مرات؛ فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايع رسول الله ﷺ على الإسلام. فهذه الخطبة التي تعرف بخطبة الحاجة هي أحسن ما يفتتح الخطيب به خطبته، ولأهميتها جمعها محدث العصر العلامة الألباني في رسالة خاصة، وذكر في مقدمتها أنه جمعها حتى يذيعها بين الخطباء والوعاظ والمدرسين؛ ليعملوا بها وليحيوا تلك السنة فيكون لهم أجرها كما قال ﵊: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى) أن الخطباء من العصور الأولى كانوا يفتتحون خطبهم ودروسهم ومواعظهم بهذه الخطبة تأسيًا

стр. 60

بالنبي ﷺ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، فعلينا نحن الخطباء أن نحرص على إحياء هذه السنة أن نفتتح خطبنا بخطبة الحاجة؛ تأسيًا برسول الله ﷺ كما أمرنا رب العالمين؛ حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١). الغرض من الخطبة إن الخطبة الدينية -كما سبق بيانه- وسيلة من أهم وسائل الدعوة إلى الله والدعوة إلى الله تعالى تعني الدعوة إلى الدخول في الدين الذي ارتضاه وهو الإسلام كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥). ومن خصائص الإسلام الشمول، فالإسلام عقيدة وعبادة، وأخلاق ومعاملة عرف الناس بفاطرهم وبارئهم وأسمائه وصفاته، وعرفهم ما لله عليهم والطريقة التي توصلهم إليه، وما لهم إذا سلكوها ومالهم إذا حادوا عنها، كما شرع الإسلام شرائع تشمل كل نواحي الحياة من حيث السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، ونظم العلاقات بين جميع الأفراد العلاقات الأسرية والعائلية والاجتماعية، والدولية، وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بقبول كل ما شرع لهم، والدخول في الدين كافة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: ٢٠٨). قال جماعة من السلف: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي: ادخلوا في الإسلام جميعه وكله، ولا تتركوا منه شيئًا، واقبلوا كل ما شرع لكم من العقيدة

стр. 61

والعبادة، والأخلاق والمعاملات، والجهاد والاتصال والسياسة والاجتماع، وغير ذلك من كل ما شرع الله ﵎ لكم، ولقد أنكر الله تعالى على الذين فرقوا دينه، وقبلوا بعضه ورفضوا بعضه، فقال : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٨٥). فهذه هي حقيقة الدين، والخطبة إنما هي دعوتهم إلى الدين فستكون إذًا متنوعة بحسب ما يقتضيه المقام، فتارة يتكلم الخطيب في العقيدة فيبين لهم أركان الإسلام والإيمان، ويبين لهم أن التوحيد حق الله على العبيد، وأن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وتارة يتكلم عن العبادات، وأحكامها من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج ويراعي الأوقات المناسبة لكل منها، وتارة يتكلم في النكاح، ويبين لجمهوره أهم ما يحتاجون إليه من فقه النكاح، وتارة يتكلم في البيوع، وما يحتاج الناس إلى معرفته من أحكامها، وتارة يتكلم عن الإحسان إلى أفراد المجتمع من الوالدين والأقربين، والجيران واليتامى والمساكين، وهكذا تتنوع الخطب، وتتعدد أغراضها وفق الموضوع الذي يختاره الخطيب، وهكذا كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يفعلون. يقول ابن القيم ﵀: "كان ﷺ يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها، وكان يعلمه أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، وكان يأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي كما الداخل أن يخطب أن يصلي ركعتين". يقول الدكتور صالح بن حميد: "وخطب الجمعة المنبرية خطب أسبوعية دورية تتخذ أغراض عدة، وترمي إلى مقاصد متنوعة يشير في هذا التعريف إلى نماذج

стр. 62

منها إذ من المعلوم أن هذه المقاصد والأغراض تتجدد، وتتنوع حسب حاجات الناس، وتغير الأحوال وتقلب الظروف، ودواعي التذكير من هذه الأغراض: تثبيت العقيدة، وتقوية الإيمان. ثانيًا: الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه، وبيان مزاياه. ثالثًا: خطب الإصلاح، ومحاربة المنكرات. رابعًا: خطب ذات موضوع خاص أو مسألة مفردة من مسائل الإسلام كالصلاة والصوم وحقوق الوالدين والجوار وحرمة الزنا والخمر والسرقة، ونحو ذلك مما نقصده التذكير والوعظ والتعليم ونحو ذلك. خامسًا: معالجة القضايا المستجدة بنظرة شرعية دقيقة. وكذلك كانت خطب النبي ﷺ يقول ابن القيم ﵀: "كان خطبته ﷺ تقريرًا لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولقائه وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملئ القلوب بالخطبة إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه لا كخطب غيره إنما تفيد أمور مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به". ثم يقول ﵀: "ومن تأمل خطب النبي ﷺ وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ وأصول الإيمان الكلية،

стр. 63

والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛ فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببه إليهم، فينصرفون السامعون، وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوم تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سنن لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها". فمما حفظ من خطبه ﷺ أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن، وسورة "ق"، قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ((ما حفظت "ق" إلا من في رسول الله ﷺ مما يخطب بها على المنبر)). فعلى الخطيب أن يحسن اختيار موضوعه، وأن يحدد الهدف منه والأغراض التي يريد أن يخرج بها هو وجمهوره من هذه الخطبة. تقسيم الخطبة، وترتيب أفكارها كل خطبة تتكون من عناصر أيًّا كانت قليلة أو كثيرة، وهذه العناصر ينبغي أن تكون مسلسلة تسلسلًا منطقيًّا، مقبولًا كل عنصرًا يسلم للذي يليه كتسلسل درج السلم، فيبدأ الخطيب بمقدمة ثم يعرض الموضوع شرحًا وتفصيلًا، ثم استدلال عقليًّا ونقليًّا ثم نتيجة أو خاتمة، وكل جزء من هذه الأجزاء مبنيًا على ما قبله، فالمقدمة تلفت انتباه السامع إلى موضوع الخطبة، وعرض الموضوع وشرحه يوحي بأهميته وضرورته، والأدلة النقلية والعقلية تقنع المستمع وتحفزه إلى موضوع الخطبة، وتحرضه على العمل والالتزام به.

стр. 64

ثم بعد ذلك تكون النتيجة فيها تلخيصًا للموضوع واستخلاصًا للعبرة والدروس المستفادة منه وإلزام للمستمع بما في الخطبة بعدما ما اقتنع به، وميزة هذه الطريقة في تقسيم الموضوع وتسلسل أفكاره وعناصره أن الناس إن عجزوا عن استيعاب التفصيلات الجزئية، فلم يعجزوا عن استيعاب العناصر الأساسية التي يعرضها الخطيب في خطبته مقسمة مسلسلة تسلسلًا منطقيًّا، وبإمكان كل فرد من المستمعين أن يفسرها لنفسه تفسيرًا مقبولًا، وبهذا يظل الموضوع حيًّا واضحًا للأذهان باقيًا ببقاء القرينة، وهي التقسيم والتسلسل المنطقي. ومن المعلوم أن عناصر الخطبة ليست كلها سواء في الأهمية؛ فمنها ما هو حتمي وضروري، ومنها ما هو تكميلي فعلى الخطيب أن يختار العناصر ذات الأهمية لموضوعه وأن يلح عليها بالشرح والأمثلة، بينما لا يفعل ذلك بالأجزاء الأخرى التي هي دون تلك في الأهمية، وكل ذلك يتوقف على تقسيم الخطبة وتركيبها، وترتيب أقسامها حتى إذا انتهى الخطيب من خطبته يكون المستمعون قد أدركوا الهدف الذي يرمي إليه الخطيب، وإليك هذا المثال: لو قلنا: أراد خطيب أن يدعو إلى التبرع لبناء ملجأ خيري يأوي الأيتام والفقراء، فكيف يوجه الخطيب خطبته؟ وكيف يعرض موضوعه؟ أقول: أولًا يجب عليه أن يأتي بمقدمة وجيزة تبين أن الإسلام دين التعاون، وأن المسلمين أمة واحدة يجمعهم شعور الإخاء ويؤذيهم أن يكون بينهم جائع أو عارٍ أو محتاج، وأن الدين الإسلامي يأمرهم بتحاشي وجود شيء من ذلك بينهم، ثانيًا ينتقل بعد هذا إلى التعريف بحال الملجأ الذي يدعوا لبنائه وإقامته، ويصف ما يقدمه هذا الملجأ للأيتام والفقراء الذين يؤون إليه،

стр. 65

ثم ينتقل من هذا إلى دعوتهم إلى التبرع، وهذا هو النتيجة ثم يعينه في هذا أمور كثيرة تتوقف على مهارته وثقافته، وعمق تفكيره، كأن يقول أن هؤلاء المساكين قد ينشأ الملجأ منهم نفوسًا صالحة وأشخاصًا نافعين لمجتمعهم، وإذا لم يعنهم الملجأ كانوا جراثيم فساد وكانوا ضررًا على الناس من هؤلاء من أخنى عليهم الدهر، وكانوا قبل ذلك أبناء تجار أثرياء أو زراع موسرين أو عباد صالحين، إن أي واحد من السامعين مهما كان ثريًّا أو صحيحًا لا يأمن أن يصير أولاده إلى هذا المصير، وقد يلح على ذويه المرض والفقر أو يطرأ عليهم سوء السلوك المدمر، فكما يود أن يجد من يعين أولاده عليه أن يساعد هؤلاء. هذه النقطة الأخيرة هي قمة الخطبة، والتي ينبغي أن يتخير لها العبارات المثيرة، وفيها يعلو صوته ويبدو انفعاله وأسفه وحزنه، وهو بهذا قد سار في خطبته سيرًا مرتبًا انتقل فيه من عنصر إلى آخر انتقالًا طبيعيًّا. ولكن كيف يتذكر الخطيب عناصر موضوعه؛ ليكون متسلسلًا؟ أقول لكل خطيب: هناك طريقتان تستطيع من خلالهما تذكر الأشياء: أولًا: بواسطة دافعًا خارجي. وثانيًا: بربط الشيء بشيء موجود في الذهن من قبل. ويعني ذلك بالنسبة للخطب أن باستطاعتك كخطيب أن تتذكر نقاطها بمساعدة دافع خارجي كالملاحظات لكن من يرغب في أن يرى خطيب يستخدم ملاحظات، ثم بإمكانك أن تتذكر نقاطها بربطها بشيء موجود في ذهنك، ويجب أن تنتظم في تسلسل منطقي بحيث تؤدي النقطة الأولى إلى النقطة الثانية إلى الثالثة بشكل طبيعي.

стр. 66

ولكن لنفترض أن خطيب ما وجد نفسه فجأة خالي الذهن، وبدأ يحدق النظر إلى مستمعيه صامتًا وعاجزًا عن الاستمرار، إنه لموقف مرعب، إن كبرياءه يمنعه من الجلوس بارتكاب وخيبة أمل، هو يشعر أنه قادر على التفكير بالنقطة التالية أو بنقطة ما لو أن لديه مهلة عشرة أو خمسة عشر ثانية، لكن خمسة عشر ثانية من الصمت القلق أمام الجمهور لهو أقل بقليل من كارثة، فما الذي يجب القيام به حينئذٍ؟! نقول: عندما وجد أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي نفسه في موقف مماثل من هذا سأل المستمعين بوضوح في مؤخرة الغرفة عما إذا كان صوته مرتفعًا يبلغهم أو لا، وقد كان يعلم أن صوته يبلغهم ولم يكن يبحث عن معلومات بل كان يسعى إلى كسب الوقت وخلال هذا التوقف الضئيل التقط الفكرة وتابع خطابه. لكن ربما يكون أفضل منقذ في مثل هذا المأزق الذهني هو استخدام آخر كلمة أو عبارة أو فكرة في جملتك الأخيرة من أجل البدء بجملة جديدة، فهذا سيولد سلسلة لا متناهية تخيل أن خطيبًا يتحدث عن النجاح في العمل يجد نفسه في مأزق بسبب قوله، إن المستخدم العادي لا يتطور؛ لأنه لا يهتم جديًّا بعمله ولا يتميز بروح المبادرة ربما ليست لديك فكرة عما تقوله أو كيف تنهي الجملة، ولكن مع ذلك ابدأ فالتظاهر الهزيل أفضل من الإخفاق التام، إن روح المبادرة تعني الإبداع والقيام بشيء من تلقاء ذاتك من دون أن تنتظر ليطلب ذلك منك، وهذه ليست ملاحظة مدهشة، ولن تجعل من الخطاب خطابًا تاريخيًّا لكن أليست أفضل من الصمت المؤلم، فماذا كانت آخر فقرة لها تنتظم ليطلب ذلك منك لنبدأ جملة جديدة بهذه الفكرة، إن الطلب المستمر من المستخدمين الذين

стр. 67

يرفضون التفكير المبدع، وإرشادهم وقيادتهم لهو أكثر الأمور مدعاة للسخط حسنًا لنعالج هذا الموضوع، ولنغص ثانية يجب أن نقول الآن شيئًا عن الخيال، فالخيال المطلوب أي الرؤية. هذه الطريقة لتسلسل أفكار الخطبة طريقة مهمة عندما يتذكر الخطيب هذه الجمل البسيطة يجب عليه في الوقت ذاته أن يفكر جيدًا بالنقطة الثانية في خطابه والشيء الذي ينوي قوله. ومن أهم الأمور التي تمكن الخطيب من النفوذ إلى عقل المستمع وعاطفته مقنعًا ومستنيرًا أن يكون واقعيًّا في خطبته، وذلك بأن تنسجم الخطبة مع الواقع الذي يعيشه الناس وذلك بالحديث في أمراض المجتمع وعلله التي يئن منها في حياته. فإذًا إذا أحسن الخطيب اختيار الموضوع المناسب للبيئة التي يعيش فيها، فما عليه إلا أن يهتم بترتيب الخطبة وتقسيمها، فالخطبة تشارك مجمل فنون القول كالمحاضرة والندوة، وغيرها في أنها تشتمل على ثلاثة عناصر هي: المقدمة، وجوهر الموضوع، والخاتمة، ولنفصل القول في هذه العناصر الثلاثة. أما المقدمة: فقد قلنا إنها أول شيء يصل إلى أسماع الحاضرين من خطيبهم، وذكرنا الشروط التي يجب توفرها حتى تكون مهمة تجذب أسماع الحاضرين، ثم على الخطيب بعد المقدمة أن يركز على موضوعه الذي يريد أن يدخل فيه بعد الافتتاح المشوق، والمقدمة المهمة يبدأ مثلًا في ذكر الموضوع الذي سيتحدث عنه، فإذا رأى أن يربط الموضوع بحمد الله والثناء عليه، فله ذلك وإذا رأى أن يبدأ بأسئلة التشويق للسامعين فله ذلك، وإذا رأى أن يبدأ حديثه بذكر خطورة الموضوع الذي سيعالجه في خطبته، فإذا كان مثلًا سيتحدث عن التدخين ومضاره، فيقول حديثي إليكم اليوم عن قاتل خطير قتل خلال عام واحد خمسة

стр. 68

ملايين من البشر، وفوق ذلك أنه سارق كبير سرق أكثر من ستمائة وستين مليون ريال، وضحاياه بنسبة ثمانية وثلاثين في المائة من النساء هل تعلمون ما هو؟! هذا سؤال تشويق، ثم يجيب إنه الدخان، إنه السجائر، وغير ذلك. وقد يختار أن يبدأ بذكر قصة مشوقة تجذب السامعين إليه، وتربطهم به وقد تكون القصة خيالية أو واقعية، والمهم فيها العبرة والفائدة في موضوع أهمية الوقاية من المنكرات مثلًا يقول الخطيب: "لدي اليوم قصة عجيبة وحادثة غريبة لرجل سرق منزله، فإذا به يخلع حديد النوافذ ثم سرق مرة أخرى وكانت المسروقات هذه المرة أكثر وأغلى، وبعد ذلك عمد إلى فتح الأبواب وعدم إغلاقها حتى أصبح منزله مغري بالسرقة لكل غادٍ ورائح، والمتوقع ممن يسرق أن يزيد في الاحتياط ويشدد في إحكام سد المنافذ، ومن هنا فإننا نحكم على هذا الرجل بأنه أحمق أو مجنون، ولكن حال كثير منا مع المعاصي والمنكرات التي تسرق من إيماننا يشبه حال هذا الرجل، فنحن كلما وقعنا في معصية تساهلنا بعد ذلك فيما هو أكبر منها، ولعل إدخال الفضائيات الماجنة إلى البيوت يصور تمامًا بيتًا بلا إقفال، ولا أبواب، ولا نوافذ". وقد يستخدم الخطيب أسلوب الإغراب بإيراد بعض الغرائب والفرائض بأسلوب لفظي جميل يعطي أثرًا قويًّا في شد الانتباه، وربط السامعين؛ لأن النفوس تتعلق بكشف الغموض ومعرفة الغريب، ومن أمثلة ذلك أن يقول مثلًا وهو يتحدث عن استقبال رمضان، وكيف يستقبل الناس رمضان، يقول خطيب: اعذروني اليوم، فلن أتحدث إليكم وأستميحكم عذرًا في أن أتنحى عن مقام الخطابة وأترك المنبر لمن هو أولى بالحديث إليكم؛ لأنه الأقرب إليكم، والأعرف بكم، والآخر لديكم، سأترك الحديث اليوم إلى رمضان؛ ليحدثكم بنفسه، ويبثكم شكواه ويروي لكم تاريخه ويبين لكم أحكامه.

стр. 69

وقد يعمد الخطيب إلى البدء بمدح السامعين، والثناء على الحاضرين بما هم له أهل بلا غلو ولا إطراء استمالة لنفوسهم حتى يشجعهم على ما يريد منهم من الخير الذي يريد أن يفعلوه، كأن يريد أن يحثهم على عيادة المرضى، أو مساعدة المحتاجين، أو كسوة طلاب المدارس في فصل الدراسة، ونحو ذلك، وقد يجعل الخطيب نفسه واحد من الجمهور يعاني ما يعانون من المشكلات التي يتحدث عنها ويواجه تلك الصعوبات التي يصفها، ويحسن أن ينص على ذلك صراحة، وهذا يجعله شديد القرب للمستمعين ويهيئهم للإصغاء والانتباه. من أمثلة ذلك أن يصرح الخطيب مثلًا بقوله: جميعنا يشعر بخطر هذه الشهوات والمغريات، وكلنا بلا استثناء يتعرض لضغطها وتأثيرها، أنا وأنت وهذا وذاك يدرك خطر القنوات الفضائية على أبنائنا وبناتنا، إذًا فنحن في سفينة واحدة. وقد يبدأ الخطيب بذكر موضوع صراحة يقول: إن موضوعنا اليوم هو خطر التبرج والسفور، فنوضح خطرهم من حيث مخالفته لأحكام الشرع، ومن حيث أضراره النفسية والاجتماعية، كما سنذكر ما سيترتب عليه من أخطار الخلقية والأمنية، وسيكون ختام حديثه عن الوقاية من تلك المخاطر وهكذا. ثم على الخطيب أن يمضي إلى تفصيل ما ذكر من خلال هذه النقاط: أولًا: قوة العرض من خلال كثرة الأدلة، والشواهد القرآنية والنبوية، إضافة إلى النقول النصية من أقوال العلماء والفقهاء مع زيادة الإيضاح بإيراد شواهد الواقع المعاصر. ثانيًا: وضوح العرض من حيث سهولة العبارات، وفصاحة الكلمات مع البعد عن الألفاظ الغريبة، والأساليب المعقدة. ثالثًا: جاذبية العرض من خلال تنوع المادة بضرب الأمثال وذكر الأشعار وإيراد القصص، وعرض الحكم.

стр. 70

رابعًا: روعة العرض من خلال الإتيان بالجديد غير المتوقع من الخطيب والخطبة من معلومات متخصصة أو أخبار غير مشتهرة واستنباطات غير شائعة، ونحو ذلك، وعلى الخطيب أن يعتمد في خطبته على الأدلة الثابتة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أشرنا فيما سبق إلى ضرورة العناية بالأحاديث الصحيحة، واجتناب الأحاديث الضعيفة فضلًا عن الموضوعة، وأن يبتعد عن القصص والأساطير والخرافات، وعليه أن يكون موضوعه مترابطًا متصلًا متجانسًا، ويظهر ذلك من خلال أن يكون الخطيب ملمًّا بجوانب الموضوع المختلفة، ومطلعًا عليه من مراجع متعددة؛ ليكون ذلك معينًا على الاستيعاب التام للموضوع، ومن خلال استيعاب الموضوع، والتمكن منه يحرص الخطيب على تقسيم موضوعه إلى فقرات موضوعية يراعي فيها تقديم الأهم على المهم، ويحسن التقسيم بحيث يستطيع السامعون أن يركزوا في استيعاب الموضوع والخروج منه بفائدة، ويحسن أن لا يكثر من التقسيمات والتفريعات التي تشتت أذهان السامعين خاصة، وأن الخطبة قصيرة الوقت لا تحتمل مثل ذلك. وعليه أن يحرص على الانسياب الموضوعي، وذلك بأن ينتقل من فقرة إلى فقرة بأسلوب سلس، وأن يجعل الانتقال من عنصر إلى عنصر آخر سهلًا، يسيرًا، مبررًا، بحيث يقدم الأسباب ثم النتائج وأهمية الموضوع، ثم عناصره، وهكذا، وينبغي أن يربط بين تلك الفقرات بجمل وأساليب تشويقية ومنطقية بحيث لا يشعر السامعون بشيء من الانقطاع والفجوات بين الفقرات، كما ينبغي العناية بالتناسب في الوقت بين الفقرات، وعدم تطويل بعض الفقرات بشكل كبير. وبعد عرضه موضوعه مقسمًا معنصرًا كما ذكرنا يصل إلى خاتمة الخطبة، والخاتمة تعد خلاصة لموضوع الخطبة، وهي كالثمرة التي تأتي بعد الزراعة، والسقي،

стр. 71

والعناية، ولذا فإن الخاتمة لا تقل أهمية عن الموضوع نفسه فضلًا عن مقدمته، وينبغي أن يجعل الخطيب نصب عينيه عند تفكيره في الخاتمة هذه الأسئلة: هل يغلب على ظنك أيها الخطيب أن السامعين فهموا الموضوع واستوعبوه؟ وما هي الأسئلة التي تتوقع أن تسأل عنها بعد انتهاء موضوع الخطبة؟ ماذا تريد من السامعين أن يعملوا؟ لقد عرفناك أن للخطبة أغراضًا تتنوع هذه الأغراض بتنوع الخطبة، فلا بد أن يكون حاضرًا في ذهنك ماذا تريد من السامعين أن يعملوا، ماذا تريد أن تعلمهم من العقيدة، ماذا تريد أن يقوموا به من عبادات، ماذا تريد أن يصححوه من المعاملات، كيف يمكن أن يبقى لموضوع الخطبة أثر طيب ممتد في نفوس وعقول وسلوك السامعين، إن هذه الأسئلة حين تجعلها في ذهنك ستجعلك في مواجهة أمام نفسك بحيث تستشعر عظمة مسئولية الخطابة، وتدرك عمق أهمية دورها وتأثيرها، وأنها ليست مجرد أقوال مرسلة أو بلاغة جميلة أو حماسة متقدة، بل هي أمانة ورسالة، وتعليم وإرشاد، كما أن العناية بخاتمة تدفع الخطيب لمحاسبة نفسه وتربيتها؛ إذ كيف يطلب من الناس ما لا يعمله، وكيف يدعوهم إلى ما لا يقبله، وفي ضوء هذا يمكن تلخيص أهداف الخاتمة في هذه النقاط. أولًا: الخاتمة تلخيص لأبرز نقاط الموضوع، وأكثرها أهمية. ثانيًا: الخاتمة تركيز على الترجمة العملية المطلوبة للسامعين. ثالثًا: الخاتمة هي العصارة التي تنعكس على شعور وإحساس السامعين، وتبقى في أذهانهم.

стр. 72

ومن حيث الأداء، فإن من المناسب أن يراعي الخطيب في الخاتمة ما يلي: أولًا: الهدوء والبطء النسبي في الإلقاء، وذلك لما في الخلاصة من الثمرة والتركيز على النقاط المهمة. ثانيًا: محاولة الربط بالمقدمة أو بعض العناصر المهمة في الموضوع للإشعار بالترابط من جهة، ولبيان أن الخاتمة نتيجة لما سبق ذكره من جهة أخرى. ثالثًا: استخدام أساليب التوكيد والجزم التي تدفع نحو العمل والالتزام مع التطعيم بأساليب الحث والتشجيع، وتعزيز الثقة التي تحول دون اليأس والإحباط، والشعور بعدم إمكانية العمل والتغيير. رابعًا: استخدام التعداد بالرقم صوتًا وبالأصابع إشارة، وذلك في ذكر نقاط التلخيص أو خطوات العمل المطلوبة. خامسًا: في حالة وجود إكمال لتوابع الموضوع في خطب قادمة، فإنه تحسن الإشارة إلى ذلك والتشويق إليه والربط به. أما من الناحية الشكلية، فإن خاتمة الخطبة ينبغي أن تشتمل على عنصرين أساسيين: الأول: الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ثانيًا: الدعاء لعموم المسلمين وتخصيص ولاه الأمر والمجاهدين، وضعفة المسلمين بالدعاء، ومن الخطأ أن يجعل الخطيب الخطبة الثانية كلها دعاء يقطعها عن الخطبة الأولى قطعًا ويبترها بترًا، بل -كما سمعنا- ينبغي أن تكون الخطبة الثانية متصلة تمام الاتصال بالخطبة الأولى، وتختم بما ذكرناه من الخاتمة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 73

الدرس: ٥ الخطيب وصفاته .

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (الخطيب وصفاته) أهمية الخطيب ومكانته في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فكما تنطلق الشحنة الكهربائية عبر الأسلاك فيضيء المصباح، وكما تتسلل خيوط الفجر في غسق الليل فيسرق الصباح يمضي الخطيب إلى النفوس فيخرجها من الظلمات إلى النور، وإذا كان العاملون في كل موقع يسهمون بجهودهم في إحداث التغيير النفسي والاجتماعي لدى الأفراد، فإن الخطيب يأخذ حظه الوافي من هذا التغيير بما يملك من سلاح أمضى، وقدر أشمل. إن المهندس والطيار أو البحار يتعاملون مع الجماد، وإذًا فما أيسر المهمة بيد أن الخطيب يتعامل مع كائن حي له مشاعره، وله كذلك فكره، بل إنه لا يواجه من البشر نوعًا واحدًا، بل يواجه مستويات متعددة متفاوتة، وهو مع هذا مطالب بأن يجمعها كلها على الصراط السوي، وأن يحوز رضاهم جميعًا، وحتى رفيقيه على طريق التوجيه المعلم والأديب كلاهما لا يمارس نفس المعاناة، فبينما المعلم يتجه أساسًا للعقل؛ تزويدًا له بالمعرفة، وبينما يخاطب كاتب المقال مستوٍ واحد إلى حد ما فإن الخطيب يتفرد بمسئولية امتلاك أقطار النفس كلها إقناعها، واستمالة تفضي للالتزام وفي الوقت ذاته تتسع قاعدته العريضة وتتسع؛ لتستوعب حتى الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، فهو يتعاون معهم بينما لا يمثل بين يدي المعلم والأديب إلا المثقف القادر على الفهم والحوار. ومع أن الخطيب كالمربي فلا بد أن تتوفر فيه متطلبات عديدة، وهي أكثر وأشد مما هي في المربي؛ لأن هذا الأخير محدود التأثير في عدد قليل، وإذا كان ذا مسئولية عظمى بخلاف الإمام الخطيب، فإنه غير محدود التأثير في مثل ذلك العدد بل العدد أنمى وأكثر، ثم إنه غير منقطع الصلة، فإن التلميذ في القسم يمر بأساتذة

стр. 75

متعددين، بخلاف الإمام الخطيب فإنه مستمر الاتصال بجمهوره الذي يؤم مسجده دائمًا، وهذا الاتصال كائن من المهد إلى اللحد، ولا مرية أن الاتصال بالغ التأثير في العقول، وشديد المفعول في النفوس، والرأي العام رهين أن يكون أئمته في ميزان الكفر، حتى لا يفقدوا صلتهم بالرأي العام. إن هناك فجوة تحصل بين الأئمة وبين جمهورهم حين ينقدح في عقول المنصتين إليهم أنهم قطعوا الصلة بين خطبهم والحياة، والأنكى من ذلك أن يكون المستمعون غير مطمئنين لما يسمعون منهم بما يؤدي إليه ذلك من فتور ثم انقطاع الصلة بين الجمهور وإمامه، فالحاضرون يجلسون تلك الحصة وهم يستمعون وقلوبهم لاهية، وآذانهم صاغية، وليست بصاغية لعدم إقبالهم الكلي على الاستماع الصحيح والإنصات والانصراف إلى تفهم ما يلقى عليهم، وللحفاظ على هذا المعنى الذي ضيع في بعض المساجد. عن سعيد بن المسيب قال: إن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغوت)) جاء الحديث في الإنصات بأدق ما يكون حفاظًا عليه، حتى أن الأمر بالمعروف وقت الخطبة منهي عنه مع أنه ضروري وملتزم به، ولو أدى إلى لحوق الأذى بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وما ذاك إلا ترغيب إيجابي للجمهور أن يكونوا عند الاستماع إلى الخطبة على المستوى المطلوب، فلا يلهيهم شاغل عن التنبه لكل دقيق وجليل يصدر عن الخطيب فهم في إنصات محكم في حضورهم الجمعة. وتنبع خطورة رسالة الخطيب من خطورة دور المسجد في المجتمع، ومدى قدرته على الإصلاح، فالمسجد ركيزة للإصلاح وقطب الرحى في عملية التوجيه، لقد كان المسجد ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت
следующие страницы →