متعمدا ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [سورة البقرة: آية ١٧٩] ، واحترم أموال الغير فأوجب قطع يد من سرق ثلاثة دراهم فأكثر ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] [سورة المائدة: من الآية ٣٨] ، واحترم الأعراض عن القذف فأوجب ثمانينِ جلدة على من قذف مسلما من غير بينة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] [سورة النور: من الآية ٤] ، واحترم الأنساب وحفظ الفروج فأوجب رجم الزاني المحصن حتى يموت وجلد من لم يحصن مائة جلدة مع تغريبه عاما عن بلده ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢] [سورة النور: من الآية ٢] ، واحترم العقول فحرم الخمر وكل مسكر وسماها أم الخبائث وأوجب الحد في هذه الحدود على الغني والفقير والشريف والوضيع، وقد أوجد الله الثقلين لعبادته الجامعة لمعرفته والتقرب إليه بكل قول وعمل أو منفعة وخلق لهم ما في الكون مسخرا
стр. 37
لجميع مصالحهم وأمرهم أن يستحصلوا هذه النعم بكل وسيلة وأن يستعينوا بها على طاعته فمن الغلط الفاحش بعد هذا أن يعرض المسلمون عن تحكيم هذا الدين الذي هو غاية في الكمال والشمول والخلود والبقاء. . ثم يستمدون نظمهم من النظم الأجنبية والقوانين الوضعية وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة: من الآية ٤٤] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] [سورة المائدة: من الآية ٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] [سورة المائدة: من الآية ٤٧] ، ومن احتج بما يرى من حالة المسلمين اليوم وتأخرهم عن مجاراة الأمم في المخترعات وسائر مرافق الحياة فقد غلط وأخطأ في احتجاجه لأن المسلمين لم يقوموا حق القيام بما دعا إليه هذا الدين ولم يُحَكموه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية واكتفوا بالاسم عن المسمى وباللفظ عن المعنى والواجب أن ينظروا في تعاليم هذا الدين وتوجيهاته وسننه ودعوته لجميع البشر إلى ما فيه خيرهم
стр. 38
المتنوع. وكما أن هذا الدين هو الصلة بين العباد وبين ربهم يتقربون به إليه وبه يغدق عليهم خيرات الدنيا والآخرة فإنه الصلة بين العباد بعضهم بعضا تقوم به حياتهم وتنحل به مشكلاتهم السياسية والاقتصادية والمالية وكل حل بغيره فإن ضرره أكثر من نفعه وشره أعظم من خيره فإن الدين يهدي للتي هي أقوم وبه يتم النشاط الحيوي ويستمد كل واحد من الآخر مادة الدين والحياة، لا كما يزعمه أعداء الإسلام أن الدين مؤخر ومخدر لمواد الحياة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] [سورة الكهف: من الآية ٥] ، فالإسلام هو الدين الكامل الشامل لعموم الخلق وعموم المصالح وكما أن محمدا ﷺ أرسل إلى الناس كافة إنسهم وجنهم فكذلك دينه قد تكفل بإصلاح أحوال الخلق إصلاحا روحيا وماديا وبه تم الكمال وحصل، وضمن لمن قام به الحياة الطيبة من كل وجه (الرياض الناضرة لابن سعدي ص ١٤٣ بتصرف) (١)
стр. 39
والعبادات ليست محصورة في الصلاة والزكاة والصوم والحج بل جميع الأعمال التي يتوسل بها إلى القيام بواجبات النفس والعوائل والمجتمع الإنساني فهي عبادة فالنفقات الخاصة والعامة عبادة والصناعات التي تعين على قيام الدين ودفع المعتدين من أفضل العبادات، والتطورات التي فيها نفع للعباد والتي لا تزال تتجدد في الحياة والمجتمع قد وضع لها هذا الدين قواعد وأسسا يتمكن العارف بالدين وبالواقع من تطبيقها مهما كثرت وعظمت وتغيرت بها الأحوال وهذا من كمال الدين، أما غيره من النظم والأسس فإنها وإن عظمت واستحسنت فإنها لا تبقى زمنا طويلا بل تختلف باختلاف التطورات وكثرة التغيرات لأنها من صنع البشر المخلوقين الناقصين في علمهم وحكمتهم وجميع صفاتهم ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: آية ٥٠] .
стр. 40
[أمثلة من سماحة الإسلام ويسر تعاليمه]
أمثلة من سماحة الإسلام ويسر تعاليمه ا- أنه لا يكلف أحدا فوق طاقته ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] [سورة البقرة: من الآية ٢٨٦] .
٢ - إباحة المسح على الخفين والجوارب بدل غسل الرجلين في الوضوء بشرطه.
٣ - إباحة التيمم بدل الوضوء والغسل للمريض الذي يضره الماء.
٤ - أن الصلوات الخمس شرعت في أوقات مناسبة لا تمنع من عمل ولا تفوت بها مصلحة.
٥ - إباحة قصر الصلاة الرباعية في السفر والجمع بين الصلاتين والفطر في رمضان للمريض والمسافر.
٦ - أن المريض يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنبه.
стр. 41
٧ - أن الزكاة لا تجب إلا على من ملك نصابا وحال عليه الحول ثم هي نسبة قليلة تنفع الفقير ولا تضر الغني.
٨ - أن الصوم لا يجب إلا على المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم.
٩ - أن الحج لا يجب إلا على المستطيع مرة واحدة في العمر.
١٠ - إباحة أكل الميتة للمضطر.
١١ - إباحة البيوع والإجارات والشركات وأنواع المعاملات.
١٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
١٣ - مشروعية إقامة الحدود على المجرمين لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب والعرض والأمن في المجتمع وهذا من محاسن الإسلام.
стр. 42
١٤ - حل الطيبات النافعة، وتحريم الخبائث الضارة، فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 43
[من مقاصد الإسلام]
من مقاصد الإسلام للإسلام أهداف يرمي إليها بتعاليمه السمحاء ويأمر بالعمل من أجلها يتلخص جلها فيما يأتي:
ا- السمو الروحي عن طريق تقوى الله تعالى ومحاسبة النفس حيث يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] [سورة البقرة: آية ٢٨١]
٢ - الاعتصام بحبل الله حيث يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] [سورة آل عمران: من الآية ١٠٣] ، وحبل الله دينه- الإسلام-.
٣ - المساواة التامة بين عموم الأفراد حيث يقول- ﷺ : «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] » [سورة الحجرات: من الآية ١٣] (١) .
стр. 44
٤ - الأخوة الصادقة القائمة على التوادد والتراحم حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] [الحجرات: الآية ١٠] ، ويقول- ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله» [رواه مسلم] .
٥ - التعاون حيث يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] [سورة المائدة: من الآية ٢] ، وحقيقة البر ما تضمنته الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] [سورة البقرة: من الآية ١٧٧] .
٦ - القسط والعدالة العامة حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] [سورة الأعراف: من الآية ٢٩] .
стр. 45
٧ - الإحسان حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] [سورة النحل: من الآية ٩٠] ، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [سورة البقرة: من الآية ١٩٥] ٨- الوحدة الشاملة في كل شيء في الدين واللغة والاتجاه والمقاصد والعادات والأخلاق والثقافة والتعليم والسياسة وكل ما من شأنه أن يجعل الأمة متضامنة متحدة اتحادا وثيقا لا انفصام له.
٩ - التزام الصدق في القول والإخلاص في القول والعمل والوفاء بالعهد والمحافظة على المواعيد والصبر على الشدائد والبر بالآباء وتوقير الكبير والعطف على الصغير مع التواضع والحلم والعناية باليتيم والفقير والمسكين.
١٠ - الامتناع عن الغيبة والنميمة والحسد والخيانة والكذب والتجسس والغش في المعاملة والتطفيف في الميزان وغير ذلك من كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء كالسكر
стр. 46
والمعاملة بالربا.
١١ - الإسلام يدعو إلى كل الفضائل والمكرمات ويأمر بالعمل لتحصيل منافع الدنيا وكسب الرزق بشتى أنواع العمل المشروع كالتجارة والزراعة والصناعة والأخذ بأسباب القوة وإعداد العدة وما يكون موجبَاَ للعزة وإقرار السلام، ويحض الناس على النظافة والزينة وجميع الطيبات ويدعوهم إلى البحث والتفكير في أسرار الكائنات وطبائع المخلوقات ويوجب تعميم التعليم للعلم النافع كعلم الأصول والعقائد والتفسير والحديث والفقه واللغة. والإسلام لا ينهى إلا عن كل ما فيه ضرر بالعقل أو الجسم أو كان مناقضا لما يرضي الله كما أنه ينهى عن الاعتداء على حقوق الغير أو الإساءة إليهم ويربأ بمعتنقيه عن كل أمر فيه دناءة أو مساس بالشرف أو مدعاة للانحطاط والمنافاة للأدب وعزة النفس وعلو الهمة.
هذا بعض ما يدعو إليه الإسلام من الفضائل والمبادئ
стр. 47
فإليها ندعو جميع الأمم كما دعاهم الله إليها وبعث رسوله- ﷺ داعيا إلى ذلك ومبشرا للمطيع بالجنة ومنذرا للعاصي بالنار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] [سورة الأحزاب: الآيتان ٤٥، ٤٦] (١) .
стр. 48
[من محاسن الإسلام]
[مدنية أوربا الحديثة لم تكن إلا بتعاليم الإسلام والأخذ بقواعده ومبانيه]
١ - من محاسن الإسلام لا شك أن الدين الإسلامي دين سماوي لم يكن لأمة من الأمم مثله ولا نزل على نبي من الأنبياء نظيره إذ هو دين عام مبين لأحوال المجتمع الإسلامي بل البشرية عامة وبه كمل نظام العالم فهو جامع شامل للمصالح الاجتماعية والأخلاقية. فإنه بين الأحوال الشخصية التي بين العبد وبين ربه من صلاة وزكاة وصوم وحج. وشرع نظافة البدن - فأمر بغسل الجنابة والجمعة والعيدين- أو بعضا منه كالوضوء عند كل فريضة من الفرائض الخمس. وشرع أمور الفطرة من ختان وقص شارب وتقليم أظفار ونتف إبط والسواك وحلق العانة. كما أرشدنا الإسلام إلى تجميل الثياب وأن تكون على أحسن هيئة وأكملها. كما سن ذلك في الجمعة والعيدين، وهذب الأخلاق فأمر بالصدق في المعاملات والوفاء بالعقود والعهود والمواعيد، وأوجب ترك الذنوب من زنى وخمر وغيبة وقذف وسعاية وشهادة زور
стр. 49
وانحراف في الأحكام وتحريم لما أباح الله. وحرم تغيير الأحكام عن وجهها وما أريد بها إلى غير ذلك. وبالجملة فإن الدين الإسلامي جامع روابط الأمة الإسلامية بل هو حياتها تدوم بدوامه وتنعدم إذا انعدم وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة ومن خصائصها، حيث لم يكن لأمة من الأم قبلنا مثله فلو أن المسلمين تمسكوا بأحكام الإسلام وتعاليم دينهم كما كان آباؤهم الأماجد لكانوا أرقى الأمم وأسعد الناس ولكن لما انحرفوا وحرفوا تعاليم دينهم تنكبوا عن الصراط المستقيم. وقد جعل الإسلام للفقراء حظا في مال الأغنياء بالزكوات والكفارات لطفا بهم وإحسانا إليهم ورحمة بالأغنياء وتكرمة لهم وتحصينا لأموالهم، وشرع الإسلام الحج ليشهدوا منافع لهم فتتوافد إليه سائر الأمم الإسلامية ليحصل اجتماع عام لسائر الأمم التي تدين به لينتفع بعضهم من بعض من علومهم وأحوالهم ويحصل بذلك التعارف والتعاون والتآخي ولما في ذلك من إعانة أهل الحرمين الشريفين ليكونا مركزين عظيمين للإسلام وهذا
стр. 50
بعض من مقاصد الحج. كما قد شرع الإسلام اجتماعات أخرى أصغر وأيسر في الجمع والأعياد. وبين أحكام المعاملات من بيع وربا ورهن وقرض وإجارة وشركات ووكالات وحوالة وعارية وغيرها من المعاملات المالية التي تقتضيها القاعدة التي عليها مبنى علم الاجتماع البشري. وبين الإسلام كيف تقام البيوت وتؤسس العائلات فندب إلى الزواج وحث عليه ورغب فيه، وبين العقود التي تعتبر زواجا ووضح شروطها من رضا وولي وشهود وغيرها وما خالف ذلك فهو سفاح أو قريب منه وأمر بسدل الحجاب للنساء صيانة للنسل وإبعادا للمظنة وراحة لكل ضمير، وبين أحكام الجنايات كالقصاص في النفس والطرف وما يشترط لذلك. كما بين ما يلزم لحفظ المجتمع العام من نصب إمام وشروط استحقاقه للإمامة وما يجب له من الطاعة وما يجب عليه من المشورة والعمل بالشريعة وإقامة العدل بين أصناف الرعية، ثم إن الإسلام قسم السلطة فجعلها خططا منها القضاء فحدد للقاضي خطته من فصل
стр. 51
الخصومات والنظر في أموال غير الرشيد والحجر على من يستوجبه إلى غير ذلك، وبين خطة الشاهد كيف تَحَمّلُ الشهادة وأداؤها وممن تقبل وعلى من ترد وأمر بإثباتها وعدم كتمانها. كما بين خطة المحتسب ثم بقية الخطط. وبين حكم من خرج عن طاعة الإمام بأن يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله، وبين كيف تعامل الأمم الأجنبية فيما إذا وقع حرب معها، وفي حالة مسالمتها، وأمر بتحسين الجوار، وإقامة الحدود على من أخاف السبيل وخالف ما أمرت به الشريعة، وبالجملة فقد استقصى هذا الدين الإسلامي العظيم جميع الشئون الاجتماعية وبينها أحسن بيان مما يعجز عن مثله عقلاء البشر حتى دخل مع الرجل في بيته وحكم بينه وبين امرأته وبين ما له عليها من الحقوق وما لها عليه من مثل ذلك وبين حكم ما عسى أن يقع بينهما من خلاف في المستقبل. كما حكم الإسلام بين الرجل وبين ولده وبينه وبين نفسه في حياته وبعد وفاته كأوقافه ووصاياه وما يصح منها وما لا يصح. وقسم مواريثه وبين أحكام
стр. 52
تغسيله وتكفينه ودفنه كل هذا لأجل أن تنتظم الحياة انتظاما كاملا ويعيش المسلم عيشة هنيئة منتظمة ليتمكن معها لإعداد الزاد ليوم المعاد والتأهب لما بعد الموت، فالدين الإسلامي نظام عام للمجتمع البشري الإسلامي فإنه تام الأحكام ثابت المباني. دين سماوي لم يدع شاذة ولا فاذة إلا بينها أحسن بيان، ووضحها أتم إيضاح. وما دخلت الأم الكثيرة في الإسلام أفواجا أفواجا واتسعت دائرة الإسلام فانتشرت الأمة الإسلامية مادة جناحيها من نهر الفاتح في الهند شرقا إلى أفريقيا ثم إلى أواسط أوربا في زمن قليل إلا باحترام الحقوق والعمل بقواعد الإسلام والتسوية بين طبقات المسلمين ملكهم وصعلوكهم وصغيرهم وكبيرهم فيه على السواء، فالأمة الإسلامية لا حياة لها ولا استقامة بدون التمسك بدينها والعمل بأوامره ونواهيه فهي دائمة بدوام دينها مضمحلة باضمحلاله ساقطة إذا أهملت تعاليم دينها القويم كما قال بعض أعداء المسلمين. فقد كانت الأمم تقتبس من قواعده وأصوله وتختاره على كثير من قوانينها
стр. 53
الوضعية فأنصف الإسلامَ كثير من عقلائهم واعترفوا بأن مدنية أوربا الحديثة لم تكن إلا بتعاليم الإسلام والأخذ بقواعده ومبانيه- قال بعض حكماء أوربا ممن أنصف بأن نشأة مدنيتها الحديثة إنما كانت رشاشا من نور الإسلام فاض عليها من الأندلس ومن صفحات الكتب التي أخذوها في حروبهم مع المسلمين في الغرب والشرق. وفق الله المسلمين للتمسك بدينهم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم (١) .
стр. 54
[حفظ الدين]
٢ - من محاسن الإسلام الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الدين الإسلامي كله محاسن ومصالح فهو دين اليسر والسماحة والسهولة، دين العدالة والمساواة، دين الألفة والمحبة والإخاء، دين العلم والعمل، دين يهدي للتي هي أقوم، دين الكمال والشمول، دين الوفاء والصدق والأمانة، دين العزة والقوة والمنعة.
دين أساسه التوحيد، وروحه الإخلاص، وشعاره التسامح والإخاء.
ومن محاسن الإسلام: ما شرعه من إقامة الحدود على المجرمين التي فيها زجر الناس عن الجراءة على المعاصي التي نهى الله تعالى عنها، وبذلك حفظ الإسلام الدين والنفس والعقل والمال والنسب والعرض، وإليك التفصيل.
١ - حفظ الدين: ولذا حرم الإسلام الردة، وهي الكفر
стр. 55
بعد الإسلام، بأن يتكلم بكلمة الكفر أو يعتقدها، أو يشك شكّا يخرجه عن الإسلام، أو يشرك بالله في القول أو الاعتقاد أو العمل، كدعوة غير الله أو الذبح لغيره أو التوكل على غيره في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله وحده، أو يستحل ما حرم الله أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يترك الصلاة ونحو ذلك من أنواع الردة، وهي تحبط الأعمال، ولحفظ الدين وجب قتل المرتد عن الإسلام لأنه يعتبر جرثومةً ضارة وعضوا أشل في المجتمع، قال- ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري وغيره، وذلك ليحفظ على الناس دينهم فيفوزوا بالسعادة الأبدية، وفي ذلك ردع بالغ عن تبديل الدين وإضاعته.
[حفظ النفوس]
٢ - حفظ النفوس: ولذا حرم الله القتل وسفك الدماء، أعني دماء المسلمين وأهل الذمة المعاهدين، وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد، قال الله تعالى:
стр. 56
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] [سورة النساء آية: ٩٣] لذا فالقتل كبيرة من كبائر الذنوب، وهو أحد السبع المهلكات، قال ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» (١) وذكر منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق- وهي نفس المسلم المعصوم- والحق الذي يبيح قتلها هو القصاص " النفس بالنفس "، والزنا بعد الإحصان - الزواج-، والكفر بعد الإسلام (٢) .
وقال ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» متفق عليه. وقال: «من قتل معاهد لم يرح رائحة الجنة» رواه البخاري، فإذا كان هذا في قتل المعاهد، وهو الذي أعطي عهدا من اليهود والنصارى، فكيف بقتل المسلم، ولحفظ النفوس واحترامها
стр. 57
وجب قتل القاتل عمدا ليأمن الناس على أنفسهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] [سورة البقرة: من الآية ١٧٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [سورة البقرة: آية ١٧٩] ، أي تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل لا يكاد يقدم على القتل، وإذا رؤي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل، ومن الأمثال العربية (القتل أنفى للقتل) ، وهكذا سائر الحدود الشرعية فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الخبير بمصالح خلقه.
[حفظ العقول]
٣ - حفظ العقول: ولذا حرم الله كل مسكر وكل مخدر ومفتر كالخمر والحشيش والأفيون والقات والدخان: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] [سورة المائدة: آية ٩٠]
стр. 58
والخمر ما خامر العقل: أي غطاه بالإسكار سواء كان رطبا أو يابسا مأكولا أو مشروبا، وهي أم الخبائث، الإثم وجماع الإثم ومفتاح كل شر فمن لم يجتنبها فقد عصى الله ورسوله واستحق العذاب بمعصية الله ورسوله، وسميت أم الخبائث- لأن شاربها إذا سكر فعل كل جريمة وهو لا يشعر، وحرم الله الخمر لما اشتملت عليه من المفاسد وتحطيم الشخصية وإطفاء جوهرة العقل فالخمر تذهب المال وتذهب العقل ولو لم يكن فيها من المخازي إلا ذهاب المال ونقص الدين وتشويه السمعة وسقوط العدالة لكفى العاقل أن يجتنبها، فكيف وإنها أم الخبائث والرذائل؟ ولحفظ العقل وجب جلد شارب الخمر ثمانين جلدة ليرتدع الناس عن هذه الجريمة فتبقى عقولهم سليمة ليعقلوا بها عن الله أمره ونهيه فيفوزوا بالسعادة ويسلموا من الشقاوة.
[حفظ الإسلام المال]
٤ - حفظ الإسلام المال: فحرم السرقة وهي أخذ مال الغير المحترم خفية بغير رضاه وهي من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة وهي قطع اليد حفظا للأموال
стр. 59
واحتياطا لها فيرتدع السراق إذا علموا أنهم سيقطعون إذا سرقوا فيأمن الناس على أموالهم قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] [سورة المائدة: آية ٣٨] .
[حفظ الإسلام الأنساب]
٥ - حفظ الإسلام الأنساب: فحرم الله الزنى ووسائله من النظر المحرم والكلام المحرم والسماع المحرم لما في الزنى من انتشار الأمراض وانتهاك الأعراض واختلاط الأنساب فينسب الولد إلى غير أبيه ويرث من غير أقاربه فيحصل بذلك من الظلم والمفاسد ما الله به عليم ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] [سورة الإسراء: آية ٣٢] ، والنهي عن قربانه أبلغ من مجرد النهي عنه أي لا تحوموا حوله ولا تعملوا الوسائل الموصلة إليه (١) ولحفظ الأنساب وجب جلد الزاني البكر مائة جلدة مع تغريبه عن بلده الذي واقع فيه الجريمة لمدة لسنة قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] [سورة النور آية ٢] .
стр. 60
أي لا ترحموهما في إقامة الحد الذي شرعه وليحضر الجلد جماعة من الناس ليشتهر ولينزجر الناس ويرتدعوا عن الزنى. كما يجب رجم الزاني المحصن (المتزوج) ، بالحجارة حتى يموت بالآية المنسوخ لفظها الباقي حكمها وبالسنة الصحيحة، والجلد والرجم بعد ثبوت الزنى شهداء أو بإقراره على نفسه أربعة مرات أو بظهور الحق الزنى في المرأة.
[حفظ الإسلام الأعراض من الوقيعة فيها]
٦ - حفظ الإسلام الأعراض من الوقيعة فيها: ولذا حرم الله قذف الأبرياء بالزنى وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤] [سورة النور: الآيتان ٢٣، ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥] [سورة النور: الآيتان ٤، ٥] .
стр. 61
بين الله تعالى في هذه الآيات أن من قذف امرأة محصنة حرة عفيفة عن الزنى والفاحشة- أنه- ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم وعليه الحد في الدنيا ثمانون جلدة وتسقط شهادته وأنه فاسق ساقط العدالة وفي الصحيحين أن رسول الله- ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات- وذكر منها- قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» والقذف هو الرمي بالزنى بأن يقول لامرأة مسلمة حرة عفيفة يا زانية أو يا قحبة أو يقول لزوجها: يا زوج القحبة أو يقول لولدها يا ولد الزانية، أو يا ابن القحبة أو يقول لبنتها: يا بنت الزانية أو يا بنت القحبة. فإن القحبة عبارة عن الزانية، فإذا قال ذلك أحد من رجل أو امرأة لرجل أو لامرأة وجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا أن يقيم على ذلك بينة، والبينة ما قال الله تعالى أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة أو ذلك الرجل، فإذا لم يقم بينة جلد إذا طالبته بذلك التي قذفها أو طالبه بذلك الذي قذفه، وكثير من الجهال واقعون
стр. 62
في هذا الكلام الفاحش الذي عليهم فيه العقوبة في الدنيا والآخرة ولذا قال- ﷺ : «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١) .
وبإقامة هذه الحدود المتقدمة يأمن الناس على دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم وأعراضهم فيرتدع الناس عن هذه الجرائم ويفوزوا بالسعادة في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي غيرت أحكام الله وحدوده وبدلتها بقوانين من وضع البشر الناقصين من كل وجه حيث جعلت جزْاء المجرمين المعتدين على الناس بانتهاك حرماتهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم السجن أو الغرامات المالية فقط، فكانت النتيجة انتشار الجرائم والفوضى وانتهاك الحرمات والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض من غير مبالاة ولا حياء ولا وازع ولا رادع، فصار الناس في تلك الدول المعطلة لحدود الله لا يأمنون على
стр. 63
أنفسهم وأموالهم ونسائهم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة: من الآية ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: آية ٥٠] ، فما جاءت به الشريعة الإسلامية من الحدود وتنوعها بحسب الجرائم من محاسن الإسلام لأن الجرائم والتعدي على حقوق الله وحقوق عباده من أعظم الظلم الذي يخل بالنظام ويختل به الدين والدنيا فوضع الإسلام للجرائم حدودا تردع عن مواقعتها وتخفف من وطأتها من القتل والقطع والجلد وأنواع التعزيرات وكلها فيها من المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يعرف به العاقل حسن الشريعة وبالله التوفيق.
* * *
стр. 64
[تحية الإسلام الخالدة]
تحية الإسلام الخالدة السلام تحية المسلمين وأتم هذه التحية وأكملها (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فهو دعاء للمسلّم عليه بالسلامة والرحمة والبركة.
والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، والسلام من محاسن الإسلام ومن حق المسلم على أخيه المسلم، وابتداؤه سنة عند اللقاء على من عرفت ومن لم تعرف من صغير وكبير وغني وفقير وشريف ووضيع وهو يتضمن تواضع المسلم وأنه لا يتكبر على أحد، «فمن بدأ الناس بالسلام فقد برئ من الكبر» (١) «وأولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» (٢) «وأبخل الناس الذي يبخل بالسلام» (٣) وإفشاء السلام من أسباب المحبة والألفة بين المسلمين الموجبة للإيمان
стр. 65
الذي يوجب دخول الجنة والنجاة من النار، كما قال النبي ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (١) وعلى المسلَّم عليه رد السلام بمثله أو بأحسن منه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] [سورة النساء: من الآية ٨٦] ، هذه تحية المسلمين التي جاء بها الإسلام. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ [النور: ٦١] [سورة النور: من الآية ٦١] ، بخلاف تحية اليهود والنصارى، فتحية اليهود الإشارة بالأصابع وتحية النصارى الإشارة بالأكف وقد نهينا عن تقليدهم ومشابهتهم وأن نبدأهم بالسلام قال- ﷺ : «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف» (٢) وقال: «لا تبدءوا اليهود ولا
стр. 66
النصارى بالسلام» (١) وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢) والله تعالى هو السلام ومنه السلام. . وتحية المسلمين في الدنيا والآخرة هي السلام ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] [سورة الأحزاب: من الآية ٤٤] ، ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا - إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] [سورة الواقعة: الآيتان ٢٥، ٢٦] ، يسلم عليهم الرب الكريم وتسلم عليهم الملائكة ويسلم بعضهم على بعض وقد سلموا من كل آفة ونقص وقال الشاعر:
فالدار دار سلامة ... وخطابهم فيها سلام
واسم لذي الغفران
يا أخي المسلم إذا كان هذا شأن الإسلام دين المحبة والسلام دين الألفة والإخاء والعاقبة الحميدة والراحة التامة والكرامة الدائمة والخلود في النعيم فما أجدرنا نحن
стр. 67
المسلمين بتطبيق تعاليمه والعمل بأحكامه والسير على منهاجه، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام وسلمنا، من كل مكروه.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 68
[عقيدة المسلم]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عقيدة المسلم عقيدة المسلم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وهو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان وهو يحمل من اتصف به على فعل الجميل وترك القبيح، والجميل ما أمر الله به ورسوله والقبيح ما نهى الله عنه ورسوله، فكل طاعة لله فهي من شعب الإيمان. وأصوله ستة: (١) الإيمان بالله تعالى بأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وعلمه المحيط بكل شيء وقدرته على كل شيء، والإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأنه
стр. 69
تعالى يرانا ويسمعنا ويعلم سرنا وعلانيتنا قال تعالى في سورة الحديد من الآية (٤) : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] لا إله غيره ولا رب سواه. والإيمان به تعالى يستلزم محبته وخوفه ورجاءه وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
(٢) الإيمان بملائكته الكرام البررة عموما، وخصوصا (جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت) ومع كل إنسان أربعة ملائكة لا يفارقونه اثنان يكتبان الحسنات والسيئات واثنان يحرسانه من الآفات. وملائكة موكلون بإعداد الجنة لأهلها. وملائكة موكلون بإيقاد النار وتعذيب أهلها، قال تعالى في سورة التحريم من الآية (٦) : ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وليس في السماوات السبع موضع قدم ولا كف ولا شبر إلا وفيه ملك قائم أو ملك راكع أو ملك ساجد لله تعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] [سورة الأنبياء: آية ٢٠] .
(٣) الإيمان بكتب الله المنزلة على الأنبياء والمرسلين
стр. 70
كالتوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود والقرآن على محمد ﷺ ، وهو أفضل الكتب السماوية والمهيمن عليها وناسخها وفيه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] [سورة فصلت: آية ٤٢] ، ومن لازم الإيمان به تلاوته وتدبره والعمل به فما آمن بالقرآن من استحل محارمه.
(٤) الإيمان بأنبياء الله وعددهم (١٢٤٠٠٠) والرسل منهم (٣١٣) وأولو العزم منهم (٥) هم: (نوح، وإبراهيم الخليل، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم) (١) وأول الرسل نوح وآخرهم محمد ﷺ ومن لازم الإيمان به محبته وتصديقه وامتثال أمره
стр. 71
واجتناب نهيه وتحكيم شرعه والعمل بسنته قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي حديث صحيح.
(٥) الإيمان بالقدر خيره وشره وأن الله تعالى علم أعمال عباده ومقادير خلقه قبل أن يخلقهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وشاءها منهم وخلقها وأوجدها في أوقاتها المحددة بلا تقدم ولا تأخر فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه رفعت الأقلام وجفت الصحف ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] [سورة الأنعام: آية ١١٥] .
(٦) الإيمان باليوم الآخر ويدخل فيه الإيمان بأشراط الساعة: كخروج الدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ﵇ ثم الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وكونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ثم الإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب والثواب والعقاب والحوض والميزان
стр. 72
والصراط والجنة والنار وذبح الموت بينهما ثم الخلود الدائم في نعيم أو عذاب، فيقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت فاختر لنفسك أي المنزلتين ما دمت على قيد الحياة.
اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم أنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
اللهم وفق مجتمعنا لأداء فرائضك واحفظهم من موجبات غضبك وأليم عقابك.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
* * *
стр. 73
[حق المسلم على المسلم]
حق المسلم على المسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه» رواه مسلم.
هذه الحقوق الستة من قام بها في حق المسلمين كان قيامه بغيرها أولى وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله تعالى.
ا- الأولى: إذا لقيته فسلم عليه فإن السلام سبب للمحبة التي توجب الإيمان بالله الذي يوجب دخول الجنة كما قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام
стр. 74
بينكم» رواه مسلم.
والسلام من محاسن الإسلام فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من الآفات والشرور وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة ويزيل الوحشة والتقاطع فالسلام حق للمسلم على المسلم وعلى المسلَّم عليه رد التحية بمثلها أو أحسن منها وخير الناس وأولاهم بالله من بدأهم بالسلام.
٢ - وإذا دعاك فأجبه أي دعاك لدعوة طعام أو شراب فاجبر خاطر أخيك الذي أكرمك بالدعوة وأجبه لذلك إلا أن يكون لك عذر شرعي، قال النبي ﷺ : «من دعاكم فأجيبوه» رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
٣ - وإذا استنصحك فانصح له أي إذا استشارك في عمل من الأعمال هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحب لنفسك فإن كان العمل نافعا من كل وجه فحثه على فعله وإن كان مضرا فحذره منه وإن احتوى على نفع وضر فاشرح له ذلك
стр. 75
ووازن بين المنافع والمضار والمصالح والمفاسد وكذلك إذا شاورك في معاملة أحد من الناس أو التزوج منه أو تزويجه فأظهر له محض نصحك واعمل له من الرأي ما تعمله لنفسك وإياك أن تغشه في شيء من ذلك فمن غش المسلمين فليس منهم وقد ترك واجب النصيحة، وهذه النصيحة واجبة على كل حال ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع ولهذا قيده بهذه الحالة التي تتأكد وفي الحديث: «الدين النصيحة» قالها ثلاثا رواه مسلم.
٤ - الرابعة: إذا عطس فحمد الله فشمته وذلك أن العطاس نعمة من الله بخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان يسر الله لها منفذا تخرج منه فيستريح العاطس فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة وشرع لأخيه المسلم أن يقول له (يرحمك الله) وأمره أن يجيبه بقوله (يهديكم الله ويصلح بالكم) فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت ولا يلومَنّ إلا نفسه فهو الذي فوت على نفسه النعمتين نعمة الحمد لله ونعمة دعاء أخيه المرتب على الحمد وسمي