← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 281–309 · переход к 286.

стр. 281

ذلك الرجل الذي منع الزكاة؟ ولم يأخذها منه كما قال: ((فإنا آخذوها وشطر ماله)). فعليكم معشر الطلاب أن تحذروا من ذكر هذه القصة، وسائر الإسرائيليات والضعيف والموضوع، احذروا من ذكرها، وذكروا الناس ببطلانها. والشاهد: أنّك تلحظ في هذه الآيات أن الله علق الأحكام بالأفعال والأقوال، ولم يذكر أسماء أصحابها؛ "ومنهم" "ومنهم" وكذلك مضت السنة المطهرة -على صاحبها أزكى الصلاة والسلام- بعدم ذكر اسم المخالف أو المنصوح إلا بالتعريض والعموم، فما أكثر ما كان رسول الله ﷺ يقول: ((ما بال أقوامًا فعلوا كذا))، ((ما بال أقوامًا قالوا كذا))، ((ما بال أقوامًا بلغني عنهم كذا)). مع أنّ المقصود خطاب أقوام قاموا بالمخالفة التي دعت النبي ﷺ لتوجيه خطابه إليهم، ومع ذلك لم يذكر أسماءهم. من ذلك قوله ﵊: ((ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله))، ((ما بالُ رجال يحضرون الصلاة معنا بغير طهور))، ((ما بال أقوام))، ((ما بال رجال)) لم يسمهم: ((ما بال رجال كلما نفرنا في سبيل الله تخلف أحدهم عندهن؟)) ورأى رسول الله ﷺ أقوام لا يحسنون الوضوء ويَدعون مواضع من أرجلهم لا يصيبها الماء، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)) فلم يحكم عليهم ولا على أعقابهم بل لم يذكر أسماءهم، ولم يقل: ويل لكم، أو ويل لأعقابكم، مستعملًا كاف الخطاب. وكان ﷺ يتكلم أحيانًا بنا المتكلمين هو لم يفعل الفعل كما في خطبة الوداع قال: ((وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب))

стр. 282

فانظر -أيها الداعية- إلى عِظم هذه الأفعال التي فعلها هؤلاء المخطئون، وما يفعله المنافقون من الصلاة بغير طهور، ومن تركهم الجهاد واقترافهم لبعض الذنوب؛ فضلًا عن أذية بعضهم للرسول ﷺ ومع هذا كله لم يذكر أسماءهم ولم يحذر من أعيانهم. ولكنه ﷺ كان يحكم على الأعمال ويصححها. فمن هذا وغيره تستنبط القاعدة "نصحح ولا نجرح"، "ننصح ولا نفضح" فهل من مُدّكر! أسأل الله أن يهدينا وجميع إخواننا الدعاة سواء السبيل. فعلى هذا لا يجوز ذكر الأسماء بالسوء في المجالس العامة؛ فضلًا عن ذكرها على عامة الناس إنما كان منهم في الضرورة القصوى، كدفع مفسدة جلية أو جلب مصلحة كبيرة، وهذا الكلام عام يشمل العامة والخاصة الكبراء والأصاغر، فما بال أقوام لا يتورعون عن ذكر كبرائهم وأمرائهم على منابرهم بالاسم الصريح، ولا يسكتون عن ذكر مثالبهم ومساويهم، بل يُشهرون بهم كلما قاموا وكلما قعدوا، كم أجلب هذا الأسلوب على الدعاة من شر وحال بينهم وبين الدعوة إلى الله . ومنه يُدْرِكُ المُسلم الواعي خطأ هذا الأسلوب خطر ذكر الأسماء على المنابر، والتشهير بهم في المجالس ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الوقت الذي نجد فيه رسول الله ﷺ لا يسمي الذين يخطئون، نجده ﷺ يسمي أهل الفضل والعلم على الملأ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمرهم، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). وحديث العشرة المبشرين بالجنة حديث مشهور؛ فعن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: ((عشرة في الجنة: النبي في الجنة،

стр. 283

وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: مَن هو؟ فسكت، قال: قالوا: مَن هو؟ قال: سعيد بن زيد)). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن جموح))، فعلينا أن نفطن إلى هذا الأسلوب الدعوي الجميل، إذا أردنا التحذير من منكر ارتكب بعض الناس لا نذكر أسماءهم، وإذا أردنا تذكير الناس بعمل حسن فعله بعض الناس ليقتدوا به، فنذكر الفاعل تكريمًا له وتشريفًا، وليكون أسوة حسنة لغيره. الحث والإكثار من استخدام عبارت الاستفهام كذلك ينْبَغِي على الدّاعِية أن يَغْلِبَ على عباراته الاستفهام؛ سواء كان تقريريًّا أو استنكاريًّا أو تعجبيًّا، وأن يُكثر من ألفاظ الترجي: "لعل" "أرأيت"، و"رب" بدل الخطاب التقريري والاستنكاري المباشرين، ذلك لأن استعمال أساليب الاستفهام وألفاظ الترجي في الخطاب أبلغ تأثيرًا، وأقل أثرًا سلبيًّا، ولو كان يتضمن نقدًا مُباشرًا؛ لعدم استساغة الخطاب الاستنكاري والتقريري المُباشرين. فبدل أن يقول: لا يَجُوز للمسلم أن يُدَخّن، أو يحرم انتهاك حرمات الله في رمضان. يقول الداعية: أيليق بالمسلم أن يدخن؟ أيجوز انتهاك حرمات الله وفي رمضان؟ وبدل أن يقول: ستلقى الله على هذه الحالة الآثمة، أو ستكون سيئاتكم تغلب حسناتكم؛ ينبغي أن يقول: كيف سنلقى ربنا ونحن على هذه الحال، أو يقول:

стр. 284

هل ستكون حسناتنا أرجح من سيئاتنا؟ وبدل أن يقول: أنتم لا تحبون الله ورسوله، أو يقول: يَجِبُ أنْ تُحِبّوا الله ورسوله، يقول: ألَا تُحِبّون الله ورسوله؟ أو هل يفعل هذه المخالفة من يحب الله ورسوله؟ أو يقول: لعلنا نتوب إلى الله، أو أرأيتم لو تبنا إلى الله؟ وهكذا. وتأمل أيها الداعية -رحمك الله- قول الخليل إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر بعد أن استنفذ كافة أساليب الخطاب الدعوي، من استفهامات وترجي وإثارة للعاطفة والعقل، قال مرهبًا بأسلوب مفعوم بالشفقة والخوف على أبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٥)، فانظر إلى كلمة: ﴿أَخَافُ﴾ وكلمة: ﴿يَمَسَّكَ﴾ اللتين تقطران شفافيةً وتخوفًا. ومثله قول أخيه هود ﵊ لقومه الذين أذاقوه ما أذاقوه من صنوف الأذى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٣٥). والمقصود أن يضع الداعية أداة الاستفهام قبل خطابه، وكلمات الرجاء والترجي في كلامه، وما شابه ذلك حتى يُحَلّي أسلوبه؛ فلا يكون مرًّا، ويرطب خطابه حتى لا يكون جافًّا. والمُتأمل لأسلوب القرآن الكريم يجده مشحونًا بهذا الأسلوب الهادف، والتعبير الممتع، حتى مع الكافرين ومع أشد الناس عداوةً لله ولرسوله وللمؤمنين، اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: ٣٥ - ٣ ٦)، استفهامان مُتتاليان: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَهُزّان الضمير، ويُحَرّضان العقل، ويُقرران الحقّ بأسلوب مقبول، وتعبير مثير، يدفع العاقل للإقرار والتسليم. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الطور: ٤٣)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (مريم: ٦٧)،

стр. 285

وتكرر قول ربنا سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٠)، كما تكرر قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ (الفرقان: ٤٣)، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (القصص: ٧١)، ﴿لَعَلَّ﴾ (الطلاق: ١)، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ (السجدة: ٢١). وفي هذه التعابير ما لا يخفَى من التأثير النفسي على السامع أو القارئ؛ لأنّ النفس تكره التقريع المباشر والاتهام الصريح، ولو كانت مذنبةً ومقرةً بذلك في نفسها. لذلك جاء هذا الأسلوب مقررًا الحقائق مراعيًا حال المخاطبين؛ فجمع بين قول الحق وحسن العرض. كذلك سلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في خطابهم هذا المسلك، قال الله ﵎: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (إبراهيم: ١٠)، وقال إبراهيم ﷺ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٥٢)، وقال لهم أيضًا: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (الصافات: ٨٦)، وقال موسى ﷺ لقومه: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ (يونس: ٧٧)، وقال ﷺ أيضًا لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥). فانظر -رحمني الله وإياك- ما أعظمَ هذا التقريرَ، وما أبدع هذا العرض! قول الحق بأسلوب مقبول، وطرح مؤثر، وقال مؤمن "يس": ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ٢٣ - ٢٤)، وقال النبي محمد ﷺ لعلي ﵁: ((كيف أنت وقوم كذا وكذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم؟!)). وقال ﷺ لأسامة بن زيد: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟!)) وفي رواية: ((أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!)) وقال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄ وقد طرقهما ليلًا فوجدهما نائمين، فقال: ((ألا تصليان؟))، أسلوب عرض، بدل أن يقول: "قومَا فصليا"، بصيغة الأمر. وقال ﵊ لرجل من الأنصار أرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر من الماء، فقال ﷺ : ((لعلنا أعجلناك، قال: نعم يا رسول الله، قال: إذا أُعْجِلْتَ أو أقحطت؛ فلا

стр. 286

غُسْلَ عَليك وعليك الوضوء)). وقال ﷺ لمن رمى ماعزًا بوضيح حمار فصرعه، حين فر من ألم الرّجم: ((هَلّا تركتموه لعله أن يتوب؛ فيتوب الله عليه؟)). فليتأمل الداعية قوله ﷺ : ((هلا تركتموه؟)) وقوله ﷺ : ((لعله يتوب؟)) وذلك بعدما ارتكب ماعز الخطيئة وجاء يطلب إقامة الحد عليه، حتى يطهره رسول الله ﷺ بإقامة الحد من ذنبه حتى يلقَى الله تائبًا، فلما بدأ التنفيذ ووجد أثر الحجارة في بدنه ولَّى مُدبرًا؛ فتبعوه حتى رماه أحدهم بوضيح حمار فصرعه، فلما رجعوا للنبي ﷺ قال مقولته: ((هلَّا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه؟)) يقول هذا كله بعدما فعل ماعز ما فعل لعله يتوب. وكم من حديث قال فيه رسول الله ﷺ "لعل" و"أرأيتم" مما لا يكاد يحصى. وخلاصة هذه القواعد -قواعد الأسلوب الدعوي-: أن عليك أخي الداعية وعلى جميع الدعاة أن يَختاروا الأسلوب الحسن في خطابهم الدعوي، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (الإسراء: ٥٣). فعلى الداعية أن يحسن من أسلوبه، وذلك باستعمال الضمائر التي تفيد اشتراكه هو مع المدعوين، وذلك أيضًا بتعليم الخطاب لا بتعيين المخاطبين. وأن يكثِرَ من استعمال أدوات الاستفهام، وألفاظ الرقة واللين وكلمات الترجي والرفق؛ مما يُضفي على أسلوبه لذة في السماع، وقبولًا من المدعوين. فاللهم اهدنا لمُخاطبة الناس بالتي هي أحسن واجعلنا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا، وقال إنني من المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 287

الدرس: ١٦ بعض الآفات التي قد يصاب بها الداعية .

стр. 288

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (بعض الآفات التي قد يصاب بها الداعية) من الآفات التي قد تُصيب بعض الدعاة: "الرياء " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فختم دروس هذه المادة إن شاء الله تعالى بتذكير الداعية ببعض الآفات التي قد يصاب بها، فتحول بينه وبين النجاح في دعوته، وتخرجه من دائرة الدعاة. من المؤكد يقينًا أن الداعية إلى الله حين يلتزم بالقواعد التي بيناها، وينضبط بالضوابط الشرعية التي ذكرناها، ويتحلَّى بمكارم الأخلاق التي يجبُ على الدَّاعِيَةِ أن يَتّصِفَ بِهَا، لا شَكّ أنّه سيكون -بتوفيق الله في مأمن من كل مرض باطني، ومزلق شيطاني، وآفة نفسية بل يتدرج دائمًا نحو الكمال، ويرتقي بتقدم مضطرد سلم المعالي. ولكن قد يُصاب الدّاعية وهو على طريق البناء والإصلاح بشيء من الضعف البشري؛ فيتعرض لمرض من أمراض القلب، أو آفة من آفآت النفس، أو نزغة من نزغات الشيطان؛ فيزل بعد نهوض، أو يَضِلُّ بعد هدًى، أو يرائي بعد إخلاص، أو يفتر بعد عزيمة، أو يبخل بعد كرم، أو يتشاءم بعد تفاؤل، أو يسكت بعد جرأة، أو يَجْبُن بعد شجاعة، أو يعجز بعد صبر، أو يتعاظم بعد تواضع. فإذا أُصِيبَ الدّاعية -عافانا الله وإياك- بهذه الآفات أو ببعضها، ولم يسارع إلى التخلص منها ومعالجتها؛ فإنه أشد ما يخشَى عليه أن تزل قدمه بعد ثبوتها، أو أن يتساقط على طريق الدعوة، أو أن ينحرف عن جادة الإسلام، هو يحسب أنه يحسن صنعًا.

стр. 289

ومن أهم الأمراض والآفات التي قد تُصيب بعض الدعاة: "الرياء": والرياء: هو طلب المنزلة والتّعظيم عند الناس، بعملِ الآخِرَةِ، كالذي يُصَلّي ويصوم ويتصدق ويحج ويُجاهدُ، ويقرأ القرآن ويُعلّم العِلْم، ويدعو إلى الله ليُعَظّمه الناس لذلك، ويثنوا عليه ويعتقدوا به، ويقوموا على إكرامه والإغداق عليه؛ فذلك هو المرائي، وقد سَمّى الرسول ﷺ الرياء الشرك الأصغر؛ فقال ﵊: ((أخوفُ ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر؛ قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء)). واعتبر النبي ﷺ الرياء من المُهلكات التي تحبط العمل. والدّاعية الذي اعتنق التوحيد وآمن بالربوبية، يربأ بنفسه أن يصيبه مرض الرياء؛ ذلك لأنّ المُرائي حين يَفْعَلُ الطاعات ويتعبد كأنه يتعبد للناس لا لله، وكأنه يريد بطاعته العباد لا رب العباد داعية على شفا حفرة من النار. من أجل هذا والداعية الذي اعتنق التوحيد وآمن بالربوبية، يربأ بنفسه أن يصيبه مرض الرياء؛ ذلك لأنّ المُرائي حين يفعل الطاعات، ويتعبد كأنه يتعبد للناس لا لله، وكأنه يريد بطاعته العباد لا رب العباد، من أجل هذا جاءت النصوص الشرعية تحذر من الرياء، وتبين مآل المرائين الذين لا يقصدون بأعمالهم وجه الله تعالى. يقول الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠)، وقال ﷻ : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٧). وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأوتي به فعرفه نعمه فعرفها؛ قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فيك حتى استشهدت؛ قال: كذَبْت، ولكِنّك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل. ثُمّ أُمِرَ به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن؛ فأوتي به

стр. 290

فعرفه نعمه فعرفها؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وتعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليُقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأوتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت لك فيها، قال: كذَبت، ولكنك فعلت ليُقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجه، ثم ألقي في النار)). وروى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن تَعَلّم علمًا مما يُبتغَى به وجه الله لا يَتَعَلّمه إلا ليُصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجَنّة يوم القيامة)) يعني: ريحها. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معه غيري تركته وشركه)). إلى غير ذلك من هذه النصوص التي تحذر من الرياء وتبين مصير المرائين المشئوم. فالرياءُ إذًا كما دلت عليه النصوص من الشرك الأصغر، أو الشرك الخفي، بل هو من الأعمال القبيحة التي تُحْبِطُ العمل، وتُخَيّب السعي، وتخرج المُرائي من دائرة الإسلام؛ وتَطْرُده من رحمة الله. فقد روى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جازَى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟)). فإذا عرفت هذا أيها الداعية إذا عرفت الرياء وخطره وضرره؛ فما هو علاجه؟

стр. 291

علاج الرياء في نظر الإسلام يكون في وسيلتين هامتين أساسيتين: الأولى: في اقتلاع جذوره من النفوس. والثانية: في دفع ما يخطر له في الحال. أما في اقتلاع جذوره من النفوس فاعلم -أخي الداعية- أن أصل الرياء -كما ألمحنا- هو حب لذة الحمد، والفرار من الذم، ومراضاة الناس، ويَشهد لذلك ما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: ((جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويُقاتل رياءً؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). فمعنى قول الرجل: "يقاتل شجاعة" أي: ليُذكر ويُحمد، ومعنى قوله: "يُقاتل حمية" أي: يأنف أن يُقْهَر ويُذَمّ، ومعنى قوله: "يُقاتل رياء" أي: ليُرى مَكانه، وهذا معناه حب الجاه والمنزلة ولذة الحمد، والفرار من الذنب ومراضاة الناس. وقد لا يشتهي الإنسان الحمد، ولكنه يحذر من الذم، كالجبان بين الشجعان؛ فإنه يثبت ولا يفر لئلا يُذَمّ، أو المتعالم الذي يفتي الناس بغير علم؛ خوفًا من الذم والاتهام بالجهل؛ فهذه الأمور هي التي تُحرك إلى المراءاة وتدفع إلى المصانعة. ومعالجة الرياء تكون في اتباع الخطوات التالية: أولًا: تعميق مراقبة الله في نفسية الداعية: وذلك أن يضع الداعية في تصوره قول الله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩)،

стр. 292

يراك حين تقوم في الصلاة، ويراك وأنت تتقلب بين الساجدين، وليضع كذلك قول النبي ﵊ حين سئل عن الإحسان قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). وكيفية المُراقبة: أن يُراقب الداعية نفسه قبل البدء بالعمل، وفي أثنائه، هل كان تحركه لتبليغ دعوة الله من أجل حظوظ النفس، وابتغاء الثناء والذكر؟ أم كان المحرك مرضاة اللهِ وابتغاء ثوابه؟ فإذا كان لله مشَى في العمل وأمضاه، وإن كان بقصد المراءاة أحجم عنه وحرر نيته، وعقَد العزم على أنه يستأنف عمله فيما بعد على أفضل ما يكون من التجرد والإخلاص، وابتغاء رضوان الله وإسلام الوجه لرب العالمين. ثانيًا: أن يتصور دائمًا مآل المُرائين ومصيرهم: فحين يتصوّر الداعية أن الرياء مضر له في الحال وفي المآل، وأنه خطر عليه في دينه ودنياه، وأنه مُحبط في عمله وكده ومسعاه، يَسْهُل عليه اجتنابه والتحرر منه، يقطع عنه الميل إليه والرغبة فيه، كمن يتصور أن العسل لو وُضِعَ أمامه فيه سم قاتل، كيف يفعل؟ لا شك أنه يعرض عنه، وينفر منه؛ تحسبًا من الخطر، وتوقيًا من الهلاك. وهل يَغيبُ عن ذهن الداعية ما يفعله الرياء، وما يتعرض له المُرائي في الآخرة من العذاب والمقت، والخِزي والفضيحة، وما يُفَوّتُه على نفسه من صلاح النفس، وإرضاء الرّب، وإشْرَاقَة الرُّوح والفوز بالجنة، والنجاة من النار، هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من زيادة في الهم، واستشراف للنفس، ونصب في المراءاة، وحرص على الدنيا، وتطلع إلى الذكر والجاه؟!

стр. 293

فإذا وَقَر في نفس الداعية كل هذا، فترت رغبته عن الرياء، وأقبل على الله بقلبه، وحرّر النّيةَ في كُلّ أعْمَالِهِ، وسَعَى جاهدًا ليحظَى برضوان الله حتى إذا أتى ربه كان في مجمع من النبيين والشهداء والصالحين، وَحَسُن أولئك رفيقًا. ثالثًا: أنْ يُطَبّع نفسه على إخفاء الأعمال: وذلك في الأعمال التي يمكن أن يُسِرّ بها، ويَفْعَلها بعيدًا عن أعين الناس؛ كصلاة النافلة، والتصدق وتلاوة القرآن، وذكر الله وغير ذلك، وإخْفَاءُ هذه الأعمال، أو ما يُشابهها أسلم لنفسه، وأحوط لدينه؛ وأبعد له عن المراءاة، اللهم إلا إذا كان العمل ما لا يتمكن صاحبه أن يفعله إلا ظاهرًا، وأمام أعين الناس؛ كتعلم العلم وتعليمه، والصلاة مع الجماعة في المسجد، والخروج لأداء فريضة الحج، أو الجهاد لإعلاء كلمة الله، ونحو ذلك. فمَن خاف من الرياء في حال فعل شيء من هذا؛ فلا يجوز له شرعًا أن يتركه بحجة المراءاة، بل واجب عليه أن يفعله، ثم يجتهد مخلصًا في دفع الرياء عن نفسه، وذلك بتحرير النّية، والتوجه إلى الله، والاستعانة به، في أن يسير في طريق الإخلاص والاستقامة، ومعاهدته على ذلك، واللهُ سبحانه لا يُخيبُ داعيًا، ولا يرُدّ سَائلًا، ولا يَتَخَلّى عن عبد مُنيب، مُقبل إليه، معتمد عليه. تلكم أخوة الدعاة، أهم الخطوات في اقتلاع الرياء من القلوب، واجتثاثه من النفوس، فعلينا جميعًا أن نأخذ بأحسنها؛ لنكون بتوفيق الله من الذين إذا مسهم طائف من الشيطان، تذكروا فإذا هم مبصرون. أما دفع ما يخْطُر للدّاعية في الحال؛ فاعلم -بارك الله فيك- أنّك إذا جاهدت نفسك في اقتلاع مغارس الرياء من قلبك، ووضعتَ مصير المرائين ومآلهم في تصورك، وظللت تُراقب الله في جهرك وسرك، وعودت نفسك على إخفاء الطاعة فيما يمكن

стр. 294

إخفاؤه من أعمالك؛ فلا شَكّ أن الرياء ينفصل منك، وتتقطع خواطره عنك، وتُصْبِحُ عند الله من المتقين الأبرار، والمخلصين الأخيار. ولكن عليك -أخي الداعية- أن تَعْلَم الشيطان -أخزاه الله- متربص لك بالمرصاد، وأن نزغات النفس الأمّارة قد تعاودك؛ فترةً بعد فترةٍ، وأن شهوة حمد الناس وثنائهم قد تعتريك حينًا بعد حين؛ فما العمل إذًا إذا عرَض لك عارض الرياء والخطرات؟ العملُ أنْ تَدْفَعَ ما يَحْلُو لك في الحال، وذلك بتساؤلك بهذا التساؤل: الله وحده عالم بحالي، ومطلع على أعمالي، ما لي وللخلق علموا بعملي أم لم يعلموا، ما لي وللعباد اطلعوا على طاعاتي أم لم يطلعوا، ما دمت أعمل لله وأبتغي مرضاته، وأطمع في جنته وثوابه. فإذا هاجت الرّغْبَةُ فيك إلى آفة الحَمْد، واستشرفت في نفسك ثناء الناس، ذَكّرها آفات الرّياء، ومصير المُرائين، وأحوالهم في جهنم، وافتضاحهم يوم العرض على الله، إن كُنْتَ مُؤمنًا مُتحسسًا متيقظًا؛ فسُرعان ما تنقلب الرّغبة إلى كراهية، والاستسراف إلى نفور، وسرعان ما تندثر عنك خطرات الرّياء ونزغات النفس الأمَّارة، والله المستعان وهو الموفق للإخلاص، والمثبت على الإيمان. وهنا يتساءل البعض: هل للداعية أن يترك تبليغ الدعوة، ويستنكف عن العمل الإسلامي إذا لم يأنس من نفسه الإخلاص؟ والجواب: سبق أن ذكرنا قبل قليل أن هناك من الأعمال ما لا يمكن الإسرار بها، كتعلم العلم وتعليمه، وصلاة الجماعة وتبليغ الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله. فهذه الأعمال ونحوها يؤديها المسلم كما هو

стр. 295

معلوم جهرًا لا سرًّا، ويُمَارِسُها علنًا لا خفيةً، وأحيانًا يأتي الشيطان ويتلبس الداعية ليصرفه بوسوسته عن القيام بمسؤولياته في تبليغ الدعوة، وأداء رسالة الإسلام؛ بِحُجّة أنه معرَّض فيما يدعو إلى خطرات الرياء، واستشراف شهوة الحمد والثناء في جميع لقاءاته واجتماعاته، وخطبه ومحاضراته، وحله وترحاله. وهنا نقول: إذا قعد الدعاة عن مسؤولية الدعوة، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفريضة العمل لعزة الإسلام، بهذه الحُجّة الواهية، بأنهم معرضون لآفات الرياء، واستشراف الحمد والثناء؛ مَن يبقى ليجمع الناس على الخير، ومَن يتَصَدّى لتحديات الأعداء، ومن يجاهد بلسانه ونفسه لإعزاز دين الله؟ حتمًا لا يبقى أحد؛ لأنّ كُلّ داعية معرض بحكم أنه بشر لخطرات النفس الأمارة، ووساوس الشيطان الآثمة، وحتمًا أنّ كُلّ مَن يتصدَّى للعمل الإسلامي، قد يقوى حينًا، ويَضْعُف أحيانًا. وهذه الظاهرة من الخطرات هي من طبيعة البشر؛ فما دام الداعية من البشر فهو ليس مَلَكًا مبرءًا ولا نبيًّا معصومًا، بل هو معرض للخطأ، ومحتمل منه الوقوع في المعصية، ولكن حين يقع في الخطأ ويتعرض للمعصية، ينبغي عليه أن يُبادر التوبة الصادقة النصوح؛ ليَخْرُج من ذنوبه كما ولدته أمه، وصدَق رسول الله ﷺ حين قال: ((كل بني آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون)). فامضِ أيها الداعية على بركة الله، في تبليغ دعوة الله والعمل لدينه؛ ولا يقعدنك عن أداء مسؤوليتك خطرات النفس، وشهوة الحمد، ووساوس الشيطان، ولكن عليك أن تُحَرّر النية قبل البدء بالعمل، وتراقب المولى سبحانه في أثنائه، ثم بعد أن تفرغ من عملك تكون لك خلوات بينك وبين الله، ففي هذه الخلوات تتأمل

стр. 296

في كل ما قمتَ به من عمل، وتسائل نفسك: هل كان عملي لله؟ هل أسلمت وجهي لرب العالمين؟ هل كنت مخلصًا فيما دعوت الناس إليه؟ فإن وجدت خيرًا فاحمد الله، واطلب منه المزيد، وأن رأيت خلاف ذلك فتب إلى الله وجاهد نفسك وأنت مستمر في الدعوة إلى الله؛ حتى تصل في نهاية المطاف إلى منازل الدعاة المخلصين، والعُلَماء العاملين المتقين. من الآفات التي يتعرض لها بعض الدعاة: "العُجْب " يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) في تعريف العُجْب: العجب: هو استعظام النعمة، والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المُنعم. فبناء على هذا التعريف نقول: إن المُعْجَب بنفسه هو مَن أعطاه الله تعالى علمًا أو جاهًا، أو قوةً، أو جمالَ هيئةٍ أو نسبًا أو مالًا، أو كثرة أولاد، أو عقلًا وفطانة، أعطاه الله تعالى هذا أو بعض منه، ثم لا يخاف ما أعطاه الله من نعمة زوالها، ولا يَنْسب هذه النعمة إلا موهبها وهو الله بل ينظر إلى كونها كمالًا له يفرح به، ويَطْمَئنُّ إليه؛ كأنّه يرى أنه شيء يستحقه، ولا فضلَ لله عليه، بل هو كمالٌ لا يزول عنه، وهذا هو الإنسان المعجب بنفسه. وقد جاء ذم المُعجب في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وأقوال السلف الصالح: أما القرآن الكريم: فقد قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة: ٢٥). قال

стр. 297

الله تعالى ذلك في معرض إنكاره على إعجابهم بالكثرة حين قال قائلهم: "لن نغلب اليوم عن قلة" وكانوا اثني عشر ألفًا أو أكثرَ؛ فلمّا نظروا إلى كثرتهم وأعجبوا بها ركنوا إليها، فجاءهم ما يكرهون من الهزيمة، حتى إذا فاءوا إلى الله، وتجردوا لله وأيقنوا أنه النصر من عند الله أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ونصرهم بعد هزيمة. ومنه قول الله تعالى عن بني النضير: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواِ﴾ (الحشر: ٢)، فعاقبَ اللهُ اليهود لإعجابهم بحصونهم وبشوكتهم، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٣ - ١٠٤). وهذا أيضًا مرده إلى العُجْبِ بالعمل: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. وأما السُّنة النبوية: فالنّبي ﷺ ذمّ العُجْبَ في أكثر من حديث: فقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجل يتبختر في بُردته -أي: ثوبه الجميل- إذ أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) وهذا هو الإعجاب بالثوب والمال. وروى أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبةَ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرة؛ وإعْجَابَ كُلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام)). وهذا هو الإعجاب بالرأي. ومما ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) وهذا هو الإعجاب بالنفس.

стр. 298

وأما أقوال السلف في ذم العُجْب: فقد قال ابن مسعود ﵁: "الهلاك في شيئين: العُجب والقنوط". وقال مُطَرّف ﵀: لئن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحَبّ إليَّ من أن أبيت قائمًا -أي: مصليًا- وأصبح معجبًا. لأنّ أبيت نائمًا: يعني: لا يقوم الليل، ويُصبح نادمًا على أنه نام ولم يصلِ بالليل في جوف الليل، فهذا يكون أحب إليه من أن يقوم الليل ثم يصبح فينظر إلى نفسه نظر إعجاب، ويمن على ربه ويستكثر ما صلى من تلك الليلة. وقيل في الحكم: لأن تضحك وأنت معترف بذنبك، خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك. فظهر مما أوردناه أن العجب مذموم في القرآن والسنة وأقوال الأئمة، فكيف يدخل العجب على الدعاة؟ قد يدخل العجب على نفس الداعية من حيث لم يحتسب، ومن مداخل العجب أن يعجب الداعية كل العجب ببلاغته، وجمال منطقه، وطلاقة لسانه، ومن مداخله: أن يَغْتَبِطَ ويُسَرّ ويفْرَح حين يتحدث الناس عن أعماله ونشاطه، ومدى أثره وتأثيره، ومن مداخله: أن يَعْتَقِدَ أنّه أصبح ذا شهرة علمية، وشَخْصِيّة دعوية عالمية، ومن مداخله: أن يقتنع أنه إذا عالج في المجتمع مشكلة، أو أصدر في مجال العمل الإسلامي رأيًا، لا يستطيع أحدًا أن ينحو نحوه، أو يعمل مثله. ومن مداخله: أن يرى الناس يعظمونه ويثنون عليه، ويقومون على خدمته، ومن مداخله: أن يَجِدَ المَدْعُويّن قد ازدحموا على درسه، ووثقوا به، وتجمعوا حوله. ولذلك رُوي عن بعض علماء السلف: أنه كان إذا كثر العدد في حَلقته أنهى درسه.

стр. 299

إلى غير ذلك من هذه المداخل الشيطانية التي تدخل على نفوس الدعاة، وتجعل منهم أناسًا يغترون بمواهبهم ويعجبون بأنفسهم. نعم؛ يقع الداعية في العجب إذا استعظم ذلك كله، ونسبه إلى نفسه، ونسي أن المنعم المتفضل هو الله . إن الله حين كلف النبي ﷺ بالقيام بالدعوة في قومه، نهاه من أول لحظة عن العُجب الذي يفضي به إلى استكثار عمله، والمنّ به على ربه، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر: ١ - ٦). إنّك ستُقدم لهذه الدعوة الكثير من جهدك والكثير من وقتك والكثير من مالك، ستُقدم للدعوة الكثير؛ فإيّاك أن تستكثره وتعجب به، وتَمُنّ به على ربك . فقد يَقع الداعية العجب إذا استعظم ما يقدمه للدعوة، وينسَى أن الله هو الذي تفضل عليه، واستخدمه للدعوة، ووفقه فيها وأعانه عليها، أما إذا كان الداعية مرتاحًا لما كلفه الله به من أعباء ومسؤوليات، وراضيًا بما أوجبه عليه من تبليغ الدعوة، وحمل رسالة الإسلام، ونسب كل ما حققه في المجتمع من أثر وتأثير وإصلاح وتغيير، وكل ما وهبه الله إياه من سداد الرأي، وسعة العلم وطلاقة اللسان وقوة الحُجة، ومظهر إكرام، نسب ذلك كله إلى رب العزة والجلال، فهذا كله ليس من العجب في شيء، ولو وجد في نفسه نشوة وغبطة وسرور. ولكن ما هو علاج العجب في الدعاة؟ الجواب على ضوء ما ذكرنا من تعريف العجب ومن مداخله على نفوس الدعاة: على الداعية إذا أحسّ من نفسه أنه إذا اعتراه شيء من العجب، فليسارع إلى معالجته، واستئصال شأفته من نفسه؛ خشيةَ أن يقع فيما هو أدهى وأمر، ألَاَ وهو زهو الكبر، وغطرسة الخيلاء.

стр. 300

أما علاج العجب فهو كما يلي: أولًا: على الداعية أن يعلم أن الله هو المنعم عليه بوجوده في الحياة أولًا وأصلًا وأساسًا. ثم بمنحه القدرة والذكاء والعلم والمعرفة، والصحة والجمال، والغِنى والجاه، والتوفيق والهداية؛ فلا معنى لئن يُعْجَب الدّاعِيَةُ بقوته وذكائه، ولا بعلمه ومعرفته، ولا بأثره وتأثيره، ولا بغناه وجاهه، إذ كل ذلك من فضل الله عليه وتوفيق الله إياه؛ فإن سلبه العقل؛ فكيف يتعلم ويتفقه؟ وإن سلبه الصحة والقدرة فكيف يتحرك ويعمل؟ وإن سلبه التوفيق والهداية فكيف يصلح ويغير؟ فعلى الداعية إذًا: أن لّا ينسب شيئًا من الفضل والخير إلى نفسه، بل ينسبه إلى مسببه وموجبه وهو الله إنّ الله ﵎ قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (الأنعام: ٤٦)، وقال للنبي ﷺ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (الشورى: ٢٤). فإذا أعجبت بخطبة خطبتها، أو محاضرة ألقيتها؛ فاحمد الله على توفيقه، وتذكر فإن يشأ الله أن يختم على قلبك، ولا شَكّ أنك إن صدقتَ نفسك ستذكر أنك كثيرًا ما قمت على المنبر، وقد حضرت خطبتك وحفظتها وراجعتها وتدارستها وذاكرتها، ثم لم تجد منها شيئًا على المنبر، كل ذلك من قلة التوفيق؛ إذًا فإذا وفقت فاعلم أن ذلك من الله، فانسب الفضل إلى أهله، واحمد الله عليه. والرسول ﷺ الذي هُو القدوة لأمته؛ كان يُقَرّر أنّ العبدَ مهما سَمَا عملُه الصالح، لا يَدْخُل الجنة أبدًا بعمله، بل بفضل الله تعالى ورحمته؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)).

стр. 301

فعليك أن تجتهد في العمل، وأن تحمد الله الذي هداك ووفقك كما هو حال أهل الجنة بعد دخولها، كما حكى عنهم رب العالمين سبحانه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف: ٤٣)، ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يَعملون في الخندق في غزوة الأحزاب، وهم يقولون: ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا)). وكان النبي ﷺ يردد ذلك معهم. ثانيًا: على الداعية أن يَعْلَم أنه إذا تمادَى في العجب واستمر عليه فإنه يتدرج في الكبر لا محالة، ولا يخفى أن الكبر هو من أعظم الآفات النفسية التي تحلق الدين، وتَقْتُل المروءة وتميع الشخصية وتدخل صاحبها النار. ثالثًا: على الداعية حين يخْلُو بعد مضي العمل لنفسه يسائلها ويقول: هل وقعتِ يا نفسُ في آفة العجب في قول أو فعل؟ هل أخذك الغرور في علم أو جاه؟ هل داخلك الزهو في إصلاح أو هداية؟ هل كذا؟ هل كذا؟ فإنْ وَجَدَ في نفسه شيئًا بعد هذه المُسائلة والمُحاسبة فليتب إلى الله وليَنْدَم على ما فعل، وليُعاهد الله على أن لا يعود، والله سبحانه يتقبل من التائبين المستغفرين. نسأل الله أن يجنبنا جميعًا العجبَ ومداخلَه المفضية إلى الكبر. من الآفات التي تصيب بعض الدعاة: "الغرور " وهو أن يُلَبّس الإنسان على نفسه الحقائق، ويُريها الأمور على خلاف ما هي عليه، ويُعطيها من المقام الأرفع والمنزلة العُليا ما لا تستحقه، وهو يحسب أنه بذلك يحسن صنعًا. وما ذاك إلا لضعف في البصيرة، وجهل بمكائد الشيطان، واستشراف للأنانية، وعدم الاكتراث بأقدار الناس، والتمادي في الهوى ونزعات النفس الأمارة.

стр. 302

والفرق بين العُجْبِ والغُرور فرق دَقِيقٌ مُتباين؛ فالعُجْب هو استعظام النعمة الموجودة في المُعجب، ثم نِسْبَتُها إلى نفسه دون أن ينسبها إلى موهبها وخالقها، وهو الله . وأما الغرور: فهو ادعاء قضايا وتلبيس حقائق غير موجودة في المغرور، ونسبتها إلى نفسه وإعطاء نفسه من العظمة والأماني الكاذبة العريضة بما لا يستحقه مع الاسترسال في بحر الأوهام والأحلام، ولقد جاء ذم الغرور في القرآن والسنة. يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (فاطر: ٥). ويوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ﴾ -أي: ينادي المنافقون المؤمنين- ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (الحديد: ١٢ - ١ ٤). ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار: ٦ - ٨). وفي الحديث هو فيه ضعف عند المحدثين عن النبي ﷺ قال: ((الكَيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجِزُ مَن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني)) فهذا الحديث تنديد واضح بالذين يتبعون أنفسهم هواها، ويغترون بالرُّكون إلى أمانيها وخدعها الكاذبة.

стр. 303

وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضَلّ قوم بعد هدًى كانوا عليه، إلّا أوتوا الجدل)) ثم قرأ: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (الزخرف: ٥٨)، فهذا الحديث تقبيح ظاهر بالذين اغتروا بعملهم وبَنَوا جدلهم على غير علم وهدى وكتاب منير. وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ أبغضَ الرّجال إلى الله الألد الخَصم)) فهذا الحديث ذم واضح، للذين اغتروا بقُوّة حجتهم في مُخاصمة خصومهم بنية الغلبة عليهم، ولو كان الخُصوم على حق. فيتبين من هذه النصوص أن الغرور مستقبح شرعًا، وأنه من الآفات التي تُوقع الإنسان في الكذب، وتؤدي به إلى الكِبْر، وتَجْعَله مغضوبًا مذمومًا عند الله وعند الناس. وكيف يدخل الغرور على الدعاة؟ الداعية الذي لا يمر في تكوينه وإعداده على مرحلة التربية الروحية، والتهذيب التربوي؛ لم يتربّ على المراقبة لله والمُحاسبة للنفس، والاستمرار على العمل الصالح، والاستقامة على منهج الله؛ فسرعان ما ينساق مع الهوى، وسرعان ما يركب صهوة الغرور، وسرعان ما ينزلق مع الشيطان. بل تجد منه أعمالًا ومواقفَ وإدعاءاتٍ يستهجنها المسلم العادي، فضلًا عن الرجل المؤمن الواعي الحصيف. وإليك -أخي الداعية- أظهر هذه الإدعاءات والمواقف التي وقع في حبائلها بعض الدعاة:

стр. 304

من هذه المواقف: أن ينظر إلى نفسه بأنه بلغ مرتبة الدعاة الكِبار في النضج، وسداد الرأي، وسعة العلم، وانتشار الصيد؛ وفضل السابقة، وهو شابٌ حدث لم يكتمل بعد علمًا، ولم ينضج رأيًّا، ولم يتأهل داعية؛ اللهم أنه قد يُحْسِنُ الكلام، ويجيد التحدث والإلقاء. وهل تكوين الدعاة مقصور على إتقان فن الكلام وطلاقة الحديث، وغرابة اللسان؟ ومن هذه المواقف: أن يدعي أنه أوتي ذكاء وطاقة ومواهب وسياسة، مما يؤهله أن يكون قائدًا للدعوة، وإمامًا على المسلمين، ومرشدًا كبيرًا من المرشدين الربانيين، وهو في الواقع لا يصلح أن يكون رئيسًا على عشرة، وإمامًا في مسجد، واعظًا في قرية. وهل الدعاوَى العريضة المَنْقُوشة تجعل من أصحابها دعاة ورجالًا، أم الإخْلَاص وتزيين المواقف ولغة الأعمال؟ ومن هذه المواقف: أن يدعي لنفسه أنه أصبح عالمًا بأحكام الشريعة، فقيهًا في مسائل الدين والفتوى، بل أصبح مؤهلًا لئن يجيب على كل معضلة فقهية، لو عرضت إحداها على الخليفة الراشد عمر الفاروق لجمع لها أهل بدر. وهذا التجرأ على الفتيا بدون علم هو الجهل بعينه، والغرور بذاته، وهو من موجبات دخول النار، كما روي: ((أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار)). وهل يجوز للداعية شرعًا أن يتصدى لكل فتوى وهو غير عالم بحكمها ودليلها وهل يَجُوز للداعية شرعًا أن يُجيب عن سؤال فقهي، وهو جاهل به غير مطلع على أقوال الأئمة فيه؟ بالطبع لا يجوز له ذلك، وإذا فعل فيكون آثمًا ومسئولًا عن فتواه أمام الله، والنبي ﷺ يقول: ((من أُفتي بغير علم؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه)). ومن هذه المواقف التي تَدُلّ على الغرور: أن يُعلن الداعية أمام الملأ أن جماعته التي يعمل معها ويَنْتَمي إليها، هي خير الجماعات وأفضلها، وأن طريقتها في

стр. 305

التبليغ والدعوة هي خير الطرائق وأحسنها، ولو كانت هذه الجماعة عفوية في تنظيمها، محدودة في أهدافها، جامدة في طريقتها، قاصرة في وسائلها، مقتصرة في الدعوة على بعض ما جاء في هدي نبيها ﷺ . علمًا بأن الدعوة الإسلامية حينما قامت في القرون الماضية قامت على النظام، وحين انطلقت انطلقت على الشمول، وحين انتشرت في الآفاق انتشرت على الأسلوب الحكيم، والوسائل المتطورة بل حققت الدعوة الإسلامية خلال العصور وعلى مدار التاريخ أعظم الأهداف السياسية، وأسمى الأمجاد التاريخية؛ في بناء العزة للإسلام وامتداد رفعة الدولة في حياة المسلمين. ولكن ما علاج الغرور في الدعاة؟ على ضوء ما ذكرناه من تعريف للغرور، ومن ذمه في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن إدعاءات المغترين العريضة: على الداعية إذا أحس من نفسه أنه سوف ينزلق في متاهات الغرور، ويقع في حبائله فليُسارع جَهده إلى معالجته واستئصال شأفته؛ خشية أن يفضي فيه من حيث يعلم أو لا يعلم إلى زهو الكبر وغطرسة الاستعلاء. وخطوات المعالجة هي كما يلي: أولًا: أن يعرف الداعية حقيقة أمره وقدر نفسه، ومبلغ علمه ومنزلته؛ فلا يَدّعي لشخصه ما ليس فيه، ولا يُعطي لذاته حجمًا أكثر مما تستحق، فـ ((رَحِمَ اللهُ امرءًا عرف قدر نفسه))، فوقف عند حده. وعلى هذا الداعية أن يكثر من قراءة أخبار السلف الصالح، وما تميزوا به من ورع وتقوى، وتواضع وأدب، واستقامة وصراحة، واعتراف بأقدار أنفسهم، وحقيقة أحوالهم، وإمساك عن الفتيا فما لا

стр. 306

يعلمون، وإعطاء أنفسهم القدر الذي يستحقون دون تلبيس للحقيقة أو افتراء على الواقع. فهذا المنهج ولا شك هو أسلم لدين الداعية، وأحفظ لسمعته، وأظهر لحقيقته، وأرضَى لله وللرسول ﷺ . ثانيًا: على الداعية أن يرجع إلى من اشتهر في زمانه؛ بمعالجة آفات القلوب، وتزكية الأنفس من الدعاة الصالحين، والعلماء الربانيين؛ ليسألهم عن معالجة العُجب والغُرور في نفوس الذين يتصدون للإرشاد ويسيرون في طريق الدعوة، وكيف السبيل إلى مناهضة هذه الآفات واستئصال شأفتها من النفوس. فعند أولئك من الخبرة التامة، والتجربة الحقيقة في طرق المعالجة لمثل هذه الآفات، بالإضافة إلى ما تميزوا به من الطاقة الإيمانية، والإشعاع الروحي في رد المغرورين إلى الحق، ونقلتهم إلى عالم الصفاء والإخلاص، وتزكية النفس والتربية الإسلامية الفاضلة. فهذا المنهج ولا شك يربي الداعية على الإخلاص، ويُعرفه بحقيقته مَن هو؟ فلا يدعي لنفسه ما ليس فيه، ولا يُعْطِيها أكثر مما تستحق، وإذا استمر على ذلك فلا ينزلق في متاهات الغرور؛ ولا ينحدر في مزالق العجب والكبر، بل يصبح إنسانًا سويًّا وداعيةً ربانيًّا. ثالثًا: على الداعية حين يخلو بينه وبين ربه في صلواته وأذكاره، وقراءة القرآن، أن يسائل نفسه: هل داخله الغرور في قول وعمل؟ هل أفتَى بما لا يعلم؟ هل ادَّعى لنفسه بما ليس فيه؟ هل أعلن أمام الملأ أن جماعته هي أفضل الجماعات؟ هل نظر لنفسه بأنه بلغ منزلة الدعاة الكبار؟ هل وهل وهل؟

стр. 307

فإن وجد شيئًا في نفسه بعد هذه المسائلة والمحاسبة فليتب إلى الله، وليندم على ما فعل، وليعاهد الله على ألا يعود، والله يتقبل من التائبين المستغفرين، فهذا المنهج ولا شك يعمق في الداعية شعور المحاسبة والمراقبة لله، والرجوع إليه، والاتكال على محض فضله وكرمه، والالتجاء إليه فيما ينوب ويروع مع ملازمة المجاهدة والانكسار والافتقار إليه، والله سبحانه لا يضيع أجرَ من أحسن عملًا. من الآفات الخطيرة التي قد تصيب الدعاة: "الكِبْر " ومن الآفات الخطيرة: الكِبر. وهو خُلقٌ باطني في الإنسان تصدر عنه أعمال ظاهرة هي ثمرته، هذه الأعمال لا تخفى على كل ذي عقل وبصيرة، فحين يراها الرائي يعلم علمًا أنها من علامات الكبر وظواهر الخيلاء. من علامات الكبر التي تدل عليه: إظهار التّرَفُّع على الناس، وحب التصدر في المجالس، التبختر والاختيال في المشي، الاشمئزاز من أن يُرد عليه كلامُه وإن كان باطلًا؛ الاستخفاف بضعفة المُسلمين ومساكينهم، الافتخار بالآباء، والاعتزاز بالنسب، واستشراف التعظيم، والثناء والمجد. وبالاختصار نقول: يوجد الكبر من أمور ثلاثة هي: أن يرى لغيرة منزلة، ويرى لنفسه منزلة، ويرى أن منزلته فوق منزلة غيرة. فبهذه الثلاثة يحسن خلق الكبر الباطني في الإنسان، ويُسمى أيضًا عزةً وتعظمًا وتعاليًا وانتفاخًا وانتفاسًا. قال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل استأذنه في بعض الناس بعد صلاة الفجر: "أخشى أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا". ففي هذه الأحوال التي تحصل للإنسان،

стр. 308

حتى يبلغ في نفسه إذا وجدت آثارها في تصرفاته مع الغير؛ فإنه يُسمى حينئذٍ متكبرًا، فالكبر إذًا حالة نفسية، والتَّكَبُّر أثر لهذه الحالة النفسية. وقد جاء ذم الكبر في الكتاب والسنة: قال الله ﵎: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣)، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: ٣٥)، وفي الحديث قال ﷺ : ((لا يَدْخُل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))، وقال ﷺ : ((ثلاثة لا يُكَلّمُهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، ومَلِك كذاب، وعائل مُستكبر)) أي: فقير مستكبر. ولكن ما علاج الكِبر في الدعاة إذا ابتلوا به؟ على ضوء ما ذكرنا من تعريف الكِبر ومن ذمه الفاضح في القرآن والسُّنة؛ نقول: إنّ من وسائل معالجة الكبر: أن يقطع الداعية لنفسه مزالق الكبر التي تفضي إليه، فإن كان من مزالقه الاغترار بالعلم والفصاحة واللقب العلمي، فليعلم أن الله سبحانه قادر على أن يسلبه هذه النعم، من مواهب الفصاحة وقوة العلم والثقافة، وإن من حق الله عليه أن يكون شاكرًا للنعمة غيرَ جاحد؛ فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧). وعلى الداعية: أنْ يُدرك حقيقة نفسه من بدء حياته إلى يوم موته، فلو فكر في ذلك تفكيرًا مستنيرًا، ما وجد ذلك سببًا لكبريائه وخُيلائه، وعجبه واغتراره، واستعلائه وفخره. وعلى الداعية أن ينظر إلى ما تكبر به، فإن كان السبب العلم فليعلم أن فيه جهلًا يساوي أضعاف أضعاف علمه بملايين المرات، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥)، وقال ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦)، وإن كان سببه الفصاحة فليعلم أن في

стр. 309

الأرض مَن هو أفصح منه، وإن كان سببه جمال الشخصية فليتذكر أن مآله بعد ذلك كله الموت، وإن كان سببه مظهر التدين فليعلم أن الدين يدعو إلى التواضع، ويأمر بخفض الجناح للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: ٨٨)، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥). ألا فليتحرر الداعية من آفة الكِبر، وليستعصم لنفسه مزالقها التي تؤول إليه، وليأخذ نفسه بأسباب المعالجة النفسية، التي بينها ونبهنا عليها؛ وليحرص على أن يُحَاسِب نفسه في كل آونة، وليَعلم أن الله سبحانه معه يرقبه ويراه، ويَعلم سِرّه ونجواه، ويعلم خائنة الأعين، وما تُخفي الصدور. فبهذا كله يستطيع أن يتغلب على آفة الكبر، وأن يقضي على مداخله من عُجب وغرور من نفسه، وأن يُعطي القُدوة في التواضع والتجرد والإخلاص للخاصة والعامة، وأن يكون من الدعاة المؤثرين، والمرشدين الموثوقين، والله سبحانه مع الصادقين المخلصين يسددهم ويثبت أقدامهم، ويهديهم سواء السبيل. وهكذا معشر الطلاب نكون قد انتهينا من مادة الخطابة. أسأل الله لي ولكم علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، كما أسأله أن يرزقه سلامة القلب، وسلامة الصدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا: أن الحمد الله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.