← Общие книги

Общие книги · id 31563

الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (126 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام

стр. 2

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الأمن يعتبر من أهم مطالب الحياة، بل لا تتحقق أهم مطالبها إلا بتوفره، حيث يعتبر ضرورة لكل جهد بشري، فردي أو جماعي، لتحقيق مصالح الأفراد والشعوب. والتاريخ الإنساني، يدل على أن تحقيق الأمن للأفراد والجماعات الإنسانية، كان غاية بعيدة المنال في فترات طويلة من التاريخ، وأن الأمن لم ينبسط على الناس في المعمورة إلا خلال فترات قليلة. فالحرب والقتال بين البشر، ظاهرة اجتماعية لم تختف حتى الآن، وكان تغير الدول والإمبراطوريات

стр. 3

قديما، ونشأتها، وضعفها، وانتهاؤها، مرتبطا في الغالب بالحروب ونتائجها. وتعتمد الحضارات الإنسانية في قوتها وضعفها وانتهائها، على ما تملكه من مقومات ذاتية، تميز حضارة عن أخرى. فالحضارات لا تتصارع بالسلاح، ولكنها تعيش وتمد نفوذها وتبسط مفاهيمها وقيمها وأنماط سلوكها، وتحقق سلطانها، نتيجة سلامة ما تحمله من مفاهيم وقيم. ويعتبر الإسلام مثلا حيا وباقيا على هذه القاعدة. فلم يكن الإسلام في بدايته، وحتى بعد تأسيس دولته الأولى، أقوى عدة وعتادا وسلاحاً من قوى الإمبراطوريتين الرومانية أو الفارسية، اللتين عاصرتا بدء الإسلام. وخلال فترة قليلة من الزمن، وفي القرن الأول الهجري، بدأ المنهج الإسلامي يخلف - على

стр. 4

المستوى العالمي - النظام الروماني القديم، واستطاعت قيم الإسلام ومفاهيمه، أن تسيطر على شعوب وأجزاء كبيرة من المعمورة، وأن تؤثر على بلاد وشعوب لم يصلها الإسلام، وهو أمر لا ينكره المنصفون من العلماء والمؤرخين. وفي العصر الحديث، ونتيجة للنهضة الأوروبية التي صاحبها تقدم علمي وفكري كبير، أصبحت الحضارة الأوروبية، أو حضارة الغرب بوجه عام، هي الظاهرة والسائدة في القيم والمفاهيم على أجزاء كثيرة من المعمورة، لا سيما بعد أن واكبت النهضة الأوروبية، حركة كبرى للغزو والتوسع، شمل قارتي إفريقيا وآسيا، وشمل العديد من البلاد الإسلامية. فالغزو العسكري سبق المد الحضاري ومهد له، وتدل الشواهد على أن هذا التمهيد، كان مقصودا ومتعمدا ومدروسا. إذ إن السيطرة على الشعوب، لا يمكن استدامتها

стр. 5

عن طريق القهر لمدد طويلة، ولكن التأثير الحضاري، يمكن أن يمتد لمئات السنين، ويضمن بقاء النفوذ والسيطرة حضارياً وثقافياً، وربما كان ذلك هو الأخطر والأشد ضرراً على أمن البلاد الإسلامية في العصر الحديث. إن الأمن معنى شامل في حياة الإنسان، ولا يتوفر الأمن للإنسان بمجرد ضمان أمنه على حياته فحسب، فهو كذلك يحتاج إلى الأمن على عقيدته التي يؤمن بها، وعلى هويته الفكرية والثقافية، وعلى موارد حياته المادية. والشعوب والدول، تحتاج - فضلاً عن الحفاظ على أمنها الخارجي - إلى ضمان أمنها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ودون أن يتحقق لها ذلك، لا تتمكن من النهوض والتطلع إلى المستقبل، بل يظل الخوف مُهيمناً على خطواتها، ومقيداً لتطلعاتها. ولذلك؛ فإن تكامل عناصر الأمن في مجتمع

стр. 6

معين، هو البداية الحقيقية للمستقبل الأفضل، وتوفر عناصر الأمن الديني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبقاؤه في المجتمع، ضمان له لاستعادة أمنه الخارجي، حتى لو فقده بصفة مؤقتة أو عارضة. ويمثل التزام الإسلام، عقيدة وشريعة وقيماً وأصولاً اجتماعية، أهم عناصر الأمن في المجتمعات الإسلامية. يقول الكاتب الأمريكي برنارد لويس: "إن الدول الإسلامية، قد تسقط أو تزول كدولة بالغزو العسكري، ولكن المجتمع يظل في حياته، محكوماً بقوانينه الإسلامية في معاملاته وعلاقاته ربما عشرات السنين، حتى تقوم الدولة من جديد، وهي تجربة مرت بها الدول الإسلامية التي خضعت للاستعمار عشرات السنين ". ولا بد لنا ونحن نتناول أهمية الأمن في الإسلام، أن نتحدث عن الأمن بمفهومه الشامل الذي يحتاج إليه الفرد والمجتمع، وعن أمن غير المسلمين في المجتمع

стр. 7

المسلم، وأن نشير إلى أظهر الأسباب التي تخل بالأمن في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. ولا بد لنا أن نشير إلى ما تعيشه المملكة العربية السعودية، من أمن وطمأنينة واستقرار وحياة كريمة، وتعاون وتضامن بين أبنائها، وتكاتف والتفاف حول ولاة أمرهم. وذلك كله، بفضل الله، ثم بسبب تطبيقها لشريعة الله، وتحاكمها إليها، والتزامها بتوجيهات الإسلام، بدءاً من عقيدة التوحيد، وصرف جميع أنواع العبادة إلى الله وحده، وانتهاءً بكل خلق فاضل دعانا إليه ربنا في كتابه الكريم، وسنة رسوله ﷺ . إن أثر تطبيق الشريعة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، على أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، يدركه كل ذي بصيرة، وينعم في ظله الجميع. وإننا في المملكة العربية السعودية، إذ ننعم بذلك

стр. 8

كله، ونشكر الله عليه، ونسأله المزيد من فضله، لنؤكد للعالم أجمع، أن ذلك، هو الطريق إلى الاطمئنان والاستقرار. ومن هنا، نحرص على الحديث عن الأمن في الإسلام، وما تعيشه المملكة وشعبها، وبيانه في كل مناسبة. تحدثاً بنعمة الله علينا، ودعوة لأنفسنا قبل كل شيء، وتذكيراً لها بهذه النعمة، وحثا لها للتمسك بأحكام الدين، والإخلاص لله في عبادته، وطاعته سبحانه بفعل أوامره واجتناب نواهيه ومعاصيه. ودعوة لكل مسلم، بل لكل إنسان عاقل متبصر، رجاء أن يهديه الله، للالتزام بهدي الإسلام، فينعم بما تنعم به هذه البلاد وأهلها، فتسكن نفسه، ويطمئن فؤاده، ويهنأ في دنياه وأخراه. وإذا ذُكر الأمن في بلاد الحرمين، المملكة العربية السعودية، وتطبيق شريعة الله، والأمر بالمعروف والنهي

стр. 9

عن المنكر، والدعوة إلى الله. ذُكر قادة المملكة العربية السعودية، وما هداهم الله له ووفقهم إليه، من عمل بالكتاب والسنة، واحتكام إليهما، وجهاد في سبيل الدين ونصرته. بدءاً من الإمام المجاهد، الإمام محمد بن سعود، ﵀، الذي نصر الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، وأيده فيما دعا إليه، من تجديد الإيمان، وتصفية العقيدة في نفوس المسلمين، وإزالة المنكرات، وتطبيق الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الصراط المستقيم. وما قام به الأئمة من آل سعود من بعده، إلى عهد الإمام المصلح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ﵀، الذي جاهد في سبيل الله، ولم شعث ما تفرق في هذه الجزيرة، وأقام دولة مسلمة، مكتملة البنيان، فأعز الله به الدين، وأيد به المسلمين، وحفظ الله بسببه وجهوده بلاد الحرمين، من كثير من الفتن والويلات

стр. 10

والرزايا، التي حلت بأماكن عديدة من أوطان المسلمين. ولقد سار أبناؤه الأوفياء على نفس النهج، إلى العهد الزاهر الحاضر، عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين، الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، اللذين جندا أنفسهما، ورجالهما، وبذلا جهوداً كبيرة في سبيل استمرار مسيرة هذه الدولة المباركة على نهج الآباء والأجداد، في إقامة الدين، وتطبيق الشرع، والدعوة إلى الله، وتوقير العلماء، وإكرامهم، وعون المسلمين أينما كانوا. فكان استمرار الأمن والاطمئنان، وعاش الناس حياة سعيدة مستقرة، إخواناً في الله متحابين، في ظل حكم عادل منصف. فلله الحمد والمنة والفضل. كان لا بد من الحديث عن الأمن في المملكة في هذا

стр. 11

البحث، الذي يتحدث عن الأمن في حياة الأمم والشعوب، وأهميته لدى المسلمين، انطلاقاً مما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما سار عليه المسلمون في الصدر الأول، ومن تبعهم بإحسان، حتى لا يقول إنسان: إن هذا حديث نظري لا رصيد له من الواقع. ولقد جاء الحديث في هذا الموضوع المهم، في خمسة مباحث وخاتمة: المبحث الأول: الأمن في الكتاب والسنة. المبحث الثاني: مفهوم الأمن في المجتمع المسلم. المبحث الثالث: تطبيق الشريعة والأمن الشامل. المبحث الرابع: أمن غير المسلم في الدولة الإسلامية. المبحث الخامس: الأمن في المملكة العربية السعودية. الخاتمة: في أهم ما يحقق الأمن للمجتمع المسلم. سائلا الله أن ينفع به كل من قرأه، وأن يوفقنا إلى الاهتداء بهديه سبحانه، والاقتداء برسوله ﷺ ، والعمل

стр. 12

بما يرضيه، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه. فإنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

стр. 13

[المبحث الأول الأمن في الكتاب والسنة] [الأمن في الكتاب] المبحث الأول الأمن في الكتاب والسنة وردت كلمة الأمن وما يشتق منها في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وذلك بالمعنى الذي نحن بصدده، وهو الأمن الذي يعني السلامة والاطمئنان النفسي، وانتفاء الخوف على حياة الإنسان، أو على ما تقوم به حياته من مصالح وأهداف وأسباب ووسائل، أي ما يشمل أمن الإنسان الفرد، وأمن المجتمع. يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] (فصلت الآية ٤٠) . ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (آل عمران الآية ٩٧) . ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] (يوسف الآية ٩٩) .

стр. 14

﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨] (سبأ الآية ١٨) . ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] (الحجر الآية ٨٢) ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] (البقرة الآية ١٢٥) . ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] (إبراهيم الآية ٣٥) . ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (النور الآية ٥٥) . ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] (النحل الآية ١١٢) . ومن آيات القرآن الكريم يظهر معنى الأمن الذي ينافي الخوف، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] (البقرة الآية ١٢٥) . أي أمناً للناس وأمناً من العدو وأماناً لمن يدخله.

стр. 15

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (آل عمران الآية ٩٧) . يعني حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء. وفي قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] (يوسف الآية ٩٩) . أي آمنين مما كنتم فيه من الجهد والقحط. وفي قوله سبحانه: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] (الحجر الآية ٨٢) . يقصد بالأمن عدم الحاجة. يقول ابن كثير: " أي نحتوا بيوتاً من الجبال من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشراً وبطراً وعبثاً ". ولا يتحقق للإنسان في الحياة الدنيا الأمن المطلق. ذلك أن الإنسان مهما أوتي من نعمة، ومن سلامة نفس وبدن ووفرة رزق، لا يحس بالأمن الكامل، أو الأمن بمعناه المطلق الذي ينافي كل خوف مهما كانت

стр. 16

أسبابه. فالأمن المطلق، لا يوجد إلا في دار النعيم التي وعد الله بها عباده الصالحين. قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] (الحجر الآية ٤٦) . ففي الجنة، لا يكون خوف ولا فزع ولا انقطاع ولا فناء. أما في الدنيا؛ فالأمن المطلق غير واقع، إذ يشوبه الخوف من انقطاع الأمن، والخوف من زوال الحياة نفسها. ولا يحس بالأمن المطلق من عذاب الله، إلا الغافلون الخاسرون، يقول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (الأعراف الآية ٩٩) . أما المؤمنون حقاً، فحالهم بين الرجاء في رحمة الله ، والخوف منه سبحانه، الذي يعتبر ضرورياً

стр. 17

للمسلم حتى يأمن من ظلمه لنفسه، ومن ظلمه لغيره، ومن ظلم غيره له، فالخوف من الله مفتاح الأمن للمسلم في دنياه والفلاح في أخراه. ويقع الخوف من الأنبياء والرسل، خوفاً من أعدائهم، ومما يجهلون حقيقته أول الأمر. يقول الله تعالى لموسى ﵇ حين أوجس خيفة من السحر: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] (طه الآية ٦٨) . وقد بشرت الملائكة النبي لوطاً ﵇ بالأمن، حين اقترب عذاب الله لقومه المكذبين له: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] (العنكبوت الآية ٣٣) . وقد أحس إبراهيم ﵇ بالخوف حين أقبلت ملائكة الله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] (الذاريات الآية ٢٨) .

стр. 18

وقد جعل الله الخوف نوعاً من العذاب للمكذبين والكافرين، يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (الإسراء الآية ٥٩) . وجعل الابتلاء بالخوف، من قبيل الفتن التي يتعرض لها الإنسان: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] (البقرة الآية ١٥٥) . والخوف قد يكون جزاء على كفر النعمة، فينقلب الأمن خوفاً، إذا لم يكن شكر من الإنسان لله عليها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] (النحل الآية ١١٢) وذلك مثل أهل مكة في أول أمرهم، ومحاربتهم للرسول ﷺ ، مع ما كانوا فيه من نعمة. يقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] (قريش الآية ٣، ٤)

стр. 19

ولأن الخوف أمر وارد وطارئ على الإنسان، فإنه يؤثر عليه مادياً ونفسياً، ويذهب بنعمة الأمن التي تُمكن الإنسان من السعي والتصرف في هدوء واطمئنان. ولذلك كان للشعور بالخوف في بعض المواضع، حكم في الشرع يناسب حال الإنسان عند الخوف. فالخوف من الأعذار المبيحة للتخلف عن صلاة الجماعة، وقد يؤثر في كيفية الصلاة وصفتها، كما هي الحال في صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم. [الأمن في السنة النبوية] [أهمية أمن الإنسان في الجماعة التي يعيش فيها] وفي السنة النبوية، ما يؤكد أهمية أمن الإنسان في الجماعة التي يعيش فيها، يقول ﷺ : «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني في الكبير. فالأمن على نفس الإنسان، وعلى سلامة بدنه من

стр. 20

العلل، والأمن على الرزق، هو الأمن الشامل الذي أوجز الإحاطة به وتعريفه هذا الحديث الشريف، وجعل تحقق هذا الأمن لدى الإنسان بمثابة ملك الدنيا بأسرها، فكل ما يملكه الإنسان في دنياه، لا يستطيع الانتفاع به، إلا إذا كان آمناً على نفسه ورزقه. وقد دعا الرسول ﷺ إلى كل عمل يبعث الأمن والاطمئنان في نفوس المسلمين، ونهى عن كل فعل يبث الخوف والرعب في جماعة المسلمين، حتى ولو كان أقل الخوف وأهونه، باعتبار الأمن نعمة من أجلِّ النعم على الإنسان. ولقد نهى الرسول صلوات الله عليه وسلامه، عن أن يروع المسلم أخاه المسلم، فقال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» رواه الإمام أحمد، وأبو داود. كما نهى عن أن يشهر السلاح عليه، حتى ولو كان ذلك مزاحاً، فقال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري

стр. 21

أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» متفق عليه. ونهى عن أن يخفي الإنسان مالاً لأخيه، ولو لم يكن بقصد الاستيلاء عليه، ولكن أراد بذلك أن يفزعه عليه، فقال: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً» رواه الإمام أحمد، وأبو داود. وكان من دعاء النبي ﷺ ربه أن يؤمِّن روعاته، حيث كان يقول: «اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم. فالخوف والروع، نقيض الأمن الذي يطلبه المسلم في دنياه وآخرته. ويظهر اهتمام الإسلام بالأمن حتى في وقت القتال، فلا يصح إرهاب أو قتال من لا يحارب، كالنساء والصبيان، وكبار السن، الذين لا مدخل لهم في القتال

стр. 22

ضد المسلمين. فقد نهى الرسول ﷺ عن قتل النساء في الحرب، وقال حين شاهد امرأة مقتولة في إحدى المغازي: «ما كانت هذه لتقاتل» رواه أبو داود. وكانت الوصية للمجاهدين المسلمين بحقن دماء الشيوخ والنساء والمنقطعين للعبادة، وأهل الفلاحة والزراعة الذين لا مدخل لهم في قتال المسلمين بعمل أو تحريض أو معونة. وعلى الرغم من التخويف والإرهاب الذي عاناه المسلمون على يد مشركي مكة، والذي تجرأ في بعض الأحيان على مقام النبوة في بداية الدعوة، فإن النبي ﷺ بعد انتصاره وفتح مكة، لم يبادلهم ظلماً بظلم، ولا إرهاباً بإرهاب، وإنما فتح لأهل مكة باب الأمان واسعاً، ومن هذا الباب دخل الناس في دين الله أفواجاً. لقد واجه الصحابة ألواناً من التخويف والعدوان والإرهاب في بداية الدعوة، وقد أوردت كتب السيرة ما

стр. 23

لا يحصى من صور العدوان والإرهاب الذي لقيه المسلمون على يد كبار المشركين. لقد حاول عدو الله أبو جهل، أن يطأ عنق الرسول ﷺ وهو ساجد لله، ولكن الله أخزاه عندما هم بذلك الجرم، وعاد إلى أصحابه ممتقع الوجه قد أخذه الخوف، وقال لأصحابه حين سألوه عن سبب نكوصه وفزعه: "إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة ". وروى البخاري ومسلم أن عقبة بن أبي معيط وضع سلاة جزور بين كتفي الرسول ﷺ وهو يصلي، وأضحك بذلك الفعل أصحابه، وفيهم أبو جهل. وقد شق عتبة بن أبي لهب قميص الرسول وتفل في وجهه، فلم يقع على وجهه الشريف شيء من عدوان هذا الفاجر، ودعا عليه الرسول بأن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فأكله السبع وهو يجتاز طريقا بالشام. وفي القرآن الكريم، نبأ امرأة أبي لهب، التي كانت تحمل الحطب لتضعه في طريق الرسول ﷺ وتحاول

стр. 24

إيذاءه، ومصيرها المشئوم، قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥] (المسد) . [إرهاب المسلمين الأوائل في مكة والعدوان عليهم] وكان إرهاب المسلمين الأوائل في مكة والعدوان عليهم، أشد وأقسى. لقد تحمل أبو بكر الصديق صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، الكثير من الأذى والعنف في أول الإسلام، حتى فكر في الهجرة بدينه إلى الحبشة، وقد ضربه المشركون في المسجد الحرام ومنهم عتبة بن ربيعة، حتى أدموه واستنقذه أهله. وممَّن تعرض للأذى والعدوان والتعذيب، عبد الله بن مسعود، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وآل ياسر، الذين يضرب بهم المثل فيما لقيه أوائل المؤمنين من المشركين. كما لقي بلال بن رباح، وكثير من المستضعفين من

стр. 25

الناس، إرهاباً وتخويفاً من أهل الكفر والشرك. وكان ذلك الإرهاب والعنف، وافتقاد الناس للأمن في حياتهم - الأمن على النفس والأمن على العقيدة وعلى المال - في زمن لم تكن فيه سلطة ولا ولاية للمسلمين، وكان أمر المجتمع بيد كبار المجرمين من أهل الشرك، فأسرفوا في حرمان المسلمين الأوائل من الأمن في بلدهم، حتى اضطَروا كثيرا منهم إلى الهجرة إلى بلاد بعيدة، وهي بلاد الحبشة، حيث ملك عادل يضمن للناس أمنهم وسلامتهم، حتى وإن كانت عقيدتهم تخالف عقيدة أهل ملكه من النصارى. وهكذا ظل كفار مكة من وقت بدء الإسلام ومبعث نبيه ﷺ ، يقاومون دين الحق، وينالون أهله والمؤمنين به بالعذاب، ولا يأمن فيها مسلم على دينه. حتى أذن الله بقيام دولة الإسلام في المدينة المنورة بعد الهجرة الشريفة إليها، حيث قامت دولة الإسلام الأولى، وأصبح السلطان بيد المسلمين وتحت الولاية

стр. 26

الكاملة للرسول ﷺ . [كيف كان الأمن للناس جميعاً في دولة الإسلام منذ ظهرت إلى الوجود في] المدينة المنورة كيف كان الأمن للناس جميعاً في دولة الإسلام، منذ ظهرت إلى الوجود في المدينة المنورة؟ لقد كان الأمن بمفهومه الشامل، هو أول أهداف الدولة منذ قيامها. لقد آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، إذ كان الأولون قد تركوا ديارهم وأموالهم ليكونوا من رعايا ومواطني أول دولة إسلامية، وكانت المدينة بالنسبة لهم، دار غربة في أول الأمر، وكان موقف أنصار رسول الله ﷺ بالنسبة لإخوانهم في الدين، معبِّراً عن أخوة الإيمان والإسلام، وعن النفوس الزكية بخلق الإسلام. لقد عرضوا أموالهم ومنازلهم على المهاجرين إليهم. وفي كتب السنة والسيرة، صفحات مضيئة، تعبِّر عن مثل أعلى ضربه هؤلاء الأنصار لمن بعدهم من المسلمين، وإلى آخر الزمان، في أخوة الإيمان والإسلام، ذكره الله في قوله تعالى:

стр. 27

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (الحشر الآية ٩) . ولم يقتصر الأمن على المسلمين، بل إن غير المسلمين، كان لهم نصيبهم من الأمن على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وقد تم ذلك بالصحيفة التي كانت أول وثيقة تنظم أمور المجتمع المسلم، وعلاقات أفراده من المسلمين بغيرهم من أهل الكتاب. ومن أهم مبادئ تلك الصحيفة أو الوثيقة، أن ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمسلمون بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأن من تبع المؤمنين من يهود، فإن لهم النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. ونظمت الوثيقة النبوية، التعاون بين المسلمين وغيرهم، فينفق اليهود مع المؤمنين ماداموا محاربين، مع أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.

стр. 28

وأوردت الوثيقة: أنه لا يخرج أحد من يهود المدينة إلا بإذن الرسول ﷺ . وأن بين أهلها من اليهود والمسلمين النصر على من دَهم يثرب، ومعنى ذلك، التعاون في رد العدوان عن الجميع. وثمة نص واضح وصريح في الوثيقة يتعلق بالأمن، وهو بين بنودها العامة: "من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ". وبمقتضى هذا الشرط في العهد النبوي، يتحقق الأمن لجميع المسلمين وغير المسلمين، في خروجهم وبقائهم من غير ظلم ولا إثم. كان هذا هو أمن المدينة عند قيام الدولة الإسلامية فيها، وقد أمن المسلمون على دينهم، وعلى أنفسهم وأعراضهم وأموالهم. وكان ذلك الأمن متاحاً لغيرهم من أهل الكتاب،

стр. 29

على دينهم ودنياهم أيضاً، ما داموا مسالمين، وكانت أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، مصونة بذمة الإسلام، حتى ظهر الإثم والغدر بالعهود منهم، وهددوا أمن المسلمين في المدينة بمعاونة العدو، ونشروا الأكاذيب عن المسلمين، ولم يكن بد من حفظ أمن المجتمع المسلم بطردهم، وإنفاذ حكم الله فيهم، طائفة بعد أخرى. ونجد مثالاً نادراً في السنة المطهرة لقيمة الأمن في الإسلام؛ فقد أقام الرسول ﷺ الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، ولم تسلم هذه الدولة الناشئة من مكائد المشركين واليهود، وقد دارت المعارك سجالاً بين دولة الحق وشراذم الباطل وأعوانهم، وكتب الله النصر للمسلمين في هذه المعارك، وظل السلم بين دولة الإسلام الأولى، وبين مشركي مكة، محكوماً بهدنة الحديبية التي عقدها الرسول ﷺ مع المشركين في مكة، حتى نقضوا عهدها وانتهكوا شروطها بإعانتهم حلفاءهم على حلفاء

стр. 30

النبي ﷺ من بني خزاعة، فاستنصر بنو خزاعة رسول الله ﷺ ، فنصرهم وفاءً بالعهد. وقبل أن يدخل الرسول ﷺ إلى مكة جاءه نفر من وجهاء قريش فأعلنوا إسلامهم، وكان منهم بعض أعداء الإسلام، كأبي سفيان بن حرب، وعبد الله بن أُمية، ولما أسلموا كانت لهم مواقف ومشاهد تكفِّر عنهم ماضيهم في الجاهلية. وعند فتح مكة على أيدي من آذتهم قريش ومشركوها أشد الأذى، قال سعد بن عبادة ﵁، حامل راية الأنصار في جيش المسلمين: " اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة ". فقال الرسول ﷺ : «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة» رواه البخاري. وأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس، وقيل: دفعها إلى الزبير بن العوام.

стр. 31

ودخل الرسول صلوات الله عليه وسلامه مكة، خاشعاً شاكرا لله، ولم ترق دماء كثيرة في فتح مكة، فقد أعطى الرسول ﷺ الأمان لأهل مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» رواه أبو داود. وهكذا كان الأمان شاملاً لمن لم يقاتل أو لزم داره، أو دخل دار أبي سفيان، أو البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. وحين تم النصر والفتح، عفا الرسول ﷺ عن أهل مكة، عندما اجتمعوا إليه قرب الكعبة ينتظرون حكمه فيهم، فقال الرسول ﷺ : «ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال الرسول ﷺ : اذهبوا فأنتم الطلقاء» أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق.

стр. 32

وذكّر الرسول ﷺ المسلمين المنتصرين بحرمة مكة، وحرَّم القتل والسبي فيها، وأبقى على الناس أموالهم، وحفظ حقوقهم، حتى أدى مفاتيح البيت الحرام إلى من تحملوا شرف الحفاظ عليها. وهكذا كان الأمان للجميع، وكان الأمن الشامل للناس في عهد النبوة، سواء في دولة الإسلام في المدينة، أم في مكة التي دخل أهلها بعد الفتح في دين الله أفواجا، وأصبحت أقدس مدينة في تاريخ الإسلام، والحرم الأول للمسلمين، الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا.

стр. 33

[المبحث الثاني مفهوم الأمن في المجتمع المسلم] [مفهوم أمن المجتمع وتحقيقه] المبحث الثاني مفهوم الأمن في المجتمع المسلم إن الفطرة الإنسانية تقتضي الاجتماع، ومتى وُجد جماعة من الناس، تَعين أن تقوم فيهم سلطة حاكمة ترعى مصالحهم، وتعمل من أجل بقائهم وتقدمهم، وتحجز بين أفرادهم حين تختلف المصالح. وتعمل هذه السلطة وفقاً لمبادئ وأهداف تحاول تحقيقها، لا بد أن تكون واضحة في نظرها، ومقبولة من المجتمع الذي تتولى تنظيمه ورعايته، وقد تكون هذه المبادئ مستمدة من أعراف سائدة، أو نظم وتقاليد أفرزها تطور الحياة في المجتمع. وقد تكون هذه المبادئ والأهداف والغايات، مستمدة من عقيدة دينية راسخة، كما هو الحال في المجتمع المسلم.

стр. 34

إذ لا بد لكل سلطة تقوم فيه، أن تستمد نظامها وأحكامها وقيمها وأهدافها وغاياتها من الإسلام، وبغير ذلك لا يستقيم لها حكم، ولا تلقى من تعاون مجموع الناس وتوحد جهودهم، ما يكفي لحفظ مصالح المجتمع وأمنه. ولا تكفي القوة أو السلطة بذاتها، لكي يبقى المجتمع متماسكاً وقادراً على النمو والارتقاء. لقد آمن المسلمون منذ بداية ظهور المجتمع المسلم الأول، ومنذ نشأة الدولة الإسلامية، أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هما الأصل في نظام المجتمع، والأساس الذي يقوم عليه. فالإسلام هو العقيدة الدينية، والمنظومة الخلقية والسلوكية، والمنهج الاجتماعي للفرد والجماعة، في كل العلاقات التي تنشأ داخل المجتمع بين الأفراد، وبين الأفراد والسلطة، وبين المجتمع المسلم، وما يتصل به من مجتمعات أخرى، مسالمة أو معادِية، تدين

стр. 35

بالإسلام، أو لها عقائدها المختلفة. فما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، هو الأساس في نظام الإسلام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومن فرائض الإسلام على المسلمين جميعاً، الطاعة لله ولرسوله ﷺ ، وطاعة أولي الأمر فيما لا يكون فيه معصية، والرجوع دائماً عند الاختلاف وتعدد الرأي في شئون الحياة، إلى الأصلين العظيمين القرآن والسنة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (النساء الآية ٥٩) . وهذان الأصلان العظيمان، هما العاصمان من الزيغ والضلال للحاكم والمحكوم على السواء، وهما مفتاح النجاح والفلاح لكل مجتمع مسلم في شئونه

стр. 36

الدنيوية، قبل أن يكونا مفتاح النجاة في الآخرة. ويستحق ولاة الأمر في المجتمع المسلم طاعة الناس، بتمسكهم بهذين الأصلين في حياة المجتمع، عقيدة وأخلاقا وتشريعا، ولا يجوز الخروج على الأئمة، ولا منابذتهم من قبل الرعية ما لم يكن منهم كفر صراح، عند الناس منه بينة. روى مسلم في صحيحه قول الرسول ﷺ : «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا» أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. وفيه أيضاً قوله ﷺ : «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من

стр. 37

ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة» رواه مسلم. فأمن المجتمع من الفتن والقلاقل، هدف له الأسبقية. والمقصود، هو بيان حدود الطاعة التي ترتبط بوجود إمام، أو ولي أمر للمسلمين، يحفظ الأصلين العظيمين في المجتمع، الكتاب والسنة، ويجعلهما الأساس. وقد كان ذكر الصلاة بالذات، وهي العلامة الفارقة بين الإيمان والكفر في المجتمع المسلم، كافياً في البيان والدلالة على وجوب المحافظة على الأمن والسلام في المجتمع، الذي يظهر فيه الإسلام بأول علاماته وأقوى دلالاته، وهي الصلاة. فلا قتال ولا محاربة ولا عدوان، حتى وإن ظهرت بعض المنكرات، فسبيل ذلك الإصلاح، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يكون قتال المسلمين أو عدوان بعضهم على

стр. 38

بعض، سبيلاً للنفع أو الخير في مجتمع مسلم، مهما كانت البواعث والنيات. فالمجتمع الآمن الذي يشعر فيه الناس بحرمة الأنفس والأعراض والأموال فيما بينهم، ويؤدون فيه شعائر الدين، هو المجتمع المسلم القابل للنمو والارتقاء، والذي تتحقق فيه خيرية الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) . وهو المجتمع المسلم، الذي ينطبق على أولي الأمر فيه قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (الحج الآية ٤١) . ومن واجب أولياء الأمور في المجتمع المسلم، بحكم ولايتهم، أن يحققوا لكل من يقيم تحت سلطانهم، الأمن على نفسه وعرضه وماله، سواء أكان

стр. 39

من المواطنين أم من المقيمين. فالسلطان الذي يملكه، والطاعة التي يُلزم الشرع ببذلها له، هما وسيلته في القيام بواجبه في تحقيق الأمن لمن هو تحت ولايته من الناس. وقد كفلت الشريعة الإسلامية، تحقيق أمن المجتمع بحد من حدود الله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة الآية ٣٣) . ومحاولة الإخلال بأمن المجتمع المسلم، عن طريق ارتكاب جرائم القتل أو النهب، أو حتى إرهاب الناس، ونزع الشعور بالأمن من نفوسهم، يعتبر من الناحية الشرعية محاربة لله ورسوله، تستوجب إقامة الحد. ويمكن القول، بأن الأهمية البالغة للأمن في

стр. 40

المجتمع المسلم، وكون توافره العامل المهم في سعي المجتمع إلى النمو والارتقاء في جميع المجالات، هي التي جعلت الإخلال بالأمن محاربة لله ورسوله، وكانت عقوبته من أشد الحدود صرامة وحسماً في الإسلام، إذ إن عقوبة هذا الإخلال الخطير، تتراوح بين القتل والصلب، وبين قطع الأطراف والنفي، وكلها عقوبات جسيمة جعلها الشارع للزجر عن ارتكاب الجريمة، وللردع عند ارتكابها، فهي لشدتها تؤدي إلى الوقاية قبل ارتكابها، وإلى العقاب العادل عند وقوعها. وتشمل الصور التي يطبق عليها حد الحرابة، الجرائم والجنايات الخطيرة التي تنتهك أمن الإنسان، كالقتل وأخذ المال كرهاً، وتخويف الجماعة عن طريق العصابات الإجرامية، ونشر الفساد بين الناس، مما يجعل الأمن العام مهدداً أو منقوصاً.
следующие страницы →