Полный текст (126 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الدنيوية، قبل أن يكونا مفتاح النجاة في الآخرة.
ويستحق ولاة الأمر في المجتمع المسلم طاعة الناس، بتمسكهم بهذين الأصلين في حياة المجتمع، عقيدة وأخلاقا وتشريعا، ولا يجوز الخروج على الأئمة، ولا منابذتهم من قبل الرعية ما لم يكن منهم كفر صراح، عند الناس منه بينة.
روى مسلم في صحيحه قول الرسول ﷺ :
«إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا»
أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه.
وفيه أيضاً قوله ﷺ :
«شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من
стр. 37
ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة» رواه مسلم.
فأمن المجتمع من الفتن والقلاقل، هدف له الأسبقية.
والمقصود، هو بيان حدود الطاعة التي ترتبط بوجود إمام، أو ولي أمر للمسلمين، يحفظ الأصلين العظيمين في المجتمع، الكتاب والسنة، ويجعلهما الأساس.
وقد كان ذكر الصلاة بالذات، وهي العلامة الفارقة بين الإيمان والكفر في المجتمع المسلم، كافياً في البيان والدلالة على وجوب المحافظة على الأمن والسلام في المجتمع، الذي يظهر فيه الإسلام بأول علاماته وأقوى دلالاته، وهي الصلاة.
فلا قتال ولا محاربة ولا عدوان، حتى وإن ظهرت بعض المنكرات، فسبيل ذلك الإصلاح، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يكون قتال المسلمين أو عدوان بعضهم على
стр. 38
بعض، سبيلاً للنفع أو الخير في مجتمع مسلم، مهما كانت البواعث والنيات.
فالمجتمع الآمن الذي يشعر فيه الناس بحرمة الأنفس والأعراض والأموال فيما بينهم، ويؤدون فيه شعائر الدين، هو المجتمع المسلم القابل للنمو والارتقاء، والذي تتحقق فيه خيرية الأمة:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) .
وهو المجتمع المسلم، الذي ينطبق على أولي الأمر فيه قول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (الحج الآية ٤١) .
ومن واجب أولياء الأمور في المجتمع المسلم، بحكم ولايتهم، أن يحققوا لكل من يقيم تحت سلطانهم، الأمن على نفسه وعرضه وماله، سواء أكان
стр. 39
من المواطنين أم من المقيمين.
فالسلطان الذي يملكه، والطاعة التي يُلزم الشرع ببذلها له، هما وسيلته في القيام بواجبه في تحقيق الأمن لمن هو تحت ولايته من الناس.
وقد كفلت الشريعة الإسلامية، تحقيق أمن المجتمع بحد من حدود الله، يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة الآية ٣٣) .
ومحاولة الإخلال بأمن المجتمع المسلم، عن طريق ارتكاب جرائم القتل أو النهب، أو حتى إرهاب الناس، ونزع الشعور بالأمن من نفوسهم، يعتبر من الناحية الشرعية محاربة لله ورسوله، تستوجب إقامة الحد.
ويمكن القول، بأن الأهمية البالغة للأمن في
стр. 40
المجتمع المسلم، وكون توافره العامل المهم في سعي المجتمع إلى النمو والارتقاء في جميع المجالات، هي التي جعلت الإخلال بالأمن محاربة لله ورسوله، وكانت عقوبته من أشد الحدود صرامة وحسماً في الإسلام، إذ إن عقوبة هذا الإخلال الخطير، تتراوح بين القتل والصلب، وبين قطع الأطراف والنفي، وكلها عقوبات جسيمة جعلها الشارع للزجر عن ارتكاب الجريمة، وللردع عند ارتكابها، فهي لشدتها تؤدي إلى الوقاية قبل ارتكابها، وإلى العقاب العادل عند وقوعها.
وتشمل الصور التي يطبق عليها حد الحرابة، الجرائم والجنايات الخطيرة التي تنتهك أمن الإنسان، كالقتل وأخذ المال كرهاً، وتخويف الجماعة عن طريق العصابات الإجرامية، ونشر الفساد بين الناس، مما يجعل الأمن العام مهدداً أو منقوصاً.
стр. 41
[أمن الفرد في المجتمع المسلم]
أمن الفرد في المجتمع المسلم: يكفل الإسلام في تشريعه الإلهي لكل البشر العيش في سلام.
فالمجتمع المسلم، هو مجتمع آمن لكل الذين يعيشون فيه، وقد سبق الحديث عن الوثيقة النبوية، وكيف نظمت علاقات الطوائف والجماعات التي تقيم في أول مجتمع مسلم في المدينة المنورة، وتضمنت هذه الوثيقة أمرين مميزين، لم تُسبق إليهما:
الأمر الأول: أنها أول تنظيم لحقوق المخالف في الدين أو العرق أو الإقليم أو اللون، ولم يكن ذلك معهوداً في النظم البشرية القديمة قبل الإسلام.
إذ كانت هذه النظم، تفترض عداوة الأجنبي والمخالف، وتعامله على هذا الأساس.
وذلك ثابت في المجتمع الروماني الذي كان يخص الرومان بقانون، ويجعل لغيرهم من المقيمين على الأرض
стр. 42
التي تخضع لسلطانهم قانونًا آخر، هو: "قانون الشعوب". ولم يكن للأجنبي الذي يفد إلى الأرض الرومانية حق، بل كان يفترض أنه قاصد للشر.
ولم يكن الحال أفضل من ذلك في حضارة الإغريق أو الفرس.
الأمر الثاني: أن الوثيقة النبوية، جعلت الأساس في بنودها، تحقيق الأمن والسلامة للجميع، بل والتعاون في مجالات الحياة، وفرضت حرمة النفس والعرض والمال بين أفراد المجتمع، فلا تُمس إلا بحق، ولا يمر انتهاكها دون جزاء.
فالمجتمع المسلم، يتمتع فيه غير المسلم - المخالف في الدين أو العرق أو اللون - بحق الأمان ما دام محافظاً على العهد مع المجتمع المسلم، الذي ينكر التفرقة العنصرية ويدينها.
ومنذ وقت مبكر بحث الفقهاء المسلمون حقوق
стр. 43
المخالف في الدين، حين يعيش في المجتمع المسلم، سواء أكانت إقامته دائمة أم مؤقتة، ولم يكن ذلك محل بحث في النظم القانونية السائدة.
стр. 44
[المبحث الثالث تطبيق الشريعة والأمن الشامل]
[المقصود بالمجتمع المسلم]
المبحث الثالث
تطبيق الشريعة والأمن الشامل إن المجتمع المسلم، يقصد به كل تجمع مسلم، تسوده عقيدة الإسلام، وتحكمه شريعته، وتظهر فيه قيمه الخلقية والسلوكية، وغالباً ما يتطابق معنى المجتمع المسلم مع معنى الدولة الإسلامية.
فالمجتمع في الدولة الإسلامية، هو مجتمع مسلم، وإن وقعت بعض المخالفات، أو التقصير من بعض أفراده، إذ العبرة بالغالبية التي يظهر فيها الخضوع للإسلام عقيدة وشريعة.
فالمجتمع، كائن حي قابل للتغير والتطور بما يُصلح أمره، وإذا ظهرت المخالفة لحكم الشرع في بعض الأمور، فهي لا تنزع عن الدولة أو المجتمع هويته الإسلامية، وإنما يكون علاج ذلك أو تلافيه من مهمات
стр. 45
أولي الأمر والقائمين على إصلاح البلاد والعباد.
وثمة تجمعات إسلامية تعيش داخل دول غير إسلامية، تتمثل في الأقليات المسلمة، والجاليات الإسلامية، ولا مندوحة من وصفها بهذا الوصف، تمييزاً لها عن الدائرة الواسعة التي تعيش فيها، والتي لا تسودها أحكام الإسلام، ولا تظهر فيها قيمه وأنماطه السلوكية، ولا يُحتكم فيها إلى شريعته.
وهذه التجمعات، مطالبة بأن تحتفظ بهويتها الدينية وقيمها الخلقية، وأنماط سلوكها، المستمدة من الإسلام.
وهي - وإن كانت في دول ومجتمعات غير إسلامية - تعد جانباً لا يستهان به من الأمة الإسلامية الواحدة، ولا يمكن لهذه الأقليات والجاليات أن تأمن على عقيدتها وتؤدي شعائرها، وتحيا بقيمها المستمدة من الإسلام، إلا إذا توافر لها داخل الدول والمجتمعات التي تعيش فيها، الأمن والطمأنينة.
стр. 46
فالمسلم يحتاج في إقامة دينه وأداء شعائره، والأمن على نفسه وعرضه وماله، إلى مجتمع آمن، حيث ولو كان يعيش في بلد ومجتمع غير إسلامي.
فالأمن من أول مطالب الإنسان في حياته.
[الأمن للفرد والمجتمع]
الأمن للفرد والمجتمع: يحتاج الفرد في حياته إلى الأمن على نفسه ودينه وعرضه وماله، وقد جعلت الشريعة الإسلامية الحفاظ على هذه الضروريات من أهم مقاصدها.
وفي نظرة سريعة مستمدة من أحكام الإسلام، فرّق علماء المسلمين بين مطالب الحياة الضرورية، التي تهم الإنسان، وبين غيرها من حاجاته.
فأنزلوا الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال، منزلة الضرورة التي لا تستقيم الحياة إلا بها.
وجعلوا حاجات الإنسان التي تُيسر حياته في مرتبة تالية.
стр. 47
وأفسحوا مجالاً تكتمل به حياة الإنسان، فيما عدوه من الكماليات والتحسينيات.
ولا شك أن أمن الإنسان لا يمكن أن يتحقق، إلا إذا توافرت له ضرورات الحياة هذه، في أي مجتمع يعيش فيه.
وقد بلغ من عناية الشريعة بحفظ هذه الضرورات للمسلم، إلى أن حرمت على الشخص نفسه الاعتداء عليها، فحرمت الردة، وتعريض النفس للهلاك، وارتكاب الفواحش، وتناول المسكرات والمخدرات، وإضاعة المال، ونحو ذلك، كما حرمت على الآخرين الاعتداء عليها بأي صورة من صور الاعتداء، وشرعت عقوبات رادعة، وإجراءات وقائية متنوعة.
ومن أجل تحقيق أكبر قدر من الحماية لهذه الضرورات، كان تشريع الحدود والقصاص للزجر والردع عن الجرائم التي تمس الأفراد في أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم.
стр. 48
إن تشريع القصاص في الإسلام، هو الوسيلة الفعالة التي تكفل حماية الأنفس، وهو في نفس الوقت يحقق العدل بين الفعل ورد الفعل، أو بين الجريمة والعقوبة.
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية ١٧٨) .
ويقول تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (المائدة الآية ٤٥) .
هذا هو الأصل في القتل العمد العدوان، وفي العدوان المتعمد على الإنسان فيما دون النفس، ومع ذلك ندب الشارع الحكيم إلى العفو مقابل الدية أو بغير مقابل، يقول الله تعالى:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية ١٧٨) .
стр. 49
فحماية نفس الإنسان وبدنه، تظفر بأعظم الاهتمام في موازين الشرع الإسلامي، وهي حماية للأفراد أساساً، ولكنها من جانب آخر، تحمي المجتمع وتوفر له الأمن والاستقرار.
وحماية الفرد من العدوان على نفسه وبدنه، من أهم واجبات ولي الأمر، فهو المسئول عن إقامة الحدود وإنزال القصاص بمن يستحقه من المعتدين على الأنفس والأبدان.
وهذا محل إجماع من علماء المسلمين، إذ إن إقامة الحدود وإنزال القصاص، من شأن ولي الأمر أو من ينيبه، وليست من شأن الأفراد حتى لا يئول القصاص إلى الثأر أو الانتقام.
وحماية الشرع للأفراد، تشمل بعد حماية النفس والبدن، حماية الأموال.
فالملكية في الشرع الإسلامي، لها حرمة ولها
стр. 50
حماية توفر الزجر والردع معاً.
إن عقوبة قطع اليد، تعد عقوبة جسيمة وذات أثر خطير على حياة من يقدم على ارتكاب جريمة السرقة، ولكنها في نفس الوقت وقاية من انتشار هذه الجريمة في المجتمع، وهي تحول دون الاستهانة بحرمة المال والملكية، وتوفر الأمن لملايين الناس، مقابل بث الرعب في قلوب عدد ضئيل من الناس، إذا فكروا في ارتكاب الجريمة، لأن تحقيق الأمن والاستقرار لملايين الناس في بيوتهم ومحال عملهم وتجارتهم، وانصرافهم إلى السعي في الأرض، وابتغاء الرزق الحلال، وتنمية المال، هدف كبير يتعلق بالمجتمع كما يهم الفرد.
ولذلك كانت عقوبة السرقة التي وردت في القرآن الكريم:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة الآية ٣٨) .
عقوبة تهديد وزجر، قبل أن تكون عقوبة شائعة في
стр. 51
المجتمعات التي تطبق شرع الله.
وهذا ما يؤكده الواقع المشهود في المملكة العربية السعودية.
ومثل عقوبة السرقة في شدتها وجسامتها، عقوبة محاربة الله ورسوله.
وهو تعبير بالغ الدقة والوضوح، في اعتبار الإخلال بالأمن العام، والجرأة على انتهاكه علناً وبطريق العنف، مثل سلب المال أو التعدي على الأنفس والأعراض، جريمة خطيرة تمثل محاربة لله ورسوله مما يستحق إنزال العقوبة الجسيمة بمرتكبها.
ويدخل تحت هذه الجريمة من الأنواع ما تشمله، من استخدام العنف والإكراه وسلب الأموال عنوة، والاعتداء على الأعراض كرهاً أو علناً، وممارسة تجارة المخدرات وترويجها بين الناس، للإضرار بالقوة العاملة في البلاد، وإفساد أخلاق الناس، وإهدار طاقتهم.
стр. 52
ومن صور هذه الجريمة، ترويع الناس بوضع مواد خطرة أو متفجرة في أماكن يرتادها الناس لحاجات حياتهم، حتى ولو لم تتسبب في قتل أحد.
فإن إخافة الطريق وحدها، يتحقق بها ارتكاب حد محاربة الله ورسوله الذي نص الله في القرآن الكريم على عقوبتها بقوله:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة الآية ٣٣) .
وهذا الحد كما عدَّد الفقهاء صوره، يحفظ أمن الدولة وأمن المجتمع من جرائم خطيرة، يتعاون فيها المجرمون على الإخلال بأمن الناس.
[الأمن للدولة]
الأمن للدولة: إن الأمن الفردي - أي أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه - ضد أي اعتداء يقع عليه من غيره،
стр. 53
مكفول عن طريق تطبيق الأحكام الشرعية، التي تحمي الأنفس والأعراض والأموال.
وولي الأمر، مسئول عن إقامة حدود الله، حماية للأفراد، ومنعاً لانتشار الفساد وشيوع المنكر في المجتمع.
ولكن ذلك ليس كل مسئولية ولي الأمر، الذي يتولى حفظ مصالح المسلمين عامة، وكفالة أمنهم جميعاً من اعتداء غيرهم عليهم.
فالعدوان كما يقع من فرد على آخر داخل المجتمع المسلم، قد يقع على المجتمع المسلم جملة من مجتمع آخر، وقد تتعدد صور هذا العدوان الذي يهدد الدولة الإسلامية والمجتمع المسلم.
ومن واجب ولي الأمر، أن ينهض بحماية المسلمين ومصالحهم ومجتمعهم من كل صور التهديد والعدوان، حتى يتحقق للمجتمع المسلم أمنه في جميع مجالات حياته.
стр. 54
وفي التنظيم الدولي الحديث، حيث يكون المجتمع في رعاية دولة لها حدودها ولها سيادتها على إقليمها، يكون الأمن الوطني من أول مهام ولي أمر المسلمين في الدولة الإسلامية، وتكفل المواثيق الدولية، ومنها ميثاق الأمم المتحدة، لكل دولة الحق في العيش آمنة داخل حدودها، والحق في رد العدوان عنها إذا وقع من دولة أخرى أو جماعة مسلحة، ولا يسمح ميثاق الأمم المتحدة بالعدوان ولا بالاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ولا بالأعمال العدوانية الموجهة ضد أي دولة، ويعطي الحق في رد العدوان عن الدولة المعتدى عليها بكل الوسائل، بما في ذلك تعاون الدول الأخرى عسكرياً في التصدي للعدوان الذي يقع على دولة عضو في الأمم المتحدة، طبقاً للفصل السابع من الميثاق.
ولكن المواثيق الدولية وحدها، لا تكفي من وجهة النظر الإسلامية، فلا بد أن يهيئ ولي الأمر أسباب القوة التي تحمي الدولة الإسلامية وأفرادها، وتمنع من انتهاك
стр. 55
حدودها أو الإضرار بمصالحها، وهذا ما أوجبه الله تعالى على الدولة المسلمة والمجتمع المسلم بقوله:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (الأنفال الآية ٦٠) .
فالأمن الوطني، مسئولية إسلامية.
ومن أسباب فرض الجهاد، دفع العدوان عن المسلمين إذا وقع عليهم عدوان من غيرهم، يقول الله تعالى:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ - الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠] (الحج الآية ٣٩، ٤٠) .
وقد جاهد المسلمون لحماية دولتهم الأولى في المدينة،
стр. 56
وتصدوا للعدوان عليهم من الكفار وغيرهم من اليهود، حين نكثوا العهد وتآمروا على المجتمع المسلم.
وولي الأمر المسلم، هو المسئول عن إعداد القوة التي تعد لدفع العدوان عن المسلمين، وهو الذي يعلن الجهاد، ويرتب الولاة عليه والقائمين بأمره، ويحدد الهدف منه.
وطاعته واجبة في كل ذلك، ولا تجوز مخالفة أمره في شأن مهام الجهاد، أو تحديد الأعداء الذين تجب مقاتلتهم، والذين تجوز مهادنتهم، أو الصلح معهم، والأحوال التي يجب فيها الجهاد.
وحكم الجهاد وجزاؤه، والهدف منه، وواجب من يتولى القيادة فيه، وواجب المجاهدين، وآداب القتال في الجهاد، كل ذلك مبسوط في مواضعه من كتب الفقه والسنة.
стр. 57
[الأمن الاجتماعي]
الأمن الاجتماعي: ويحتاج المجتمع المسلم إلى الأمن الاجتماعي، وهو تعبير حديث، لكنه يعبر عن معنى إسلامي، وهو أن يكون المجتمع المسلم، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا.
ونجد هذا المعنى واضحاً أشد الوضوح في الحديث الشريف:
«مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» متفق عليه.
وقد أمر الله المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان.
يقول الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (المائدة الآية ٢) .
ويقول تعالى:
стр. 58
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (الحجرات الآية ١٠)
وهذه الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، قرينة الولاية المتبادلة بينهم:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة الآية ٧١) .
وقد تضمن تشريع الإسلام، ما يكفل قيام هذه الأخوة والولاية المتبادلة.
ويظهر ذلك فيما يلي:
أولاً: تشريع الزكاة التي تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو تشريع يحقق الأمن الاجتماعي، يشعر فيه القادر بأنه مسئول عن غير القادر في الوفاء بضرورات حياته، حتى لا يشيع الحقد في المجتمع، إذا كان المال بيد الأغنياء وحدهم، ولا ينال العاجز والضعيف منه شيء.
وهذه الغاية، من أهم الأهداف التي تسعى إليها
стр. 59
المجتمعات في زماننا المعاصر، وقد شرع الإسلام الزكاة لتحقيق هذا الهدف الذي ضلت مجتمعات كثيرة في العالم المعاصر كيفية الوصول إليه، واشتطت كثير من المذاهب والآراء في اتخاذ الوسيلة إليه، حتى إنها اتخذت العدوان على الحقوق، وبث الحقد في النفوس، طريقا للأمن الاجتماعي.
وقد ثبت فشل المذاهب والآراء التي أرادت تقريب الفوارق بين الناس على غير هدي الإسلام وبغير وسيلته.
ومن أهم محتويات كتب الفقه الإسلامي، كتاب الزكاة، الذي يبين أنواع الزكاة ونصابها، ومن تجب عليه، ومن يستحقها، ومصارفها، وواجب ولي الأمر في تحصيلها، وتوزيعها على أصناف المستحقين.
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] (التوبة الآية ٦٠) .
стр. 60
ثانيا: أوجب الإسلام نفقة القريب الفقير على القريب الغني، الذي يرثه، مما يقوي رباط الأسرة ويجعل المجتمع متماسكاً، يشعر فيه كل قادر بأنه مسئول عن أقرب الناس إليه.
كما أوجب رعاية الجار.
يقول الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] (النساء الآية ٣٦) .
وهذا التوجيه القرآني، يشمل رعاية الجار، وأصنافاً من الضعفاء في المجتمع.
والأحاديث الواردة في رعاية الجار، أكثر وأشهر من أن تذكر في هذا المجال.
والمقصود من تشريع الرفق بالضعفاء، ورعاية
стр. 61
الجار، هو المحافظة على الأمن الاجتماعي داخل الأسرة وفي المجتمع الكبير.
يضاف إلى ذلك ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، في شأن الصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الأيتام، وتوقير العلماء وأهل الفضل، وحض الحكام وولاة الأمر على الرفق بالناس، وتبادل النصح بين الراعي والرعية.
ثالثاً: أقام الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة جماعية، أي تؤديها طائفة لحساب المجتمع كله.
يقول الله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (آل عمران الآية ١٠٤) .
فإقامة هذه الفريضة في المجتمع، تضمن أمنه وسلامة الناس وتضامنهم في دفع الفساد وتحصيل
стр. 62
المصالح.
[الأمن الاقتصادي]
الأمن الاقتصادي: وفي مجال الأمن الاقتصادي، حض الإسلام على العمل.
وقد وردت كلمة العمل وما يشتق منها، أكثر من ثلاثمائة مرة في القرآن الكريم، شاملة العمل للدنيا وللآخرة.
ويشمل ذلك العمل في الزراعة والصناعة والتجارة.
يقول الله تعالى:
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] (الأنبياء الآية ٨٠)
. ويقول جل شأنه:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ - أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] (الواقعة الآية ٦٣، ٦٤) .
ويقول سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (النساء الآية ٢٩) .
стр. 63
ويحض الرسول ﷺ على إتقان العمل، حتى يصبح عمل المسلم، متميزاً عن عمل غيره بهذا الإتقان الذي يصل إلى مرتبة الواجب الديني:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» رواه البيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير، والسيوطي في الجامع الصغير.
وقد وردت توجيهات عديدة في شأن الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وكلها تضمن ضبط هذه العناصر لتحقق أثرها في المجتمع المسلم، ولا تختل العلاقة بينها، أو يختل شيء منها، فيفسد اقتصاد المجتمع.
فالدولة الإسلامية، يجب أن تسعى إلى تحقيق كفاية الإنتاج من السلع والخدمات المختلفة لكل المسلمين فيها، من حيث الكم والكيف، وفي مجالات الزراعة والصناعة والتجارة، وجميع الخدمات الضرورية
стр. 64
للناس.
ويحض الإسلام على حماية موارد المسلمين التي أعطاهم الله وملَّكهم إياها، والمحافظة عليها، ويحض على رعاية العامل وإعطائه أجره العادل، وعلى إتقان العمل وتنظيمه.
وبذلك تشمل التوجيهات الإسلامية، كل عناصر الإنتاج من موارد طبعية، وقوة بشرية، ونظام للعمل، يضمن كفاية الإنتاج.
والمبدأ العام في التوزيع، هو العدل، فالناس جميعاً تعود إليهم ثمرات العمل، فلا يحرم العاجز والضعيف من ضرورات حياته وحاجاته الأساسية.
وفي الاستهلاك يوجه الإسلام إلى القصد فيه، وينهى عن الإسراف.
قال الله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] (الأعراف الآية ٣١) .
وقال سبحانه
стр. 65
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (الإسراء الآية ٢٦، ٢٧) .
وقال ﷺ :
«كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة» رواه الإمام أحمد، والبخاري، وابن ماجه.
والمجال لا يتسع لذكر توجيهات القرآن وما ورد في السنة المطهرة، من ضبط لعناصر الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجتمع المسلم، حتى يتحقق له الأمن الاقتصادي، وهو جانب مهم من الأمن الشامل الذي يحققه الإسلام للمجتمع المسلم.
الأمن الثقافي والفكري: وثمة مصطلح يظنه الناس حديثاً ومن تعبيرات هذا العصر، وهو مصطلح الأمن الثقافي، أو الفكري، بمعنى أن يعيش الناس في بلادهم آمنين على أصالتهم، وعلى ثقافتهم المستمدة من دينهم وتراثهم وأعرافهم،
стр. 66
ولكن ما نبه إليه علماء المسلمين، وما حذروا منه، من الغزو الثقافي للأمة الإسلامية، نجد توجيهاته حاضرة وظاهرة في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة.
فالمحاولات، قديمة لإبعاد المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وشريعتهم.
يقول الله تعالى:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] (البقرة الآية ١٠٩) .
ويقول تعالى:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (البقرة الآية ١٢٠) .
ويقول سبحانه:
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] (البقرة الآية ٢١٧) .
стр. 67
وهي محاولات تعددت عبر تاريخ الإسلام كله، ولا تزال هذه المحاولات تغير من أساليبها وخططها بحسب حال المسلمين، ولكنها ما تزال تحتفظ بالهدف الذي حدده القرآن، أن يردونا بعد إيماننا كفاراً حسداً وحقداً منهم من بعد ما تبين لهم الحق.
إن إبعاد المسلمين عن دينهم وغزوهم ثقافيا، يتخذ وسائل، منها إضعاف العلوم الدينية الإسلامية، وإسقاطها من مكانتها في نفوس المسلمين، وكذلك علوم اللغة العربية، فهذه العلوم مصدر الثقافة الإسلامية والعربية كلها.
إن الغزو الثقافي، له صور ووسائل متعددة، وهو يستغل ضعف النفوس التي تعاني من الانبهار أو الانهيار أمام كل جديد من القول أو الفكر أو السلوك، دون أن تدرسه، وتضعه على موازين الإسلام لتقويمه والحكم عليه.
لقد انتشرت آراء ومذاهب، تتمسح بقيم نبيلة
стр. 68
حض عليها الإسلام، كالعدل والتسوية بين الناس، واحترام المرأة، والدعوة إلى التقدم، فجاءت هذه المذاهب والآراء بما يهدم أحكام الإسلام في هذه الأمور، وخدع لذلك كثير من المسلمين، فاعتنقوا هذه الآراء، وتحمل بعضهم وزر الدفاع عنها، وتأييدها على امتداد غالب العالم الإسلامي، ولم تُعدم هذه المبادئ والآراء، تأييداً من بعض المثقفين، ولقيت تقليداً من الجاهلين والسذج، وهم يرون الصورة الزائفة لهذه المبادئ والنحل الغريبة عن الإسلام في الكتاب والصحيفة والمجلة، وفي الصوت والصورة من أجهزة الإعلام العالمي.
لقد تنبهت المملكة العربية السعودية، لهذا الخطر الثقافي، وعقدت لذلك مؤتمرات عديدة، نوقشت فيها أبعاد هذا الخطر، والأساليب التي يلجأ، إليها من خلال نظم التعليم والإعلام المسموع والمقروء والمرئي.
стр. 69
ولقد نجحت المملكة - بفضل الله - أكثر من أي دولة من دول العالم الإسلامي في التصدي للغزو الثقافي، وفي تحقيق الأمن لمواطنيها والحفاظ على هويتهم الإسلامية، وثقافتهم المستمدة من ينابيعها الصافية التي تتمثل في الكتاب الكريم والسنة النبوية، وما بني عليهما من تراث علمي، وقيم خلقية يدين لها مجتمع المملكة المسلم بالطاعة والامتثال.
إن التعليم الديني بما يحمله من معارف كبرى تنفع الناس في دنياهم وآخرتهم، لا زالت له الصدارة في نظام التعليم في المملكة، إلى جانب العلوم النافعة التي توصل إليها الإنسان في هذا العصر، والتي تيسر سبل الحياة في جميع المجالات.
وإن الإعلام في المملكة مقيد بآداب الإسلام وقيمه، فيما يعرضه على الناس، مما يحقق الأمن الثقافي المنشود.
стр. 70
[المبحث الرابع أمن غير المسلم في الدولة الإسلامية]
[الأمن مطلب إسلامي للإنسان الذي كرمه الله]
المبحث الرابع
أمن غير المسلم في الدولة الإسلامية إن الأمن مطلب للإنسان الذي كرمه الله، وهو نعمة تعم الناس جميعاً في المجتمع المسلم.
فأحكام الإسلام المنزلة من الله تعالى، والمبينة بسنة رسوله ﷺ ، تدل على أن أمن غير المسلم - الذي يعيش في المجتمع المسلم - على نفسه وماله وعرضه، مضمون ما دام ملتزماً بما تقضي به تلك الأحكام، لا يُمس إلا بحق.
وهي أحكام واضحة أوجبها الإسلام، ولم توجبها المصالح المتبادلة بين المسلمين وغير المسلمين، ولم تلزمنا بها قواعد القانون الدولي، أو المعاهدات بين الدول الإسلامية وغيرها، لأن هذه الأحكام جانب مهم من شريعة الإسلام الكاملة، يجب على الدولة الإسلامية
стр. 71
تطبيقه والعمل به، فهو واجب ديني، قبل أن يكون مصلحة سياسية أو التزاماً دولياً.
إن الإسلام يقيم مجتمعاً إنسانياً راقياً، تحكمه شريعة إلهية، وهو لذلك يقيم العلاقة بين الناس جميعاً على أسس وطيدة من العدل والبر والرحمة.
ونجد في القرآن الكريم آيات عديدة، تحث على العدل والرحمة، وترغِّب في هداية البشر على اختلاف الأجناس والألوان والمذاهب والعقائد.
فالإسلام لا يريد للآخرين الفناء، بل يريد الهداية والرشد للجميع.
ولما اشتدت مقاومة كفار مكة للدعوة إلى الحق، لم يدْع الرسول ﷺ ربه بإهلاكهم وإفنائهم، رجاء أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً.
وقد نصر الله رسوله، وكان من كفار مكة بعد الهداية والرشد أعظم الدعاة شأناً، بمنزلة الصحبة التي نالوها، وبطاعة النبي ﷺ ، والعمل من أجل الإسلام
стр. 72
والمسلمين.
ونستطيع أن نقول بإيجاز: إن الإسلام يتميز في خصوص التعامل مع غير المسلمين بأمرين مهمين:
الأول: أن له نظاماً، يعد جزءاً لا يتجزأ من شريعته المتكاملة، وهو نظام للمسلمين يعملون به دائماً، ويلزمهم بحكم عقيدتهم، ولم يترك الإسلام العلاقة مع غير المسلمين لتقلبات المصالح والأهواء، ولنزعات التعصب العرقي أو اللوني أو الديني.
لقد افترض الإسلام وجود الآخر، وأهمية التعامل معه، ووضع القواعد التي تضمن حق المسلمين في المجتمع، وحق الآخرين الذين يعايشونهم، دائماً أو بصفة مؤقتة، ولم يكن ذلك معهوداً في الممالك والإمبراطوريات القديمة قبل الإسلام. الثاني: أن القواعد التي وضعها الإسلام لتنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع المسلم، تتميز بالسماحة واليسر، وحفظ الحقوق، وتجنب الظلم
стр. 73
لمجرد الاختلاف في الدين، فهناك حد أدنى يجب الحفاظ عليه، حتى في حالة العداء أو القتال، وهو الكرامة التي وهبها الله لبني آدم، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (الإسراء الآية ٧٠) .
وفي أوقات السلم والتعامل في شئون الحياة المختلفة، يحرص التشريع الإسلامي على حفظ حق الحياة، وحفظ حق العمل والسعي والكسب المشروع لغير المسلم في المجتمع المسلم، ويبلغ التسامح بالنسبة إلى من يعايشون المسلمين بصفة دائمة من أهل الكتاب، حداً يصل إلى حفظ حقهم في التكافل الاجتماعي، بحيث ينال معونة الدولة الإسلامية من تقصر به حالته من العجز أو المرض أو الشيخوخة عن السعي والكسب.
ولا شك أن التشريع الإسلامي بهاتين الميزتين، يضمن العيش الآمن لغير المسلم في المجتمع المسلم، بل
стр. 74
يعين غير المسلم على أن يكون فرداً يعمل من أجل خدمة هذا المجتمع وتنميته.
[أمن غير المسلم تكفله الشريعة]
أمن غير المسلم تكفله الشريعة: تكفل أحكام الشريعة، أن يتمتع غير المسلم الذي يعيش في المجتمع المسلم بالأمن على حياته وماله وعرضه، وهذه الحماية مستمرة، سواء أكان من المعاهدين والمستأمنين أم من أهل الذمة، ما داموا ملتزمين بالعهد، مؤدين ما اشترطه الإسلام عليهم.
والذمة معناها: العهد والضمان والأمان، فلهم عهد الله ورسوله، وعهد جماعة المسلمين، أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع المسلم، آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم.
وتشمل حماية غير المسلمين في المجتمع المسلم، الحماية من العدوان الخارجي.
ففي كتاب " مطالب أولي النهى ":
يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع ما
стр. 75
يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل بدارنا ولو كانوا منفردين ببلد.
وفي " الفروق للقرافي ":
أن ابن حزم الظاهري، يجيز أن يقاتل المسلمون عن أهل الذمة ويموتون دون ذلك.
وتشمل كذلك، الحماية من الظلم الداخلي، أي داخل المجتمع المسلم، وتعني دفع كل اعتداء عليهم، وتأمين أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم، التي تكفلها لهم الشريعة.
ويتولى ذلك إمام المسلمين وولي الأمر في المجتمع المسلم، أو من ينوب عنه.
فأمن الذمي على نفسه وبدنه، مضمون بالشريعة؛ لأن الأنفس والأبدان معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع.
يقول الرسول ﷺ :
«من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد
следующие страницы →