Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.
стр. 106
المتنوعة، كما يوردها الإحصاء السنوي.
ولا شك أن نسبة عدد الحوادث الجنائية، ومنها كما ذكرنا، ما لا يعد جريمة في غالب بلدان العالم، هي نسبة ضئيلة إلى عدد سكان المملكة، المواطنين والمقيمين.
هذا العدد (٢٧. ٣٠٣) يقابله مئات الألوف، بل ملايين من الحوادث الجنائية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
الأمر الذي يدل دلالة قاطعة، على أن الظاهرة الإجرامية في المملكة العربية السعودية، هي في حدها الأدنى، بل في حدها الضئيل، الذي يلفت النظر، ويدعو إلى معرفة السبب الحقيقي.
وهو لدينا معروف على وجه التحقيق.
إنه ببساطة ووضوح، الأخذ بأحكام الشرع الإسلامي في مجال الجريمة والعقاب.
стр. 107
يكشف الإحصاء في وضوح عن أمور نذكر أهمها:
أولاً: الإعجاز في قول الله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] (البقرة الآية ١٧٩) .
ففي بعض بلاد العالم المتقدم، وفي الغرب بوجه عام، نقرأ أحيانا أن جريمة قتل تقع كل عدة دقائق أو عدة ساعات، ويبلغ عدد الضحايا في القتل العمد في بعض البلاد آلاف الأنفس.
ثانياً: إن عدد السرقات بجميع أنواعها، عدد قليل نسبياً، مع قلة شأن وخطورة غالبية السرقات، وكذلك الحوادث الأخلاقية، على الرغم من أن كثيراً منها لا ينظر إليه الناس في غالب مجتمعات العالم على أنه جريمة، حتى ولو وقع علنا.
ويشمل العدد الكلي جرائم المسكرات، شرب الخمر وصنعها وبيعها، وهي أعمال تمارسها الشركات الكبرى في غالب دول العالم، وتقدم لها المعونات من
стр. 108
سلطات الدول.
أما شرب الخمر، فهو ما يفعله الملايين من البشر كل يوم في المجتمعات غير الإسلامية، وفي بعض بلاد المسلمين التي لا تلتزم بالدين وتطبق أحكامه.
ثالثاً: إن قلة عدد الجرائم في المملكة وضآلة عدد الجرائم الخطيرة، مثل قتل النفس أو الخطف أو الحريق المتعمد، لا يرجع إلى الجهد الأمني وحده، مع عظم الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن والمسئولين فيه، فالأمن يلاحق مرتكبي الجريمة بعد وقوعها، وله جهده الكبير المشكور في الوقاية والحفظ.
وإنما يرجع قبل ذلك إلى توفيق الله، ثم إلى الترغيب في الهداية والترهيب من الغواية، والتزام الدولة بالإسلام، وتطبيقها لأحكامه، وقيامها بالدعوة إليه وإلى فضائله، والتزام شعب المملكة في جملته أحكام الدين الإسلامي وآدابه، وما تسهم به الهيئات والأجهزة المختصة في حفظ المجتمع وأمنه، والحرص على الوقاية
стр. 109
من الجريمة قبل أن ترتكب.
الأمر الذي يدل على أن السياسة الجنائية الإسلامية، لا تجعل العقاب هو الوسيلة الوحيدة، أو الوسيلة الأولى لمواجهة الظاهرة الإجرامية في المجتمع.
فالإنسان لا يقدم على ارتكاب الجريمة، إلا إذا كان بعيداً بفكره وقلبه عن الإيمان بالله ومستلزماته، فتمتد الجارحة بالعدوان على حق الله أو حقوق البشر.
وصدق رسول الله ﷺ :
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» متفق عليه.
وهكذا الشأن في كل عدوان على حق الله تعالى أو حقوق البشر.
رابعاً: إن عدد المحكوم عليهم في الجرائم المختلفة، كما يظهر في الإحصاء، يتبين منه أن نسبة كبيرة من هذا العدد، هم من غير السعوديين، إذ تصل نسبة غير السعوديين في بعض الجرائم إلى ٥٠ % من عدد الجرائم.
стр. 110
هكذا يكشف الإحصاء عن أثر تطبيق الشريعة الإسلامية، في مجتمع مسلم، يتميز بحكم إسلامي، مطبق لشريعة الله، وبحكام نذروا أنفسهم لتطبيق دين الله والدعوة إليه، وحماية مجتمعهم من كل ما يتعارض مع الإسلام وشريعته، وبشعب آمن برسالة الإسلام وتعاليمه، فكان عوناً لولاة الأمر فيه على محاربة الجريمة أيا كان نوعها.
وتظهر لنا نتيجة واحدة، هي أن السياسية الجنائية الإسلامية، هي أولى السياسات بالاتباع، وأنها السياسة الوحيدة التي تضمن تحقق النتيجة في كل المجتمعات الإنسانية.
وأن على المسلمين، بل وغيرهم إذا أرادوا أمناً وطمأنينة، أن يطبقوا شرع الله ويهتدوا بهديه، فهو خالق البشر، والعالم بما يصلحهم ويصلح لهم:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (الملك الآية ١٤) .
стр. 111
ولا يلجأ خصوم السياسة الجنائية الإسلامية، وما تسير عليه المملكة إلى الإحصاءات، وإلى الأسلوب العلمي في بحث هذه السياسة وآثارها، وإنما يلجأ الكثيرون منهم إلى حملات صحفية، تخاطب العوام، وتستثير مشاعرهم، عن طريق الادعاء والزعم بأنه في كل يوم تطير الرقاب، وتقطع الأيدي، وتجلد الظهور في المملكة العربية السعودية.
ولا يجرؤ أصحاب هذه الحملات المغرضة على ذكر ما تورده الإحصاءات لدينا ولديهم، وما تؤكده المشاهدة لدينا ولديهم.
ويزيد أقوالهم ضعفاً وتهافتاً، ما تنشره صحفهم ووسائل إعلامهم، عن الجريمة في مجتمعاتهم، حيث أصبحت حرفة منظمة، تدر آلاف الملايين على المجرمين الكبار، وعصابات القتل والاتجار في المخدرات، وفي النساء، وتشكو دولهم من تفاقم الجريمة، وترصد آلاف الملايين من الدولارات لمقاومتها.
стр. 112
ولكنها تسلك الطريق الخطأ من بدايته، لأنه يعتمد على حرية الفرد، دون مسئولية أمام الله، وإبعاد للدين وأحكامه عن حياة الناس، فلا عجب أن تكون النتيجة ما تعانيه المجتمعات من جريمة وفساد، وسيظل الأمر كذلك عندهم، لأنهم ممَّن قال الله تعالى فيهم:
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] (الأعراف الآية ١٤٦) .
بل هم يشنون حملاتهم وادعاءاتهم على من يتخذون سبيل الهداية والرشد في إصلاح مجتمعاتهم.
إن تحقيق الأمن في المملكة العربية السعودية، يعتمد على تطبيق شريعة الله ، في كمالها وشمولها.
فهو يعتمد عليها في إصلاح القلوب، وتزكية النفوس، بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ويعتمد عليها فيما أمرت به من الأمر بالمعروف
стр. 113
والنهي عن المنكر:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (آل عمران الآية ١٠٤) .
ويعتمد عليها فيما أمرت به من عدل بين الناس، وتسوية وتكافل بينهم.
ويعتمد عليها في تطبيق الحدود الشرعية على المجرمين، كما جاء في كتاب الله الكريم، وسنة رسوله ﷺ ، دون هوادة أو مواربة، ولا يثني المسئولين عن ذلك لومة لائم، ولا يتدخل كبير أو صغير في حكم الله وقضائه العادل.
إنها منظومة شرعية كاملة، يقوم عليها الأمن في المملكة العربية السعودية، فأصبح أمناً شاملا، أمن المواطن على نفسه وعرضه وماله، وأمن الوطن سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وأمن المقيم الذي يحرص على أداء واجبه، ويجنب نفسه مواطن الجريمة، وأجواءها.
стр. 114
وهكذا يتكامل مفهوم الأمن في المملكة العربية السعودية، ويحقق أثره في الاستقرار والعيش الكريم، والتعاون على الخير، ورقي البلاد والعباد.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله على نعمه التي لا تحصى.
стр. 115
[الخاتمة في أهم ما يحقق الأمن للمجتمع المسلم]
الخاتمة
في أهم ما يحقق الأمن للمجتمع المسلم بعد أن تحدثنا عن الأمن ومفهومه الإسلامي الشامل، وعن أحكام الشريعة التي تحقق أمن المجتمع وأفراده، وعن الأمن في المملكة العربية السعودية، نلخص أهم الأمور التي تضمن تحقيق أمن المجتمع المسلم فردا أو جماعة.
وهذه الأمور تعتبر بمثابة الأسس التي يقوم عليها الأمن في كل بلد إسلامي، وإذا لم يؤخذ بها اختل الأمن فيه، وشاع المنكر، وتفشى العدوان والإرهاب بين الناس.
وأهم الأمور التي يتأسس عليها الأمن في المجتمع الإسلامي، تطبيق الشريعة الإسلامية.
ذلك أن المجتمع المسلم، مكلف بالحفاظ على
стр. 116
الدين الذي هو أول الضرورات وأهمها في حياة المسلم.
وتطبيق الشريعة، يعني أن ولي الأمر، وسلطات الدولة يتبعون المنهج الإلهي، وأن النظام الاجتماعي قائم ومؤسس على هذا المنهج في أصوله ومبادئه الكلية وأحكامه، وهو المنهج الوحيد الذي يؤمن المجتمع المسلم بصلاحيته وأفضليته على أي منهج آخر، لأنه يضمن بقاء المجتمع وتماسكه وتقدمه.
إن التشريع الإسلامي، يحقق العدل في علاقات الأفراد فيما بينهم، وفي علاقة الحكام بالمحكومين.
واستقرار هذه العلاقات، وقيامها على العدل والمصلحة، يوفر الأمن للفرد وللمجتمع، والمقصود بتطبيق أحكام الشريعة، أن تكون هي المرجع في التصرفات والأحكام والمعاملات، وأن تكون الأنظمة التي تضبط المجتمع المسلم في جميع المجالات، متفقة مع أحكام الشرع ومبادئه وأصوله الكلية.
ومن شأن اختيار المنهج الإلهي نظاماً اجتماعياً، أنه
стр. 117
يجنب المجتمع التفرق والانقسام والتمزق، الذي يحدث عند اختيار منهج آخر من وضع البشر.
إذ لا بد أن تختلف الآراء في صلاحيته وفي تقويم والحكم عليه، وهو أمر جلب الفوضى والاضطراب إلى مجتمعات إسلامية عديدة، لا سيما في العصر الحديث، حين اختارت هذه المجتمعات مناهج وضعية، وتسرعت في تطبيقها واستبدلتها بأحكام الشريعة، وقد أثر ذلك أشد التأثير على أمن تلك المجتمعات واستقرارها، ودفعها في بعض الأحيان إلى التخبط والتردد بين مختلف الآراء والمذاهب الوضعية.
ولا شك أن أحكام الشريعة الإسلامية، حين تطبق في جميع مجالات الحياة، نظاماً اجتماعياً، تضمن للمجتمع أمنه الخارجي والداخلي.
إذ إن قواعد الشريعة، فيما يتعلق بأمن المجتمع الخارجي، تفرض أن يُعد المجتمع العدة للدفاع عن نفسه.
стр. 118
والأمن الداخلي، تكفله أحكام الشرع الإسلامي المتعلقة بحرمة الأنفس والأعراض والأموال فيما بين الناس، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله.
ومن ناحية أخرى، فإن أحكام الشريعة، تضمن تحقيق الأمن الاجتماعي بما تفرضه من أحكام الزكاة، أعظم وسيلة للتكافل بين الأغنياء والفقراء، وبما توجبه من ولاية متبادلة بين المؤمنين:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة الآية ٧١) .
وبما تفرضه من أخوة بينهم:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] (الحجرات الآية ١٠) .
وهذه الأحكام التي وردت في القرآن الكريم، وبينتها السنة المشرفة قولاً وعملاً، هي من أصول المنهج الإسلامي الاجتماعي، وهي تضمن حين تطبق في
стр. 119
المجتمع المسلم، أن يسوده الأمن من جميع جوانبه.
ولذلك، فإن أول وأهم ما يحقق الأمن في المجتمع المسلم، تطبيق الشريعة الإسلامية، وبدونه لا يستقر أمر المجتمع على حال، بل يسوده التردد والانتقال بين المذاهب الوضعية، بحسب الظروف والأحوال.
ويأتي بعد تطبيق الشريعة في المجتمع المسلم، أمر آخر مهم من أصول الإسلام ومبادئه؛ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد أوجب الله تعالى هذا الأصل بقوله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (آل عمران الآية ١٠٤) .
وقد قامت خيرية الأمة الإسلامية على هذا الأصل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) .
стр. 120
وتحقيق هذا الأصل القرآني، من أنجح الوسائل في إصلاح المجتمعات الإنسانية.
ذلك أن أثر الأديان والعقائد يضعف، ويقل الاتباع لما جاء فيها بمضي الزمن وتوالي العصور.
ومن سنة الله في الخلق، أن تتابع رسله وأنبياؤه وكتبه وشرائعه، لإصلاح الخلق، حتى تمت النعمة في رسالة خاتم النبيين والمرسلين محمد ﷺ ، وبعد تمام الرسالات السماوية وختمها برسالة الإسلام، يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيلة دائمة وباقية لإصلاح المجتمع المسلم، كلما تقدم العهد، أو ظهرت بعض المنكرات.
وذلك بالتنبيه عليها ومحاولة إزالتها، بدعوة الناس إلى ترك المنكر وفعل المعروف.
ويكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، من العلماء، وممن لديه علم شرعي فيما يأمر به وما ينهى عنه.
стр. 121
وبالتصدي لهذه المنكرات، بالقوة من أولي الأمر إذا لزم الأمر.
وبالإعراض عن مرتكبي المنكرات من عامة الناس، حتى يجدوا أنفسهم في عزلة وقطيعة مع أهل المعروف، فيرجعوا عما هم فيه.
وفد ذكرنا الله تعالى في القرآن الكريم بأن بني إسرائيل أهملوا هذا الواجب وتركوه، فحقت عليهم اللعنة بقوله تعالى:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] (المائدة الآية ٧٨، ٧٩) .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له علاقة وثيقة بحفظ الأمن في المجتمع.
فالجرائم تعد من المعاصي سواء أضرت بالأفراد أم أضرت بأمن المجتمع، والنهي عن ارتكابها أو التمادي
стр. 122
فيها يسهم في تحقيق الأمن للفرد والجماعة، وما فشت الجريمة في مجتمع من المجتمعات إلا بسبب التهاون بالمعاصي وعدم النهي عنها، وترك مرتكبيها حتى تقوى شوكتهم، وتصبح لهم الغلبة على أهل المعروف.
وهي ظاهرة يشكو منها كثير من المجتمعات غير المسلمة في هذا العصر.
والإسلام بهذا الأصل القرآني في إصلاح المجتمع، يضمن ألا يطغى المنكر أو يسود.
ويعد هذا المبدأ، وقاية قبل أن تطبق حدود الله على من يرتكبون الجرائم.
فالعقوبة في الإسلام، ليست أول الوسائل في الإصلاح والتقويم، بل يسبقها تزكية النفوس بإقامة شعائر الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومما يحقق الأمن في المجتمع المسلم، أمر تظهر أهميته في العصر الحديث، لا سيما في بعض البلاد الإسلامية، ألا وهو بيان وسطية الإسلام، والدعوة
стр. 123
إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومواجهة التطرف والغلو، والإرهاب المتستر بالدين.
لقد نهى الإسلام عن الغلو في الدين باعتباره مؤدياً إلى الانفلات من جوهر أحكامه، كما فعل أهل الكتاب.
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] (النساء الآية ١٧١) .
ونهى الرسول صلوات الله وسلامه عليه المؤمنين عن الغلو والتطرف في فهم أحكام الشريعة والتزامها.
ففي الحديث المتفق عليه، أن جماعة من الصحابة رأوا أن يحرموا أنفسهم من طيبات ما أحل الله لهم، وذلك تقرباً إلى الله وتشدداً في العبادة واستكثاراً من العمل الصالح.
ولكن الرسول صلوات الله عليه وسلامه، نبههم إلى أنه وهو أكمل الخلق إيماناً وأكثرهم قرباً من الله واتباعاً
стр. 124
لحكمه، يتزوج النساء، ويقوم الليل وينام، ويصوم ويفطر، وأن هذه سنته.
فعدل الصحابة رضوان الله عليهم عن الغلو، أخذاً بسنته ﷺ ، واقتداءً بهديه.
وفي عصر مبكر من عصور الإسلام، في نهاية عصر الخلافة الراشدة، خرج على المسلمين - المجتمع وولي الأمر فيه - أناس ظنوا أنهم أكثر الناس حرصاً على الدين وأخذاً بهديه، ولم يتبعوا جماعة المسلمين، فسماهم المسلمون، الخوارج.
وقد كان منهم من ارتكب أشد المنكرات، وهو قتل النفس بغير حق، حتى قتلوا خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁، وتصدوا لمقاتلة جماعة المسلمين، وبلغ بهم الأمر في نهاية خلافة علي بن أبي طالب ﵁، أن استحلوا قتله عدواناً وظلماً.
ومن الأمور المهمة التي تحافظ أمن المجتمع المسلم في هذا العصر؛ أن يهتم العلماء وأولو الأمر فيه بتوجيه
стр. 125
الناس نحو اتباع أحكام الشرع، وعدم الغلو في فهم الأحكام، وعدم الإساءة في تأويلها، واتخاذ ذلك مطية ووسيلة للخروج على جماعة المسلمين وولاة أمرهم، بزعم إصلاح الراعي أو الرعية.
فالإسلام، له أحكامه الواضحة والقاطعة في لزوم الأمن، وعدم الاعتداء على الحقوق بين المسلمين، وعدم الخروج على الأئمة، ووجوب السمع والطاعة لهم في المعروف.
ويقع على العلماء عبء هذا الواجب، وهو تبصير المسلمين بواجبهم نحو المجتمع الذي يعيشون فيه، ومسئوليتهم أمام الله عن حفظ أمنه، وعدم إشاعة الاضطراب فيه، تحت ستار الغلو في الدين والتطرف في فهم أحكامه، وإساءة تأويل ما أنزل الله على رسوله.
يقول رسول الله ﷺ في بيان ذلك:
«يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
стр. 126
الجاهلين» رواه البيهقي في المدخل إلى السنن، والآجري في الشريعة، والخطيب في شرف أصحاب الحديث.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه