Полный текст (126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تطبيقه والعمل به، فهو واجب ديني، قبل أن يكون مصلحة سياسية أو التزاماً دولياً.
إن الإسلام يقيم مجتمعاً إنسانياً راقياً، تحكمه شريعة إلهية، وهو لذلك يقيم العلاقة بين الناس جميعاً على أسس وطيدة من العدل والبر والرحمة.
ونجد في القرآن الكريم آيات عديدة، تحث على العدل والرحمة، وترغِّب في هداية البشر على اختلاف الأجناس والألوان والمذاهب والعقائد.
فالإسلام لا يريد للآخرين الفناء، بل يريد الهداية والرشد للجميع.
ولما اشتدت مقاومة كفار مكة للدعوة إلى الحق، لم يدْع الرسول ﷺ ربه بإهلاكهم وإفنائهم، رجاء أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً.
وقد نصر الله رسوله، وكان من كفار مكة بعد الهداية والرشد أعظم الدعاة شأناً، بمنزلة الصحبة التي نالوها، وبطاعة النبي ﷺ ، والعمل من أجل الإسلام
стр. 72
والمسلمين.
ونستطيع أن نقول بإيجاز: إن الإسلام يتميز في خصوص التعامل مع غير المسلمين بأمرين مهمين:
الأول: أن له نظاماً، يعد جزءاً لا يتجزأ من شريعته المتكاملة، وهو نظام للمسلمين يعملون به دائماً، ويلزمهم بحكم عقيدتهم، ولم يترك الإسلام العلاقة مع غير المسلمين لتقلبات المصالح والأهواء، ولنزعات التعصب العرقي أو اللوني أو الديني.
لقد افترض الإسلام وجود الآخر، وأهمية التعامل معه، ووضع القواعد التي تضمن حق المسلمين في المجتمع، وحق الآخرين الذين يعايشونهم، دائماً أو بصفة مؤقتة، ولم يكن ذلك معهوداً في الممالك والإمبراطوريات القديمة قبل الإسلام. الثاني: أن القواعد التي وضعها الإسلام لتنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع المسلم، تتميز بالسماحة واليسر، وحفظ الحقوق، وتجنب الظلم
стр. 73
لمجرد الاختلاف في الدين، فهناك حد أدنى يجب الحفاظ عليه، حتى في حالة العداء أو القتال، وهو الكرامة التي وهبها الله لبني آدم، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (الإسراء الآية ٧٠) .
وفي أوقات السلم والتعامل في شئون الحياة المختلفة، يحرص التشريع الإسلامي على حفظ حق الحياة، وحفظ حق العمل والسعي والكسب المشروع لغير المسلم في المجتمع المسلم، ويبلغ التسامح بالنسبة إلى من يعايشون المسلمين بصفة دائمة من أهل الكتاب، حداً يصل إلى حفظ حقهم في التكافل الاجتماعي، بحيث ينال معونة الدولة الإسلامية من تقصر به حالته من العجز أو المرض أو الشيخوخة عن السعي والكسب.
ولا شك أن التشريع الإسلامي بهاتين الميزتين، يضمن العيش الآمن لغير المسلم في المجتمع المسلم، بل
стр. 74
يعين غير المسلم على أن يكون فرداً يعمل من أجل خدمة هذا المجتمع وتنميته.
[أمن غير المسلم تكفله الشريعة]
أمن غير المسلم تكفله الشريعة: تكفل أحكام الشريعة، أن يتمتع غير المسلم الذي يعيش في المجتمع المسلم بالأمن على حياته وماله وعرضه، وهذه الحماية مستمرة، سواء أكان من المعاهدين والمستأمنين أم من أهل الذمة، ما داموا ملتزمين بالعهد، مؤدين ما اشترطه الإسلام عليهم.
والذمة معناها: العهد والضمان والأمان، فلهم عهد الله ورسوله، وعهد جماعة المسلمين، أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع المسلم، آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم.
وتشمل حماية غير المسلمين في المجتمع المسلم، الحماية من العدوان الخارجي.
ففي كتاب " مطالب أولي النهى ":
يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع ما
стр. 75
يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل بدارنا ولو كانوا منفردين ببلد.
وفي " الفروق للقرافي ":
أن ابن حزم الظاهري، يجيز أن يقاتل المسلمون عن أهل الذمة ويموتون دون ذلك.
وتشمل كذلك، الحماية من الظلم الداخلي، أي داخل المجتمع المسلم، وتعني دفع كل اعتداء عليهم، وتأمين أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم، التي تكفلها لهم الشريعة.
ويتولى ذلك إمام المسلمين وولي الأمر في المجتمع المسلم، أو من ينوب عنه.
فأمن الذمي على نفسه وبدنه، مضمون بالشريعة؛ لأن الأنفس والأبدان معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع.
يقول الرسول ﷺ :
«من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد
стр. 76
من مسيرة أربعين عاماً» رواه الإمام أحمد، والبخاري، وابن ماجه.
وقال الإمام مالك والليث: إذا قتل المسلم الذمي غيلة يقتل به.
وذهب الشعبي وأبو حنيفة، إلى قتل المسلم بالذمي، لعموم النصوص الموجبة للقصاص ولاستوائهما في عصمة الدم المؤبدة.
وتقطع يد المسلم بسرقة مال الذمي، مع أن المال أهون من النفس.
والمال الذي يعد ذا قيمة عند غير المسلمين، كالخمر والخنزير، لا يحل للمسلم إمساكهما ولا يعوض عنهما إن أتلفهما الغير، أما إذا أتلف المسلم ما يملكه الذمي من خمر أو خنزير، فإن الإمام أبا حنيفة، يرى أن يعوض الذمي عنهما.
وفي " الدر المختار" من كتب الحنفية: يجب كف الأذى عن الذمي، وتحرم غيبته كالمسلم.
стр. 77
ويقول ابن عابدين في حاشيته: بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد.
وكان من سنة الخلفاء الراشدين، دفع الضرر عن أهل الذمة وإعانتهم من بيت المال إن قعدت بهم الشيخوخة.
وقد ورد في كتاب "الخراج" لأبي يوسف، ما فعله عمر ﵁ مع شيخ يهودي يسأل الناس، وما فعله مع المرضى من النصارى بالجابية من أرض دمشق، فقد أمر بالإنفاق عليهم من بيت المال.
لقد أدرك الخليفة عمر ﵁، أن أهل الذمة ينبغي أن لا يعيشوا محرومين من القوت الضروري، أو العلاج من المرض وسط مجتمع مسلم، ولا نجد لذلك مثالاً في حضارة من الحضارات السابقة على الإسلام، بل نجد إنكارا لهذه القيمة الإسلامية في بعض المجتمعات الحديثة.
ولغير المسلمين في المجتمع المسلم من أهل الذمة
стр. 78
والعهد، أن يعملوا في التجارة وغيرها، لكسب المال المشروع، والسعي في الأرض وفق العهد معهم، بغير إضرار بمصالح المجتمع المسلم، ولهم - كما كان الحال في الدولة الإسلامية وفي عهد مبكر - أن يعملوا في وظائف الدولة التي لا تحرم عليهم، أو تقتصر على المسلمين، بحكم الشرع، كالإمامة وتولي الصدقات، وغيرها من الولايات التي يشترط فيمن يتولاها الإسلام.
والأساس لحقوق غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع المسلم، لم يكن وليد تطور اجتماعي أو تقدم حضاري، ولكن أساسه في القرآن الكريم، قال الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] (الممتحنة الآية ٨، ٩) .
стр. 79
وفي الآية الكريمة، إشارة إلى البر بالمخالف في الدين، وهي درجة لم يصل إليها أهل الحضارة المعاصرة من غير المسلمين.
وفي القرآن الكريم في مجال المعايشة في المجتمع بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب:
﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة الآية ٥) .
وهذا في أشد العلاقات قرباً بين الناس في كل المجتمعات الإنسانية.
وفي مجال المناظرة والدعوة، يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (العنكبوت الآية ٤٦) .
стр. 80
هذا هو الأمن على الأنفس والأبدان والأموال والأعراض، حين يتعامل المسلم مع غير المسلم في شئون الحياة، من المؤاكلة والتجارة والبيع والشراء، وحتى حين يعاشر المسلم زوجته الكتابية التي تصبح من أقرب الناس إليه.
ولم تقتصر الشريعة الإسلامية على حماية من يعيش في مجتمع مسلم، في حياته الدائمة والمستقرة بين أسرته، وفي مقر عمله الذي يتكسب منه، وهي حالة الذميين، وإنما تجاوزت ذلك إلى حماية المخالف في الدين، الذي يحضر إلى بلاد المسلمين للعمل، أو التجارة أو لشأن من الشئون المباحة، بإذن من ولي الأمر فيها، ويكون حضوره مؤقتاً بانتهاء العمل، أو قضاء المصلحة التي يبتغيها.
فالإسلام بذلك، لا يقاطع الآخر مقاطعة شاملة، ولا يحرم أصل التعامل مع غير المسلمين لتحقيق مصالح
стр. 81
المجتمع المسلم من خلال تلك العلاقات.
لقد وفرت الشريعة الإسلامية، حماية للمستأمن الذي يفد إلى بلاد الإسلام لشأن من الشئون المباحة، ويدخل إلى ديارنا بإذن منّا، ومعرفتنا بحقيقة أمره، واطمئناننا إلى مقاصده المباحة.
إذ يجوز للإمام أو نائبه، أن يعطي الأمان للكافرين على أنفسهم وأموالهم لمصلحة تعود على المسلمين.
وهو أمر واقع في العصر الحديث.
وإذا وقع الأمان بشروطه، وجب على المسلمين جميعا الوفاء للمؤَمَّنِينَ به، فلا يجوز أسرهم، ولا أخذ شيء من مالهم إلا بإذن شرعي، ولا أذيتهم بغير وجه شرعي، وإذا مات المؤمَّن في دار الإسلام، فماله لوارثه إن كان معه، وإذا لم يكن وارثه معه أرسل إليه المال.
وعقد الأمان في الشريعة الإسلامية، يمثل التسامح الإسلامي على حقيقته، في التعامل مع غير المسلمين، من خلال علاقات متنوعة مع الناس جميعا.
стр. 82
وفي الوقت الحاضر، يتم إعطاء الأجنبي إذنا بالدخول والإقامة بحسب الأنظمة المتبعة في الدول الإسلامية لدخول الأجانب.
ومتى منح الإمام الأمان لغير المسلم، وجب على المسلمين جميعا احترامه، وعدم انتهاكه، لأن الإمام أو نائبه، صاحب الحق في ذلك، فيثبت الأمن للمستأمن على حياته وماله وعرضه، ويحرم على المسلم التعرض له في نفسه وماله وولده، ويسري الأمان إلى الزوجة.
فتجب لهم العصمة في دار الإسلام، وتجري على المستأمنين أحكام الإسلام في أثناء إقامتهم - في حدود ما خوطب به المسلمون من أحكام الشريعة - وإن كان ذلك لا يجعلهم من أهل دار الإسلام؛ لأنهم يقضون حاجة مؤقتة ثم يرجعون إلى دار الحرب.
ولقد عرفت الدولة الإسلامية منذ عهد مبكر، نظام تصاريح السفر والدخول ورقابة الأجنبي، في أثناء إقامته المؤقتة على نحو يشبه النظام الحالي.
стр. 83
[المبحث الخامس المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية الإسلامية]
[ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومتابعتها]
المبحث الخامس
المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية
الإسلامية قامت الدولة السعودية في القرن الهجري الثاني عشر، على هدي القرآن الكريم، وحكمة السنة النبوية المشرفة، وهما الأصلان العظيمان في التشريع الإسلامي.
ولم يكن الاهتداء بالقرآن والاتباع للسنة، ظاهرين في أكثر أرجاء الجزيرة قبل قيام الدولة السعودية، ولكن قيامها، كان له الأثر الأكبر في نجاح الدعوة إلى الله، ونصرة مسيرة التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
لقد كانت الجزيرة العربية، التي فيها الحرمان الشريفان - قبل نشأة الدولة السعودية - في كثير من
стр. 84
أرجائها، مرتعاً للجهل وجاهلية الحياة في القيم والعادات، والتخلف الفكري، ولقد تحدث عن مظاهر هذا التخلف، وما ران على الناس من انحراف عن العقيدة الصحيحة، وتنكر لأحكام الشرع - كثير من المؤرخين والعلماء.
ولم يكن غريباً أن يكون هذا الفساد في بلاد إسلامية عديدة، وأن تتشابه فيها المنكرات الدينية، لأسباب شتى وعوامل عديدة ومتنوعة، لا يتسع المقام لشرحها.
ووسط هذا الظلام المحيط بفكر المسلمين وحياتهم، ظهرت دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في وسط نجد، واتجهت الدعوة إلى إصلاح عقيدة الناس، وردهم إلى ما كان عليه السلف الصالح، في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عند التنازع والاختلاف، مع احترام آراء أصحاب المذاهب الكبرى المعتبرة في الإسلام.
стр. 85
وقد جاهد الشيخ ﵀ في دفع ما تناوله به خصوم الدعوة من تهم، وما أثاروه حول دعوته من شبهات.
وقد تهيأ للدعوة التي قامت على هدي القرآن والسنة بفضل الله، التمكين في أرض الجزيرة، بمساندة الإمام محمد بن سعود، ﵀، الذي تولى إمارة الدرعية عام ١١٣٩ هـ، والذي رحب بمقدم الشيخ إلى إمارته، وعاهده على النصرة والتأييد، والدعوة إلى كلمة التوحيد، كما أرادها الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ .
وقد تابع الأئمة من آل سعود، جهدهم وجهادهم في إصلاح الدين والدنيا، حتى عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ﵀، والذي تم على يده توحيد المملكة العربية السعودية في القرن الرابع عشر الهجري، بعد جهاد استهدف إقامة شرع الله، وتنقية مجتمع المملكة من كل ما يخالف الدين، وجمع كلمة أبنائها على الحق الذي دعاهم إليه دينهم.
стр. 86
ولقد أدرك الملك المؤسس، ﵀، منذ توحيد المملكة على يده، أن الأمن من أهم مطالب الإنسان.
فقد جاء في إحدى خطبه، ما يجعل هذا المعنى واضحا وجليا أمام الناس جميعا:
"إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين، والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه البلاد، فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرا ولا كبيرا، وليحذر كل إنسان، أن تكون العبرة فيه لغيره ".
وهي كلمات، تعبر عن قائلها، ملك عظيم وداعية كبير.
وقد أشاد بنجاح الملك المؤسس، ﵀، في حفظ أمن المملكة، على اتساع أطرافها، وتعدد مناطقها، كثير من الباحثين، وحتى من غير المسلمين.
стр. 87
كما أشادت بالأمن في المملكة العربية السعودية، كثير من المؤتمرات العلمية والأمنية التي انعقدت على المستوى الدولي.
وكان لجهد الملوك من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز، ﵀، أثره الكبير في استقرار الأمن، وتقدم البلاد في جميع المجالات، فقد تابعوا جميعا رسالة تحقيق الأمن والاستقرار بكل العناية والاهتمام.
وقد شهد المؤتمر الثاني والثمانون لرؤساء الشرطة في العالم، والذي عقد بمدينة ميامي في ولاية فلوريدا، بأن المملكة العربية السعودية، هي أقل دول العالم جريمة وأكثرها أمنا.
ولم يكن الاهتمام بتوفير أمن المواطن، قاصرا على حماية الأفراد من الجرائم التي ترتكب ضدهم، وتنتهك حرمة النفس والعرض والمال، ولكنه كان حماية للمجتمع كله أيضا.
стр. 88
فالأمن في مفهوم المملكة العربية السعودية، شامل للفرد والمجتمع.
ولذلك كانت الحماية من المبادئ والمذاهب والتيارات التي يدعو إليها أعداء الدين أو خصوم الشريعة، أو أصحاب البدع والأهواء.
لقد اهتمت المملكة بمحاربة الفكر الإلحادي والمادي، ممثلا في الشيوعية، وبمقاومة التعصب القومي، الذي ينحِّي الدين ويتشبث بدعاوى الجاهلية، كالعرق والجنس واللون.
وتصدت المملكة سياسياً لمن أقاموا المجازر للمسلمين في بلادهم، فكانت المملكة منذ توحيدها وإلى الآن، وستستمر بإذن الله، نعم العون والمدد للمسلمين المستضعفين في أنحاء الأرض.
يقول الملك عبد العزيز، ﵀، في مدينة الطائف سنة ١٣٥١ هـ:
أحذركم من أمرين:
стр. 89
" الإلحاد في الدين، والخروج عن الإسلام في هذه البلاد المقدسة، فوالله لا أتساهل في هذا الأمر أبداً، ومن رأيت منه زيغا عن العقيدة الإسلامية، فليس له من الجزاء إلا أشده، ومن العقوبة إلا أعظمها ".
والأمر الثاني:
" السفهاء الذين يسول لهم الشيطان بعض الأمور المخلة بأمن البلاد وراحتها ".
يتضح في المملكة مفهوم الأمن بأوسع معانيه، أمن الفرد على نفسه وعرضه وماله، وأمن المجتمع على دينه وقيمه الخلقية والاجتماعية، وأمن المسلمين حين يحتاجون إلى المساعدة حتى في خارج المملكة.
لقد تابع خلفاء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ﵀، سياسته، في توفير أمن المواطن وأمن المجتمع، وفي عون المسلمين في أطراف الأرض.
وكان ذلك تطبيقا أمينا لقول الرسول ﷺ :
стр. 90
«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» متفق عليه.
وإعمالاً لقواعد الشريعة وأحكامها، في مواجهة الخروج عليها من بعض الأفراد.
وحماية للمجتمع وللأمة الإسلامية من التفرق والتمزق والانقسام، وراء المذاهب والتيارات والبدع والأهواء.
إن المعيار الذي يقاس به الأمن في بلد من البلاد، هو أمن المواطن أولاً، على نفسه وعرضه وماله.
وهو أظهر معيار في قياس الأمن في المجتمعات الإنسانية، ولذلك يتصدر هذا المعيار مفهوم الأمن الشامل الذي تحدثنا عنه فيما سبق.
فقد يتحمل مجتمع من المجتمعات اختلال الأمن الاقتصادي، أو الغزو الثقافي لفترة من الفترات في تاريخه، حتى يتنبه القائمون عليه إلى إصلاح الخلل الاقتصادي، أو مواجهة الغزو الثقافي.
ولكن تعرض المجتمع لاختلال أمن المواطن، أو
стр. 91
شيوع الخوف أو الفزع على النفس أو العرض أو المال، يجعل الحياة فيه عسيرة أشد العسر، ويهدد بانهياره وسقوطه، ويصادر تقدمه ونموه.
[مواجهة ظاهرة الجريمة]
هنا، يبدو تفوق السياسة الجنائية الإسلامية في مواجهة ظاهرة الجريمة، وهي ظاهرة اجتماعية قديمة، لم يخل منها مجتمع من المجتمعات الإنسانية.
لقد ورد في القرآن الكريم، ذكر أول جريمة قتل وقعت على الأرض:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ - فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠] (المائدة الآية ٢٧ - ٣٠) .
стр. 92
وظاهر الآية، يفيد أن الباعث على القتل، كان الحقد والحسد، وهو باعث لم يزل قائما وإن تنوعت أسبابه.
وتقوم السياسات الجنائية الحديثة، على أساس معرفة رد الفعل الاجتماعي، أو ما يسمى بسياسة الدفاع الاجتماعي.
ونجد في شريعة الله في مواجهة جريمة القتل - وهي أخطر جريمة على الإنسان، إذ هي تسلبه نعمة الحياة - تحذيرا عظيما، يمثل أقصى ما يدافع به مجتمع عن بقائه واستمراره، في مواجهة هذه الجريمة:
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (المائدة الآية ٣٢) .
ونجد فيها عقوبة رادعة في العقاب والجزاء الدنيوي على هذه الجريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية ١٧٨)
стр. 93
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] (البقرة الآية ١٧٩)
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (المائدة الآية ٤٥) .
وذلك فضلا عن الوعيد بالخلود في نار جهنم للقاتل عمدا:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (النساء الآية ٩٣) .
ويبدو النهج الإلهي في دفاع المجتمع المسلم، ضد جريمة القتل، أكمل المناهج وأوفاها بتحقيق العدل، والمصلحة.
إن العقل يدرك أن القصاص فيه إحياء للأنفس، ووقاية من القتل، حتى ولو لم يكن عقل مسلم يقرأ في كتاب الله :
стр. 94
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] (البقرة الآية ١٧٩) .
وقد قال العرب قبل أن ينزل القرآن: "القتل أنفى للقتل".
فعقوبة القصاص في جرائم الاعتداء على النفس وما دونها، وهي العقوبة التي تلتزم تطبيقها المملكة العربية السعودية، هي أعدل العقوبات وأوفاها بالمصلحة الاجتماعية.
ولقد ترددت النظم الجنائية الوضعية في العصر الحديث، في الأخذ بعقوبة القصاص (أو الإعدام قصاصا) على جرائم القتل.
وكان ذلك، ناشئا عن أفكار ومذاهب ادعت الحرص على النفس الإنسانية والاحتياط لها، فعدلت دول كثيرة عن توقيع عقوبة الإعدام على مرتكبي جناية القتل.
وتأثرت بذلك بعض المواثيق الدولية، فدعت إلى
стр. 95
نبذ عقوبة الإعدام بحجة مفادها: أن المجتمع لم يمنح الإنسان حياته، حتى يكون له الحق في سلبها منه، وأن العقوبة لم تمنع من ارتكاب جرائم القتل، وأن الخطأ في توقيع العقوبة يستحيل إصلاحه.
وكل هذه الحجج، مردودة على أصحابها، فالمجتمع لم يمنح الجاني حياته، وإنما الحياة وهبها الله للجاني وللضحية، والله تعالى هو الذي أمرنا بالقصاص من القاتل عمدا وعدوانا بغير حق، فلا شأن لغير الله في الإحياء، ولا راد لأمره في توقيع القصاص على من يستحقه.
أما أن شدة العقوبة، لا تمنع من ارتكاب الجرائم، فإن ذلك فهم مغلوط، فالإنسان لا يقدم في الغالب على ما يجلب عليه تلف نفسه، وارتكاب جريمة القتل، هو استثناء يقدم عليه من قد يستهين بالعقوبة، إذا لم تمس حياته.
وهؤلاء، هم الذين يتوجه إليهم الإنذار بالعقوبة
стр. 96
التي تؤثر في نفوسهم، وقد يحجمون، فيكون في ذلك إحياء لأنفسهم ولغيرهم من الناس.
أما خوف الخطأ، فإن التشدد في الإثبات، وهو مبدأ الشريعة الإسلامية في كل الجرائم حتى يمكن توقيع العقوبة، يكفل أعظم درجات الاحتياط.
فالشهادة في الإسلام ولاية وسلطان، يتطلب الشرع فيمن يؤديها العدالة، وهو ما لا تشترطه النظم الوضعية، حتى في جرائم القتل.
ويتطلب الرؤية الصادقة للواقعة المشهود عليها، يقول ﷺ :
«إذا رأيت كالشمس فاشهد وإلا فدع» رواه الطبراني، والديلمي في مسند الفردوس.
فاحتمال الخطأ في الإثبات الشرعي نادر، والنادر لا حكم له، وهذا الاحتمال، يزداد وقوعه في النظم الجنائية بقبول الشهادة من غير العدل، ومن أراذل الناس، ومن الأطفال، وقبول شهادة السامع، وربما تأثر القاضي بما يحيط بالجريمة من إعلان وإعلام.
стр. 97
وذلك أمر تأباه قواعد الإثبات في الشريعة الإسلامية، كما هو معروف ومفصل في كتب الفقه في أبواب القصاص والحدود.
وقد احتال المنكرون لحدود الله، لتبرير رفضهم لعقوبة القصاص، وجعلوها تنافي ما تنادوا به من حقوق للإنسان.
ولا شك أن حق الحياة، كفلته الشريعة للإنسان، وحمته من كل عدوان يقع عليه.
ولكن هؤلاء يعتبرون الحياة حقا، لا يجوز المساس به، وإن تعدى صاحبه بغير حق على إنسان آخر، فسلبه حياته.
وهي تفرقة لا تجد سندا من العقل ولا العدل.
وكان من نتيجة هذا المسلك المعوج، أن ألغت دول كثيرة عقوبة الإعدام، حتى على جريمة القتل العمد العدوان.
ولكن بعضها عدل عن ذلك بعد ما تبين لها فساده.
стр. 98
وما زالت عشر ولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، لا تبيح قوانينها الحكم بعقوبة الإعدام، ويكتفى فيها في جرائم القتل، بعقوبة السجن مدى الحياة، حيث يعيش المجرم القاتل على نفقة غيره في السجن، بعد أن سلب غيره حق الحياة.
وارتفعت الأصوات تطالب بتوقيع عقوبة الإعدام على الجرائم التي تصل في بشاعتها وقسوتها على الإنسان إلى حد يستفز مشاعر البشر، وهي تنشر في الصحف وفي أجهزة الإعلام كل يوم، في تلك المجتمعات التي تدعي التحضر والحفاظ على الأنفس.
ولا أحد يجهل في هذا العصر، صرخات كثير من المجتمعات المتقدمة مدنيا، مثل المجتمع الأمريكي أو الأوروبي بوجه عام، من تفاقم ظاهرة الجريمة، التي ترتبت على الحرية المطلقة التي يعيش في ظلها الناس، حرية التنافس والتقاتل على تحصيل المال واللذة والسلطان، حرية لا تحدها الأديان ولا قيم الأخلاق،
стр. 99
ولا يكاد يقف في طريقها إلا مصلحة الآخرين في المنافسة.
وفي عصر حقوق الإنسان، الذي تعترف فيه كثير من المجتمعات بكرامته وحقه في الحياة، وفي التكافل الاجتماعي والمشاركة العامة، تنتهك الأعراض، وتسلب الأموال، ويشتد ساعد عصابات الإجرام، وتقف كثير من الحكومات عاجزة عن التصدي للفساد.
في الولايات المتحدة الأمريكية كما نشر في أجهزة الإعلام، تقع آلاف من جرائم الاغتصاب سنويا، وعشرات الآلاف من جرائم السرقة والاعتداء على الناس، وينشر الكثير عن أرقام المبالغ والأرباح التي يحققها النشاط الإجرامي في تجارة البشر، في الدعارة، وفي أنواع الفواحش، وفي تجارة المواد المخدرة.
وتعد الحكومات، الخطط للقضاء على الجريمة أو تقليل آثارها.
ولكن يحول دون ذلك، أن عقوبة الإعدام للقاتل
стр. 100
لا يعترف بها، وأن الزنى والفواحش، كلها من قبيل ممارسة الحرية الفردية، وربما ارتفعت أصوات في بعض البلاد، بأن من طرق مقاومة انتشار المخدرات، إباحة بعض أنواعها، وكأن المجتمع ينحني أمام ظاهرة الجريمة، ولا يجرؤ على التصدي لها بحزم.
إن السياسة الجنائية في الإسلام، هي في الأصل سياسة وقاية من الجريمة، وحماية للمجتمع، وصيانة للأنفس والأموال والأعراض.
وهي سياسة تشهر في وجه الجريمة سيف الحدود والقصاص، عقوبة جسيمة، تتهدد المجرم قبل أن يهم بارتكاب جريمته، ثم لا توقع عليه إذا ارتكبها إلا بعد ثبوت كامل، وأدلة قاطعة وضمانات عادلة.
إن الإسلام لا يقطع الأيدي استهانة بها، ولا يجلد الظهور تحقيرا للإنسان، ولكن تهديداً للمجرم وهو واحد، ونشراً للطمأنينة لآلاف البشر.
وخوف عشرات أو مئات من المجرمين، في
стр. 101
المجتمعات التي تضم عشرات ومئات الملايين من البشر، يحفظ الأمن، ويصون الأرواح والأعراض والأموال للملايين، حتى ينصرفوا إلى خدمة مجتمعاتهم وأوطانهم.
وليس أدل على نجاح السياسة الجنائية الإسلامية، من أن ينظر إلى نتائجها وآثارها، في دولة تلتزم بتطبيقها كاملة، وتواجه بها ظاهرة الجريمة، وما يظهر في المجتمع من فساد، كما هو الواقع في المملكة العربية السعودية.
[ذكر الإحصاءات المتوافرة في المملكة العربية السعودية]
إن المملكة العربية السعودية، دولة حديثة في مؤسساتها، منذ وحدها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ﵀.
ولقد تقدمت مؤسسات المملكة، واكتسبت خبرتها في مجالات عملها، ومنها مؤسسات الأمن والشرطة، نتيجة التزامها بالهدف الذي أنشئت من أجله، وهو تأمين الوطن والمواطن، وحمايتهما من آثار
стр. 102
الجريمة التي لم يخل منها مجتمع من المجتمعات الإنسانية.
والوسيلة الأولى في يد مؤسسات الأمن للنجاح في عملها، تقوم على أساس تطبيق شرع الله والاهتداء بهديه، ثم بعد ذلك باتباع الأسلوب العلمي في التخطيط والتنفيذ، في شأن الوقاية من الجريمة وملاحقة مرتكبيها، حتى يتم تنفيذ حكم الله فيهم.
ومن ناحية أخرى، فإن المملكة تضم إلى جانب المواطنين السعوديين، ملايين من الناس، فتحت لهم المملكة أبواب العمل فيها، لا سيما البلاد الإسلامية في آسيا وأفريقيا، وهؤلاء، من بلاد تختلف لغاتها وعادات شعوبها، وهم من عشرات الجنسيات.
ولا شك أن ذلك، وإن كان يحقق قدراً من التواصل المطلوب بين شعب المملكة والشعوب الأخرى، إلا أنه يلقي على أجهزة الأمن ومؤسساته عبئا كبيراً، يتمثل في
стр. 103
معرفة الظروف والأحوال التي يعيش فيها هؤلاء، وأثر اختلاف البيئات والأعراف، وربما العقائد في مسلك هؤلاء.
وذلك بهدف حمايتهم، وتوفير الأمن لهم، وتيسير حياتهم، وكذلك بهدف حماية المجتمع من التأثير الضار لبعضهم، والذي قد يعمد إلى الإخلال بالأمن.
إن الإحصاءات المتوافرة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن السياسة الجنائية الإسلامية التي تتبعها المملكة، هي الاختيار الوحيد والأفضل للنجاح في تحقيق الأمن.
في الإحصاء السنوي للجرائم على اختلاف أنواعها في المملكة العربية السعودية، يظهر أمران هامان:
أولهما: أن عدد الجرائم في جملته (الاعتداء على النفس والمال والعرض وغيرها من الجرائم) عدد قليل، بالنسبة لعدد السكان، وإقامة أعداد كبيرة من الوافدين للعمل، من مختلف الجنسيات.
стр. 104
ثانيهما: أن مرتكبي هذه الجرائم، هم من الأفراد، وأن الجريمة في المملكة العربية السعودية، جريمة فردية أو ثنائية، وليست من جرائم التنظيمات الإجرامية أو العصابات التي تتألف لارتكاب الجرائم والإخلال بالأمن، وهي أمور ظاهرة في المجتمعات الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وكثير من دول العالم، حيث يقوى شأن الجريمة وشوكة المجرمين داخل عصابات تحترف الجريمة.
وهذه الظاهرة غالبة في الدول الكبرى، وحتى الدول التي يرتفع فيها مستوى المعيشة، كالمجتمع الأمريكي والألماني، ومنها دول تمثل التنظيمات الإجرامية فيها قوة تزعج السلطات، مثل روسيا الاتحادية.
في الإحصاء السنوي لسنة ١٤١٤ هـ - الموافق ١٩٩٤م:
بلغ عدد جميع الجرائم - كل أنواع الجرائم أو ما يعد حادثة جنائية أيا كان خطرها - في المملكة العربية
стр. 105
السعودية (٢٧. ٣٠٣) حادثة.
ومن النظر في بيان الجرائم وأنواعها ومرتكبيها، تظهر فردية الحوادث الجنائية، وأنها تمثل الظاهرة الإجرامية في حدها الأدنى في أي مجتمع إنساني.
ويلاحظ أن عدد الجرائم الوارد في الإحصاء، يشمل جرائم القتل العمد، ومحاولة القتل، والقتل الخطأ، والانتحار.
ويشمل جميع أنواع السرقات، منازل وسيارات ومحلات تجارية، وكل أنواع السرقات مهما قل شأنها.
ويشمل العدد أيضاً، كل الحوادث الأخلاقية مهما كان نوعها، مما لا يعد جريمة في الغالبية العظمى من القوانين الجنائية الوضعية، كالخلوة بغير محرم.
كما يشمل العدد جرائم السكر، وهي ليست جريمة في القوانين الجنائية الحديثة.
ويشمل كل جرائم التزييف والتزوير ومحاولات الخطف والمشاجرات البسيطة، وحتى الحوادث
стр. 106
المتنوعة، كما يوردها الإحصاء السنوي.
ولا شك أن نسبة عدد الحوادث الجنائية، ومنها كما ذكرنا، ما لا يعد جريمة في غالب بلدان العالم، هي نسبة ضئيلة إلى عدد سكان المملكة، المواطنين والمقيمين.
هذا العدد (٢٧. ٣٠٣) يقابله مئات الألوف، بل ملايين من الحوادث الجنائية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
الأمر الذي يدل دلالة قاطعة، على أن الظاهرة الإجرامية في المملكة العربية السعودية، هي في حدها الأدنى، بل في حدها الضئيل، الذي يلفت النظر، ويدعو إلى معرفة السبب الحقيقي.
وهو لدينا معروف على وجه التحقيق.
إنه ببساطة ووضوح، الأخذ بأحكام الشرع الإسلامي في مجال الجريمة والعقاب.
стр. 107
يكشف الإحصاء في وضوح عن أمور نذكر أهمها:
أولاً: الإعجاز في قول الله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] (البقرة الآية ١٧٩) .
ففي بعض بلاد العالم المتقدم، وفي الغرب بوجه عام، نقرأ أحيانا أن جريمة قتل تقع كل عدة دقائق أو عدة ساعات، ويبلغ عدد الضحايا في القتل العمد في بعض البلاد آلاف الأنفس.
ثانياً: إن عدد السرقات بجميع أنواعها، عدد قليل نسبياً، مع قلة شأن وخطورة غالبية السرقات، وكذلك الحوادث الأخلاقية، على الرغم من أن كثيراً منها لا ينظر إليه الناس في غالب مجتمعات العالم على أنه جريمة، حتى ولو وقع علنا.
ويشمل العدد الكلي جرائم المسكرات، شرب الخمر وصنعها وبيعها، وهي أعمال تمارسها الشركات الكبرى في غالب دول العالم، وتقدم لها المعونات من
стр. 108
سلطات الدول.
أما شرب الخمر، فهو ما يفعله الملايين من البشر كل يوم في المجتمعات غير الإسلامية، وفي بعض بلاد المسلمين التي لا تلتزم بالدين وتطبق أحكامه.
ثالثاً: إن قلة عدد الجرائم في المملكة وضآلة عدد الجرائم الخطيرة، مثل قتل النفس أو الخطف أو الحريق المتعمد، لا يرجع إلى الجهد الأمني وحده، مع عظم الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن والمسئولين فيه، فالأمن يلاحق مرتكبي الجريمة بعد وقوعها، وله جهده الكبير المشكور في الوقاية والحفظ.
وإنما يرجع قبل ذلك إلى توفيق الله، ثم إلى الترغيب في الهداية والترهيب من الغواية، والتزام الدولة بالإسلام، وتطبيقها لأحكامه، وقيامها بالدعوة إليه وإلى فضائله، والتزام شعب المملكة في جملته أحكام الدين الإسلامي وآدابه، وما تسهم به الهيئات والأجهزة المختصة في حفظ المجتمع وأمنه، والحرص على الوقاية
стр. 109
من الجريمة قبل أن ترتكب.
الأمر الذي يدل على أن السياسة الجنائية الإسلامية، لا تجعل العقاب هو الوسيلة الوحيدة، أو الوسيلة الأولى لمواجهة الظاهرة الإجرامية في المجتمع.
فالإنسان لا يقدم على ارتكاب الجريمة، إلا إذا كان بعيداً بفكره وقلبه عن الإيمان بالله ومستلزماته، فتمتد الجارحة بالعدوان على حق الله أو حقوق البشر.
وصدق رسول الله ﷺ :
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» متفق عليه.
وهكذا الشأن في كل عدوان على حق الله تعالى أو حقوق البشر.
رابعاً: إن عدد المحكوم عليهم في الجرائم المختلفة، كما يظهر في الإحصاء، يتبين منه أن نسبة كبيرة من هذا العدد، هم من غير السعوديين، إذ تصل نسبة غير السعوديين في بعض الجرائم إلى ٥٠ % من عدد الجرائم.
стр. 110
هكذا يكشف الإحصاء عن أثر تطبيق الشريعة الإسلامية، في مجتمع مسلم، يتميز بحكم إسلامي، مطبق لشريعة الله، وبحكام نذروا أنفسهم لتطبيق دين الله والدعوة إليه، وحماية مجتمعهم من كل ما يتعارض مع الإسلام وشريعته، وبشعب آمن برسالة الإسلام وتعاليمه، فكان عوناً لولاة الأمر فيه على محاربة الجريمة أيا كان نوعها.
وتظهر لنا نتيجة واحدة، هي أن السياسية الجنائية الإسلامية، هي أولى السياسات بالاتباع، وأنها السياسة الوحيدة التي تضمن تحقق النتيجة في كل المجتمعات الإنسانية.
وأن على المسلمين، بل وغيرهم إذا أرادوا أمناً وطمأنينة، أن يطبقوا شرع الله ويهتدوا بهديه، فهو خالق البشر، والعالم بما يصلحهم ويصلح لهم:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (الملك الآية ١٤) .
следующие страницы →