[مقدمة]
كمال الدين الإسلامي وحقيقته ومزاياه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فبناء على جهل كثير من الناس بكمال الإسلام وحقيقته ومزاياه ومحاسنه فتهاونوا به واستبدلوا بأحكامه وتشريعاته النظم الأجنبية من الشرق والغرب - هداهم الله وأخذ بنواصيهم إلى الحق- لذا جمعت هذه الرسالة الطيبة المباركة فذكرت فيها حقيقة الإسلام وكماله ومزاياه ومحاسنه بناء على قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران: من الآية ١٩] ، فهو الدين الحق المقبول المرضي عند الله وعند أنبيائه والصالحين من عباده، وأنه يجب الدخول في الإسلام كله وترك ما
стр. 2
سواه لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] [سورة البقرة: آية ٢٠٨] ، وأن الإنسان لا يكون مسلما حتى يعتقد التوحيد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويعمل بأركان الإسلام الخمسة وهي الشهادتان والصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام مرة واحدة في عمره أعني الحج، وأن يُحِلَّ ما أحله الله معتقدا حله ويترك الحرام معتقدا تحريمه وبذلك يكون مسلما ويستحق دخول الجنة والنجاة من النار إذا قبل الله منه وكان من المتقين لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] [سورة المائدة: من الآية ٢٧] ، و (إنما) للحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. كما ذكر في هذه الرسالة الدعوة إلى العمل بشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وبيان سماحة الإسلام ويسر تعاليمه حيث يسره الله غاية التيسير وجعله سمحا سهلا لا
стр. 3
عسر فيه ولا مشقة ولم يكلف أحدا فوق طاقته. ومن فضل الله وكرمه وإحسانه أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها أو يعفو الله عنها. فديننا الإسلامي دين كامل شامل لكل ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.
كما ذكر في هذه الرسالة أمثلة من سماحة الإسلام في العبادات والمعاملات والحقوق، ووسائل حفظ الأمن إلى غير ذلك مما سيراه القارئ إن شاء الله تعالى.
كما ذكر فيها ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق، وحق المسلم على أخيه المسلم وشرح أصول الإيمان الستة، وما تيسر من ذكر مزايا هذا الدين ومحاسنه، وأنه مستقل كامل في عباداته ومعاملاته، وأن النظم الإسلامية فيها صلاح الأحوال كلها بخلاف النظم الأجنبية التي بنيت على غير أساس صحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فصارت واهية متناقضة ظالمة
стр. 4
وحُكم على أهلها بالكفر والظلم والفسوق قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة: من الآية ٤٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] [سورة المائدة: من الآية ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] [سورة المائدة: من الآية ٤٧] ، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: آية ٥٠] ، فكل ما خرج عن حكم الله ورسوله في القرآن الكريم والسنة المطهرة فهو من حكم الجاهلية.
وهذه الرسالة مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام المحققين من أهل العلم أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها فعمل بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم. كما أساله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل
стр. 5
الشرك والمشركين وأن يدمر أعداء الدين وأن يصلح ولاة أمور المسلمين وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يوفقهم للعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في جميع المجالات، إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 6
[كمال الدين الإسلامي وحقيقته ومزاياه]
كمال الدين الإسلامي وحقيقته ومزاياه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد فإن الإسلام هو دين الله الذي خلق خلقه لأجله وبه أرسل رسله وبه أنزل كتبه وهو الاستسلام والانقياد لله في القول والاعتقاد والعمل فلا يستقيم إيمان بدون عمل ولا ينفع عمل بدون إيمان وعقيدة صحيحة كما أن العمل لا يقبل إلا إذا كان صالحا خالصا لله جاريا على سنة رسول الله ﷺ . وقد بين لنا رسول الله الأسس التي بني عليها هذا الدين بقوله: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام» (١) . وهذه الأسس متلازمة ووحدة متماسكة وقد تضمنت قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح.
стр. 7
كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] [سورة العصر: الآيات ١- ٣] ، وقد دلت هذه السورة على وجوب العلم والإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر عليه فهي ميزان للمؤمن يزن بها نفسه فيعرف ربحه من خسرانه وسعادته من شقاوته ولهذا قال فيها الإمام الشافعي: لو فكر الناس فيها لكفتهم.
فحقيقة الدين الإسلامي أنه إيمان بالله ورسوله وتوحيد وإخلاص لله وصلاة وزكاة وصوم وحج وفعل للواجبات وترك للمحرمات وامتثال للأوامر واجتناب للنواهي ومحبة لله ورسوله وعباده المؤمنين وبغض لما يبغضه الله ورسوله (١) فالحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان وأحب الأعمال إلى الله. وقد أخبر الله أنه لا يجتمع إيمان بالله ومحبة من عصى الله ورسوله ولو كان من أقرب الناس كالأب والابن والأخ والعشيرة قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] [سورة المجادلة: من الآية ٢٢]
стр. 8
ومن أعظم المحادة لله ورسوله تحكيم القوانين الوضعية وترك الواجبات وفعل المحرمات كالربا والزنا وشرب الخمر، ويمتاز هذا الدين بالكمال والشمول والصلاح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وبأنه يدعو إلى كل رقي وتقدم صحيح وفيه أحل الله الطيبات النافعة وحرم الخبائث الضارة وأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وأمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن الإثم والعدوان وأمر بالصدق والعدل والأمانة ونهى عن الكذب والجور والخيانة فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر فلم يترك هذا الدين خيرا إلا أمر به وحث عليه ولا شرا إلا نهى عنه وحذر منه وقد أكمله الله لعباده ورضيه منهم ولن يقبل من أحد دينا سواه وهو صراطه المستقيم الموصل إلى جنته ورضاه والمنجي من عذابه وسخطه.
стр. 9
ثم إن للإسلام نواقض من أعظمها الشرك بالله في القول أو العمل أو الاعتقاد كدعاء غير الله أو الذبح لغيره أو التوكل على غيره في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول على نصر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سواء كان ذلك نبيا أو وليا أو ملكا أو شمسا أو قمرا أو شجرة أو قبرا أو غير ذلك من المخلوقات التي لا تنفع ولا تضر فمالك النفع والضر هو الله وحده المنفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمور. ومن ذلك تكذيب الرسول ﷺ أو بغضه أو بغض شيء مما جاء به أو الاستهزاء بسنته أو ممن تمسك بها. ومن ذلك السحر والإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه ولا يعمل به ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] [سورة: الجن: من الآية ١٧] ، ومن ذلك ترك الصلاة والحكم بغير ما أنزل الله فالتمسك بالدين هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] [سورة الأنعام: آية ١٥٣]
стр. 10
صدق الله العظيم وبلغ رسوله النبي الكريم ونحن على ذلك من الشاهدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . .
стр. 11
[الإسلام هو الدين المقبول المرضي عند الله]
الإسلام هو الدين المقبول المرضي عند الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران: من الآية ١٩] .
يخبر الله تعالى أن الدين المعتبر والمرضي والمقبول عند الله هو الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله في الظاهر والباطن في القول والعمل والاعتقاد وذلك بما شرعه الله على ألسنة رسله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران: آية ٨٥] فمن دان بغير دين الإسلام فهو لم يعبد الله حقيقة لأنه لم يسلك الطريق الذي شرعه على ألسنة رسله وقد أمر الله المؤمنين يدخلوا في جميع شرائع الإسلام كلها القولية والاعتقادية والعملية في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] [سورة البقرة: من الآية ٢٠٨] ، ونهاهم عن اتباع طرق الشيطان العدو المبين الذي يدعو الناس إلى
стр. 12
الكفر والمعاصي والانسلاخ عن دين الإسلام حتى يكونوا من أصحاب السعير.
وقد أخبر الله أنه أكمل لنا ديننا بتمام النصر وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة في الأصول والفروع فلا يتطرق إليه نقص أبدا ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه، وأتم الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة ورأي لنا الإسلام دينا فلا يسخطه أبدا، وقد أخبر الرسول ﷺ أن دين الإسلام بني على خمسة أركان وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا فمن أتى بهن كاملات فقد استكمل الإيمان واستحق الفوز من ربه والرضوان.
وقد سأل معاذ بن جبل رسول الله ﷺ عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار فاستعظم رسول الله ﷺ وأخبره أن هذا العمل يسير على
стр. 13
من يسره الله عليه وأرشده إلى الإتيان بهذه الأركان الخمسة، وإن كانت الجنة لا تنال إلا برحمة الله فرحمة الله قريب من المحسنين الذين يعملون بشرائع الإسلام كلها ويتبعون الرسول ﷺ وقد قال الرسول ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» [رواه البخاري] ، وقال ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» [رواه البخاري ومسلم] ، فدل هذا الحديث الصحيح على أن تارك الصلاة يقتل ومانع الزكاة يقتل، وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة وقال إن الزكاة حق المال. وروى مسلم: «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت
стр. 14
الحرام أدخل الجنة؟ قال: نعم» ومعنى حرمت الحرام اجتنبته ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقدا حله فدل هذا الحديث على أن من قام بالواجبات وانتهى عن المحرمات دخل الجنة. فالإسلام يتطلب فعل الواجبات كلها رغبة في ثوابها وترك المحرمات كلها خوفًا من عقابها وأركان الإسلام مرتبط بعضها ببعض ودين الإسلام وحدة متماسكة فهو قول واعتقاد وعمل وهو حب وبغض، حب لله ورسوله وحب لما يحبه الله ورسوله وبغض لما يبغضه الله ورسوله من الأشخاص والأعمال، والإسلام فعل وترك: فعل للواجبات وترك للمحرمات. وقال عطاء الخراساني: الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالجنة والحياةَ بعد الموت، هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور من الذنوب ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة فمن فعل هؤلاء الثلاث ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا لم يقبل
стр. 15
الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج ولم يوص بحجته ولم يحج عنه بعض أهله لم يقبل الله منه الأربع التي قبله (١) .
ما يستفاد من هذه الآية: ١- وجوب الإسلام.
٢ - معرفة الإسلام وتفسيره.
٣ - فضل الإسلام.
٤ - وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه.
٥ - أن الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل وأتباعهم من أولهم إلى أخرهم.
стр. 16
[وجوب الدخُول في الإسْلاَمِ كُلِّهِ وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ]
وجوب الدخُول في الإسْلاَمِ كُلِّهِ وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩] [سورة البقرة: الآيتان ٢٠٨، ٢٠٩] ، يقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يأخذوا بجميع شرائع الإسلام والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره وقد خاطب الله المؤمنين في القرآن فيما يقرب من تسعين موضعًا تضمنت هذه الخطابات أمرًا ونهيًا وخبرًا وترغيبًا وترهيبًا ووعدًا ووعيدا. قال ابن مسعود ﵁: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٠٨] فأصغ لها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.
وفي هذه الآية أمر الله المؤمنين عمومًا أن يدخلوا في جميع شرائع الدين ولا يتركوا منها شيئًا وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه إن وافق الأمر المشروع هواه فعله وإن خالفه
стр. 17
تركه بل الواجب أن يكون الهوى تبعًا للدين وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير الظاهرة والباطنة القولية والاعتقادية والعملية البدنية والمالية وما يعجز عنه يلتزمه وينويه فيدركه بنيته، ولما كان الدخول في السلم كافة لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] [سورة البقرة: من الآية ٢٠٨] ، أي في العمل بمعاصي الله ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] [سورة البقرة: من الآية ٢٠٨] ، وهو لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء وما به الهلاك والضرر، ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل أو زلل قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩] [سورة البقرة: من الآية ٢٠٩] ، أي بعد العلم واليقين ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] [سورة البقرة: من الآية ٢٠٩] أي إذا عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج فاعلموا أن الله عزيز في انتقامه ممن عصاه حكيم في شرعه وأمره والحكيم إذا عصاه العاصي قهره بقوته وعذبه بمقتضى حكمته.
стр. 18
ما يستفاد من هذه الآية: ا- يجب العمل بجميع شرائع الإسلام القولية والاعتقادية والعملية.
٢ - معرفة الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
٣ - أن الدين قول واعتقاد وعمل.
٤ - أن من لم يعمل بالواجبات ويترك المحرمات فليس بمؤمن حقيقة.
٥ - وجوب العمل بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام بقدر الاستطاعة.
٦ - تحريم طاعة الشيطان فيما يأمر به من المعاصي والفواحش.
٧ - بيان عداوة الشيطان لبني آدم وأنه قد تصدى واستعد لإضلالهم ليكونوا من أصحاب السعير.
стр. 19
٨ - الوعيد الشديد للمخالفين للحق بعد ما تبين لهم الهدى.
стр. 20
[متى يكون المرء مسلمًا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
متى يكون المرء مسلمًا؟ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله أما بعد: فإن كثيرًا من الناس يدّعون الإسلام بدون عمل وإن دعوى الإسلام بدون عمل لا تغني شيئا وإن لكل دعوى صادقة برهانًا لقوله تعالى في سورة البقرة من الآية (١١١) : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] وإن دعوى الإسلام برهانها على كل من ادّعى أنه مسلم هو القول بالتوحيد والعمل به واتّباع الرسول ﷺ بالقول والعمل والبراءة من الشرك والبراءة من المشركين وإقامة بقية أركان الإسلام بعد ذلك والتي أهمها بعد الشهادتين الصلاة فمن جاء بها مع التوحيد كان مسلمًا ومن لم يقم الصلاة فهو كافر لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) .
стр. 21
ثم يقيم بعد ذلك أركان الإسلام وهي الزكاة والصيام والحج مع الاستطاعة فإن من قال بذلك وفعله يكون مسلمًا بعد العمل به وداخلا في محيط الإسلام الذي رضيه له ربه دينا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] [سورة المائدة: من الآية ٣] ، وقال في سورة آل عمران (آية ٨٥) : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] فمن جاء بدين الإسلام على ما أمر الله به ورسوله فقد ربحت تجارته وثوابه الجنة ومن لم يأت به معرضا عن دين الإسلام فقد خسر الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] [سورة الزمر: من الآية ١٥] .
(أيها القارئ والمستمع الكريم) إن دين الإسلام هو الأمانة التي تحملها الإنسان فيجب عليه أداؤها ويلزم بها كل من له عليه نفوذ سواء كانت الولاية خاصة كحالة الرجل مع أهل بيته من الأولاد وغيرهم أو كانت الولاية عامة حتى يخرج
стр. 22
من مسئولية العقاب ويفوز بالثواب والله المسئول أن يصلح علماء المسلمين وولاة أمورهم ويجمع كلمتهم على الحق ويهديهم صراطه المستقيم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبها الشيخ أحمد بن ناصر بن غنيم رحمه الله تعالى.
[الدعوة إلى الإسلام]
المستشرقون والتنصير
стр. 23
المقدمة عندما شرعت
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] [سورة آل عمران: من الآية ١٩٣] .
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] [سورة آل عمران، آية ٥٣]
الدعوة إلى الإسلام أخي المسلم: إلى الإسلام إلى ظله الظليل وحصنه المنيع وأحكامه العادلة وتشريعاته السمحة، إلى العمل بتعاليم القرآن الكريم، إلى اتباع سنة سيد المرسلين ﷺ فإنهما كفيلان بالسعادة والفلاح والرقي والتقدم والنجاح، إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، إلى الرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.
стр. 25
إلى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بمعرفة معناها والعمل بمقتضاها والقيام بشروطها ولوازمها وأداء حقوقها، إلى محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله من الكفر والفسوق والمعاصي، إلى محبة من أطاع الله وبغض من عصاه إلى الإيمان الصادق والعمل الصالح، إلى طاعة الله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، إلى شكر الله على نعمه عليك، باستخدامها في ما يحبه ويرضاه، إلى المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، إلى أداء زكاة الأموال إلى مستحقيها، إلى حفظ صيام رمضان، إلى حج بيت الله الحرام، إلى الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، إلى بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران وعدم أذيتهم، إلى حفظ الأمانة والبعد عن الخيانة، إلى غض الأبصار وحفظ الفروج، إلى الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عبيده بما تستطيع، إلى حسن الخلق مع الله ومع خلقه، إلى الحياء من الله ومن خلقه، إلى التواضع
стр. 26
لله ولعباده والبعد عن التكبر، إلى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما أصابك، إلى التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، إلى تقوى الله في السر والعلانية وحفظ حدوده، إلى الخوف من عقاب الله والرجاء لرحمته والاستعداد للقائه، إلى ذكر الله كثيرا بلسانك وقلبك قائما وقاعدا وعلى جنبك، إلى انتهاز فرصة الشباب والصحة والحياة قبل زوالها، إلى الاستعداد للموت وسكراته والقبر وضيقه وظلماته ويوم الحشر وعسرته وأهواله ومزعجاته، إلى النجاة من عذاب النار والفوز بالجنة دار النعيم والقرار، إلى المسابقة إلى الخيرات والمنافسة في الأعمال الصالحات، إلى التوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات قبل انقطاع العمل وهجوم الموت ودوام الحسرات قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] [سورة النور: من الآية ٣١] وفقكم الله لذلك بمنه وكرمه. اللهم تب علينا إنك أنت
стр. 27
التواب الرحيم ربنا آتتا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم آمين يا رب العالمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام وصلى الله على محمد والله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 28
[سماحة الإسلام ويسر تعاليمه]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سماحة الإسلام ويسر تعاليمه اختار الله الإسلام دينا وفضله على جميع الأديان وخلق لأجله الخلق وأنزل به كتبه وأرسل به رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وجعله دينا ميسرا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا مشقة لم يوجب على معتنقيه ما لا يستطيعون ولم يكلفهم ما لا يطيقون بل جعل تكاليفه بحسب القدرة وعلى قدر الاستطاعة. كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [سورة البقرة: من الآية ٢٨٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [سورة الحج: من الآية ٧٨] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [سورة البقرة: من الآية ١٨٥] ، فهو الدين المعتبر عند الله من تمسك به نجا ومن سلك طريقه اهتدى ومن عمل به وصل إلى الدرجات العُلَى ولن يقبل الله من أحد
стр. 29
دينا غير الإسلام لا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية ولا شيوعية ولا غيرها من المذاهب الهدامة والنحل المختلفة المنحرفة عن الطريق السوي وسوف يخسر أولئك أنفسهم ويخسرون ما أعد الله لأوليائه المؤمنين من الفوز بالكرامة والنعيم المقيم قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران: من الآية ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران: آية ٨٥] ، وهو الدين الكامل الشامل لكل ما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم الصالح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وبه أتم الله النعمة على عباده ورضيه منهم فلن يسخطه أبدا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] [سورة المائدة: من الآية ٣] ، أباح الله في هذا الدين كل طيب نافع وحرم كل خبيث ضار وأمر بالعدل والإحسان ونهى عن الجور والطغيان فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر فما ترك خيرا إلا هدى إليه ولا شرا إلا حذر
стр. 30
منه وقد سماه الله هدى ودينا حقا وأعلاه على جميع الأديان قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] [سورة التوبة: آية ٣٣] ، (١) وسوف يسأل الإنسان عن هذا الدين في قبره ويوم حشره وعليه يقع الجزاء فيسأل في قبره من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ويقال يوم القيامة ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فليعد العبد لذلك السؤال جوابا صحيحا عن طريق تطبيقه لهذا الدين حتى يثبته الله هناك بالقول الثابت قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] [سورة غافر: من الآية ١٧] ، وقال الشاعر:
الدين رأس المال فاستمسك به ... فضياعه من أعظم الخسران
إذا كان هذا الدين هو الذي خلق له العبد وعنه يسأل وعليه يجازى فالعجب كل العجب ممن يتنكر لهذا الدين
стр. 31
فيعرض عنه لا يعلمه ولا يتعلمه ولا يعمل به بل يبغض الدين وكتب الدين وأهل الدين.
قال الشاعر:
وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل غاو وآثم
وهل ذلك إلا ارتداد على الوراء واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير ومحاربة لله ورسوله وعباده المؤمنين فمن عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة قال تعالى في الحديث القدسي «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» [رواه البخاري] .
ومن نواقض الإسلام المجمع عليها الإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه ولا يعمل به قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] [سورة السجدة: آية ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] [سورة الجن: من الآية ١٧] ، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: آية ٥٠]
стр. 32
إن من أعداء هذا الدين من يروجون باطلهم وإلحادهم باسم التقدم والرقي والترفيه عن النفس ويرمون أهل الدين المتمسكين به بالتأخرِ والجمود والرجعية قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] [سورة الكهف: من الآية ٥] ، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] [سورة التوبة: آية ٣٢] ، فدين الله عال على جميع الأديان وقد كتب له البقاء والخلود إلى يوم القيامة على رغم أنوف الكفرة والمشركين. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] [سورة الحجر: آية ٩] ، وقال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة» رواه مسلم وأصله في الصحيحين، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 33
فإلى الإسلام من جديد. يا من يرجون رحمة الله ويخافون عذابه تعلموا الإسلام وافهموه على حقيقته واعملوا به وحكموه في جميع شئونكم لكي تفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجعلنا جميعا هداة مهتدين وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 34
[الإسلام دين الكمال والشمول]
الإسلام دين الكمال والشمول جاء الإسلام بما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم وفي عباداتهم ومعاملاتهم وفي شتى المجالات ومختلف نواحي الحياة فهو منهج للحياة البشرية بكل مقوماتها وقد اشتمل على المبادئ الراقية والأخلاق والنظم العادلة والأسس الكاملة ولذلك فالعالم البشري مفتقر بأجمعه إلى أن يأوي إلى ظله الظليل ذلك لأنه المبدأ النافع للبشر فيه حل المشكلات الحربية والاقتصادية والسياسية وجميع مشكلات الحياة التي لا تعيش الأمم عيشة سعيدة بدون حلها فعقائده أصح العقائد وأصلحها للقلوب والأرواح ويهدي إلى أحسن الأخلاق فما من خلق فاضل إلا أمر به ولا خلق سيئ إلا نهى عنه لهذا كانت القاعدة الكبرى لهذا الدين رعاية المصالح كلها ودفع المفاسد فهو يساير الحياة وركب الحضارة فيأمر بطلب الأرزاق من جميع طرقها النافعة المباحة من تجارة وصناعة وزراعة وأعمال متنوعة ولم يحرم إلا الأسباب
стр. 35
الضارة التي تحتوي على ظلم وجور وبغي وعدوان وذلك من محاسنه وفيه الأمر بأخذ الحذر من الأعداء وتوقي شرورهم بكل وسيلة وقد حث على الاجتماع والائتلاف الذي هو الركن الأصيل للتعاون والتضامن والتكافل على المصالح ومنافع الدين والدنيا ونهى عن الاختلاف والافتراق قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] [سورة آل عمران: من الآية ١٠٣] ، وفيه الإرشاد إلى جميع طرق العدل والرحمة المتنوعة وفيه الحث على الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق والمعاملات التي بها قوام العباد وفيه الأمر بإقامة العدل على النفس والقريب والبعيد والعدو والصديق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] [سورة النساء: من الآية ١٣٥] ، وفيه الحث على الأخذ على أيدي السفهاء والمجرمين حسب ما يناسب جرائمهم وردعهم بالعقوبات والحدود المانعة والمخففة للجرائم وبذلك حفظ على الناس نفوسهم واحترمها فأوجب القصاص على من قتل مسلما
стр. 36
متعمدا ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [سورة البقرة: آية ١٧٩] ، واحترم أموال الغير فأوجب قطع يد من سرق ثلاثة دراهم فأكثر ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] [سورة المائدة: من الآية ٣٨] ، واحترم الأعراض عن القذف فأوجب ثمانينِ جلدة على من قذف مسلما من غير بينة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] [سورة النور: من الآية ٤] ، واحترم الأنساب وحفظ الفروج فأوجب رجم الزاني المحصن حتى يموت وجلد من لم يحصن مائة جلدة مع تغريبه عاما عن بلده ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢] [سورة النور: من الآية ٢] ، واحترم العقول فحرم الخمر وكل مسكر وسماها أم الخبائث وأوجب الحد في هذه الحدود على الغني والفقير والشريف والوضيع، وقد أوجد الله الثقلين لعبادته الجامعة لمعرفته والتقرب إليه بكل قول وعمل أو منفعة وخلق لهم ما في الكون مسخرا
стр. 37
لجميع مصالحهم وأمرهم أن يستحصلوا هذه النعم بكل وسيلة وأن يستعينوا بها على طاعته فمن الغلط الفاحش بعد هذا أن يعرض المسلمون عن تحكيم هذا الدين الذي هو غاية في الكمال والشمول والخلود والبقاء. . ثم يستمدون نظمهم من النظم الأجنبية والقوانين الوضعية وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة: من الآية ٤٤] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] [سورة المائدة: من الآية ٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] [سورة المائدة: من الآية ٤٧] ، ومن احتج بما يرى من حالة المسلمين اليوم وتأخرهم عن مجاراة الأمم في المخترعات وسائر مرافق الحياة فقد غلط وأخطأ في احتجاجه لأن المسلمين لم يقوموا حق القيام بما دعا إليه هذا الدين ولم يُحَكموه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية واكتفوا بالاسم عن المسمى وباللفظ عن المعنى والواجب أن ينظروا في تعاليم هذا الدين وتوجيهاته وسننه ودعوته لجميع البشر إلى ما فيه خيرهم
стр. 38
المتنوع. وكما أن هذا الدين هو الصلة بين العباد وبين ربهم يتقربون به إليه وبه يغدق عليهم خيرات الدنيا والآخرة فإنه الصلة بين العباد بعضهم بعضا تقوم به حياتهم وتنحل به مشكلاتهم السياسية والاقتصادية والمالية وكل حل بغيره فإن ضرره أكثر من نفعه وشره أعظم من خيره فإن الدين يهدي للتي هي أقوم وبه يتم النشاط الحيوي ويستمد كل واحد من الآخر مادة الدين والحياة، لا كما يزعمه أعداء الإسلام أن الدين مؤخر ومخدر لمواد الحياة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] [سورة الكهف: من الآية ٥] ، فالإسلام هو الدين الكامل الشامل لعموم الخلق وعموم المصالح وكما أن محمدا ﷺ أرسل إلى الناس كافة إنسهم وجنهم فكذلك دينه قد تكفل بإصلاح أحوال الخلق إصلاحا روحيا وماديا وبه تم الكمال وحصل، وضمن لمن قام به الحياة الطيبة من كل وجه (الرياض الناضرة لابن سعدي ص ١٤٣ بتصرف) (١)
стр. 39
والعبادات ليست محصورة في الصلاة والزكاة والصوم والحج بل جميع الأعمال التي يتوسل بها إلى القيام بواجبات النفس والعوائل والمجتمع الإنساني فهي عبادة فالنفقات الخاصة والعامة عبادة والصناعات التي تعين على قيام الدين ودفع المعتدين من أفضل العبادات، والتطورات التي فيها نفع للعباد والتي لا تزال تتجدد في الحياة والمجتمع قد وضع لها هذا الدين قواعد وأسسا يتمكن العارف بالدين وبالواقع من تطبيقها مهما كثرت وعظمت وتغيرت بها الأحوال وهذا من كمال الدين، أما غيره من النظم والأسس فإنها وإن عظمت واستحسنت فإنها لا تبقى زمنا طويلا بل تختلف باختلاف التطورات وكثرة التغيرات لأنها من صنع البشر المخلوقين الناقصين في علمهم وحكمتهم وجميع صفاتهم ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: آية ٥٠] .
стр. 40
[أمثلة من سماحة الإسلام ويسر تعاليمه]
أمثلة من سماحة الإسلام ويسر تعاليمه ا- أنه لا يكلف أحدا فوق طاقته ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] [سورة البقرة: من الآية ٢٨٦] .
٢ - إباحة المسح على الخفين والجوارب بدل غسل الرجلين في الوضوء بشرطه.
٣ - إباحة التيمم بدل الوضوء والغسل للمريض الذي يضره الماء.
٤ - أن الصلوات الخمس شرعت في أوقات مناسبة لا تمنع من عمل ولا تفوت بها مصلحة.
٥ - إباحة قصر الصلاة الرباعية في السفر والجمع بين الصلاتين والفطر في رمضان للمريض والمسافر.
٦ - أن المريض يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنبه.