← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إن الخطيب المتصرف المجيد لا يضل في تمييز هذه الأصو ات إذا جعل دليله ما يشعر به من هذه المعاني، وما ير اه من الناس في محادثاتهم المعتادة في رفع أصواتهم أو خفضها، فإن المحادثات المعتادة هي الحاكية الصادقة الحكاية للأمر المألوف والذوق المعروف، فليكن في تغيير صوته صورة مكبرة، مزينة، مجملة بجيد التعابير لما يجري بين الناس، فإنه إن فعل ذلك كان صادرًا في نغماته عن إحساسهم ومشاعرهم وذوقهم العام. ضرورة الابتعاد عن الإسرائيليات والموضوعات والمنكرات، والضعيف أما الدكتور عبد المنعم أبو شعيشع فقد حدثنا وحذَّرنا عن الإسرائيليات والموضوعات والمنكرات التي ابتُلي بها كثيرٌ من الخطباء في خطابهم الدعوي، فقال: ينبغي أن تكون الموعظة ثابتة الأصول، باسقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وسبيل ذلك التمسك بالصحيح، وترك الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة والروايات الضعيفة، ففي مجال التفسير يجب على الداعية أن يعرض عن الإسرائيليات. يقول الدكتور: لما عجز اليهود عن مقاومة الإسلام عسكريًّا لجئوا إلى الغزو الثقافي، ودس الإسرائيليات المنكرة في كتب التفسير حتى امتلأت بها، وذلك -أي: تحريف الكلم- من أخلاقهم السيئة كما وصفهم الله تعالى. والذي دعا المسلمين عن الأخذ عن بني إسرائيل ما فهموه من حديث البخاري عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).

стр. 247

قال الدكتور يوسف القرضاوي: وإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟ اللهم غفرانك. ولابن كثير ﵀ في تفسيره تعقيبات كثيرة من هذا النوع على الإسرائيليات تتضمن إنكاره عليها ورفضه لها وإن كان يذكرها تبعًا لمن قبله، وفي بعض الأحيان يرفض ذكرها بالكلية مبقيًا القرآن على إجماله دون الخوض في تفصيلات لم يأتِ بها حديث ثابت عن المعصوم ﷺ . كذلك مما يجب على الخطيب أن يحذره ويحذر الوقوع فيه في خطابه الدعوي الأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: سواء من ذلك ما كان مرفوعًا إلى النبي ﷺ وما كان موقوفًا على بعض الصحابة مثل علي وابن عباس وغيرهما، وما كان منسوبًا إلى بعض التابعين مثل مجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم، أو منسوبًا إلى مَن بعدهم من أهل العلم. يجب على الخطيب أن يتفحص الروايات التي يرويها، والأحاديث التي يستشهد بها، وعليه أن يبذل جهده في محاولة تحقيق الحديث الذي يرويه؛ حتى لا يقع في عموم قول النبي ﷺ : ((من كذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). لقد حذَّر علماء الحديث من رواية الحديث الموضوع في مقام الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مع التنبيه عليه، وبيان أنه حديث موضوع؛ وذلك ليحذر منه القارئ والمستمع. لذا ينبغي على الخطيب الداعية أن لا يأخذ الحديث النبوي الشريف من كتب الوعظ والإرشاد والتصوف والتربية والتاريخ والتفسير ونحوها؛ وذلك لأنها

стр. 248

ليست من كتب السنة المعتمدة، ولا تعنَى بانتقاء الأحاديث التي توردها وغربلتها، ولا تعزوها إلى مَن خرَّجها من أصحاب الكتب الحديثية حتى لو كان مؤلفه من حفاظ الحديث. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: حتى حفاظ الحديث الناقدون، إذا ألفوا في الوعظ وما يتعلق به تلخصوا وتساهلوا إلى حد التفريط فيما يروونه في بعض الأحيان، حتى وجدنا الإمام ابن الجوزي صاحب (الموضوعات) و (العلل المتناهية) وغيرها يرخي لنفسه العنان في كتاب (ذم الهوى) وغلبت فيه عاطفة الواعظ على عقلية الناقد الحافظ، وكذلك الحافظ الذهبي رأيناه يتساهل في كتابه (الكبائر). واليوم يشهد العالم الإسلامي نهضة كبرى في تحقيق وتخريج وتبويب كتب الحديث، وتم تسجيلها على شاشات الكمبيوتر، ومن هنا سَهُل على كل خطيب أن يعرف درجة الحديث الذي يريد أن يستشهد به في خطبته، هل هو حديث صحيح مقبول يصلح للاحتجاج به؟ أو هو ضعيف مردود لا ينتهض الاحتجاج به؟ أو هو حديث موضوع مكذوب يجب تركه، بل يجب التحذير منه؟ هكذا، أرشدنا العلماء إلى مثالب الخطاب الدعوي وحذرونا منها، وأرشدونا إلى طرق علاجها، فعلى الخطيب الداعية أن يحرص على اجتناب هذه المثالب، وأن يحذرها، وأن يحذر الوقوع فيها؛ لأنها تصرف الناس عنه، وتجعل جهده لا يؤتي ثماره، ولا يصل إلى غايته. هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 249

الدرس: ١٤ الندوة والمؤتمر، وخصائص كل منهما، وفوائده .

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الندوة والمؤتمر، وخصائص كل منهما، وفوائده) الندوة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: فالندوة لغةً: الجماعة، ونادَى الرجل: جالسه في النادي، وتنادوا أي: تجالسوا في النادي، ويقال: ندوت القوم أندوهم: إذا جمعتهم في النادي، وبه سُميت "دار الندوة" بمكة التي بناها قصي، سميت بذلك؛ لاجتماعهم فيها. قال الجوهري: الندي: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدَى. وقد جاء في القرآن الكريم قول رب العالمين سبحانه عن قوم لوط ﵇:﴾ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ﴿(العنكبوت: ٢٩) قيل: كانوا يحذفون الناس في مجالسهم، فأعلم الله سبحانه أن فعلهم هذا من المنكر، وأنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس عليه ولا يجتمعوا علي الهزؤ والتلهي، وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله ورضوانه، وباعد من سخطه وعذابه. وجاء في القرآن الكريم أيضًا قول ربنا :﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿(العلق: ١٧) يريد عشيرته، وإنما هم أهل النادي، والنادي مكانه ومجلسه، فسماه به. أما الندوة في اصطلاح العلماء: فهي اجتماع مجموعة من المتخصصين أو المهتمين بأمر معين في مكان محدد وزمان محدد؛ لمناقشة موضوع محدد سلفًا، يتناوله كل واحد من المجتمعين من زاوية معينة من زواياه، ويبين كل منهم رأيه وما يعود على الناس من الخير في هذا الموضوع، وقد يُفتح بعد ذلك باب التعليق والمناقشة والسؤال من جانب جمهور المستمعين. والندوة أسلوب من أساليب الدعوة له أهميته، وذلك أن هذا النوع من الوسائل -وسائل الدعوة، وهو الندوة- أقرب إلى النفوس، والندوة لها أهمية كبرى في

стр. 251

توضيح الفكرة المعروضة على العلماء؛ حيث إن كثرة المتكلمين تبعث على النشاط وتفض الملل والكسل؛ لأن المتحدثين يتناولونها من جميع الجهات، كل منه يعطى عُصارة فكره وقصارة مجهوده، وما نسيه واحد يذكره الآخر، وما لم يستطع أن يبين ما يريد بينه الآخر. وهكذا من خلال تعريف الندوة وأهميتها، نستطيع أن نفرق بينها وبين الخطبة وغيرها من الوسائل القولية. وللندوة أهدافها، وهي: الخروج بواجبات عملية تنفذ وليست للإثراء الثقافي فقط. ثانيًا: تكوين وعي ثقافي حول قضية معينة. ثالثًا: تكوين رأي موحد وفكر مشترك حول موضوع معين. رابعًا: تنمية قدرة الأفراد على المناقشة وإبداء الرأي. خامسًا: التعايش والاحتكاك بأفراد جدد. سادسًا: تبادل الخبرات والتجارب. سابعًا: اكتشاف المواهب والعمل على توظيفها. ثامنًا: استثمار طاقات المحاضرين والأساتذة؛ لتوريث الدعوة. هذه هي الأهداف التي يحرص المجتمعون في الندوة على تحقيقها. وللندوة عناصر، وعناصرها هي: موضوع الندوة. ثانيًا: مدير الندوة أو المقرر لها.

стр. 252

ثالثًا: المحاضرون. رابعًا: الجمهور. خامسًا: الحوار والمناقشة. سادسًا: الزمان. سابعًا: المكان. وأخيرًا من عناصر الندوة: الوسائل المعينة لاستخدامها في هذه الندوة. وحتى تؤتي الندوة أكلها وثمارها وتحقق أهدافها، لا بد أن يراعي المحاضرون في الندوة أسباب النجاح التي يتوصلون بها إلى تحقيق أهداف الندوة ونجاحها، ونستطيع أن نقيس نجاح ندوة أو عدم نجاحها من خلال هذه العناصر، فأي خلل في واحد منها يؤدي إلى ضعف في الندوة. أما بالنسبة للمدير أو مقرر الندوة: فينبغي أن يكون ذا خبرة في تقديم إدارة الندوات. ثانيًا: أن يكون على اطلاع جيد على الموضوع الذي سيديره في الندوة. ثالثًا: تحضير الربط بين فقرات الندوة. رابعًا: ضبط الوقت منه ومن المحاضرين؛ حتى يكون كل محاضر على علم بالوقت المتاح له في هذه الندوة، لا يقصر عنه ولا يزيد عليه. خامسًا: حِرص المقرر للندوة حرصه الدائم على تحقيق أهداف الندوة. سادسًا: إعطاؤه الحرية في إبداء الآراء.

стр. 253

سابعًا: رد الحاضرين إلى صُلب الموضوع كلما ابتعدوا عنه، فربما لو أعطيت الفرصة للحاضرين للسؤال وإبداء الرأي، ربما خرج بعضهم بسؤاله أو رأيه عن الموضوع الذي تدور حوله الندوة، وهذا من أسباب فشل الندوة، وتضييع وقت الحاضرين والمحاضرين، فعلى مدير الندوة أن يرد الحاضرين إلى صلب الموضوع كلما خرج أحدهم بسؤال خارج الموضوع أو برأي لا يمت إلى الموضوع بصلة. ثامنًا: أن يكون مقرر الندوة قادرًا على التلخيص واستخلاص النتائج، بحيث يعطي الحاضرين خلاصةَ ما قاله كل محاضر عقب محاضرته، أو خلاصةَ ما أُلقي في هذه المحاضرة كلها في نهايتها. تاسعًا: أن يحسن تجهيز المكان والوسائل المعينة للاستخدام في هذه الندوة. عاشرًا: على مقرر الندوة ومديرها أن يعد العدةَ، ويجهز كل ما يحتاجه للندوة مع المحاضرين فيها قبل موعدها بزمن كافٍ. وأخيرًا على مقرر الندوة أو مديرها: أن يتسم بسعة الصدر، والحلم، وجميل الأخلاق، ولين القول، وبَشاشة الوجه؛ حتى يستطيع أن يستميل جمهور الحاضرين إليه، وإلى المشاركين معه في هذه الندوة. أما المحاضِر في الندوة فيُشترط فيه حتى تحقق الندوة أهدافها، وتكون ندوة ناجحةً بإذن الله يشترط في المحاضر أو يلزم المحاضر: - تقسيم المحتوى إلى عناصر تخدم الأهداف، أن يقسم المحاضر ما أعده للإلقاء في هذه الندوة إلى عناصر تخدم أهداف الندوة، وتحقق أغراضها. - تحديد الزمن وعدم تخطيه، فالندوة -كما قلنا- يشترك فيها أكثر من عالم، فينبغي للمحاضِر أن يلتزم بالزمن الذي حدده له مقرر الندوة ومديرها؛ لأن في

стр. 254

تخطي المحاضر الوقت المحدد له تعد على إخوانه، وقد يلجئهم إلى عدم استيفاء ما أعدوه للمحاضرة، وما أعدوه للإلقاء في هذه الندوة، فلا تتم الأغراض ولا تتحقق الأهداف. ثالثًا: إبراز النقاط المهمة: على المحاضر أن يبرز أهم النقاط التي يراها في محاضرته. ورابعًا: ترك الدخول في التفاصيل لأسئلة الجمهور؛ لأنه حين يُفتح باب الأسئلة على مصراعيه للجمهور الحاضر، فإنهم بذلك سيضيعون الوقت، ويحولون بين المحاضر وبين إلقاء ما أعده للإلقاء عليهم. خامسًا: مراعاة مستوى الحضور ومرحلتهم العلمية، بمعنى: أن نُخاطِب الناس على قدر عقولهم، وأن يكون المحاضر على دراية وبينة وعلم بِمَن يحاضرهم في هذه الندوة، أن يكون على علم بمستواهم الثقافي، ومراحلهم التعليمية؛ حتى لا ينزل عن مستواهم ولا يصعد إلى ما هو أعلى من مستواهم، وبذلك لا تؤت المحاضرة أكلها، ولا تحقق الندوة أهدافها. سادسًا: أن يتوفر في المحاضر مهارات الأداء في محاضرته الحيوية، والتفاعل، والتعايش مع ما يلقيه على الحاضرين حتى يؤثر فيهم، فإنه إن لم يتعايش ويتفاعل هو مع ما يقوله فلن يتعايش الحاضرون معه ولن يتفاعلوا مع محاضرته. أما الجمهور: فحتى تنجح الندوة وتحقق أهدافها، فيلزمهم أثناء الندوة: - أن يكونوا قد درسوا موضوع الندوة دراسةً جيدةً؛ حتى يستطيعوا التداخل مع المحاضر، والاستفهام والسؤال.

стр. 255

- وعلى الحاضرين أن لا يقاطعوا المحاضر أثناء محاضرته، بل إذا بَدَا لأحدهم سؤال أثناء المحاضرة كتبه، فإذا انتهى المحاضر من محاضرته وفتح باب السؤال، سأل مَن أراد السؤال. ثالثًا: أن لا يخرج الجمهور بأسئلتهم عن موضوع الندوة. رابعًا: على الجمهور التفاعل والحيوية أثناء الندوة، فينبغي لكل مَن حضر الندوة أن يكون حاضرًا بقلبه لا ببدنه فقط، وأن يلقي السمع ويحسن الاستماع، ويحرص على الفهم والتدبر والانتفاع بما يلقى في هذه المحاضرة، فلا ينشغل عما يلقى عليه بأي شاغل آخر يشغله، ويجعله لا يسمع ولا يعي ولا يستفيد من حضوره، والله قد قال:﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴿(ق: ٣٧). فهذه شروط الانتفاع من الحاضرين للندوة أن يحضروا بقلوبهم، وأن يلقوا أسماعهم، وأن يقطعوا الشواغل التي تشغل سمعهم وأبصارهم وقلوبهم عن المحاضر أثناء الندوة, وقد ذم الله ﵎ المشركين على تشاغلهم عن النبي ﷺ أثناء حديثه، فقال :﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴿(الإسراء: ٤٧) حاضرون لا يستمعون لمن يحاضرهم ولا من يعظهم، وإنما يتناجون أي: يتحدثون سرًّا أثناء المحاضرة وأثناء الندوة وأثناء الموعظة، فأنَّى لهم أن يعوا وأن يستفيدوا وأن ينتفعوا؛ ولذلك قال الله تعالى:﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴿(محمد: ١٦) فهم لم يدروا ماذا قال؟ ولم يعوا ماذا قال؟ لأنهم لم يحسنوا الحضور ولم يحسنوا الاستماع، لم يتفاعلوا ويتعايشوا مع المحاضر أثناء الندوة. خامسًا: على الجمهور أن يتجنب تَكرار طرح الأسئلة التي سُئِلت من قبل ولو بأسلوب آخر، وهذا داء وآفة قد انتشرت في الجمهور في كل مكان، إلا مَن رحم

стр. 256

ربك وقليل ما هم، فأكثر الناس دأب على أنه كلما جاء محاضر أو حضر محاضرة أو حضر ندوة، أن يسأل سؤالًا، والسؤال هو هو لا يتغير، ولو حضر في اليوم خمس محاضرات أو خمس ندوات هو سؤاله الذي يسأله لهذا، ويسأله لهذا، ويسأله لهذا، وهذا من الأسئلة التي نُهينا عنها. فمن آداب السؤال أن يكون سؤالَ تفقهٍ لا تفكه وتندرٍ، ولا لإعجاز المسئول، فحتى تنجح الندوة وتحقق أهدافها على الجمهور الحاضر أن يجتنب طرح الأسئلة المقررة ولو كان يغيرها بأسلوب آخر. وأخيرًا على الجمهور: أن يقصد بحضوره تلك الندوة أن يترجم ما سمِعَ إلى حياته العملية، أو واقعه العملي، وأن يعمل بما سمع، وأن يستجيب لله وللرسول ﷺ في كل ما سمعه أثناء تلك الندوة أو أثناء تلك المحاضرة، أو من ذلك الواعظ وذلك المدرس، المقصود من التعلم هو العمل، فإذا حضر إنسان مجالس العلم على اختلاف أساليبها من الخطبة والدرس والندوة وغير ذلك ولم يكن له رغبة في العمل، فإنه إنما يستزيد من حجة الله عليه. كما روي: أن رجلًا كان كلما لقي أبا الدرداء سأله سؤالًا، فقال له أبو الدرداء: "يا هذا، أكل ما تسأل عنه تعمل به؟ فقال: لا، فقال: فما تصنع بازدياد حجة الله عليك؟ ". فيجب على الجمهور إذا حضر الندوة أو الموعظة أو الخطبة أو المحاضرة أو الدرس أو غير ذلك، إذا حضر مجلس علم مهما اختلفت أساليبه، يجب على مَن حضر أن يكون حريصًا على أن يتعلم ليعمل، وأن يبادر عقب التعلم بالعمل؛ استجابةً لله وللرسول ﷺ فإن الجمهور حين يحرص على العمل بما

стр. 257

يسمع إنما يكون من الذين قال الله ﵎ فيهم:﴾ فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿(الزمر: ١٧، ١٨). فهذه أسباب نجاح الندوة وتحقيقها أهدافها، والأسباب -كما بينا- منها أسباب تتعلق بمدير الندوة، ومنها أسباب تتعلق بالمحاضر، ومنها أسباب تتعلق بالجمهور الحاضر. أما كيف تجرى الندوة وتُدار؟ فنقول: ينبغي الإعداد للندوة قبل انعقادها بزمن كافٍ، وذلك الإعداد يكون: بترتيب المحاضرين وإبلاغهم قبل الموعد بوقت كافٍ. ثانيًا: تجهيز المكان وإعداده إعدادًا مناسبًا. ثالثًا: تجهيز الوسائل المعينة. رابعًا: إعلام الجمهور بموعد وموضوع الندوة بوقت كاف. وينبغي الحرص على كثرة الإعلام والإعلان عن هذه الندوة والدعوة إليها، وأن يغطي مساحةً واسعةً من المدينة أو من الأحياء أو من القرية؛ حتى تبلغ الدعوة لتلك الندوة أكبر قدر ممكن من الجمهور. هذا ما ينبغي إعداده للندوة قبل انعقادها. أما أثناء الانعقاد: فتتم الندوة على النحو التالي: أولًا: افتتاح الندوة بكلمة موجزة وهادفة يلقيها مدير الندوة، يعرف الحاضرين بالموضوع الذي سيتناوله المحاضرون في هذه الندوة، والأهداف المقصودة من هذه

стр. 258

الندوة والأغراض التي يسعى الذين أعدوا هذه الندوة إلى تحقيقها من خلال هذه الندوة. ثانيًا: تقديم كل مشارك في الندوة تقديمًا مناسبًا، أن يكون مدير الندوة على علم بالمحاضرين الذين دعاهم للاشتراك في هذه الندوة، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن يكون قد قسَّم المحاور الرئيسية التي تدور حولها الندوة على المحاضرين، ويبدأ بالأهم فالمهم، ثم يقوم كل محاضر بتقديم الجزء المخصص له في الوقت المحدد، ولا يتخطاه -كما سبق بيانه- ثم التعليق من المشاركين، وينبغي أن يكون تعليقًا مدروسًا موجزًا هادفًا، وينبغي عدم الخروج عن الموضوع المطروح كما نبهنا. ويخصص ثلثُ الوقت المتفق عليه سلفًا للمحاضرين، والثلثين للحوار والمناقشة أو العكس، كما يراه مقرر الندوة ومديرها، ويبدأ الحوار والمناقشة بين المحاضرين والجمهور بآداب الحوار بالتي هي أحسن، وبالكلمة الطيبة، وبالروح التي يسودها المحبة والألفة والأخوة، والحرص على الانتفاع وإصابة الأهداف وتحقيق الأغراض، فإن الله ﵎ قال:﴾ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴿(العنكبوت: ٤٦) وقال:﴾ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴿(البقرة: ٨٣). فينبغي على الحاضرين إذا فُتِح لهم باب النقاش والسؤال ولو كان الحاضر يخالف الفكرة المطروحة، عليه أن يطرح أسئلته بكل أدب وإخاء، وكذلك على المحاضِر أن يرد على مَن يسأله ولو خالفه في فكرته التي طرحها بكل أدب ومحبة وإخاء. وفي النهاية يتم تسجيل النتائج والواجبات العملية التي نتجت من الحوار والمناقشة أثناء تلك الندوة.

стр. 259

فإذا انتهت الندوة وانصرف الجمهور، فإن على المسئولين عن عَقْد هذه الندوة أن يقيموا الندوة وينظروا فيها، ويقدروا نسبة النجاح فيها، فدراسة مدى نجاح الندوة في تحقيق أهدافها لا بد منه؛ حتى نعلم هل وُفقنا في هذه الندوة؟ وكم نسبة التوفيق؟ هل نجحنا إلى تبليغ الغرض الذي سعينا إلى تبليغه للناس أم لا؟ وما نسبة النجاح؟ حتى نتلاشى التقصير والخلل والزلل إذا كان في الندوة، نتلاشاه في الندوة التي بعدها. وهذه الدراسة التي تقدر وتقيم الندوة تتم من خلال: - ملاحظة سلوك الأفراد، ومدى ما حدث فيها من تغيير بعدما سمعوا ما سمعوا من المحاضرين في هذه الندوة. - ثانيًا: استبيان يوزع على الأفراد؛ لمعرفة مدى التغيير الذي أحدثته الندوة في مفاهيمهم. - العمل الحثيث على تنفيذ الواجبات العملية التي تم الاتفاق عليها في الندوة، فلا بد من المتابعة، فإذا اتخذت قرارات في الندوة فلا بد أن تكون هناك لجنة متابعة تتابع هذه القرارات وكيفية تنفيذها، وما الذي تم تنفيذه منها وما الذي لم يتم. - متابعة الموهوبين والمتميزين الذين أفرزتهم اللجنة، هذا الجمهور الذي حضر تلك الندوة ظهر من خلال مشاركة بعض الحاضرين أفراد مميزون في أخلاقهم، مميزون في سلوكهم، مميزون في أدبهم، مميزون في أفكارهم وآرائهم، ومداخلتهم ومناقشتهم ومحاورتهم، فهؤلاء ينبغي أن يتابَعوا ليستغلوا ويرشدوا، ويُستعملوا بعد ذلك في الدعوة لله .

стр. 260

ثم علاج السلبية التي ظهرت عند بعض الأفراد أثناء الندوة، فإذا رأى القائمون على الندوة تصرفات مخلة أو تصرفات غير منضبطة بالضوابط الشرعية، من خلال قول بذيء، أو عمل قبيح، أو تصرف أساء إلى الحاضرين، أو سؤال خرج عن المعتاد، أو خرج عن محاضرة الندوة، فينبغي العناية بهؤلاء الأفراد بعد الندوة، والتركيز على توجيههم، والتركيز على تعليمهم الآداب والأخلاق التي أرشدنا ربنا إليها أثناء مثل هذه المجالس، مجالس العلم. وأخيرًا: تسجيل أوجه الخلل التي حدثت في الندوة؛ لتلافي الوقوع فيها مستقبلًا، فلا بد من حصر ما حدث في هذه الندوة من سلبيات؛ حتى لا نقع فيها مرة ثانية. هذه هي الندوة، وأهميتها، وعناصرها، وأسباب نجاحها، وأهدافها. والندوة أنواع: من أنواع الندوة: الندوة المغلقة: التي تقتصر على الأعضاء المشاركين، ويكون لها مدير خاص يتولى إدارة الحوار بين الأعضاء، والندوة المغلقة قسمان: الأول: الندوة البحثية: التي يقدم كل عضو من الأعضاء فيها بحثًا يخضع للمناقشة بعد إلقائه، وفي هذه الحالة يكون كل بحث معدًّا سلفًا قبل موعد الندوة بوقت طويل، ويقتصر دور مدير الندوة في هذه الحالة على تنظيم إلقاء البحوث وإدارة الحوار، ويكون موضوع الندوة تخصصيًا يقتصر على المتخصصين تخصصًا دقيقًا في موضوع الندوة، وفي الغالب فإن الذي يدعو إلى الندوة يكون جهة علمية أكاديمية، أو مؤسسة ثقافية، أو منظمة دولية متخصصة، ويتم نشر الأبحاث عادةً بعد انتهاء الندوة.

стр. 261

النوع الثاني من الندوة المغلقة: الندوة الاستجوابية: التي تقوم على طرح الأسئلة، ومن ثم الإجابة عليها، وفي مثل هذا النوع من الندوات يقوم مدير الندوة بدور رئيسي مشارك، فهو الذي يختار الأسئلة ويصوغها، ويختار أسئلة جديدة، وهو الذي يثير المشكلات التي تحتاج إلى استضاح، ولهذا فإن المفترض في مدير الندوة أن يكون ممن لهم علاقة تخصصية بموضوع الندوة، ممن تتوافر فيهم مهارة خاصة في إدارة الحوار، والسيطرة عليه. وغالبًا ما تكون الندوة في موضوعات عامة تهم الجمهور، ومن هذه الندوات: الندوات التليفزيونية والإذاعية التي تنتشر في هذه الأيام. النوع الثاني من أنواع الندوات: الندوة المفتوحة: وتتميز هذه الندوة بالمشاركة الواسعة من جمهور الحضور الذين لا يقتصر دورهم على طرح الأسئلة فقط، ولكن يتعدى ذلك إلى التعليق، وطرح وجهات النظر المختلفة ولكن في حدود، وبعض أن ينتهي الأعضاء من طرح وجهات نظرهم حول القضية -قضية موضوع الندوة. أما عن كيفية إدارة الندوة: - فإذا كانت الندوة بحثيةً: فلا بد من اختيار أعضائها من بين الأعلام البارزين ومن ذوي الاختصاص المعروفين، وإبلاغهم قبلها بوقت كافٍ؛ حتى يعدوا أبحاثهم إعدادًا كافيًا، كذلك لا بد من اختيار موضوع الندوة بعناية فائقة، بحيث يكون ذا أهمية خاصة للإسهام في حل قضية علمية أو طبية أو إشكالية فلسفية أو أدبية نقدية، ولا بد من إعداد العدة لنشر النتائج وإذاعتها في الأوساط المختصة، وتوزيعها على المعاهد العلمية ذات الاهتمام بهذا الموضوع.

стр. 262

وإذا كانت الندوة استجوابيةً: فلا بد من إعداد المحاور الأساسية للأسئلة التي ستطرح في الندوة، وتوزيعها على الأعضاء المشاركين؛ حتى يهيئوا أنفسهم للإجابة عليها، ويكشفوا عن دقائقها، فلا يفاجئون بأسئلة دقيقة لا يملكون الإجابة عنها، وبالتالي يكون ذلك سببًا في إحراجهم، ولا بد لمدير الندوة من إعداد أسئلته بعناية ودقة، وبأسلوب لا يحتمل التأويل، أو يخلو من اللياقة؛ إذ لا بد من توفر الذوق والأدب، ونبذ التعالم، ومحاولة إظهار المقدرة العلمية، والاستبداد بالحديث، أو التركيز على مشارك دون آخر، أو تعمد إحراج أحد المشاركين أو إهماله، ولا بد من تحديد الوقت وتوزيعه بشكل عادل، وعدم مقاطعة المنتدين، أو تفريع الموضوع، والدخول في متاهات تؤدي إلى تمييع القضية التي هي موضوع الندوة. وفي الندوات المفتوحة: لا بد من السيطرة على زمام الموقف وضبط الأمور لاتساع دائرة الحوار، والمحافظة على النظام، ومراعاة أساليب الذوق واللياقة في التخاطب، وإيقاف المتحدثين الذين يجنحون للإساءة إلى أحد المشاركين، أو تسفيه رأيه، أو السخرية به. هذه هي الندوة وما يتعلق بها. المؤتمر أما المؤتمر: فهو عبارة عن مجموعة محاضرات مكثفة، ذات موضوع مترابط، تلقَى في وقت محدد، لا يتجاوز في الغالب أيامًا معدودة، وفيها يتبادل المحاضرون وجهات النظر حول الموضوع المطروح. وقد كثرت هذه الوسيلة الدعوية في الآونة الأخيرة، وعليها إقبال كبير من الشباب والمثقفين، وقد كان لكثير من هذه المؤتمرات أثر دعوي واجتماعي بين

стр. 263

المسلمين، وبخاصة تلك التي تُعقد في ديار الغرب بين غير المسلمين، الذين هم بحاجة ماسة إلى تعريفهم بالإسلام، وإظهار الدين الحنيف بمظهره الذي هو عليه. وهذه المؤتمرات لها إيجابياتها وإن كان فيها سلبيات: أما الإيجابيات: فمنها: تبادل وجهات النظر والتعاون الفكري بين المسلمين بعامة وبين المحاضرين بخاصة. الثانية: أثر هذه المحاضرات دعويًّا وعلميًّا على المدعوين وغيرهم فيما بعد. الثالثة: الأثر الروحاني والاجتماعي الذي يعيشه المسلمون الحاضرون أثناء المؤتمر وبعده. الرابعة: التعارف بين المسلمين في أفكارهم وأشخاصهم. الخامسة: الظهور بمظهر القوة للإسلام والمسلمين. ففي هذه المؤتمرات يستشعر المسلمون وغيرهم بقوة الإسلام، وبخاصة القوة العلمية، كما يستشعرون إقبال الناس على الإسلام في الوقت الذي يُدبر الناس عن أديانهم، وهذا من القوة الذاتية لدين الإسلام بفضل الله . فالإسلام ينتشر بقوته الذاتية بين غير المسلمين، بينما كثير من أهل الأديان الأخرى يرجعون عن أديانهم ويتركونها؛ لأنهم لم يجدوا فيها ما يبغون، وما تطمئن به قلوبهم، وما يغذي أرواحهم. السادسة: من إيجابيات المؤتمرات العلمية: الخروج بحلول لكثير من قضايا الإسلام العالقة، أو التفكير في حلها، وما أكثرَ القضايا التي تقع بين المسلمين

стр. 264

ويحتاجون إلى إظهار الحل لها، أو تقع بين غير المسلمين ويريدون أن يعرفوا ما هي الحلول التي في دين الإسلام لهذه القضايا؟ فيأتي المؤتمرون ويعقدون مؤتمرهم؛ لبحث هذه القضية التي شغلت بال الناس من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، فيدرسونها، ويطرحون الحلول التي يرونها مناسبة لهذه القضية. كذلك من إيجابيات المؤتمرات: إنقاذ كثير من المسلمين دينيًّا واجتماعيًّا مما حل بهم من الضياع والفساد وبخاصة في ديار الغرب. إلا أن هذه المؤتمرات لم تخلو أيضًا من سلبيات، ونذكر هذه السلبيات من أجل تلاشيها؛ حتى تؤدي المؤتمرات غرضها وتحقق أهدافها. من السلبيات التي تقع في بعض المؤتمرات: قلة المادة العلمية التي تُعرض فيها، وما يترتب على ذلك من ضعف في التأصيل والمنهج، فعلى الذين يشاركون في مثل هذه المؤتمرات أن يبذلوا جهدهم في دراسة الموضوع أو القضية التي ستناقش في هذا المؤتمر، ويؤصلونها تأصيلًا علميًّا يعتمد على كتاب الله، وسنة رسول الله، وأقوال الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم أجمعين- فإن عدم اهتمام المشارك في المؤتمر بتحضير مادته العلمية؛ أولًا يعرضه هو بالظهور بمظهر الضعف، ولا يلقى القبول بين أخوانه ولا بين الحاضرين، وضعفه هو سيؤدي بالطبع إلى ضعف هذا المؤتمر، والإخلال به، وعدم تحقيق أهدافه التي عُقِد من أجلها. كذلك من سلبيات المؤتمرات: عدم التركيز على القضايا العملية، مما يجعل المؤتمرات نظرية وبخاصة في الجانب الدعوي، فينبغي للذين يعدون هذه المؤتمرات أن يهتموا باختيار القضية التي سيناقشونها في أبحاثهم من خلال هذا

стр. 265

المؤتمر، وأن تكون ذا غرض عملي يترجم في حياة الحاضرين إلى واقع عملي، يعني: يسمعون من هؤلاء المحاضرين في هذا المؤتمر أشياء يحتاجون إلى العمل بها، فيخرجون من هذا المؤتمر فيطبقون ما سمعوا ويعملون به، وبذلك يستمر انتفاعهم بما سمعوا في هذا المؤتمر إذا هم عملوا بما سمعوا، أما إذا كان المؤتمر مجرد أقوال نظرية لا تتعلق بالناحية العملية، فإنه سُرعان ما ينساها الناس، ولا يذكرونها، فضلًا عن أن يعملوا بها وينتفعوا، وقد كان السلف يقولون: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به. فمن سلبيات المؤتمرات عدم التركيز على القضايا العملية. كذلك من سلبياتها: عدم الالتزام في كثير من الأحايين بمقررات المؤتمرات، مما يجعلها حبرًا على ورق، إن المشاركين في المؤتمر بعد مناقشة البحوث التي عرضت من المشاركين، خرجوا بقرارات وتوصيات، ينبغي أن تكون هناك لجنة تتابع هذه القرارات، وما نفذ منها وما لم ينفذ، وما هي المعوقات التي حالت دون تنفيذ ما لم ينفذ؟ فإن هذه المتابعة أمر ضروري جدًّا؛ حتى لا تكون هذه القرارات -كما سبق قوله- حبرًا على ورق، نأتمر ونجتمع ونقدم بحوثًا، ونعرض آراءً وحلولًا لقضايا، ونقرأ القرارات والتوصيات، ثم لا يُعمل بها بعد ذلك، فهذه من السلبيات. كذلك من سلبيات المؤتمرات: عدم ضبط ما يلقَى فيها بما يوافق الدليل من الكتاب والسنة، مما يسبب تناقضات في المطروح، واضطرابات لدى المدعوين، وانحرافات منهجية خطيرة في صفوف الصحوة المرتبطة بها. إن العلم كما قال ابن القيم ﵀: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة، ليس بالتمويه.

стр. 266

فلا بد أن تكون البحوث والتي تُطرح في هذه المؤتمرات منضبطة بضابط الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، ولا بد أن تكون الحلول المطروحة لتلك القضية التي يعالجها المؤتمر حلولًا مستمدةً من كتاب الله وصحيح سنة رسول الله ﷺ فإن الله ﵎ قال:﴾ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴿(الإسراء: ٩) يهدي للتي هي أقوم في كل قضية من القضايا، في كل مشكلة من المشاكل، في كل واقعة من الوقائع، في كل حادثة من الحوادث التي تحدث في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين. إن هذا القرآن هو الحل الأوحد للخروج بالناس من المآزق التي دخلوا فيها، ولا يعرفون الخروج منها، وهو الحل الأمثل لكل المشكلات والأزمات التي يعاني منها الناس مسلمين وغير مسلمين على حد سواء؛ لأن الله ﵎ قال في القرآن الكريم:﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴿(طه: ١٢٤ - ١٢٧). فينبغي للمؤتمرين أن يحرصوا على أن يكونوا منضبطين في أبحاثهم التي يعالجون بها القضايا والوقائع والأحداث، يكونوا منضبطين بالكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وإلا فإن كل الحلول التي تُطرح بعيدةً عن ذلك تجعل المدعوين في اضطراب، وتصيب تلك الصحوة المرتبطة بهذا المؤتمر بانحراف كثير عن المنهج. كذلك من سلبيات المؤتمرات: الاهتمام البالغ في الشكليات، مما يؤدي إلى الإسراف وعدم ظهور الدعاة بمظهر التواضع، مما يثير مشاعر الفقراء وغيرهم بذلك، فيبغي في المؤتمرين والقائمين على إعداد المؤتمر أن يبتعدوا عن مظاهر

стр. 267

الترف والسرف والبذخ، وأن يقتصدوا فيما ينفقون في هذه المؤتمرات؛ حتى لا يقال فيهم ما يقال، وما أكثرَ ما يقال. والسعيد الموفق مَن ذب الغيبة عن نفسه. كذلك من سلبيات المؤتمرات: نَحْو كثير من المؤتمرات منحًا سياسيًّا بحتًا، وغلبة التحليلات الواقعة عليها، وهذا منزلق خطير، ينبغي أن نهتم بقضايانا العقائدية والتعبدية والتعاملية، وما ينفع المسلمين وما يردهم إلى دينهم ردًّا جميلًا بإذن الله . كذلك من السلبيات: تتبع الأحداث بعيدًا عن مضامين الشرع ومنهج الكتاب والسنة، وانطلاق بعضها انطلاقاتٍ حزبيةً، مما يعطل شموليتها، ويحجر واسعها، ويقطع في كثير من الأحيان سيرها. إن الحزبية أمر خطير، فَرَّق المسلمين، وأضعف قوتهم، وأصابهم في مقتل، فعلى المسلمين أن يتحرروا من هذه الحزبية، وأن يجتمعوا على كتاب الله وعلى صحيح سنة رسول الله، وأن يستجيبوا لرب العالمين حيث قال:﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴿(آل عمران: ١٠٣) وأن يستجيبوا لرسول الله ﷺ حيث أوصَى أصحابه وكل مَن بلغهم في آخر أيام حياته ﷺ . يقول العِرباض بن سارية ﵁: ((وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغةً، وجلت من القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، فإنه مَن يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) أو كما قال ﵌. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 268

الدرس: ١٥ قواعد في الأسلوب الدعوي .

стр. 269

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (قواعد في الأسلوب الدعوي) قاعدة القول الحسن والكلمة الطيبة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فبعدما انتهينا من دراسة الأساليب الدعوية؛ نتبعها بقواعد ينبغي على الداعية خطيبًا كان أو مدرسًا أو محاضرًا، أن ينضبط ويلتزم بهذه القواعد؛ حتى ينجح في دعوته، وتُؤتي دعوته أكلها بإذن ربها. من هذه القواعد التي ينبغي للداعية أن يلتزمها في أسلوبه الدعوي القول الحسن: فإن لحسن أسلوب والكلمة الطيبة وطِيب العشرة الأثر الطيب والثمر اليانع في حياة الناس بعامة، ولذلك حثّ اللهُ الأنبياء والدعاة والناسَ أجمعين على هذا القول الحسن، قال الله تعالى مادحًا عباده المؤمنين: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الحج: ٢٤)، وقال آمرًا بالقول الحسن: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣). فإذا كان هذا الأمر بعامة ولعامة الناس؛ فمن باب أولى أن يكون للداعية منه نصيب وافر وبخاصة في مقام الدعوة، ولذلك أكد الله على حُسْنِ الأُسلُوب في مَقَام الدّعوة بغض النّظر عن حال المدعو؛ أيًّا كان في مقامه أو في دينه أو في كفره، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). ومع ما اتصف به رسول الله ﷺ من الرفق واللين وحسن العشرة بشهادة الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، مع هذا كله حذَّر الله ﵎ نبيه ﷺ من عواقب سوء الأسلوب وغِلظة العشرة، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).

стр. 270

وجاءت السُّنة لتُؤَكّد حُسْنَ الأُسلوب بصورة أشمل، وبتعبيرٍ أعَمّ يَشْمَلُ كل مخلوق، ويعم كل معاملة. قال ﵊: ((ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، وما نُزِع من شيءٍ إلّا شانه)) فتنكير كلمة "شيء" تفيد العموم في كل قضية، ومع كل مخلوق، إنسانًا كان أو حيوانًا. وقال ﷺ : ((الكلمة الطيبة صدقة)) وقال ﷺ : ((تبسمك في وجه أخيك صدقة)). ومن عظم ما يسطر ها هنا من خلق النبي ﷺ مع أشد الناس عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين، مما يُبرز سماحة هذا الدين وقصده الإصلاح: عن عائشة ﵂: ((أنّ يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة ﵂: عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم، فقال ﷺ : مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحشَ، قالت ﵂: أَوَلَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلتُ؟! رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فيَّ)). وحَذّرَ رَسُول الله ﷺ من تَنْفِير الناس من الدعوة؛ بالتصرفات السيئة والأسلوب الفَظّ، والكَلِمات القاسية، فقال رسول الله ﷺ : ((إن منكم منفرين)) وصدق والله رسول الله ﷺ ومن المشهور أن هذا القول إنما قاله ﷺ لمن أطال الصلاة، أطال إمام الصلاة بالمصلين، فشكوه إلى رسول الله ﷺ فقال: ((إن منكم منفرين)). فإذا كان هذا قوله ﷺ لمن أطال الصلاة، فما عساه أن يقول لمن يُطيل الخطاب ويسيء الأسلوب، وقد جاء أكثر من وفد من كفار قريش إلى النبي ﷺ فلم يتغير أسلوب خطابه، تأثرًا بما كان منهم من قبل من التعذيب والفجور والصد عن سبيل الله.

стр. 271

وخَشْيَة أنْ يَتأثر موسى ﵇ بِمَا كَانَ عَليه فِرْعَون من الكفر الشديد، والظلم الكبير والعناد والخُبث، ذكره الله تعالى بأن لا يتجاوز الأسلوب الحسن في خطابه، وأن لا يلتفت إلى سوابق فرعون من كفر وظلم، وإلى تصرفاته السابقة من بطش وإجرام، ويظهر هذا في قول ربنا مخاطبًا موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام-: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣ - ٤٤) ويظهر كذلك في المحاورة التي جرت بين موسى وفرعون مما ذكره الله في القرآن الكريم في أكثر من موضع. فإذا كان الأسلوب الحسن واجبًا في أحق أكثر الكافرين، وأضَل الضالين؛ فكيف بمؤمن مخطئ أو مسلم منحرف؟! لذلك كان من الأمور التي يجب على الداعية أن يلتزمها في دعوته طاعة لله ومصلحة لدعوته، حسن الأسلوب وثباته على هذا في كُلّ زمان ومكان، ومع كل مدعو ومدعوين، بما النظر إلى ما عليه المدعو من الأحوال الإيمانية والعدوانية والخُلقية، ومهما تصرف من تصرف حيال الدعوة أو الداعي؛ لأنّ حسن الأسلوب أمر شرعي مفروض على الداعية لا يتغير بتغير حال المدعو وتصرفاته، فلا يجوز في الدعوة إلا رفقًا بالأفعال ورقة في التعبير وعطفًا في التصرف. الرِّفْقُ واللين والتّيسير القاعدة الثانية: الرِّفْقُ واللين والتّيسير لا القساوة والغلظة والتعسير. إن من أعظم مُميزات الأسلوب الحسن ومعالمه هو الرفق في المعاملة والكلمات الطيبة، والعِبَارَاتُ اللّينَة والبَشاشَةُ حين اللقاء، والبُعد عن الجفاء، والتجافي عن الفظاظة، والترفع عن الرد.

стр. 272

فقد مر سابقًا من النصوص ما يغني عن إعادتها من أهمها قول ربنا لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ مع طغيانه وجبروته: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقد مدح الله ﵎ عبادَه الذين شرّفهم بالنسبة إليه؛ فسماهم عباد الرحمن مدحهم على القول الهين اللين، فقال : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: ٦٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: ٣٤). وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) وقال ﷺ : ((من يُحرم الرفق يحرم الخير كله))، وقال ﷺ : ((ألا أُخبركم بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل)). فإذا كان هذا هو الواجب في أسلوب المسلم في حياته العامة؛ فمن باب أولى أن يتأكد هذا في أسلوب الدعاة؛ لِمَا سبق من بيان أهمية الأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى. ولذلك جاءت النصوص مؤكدةً على ذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥)، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)). وفي رواية قالت ﵂: ((كنت على بعير صعب فجعلت أضربه، فقال لي رسول الله ﷺ : عليك بالرفق)). وبتعبير تأصيلي بديع وذكر للسر في ذلك يقول ﷺ : ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه)) ومعنى: ((زانه)) أي: إذا كان

стр. 273

الرفق في شيء جَعَله جَميلًا ومحبوبًا، ويكون ذلك بالمُعاملة الحسنة والكلمة الطيبة، والصفح الجميل، وهذا هو الذي يُصْلِحُ الأسلوب، ويَجْعَله مقبولًا لدى المدعوين. ومعنى قوله: ((شانه)) أي: جعله مقبوحًا ومكروهًا، ويكون بالألفاظ القاسية والأسلوب الجاف، والتجهم بالوجه، والتأفف من المدعو وأفعاله؛ مِمّا يُؤدي إلى إفساده وإفساد الدعوة ونفور المدعوين. وإذا كان رسول الله ﷺ قد عاتبه ربه إذ عبَس في وجه أحد المدعوين، وهو عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وقد كان جاء النبي ﷺ يسأله أن يُعلمه مما علمه الله، وكان رسول الله ﷺ في ذلك الوقت مجتهدًا في مناقشة ومحاورة ودعوة أكابر قريش إلى الله فانشغل بهم عن عبد الله بن أم مكتوم، وعبس في وجهه أن أراد أو حاولَ أنْ يَقْطَع حَديثه مع أكابر القوم ويصرفه عنهم، ونزلت سورة عبس كما هو مشهور. فإذا عوتب رسول الله ﷺ في ذلك، فما حال بعض الدعاة الذين يتجهمون في وجوه الناس وكأن بينهم وبين المدعوين حربًا ضروسًا، وعداءً مستحكمًا. فحري بالداعية أن يراجع أسلوبه فهو نصف النجاح إن لم يكن معظمه. الشفقة والنصح لا التوبيخ والفضح القاعدة الثالثة من قواعد الأسلوب الدعوي: الشفقة والنصح لا التوبيخ والفضح. إن المدعوين مرضَى، والداعية هو الطبيب، والطبيب الناصح يكون شفيقًا بالمرضى؛ همه معالجتهم والأخذ بأيديهم إلى طريق الصحة، وإنقاذهم مما هم فيه، ولا يَجُوز له إلقاء اللوم ولا فضيحة المريض، ولا التشفي منه؛ فإنّ هذا يزيدهم مرضًا على مرض، وضياعًا على ضياع، وهمًّا على هم؛ لأجْلِ هذا وجب أن يكون أسلوب الداعية أسلوب الشفيق بمدعويه الرحيم بهم.

стр. 274

قال الله تعالى عن رسوله محمدًا ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨)، وقال النبي ﷺ : ((الدينُ النصيحةُ)) فجعل محور الدين النصيحة لا الفضيحة؛ فإن للنصيحة أسلوبها؛ وللفضيحة طريقها، وشَتّان بين الطريقين أسلوبًا وأثرًا. ومن الخطأ الواضح ما يفعله بعض الدعاة من تتبع عثرات المسلمين، وكشف عوراتهم، بدعوى ظاهرها زين وباطنها شين، فقد قال ﵊: ((يا معشر مَن آمَنَ بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومَن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)). بلى على العكس من ذلك أمر الإسلام بستر المسلمين، وفي الحديث قال ﷺ : ((ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة))، ولذلك كان من سنة رسول الله ﷺ إذا أحس من أحد خطأً، قام بواجب النصح في الأمر مع ستر عين الفاعل؛ فكان يقول على المنبر: ((ما بال أقوام يقولون كذا))، ((ما بال أقوامًا يفعلون كذا)). فبهذا يؤدي واجب النصح ويؤدي في الوقت نفسه واجب الستر، وهي موازنة يجب أن يراعيها الدعاة إلى الله . فمِنَ الخَطأ تَسميةُ النّاسِ بأسمائهم في الأسلوب الدعوي على اختلاف أنواعه؛ فعل فعلان، وقال فلان، لا فَرْق في ذلك بين كبير القوم وصغيرهم، وأعلاهم وأدناهم، وكم لهذا الأسلوب من مساوئ، وكم حال هذا الأسلوب بين الداعية وبين جمهوره، وكم حال هذا الأسلوب السيئ القبيح المخالف للهدي النبوي الغير المنضبط بالقواعد الدعوية، كم جر هذا الأسلوب على الداعية نفسه من ويلات ونكبات.

стр. 275

سهولة الأسلوب وبساطة الطرح، وواقعية التمثيل القاعدة الرابعة من قواعد الأسلوب الدعوي، التي يجب على الداعية أن يلتزم بها وينضبط: سهولة الأسلوب وبساطة الطرح، وواقعية التمثيل. فالمقصود من الدعوة إلى الله تبليغ أَمْر الله إلى المدعوين؛ وفهم المدعوين لهذا الأمر، وليس المقصود بلاغة الداعية في خطابه، وتَنْمِيقَ عِباراته، وسَجع ألفاظه، وضربه أمثالًا خيالية لا تُفهم، وسبكه تراكيبَ ومصطلحات لا تدرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم: ٤). فلم يكتفِ سُبحانه بِذِكْر أنّ الإرسال كان بلسان قومهم؛ بل ذكر العلة في ذلك وهو البيان والتوضيح، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، لقد جاء القرآن الكريم سهل الأسلوب، واضحَ البيان، متنوع الطرح، ليس فيه تعقيد ولا فلسفة ولا خيال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧). وإنما أوتي من لم يفهم القرآن من جهة ما حل من العرب من عُجمة، وبعدًا عن لغتهم الأساس، وإلّا فأيُّ عربي لا يفهمُ قول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (الناس: ١)، فهذا من سهولة ووضوح بيانه ووضوحها. ولا يغمض سياق القرآن ومقاصده على عربي، وإنما الذي يغمض بعض الألفاظ التي هجر استعمالها العرب. وأما بشأن الأسلوب فيتنوع أسلوب القرآن؛ فتجد فيه التقرير الصارم، والأمر الجازم في الوقت الذي تستمتع فيه بالقصص المؤثرة، والأمثال المعبرة، وتسمع

стр. 276

منه الأخبار الماضية والأحكام المحكمة، والأنباء القادمة. ثم يفاجئك بفتح ناظريك على المشاهد المستقبلة، من صور يوم القيامة ومناظر من الجنة والنار كأنك تراهما رأي العين؛ لتسمع لقطات لما يجري فيهما بين أهليهما: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (الزخرف: ٧٧)، وقال أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (الزمر: ٧٤). وتلقَى فيه الحوار الممتع، والمناظرة المُفحِمَة في الوقت الذي يَعُجّ بالحجج العقلية، والمُؤثرات العاطفية؛ كل ذلك بأسلوب يتلمس الناظر فيه رقة التعبير عند الترغيب، وقوة التأثير عند الترهيب، ويَلْمَحُ فيه كلمات الأنس التي يناجي بها القلوب اللينة؛ فيُبْقِي عليها شعورًا من الأنس، وطمأنينةً بعد القلق، في الوقت الذي تلتفت فيه عبارات التذكير؛ لتحرك الوجدان وتغذي الشعور، ثم تنعطف قوارع الترهيب، فتُهدد كيان النفس وتقذف الرُّعب في القلب. وترى فيه المحكم والمتشابه، وتلقَى فيه المجمل والمفصل، كل ذلك وهو يتدفق بكلمات حانية ووعد صادق: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ (النساء: ١٤٧)، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: ٢٧)، ويهدد بألفاظ قارعة وعيد شديد: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٧). كل ذلك بأسلوب آخاذ، وعبارات جذابة، وإيقاعٍ يتناسب مع كل موضوع ومع كل ذي روح ونَفَس، كل ذلك حتى يكون الخطاب شاملًا للخلق، مؤثرًا في النفس، مقيمًا للحجة؛ فمن لم يتأثر بالترغيب تأثر بالترهيب، ومن لم يتحرك قلبه تحرك عقله بالاستجابة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: ٢٣).

стр. 277

وفي مقام التمثيل: انظر إلى أمثال القرآن الكريم، ما أروعها في المقصود! وما أيسرها في الفهم! وما أوقعها في النفس! وما أسهلها في التعبير! وما أنسبها لجميع الخلق ذكورهم وإناثهم عربهم وعجمهم، بدوهم وحضريهم، وهَكذا كان القُرآن الكَريم في بيانه سهل الأسلوب، واضح الطّرح، واقعي التمثيل؛ يتناسب والناس جميعًا على اختلاف ثقافتهم وأجناسهم. كذلك كانَ أُسلوب النبي ﷺ في الدعوة إلى الله وما يُقال في هذا الباب عن القرآن الكريم، يُقال عن النبي الأمين ﷺ فهو سيّدُ البُلَغاء، وأفضل مَن نطق بالضاد، يتكلم بأسلوب يفهمه طبقات الناس جميعًا؛ حتى بعد أربعة عشر قرنًا فمَن ذا الذي لا يفهم قول النبي ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) من ذا الذي لا يعي قوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمُه ولا يَحْقِرُه))، ((كُلُّ المسلم على المسلم حرام))، ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)). وإنّمَا أوتي المسلمون من بُعدهم عن لغتهم العربية. وكان من أسلوب رسول الله ﷺ إذا تكلم الكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتُفهم عنه، وكان يفصِّل في كلامه، ويتأنَّى في إلقائه. عن عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ كان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه)). وكان ﷺ يضرب لأصحابه الأمثلة الجميلة من واقعهم، فيفهمونها ويدركون مدلولها؛ فضرب لهم مثلًا عن المؤمن بالسنبلة تستقيم مرة وتخيب مرة؛ وقال ﷺ : ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك ونافخ الكير)) وقال ﷺ : ((مثل المُنَافِق مَثَلُ الشّاة العائِرة بين الغنمين)) فمن من الصحابة ومِنّا نحنُ بعد ألف وأربعمائة سنة لا يعرف السُّنبلة ولا يعرف بائع المسك ولا يعرف الغنم.

стр. 278

وغير ذلك من الأمثلة البديعة التي لا تكاد تحصى في السنة، كل ذلك كان بأسلوب ممتع وعبارات سهلة وتعبير مفهوم، وعرض حسن ونطق جميل. فأين نحن اليوم معشر الدُّعاة من هذا؟! لقد خَالفَ كثيرٌ من الدُّعاة هذه القواعد وخرجوا في أساليبهم عن هذه الضوابط؛ فصِرْتَ تَحْضُر لكثير من الخطباء، وتَستَمِعُ إلى خُطبهم، ولا تكاد تخرج من الخطبة بكثير ينفعك، وكذلك من الدروس لا تكاد تخرج منها بفائدة تذكر؛ لأنّ هَمّ الخطيب أو المدرس كان سرد المعلومات، وليس تبسيطها والإكثار منها. إنّ سهولة الأسلوب وبساطة الطرح وعذوبة الألفاظ، تدفع الناس إلى الاستماع فالتعلم فالتأثر فالعمل، وإن صعوبة الأسلوب وتعقيد الطرح يدفع الناس للإعراض، ولا يخفى ما يترتب على ذلك. وأسوأ من هذا ما كتب باسم العقيدة بألفاظ أفلاطونية، وعبارات فلسفية؛ فضلًا عما فيها من مخالفات شَرْعِيّة، وتَكَلُّف ما لم يأمرنا به الله ولا رسوله، بعيدين عن هدي الكتاب والسنة في العقيدة، وما فهمه الصحابة -رضوان الله عليهم- والأئمة الأربعة ﵏ مما يُسمى بالعقيدة السلفية الصافية. التحدث بلُغة الجمع، وتعميم الخطاب عامةً دون قصد أفراد أو تعيين أشخاص ومن أهم ما ينبغي للداعية أن يلتزم به في أسلوبه: التحدث بلُغة الجمع، الخطاب بصورة الجمع باستعمال "نا" المتكلمين وبضمائر المخاطبة؛ فلا يقُل الداعية مثلًا في حال النصح وتصحيح الخطأ "أنت" أو "أنتم" فعلتم، وأنتم قصرتم، وانهزتم، وعليكم أن تتوبوا إلى الله، وأن تتبعوا سنة رسول الله ﷺ -

стр. 279

وهذا الذي أصابكم إنما أصابكم من ذنوبكم وأفعالكم، لا يقل هذا؛ فيُخرج نَفْسَه من جمهوره الذي يذكر عيوبه ويذكره بها، ويدعوهم إلى التوبة منها. بل يدخل نفسه مع المخاطبين والحاضرين فيقول: نحن المسلمين قصرنا، ولو أننا فعلنا، لو أننا تبنا، أو يخاطبهم بأداة الشرط، من فعل كذا، كان له كذا وكذا، أو مَنْ فعل كذا فكان عليه كذا وكذا، أو يُخاطِبَهُم بصيغة مطلقة، لو تَاب المُسلم أو لو تاب المسلمون، لو أنّ المسلمين فعلوا وفعلوا؛ لأنّ في صيغة المُخاطب أنتم نوعًا من الاتهام للمدعوين، وتزكيةً لنفس المخاطب، مما يدفع بعض المدعوين لعدم الإنصات، بل وربما تكلم مع الداعية مما كان في غنى عن سماعه. وأما في الصيغة الثانية صيغة المُتكلم، وفي الصيغة المُطلقة؛ فإنّ المُخاطبين يستشعرون بتواضع الداعية، وأنّه منهم ومعهم يصيبهم ما يصيبه، ويناله ما ينالهم؛ مِمّا يدفعهم للتفاعل معه، كذلك لا يحتج ببعض الآيات التي خاطبت الناس بميم الجمع؛ لأنّ المُخاطب هو الله وفَرْق كبير بين خطاب الرب العظيم وخطاب عبد غير معصوم، ولا يمكن أن يجتمع الله سبحانه مع خلقه في كائن أو ضمير في سياق التكليف أو التأديب. ومع ذلك نجد الخطاب المُطلق والمُشروط بالأفعال والأقوال في كتاب الله كثيرًا دون تعيين يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (الأعراف: ٩٦)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾، لم يسمّ القرية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِه﴾ (النساء: ٦٦) لم يُسمهم. كذلك من المستحسن الداعية أن يعمم في خطابه، وأن يُطلق في عباراته، دون أن يخصص أقوام أو يعين أفرادًا، ولو كانوا قائمين على الخطأ، أو مستمرين في العصيان؛ ويُمكنه عند الحاجة أن يُعَلّق الأحكام بالأفعال، وأن يُنِيطَها بالأقوال،

стр. 280

وهذا أسلوبٌ دَأبَ عليه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ١٨)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة: ٧٥ - ٧ ٧). وبالمناسبة ينبغي -معشر الطلاب- أن تعلموا أن كثيرًا من كتب التفسير أوردت في تفسيرها هذه الآيات من سورة التوبة قصة مشهورة، تتردد على ألسنة الوعاظ والقصاص والمدرسين والخطباء، وهي معروفة بقصة حمامة المسجد، ونُسبت زورًا وبهتانًا وعدوانًا إلى صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ثَعْلَبة بن أبي حاطب. ثعلبة بن أبي حاطب ﵁ من الصحابة الكرام، شهد مع رسول الله ﷺ بدرًا، واستُشهد في أحد فنسبت هذه القصة إليه التي جعلوها سببًا نزول الآيات، يُعَدّ ظلمًا له ﵁ وعدوانًا عليه. ثم إنّ القصة أصلًا باطلة سندًا ومتنًا، لا يَصِحُّ سنَدُها، ومَتنها مُخالف بصريح القرآن الكريم. الله ﵎ فتح باب التوبة أمام كل من أراد أن يتوب وإن كان كافرًا، والقصة تقول: أن هذا الرجل الذي نُسبت إليه القصة لما نزلت الآيات خَافَ وجاء بصدقة لرسول الله فلم يقبلها وجاء إلى أبي بكر فلم يقبلها ... إلى آخره. ثم إنّ الرسول ﷺ قال في الزكاة: ((من أعطاها متجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات رَبّنا)) فكيف ترك رسول الله ﷺ -

стр. 281

ذلك الرجل الذي منع الزكاة؟ ولم يأخذها منه كما قال: ((فإنا آخذوها وشطر ماله)). فعليكم معشر الطلاب أن تحذروا من ذكر هذه القصة، وسائر الإسرائيليات والضعيف والموضوع، احذروا من ذكرها، وذكروا الناس ببطلانها. والشاهد: أنّك تلحظ في هذه الآيات أن الله علق الأحكام بالأفعال والأقوال، ولم يذكر أسماء أصحابها؛ "ومنهم" "ومنهم" وكذلك مضت السنة المطهرة -على صاحبها أزكى الصلاة والسلام- بعدم ذكر اسم المخالف أو المنصوح إلا بالتعريض والعموم، فما أكثر ما كان رسول الله ﷺ يقول: ((ما بال أقوامًا فعلوا كذا))، ((ما بال أقوامًا قالوا كذا))، ((ما بال أقوامًا بلغني عنهم كذا)). مع أنّ المقصود خطاب أقوام قاموا بالمخالفة التي دعت النبي ﷺ لتوجيه خطابه إليهم، ومع ذلك لم يذكر أسماءهم. من ذلك قوله ﵊: ((ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله))، ((ما بالُ رجال يحضرون الصلاة معنا بغير طهور))، ((ما بال أقوام))، ((ما بال رجال)) لم يسمهم: ((ما بال رجال كلما نفرنا في سبيل الله تخلف أحدهم عندهن؟)) ورأى رسول الله ﷺ أقوام لا يحسنون الوضوء ويَدعون مواضع من أرجلهم لا يصيبها الماء، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)) فلم يحكم عليهم ولا على أعقابهم بل لم يذكر أسماءهم، ولم يقل: ويل لكم، أو ويل لأعقابكم، مستعملًا كاف الخطاب. وكان ﷺ يتكلم أحيانًا بنا المتكلمين هو لم يفعل الفعل كما في خطبة الوداع قال: ((وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب))

стр. 282

فانظر -أيها الداعية- إلى عِظم هذه الأفعال التي فعلها هؤلاء المخطئون، وما يفعله المنافقون من الصلاة بغير طهور، ومن تركهم الجهاد واقترافهم لبعض الذنوب؛ فضلًا عن أذية بعضهم للرسول ﷺ ومع هذا كله لم يذكر أسماءهم ولم يحذر من أعيانهم. ولكنه ﷺ كان يحكم على الأعمال ويصححها. فمن هذا وغيره تستنبط القاعدة "نصحح ولا نجرح"، "ننصح ولا نفضح" فهل من مُدّكر! أسأل الله أن يهدينا وجميع إخواننا الدعاة سواء السبيل. فعلى هذا لا يجوز ذكر الأسماء بالسوء في المجالس العامة؛ فضلًا عن ذكرها على عامة الناس إنما كان منهم في الضرورة القصوى، كدفع مفسدة جلية أو جلب مصلحة كبيرة، وهذا الكلام عام يشمل العامة والخاصة الكبراء والأصاغر، فما بال أقوام لا يتورعون عن ذكر كبرائهم وأمرائهم على منابرهم بالاسم الصريح، ولا يسكتون عن ذكر مثالبهم ومساويهم، بل يُشهرون بهم كلما قاموا وكلما قعدوا، كم أجلب هذا الأسلوب على الدعاة من شر وحال بينهم وبين الدعوة إلى الله . ومنه يُدْرِكُ المُسلم الواعي خطأ هذا الأسلوب خطر ذكر الأسماء على المنابر، والتشهير بهم في المجالس ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الوقت الذي نجد فيه رسول الله ﷺ لا يسمي الذين يخطئون، نجده ﷺ يسمي أهل الفضل والعلم على الملأ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمرهم، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). وحديث العشرة المبشرين بالجنة حديث مشهور؛ فعن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: ((عشرة في الجنة: النبي في الجنة،

стр. 283

وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: مَن هو؟ فسكت، قال: قالوا: مَن هو؟ قال: سعيد بن زيد)). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن جموح))، فعلينا أن نفطن إلى هذا الأسلوب الدعوي الجميل، إذا أردنا التحذير من منكر ارتكب بعض الناس لا نذكر أسماءهم، وإذا أردنا تذكير الناس بعمل حسن فعله بعض الناس ليقتدوا به، فنذكر الفاعل تكريمًا له وتشريفًا، وليكون أسوة حسنة لغيره. الحث والإكثار من استخدام عبارت الاستفهام كذلك ينْبَغِي على الدّاعِية أن يَغْلِبَ على عباراته الاستفهام؛ سواء كان تقريريًّا أو استنكاريًّا أو تعجبيًّا، وأن يُكثر من ألفاظ الترجي: "لعل" "أرأيت"، و"رب" بدل الخطاب التقريري والاستنكاري المباشرين، ذلك لأن استعمال أساليب الاستفهام وألفاظ الترجي في الخطاب أبلغ تأثيرًا، وأقل أثرًا سلبيًّا، ولو كان يتضمن نقدًا مُباشرًا؛ لعدم استساغة الخطاب الاستنكاري والتقريري المُباشرين. فبدل أن يقول: لا يَجُوز للمسلم أن يُدَخّن، أو يحرم انتهاك حرمات الله في رمضان. يقول الداعية: أيليق بالمسلم أن يدخن؟ أيجوز انتهاك حرمات الله وفي رمضان؟ وبدل أن يقول: ستلقى الله على هذه الحالة الآثمة، أو ستكون سيئاتكم تغلب حسناتكم؛ ينبغي أن يقول: كيف سنلقى ربنا ونحن على هذه الحال، أو يقول:

стр. 284

هل ستكون حسناتنا أرجح من سيئاتنا؟ وبدل أن يقول: أنتم لا تحبون الله ورسوله، أو يقول: يَجِبُ أنْ تُحِبّوا الله ورسوله، يقول: ألَا تُحِبّون الله ورسوله؟ أو هل يفعل هذه المخالفة من يحب الله ورسوله؟ أو يقول: لعلنا نتوب إلى الله، أو أرأيتم لو تبنا إلى الله؟ وهكذا. وتأمل أيها الداعية -رحمك الله- قول الخليل إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر بعد أن استنفذ كافة أساليب الخطاب الدعوي، من استفهامات وترجي وإثارة للعاطفة والعقل، قال مرهبًا بأسلوب مفعوم بالشفقة والخوف على أبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٥)، فانظر إلى كلمة: ﴿أَخَافُ﴾ وكلمة: ﴿يَمَسَّكَ﴾ اللتين تقطران شفافيةً وتخوفًا. ومثله قول أخيه هود ﵊ لقومه الذين أذاقوه ما أذاقوه من صنوف الأذى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٣٥). والمقصود أن يضع الداعية أداة الاستفهام قبل خطابه، وكلمات الرجاء والترجي في كلامه، وما شابه ذلك حتى يُحَلّي أسلوبه؛ فلا يكون مرًّا، ويرطب خطابه حتى لا يكون جافًّا. والمُتأمل لأسلوب القرآن الكريم يجده مشحونًا بهذا الأسلوب الهادف، والتعبير الممتع، حتى مع الكافرين ومع أشد الناس عداوةً لله ولرسوله وللمؤمنين، اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: ٣٥ - ٣ ٦)، استفهامان مُتتاليان: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَهُزّان الضمير، ويُحَرّضان العقل، ويُقرران الحقّ بأسلوب مقبول، وتعبير مثير، يدفع العاقل للإقرار والتسليم. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الطور: ٤٣)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (مريم: ٦٧)،

стр. 285

وتكرر قول ربنا سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٠)، كما تكرر قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ (الفرقان: ٤٣)، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (القصص: ٧١)، ﴿لَعَلَّ﴾ (الطلاق: ١)، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ (السجدة: ٢١). وفي هذه التعابير ما لا يخفَى من التأثير النفسي على السامع أو القارئ؛ لأنّ النفس تكره التقريع المباشر والاتهام الصريح، ولو كانت مذنبةً ومقرةً بذلك في نفسها. لذلك جاء هذا الأسلوب مقررًا الحقائق مراعيًا حال المخاطبين؛ فجمع بين قول الحق وحسن العرض. كذلك سلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في خطابهم هذا المسلك، قال الله ﵎: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (إبراهيم: ١٠)، وقال إبراهيم ﷺ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٥٢)، وقال لهم أيضًا: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (الصافات: ٨٦)، وقال موسى ﷺ لقومه: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ (يونس: ٧٧)، وقال ﷺ أيضًا لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥). فانظر -رحمني الله وإياك- ما أعظمَ هذا التقريرَ، وما أبدع هذا العرض! قول الحق بأسلوب مقبول، وطرح مؤثر، وقال مؤمن "يس": ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ٢٣ - ٢٤)، وقال النبي محمد ﷺ لعلي ﵁: ((كيف أنت وقوم كذا وكذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم؟!)). وقال ﷺ لأسامة بن زيد: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟!)) وفي رواية: ((أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!)) وقال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄ وقد طرقهما ليلًا فوجدهما نائمين، فقال: ((ألا تصليان؟))، أسلوب عرض، بدل أن يقول: "قومَا فصليا"، بصيغة الأمر. وقال ﵊ لرجل من الأنصار أرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر من الماء، فقال ﷺ : ((لعلنا أعجلناك، قال: نعم يا رسول الله، قال: إذا أُعْجِلْتَ أو أقحطت؛ فلا
следующие страницы →