[تقديم معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري]
متطلبات المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار تقديم بقلم معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين،، وبعد: - فقد طلب إلي الأخ الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل أن أقدم لمؤلفه القيم (متطلبات المحافظة على نعمة الأمن) ، وأن أعطي رأيي فيه فقدرت أن الأخ سليمان قد اختار لمؤلفه موضوعا هاما لا تأمن الحياة وتنمو وتتطور إلا به وبنعمته، ألا وهو الأمن. فأغراني هذا الاختيار أن أقرأ الكتاب لعلي أضيف إلى معلوماتي عن الأمن واهتمامي به شيئا جديدا.
فمجتمع غير آمن على نفسه ومسجده وبيته وأولاده ومصدر رزقه ومدرسته، لا تستطيع التصورات والكلمات أن تصف لقارئ آمن على هذه الفضائل الكبرى والنعم ما عليه هذا المجتمع الآخر الذي فقد أمنه واستقراره، من معاناة وخوف وقلق ورعب جعلوا حياته عرضة للوحوش الكاسرة.
مثل هذا الواقع عاشه المواطن في هذا البلد الآمن في الماضي وعاشه حاج البلاد العربية والإسلامية، قبل الدولة السعودية، فلنا تجربة مع الأمن موسعة بحكم مقدسات المسلمين التي تهفوا إليها قلوب المسلمين في الأرض جميعهم.
هذه التجربة مكانها في بطون التاريخ، وصفها من شهدها وعاناها وصفا تشمئز منه النفوس قبل الدولة السعودية. ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع كتاب المؤرخ المصري الجبرتي عجائب الآثار في التراجم والأخبار، أو ليراجع كتاب المؤرخ الدمشقي أحمد البديري حوادث دمشق اليومية، أو يراجع قصيدة أحمد شوقي " ضج الحجيج " في ديوانه والتي مطلعها:
ضج الحجاز وضج البيت والحرم ... واستصرخت ربها في مكة الأمم
أفي الضحى , وعيون الجند ناظرة ... تسبى النساء ويؤذى الأهل والحشم
ويسفك الدم في أرض مقدسة ... وتستباح بها الأعراض والحرم
!! وكذا يراجع كل ما كتب عن فقدان الأمن في الجزيرة العربية لمؤرخين سعوديين، وغير سعوديين.
وليترحم على الملك عبد العزيز ﵀ فلقد كان الذراع القوية في الحق، التي وضعت أخيرا حدا لتلك الفوضى التي تكدر الأمن، وتقطع الطرق، وتخيف ابن السبيل، فالملك عبد العزيز- غفر الله له - هو ابن الدولة السعودية الأولى والثانية وموحد الدولة الثالثة. وقاطع يد اللصوصية بالأمن والعدل وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ومما أثار عندي تساؤلات كثيرة: كيف كانت رؤية الأخ سليمان للسبل الكثيرة التي تلتقي عند نعمة الأمن؟ ولأول وهلة قابلني مؤلف هذا الكتاب بالجواب عن تساؤلاتي، وهو ظاعن وراء تجربة الإنسان مع الأمن والخوف في شبه الجزيرة العربية. وكان قلمه في ظعنه مدلجا وراء شواهد وحقائق من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كلها تلتقي عند نعمة الأمن وفضائله.
ولا أتصور أن إنسانا سيقرأ هذا الكتاب إلا ويحمد الله على هذه النعم الكبرى التي تعيشها بلادنا اليوم، أمنا ورخاء ووحدة آخت بين المسلمين على شريعة الله. ومن البدهيات أن حياة دون أمن تحسب على الضياع والآفات الخلقية والاجتماعية، ولا يعرف فضائل الأمن ويدركها غير من اكتوى بنار الفوضى والرعب. ومع الأسف أننا نرى كثيرا من الشعوب تصاب بفقدان الذاكرة وتنسى نعمة الأمن، فلا تستيقظ عليها إلا بعد أن تدمر ذاتها وتظل متحسرة على ما جنت يداها بعد فوات الأوان!
ومن هنا رأينا المؤلف يركز على نعمة الأمن التي يعيشها المجتمع السعودي اليوم. ولا شك أن الكتاب تعليمي وتثقيفي بل وتذكير وتنبيه من الغفلة عن نعمة الأمن وتفيؤ ظلالها بالشكر والحمد.
شاكرا لأخي سليمان حسن ظنه بي، راجيا له التوفيق ومزيدا من العطاء.
والله ولي التوفيق والهادي إلى سبل الخير،، عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري
стр. 2
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: ففي هذا العالم الذي يموج بالفتن والقلاقل وتجتاحه الحروب والمجاعات، وتتهدد الإنسانية فيه مخاوف الجوع واليأس والقلق، تعيش المملكة العربية السعودية في عهد رخاء وأمن واستقرار، وتقدم يشهد به كل منصف.
وكما هو معروف تاريخيا فإن بلادنا قبل أن يوحدها المصلح العظيم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - كانت مسبعة بشرية، ممزقة سياسيا وجغرافيا واجتماعيا، وأمنيا، عاش الناس فيها غير آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، حتى شاء الله - جل وعلا - أن تتوحد بلادنا على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - وتصبح واحة آمنة.
لقد كان توطيد الأمن وتثبيته من أول الأمور التي اهتم بها الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - منذ ولي هذه البلاد، يقول ﵀ في هذا الصدد: " إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون؛ لذلك طلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزعات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنه إفساد الأمن في هذه الديار، فإنني لا أراعي في هذا الباب صغيرا ولا كبيرا، وليحذر كل إنسان
стр. 3
أن تكون العبرة فيه لغيره " (١) ويقول أيضا: " لقد أمنت الطريق، وضربت على يد الظالم، وأقمت شرع الله في جميع أنحاء المملكة " (٢) ويقول " إنني قطعت دابر الأشقياء والمفسدين وحقنت دماء أهلية، وبسطت أروقة الراحة وساد الأمن في الحجاز " (٣) .
وكما اهتم الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - بأمن واستقرار بلادنا، فقد اهتم أبناؤه من بعده بالأمن والاستقرار وطوروا أجهزة الأمن بما يتفق وذاتية الأمة أولا وروح العصر، ثانيا حتى أصبحت المملكة العربية السعودية بفضل الله وكرمه واحة أمن وارفة الظلال يشهد بقوة الأمن فيها العدو قبل الصديق.
لقد امتد الأمن ليشمل جميع مظاهر الحياة في المجتمع السعودي المسلم، لقد استطاعت بلادنا بفضل الله ثم بفضل هذا الأمن والاستقرار الذي تحقق على أيدي ولاة أمرها، أن توجه إمكانياتها الهائلة إلى البناء الشامل للإنسان السعودي.
ويبقى السؤال الكبير وهو: كيف نحافظ على نعمة الأمن والاستقرار التي نعيشها، والتي يحاول الحاقدون الحاسدون والغابطون سلبنا إياها؟
محتويات هذا الكتاب والتي تتضمن خمسة عشر مطلبا من مطالب المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا محاولة جادة للإجابة بصدق وأمانة على السؤال آنف الذكر.
стр. 4
أرجو من الله جل وعلا أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، كما أرجو أن أكون بهذا الجهد قد ساهمت بما يجب المساهمة به في هذه الظروف في سبيل توعية المواطن السعودي بشكل عام والشباب بشكل خاص بما يجب عليهم في سبيل المحافظة على أمن واستقرار بلادهم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل
[المطلب الأول التمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة على مقاصدها] وإقامة حدودها
стр. 5
المطلب الأول
التمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية
والمحافظة على مقاصدها وإقامة حدودها
وعدم الالتفات لما يثار من شبهات حول تطبيقها
باسم حقوق الإنسان
стр. 6
من أهم الضمانات اللازمة للمحافظة على نعمة الأمن والاستقرار التي نعيشها التمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية، والمحافظة على مقاصدها وتطبيق حدودها.
لقد كان تطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة على مقاصدها هو العامل الحاسم الذي اعتمد عليه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - في تحقيق وحدة هذه البلاد، وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار فيها، ونحن نرى أن هذا العامل كان وما زال وسيبقى هو العامل الحاسم، وأنه هو أساس الأسس التي يقام عليها نظام الحكم في المملكة العربية السعودية.
ونود أن نوضح هنا أن بعض مأجوري الأقلام ومحترفي الإشاعات يتهموننا بالقسوة في المملكة العربية السعودية؛ لأننا نرجم الزاني المحصن ونجلد الزاني غير المحصن، ونقتل القاتل عمدا، ونقطع يد السارق متى انطبقت عليه الشروط، ونطبق على البغاة والمفسدين في الأرض أحكام الله. . وفات مأجوري الأقلام ومحترفي الإشاعات أن ما نعمله هو تنفيذ لأمر الله الذي خلق الخلق وهو أعلم وأدرى بمصالحهم، وبسبب المحافظة على مقاصد الشريعة؛ عشنا فيما نحن فيه من أمن واستقرار وتقدم ورخاء، وفات هؤلاء أن ما تعانيه كثير من الأمم الشرقية والغربية من مشكلات الأمن والقلق الاجتماعي والضائقة الاقتصادية ناتج من عدم تطبيقها لشريعة الله.
إن على كل مواطن سعودي أن يكون على حذر من الأفكار الشريرة التي يبثها أعداء الشريعة باسم حقوق الإنسان، وليدرك المواطن السعودي أن
стр. 7
هذا البلد لم يُكتب له النصر والرخاء والاستقرار إلا في ظل شريعة الإسلام.
وعلينا أن نوضح لأبنائنا أن الإسلام عندما شرع إقامة الحدود على المجرمين كان يقصد الحفاظ على النفس والمال والعرْض والعقل والحفاظ على الدين أولا وآخرا.
ففي سبيل حفظ الدين حرّم الإسلام الردة، وهي الكفر بعد الإسلام، وجعل القتل عقوبة لكل مرتد معاند؛ حيث قال رسول الله ﷺ «من بدل دينه فاقتلوه» (١) حتى يكون الردع كاملا وحاسما عند تبديل الدين الإسلامي وإضاعته.
وفي سبيل حفظ النفس حرم الله القتل وسفك الدماء وتوعد أشد الوعيد مَنْ يفعل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (٢) . والقتل كبيرة من الكبائر وهو أحد السبع الموبقات المهلكات، قال رسول الله ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات» ، وذكر فيها قتل النفس التي حَرّم اللهُ إلا بالحق. . وقال ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفارا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض» .
وفي سبيل حفظ الأنساب حَرم الله الزنا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] (٣) ويقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] (٤) .
وفي سبيل حفظ الأعراض من الوقيعة فيها حَرّم الله قذف الأبرياء بالزنا، وتوعّد على ذلك بأشد الوعيد، قال جلّ من قائل: ١٣ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤] (٥) .
ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥] (٦) .
وفي سبيل حفظ العقول حرم اللهُ كُل مسكر وكل مخدر وكل مفترّ، كالخمر والمخدرات بأنواعها، قال تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] (٧) .
ومن هنا حافظَ الإسلام على العقل، جوهرة الحياة والمنظم لحركتها، فكيف نعطى النعمةَ ونحاولُ بالخمر تعطيلها!؟ .
وفي سبيل حفظ المال حُرمت السرقةُ، يقول تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] (٨) .
إذا فإن إقامة الحدود هي الأمن على الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعِرْض، فهل تستطيع القوانينُ الوضعية أن تحقق شيئا من هذا للناس؟ هل السجنُ والغراماتُ استطاعت أن تحقق ما حققته حدودُ الله للبشرية؟ فننظر إلى حال دولة لا تطبق ولا تقيم حدود الله، لا وازع ولا رادع، نهب وسلب، واعتداء على المال والعِرْض دون مبالاة، ودولة تطبق حدود الله فإنما تعيش في أمن وسلام واستقرار.
من هنا فأي وحشية في تطبيق حدود الله؟ وأي همجية وأين تكون الوحشية والهمجية؟ عندنا أم حيث لا تطبق الحدود الشرعية؟
стр. 8
[المطلب الثاني السمع والطاعة لولي الأمر في المعروف]
المطلب الثاني
السمع والطاعة لولي الأمر في المعروف
стр. 9
السمع والطاعة لولي الأمر في المعروف " أصل من أصول الواجبات الدينية حتى أدرجها الأئمة في جملة العقائد الإيمانية " (١) .
وقد تواترت النصوص القطعية من الكتاب والسنة على تأكيد وضرورة طاعة ولاة الأمر في المعروف ولزومها، والسبب في ذلك كما يقول الإمام النووي: اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (٢) قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٣) .
قال شيخ الإسلام ﵀ " نزلت هذه الآية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين في ذلك في قسمهم، ومغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (٤) .
وقد ورد العديد من الأحاديث الشريفة التي تبين أن طاعة ولاة الأمر لازمة، وهي فريضة في المعروف، ومن هذه الأحاديث ما يلي:
١ - عن عُبَادة بن الصامت ﵁ قال: «دعانا رسول الله ﷺ ، فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا،
стр. 10
وأثرة علينا، وألا ننازع الأمرَ، قال: " أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله بُرْهان» (١) .
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٢) .
٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: عن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣) .
٤ - وعن أنسى ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة» (٤) .
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات مِيْتَة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة، بغضب لعصبية، أو يدعو لعصبية، أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضربها بَرها وفاجرها ولا يتحاشى عن مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه» (٥) .
стр. 11
٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الغزو غزوان: فأما من ابتغى به وجه الله، وأطاع الإمام وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، فإن نومه ونبهته، أجر كله، وأما من غزا فَخْرا، ورياءَ وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» (١) .
٧ - وفي حديث الحارث الأشعري الذي رواه الأمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (٢) .
٨ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله» (٣) .
٩ - وعن أم حصين قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنْ أمرَ عليكم عبدٌ مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» (٤) .
١٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٥) .
стр. 12
١١ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا» (١) .
١٢ - وعن وائل بن حجر ﵁ قال: «قلنا يا رسول الله: أرأيت إنْ كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ فقال: " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم» (٢) .
هذه بعض النصوص من القرآن والسنة التي تحث على طاعة ولاة الأمر في غير معصية، وفيما يلي نستعرض بعض أقوال العلماء المحققين قديما وحديثا في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر:
١ - يقول الحافظ بن رجب ﵀: " وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنظيم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم " (٣) .
٢ - ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " فطاعة الله والرسول واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعته، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال، فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق " (٤) .
стр. 13
فوائد السمع والطاعة لولي الأمر لكل من الفرد والمجتمع: لطاعة ولي الأمر فوائد متعددة من أهمها ما يلي: (١) .
١ - امتثال أمر الله تعالى وابتدار طاعته، فإن مَنْ أطاع بالمعروف فقد أطاع الله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٢) .
وفي الحديث الصحيح: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومنى عصى أميري فقد عصاني» (٣) .
ولا شك أن هذا الامتثال لأوامر الله من أعظم الأدلة على عبودية الإنسان لله، وخضوعه وإيمانه به ربا وإلها شارعا.
٢ - بطاعة ولي الأمر في المعروف تنتظم أمور الدولة وأحوالها كلها.
٣ - بالطاعة لولي الأمر تتماسك الأمة وتتحد كلمتها وتقوى الصلة بين أفرادها.
٤ - بالطاعة لولي الأمر يعم الأمن والاستقرار في ربوع الدولة الإسلامية، وهذا أمر واضح، فالطاعة لأولي الأمر تعني سيطرة الشرع على كل التصرفات، والتغلب على الهوى والنفس اللذين يَجُران إلى الجريمة والتمرد والعصيان، وهذا يصل بإذن الله من تحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة في النفس والمجتمع والبلاد.
стр. 14
٥ - بالطاعة لولي الأمر تظهر الأمة المسلمة بمظهر الهيبة والقوة والرهبة أمام الأعداء، فإذا كانت هذه الأمة تأتمر بأوامر قيادتها العُليْا في غير معصية الله، فإن هذا سيكون له أثره على الأعداء بلا شك، لما فيه من معاني الاتحاد والائتلاف والتماسك بين أفراد الأمة، ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] (١) . ومعلوم أن لوازم طاعة الله ورسوله طاعة أولي الأمر.
٦ - بالطاعة لولي الأمر يستقر الأمن وتتفرغ الأمة للبناء والتعمير وتحقيق أهدافها التنموية لبناء الإنسان المسلم.
الأضرار والمفاسد التي تترتب على عصيان ولي الأمر والتمرد عليه: يترتب على عصيان ولي الأمر والتمرد عليه أضرار عظيمة أهمها:
١ - التمرد على ولي الأمر يعد معصية لله جل وعلا ومخالفة لأمره بالطاعة لولي الأمر في غير معصية.
٢ - التمرد على ولي الأمر فيه تمزيق لوحدة الأمة وتهديد لأمنها واقتصادها.
٣ - التمرد على ولي الأمر يعكر الأمن والاستقرار ويسبب الخوف والقلق لأفراد المجتمع.
٤ - التمرد على ولي الأمر يفتح الباب واسعا لشتى الجرائم.
стр. 15
[المطلب الثالث التزام الوسطية والاعتدال في شئون الحياة كلها]
المطلب الثالث
التزام الوسطية والاعتدال
والابتعاد عن الإفراط
والتفريط في الدين
стр. 16
التزام جانب الوسطية والاعتدال والابتعاد عن الإفراط والتفريط في الدين من أهم الضمانات اللازمة لاستمرار نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا، وكما هو معلوم فإن الوسطية والاعتدال خاصة من أبرز خصائص الإسلام، وهي وسام شرف الأمة الإسلامية، ومن أبرز مميزات الوسطية، الأمان ولذا، يُقال الوسطية تمثل منطقة الأمان والبعد عن الخطر، فالأطراف عادة تتعرض للخطر والفساد، بخلاف الوسط فهو محمي ومحروس بما حوله، كما أن من أهم مميزات الوسطية في الإسلام كون الوسطية دليل القوة، فالوسط مركز القوة، ألا ترى أن الشباب الذي يمثل مرحلة القوة والحيوية وسط بين ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، والشمس وسط النهار أقوى منها في أول النهار وآخره. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
بهذه الآية الكريمة حدد الحق ﵎ هُوية هذه الأمة، ومكانتها بين الأمم، لا إفراط ولا تفريط، لا إهمال ولا تطرف، لا تكاسل ولا غلو، بل اعتدال في كل شأن من شؤون الأمة.
لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة الشهيدة على الناس أحسن الناس تصورا للوسط وفهما للشريعة والعقيدة على هذا الأساس الراسخ، كما كانوا في حياتهم اليومية أكثر الناس تمسكا بهذا الأصل، وهو التوسط بلا غلو ولا انحلال، تشهد على ذلك سيرتُهم وحياتهم من أخذ بأصول الخلاف العلمي وآدابه وبالخلق الإسلامي الرفيع.
وإذا كان الإسلام يدعو إلى الوسطية فإنه يُحَذر كل التحذير من كل ما يتعارض معها من إفراط وتفريط.
стр. 17
لقد نهى الله في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ عن الغلو في الدين لحكم متعددة من أهمها أن الإسلام دين توحيد واجتماع، والغلو في الدين سبب رئيسي من أسباب الاختلاف والتفرق والتمزق بين أفراد المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (١) وقال تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] (٢) .
كما أن الغلو في الدين فيه مشقة وهو يتعارض مع تعاليم الإسلام الداعية إلى اليسر ورفع الحَرَج فيسر الإسلام والتيسير خاصة من خصائصه التي اختلف بها عما سواه من الأديان والمشقة والحرج ليسا من مقاصد الشرع أما اليسر والتيسير فهما من مقاصده، وتقرير هذا من القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٣) .
، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٤) ويقول ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا» (٥) وقال ﷺ لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسرا ولا تنفًرا» (٦) .
لقد امتن الله على عباده برفع الحرج عن المكلف، وأن الله حبب إلى عباده الإيمان بتيسيره وتسهيله، وكره إليهم الغلو والتشدد والتنطع؛ لأن في الغلو والتطرف في الدين عيوبا وآفات أساسية تصاحبه وتلازمه منها: (٧) .
стр. 18
١ - أن الغلو منفر، لا تحتمله طبيعة البشر العادية ولا تصبر عليه.
٢ - أنه قصير العمر. . . فالإنسان - إلا مَنْ وفقه الله - ملول فيسأم ويدع العمل حتى القليل منه، أو يأخذ طريقا آخر على عكس الطريق الذي كان عليه، أي ينتقل من الإفراط إلى التفريط ومن التشدد إلى التسيب.
٣ - أن الغلو في الدين لا يخلو من جَوْر على حقوق أخرى يجب أن تُرَاعى وواجبات أن تؤدى. . . قال ﷺ لعبد الله بن عمرو حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكا أنساه حق أهله عليه: «ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال عبد الله: قلت بلى يا رسول الله. . . قال ﷺ لا تفعل صم وأفطر وقم ونم. . . فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا» (١) . يعني فأعط كل ذي حق حقه ولا تغلُ في ناحية على حساب أخرى، وما أصدق ما قال بعض الحكماء: ما رأيت إسرافا إلا وجانبه حق مضيع.
وكما نهى الله جلّ وعلا عن الغلو والتطرف والإفراط نهى كذلك عن التفريط في الدين، والذي يعني في أبسط معانيه وصوره التضييع والتقصير والتهاون والترك، والتفريط في الدين يكون بسبب عدم الاهتمام بالمحافظة على حدود الله وعدم الرغبة بالتزامها، نتيجة ضعف الإيمان أو انعدامه، وعلى هذا فالتفريط في الدين إنْ لم يكن من مستوى الكفر والجحود فهو اتباع للهوى وإيثار للشهوات وحب للعاجلة، وترك الأخرى، وقد يصل ذلك إلى مستوى الرغبة في الفجور وهو الانطلاق الوقح في المعاصي والآثام دون ضابط.
стр. 19
لقد أنسى التفريطُ في الدين الكثيرَ من الأمم السابقة ما ذكِّروا به على ألسنة رسلهم، فانحرفوا عن الدين انحرافا كُليا فاستحقوا الهلاك، وفي بيان ذلك يقول الحق ﵎ في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ - فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤]
والخلاصة أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال لا يقر الإفراط والتفريط في الدين؛ لأنهما خروج عن تعاليمه، فالشريعة الإسلامية شريعة يسر وسماحة تامة وبعد عن التكلف والتعمق وكل ما يورد المسلم شكا في دينه وشريعته وحرجا نابعا عن هذا التعمق والتنطع المؤدي إلى الوسوسة والضيق، فشريعة الله ميسرة وطريق تحصيل الثواب والأجر لا يكون بالقصد إلى المشاق، وتحمل الصعب من الأمور، ولكن بالإخلاص في الامتثال والاقتداء بنبي الرحمة عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
مما سبق نستطيع القول بأن الأمن والاستقرار في أي مجتمع مقرون أشد الاقتران بأخذ هذا المجتمع بمبدأ الوسطية والاعتدال وابتعاده عن الغلو في الدين أو التفريط فيه فما من مجتمع فشا فيه الغلو أو التفريط في أمور الدين، إلا وتعكر الأمن فيه وتزعزعت دعائمه وأصبح الناس فيه غير آمنين على دينهم وأنفسهم وأموالهم. . . فلنأخذ بمبدأ الوسطية والاعتدال في شئون حياتنا لننعم بنعمة الأمن والاستقرار والتقدم والرخاء.
[المطلب الرابع القيام بواجب النصيحة بالأسلوب الشرعي مع مراعاة التلازم] بين نصيحة ولي الأمر والدعاء له
стр. 20
المطلب الرابع
القيام بواجب النصيحة
بالأسلوب الشرعي مع مراعاة
التلازم بين نصيحة ولي الأمر والدعاء له
стр. 21
النصيحة كلمة تعبر عن جملة هي " إرادة الخير للمنصوح له "، والنصيحة شأنها عظيم فحاجة المسلم إليها كحاجته للأكل والشرب والهواء ولا غنى له عنها؛ لأنها هي التي تبين الطريق وتبصر الإنسان بأخطائه وما يحيط به من مخاطر ومهالك (١) .
والمسلم محتاج إلى النُّصْح حاكما أو محكوما رجلا كان أو امرأة عالما أو متعلما، وما النصيحة إلا كلمة طيبة وموعظة فهي إذن تحتاج إلى شروط، وأهم هذه الشروط: الإخلاص والعلم بما ينصح به وينهى عنه والرفق والتلطف بمن ينصحهم ويذكرهم، وقد تواترت الأدلة على وجوب النصيحة من الكتاب والسنة: لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] (٢) . وقوله تعالى إخبارا عن نوح: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] (٣) .
وقوله تعالى إخبارا عن هود: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]
ولقد عظم رسول الله ﷺ أمر النصيحة فجعلها عماد الدين وقوامه، قال ﷺ «الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لله وكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٤) .
في هذا الحديث الشريف حصر الرسول ﷺ الدين في النصيحة لعلو شأنها ولأنها بالتعميم الذي ذكره الرسول ﷺ شملت الدين كله، والنصيحة تختلف باختلاف المنصوح له فالنصيحة لله الإيمان به، ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بأوصاف
стр. 22
الكمال وتنزيهه عن النقائص، وطاعة أمره واجتناب نهيه، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه وغير ذلك مما يجب له.
والنصيحة لكتاب الله الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه والاهتداء بما فيه والتدبر لمعانيه والقيام بحقوق تلاوته، والاتعاظ بمواعظه، قال الإمام النووي ﵀ في بيان النصيحة لكتاب الله ما ذكره الخطابي وغيره: " النصيحة لكتاب الله : الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته. . . والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاغين والتصديق بما فيه، والوقوف على أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه (١) .
والنصيحة لرسول الله ﷺ تصديقه فيما جاء به واتباعه فيما أمر به ونهى عنه ومعرفة سننه ونشرها، وعبادة الله تعالى بما جاء به رسول الله ﷺ .
معنى النصيحة لولاة الأمر: - إعانتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم بحوائج العباد، " وإذا كانت حاجة المسلم - أي مسلم - شديدة إلى النصح، فإن حاجة ولي الأمر إليها أشد وأعظم، لأنه القائم على شؤون الناس والراعي لمصالحهم أجمعين ".
فلما ينهض به من جليل الأعمال وعظيم المهام احتاج إلى الناصح الأمين (٢) . لقد حث رسول الله ﷺ على إسداء النصيحة
стр. 23
لولي الأمر في أكثر من حديث، قال ﷺ : «ثلاثة لا يغل عليهم قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين» (١) . وقال ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» (٢) .
وقد بيًّن علماء الإسلام في شتى العصور أهمية النصيحة لولي الأمر فيما تكون فيه، يقول ابن رجب ﵀، أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحب صلاحهم ورشدهم وقولهم وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم من طاعة الله ، والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله (٣) . وينقل النووي عن الخطابي وغيره: " والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم " (٤) . ويقول الحافظ بن حجر ﵀ " والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم، دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن (٥) .
стр. 24
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ بعد بيانه للمقصود بأئمة المسلمين: " إن من النصيحة لأئمة المسلمين وجوب طاعتهم بالمعروف وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم واجتناب سبهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم فإن في ذلك شرا وضررا وفسادا كبيرا، فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك.
وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرا لا علنا، بلطف وعبارة تليق بالمقام، ويحل بها المقصود، فإن هذا مطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور، فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص (١) .
ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله تعالى-: " من مقتضى البيعة النصح لولي الأمر، ومن النصح الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية وصلاح البطانة؛ لأن من أسباب صلاح الوالي ومن أسباب توفيق الله له أن يكون له وزير صدق يعينه على الخير ويذكره إذا نسي ويعينه إذا ذكر، هذه من أسباب توفيق الله له، فالواجب على الرعية وعلى أعيان الرعية التعاون مع ولي الأمر في الإصلاح وإماتة الشر والقضاء عليه وإقامة الخير بالكلام الطيب والأسلوب الحسن والتوجيهات السديدة التي يرجى من ورائها الخير دون الشر " (٢) .
стр. 25
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله: " ومن حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطئوا سُلما للقدح فيهم ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم وكراهتهم وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقا، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح خصوصا مَنْ ينصح ولاة الأمر أن يستعمل الحكمة في نصيحته ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة " (١) . ويقول أيضا: " وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهي صدق الولاء لهم، وإرشادهم لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها ومساعدتهم في إقامة ذلك، والسمع والطاعة لأوامرهم ما لم يأمروا بمعصية الله اعتقاد أنهم أئمة متبوعون لما أمروا به؛ لأنه ضد ذلك هو الغش والعناد لأوامرهم والتفرق والفوضى التي لا نهاية لها لو جاز لكل واحد أن يركب رأسه وأن يعتز برأيه ويعتقد أنه المسدد الصواب وهو الذي لا يدانيه أحد، لزم من ذلك الفوضى والتفرق والتشتت، ولذلك جاءت النصوص القرآنية النبوية بالأمر بطاعة ولاة الأمر لأن ذلك من النصيحة " (٢) .
والنصحية لعامة الناس إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم، وكف الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المكروه عنهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو فعل بالتلطف في ردهم إلى الحق والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحبة إزالة فسادهم " (٣) .
стр. 26
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في هذا الصدد: "أما النصيحة العامة للمسلمين فهي أن تحب لهم ما تحب لنفسك وأن تفتح لهم أبواب الخير وتحثهم عليها، وتغلق دونهم أبواب الشر وتحذرهم منها، وأن يتبادل المؤمنون المودة والإخاء وأن تنشر محاسنهم وتستر مساوئهم. . . "، والنصيحة لعامة المسلمين أمرها عظيم وفضلها جليل وعاقبتها حميدة، لقد روي عن الحسن البصري ﵀، "أنه قال: قال بعض أصحاب النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله على عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة" (١) .
وقال الفضيل بن عياض: " ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام وإنما أدرك من عندنا بسخاء الأنفس وسلام الصدور والنصح للأمة " (٢) .
أمور لا بد من مراعاتها عند القيام بواجب النصيحة: يوجد عدة أمور لا بد من توافرها إذا ما أريد للنصيحة أن تحقق الأهداف المتوخاة من تقديمها ومن أهم هذه الأمور ما يلي: أولا: للنصيحة شروط وأهم هذه الشروط: الإخلاص فيجب على الناصح أن يكون مخلصا في نصيحته " بمعنى أن ينصح لأنه يحب أن ينصح لا ليقال إنه نصح، كما أن من شروط النصيحة أن يكون الناصح عالما بما ينصح به وينهى عنه، والرفق والتلطف بمن ينصحهم (٣) . وقد مدح الله
стр. 27
رسولهُ محمدا ﷺ بمكارم الأخلاق وسني الخصال فقال جلّ من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١) وقال تعالى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) .
الرِّفْقُ والمعاملة الحسنة الكريمة هي التي ألانت لرسول الله ﷺ قلوب الأعراب الغلاظ الجفاة وأدت إلى سرعة استجابتهم لدعوته وقبولها، والنصح والتواصي بالخير بالحق من صفات المؤمنين الصالحين وسبب من أسباب الفوز يوم الفزع الأكبر (٣) .
والخلاصة أنه ينبغي لمن يقوم بواجب النصيحة أن يبتغي بنصيحته لولاة الأمور وغيرهم وجه الله ولا يفعل هذا سمعة ورياء، كما يجب أن يكون هدفه الأول والأخير ردهم إلى الحق والصواب وإعانتهم على إقامة شرع الله وما فيه صلاح الرعية.
ثانيا: ينبغي أن تكون النصيحة بين الناصح والمنصوح سرا وخاصة إذا كانت النصيحة لولي الأمر، لأن طبيعة النفس البشرية، تحب ألا تبدو ناقصة أمام الآخرين ويترتب على هذه الطبيعة طبيعة أخرى، وهي أنها تبغض من يحاول أن يبدي بعض عيوبها أمام الآخرين بغضا يجعلها تأبى قبول الإصلاح فيها وحتى وإنْ كان النقدُ في محله، والعيبُ موجودا وذلك على سبيل العناد لمن بين هذه العيوب، ويستثنى من هذه الطبيعة البعض القليل، والذي يسعى هو بنفسه للآخرين من أجل أن يبينوا له العيوب، ولكن ليس أمام الآخرين، ويعدون ذلك نوعا من التوبيخ لا يرضون استماعه ولنسمع هنا إلى الإمام الشافعي وهو يقدم لأحد هؤلاء الذين فقدوا هذه القاعدة من قواعد الإنكار (٤) .
стр. 28
تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
بل إن بعض النفوس ترفض حتى الإسرار في النصيحة إذا كانت مباشرة فلا تود أن تبدو ناقصة أمام الآخرين، وهذا النوع من النفوس الحساسة ينبغي أن ينصح بطريقة غير مباشرة، ليكون ذلك أدعى للقبول.
وإذا كانت النصيحة في العلن من الأمور المكروهة ضد عامة الناس فهي أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ وهي أكثر شدة عليهم من عداهم، حتى جعلت الخليفة العباسي هارون الرشيد والذي يعد بحق من خير خلفاء بني العباس، يذكر للأصمعي بعض مبادئ النصح لأصحاب السلطان كان أولها عدم النصح في الملأ (١) . إذ يقول: (يا عبد الملك، أنت أعلم منا، ونحن أعقل منك، فلا تعلمنا في ملأ، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد، إلا أن نستدعي ذلك منك، وانظر إلى ما هو ألطف في التأدب، وأنصف من التعليم، وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم) (٢) .
ولقد أدرك السلف الصالح من هذه الأمة أهمية النصيحة في السر لولي الأمر، وكانت طريقتهم في نصيحة ولي الأمر في السر حفاظا على حدة الأمة؛ ولكي لا يتخذ المتربصون من أخطاء ولي الأمر سبيلا لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب من ولاة الأمر فهو عين المفسدة وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس (٣) .
стр. 29
ثالثا: مراعاة التلازم بين نصيحة ولي الأمر والدعاء له: من مقتضى البيعة في الإسلام النصح لولي الأمر، ومن النصح الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة. . . ولقد حرص أئمة أهل السنة والجماعة على بيان هذه الحقيقة وتأكيدها في الكثير من مقالاتهم، يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية (١) .
وقال إمام أهل السنة في عصره أبو محمد البربهاري ﵀ في شرح السنة: " فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن ظلموا وإن جاروا؛ لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين " (٢) . ويقول الإمام أحمد ﵀ (لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان) (٣) .
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله -: " من مقتضى البيعة النصح لولي الأمر، من النصح الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة، لأن من أسباب صلاح الوالي ومن أسباب توفيق الله له أن يكون له وزير صدق يعينه على الخير ويذكره إذا نسي ويعينه إذا ذكر. . . ويقول الشيخ عبد العزيز في موضع آخر: " الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات "، ومن النصيحة لله ولعباده، والنبي ﷺ لما قيل له إن دوسًا عصت قال: «اللهم اهد دوسا وآت بهم» ، " يدعى للناس بالخير والسلطان أولى من يدعى له لأن صلاحه صلاح
стр. 30
للأمة فالدعاء له من أهم الدعاء ومن أهم النصح، أن يوفق للحق وأن يعان عليه وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء، فالدعاء له بأسباب التوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل من أهم المهمات ومن أفضل القربات " (١) .
لقد أكد العلماء والمعتد بعلمهم في شتى العصور أهمية الدعاء لولي الأمر وبينوا فوائده المتعددة.
فوائد الدعاء لولي الأمر بالصلاح والسداد والتوفيق الدعاء لولي الأمر له فوائد عدة من أهمها ما يلي (٢) .
١ - الدعاء لولي الأمر إبراء للذمة، إذ الدعاء من النصيحة والنصيحة واجبة على كل مسلم، قال الإمام أحمد ﵀: " إني لأدعو له (أي السلطان) بالتسديد والتوفيق - من الليل والنهار - والتأييد وأرى ذلك واجبا علي (٣) .
٢ - إن الدعاء لولي الأمر من علامات أهل السنة والجماعة، فالذي يدعو لولي أمره متسم بسمة من سمات أهل السنة والجماعة. قال الإمام البربهاري ﵀: " وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله (٤) .
٣ - الدعاء لولي الأمر عائد نفعه الأكبر إلى الرعية أنفسهم، فإن ولي الأمر إذا صلح صلحت الرعية، واستقامت أحوالها وهنئ عيشها.
стр. 31
أخرج البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم أن امرأته سألت أبا بكر الصديق ﵁ فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال أبو بكر: " بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم " (١) .
ولقد سئل الفضيل بن عياض ﵀ حين سمع يقول: " لو كانت لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان "، فقيل له يا أبا علي فَسر لنا هذا، فقال: " إذا جعلتها في نفسي لن تعداني، وإذا جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد " (٢) .
٤ - إن ولي الأمر يُسَرُّ بدعاء رعيته له غاية السرور، ويدعوه إلى محبتهم والثقة بهم وعمل كل ما من شأنه تحقيق سعادتهم وتلبية احتياجاتهم، ومما يذكر هنا ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في (السنة) من خبر والده حين كتب كتابا أجاب فيه الخليفة المتوكل عن مسألة القراءة، وكانت مسألة معرفة، لا مسألة امتحان. قال عبد الله: فلما كتب أبي الجواب أمرنا بعرضه على عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل.
وظاهر أن الإمام أحمد يستشير هذا الوزير في أسلوب الخطاب وما يناسب الخليفة لا في مضمونه، وحسنا فعل، فإن الوزراء أعرف من غيرهم بما يلائم نفوس مستوزريهم.
стр. 32
قال عبد الله: قال أبي: " فإن أمركم - أي ابن خاقان - أن تنقصوا منه شيئا فانقصوه له، وإن زاد فردوه إلي حتى أعرف ذلك، فلما وقف ابن خاقان على الجواب، بادر قائلا: " يحتاج أن يزاد فيه دعاء للخليفة فإنه يُسَرُّ بذلك. . " فأخبر هذا الوزير بما يبهج الخليفة، ويدخل السرور على نفسه ولهذا استجاب الإمام أحمد لرأيه، وضمَّن جوابه جُمَلا من الدعاء كقوله: " إني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين، أعزّه الله بتأييده. . "، ونحن في نهاية الحديث عن موضوع النصيحة نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور ويأخذ بأيديهم إلى الحق ويهديهم إلى الحق ويمكن لهم إنه سميع مجيب الدعاء.
[المطلب الخامس قيام المواطن السعودي بواجبه في المحافظة على الأمن] على الوجه الأكمل
стр. 33
المطلب الخامس
قيام المواطن بواجبه في المحافظة على الأمن
على الوجه الأكمل
стр. 34
النعمة التي نعيشها ليست لمواطن دون مواطن. . . إنما هي نعمة للجميع، من هنا كان على كل مواطن أن يؤدي واجبه، ويبذل جهده للمحافظة على استقرار بلده وتقدمها ورخائها في كل موقع وفي كل مكان.
فعلى الفلاح في مزرعته أن يكون رجل أمن، وعلى التاجر في تجارته أن يكون رجل أمن، وعلى المعلم في فصله والطالب في جامعته أو مدرسته أن يكون كل منهم رجل أمن، فنحن لا بد أن ندرك أننا أمة مستهدفة نواجه حملة ظالمة في وسائل الإعلام الغربية والشرقية، بل في بعض وسائل الإعلام العربية المأجورة، وهي حملات تحاول التشكيك في قدراتنا ومنجزاتنا وفي اتجاهاتنا ومواقفنا، وهي حملات وإشاعات تهدف إلى تفتيت وحدتنا وتكدير أمننا وانتهاب خيرات بلادنا، ومصدر تلك الحملات هو الحقد والحسد على النعمة التي نعيشها في وطننا آمنين على عقيدتنا الإسلامية وعلى أنفسنا وأعراضنا وأموالنا وعقولنا. . وهي نعمة حرمت منها أمم كثيرة نامية، بل ومتقدمة في عالم أرعبه الخوف ومزّقه الجوع.
وعلى كل مواطن أن يواجه هذه الحملات والشائعات ويرد عليها - حسب قدرته - بأسلوب علمي بعيد عن المهاترة أو الإنشاء، فنحن نعيش في بلدنا على أرض صلبة، أمورنا واضحة لكل ذي عينين.
стр. 35
فلغة الأرقام تقول إننا قد أنجزنا في ثلاثين عاما ما لم تنجزه أكبر الأمم المتقدمة في عشرات السنين، وأنفقنا بلايين الريالات على بناء المواطن السعودي، ودفعنا بلايين الريالات لمساعدة إخواننا في العروبة والإسلام.
إن الواجب على كل مواطن شريف خاصة الشباب أن يحذر من الشائعات المغرضة باعتبارها معول هدم في تيار الجماعة، تفرق كلمتها وتوهن عزمها وتفيد أعداءها، إن الشائعات كادت أن تقضي على المسلمين في " أحد " عندما أشاع الكفار مقتل الرسول الأمين ثم أصابت المسلمين بفتنة عندما انتشر حديث " الإفك " بينهم لولا أن نبه الله جل وعلا نبيه ﷺ بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (١) .
«ونهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال،» وهذا هو القرآن الكريم يرسم لنا ما ينبغي بقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣] (٢) .
فإن أكبر ما يصيب الإنسان ويدمر شخصيته هو أن يتبع هواه وشهواته ويعطل تفكيره فلا يرى إلا السلبيات ولا يصدق إلا الشائعات!! ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] (٣) .
ويقارن القرآن العظيم بين المهتدين ومن اتبعوا الهوى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] (٤) ثم يوضح القرآن الكريم موقف الذين يتبعون أهواءهم بغيا وكفرا وجحودا بالنعمة في أكثر من موقع:
стр. 36
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١] (١) .
وفي سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] (٢) .
ويقول تعالى: ٣٠ ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] (٣) .
والآن يا بني وطني ألا ترون أن الواجب يفرض علينا أن يكون كل منا رجل أمن في موقعه؟
ألا نعرف أن الهوى يقود إلى الهلاك؟ " ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب.
فالعدل كل العدل أن نعدل مع أنفسنا، ونعطيها حقها من الحفاظ على نعمة الاستقرار في بلدنا، فلا مكان لمغرض بين قوم واعين ولا مكان لمخرب بين شعب يدرك معنى البناء ويقف حارسا أمينا ساهرا عليه.
[المطلب السادس قيام العلماء والمثقفين بملء الفراغ الذهني لدى بعض] الشباب
стр. 37
المطلب السادس
قيام العلماء والمثقفين بواجبهم في ملء الفراغ
الذهني لدى بعض الشباب بما يعود عليهم وعلى
مجتمعهم بالخير
стр. 38
يوجد لدى نسبة غير قليلة من الشباب فراغ ذهني خطير هذا الفراغ ناتج فيما نتج عنه من وجود هُوة عميقة بين العلماء والمثقفين من جهة، وبين بعض الشباب من جهة أخرى، إن كثيرا من الشباب الذين اتسمت تصرفاتهم بالغلو والتطرف لم يتلقوا العلم من أهله وشيوخه المختصين بمعرفته، وإنما تلقوه من مصادر غير مصادره.
لقد غفل هؤلاء الشباب أن علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا هذا الخضم الزاخر وحدهم دون مرشد يأخذ بأيديهم ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات ويرد الفروع إلى أصولها.
إن دراسة الشريعة الإسلامية بغير معلم سليم الاتجاه صادق النية، لا تسلم من المخاطر ولا تخلو من ثغرات وآفات. . بل إن النتيجة سوء فهم الدين وضعف البصيرة بحقيقته.
وقد بين الشاطبي ﵀ أن أول الابتداع والاختلاف المذموم في الدين المؤدي إلى تفرق الأمة شيعا، وجعل بأسها بينها شديدا أن يعتقد الإنسان من نفسه أو فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا. . . وقد نبّه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمر ﵄ على خطورة هذا الأمر، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا
стр. 39
لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) .
لقد كان من نتائج فراغ أذهان بعض الشباب أن كان لأصحاب المذاهب المشبوهة دور في استغلال الأذهان الفارغة وحشوها بمعتقداتهم الضالة وانحرافاتهم الضارة، والذهن الإنساني أشبه بالوعاء الفارغ إذا لم تملأه بالخير امتلأ بالشر. . .
والتوعية الدينية والفكرية مناطة بالعلماء والمثقفين من أصحاب الفكر الواعي، الذين يستطيعون أن يُبصِّروا الشباب ويحموهم من التخبط في وحل الدعوات الهدامة والوقوع في قبضة العصابات المجرمة، ومعلوم أن الإسلام دين واضح المنهج نقي الفكر صافي المورد، دين يحارب الخرافة كما يحارب العنف، دين يبني ولا يهدم، دين يجمع ولا يفرق يرفع ولا يخفض، من اتبعه فقد اهتدى ومن أعرض عنه ضل سواء السبيل.
إن من واجب العلماء العاملين احتضان الشباب ومد جسور المحبة بما يقضي على الفجوة القائمة بين كثير من الشباب ويعض العلماء، والتقارب سوف يؤدي بلا شك لإفساح المجال أمام الشباب، لاستيعاب أحكام الدين على أسس صحيحة دون مزيد يدعو للغلو ولا نقص يدعو للتهاون حتى لا يكون الشباب فريسة سهلة لأدعياء العلم المزور، الذين يتربصون بهم فيتحولون في أيديهم إلى ما يشبه الأداة اللينة، التي يكيفونها كيف شاءوا، ويضع في أيديهم آلة مبرمجة حسب مخططاتهم. هكذا يتحول الشباب.
стр. 40
ومن مقتضيات مسئولية علمائنا الأفاضل تفنيد الادعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، وإرشاد الشباب الحائر والأخذ بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط، منهج الاعتدال بعيدا عن التسلط والتشدد والغلو في الدين، وبعيدا كذلك عن الانحلال وعدم الاهتمام بالواجبات الدينية، فنحن أمة وسط تمثل الاعتدال في كل الأمور، وبعض الشباب الذين لم تتفتح له رؤية واعية على النهج الإسلامي تتزاحم في أذهانهم خطرات وسوانح فكرية، يختلط فيها الصواب بالخطأ والحق بالباطل، وهو ينقاد للوجه الذي يكون له حضور ذاتي بجانبه، فيستطيع أن يستولي على ذهنه بطريقة صحيحة أو خاطئة، وبعض الشباب المدرك عندما يتبين له الخطأ ويكتشف أنه مُغَرَّر به يتراجع عن الانقياد الأعمى لأهل الأهواء الذين يوردونه موارد الهلاك، ويعود إلى المنبع الأصيل إلى الدين الحنيف فيسأل أهل الذكر، وهم العلماء الموثوقون فيبصرونه ويدلونه على النهج القويم، ويضعونه على المسار الصحيح، وعلماؤنا الذين هم أهل الفتيا ومحل القدوة، والذين لهم المكانة العزيزة في نفوس كل المواطنين حاكمين ومحكومين، عليهم أن يلغوا المسافات التي تفصل بينهم وبين الشباب حتى ينتفي الحاجز النفسي بين العالم والشباب، وهنا يتسنى انتفاع الشباب بعلم العلماء بما يحصنهم ضد نزعات الانحراف ودواعي الفتن، وأن لا يضيق علماؤنا الأجلاء بالأسئلة المطروحة عليهم مهما تكن نوعيتها ومظهرها، حتى يزول اللبس من أذهان الشباب ويرتفع الحرج من نفوسهم وحتى لا يجنحوا إلى الانحراف وراء الذين يحسنون لهم السيئ ويدفعونهم لارتكاب المحظورات تحت مظلة الدين، فلا بد من الصبر على تعليمهم وإفهامهم حتى يمكن حفظهم من الضياع بالعمل على تنقية عقولهم من السموم التي قد