← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والعناية، ولذا فإن الخاتمة لا تقل أهمية عن الموضوع نفسه فضلًا عن مقدمته، وينبغي أن يجعل الخطيب نصب عينيه عند تفكيره في الخاتمة هذه الأسئلة: هل يغلب على ظنك أيها الخطيب أن السامعين فهموا الموضوع واستوعبوه؟ وما هي الأسئلة التي تتوقع أن تسأل عنها بعد انتهاء موضوع الخطبة؟ ماذا تريد من السامعين أن يعملوا؟ لقد عرفناك أن للخطبة أغراضًا تتنوع هذه الأغراض بتنوع الخطبة، فلا بد أن يكون حاضرًا في ذهنك ماذا تريد من السامعين أن يعملوا، ماذا تريد أن تعلمهم من العقيدة، ماذا تريد أن يقوموا به من عبادات، ماذا تريد أن يصححوه من المعاملات، كيف يمكن أن يبقى لموضوع الخطبة أثر طيب ممتد في نفوس وعقول وسلوك السامعين، إن هذه الأسئلة حين تجعلها في ذهنك ستجعلك في مواجهة أمام نفسك بحيث تستشعر عظمة مسئولية الخطابة، وتدرك عمق أهمية دورها وتأثيرها، وأنها ليست مجرد أقوال مرسلة أو بلاغة جميلة أو حماسة متقدة، بل هي أمانة ورسالة، وتعليم وإرشاد، كما أن العناية بخاتمة تدفع الخطيب لمحاسبة نفسه وتربيتها؛ إذ كيف يطلب من الناس ما لا يعمله، وكيف يدعوهم إلى ما لا يقبله، وفي ضوء هذا يمكن تلخيص أهداف الخاتمة في هذه النقاط. أولًا: الخاتمة تلخيص لأبرز نقاط الموضوع، وأكثرها أهمية. ثانيًا: الخاتمة تركيز على الترجمة العملية المطلوبة للسامعين. ثالثًا: الخاتمة هي العصارة التي تنعكس على شعور وإحساس السامعين، وتبقى في أذهانهم.

стр. 72

ومن حيث الأداء، فإن من المناسب أن يراعي الخطيب في الخاتمة ما يلي: أولًا: الهدوء والبطء النسبي في الإلقاء، وذلك لما في الخلاصة من الثمرة والتركيز على النقاط المهمة. ثانيًا: محاولة الربط بالمقدمة أو بعض العناصر المهمة في الموضوع للإشعار بالترابط من جهة، ولبيان أن الخاتمة نتيجة لما سبق ذكره من جهة أخرى. ثالثًا: استخدام أساليب التوكيد والجزم التي تدفع نحو العمل والالتزام مع التطعيم بأساليب الحث والتشجيع، وتعزيز الثقة التي تحول دون اليأس والإحباط، والشعور بعدم إمكانية العمل والتغيير. رابعًا: استخدام التعداد بالرقم صوتًا وبالأصابع إشارة، وذلك في ذكر نقاط التلخيص أو خطوات العمل المطلوبة. خامسًا: في حالة وجود إكمال لتوابع الموضوع في خطب قادمة، فإنه تحسن الإشارة إلى ذلك والتشويق إليه والربط به. أما من الناحية الشكلية، فإن خاتمة الخطبة ينبغي أن تشتمل على عنصرين أساسيين: الأول: الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ثانيًا: الدعاء لعموم المسلمين وتخصيص ولاه الأمر والمجاهدين، وضعفة المسلمين بالدعاء، ومن الخطأ أن يجعل الخطيب الخطبة الثانية كلها دعاء يقطعها عن الخطبة الأولى قطعًا ويبترها بترًا، بل -كما سمعنا- ينبغي أن تكون الخطبة الثانية متصلة تمام الاتصال بالخطبة الأولى، وتختم بما ذكرناه من الخاتمة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 73

الدرس: ٥ الخطيب وصفاته .

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (الخطيب وصفاته) أهمية الخطيب ومكانته في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فكما تنطلق الشحنة الكهربائية عبر الأسلاك فيضيء المصباح، وكما تتسلل خيوط الفجر في غسق الليل فيسرق الصباح يمضي الخطيب إلى النفوس فيخرجها من الظلمات إلى النور، وإذا كان العاملون في كل موقع يسهمون بجهودهم في إحداث التغيير النفسي والاجتماعي لدى الأفراد، فإن الخطيب يأخذ حظه الوافي من هذا التغيير بما يملك من سلاح أمضى، وقدر أشمل. إن المهندس والطيار أو البحار يتعاملون مع الجماد، وإذًا فما أيسر المهمة بيد أن الخطيب يتعامل مع كائن حي له مشاعره، وله كذلك فكره، بل إنه لا يواجه من البشر نوعًا واحدًا، بل يواجه مستويات متعددة متفاوتة، وهو مع هذا مطالب بأن يجمعها كلها على الصراط السوي، وأن يحوز رضاهم جميعًا، وحتى رفيقيه على طريق التوجيه المعلم والأديب كلاهما لا يمارس نفس المعاناة، فبينما المعلم يتجه أساسًا للعقل؛ تزويدًا له بالمعرفة، وبينما يخاطب كاتب المقال مستوٍ واحد إلى حد ما فإن الخطيب يتفرد بمسئولية امتلاك أقطار النفس كلها إقناعها، واستمالة تفضي للالتزام وفي الوقت ذاته تتسع قاعدته العريضة وتتسع؛ لتستوعب حتى الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، فهو يتعاون معهم بينما لا يمثل بين يدي المعلم والأديب إلا المثقف القادر على الفهم والحوار. ومع أن الخطيب كالمربي فلا بد أن تتوفر فيه متطلبات عديدة، وهي أكثر وأشد مما هي في المربي؛ لأن هذا الأخير محدود التأثير في عدد قليل، وإذا كان ذا مسئولية عظمى بخلاف الإمام الخطيب، فإنه غير محدود التأثير في مثل ذلك العدد بل العدد أنمى وأكثر، ثم إنه غير منقطع الصلة، فإن التلميذ في القسم يمر بأساتذة

стр. 75

متعددين، بخلاف الإمام الخطيب فإنه مستمر الاتصال بجمهوره الذي يؤم مسجده دائمًا، وهذا الاتصال كائن من المهد إلى اللحد، ولا مرية أن الاتصال بالغ التأثير في العقول، وشديد المفعول في النفوس، والرأي العام رهين أن يكون أئمته في ميزان الكفر، حتى لا يفقدوا صلتهم بالرأي العام. إن هناك فجوة تحصل بين الأئمة وبين جمهورهم حين ينقدح في عقول المنصتين إليهم أنهم قطعوا الصلة بين خطبهم والحياة، والأنكى من ذلك أن يكون المستمعون غير مطمئنين لما يسمعون منهم بما يؤدي إليه ذلك من فتور ثم انقطاع الصلة بين الجمهور وإمامه، فالحاضرون يجلسون تلك الحصة وهم يستمعون وقلوبهم لاهية، وآذانهم صاغية، وليست بصاغية لعدم إقبالهم الكلي على الاستماع الصحيح والإنصات والانصراف إلى تفهم ما يلقى عليهم، وللحفاظ على هذا المعنى الذي ضيع في بعض المساجد. عن سعيد بن المسيب قال: إن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغوت)) جاء الحديث في الإنصات بأدق ما يكون حفاظًا عليه، حتى أن الأمر بالمعروف وقت الخطبة منهي عنه مع أنه ضروري وملتزم به، ولو أدى إلى لحوق الأذى بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وما ذاك إلا ترغيب إيجابي للجمهور أن يكونوا عند الاستماع إلى الخطبة على المستوى المطلوب، فلا يلهيهم شاغل عن التنبه لكل دقيق وجليل يصدر عن الخطيب فهم في إنصات محكم في حضورهم الجمعة. وتنبع خطورة رسالة الخطيب من خطورة دور المسجد في المجتمع، ومدى قدرته على الإصلاح، فالمسجد ركيزة للإصلاح وقطب الرحى في عملية التوجيه، لقد كان المسجد ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت

стр. 76

بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وفضائل هي لباب الإسلام، أي: إن المسجد كان حلقة الاتصال التي يتم به التعارف والتآلف، وتحت سقفه مارست الدولة الإسلامية مختلف نشاطاتها في مجالات القضاء والإفتاء، كما كان المسجد موئلًا للإغاثة، والخدمة الصحية، والاجتماعية، ومنطلقًا للجيوش، ودارًا للضيافة يستقبل الوفود القادمة. إذًا فمهمة الخطيب المؤسسة على المسجد وقيمه تأخذ نفس الأهمية القصوى، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيام ة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلَّا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)). حينما نتأمل هذا الحديث ندرك أن استنزال السكينة والرحمة من السموات العلا، وأن الفوز بصحبة الملائكة لا يتم بمجرد اجتماع بل إنه الاجتماع المحكوم أولًا بالنوايا المخلصة، والمحكوم ثانيًا برائد المسجد الذي لا يكذب أهله، والذي يتحمل مع المجتمعين مسئولية هذه المدارسة التي تجعل لهذا الاجتماع قيمة عملية، وذلك هو الإمام والخطيب. ولعلنا ندرك أيضًا سر هذه المهمة مهمة الخطيب فيما حكي عن عبد الملك بن مروان قال: "شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن، وقيل له يومًا: قد عجل الشيب إليك، فقال: كيف لا يعجل وأنا أعرض عقلي على الناس كل جمعة مرة أو

стр. 77

مرتين، أولئك الخطباء الذين يقدرون للخطبة حق قدرها، الذين يعدون خطبة الجمعة بعد خطبة الجمعة، أما أولئك الذين لا يقدرون أنفسهم حق قدرها، ولا يقدرون جمهورهم حق قدره لا يبالون بالخطبة، ولا بالإعداد لها وينشغلون طول الأسبوع عن تحضيرها حتى إذا كان صباح الجمعة جلسوا يفكرون ماذا يقولون، فلا يهتدون سبيلًا، فأخيرًا يصعدون المنبر لتأدية الواجب حتى لا يصلي الناس ظهرًا. أولئك الخطباء يجب عليهم أن يتقوا الله ﵎ في أنفسهم، وأن يتقوا الله في المنبر الذي يرتقونه وأن يتقوا الله في الجمهور الذي يواجهونه، ولنعد هذه الكلمة عن عبد الملك بن مروان قال: "شيبني ارتقاء المنابر، وتوقع اللحن"، خوف أن يلحن في خطبته فيفتضح بين جمهوره، وقيل له يومًا: قد عجل الشيب إليك، فقال: "كيف لا يعجل، وأنا أعرض عقلي على الناس كل جمعة مرة أو مرتين". ومن هنا يظهر الفرق واضحًا بين الخطبة والمقالة وبين الخطيب، وكاتب المقالة من حيث كان الخطيب أكبر مسئولية، والخطابة أشق تناولًا، والبصراء بأساليب البيان يقررون أن العمل الفني لا بد أن يتخطى مراحل ثلاث قبل أن يكتمل هي الإيجاد، والتنسيق، والتعبير يعنون بذلك استنباط المعاني، ثم ترتيبها، والتنسيق بينها لتصير وحدة متكاملة ثم يجيء التعبير عنها كمرحلة أخيرة. وكاتب المقال والخطيب يشتركان في المرحلة الأولى والثانية ثم يختلف بهما الطريق في لون التعبير، فالخطيب يختار ألفاظه وتراكيبه على نحو جميل أخاذ يساعده على تحويل مستمع من موقف إلى موقف وينتقل به من الإقناع إلى الاستمالة، ثم يلف الجميع شعور واحد يحقق في النهاية الأثر المطلوب، وربما

стр. 78

وضح الفرق بينهما إذا لاحظنا صعوبة مهمة الخطيب دون الكاتب، فإذا كان الكاتب يملأ الذهن بالأفكار، فإن الخطيب فوق ذلك يشعل هذه الأفكار، ويفجر العواطف خلال النفس تفجيرًا تتحول به الأفكار إلى قذائف للحق تحرق وتنير في نفس الوقت، ومن السهل على كاتب أن يجلس في الظل بعيدًا عن أعين الجمهور الراصدة، وفي الوقت الذي تتوفر له إمكانات الكتابة من مزاج معتدل، ومراجع حاضرة، ونزوة من النقد المباشر أو السخرية يواجه الخطيب قومًا يرونه ويسمعونه بل ويسجلون حديثه. وبمناسبة ذكر تسجيل الحاضرين حديث الخطيب أذكر الخطيب بتسجيل ملائكة رب العالمين للخطبة، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٦ - ١٨). فهذان الملكان لا يغادران لفظًا من ألفاظ الإنسان عمومًا إلا ويسجلانه، ومن هذه الألفاظ ألفاظ الخطبة، فكن على حذر أيها الخطيب احذر أن تسجل عليك الملائكة في خطبة ألفاظًا تكون عليك لا لك، واعلم أنه فضلًا عن تسجيل الملائكة لأقوالك وألفاظك في الخطبة، فإن رب العالمين يسمعك من فوق سبع سموات يقول الله ﵎: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى -يعني: بلى نسمع - وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف: ٧٩، ٨٠)، فالله يسمعه والملائكة تكتب خطبتك، والله سائلك يوم القيامة عن أغراض الخطبة، وأهدافها وعن كل لفظ قلته في هذه الخطبة، فهلا أعددت للسؤال جوابًا. أعود بعد هذا الاستطراد، فأقول: شتان بين الخطيب والكاتب، فمن السهل أن يجلس الكاتب في الظل بعيد عن أعين الجمهور الراصدة، وفي الوقت الذي تتوفر

стр. 79

له إمكانات الكتابة من مزاج معتدل ومراجع حاضرة، ونجوة من النقد المباشر أو السخرية في الوقت الآخر يواجه الخطيب قوم يرونه ويسمعونه بل ويسجلون حديثه، وهم لن يجلسوا بين يديه منصتين حتى يكون قبل ذلك صورة حية لما يدعوهم إليه بقدر ما يتاح للكاتب من ضمانات الفرار من هذه المسئولية؛ لأنه يكتب ولا يراه الناس ولا يتابعونه. ثم إن الخطيب يواجه إناس لا يمهلونه حتى يرتب معانيه، ويجهز أفكاره المندفعة وقد يورطه ذلك في خطأ أو يحمله على إبداء رأي خطير لا يلق به، وهذا هو الذي حدا بالعلماء أن موقفه عكس الكاتب الذي قد لا يغفلون له زلت هـ لما توفر له ضمانات الإجادة بحيث لا يتوقع منه الخطأ، فإذا وقع فهو موضع المسائلة والعتاب. إذًا مكانة الخطيب مكانة عظيمة ومسئوليته مسئولية خطيرة؛ لذلك يجب علينا أن نهتم بإعداد الخطيب الداعية، وهذا من أهم موضوعات الخطابة، موضوع إعداد الخطيب الداعية هذا المرسل للرسالة كما يقول علماء الاتصال أو المرسل للرسالة له أهميته وخطورته في تبليغ الرسالة إن أحسن إعداده كان مبلغًا ناجحًا، وإن أسيء إعداده كان ضرره أكثر من نفعه، ولعلك تلحظ أنني أقول الخطيب الداعية بهذا التحديد، ذلك لأن هناك الكثير من الخطباء الذين تتوافر فيهم مقومات الخطيب لم تكن لخطبته ثمرة مرجوة كما هو مطلوب للخطيب الذي يحمل الرسالة بصدق وإخلاص، لهذا أردت بتحديد الخطيب الداعية، أي الخطيب الذي تجري الدعوة في عروقه ودمه كما كان الأنبياء والمرسلون، والدعاة المخلصون لأمة الإسلام. يقول أحد العلماء: إن الداعية غير الخطيب؛ الخطيب خطيب وكفى، والداعية مؤمن بفكرة يدعو إليها بالكتابة والخطابة والحديث العالي، والعمل الجاد في

стр. 80

سيرته الخاصة والعامة وبكل ما يستطيع من وسائل الداعية هو كاتب وخطيب ومحدث وقدوة يؤثر في الناس بعمله وشخصه، والداعية قائد في محيطه، وسياسي في بيئته، وزعيم لفكرته ومن يتبعه في ناحيته، وكل هذا لا تنهض الخطابة وحدها بحقوقه، فلا بد له من التأثير النفسي، والهيمنة الروحية، والاتصال بالله تعالى واستعانة العقل بما حصل من تجارب التاريخ وأحوال الناس، هذا هو الداعية الصادق. تخص إيمانه بدعوته في النظرة والحركة والإشارة كما كان يفعل مصعب بن الزبير، وفي السمة التي تختلط بماء وجهه وهو الداعية الذي ينقض كلامه إلى قلوب الجماهير، فيحرك عواطفهم إلى ما يريد من أمر دعوته، وإذا كان هذا لازمًا للرسالات الأرضية على ما فيها من باطل هو ألزم للإسلام؛ لأنه رسالة الحق الخالص، وبين الحق وفطرة الإنسان نسب فكلاهما من عند الله تعالى يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: ٨٣). لذلك يجب أن نهتم بتكوين الخطباء الدعاة، وإعدادهم وتربيتهم، وتنشئتهم على الأخلاق والمبادئ والقيم، والصفات التي يجب أن يتحلى بها. يقول الشيخ علي محفوظ ﵀ في آداب الإمام والخطيب والداعي: إن الدعوة إلى الله تعالى في الأصل عمل الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والسادة العلماء نواب عن الأنبياء في هذا الأمر الخطير فهم أمناء الله تعالى على شرعه، والحافظون لدينه القويم والقائمون على حدود الله، والعارفون بما يجب له تعالى من كمال وتنزيه؛ لذلك كانوا أئمة الناس، وقادة الخلق، يسيرون بهم نحو السعادة بما يعلمونه من أمور دينهم، وبما يرشدونه إليه

стр. 81

من التحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة، اعتقد الناس فيهم ذلك وأملوهم له، فأحلوهم من أنفسهم محلًّا لما يبلغه سواهم من البشر حتى اكتسبوا في قلوبهم مكانة يغبطون عليها، وربحوا منزلة تصبوا إليها نفوس ذوي الهمة والفضل، وناهيك بقوم إذا فعلوا لحظتهم العيون، وإذا قالوا أصغت إليهم الآذان، ووعت القلوب وحكت الألسن، فهم مطمح الأنظار وموضع الثقة والحجة البالغة، والبرهان القاطع، والنور الساطع للناس أجمعين، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣)، ﴿دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: دعا إلى توحيده وطاعته، وعمل صالحًا فيما بينه وبين ربه، واتخذ الإسلام دينًا ونحلة، حقًا ليس أحد أعظم شأنًا، وأسعد حالًا ممن جمع بين هذه الفضائل الثلاث، فكان موحدًا لله تعالى عارفًا به عاملًا داعيًا إليه، وما هم إلا طبقة العالمين العاملين الدعاة إلى الله من ذوي القلوب الحية، والإيمان الصادق، والإخلاص الصحيح. ولا ريب أن الله تعالى ربط سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة بالوقوف عند حدوده، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأنه بمقدار وقوف العبد عند حد الأدب مع مولاه يكون حظه من تلك السعادة وغني عن البيان أن السادة العلماء قد انفردوا بفهم الأوامر والنواهي، وبثها للناس وبقدر قيامهم على حدود الله تعالى وإتباعهم لأوامره واجتنابهم لنواهيه يكون إتباع الأمة واجتنابها، فإذًا سعادة الأمة في قبضه السادة العلماء إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، ومن هنا كانت وظيفتهم خطيرة ومسئوليتهم عظيمة، وتزداد وظيفتهم خطرًا ومسئوليتهم عظمًا إذا هم تصدوا للدعوة والإرشاد.

стр. 82

صفات الخطيب في الإسلام كان لزامًا على الخطباء أن يتحلوا بمكارم الأخلاق، وأن يتصفوا بجميل الصفات وقد كتب العلماء في الصفات التي يجب على الخطيب أن يتحلى بها، وأطالوا في ذلك، وسنحاول -إن شاء الله تعالى- أن نلم بأهم ما ذكروه فيما كتبوه. فمن أهم صفات التي يجب على الخطيب أن يتحلى بها: أولًا: العلم بالقرآن: إن أول واجب على الداعي الخطيب العلم بالقرآن، والمراد به النظر فيه قبل كل شيء على أنه هدى وموعظة وعبرة، وكذلك السنة، وما صح من أقوال الرسول ﷺ وسيرته، وسيرة الخلفاء الراشدين، والسلف الصالح، والعلم بالقدر الكافي من الأحكام وأسرار التشريع مع الصدق في نشرها. فإن مرتبة التبليغ عن الله تعالى لم تكن إلا لمن اتصف بالعلم مع الصدق، والمرشد وارث لهذه المرتبة، وليتمكن من تعليم ذلك على الوجه الصحيح، فلا يزيد في عقيدة، ولا يخطئ في حكم، ولا يعجز عن إقناع النفوس المتطلعة إلى معرفة أسرار الأحكام الشرعية، وحينئذٍ يكون الإذعان له أتم والقبول منه أكمل، فأما الخطيب الجاهل فضال مضل، وضره أقرب من نفعه، وما يفسده أكثر مما يصلحه، بل هو لا يصلح أصلًا، إذ لا تمييز لجاهل بين الحق والباطل، ولا معرفة عنده ترشده إلى إصلاح القلوب، وتهذيب النفوس. يقول الحسن البصري ﵀: "العامل على غير علم كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح" وفي الحِكَم: "من سلك طريقًا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل زل".

стр. 83

ثم إن الخطيب داعية لله ، والدعوة إلى الله يشترط لها البصيرة، والبصيرة هي العلم كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨)، والبصيرة لا تأتي في قلب الداعية إلا من العلم، ثم إن الله ﵎ جعل القول عليه بغير علم عملًا من عمل الشيطان فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٦٨، ١٦٩). فلما كان القول على الله بغير علم عملًا من عمل الشيطان لا جرم كان من أصول المحرمات كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣). والقول على الله بغير علم يشمل القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته، وأفعاله، ودينه وشرعه، وقد قلنا: أن الدعوة إنما هي إلى هذا، الدعوة هي تعريف الله ﵎ إلى عباده بأسمائه وصفاته وأفعاله، تعريفهم بدين الله، تعريفهم بشرع الله ، وهذا كله يحتاج إلى أصل، ودليل، وبرهان من كتاب أو صحيح سنة، فإذا لم يكن عند الخطيب أصل ولا دليل ولا برهان، وقع في القول على الله بغير علم، فصد عن سبيل الله من حيث ظن أنه يدعو إلى الله والله ﵎ يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: ١١٦، ١١٧). فعلى الخطيب أن يحذر كل الحذر أن يقول لشيء حلال، وليس معه على حله برهان، أو يقول لشيء حرام وليس معه على حرمته برهان، وليحذر الخطيب

стр. 84

أن يصف الله ﵎ بشيء دون برهان أن يسميه باسم دون حجة ولا برهان. وعلى الخطيب أن يحاول جهده أن يتفرغ للعلم، فإنه قديمًا قيل: لا يعطيك العلم بعضه حتى تعطيه كلك، وأكبر شاهدًا من حياتك العملية للخطيب على صحة هذا القول أنك لو كنت صادقًا مع نفسك، ومقدرًا وظيفتك حق قدرها أنك تحضر خطبتك في ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إذا كان يوم الجمعة خطبتها في نصف ساعة، فمحصلة ثلاثة أيام أو أربعة خرج منك في نصف ساعة، فهذا الواقع العملي الذي تعيشه كخطيب أكبر دليل على صحة هذا القول: "لا يعطيك من بعضه حتى تعطيه كلك"، فاحرص -أيها الخطيب- على أن تتفرغ للعلم حتى تنال منه ما تعلمه للآخرين. فإذا تعلمت فاعلم أن العلم إنما منح من أجل العمل به، فعليك أن تتصف بالصفة الثانية، وهي العمل بالعلم، فلا يكذب فعلك قولك، ولا يخالف ظاهرك باطنك، ولا تأمر بشيء لست مؤتمرًا به، ولا تنهَ عن شيء أنت مرتكبه، كن دائمًا أول من يأتمر، وأول من ينتهي؛ ليفيد وعظك، ويثمر إرشادك، أما إذا كان الخطيب يأمر بالخير، ولا يفعله، وينهى عن الشر وهو واقع فيه، فهو بحاله هذه عقبة في سبيل الإصلاح، وهيهات هيهات أن ينتفع به، فإنه فاقد الرشد في نفسه، فكيف يرشد غيره؟ قال مالك بن دينار: "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا، فإن من حث عن التحلي بفضيلة وهو عاطل منها أو أمر بالتخلي عن نقيصة وهو ملوث بها لا يقابل قوله إلا بالرد، ولا يعامل إلا بالإعراض والإهمال، بل يكون موضع حيرة البسطاء، ومحل سخرية في نظر

стр. 85

العقلاء، فإن من تناول شيئًا وقال للناس: لا تتناولوه، فإنه سم مهلك سخر الناس منه، واستهزئوا به واتهموه في دينه وعلمه وورعه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه؛ فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها ما كان يستأثر به، كذلك الداعي إذا خالف فعله قوله. والله قد أنكر على هؤلاء الخطباء، فقال : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤)، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: ((مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون)). وعن أسامة بن زيد ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقطاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع أهل النار إليه، فيقولون: يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنه عن المنكر وآتيه)). فتعلم أيها الخطيب، فإن العلم سلاحك في الدعوة إلى الله واعمل حتى تكون أسوة حسنة لمن تعلمهم. الصفة الثالثة من صفات الخطيب: سعة الصدر، فكمال العلم في الحلم، ولين الكلام مفتاح القلوب؛ فيستطيع أن يعالج أمراض النفوس وهو هادئ النفس مطمئن القلب لا يستفزه الغضب، ولا يسثتيره الحمق، فتنفر منه القلوب، وتشمئز منه النفوس، وحسبك في هذا قول الله تعالى لإمام الدعاة محمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، فلو كان

стр. 86

الداعي سيئ الخلق جافيًا قاسي القلب فأغلظ للدعاة أو المدعوين في القول تفرقوا عنه، وانصرفوا من حوله، فحرموا الهداية بأنوار دينهم فعاشوا وماتوا جهلاء، وذلك هو الشقاء، وذلك الخطيب القاسي الجاهل هو سبب ذلك وعلته. الصفة الرابعة: الشجاعة، أن يكون الخطيب شجاعًا حتى لا يهاب أحدًا في الجهر بالحق، ولا تأخذه في نصرة الله لومة لائم، ففي الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)). وعن أبي ذر ﵁ قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير؛ أوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًّا)). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن لله عليه مقالًا ثم لا يقول فيه، فيقول الله يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس؛ فيقول الله : فإياي كنت أحق أن تخشاه)). إلَّا أنه يجب التنبيه على أنه شتان بين الحماسة وبين الشجاعة، فليس من الشجاعة أن تحرص على أن تقول ما تريد مهما ترتب من النتائج، ليس من الشجاعة أن تقول كلمة واحدة تكون هي آخر كلمة تقولها على المنبر، وتحرم نفسك من منبرك وتحرم جمهورك من منبرك، ولكن كن جريئًا شجاعًا تعلم الناس الدين بالحكمة والموعظة الحسنة وبالرفق واللين، شريطة أن تعلم متى تتكلم، ومتى تسكت فقد تكون المصلحة في السكوت، وقد تكون في الكلام، فإذا كانت المصلحة في الكلام فلا تسكت، وإذا كانت المصلحة في السكوت فلا تتكلم، والسعيد الموفق من نظر في عواقب الأمور.

стр. 87

الصفة الخامسة: العفة واليأس مما في أيدي الناس، على الخطيب أن يكون عفيفًا نزيهًا لا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، فإن الله ﵎ قال لنبيه ﵊: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: ١٣١)، فعلى الخطيب ألا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، وأن ييأس منه، فمن يأس مما عند الناس استغنى عنه فيبقى سيدًا محبوبًا جليلًا مهيبًا ينتفع به كما حكي أن رجلًا دخل البصرة، فقال: من سيد هذا البلد؟ قالوا: الحسن قال: وبم سادهم؟ قالوا: "احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم". والنبي -عليه الصلاة والس لام- قد قال لرجل قال: يا رسول الله أوصني وأوجز، فقال: ((عليك اليأس بما في أيدي الناس، فإنه الغنى، وإياك والطمع، فإنه الفقر الحاضر، وصلِّ صلاتك وأنت مودع وإياك مما يعتذر منه)). وقال أبو سعيد الحسن البصري ﵀: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به وكرهوا حديثه وأبغضوه". وبالجملة فواجب على الخطيب أن يكون نزيه النفس، وأن ينأى عن شبه المكاسب، وأن يكتفي باليسير القليل وأن يستعز بعزة القناعة: هي القناعة فاحفظها تكن ملكًا ... لو لم يكن لك منها إلا راحة البدن وانظر إلى من ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير الطيب والكفن ومن الصفات الواجبة في حق الخطيب أن يكون قوي البيان، فصيح اللسان، وإلا كان النفع منه بعيدًا، بل كان ما مثال الخزي والعار على الإرشاد وأهله، فإن مدار الأمر على البيان والتبيين والإفهام والتفهيم، وكلما كان اللسان أبين كان أقوى وأجمل، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد وأكمل، وقد سأل موسى ﵇-

стр. 88

ربه الفصاحة والبلاغة وطلاقه اللسان حين كلفه بالذهاب إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (النازعات: ١٧)، فذكر العقدة التي في لسانه، والتي تحول بينه وبين كمال البيان وتوصيل الرسالة فاستعان بالله وسأله قائلًا: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: ٢٥ - ٢٨)، ولم يكتفِ بذلك حتى قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (القصص: ٣٤). ومن الصفات التي يجب على الداعية الخطيب أن يتحلى بها: الإلمام بالعلوم والأحوال، العلم بحال من توجه إليهم الدعوة في شئونهم واستعدادهم، وطبائع بلادهم، وأخلاقهم أو ما يعبر عنه بالعرف بحالهم الاجتماعية، إن النبي ﷺ حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن عرفه بحال المرسل إليهم قال: ((إنك تأتي قوم أهل كتاب))، فعرفه البيئة وأحوالها حتى يستعد للقائها. كذلك علم التاريخ العام يجب على الداعية الخطيب أن يلم به قدر استطاعته ليعرف الفساد في العقائد والأخلاق والعادات، فيبني دعوته على أساس صحيح، ويعرف كيف تنهض الحجة ويبلغ الكلام غايته من التأثير، وكيف يمكن نقل هؤلاء المدعوين من حال إلى حال ولهذا كان القرآن الحكيم مملوءًا بعبر التاريخ والجاهل به لا يصلح أن يكون خطيبًا داعية للإسلام، ولا مرشدًا في الأمور العامة على الوجه الذي يرجى قبوله ونفعه. ثالثًا: علم النفس الباحث عن قوى النفس، وخواطرها، وميولها، وتصرفها في علومها، وتأثير علومها في أعمالها الإرادية. رابعًا: علم تقويم البلاد ليعد الداعي لكل بلد عدته إذا أراد السفر إليه، ولقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أعلم أهل زمانهم بالتاريخ، والذي يسمى الآن بتقويم البلاد

стр. 89

والجغرافيا، وإذا أقدموا على الفتوحات ومحاربة الأمم، فانتصروا عليهم بالعلم لا بالجهل، فلو كان يجهلون مسالك بلادهم وطرقها ومواقع المياه وما يصلح موقع القتال فيها، لهلكوا وكان الجهل أو أسباب هلاكهم ومن درس ما حفظ من خطبهم، وكتبهم التي كانوا يتراسلون بها ومحاورتهم في تدبير الأعمال يظهر ذلك جليًّا. خامسًا: علم الأخلاق الذي يبحث فيه عن الفضائل النفسية وكيفية تربية المرء عليها، وعن النقائص وطرق توقيه منها وهو لازم لرجال الدين وللدعاة ألزم كي يستطيعوا معالجة النفوس وتهذيبها، وما ورد فيه من الآيات والأحاديث الصحيحة، وأفاد الصحابة والتابعين يغني بشهرته واستفاضته عن إطالة الكلام فيه. سادسًا: معرفة الملل والنحل ومذاهب الأمم فيها؛ ليتيسر للداعي بيان ما فيها من الباطل فإن لم يتبين له بطلان ما هو عليه لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه، ومن لم يقف على ما عند الناس من المذاهب والتقاليد الدينية لا يستطيع أن يخاطبهم على قدر عقولهم كما كان شأن سادة الدعاة عليهم الصلاة والسلام. سابعًا: العلم بلغات الأمم التي تراد دعوتها، وقد ورد في (صحيح البخاري) أن رسول الله ﷺ أمر بعض الصحابة بتعلم اللغة العبرانية لأجل اليهود الذين كانوا مجاورين له، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه وأقرأته كتبه إذا كتبوا إليه"، وقال أبو حمزة: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس على أنهم قد استعربوا فيما كان معرفة لغتهم الأصلية إلا ما زيد الكلام في الفهم عنهم ومعرفة حقيقة شأنهم.

стр. 90

ثامنًا: علم الاجتماع الذي يبحث فيه عن أحوال الأمم في دعوتها وحضارتها وأسباب ضعفها وقوتها وتأخرها وتقدمها على نحو ما في مقدمة ابن خلدون. الصفة التاسعة الصفات التي يجب على الداعية الخطيب أن يتحلى بها: قوة الثقة بالله تعالى، ليكون الخطيب قوي الثقة في وعد الله، كامل الرجاء في حصول الفائدة من دعوته مهما طال العلاج وعظمت المصاعب، فإنه متى تمكن ذلك من نفسه انبعثت همته وقوي نشاطه، وتنبه إلى انتهاز كل فرصة بما يناسبها موقنًا بأنه إن لم يظهر تأثيره اليوم فغدًا يظهر مؤمنًا بأن الباطل زهوق، ولا بد لمن يوم يتغلب فيه الحق على الباطل، فإن دولة الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها، وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، ودولة الحق هي الثابتة بذاتها فلا يغلب أنصار الحق ما داموا معتصمين به مجتمعين عليه، قال الإمام علي ﵁: "لا قيام للباطل إلا في غفلة الحق". الصفة العاشرة: التواضع ومجانبة العجب، فذلك بالدعاة المرشدين أليق ولهم ألزم؛ لأن التواضع عطوف والعجب منفر، هو بكل أحد قبيح وبالمرشدين أقبح؛ لأن الناس بالخطباء يهتدون ويقتدون وكثيرًا ما يداخلهم الإعجاب لتميزهم بفضيلة العلم، ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى ومجانبة العجب بهم أحرى؛ لأن العجب نقص ينافي الفضل. الصفة الحادية عشرة: أن لا يبخل بتعليم الناس ما يحتاجونه مما يحسن علمه ولا يمتنع من إفادة من يريد أن يستفيد، فإن البخل بالعلم ظلم ولؤم، والمنع منه حسد وإثم، وكيف يسوغ للخطيب أن يبخل بما علمه الله ﵎ وآتاه من

стр. 91

فضله، وكيف يسوغ له أن يكتب ما تعلم والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: ١٨٧)، وقال متوعدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩). وقد كان النبي ﵊ يأمر بالتبليغ يقول: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) وكان يحذر من كتمان العلم فيقول: ((من سأل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار)). ومن أهم الصفات التي يجب على الخطيب أن يتحلى بها: الصبر، فالصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى مهم جدًّا للداعية الخطيب، ولقد قرن الله ﵎ الأمر بالصبر بالأمر بالدعوى لنبيه ﵊ حين كلفه لأول مرة بالدعوة قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: ١ - ٧)، ونهى الله تعالى رسوله ﷺ عن الاستعجال فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: ٣٥). ولا يختص الصبر بعدم استعجال الفائدة بل الصبر على الأذى الذي قد يبتلى به الخطيب، فإن الله تعالى قال على سبيل المدح حاكيًا عن لقمان الحكيم وهو يقول لأبنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧)، يعني إذا كملت نفسك بعبادة الله فكمل غيرك واصبر على ما ينزل بك من الشدائد والمحن، لا سيما فيما أمرت به؛ إذ كل ما ذكر مما عزمه الله وقطعه وأوجبه على عباده من الأمور، ومع هذا فهي من مكارم أهل الأخلاق الفاضلة وعزائم أهل الحزم السالكين طريق

стр. 92

الفلاح ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤)، ما يسكن به قلبك، ولقد احتمل ﷺ في دعوته للحق الكثير الكثير من الشدائد والأذى، وما كان شيء من ذلك يضعف من عزيمته أو يثبطه في دعوته، فكذلك الداعية الخطيب يجب عليه أن يوطن نفسه على احتمال المكاره وأن يواصل السير في سبيل دعوته مهما لاقى من صعاب وناله من أذى، وعليه أن يصبر على تأخر الثمرة وتأخر الفائدة، فإن الله قال لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: ٧٧)، لقد كتب الله ولا مبدل لكلماته ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: ٢١)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧١ - ١٧٣)، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٠). هذا، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 93

الدرس: ٦ تابع: الخطيب وصفاته .

стр. 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (تابع: الخطيب وصفاته) صفات الخطيب الفطرية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: فلكل خطيب متميز خصوصيته؛ مهما كانت الأفكار بديعة والابتكارات متميزة، والاختيارات قوية، والأسلوب رصينًا، والإلقاء عاليًا؛ فلنْ تَتَحَقّق المثالية للخُطبة بهذه العناصر وحدها؛ لأنّ هُناك عَاملًا مُهِمًّا لا يجوز إغفاله إنه: "خصوصية الخطيب وانفراديته" وبعبارة أخرى: انصهارية هذه العناصر وانسجامها. وهذا لا يتأتى إلّا من خِلال الخَطيب وشخصيته، وتَكامُل مَوهِبَتِهِ وخصائصه العلمية والفنية. إنّ الخُطبة كاللباس المفصل على القامة؛ لا يظهر جماله ولا يتكامل بناؤه، إلّا بقدر انسجامه على بدن اللابس؛ إنّ جَودَة اللباس وحسن لونِهِ ونَوعَ خِياطَتِهِ ودِقّة تفصيله لا تكفي في إعطاء الملبس الحَسن إلا بعد اتساق ذلك مع قامة اللابس وبدنه، ولهذا فإنّ الخُطبة الجيدة مستوفية العناصر لو ألقاها غير صَاحِبها لما ظهرت بذات القوة والتأثير والجمال والتأثر. إذا كان الأمرُ كذلك فيَنْبَغي للخَطِيبِ المُتطلع للنُّبوغ والإبْدَاع أنْ يَعْرِف مَواهِبَهُ الخَاصّة، ويُحْسِن صقلها وتنميتها، ويَسْتَقِلّ بالابتكار والاختيار والأسلوب والإلقاء؛ لأنّ المُدَاوَمة على التّقليد والمُحاكاة، وإطالة الاقتباس لا تُنتج خَطيبًا متميزًا ذا خطب مثالية، وهذا عرض لما ينبغي أن يكون عليه الخطيب من صفات، وما يتحلى به من آداب، وصفات الخطيب تنقسم إلى نوعين: صفات فطرية: وصفات مكتسبة. أما الصفات الفِطرية: فيُقصد بها الصفات الذاتية لدى الخطيب؛ من الاستعداد الفطري، والسليقة الطبيعية، من طلاقة اللسان وفصاحة المنطق، وثَبات الجَنَان، وصَوتٍ جَهُوري، وأداء مُتَوثّب، ولسان مُبين سليم من عيوب الكلام كالفأفأة والتأتأة؛ لتكون مَخَارج الحروف عنده صحيحة.

стр. 95

فليست الدعوة فنًّا مُكتسبًا من الفنون التي تشيع بين الأفراد والجماعات، ولو كانت كذلك لما عَرفَ النّاسُ شَيئًا عن الدعوة، ولقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- قادة الدعاة وسادتهم، وبهم وعلى أيديهم انتشرت الدعوة في آفاق الأرض وظلت رايتها تخفق فوق ربوعها ردحًا طويلًا من الزمن. وهذا شيء لا يَعْلَمُه إلا الله تعالى وحده في سرائر الناس؛ فإذا علمه أظهره بتيسير كل سبيل إلى إظهاره؛ فيكون الاصطفاء منه للداعية، وأعظم الدعاة هم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا- وهم الصّفوة المُختارة المُجتباة، الذين هَيّأهم اللهُ لحَمْل رِسَالاته والدعوة إليها، وفي هذا يقول رَبُّنَا سُبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء﴾ (آل عمران: ١٧٩). وتوكيدًا لهذا المعنى يجعل مَناطَ الرِّسَالَة المُكَلّف بإبْلَاغِهَا والدّعْوة إليها ممّا اخْتَصّ نَفْسَه الشّريفة بعلمه؛ فَلا يُطْلِعُ على ذلك أحدًا من خلقه؛ إلا بعد أن يُرى الداعية حقيقة ماثلة أمام الناس جميعًا، وفي هذا يقول ربنا سبحانه: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤) وهذه الموهبة لا تظهر للناس إلا بإذن ربها؛ فإذا كان اختيار الله للداعية إن كان نبيًّا مرسلًا من عنده كان الإذن بإبلاغ الرّسَالة التي أمر بإبلاغها: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (الرعد: ٣٨). فتظهر المَوهبة ويتداعى النّاسُ الذين تسقط الغشاوة عن قلوبهم إليها، في رجاء وصدق. أمّا الذين يُمسكون على غَشاوة قلوبهم بأيديهم؛ فإنهم يَظَلُّون في منأى عنها، ومشيئة الله تقضي أن تقع الخلائق كلها في قبضتها، ومنها موهبة الداعية؛ فلا تسلك الناس في نظامها إلا إذا شاءت، وهذه الموهبة تظل منتظرة الإذن من ربها أن يظهرها أو يلهمها أن تظهر، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ٥١).

стр. 96

فالخطابة من المواهب الفِطرية؛ فبَعْضُ النّاس يُخْلَقُ خَطيبًا بفطرته، وهذه الطبيعة توفر عليه جهدًا كبيرًا في حصوله على كمال هذه الصفة، ومن النّاس من يُحْسِنُ الكِتَابة وتشقيق الكلام؛ فيمَا يُعَبّر عنه من المعاني، ولكنه لا يحسن إلقاءه ولا مواجهة الناس به، ومنهم من يرتج عليه إذا وقف خطيبًا، وإذا تحدث في مجلس أجاد الحديث، ومنهم من لا يستطيع هذا ولا ذاك، وهذا النوع يتجنب الخطابة أصلًا، أما الآخرون فيحتاجون إلى تدريب وتكوين عام حتى يحسن الخطابة. والشخص الموهوب أقوى وأقدر على أي حال، ولا يعني هذا أن الخطيب الموهوب يستغني عن مؤهلات الخطابة ومعرفة قواعدها وطرق إلقائها؛ فهناك أمور خاصة لا يكون الخطيب خطيبًا بغيرها، وليس الإلقاء الجيد كافيًا في جعل الخطبة ناجحة مقبولة؛ حتى تقترن به الصفات الأخرى الآتية. ومما لا شك فيه أن الهِبةَ الطّبيعية تنميها المرانة، وتزكيها المزاولة مثل البِذْرَة الحَيّة التي تَنْبُت وتَزكُو إذا بذرت في تربة خصبة وجو صالح؛ فإذا كان الخطيبُ موهوبًا هذا الفن؛ فهو بإذن اللهِ يَصْعَدُ عاليًا لما آتاه الله من فضله، وأمّا إذا كان الخطيبُ مُكتسبًا لها غير موهوب؛ فإنه يجد نصيبًا ولكن البون شاسعًا بينه وبين الموهوب، إلّا إذا كان الجدُّ حليف المكتسب، والكسل والخمول ضجيع الموهوب؛ فإنّه لا محالة من السبق للمكتسب في الميدان. إعدادُ الخطيب الداعية عقليًّا ثانيًا: إعدادُ الخطيب الداعية عقليًّا: لا شك أنّ الخطيب في أمس الحاجة إلى الإعداد العقلي، وأهم مظهر لذلك هو الذكاء العام أو الحكمة؛ معنى هذا أن يكون لديه الاستعداد لحُسن التّصرف حينما يُواجه بأي أمر من الأمور، خاصة الحرجة منها، والخَطيبُ النّاجح يحتاج إلى الذكاء بكل أنواعه، سواء أكان نظريًّا أو عمليًّا أو اجتماعيًّا، طالما أنه يتعامل مع مسائل وقضايا نظرية، ومع مواقف وأمور عملية حسية، ومع مواقف ومشكلات اجتماعية.

стр. 97

ومما يزيد من حالة الخطيب إلى الذكاء بأنواعه الثلاثة كما ذكرنا هو: اشتغاله بأمور علمية ونظرية، وتعرضه لكثير من الأسئلة، وتوقع الناس منه أن يكون مصدرًا موثوقًا منه للإجابة على أسئلتهم، وأن يكون سريع البديهة، لبقًا في حديثه؛ كيسًا فطنًا، حذرًا، حسن التدبير يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويدعو إلى ربه على أساس من الحكمة والبصيرة والعلم، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِي لِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف: ١٠٨) ويتوقع المُجتمع منه بالإضافة إلى كل هذا أن يُساهم في إثراء الفكر، وبث الوعي، وتجديد الثقافة. وهو لا يستطيعُ أن يفوزَ بكل هذا بدون درجة عالية من الذكاء الفِطري والمُكتسب. ومِمّا يَدُلّ على أهمية الناحية العقلية عند إعداد الخطيب: ما قاله أحدُ البَاحِثين: "إنّ الإيمان بالله ليس غريزة فطرية فحسب بل هو ضرورة عقلية كذلك، وبدون هذا الإيمان سيظل هذا السؤال الذي أثاره القرآن قلقًا حائرًا بغير جواب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (الطور: ٣٥، ٣٦) وليس لهذا السؤال إلّا جَوابٌ واحد لا يَمْلِكُ الإنسان إذا ترك ونفسه إلّا أن يجيب به كما فعل المشركون أنفسهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيم﴾ (الزُّخرُف: ٩). ولقد عَلّم القرآن الكريم الخطيب الداعية كيف يستدل على وجود الله . وكيف أنه دعا العقل إلى التفكير والبحث والتأمل في الكون وكشف أسراره، قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَت * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَت * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠)

стр. 98

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ (البقرة: ١٦٤). ليس هذا فقط؛ بل إن القرآن الكريم كرر لفظة "الألباب" ست عشرة مرة، ولفظة "العقل" وما يشتق منها تسعًا وأربعين مرة، ولفظة "الفكر" وما يتعلق بها ثمانية عشر مرة. يقول العقاد: "وفريضة التفكير في القرآن، تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف، بجميع خصائصها ومدلولاتها؛ فهو يُخاطب العقل الوازع، والعقل المُدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرّشيد، ولا يذكر العقل عرضًا مقتضبًا، بل يذكره مفصلًا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان". ويَزيدُ العَقّاد الأمر وضوحًا في قوله: "ولكنّ القرآنَ الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه". أما النبي ﷺ فقد كان يعمل على إعداد العقل وتنميته في الجيل المثالي، الذي رباه لحمل الرسالة الإسلامية إلى البشر، ومن ذلك: أنه ﷺ كان يلقي بالسؤال على من حضر عنده، فينتبه الجميع إليه، ويُفكرون فيه ويشغلون عقولهم في الجواب، ثم بعد ذلك يُجيب النبي ﷺ على ما سأل عنه؛ فتقع الإجابة في قلوبهم ولا ينسوها أبدًا. روى البخاري في صحيحه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وأنها مثل المسلم؛ فحَدّثوني، فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النّخلة؛ فاستحييتُ، ثم قالوا: حدثنا ما هي رسول الله؟ قال: هي النخلة)) فهذا اللون من التعليم النبوي يربي العقل وينميه.

стр. 99

صفات الداعية النفسية ثالثًا: صفات الداعية النفسية: وهذه الصفات تقوم على أصول ثوابت لا بد منها، وهي: الإيمان: فمن المعلوم يقينًا أنّ الإيمان بالله الواحد الأحد حين يتغلغل في النفوس، ويُخالط بشاشة القلوب، هو أولُ سِلاحٍ يَتَسّلح به المؤمن الداعية في مواجهة صراع الحياة؛ وفي مُجابهة مغريات الدنيا، سواء أكان الداعية متقهقرًا أو متقدمًا، وسواء أكان مهاجمًا أو مدافعًا، وسواء أكان منتصرًا أو ممتحنًا؛ فبدون الإيمان يبطل كل سلاح، ويبطل كل إعداد وتبطل كل ذخيرة. وأعني بالإيمان أنْ يعتقد الداعية من قرارة وجدانه: أن الآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وأنّ الأُمّة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الله الحق سبحانه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (التوبة: ٥١). وعليه أن يردد صباح مساء قول الله ﷻ : ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُون﴾ (النحل: ٦١). فبهذا الاعتقاد وبهذا الشُّعور يتحرر المؤمن من الخوف والجبن والجزع، ويتحلى بالصبر والشجاعة والإقدام؛ كما أعني بالإيمان أيضًا: أنْ يعتقد المؤمن من سويداء قلبه: أنّ الأرزاق بيد الله وأنّ ما بسطه الله على العبد لم يكن لأحد

стр. 100

أن يَمْنعه، وأن ما أمسكه عليه لم يكن لأحد أن يعطيه، وأنّ ما قُدّر لا بد أن يمضي، وأن نفسًا لن تَموتَ حتى تستوفي رزقها وأجلها، وعلى المُؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٣٠)، وأن يردد صباح مساء قول الله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (المُلك: ٢١). فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من الحرص الزائد على الدنيا، والإلحاح في الطلب؛ ويتحرر أيضًا من الشُّح النفسي، والتقتير المزري، والإمساك الشائن، ويتحَلّى بمعاني الكرم والإيثار والعطاء، بل يرى السعادة في القناعة، وعيش الكَفاف؛ فإذا قنعت النفوس رضيت بالقليل وكفاها اليسير. وأعني بالإيمان كذلك: أن يعتقد المؤمن من أعماق أحاسيسه ومشاعره أن الله سبحانه معه، يسمعه ويراه، ويَعْلَمُ سِرّه ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: ٧)، ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أي: بصفاته بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته. أما هو فعلى العرش استوى كما أخبر عن نفسه . وعلى المؤمن أن يردد صباح مساء قول الله سبحانه: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾ (الأنعام: ٥٩). فبهذا الاعتقاد وبهذا الشعور يتحرر المؤمن من ربقة الهوى، ونزغات النفس الأمارة بالسوء، وهمزات الشياطين؛ وفِتنة المال والنساء ويتحلى بالمراقبة لله

стр. 101

والإخلاص له، والاستعانة به، والتّسليمِ لجَنابه ويندفع بكليته إلى العمل بكل أمانة وجدية وإتقان، بل يَكُون إذا مشى في الناس إنسانًا سويًّا وبرًّا تقيًّا، وريحانة طيبة الشذى، وشامة في المجتمع يُشار إليه بالبنان. بل يتمثل ما تمثل به شاعرنا الإسلامي حيث قال: إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَومًا فَلا تَقُل ... خَلَوتُ وَلكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ وَلا تَحسَبَنَّ اللَهَ يَغفَلُ ساعَةً ... وَلا أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ فعَلى هَذه المَعاني من الإيمان؛ يَنْبَغِي أن يتكونَ الدّاعية ويُواجه بها صراع الحياة. الصفة الثانية: الإخلاص: والإخلاص في حقيقته قوة إيمانية، وصراع نفسي يدفع صاحبه بعد جذب وشد إلى أن يتجرد من المصالح الشخصية، وأن يترفع من الغايات الذاتية، وأنْ يَقْصِدَ مِن عمله وجه الله لا يَبْغِي من ورائه جزاء ولا شُكورًا، وإذا استمر المخلص على هذه الحالة من المجاهدة والتغلب على وساوس الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء؛ يصبح الإخلاص في أعماله كلها خلقًا وعادة، بل تصبح الأعمال التي تصدر عنه خالصة لله رب العالمين، دون أن يجد في ذلك أي تكلف أو مجاهدة، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين﴾ (الزُّمَر: ٢) ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (غافر: ٦٥) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البيِّنة: ٥) ويقول سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠). والعمل الصالح هو ما وافق السنّة، والنّهيُ عن الشرك أمر بضده، وهو الإخلاص لله ، ومُوافقة السُّنة والإخْلَاصُ لله شرطان أساسان في قبول

стр. 102

الأعمال، ولذلك قال الفضيل بن عياض ﵀ في قول الله : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (المُلك: ٢) قال: يعني أخلصه وأصوبه؛ فإذا كان العمل خالصًا وليس صوابًا لم يكن مقبولًا، وإذا كان صوابًا وليس خالصًا لم يكن مقبولًا حتى يكون خالصًا وصوابًا. قيل: يا أبا علي، ما الخالص؟ وما الصواب؟ قال: الخالص ما ابتغي به وجه الله، والصّوابُ ما وافق هدي رسول الله ﷺ . وفي الحديث عن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يَقْبَلُ منَ العَمَلِ إلّا ما كان له خالصًا وابْتُغي به وجهه))، وحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) من الأحاديث المشهورة: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دُينا يُصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). ولكن ما هي مواصفات المُخْلصين الدعاة؟ يجبُ على الدعاة أن يدركوا هذه الحقائق: أولًا: أن يقصدوا من دعوتهم وجه الله. ثانيًا: أنْ تكون جميع تصرفاتهم وأعمالهم وسلوكهم الاجتماعي على وفق شريعة الله. ثالثًا: أن يُحاسبوا أنفسهم بشكل دائم، وأن يتساءلوا ماذا يريدون من تبليغ الدعوة؟ وماذا يقصدون من دعوة الناس؟. رابعًا: أن ينظروا إلى أفعالهم؛ هل هي مطابقة لأقوالهم ولسان حالهم؟.

стр. 103

خامسًا: أن يحذروا مكائد الشيطان، ووساوس النفس والهوى وفتنة العجب ومزالق الرياء. فبتقديري أنّ الدعاة إلى الله إذا أدركوا هذه الحقائق واتصفوا بهذه المواصفات، ساروا صادقين في درب الإخلاص؛ ومَضوا مُخْلِصين في طريق الدعوة، وحقّق اللهُ -سبحانه- على أيديهم إصلاح البشر، وهِدَاية الشعوب، بل النّاسُ يتأثرون بهم، ويَسْتَجِيبُون لدعوتهم، ويَقْبَلونَ هُدى الله طائعين مختارين. ثالثًا: الصّبر: والصبر قوة نفسية إيجابية فعالة؛ تَدْفَعُ المُتحلي بها إلى مقاومة كل أسباب الخور والضعف، والاستكانة والاستسلام، وتَحْمِلُه على الصمود والثبات أمام الفتن والمُغريات، وأمامَ المحن والمكاره والأحداث، إلى أن يَأذنَ الله له بالنصر، أو أن يلقى الله وهو عنه راضٍ. لقد سَلَك المُشركون مع النبي ﷺ مسالك شتى في الأذى، وأساليبَ مُتنوعة في الاضطهاد؛ ليَصُدّوه عن دعوته؛ ويُثنوه عن أداء رسالته؛ فمَا استَكَانَ وما خضع؛ حتى بعد أن أذن الله له بالهجرة، حاربوه بحملات مُتعددة، وحروبٍ طاحنة؛ ليستأصلوا دعوته وأتباعه، فما كان ذلك يرده عن تبليغ الدعوة ونشرها في الأرض، وظل ﷺ صابرًا داعيًا مجاهدًا محتسبًا، ماضيًا في طريق إعزاز دين الله؛ حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا. ألا فليتخذ الدُّعاة من مواقف صاحب الدعوة ﷺ قدوة وأسوة، إن أرادوا أن يبنوا لأمّتهم مجدًا، ولبلاد الإسلام عزًّا وللمسلمين وحدة وقوة ومكانة، فإن الله ﵎ أمر المؤمنين بالتأسي بالنبي الأمين؛ فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).

стр. 104

إنّ الابتلاء سُنّة من سُننِ اللهِ الكونية، التي لا تتبدل ولا تتغير؛ ولكنها يَعْقُبها دائمًا النصر والتأييد والتمكين. ولذلك سُئلَ الإمام الشّافعي ﵁: أيهما أحب إليك أن يبتلى الرجل ثم يُمكن، أم يُمكن ثم يبتلى؟ فقال: لا يُمكن حتى يبتلى، ثم قرأ قول الله : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾ (العنكبوت: ٢، ٣) ولقد كان من وصايا لُقْمَان الحكيم لابنه وهو يَعظه: أنه وصاه بالصبر بعد أن أمره بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدحه الله تَعالى على هذه الوصية، وسَجّلها في كتابه؛ فهي تُتْلَى ويتقرب بتلاوتها إلى الله إلى يوم الدين: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ (لقمان: ١٧). والنبي ﷺ يقول: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)). ولقد أوذي المؤمنون الأولون من المهاجرين أيما إيذاء، فصبروا واحتسبوا ولما جاءوا يشكون إلى النبي ﷺ ما زاد على أن ذكرهم بما كان يُصيب المُؤمنين من السابقين من الأذى، وكيف صبروا حتى أتاهم نصر الله، يقول الخباب بن الأرت ﵁: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو مُتوسد بُردة له في ظل الكعبة؛ فقلنا: يا رسول الله، ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ فقال ﷺ : قد كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يُؤتى بالمِنْشَار؛ فيوضع على مفرق

стр. 105

رأسه، فيُفْرَق فرقتين؛ ثم يُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحديد ما لحمه وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمّن الله هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). رابعًا: الصدق: لقد أمر الله ﵎ بالصِّدْقِ ومَدَح أهْلَه وبَيّنَ جَزاءهم؛ فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين﴾ (التوبة: ١١٩) وبين أنه في يوم القيامة ينفع الصادقين صدقهم، وأنهم سيفوزون برضوان الله والجنة: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (المائدة: ١١٩). وحقيقة الصّدق حصولُ الشّيءِ وتَمَامُه، وكَمَالُ قُوّتِهِ واجْتِمَاعُ أجزائه، هكذا قال ابن قيم الجوزية في "مدارجه"، ويكون الصدق في القصد والقول والعمل، ومعناه في القصد: كمال العزم، وقُوّةُ الإرَادِةِ على السير إلى الله، وتَجَوّز العَوائق؛ ويكون ذلك بالمُبادرة إلى أداء ما افترضه الله عليه، وفي مقدمته الجهاد في سبيله، ومن الجَهاد في سبيل الله: الدَّعْوَةُ إلى الله . أما صدق القول فمعناه نطق اللسان بالحق والصواب، فلا ينطق بالباطل أي باطل كان، ويَكُونُ الصِّدْقُ في الأعمال بأنْ تَكُونَ وِفْقَ المَناهج الشرعية، والمُتابعة لرسول الله ﷺ وإذا ما تحقق للمُسلم الصدق في القول والقصد والعمل، أدّى به ذلك إلى درجة أخرى في الصديقية، وهي التي أمر الله عباده المؤمنين بطلبها؛ موجهًا ﷻ خطابه إلى رسوله الكريم ﷺ : ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٠).

стр. 106

خامسًا: الرحمة: وهي من الصفات الضرورية للداعية؛ وبها يُقبل الناس عليه، وبغلظته وفظاظته ينصرفون عنه، ولذلك كان رسل الله أرحم خلق الله بخلق الله، ولقد قال الله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم﴾ (التوبة: ١٢٨) وامتن عليه بهذه الرحمة التي فطره عليها فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). فالداعية لا بُدّ أنْ يَكونَ ذا قلبٍ يَنْبِضُ بِالرّحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة. إنّ الداعيةَ يُحِبّ للناس ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحب لنفسه الإيمان والهدى؛ فهو يحبُ ذلك للناس أيضًا. إن الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة، ويُتْعب نفسه في سبيل ذلك، وأي هَلكة أعظم من الضلال والتمرد على الله، والدّاعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المُتمردين العُصاة من الهلاك المحقق والخسران المبين. ومنْ أهَمّ الصفات النفسية للداعية: قوة الملاحظة؛ ليدرك أحوال السامعين عند إلقاء خطبته؛ أهم مقبلون عليه؟ فيسترسل في قوله، أم هم مُعرضون عنه فيَتّجه إلى ناحية أخرى، وحُضور البديهة لتُسعفه بالعلاج المطلوب، إنْ وَجَد مِنَ القَوْمِ إعراضًا، والدواء الشافي إن وجد منهم اعتراضًا، وقد يُلقي الخطيبُ خُطبته فيعقب بعض السامعين معترضًا أو طالبًا الإجابة عن

стр. 107

مسألة؛ فإذا لم تقدم البديهة الحاضرة كلامًا فيما يسد به الخلة، ويدفع به الزلة ضاعت الخطبة آثارها. وطلاقة اللسان فاللسانُ أداة الخطيب الأولى؛ فلا بُد أن تكون الأداة سليمة كاملة؛ ليتسنى له استعمالها على أكمل وجه وأتمه، ورَباطة الجأش؛ فيَجِبُ أنْ يَقِفَ الخَطِيبُ مُطمئن النفس، غير مضطرب ولا وجل، وإلّا لم يستطع ملاحظة السامعين، وأثر كلامه فيهم، وهم إن أحسوا بضعفه واضطرابه صَغُر في نظرهم، وهان هو وكلامه في أعينهم. آداب تتعلق بالخطيب أثناء خطبته وهناك آداب تتعلق بالخطيب أثناء خطبته وهي: سداد الرأي، وصدق اللهجة، والتودد للسامعين؛ فعلى الخَطيبِ أنْ يُراعي أحوال الجمهور، وأن يَتودد إليهم، وأن يتقرب منهم، وأن يُخاطبهم على قدر عقولهم؛ وأن يُراعي أحوالهم، وآداب الخطيب مع الجمهور كثيرة؛ من أهمها: أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بتلويح في المقال، وتعريض في الخطاب ما أمكن؛ فالتعريض في ذلك أبلغ من التصريح، فإنّ التّأمُّل فيه إذا أداه إلى الشعور بالمقصود منه، كان أوقع في نفسه، وأعظم تأثيرًا في قلبه، وأدعى إلى التنبيه للخطأ، مع ما فيه من مراعاة حُرمة المُخَاطَب بترك المُجاهرة بالتوبيخ؛ وأيضًا التعريض لا تنتهك به سجف الهيبة، ولا يرتفع معه ستر الحشمة. أما صريح التوبيخ والتقريع الشديد العنيف؛ فقد يورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويُهَيّجُ الحِرْصَ على الإصرار، والبقاء على ما هو عليه، ولا سيما

стр. 108

النفوس المُنطوية على الكِبْر، ألا ترى قول الله تعالى في شأن ذلك الرجل الغيور على دين الله والدعاة إليه: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِين * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُون * وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُون * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾ (يس: ٢٠ - ٢٤). ألا ترى أنّ هذا الرجل قد وجه الإنكار إلى نفسه، في حين أنه يريد القول أنه لا يتّخِذُ من دون الله آلهة يعبدها، ويترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطره مبينًا حال هذه الأصنام التي يَعْبُدها القوم من دون الله سبحانه، إنكارًا عليهم، وبيانًا لضلال عقولهم وقصور إدراكهم؛ ثُمّ يُبين أنه إذا فعل ذلك كان في ضلال مُبين. ومن آداب الداعية مع السامعين: التلطف في القول، والرفق في المعاملة، مع تحري الإقناع. فلهذا شأنه في نجاح المرشد في مقام الدعوة إلى الخير، والقرآن الحكيم يرشد إلى ذلك في مواضع كثيرة؛ تأمل قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) أي: أحسن طُرق المُناظرة والمُجادلة من الرفق واللين؛ ليَسْكُن شَغبهم وتلين عريكتهم، وهذا بالنسبة للمعاندين المجادلين بالباطل. وتأمل قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ (سبأ: ٢٥) وَهَذا أبلغُ في الإنصاف، وأبعد من الجدل والاعتساف، حيث أسند فيه الإجرام إلى أنفسهم، ومُطلق العمل إلى المخاطبين؛ مع أنّ أعْمَالَهُم أكْبَرُ الكبائر؛ فما بعد هذا التطلف طريق يُسار فيه، ولا وراء هذا الرفق غاية ينتهى إليها.

стр. 109

ومنها أن يذكر الداعية من يريد نصحه وتذكيره بخير، ويصفه بالجميل؛ كأن يُبَيّن له ما له من حسب، وما فيه من فضل؛ وما عليه من نعمة؛ ليَجْذِب قلبه إليه، ويعده بذلك لقبول الموعظة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين * وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون﴾ (البقرة: ٤٧، ٤٨). إعداد الخطيب علميًّا وثقافيًّا خامسًا: إعداد الخطيب علميًّا وثقافيًّا: من الصفات الهامة للخطيب التي يَجِبُ أن يَتحلّى بها، ونَعمل على إعداده من خلالها: أن يكون لديه القدر الكبير من العلم والثقافة الواسعة، التي تُدَعّم رسالتها، وتُكسبه وعيًا من مشكلات مجتمعه، وقضايا عصره، وبالواقع المحيط به من جميع نواحيه الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إذ بقدر سعة ثقافة الخطيب والداعية يكون نجاحه في تبليغ رسالة ربه، وتأدية أمانته، ويكون التأثير فيمن حوله أمرًا ملحوظًا؛ فهو إذا ناقشهم أقنعهم، وأثّر فيهم بسعة ثقافته ووعيه؛ وأجابَ على أسئلتهم، وعلى ما يَشْغَلُ بالهم إجابة الواعي الواسع في علمه واطلاعه، وإذا تكلم في أمر من أمور الدين تكلم بلغة العصر الذي يعيشه، وعن وعي بشمولية تعليم الدين ومرونتها، وقدرتها على الاستجابة لمقتضيات الزمان والمكان في كل عصر، وعن وعي بالواقع الذي يعيش فيه ومشكلات هذا الواقع. من أجل هذا نادى المربون الذين لم يألوا جهدًا في الحث على طلب العلم، والتوسع فيه على مدى الحياة.

стр. 110

وفي بيان أنجح الوسائل والطرق لاستكمال التعليم وتوسيع الوعي والثقافة العامة، قال الله تعالى في أول ما أنزل على رسوله من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (العلق: ١ - ٥). ولَقد أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُوله ﷺ أن يطلب منه الزيادة من العلم فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) وقد استجاب ﷺ فكانَ إذا انصرف من صلاة الصبح قال: ((اللهم إني أسالك علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا ورزقًا طيبًا)). وأكثر ﷺ على أصحابه من الترغيب في طلب العلم وحضور مجالسه، من ذلك قوله ﷺ : ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهل الله له طريقًا إلى الجنة)). ((نضر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع)). ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)). ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلّا نَزَلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)). من هذا المُنطَلق يَجِبُ أنْ نُعِدّ الخطيبَ علميًّا وثقافيًّا على أسس علمية رشيدة منها: أن يحفظ كتاب الله ؛ فإن حفظ القرآن الكريم أول خطوة في طريق طلب العلم، على هذا سار السلف حتى ذكر الخطيب البغدادي ﵀ وغيره من العلماء أن الطالب كان إذا أتى العالِم فقال: علمني. سأله: أحفظت القرآن؟ فإن قال: لا، رده وإن قال: نعم امتحنه. ثانيًا: أن يحفظ الخطيب الداعية ما يمكنه حفظه من أحاديث رسول الله ﷺ وننصح بحفظ كتاب رياض الصالحين، واللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان.
следующие страницы →