واجتناب نهيه وتحكيم شرعه والعمل بسنته قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي حديث صحيح.
(٥) الإيمان بالقدر خيره وشره وأن الله تعالى علم أعمال عباده ومقادير خلقه قبل أن يخلقهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وشاءها منهم وخلقها وأوجدها في أوقاتها المحددة بلا تقدم ولا تأخر فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه رفعت الأقلام وجفت الصحف ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] [سورة الأنعام: آية ١١٥] .
(٦) الإيمان باليوم الآخر ويدخل فيه الإيمان بأشراط الساعة: كخروج الدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ﵇ ثم الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وكونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ثم الإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب والثواب والعقاب والحوض والميزان
стр. 72
والصراط والجنة والنار وذبح الموت بينهما ثم الخلود الدائم في نعيم أو عذاب، فيقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت فاختر لنفسك أي المنزلتين ما دمت على قيد الحياة.
اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم أنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
اللهم وفق مجتمعنا لأداء فرائضك واحفظهم من موجبات غضبك وأليم عقابك.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
* * *
стр. 73
[حق المسلم على المسلم]
حق المسلم على المسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه» رواه مسلم.
هذه الحقوق الستة من قام بها في حق المسلمين كان قيامه بغيرها أولى وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله تعالى.
ا- الأولى: إذا لقيته فسلم عليه فإن السلام سبب للمحبة التي توجب الإيمان بالله الذي يوجب دخول الجنة كما قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام
стр. 74
بينكم» رواه مسلم.
والسلام من محاسن الإسلام فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من الآفات والشرور وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة ويزيل الوحشة والتقاطع فالسلام حق للمسلم على المسلم وعلى المسلَّم عليه رد التحية بمثلها أو أحسن منها وخير الناس وأولاهم بالله من بدأهم بالسلام.
٢ - وإذا دعاك فأجبه أي دعاك لدعوة طعام أو شراب فاجبر خاطر أخيك الذي أكرمك بالدعوة وأجبه لذلك إلا أن يكون لك عذر شرعي، قال النبي ﷺ : «من دعاكم فأجيبوه» رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
٣ - وإذا استنصحك فانصح له أي إذا استشارك في عمل من الأعمال هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحب لنفسك فإن كان العمل نافعا من كل وجه فحثه على فعله وإن كان مضرا فحذره منه وإن احتوى على نفع وضر فاشرح له ذلك
стр. 75
ووازن بين المنافع والمضار والمصالح والمفاسد وكذلك إذا شاورك في معاملة أحد من الناس أو التزوج منه أو تزويجه فأظهر له محض نصحك واعمل له من الرأي ما تعمله لنفسك وإياك أن تغشه في شيء من ذلك فمن غش المسلمين فليس منهم وقد ترك واجب النصيحة، وهذه النصيحة واجبة على كل حال ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع ولهذا قيده بهذه الحالة التي تتأكد وفي الحديث: «الدين النصيحة» قالها ثلاثا رواه مسلم.
٤ - الرابعة: إذا عطس فحمد الله فشمته وذلك أن العطاس نعمة من الله بخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان يسر الله لها منفذا تخرج منه فيستريح العاطس فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة وشرع لأخيه المسلم أن يقول له (يرحمك الله) وأمره أن يجيبه بقوله (يهديكم الله ويصلح بالكم) فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت ولا يلومَنّ إلا نفسه فهو الذي فوت على نفسه النعمتين نعمة الحمد لله ونعمة دعاء أخيه المرتب على الحمد وسمي
стр. 76
الدعاء للعاطس بالرحمة تشميتا لأنه دعاء له بما يزيل عنه شماتة الأعداء وهي فرحهم بما يصيبه- وبالسين المهملة يكون دعاء له بحسن السمت وهو السداد والاستقامة.
٥ - الخامسة: قوله إذا مرض فعده فإن عيادة المريض وزيارته من حقوق المسلم وخصوصا من له حق عليك متأكد كالقريب والجار والنسيب والصاحب وهي من أفضل الأعمال الصالحة ومن عاد أخاه المسلم لم يزل يخوض في الرحمة فإذا جلس عنده غمرته الرحمة ومن عاده في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي ومن عاده آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح كما في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود. وينبغي للعائد أن يشرح خاطر المريض بالبشارة بالعافية والدعاء له بالشفاء ويذكره التوبة والإنابة إلى الله والإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار ويأمره بالوصية النافعة ولا يطيل عنده الجلوس بل بقدر العيادة إلا أن يؤثر المريض كثرة تردده وجلوسه عنده فلكل مقام مقال.
٦ - السادسة: من حق المسلم على المسلم اتباع جنازته
стр. 77
إذا مات فإن من اتبع الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراط من الأجر فإن تبعها حتى تدفن فله قيراطان كل قيراط مثل الجبل العظيم واتباع الجنازة فيه حق لله وحق للميت وحق لأقاربه الأحياء هـ (من بهجة قلوب الأبرار لابن سعدي ببعض تصرف) .
ما يستفاد من هذا الحديث: ا- الإرشاد إلى حق المسلم على أخيه المسلم حيث ربط بينهما الإسلام.
٢ - استحباب إفشاء السلام وإجابة الدعوة والنصح للمسلم وتشميت العاطس وعيادة المريض واتباع الجنازة.
٣ - فضل هذه الأشياء والحث عليها.
стр. 78
[من مزايا الدين الإسلامي]
من مزايا الدين الإسلامي قال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي:
(يعجبني أن يكتب بماء الذهب وفي سويداء القلوب) :
ما قاله عبد الفتاح الإمام في كتابه
(التفسير العصري القديم) - ما يلي:
* * *
стр. 79
١ - لا يوجد دين من الأديان يؤاخي العقل والعلم في كل ميدان إلا الإسلام.
٢ - ولا يوجد دين روحي مادي إلا الإسلام.
٣ - ولا يوجد دين يدعو إلى الحضارة والعمران إلا الإسلام.
٤ - ولا يوجد دين شهد له فلاسفة العالم المتحضر إلا الإسلام.
٥ - ولا يوجد دين يسهل إثباته بالتجربة إلا الإسلام.
٦ - ولا يوجد دين من أصوله الإيمان بجميع الرسل والأنبياء والكتب الإلهية إلا الإسلام.
٧ - ولا يوجد دين جامع لجميع ما يحتاجه البشر إلا الإسلام.
٨ - ولا يوجد دين فيه من المرونة واليسر الشيء الكثير إلا الإسلام.
٩ - ولا يوجد دين تشهد له الاكتشافات العلمية إلا الإسلام.
стр. 80
١٠ - ولا يوجد دين صالح لكل الأم والأزمان إلا الإسلام.
١١ - ولا يوجد دين يسهل العمل به في كل حال إلا الإسلام.
١٢ - ولا يوجد دين لا إفراط فيه ولا تفريط إلا الإسلام.
١٣ - ولا يوجد دين حفظ كتابه المقدس إلا الإسلام.
١٤ - ولا يوجد دين صرح كتابه المنزل بأنه عام لكل الناس إلا الإسلام.
١٥ - ولا يوجد دين يأمر بجميع العلوم النافعة إلا الإسلام.
١٦ - الحضارة الحاضرة قبس من الإسلام.
١٧ - هذه الحضارة مريضة ولا علاج لها إلا الإسلام.
١٨ - ما شهد التاريخ حضارة جمعت بين الروح والمادة إلا حضارة الإسلام.
стр. 81
١٩ - السلام العالمي لا يتم إلا بالإسلام.
٢٠ - لا يوجد دين يسهل إثباته بالتحليل العلمي إلا الإسلام.
٢١ - لا يوجد دين وحد قانون المعاملات بين البشر إلا الإسلام.
٢٢ - لا يوجد دين أزال امتياز الطبقات إلا الإسلام.
٢٣ - لا يوجد دين حقق العدالة الاجتماعية إلا الإسلام.
٢٤ - لا يوجد دين لا يشذ عن الفطرة في شيء إلا الإسلام.
٢٥ - لا يوجد دين منع استبداد الحكام وأمر بالشورى إلا الإسلام.
٢٦ - لا يوجد دين أمر بالعدالة مع الأعداء إلا الإسلام.
٢٧ - لا يوجد دين بشرت به الكتب السماوية إلا الإسلام.
стр. 82
٢٨ - لا يوجد دين أنقذ المرأة في أدوارها: أما وزوجة وبنتا إلا الإسلام.
٢٩ - لا يوجد دين ساوى بين الأبيض والأسود والأصفر والأحمر إلا الإسلام.
٣٥ - لا يوجد دين أمر بالتعليم وحرّم كتمان العلم النافع إلا الإسلام.
٣١ - لا يوجد دين قرر الحقوق الدولية إلا الإسلام.
٣٢ - لا يوجد دين توافق أوامره ما اكتشفه الطب الحديث إلا الإسلام.
٣٣ - لا يوجد دين أنقذ الرقيق من المعاملات الوحشية وأمر بمساواته لسادته وحض على إعتاقه إلا الإسلام.
٣٤ - لا يوجد دين قرر سيادة العقل والخضوع لحكمه إلا الإسلام.
٣٥ - لا يوجد دين ينقذ الفقّراء والأغنياء بفرض جزء من مال الأغنياء يعطى للفقراء إلا الإسلام.
стр. 83
٣٦ - لا يوجد دين قرر من الأخلاق مقتضى الفطرة والحكمة الإلهية، فللشدة موقف وللرحمة موقف إلا الإسلام.
٣٧ - لا يوجد دين أمر بالإحسان والرفق بجميع الخلق إلا الإسلام.
٣٨ - لا يوجد دين قرر أصول الحقوق المدنية على قواعد فطرية إلا الإسلام.
٣٩ - لا يوجد دين اعتنى بصحة الإنسان وثروته إلا الإسلام.
٤٠ - لا يوجد دين أثر في النفوس والأخلاق والعقول كالإسلام (١) .
стр. 84
[الإسلام مستقل كامل في عباداته ومعاملاته ونظمه كلها]
الإسلام مستقل كامل في عباداته ومعاملاته ونظمه كلها قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] [سورة المائدة: من الآية ٣] ، وهذا يشمل الكمال من كل وجه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] [سورة الإسراء: من الآية ٩] ، أي أكمل وأتم وأصلح: من العقائد والأخلاق والأعمال والعبادات والمعاملات والأحكام الشخصية، والأحكام العمومية قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: من الآية ٥٠] ، وهذا يشمل جميع ما حكم به، وأنه أحسن الأحكام وأكملها وأصلحها للعباد، وأسلمها من الخلل والتناقض، ومن الشر والفساد، إلى غير ذلك من الآيات البينات العامة والخاصة.
أما عقائد هذا الدين وأخلاقه وآدابه ومعاملاته، فقد بلغت من الكمال والحسن والنفع والصلاح، الذي لا سبيل
стр. 85
إلى الصلاح بغيره، مبلغا لا يتمكن عاقل من الريب فيه، ومن قال سوى ذلك فقد قدح في عقله وبيّن سفهه ومكابرته في الضرورات.
وكذلك أحكامه السياسية ونظمه الحكمية والمالية مع أهله ومع غيرهم فإنها في نهاية الكمال والإحكام والسير في صلاح البشر كلهم، بحيث يجزم كل عارف منصف أنه لا وسيلة لإنقاذ البشر من الشرور الواقعة، والتي ستقع، إلا باللجوء إليه والاستظلال بظله الظليل، المحتوي على العدل والرحمة والخير المتنوع للبشر، المانع من الشر، وليس مستمدا من نظم الخلق وقوانينهم الناقصة الضئيلة، ولا حاجة به إلى موافقة شيء منها، بل هي في أشد الضرورات إلى الاستمداد منه، فإنه تنزيل العزيز العليم الحكيم العالم بأحوال العباد، ظاهرها وباطنها، وما يصلحها وينفعها، وما يفسدها ويضرها، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وأعلم بأمورهم، فشرع لهم شرعا كاملا مستقلا في أصوله وفروعه، فإذا عرفوه وفهموه وطبقوا أحكامه على الواقع صلحت
стр. 86
أمورهم، فإنه كفيل بكل خير، ومتى أردت معرفة ذلك فانظر إلى أحكامه، حكما حكما، في سياسة الحكم والمال والحقوق والدماء والحدود، وجميع الروابط بين الخلق تجدها هي الغاية، التي لو اجتمعت عقول الخلق على أن يقترحوا أحسن منها أو مثلها تعذر عليهم واستحال.
وبهذا وشبهه نعرف غلط من يريد نصر الإسلام بتقريب نظمه إلى النظم التي جرت عليها الحكومات ذات القوانين والنظم القاصرة، فإنها هي التي تتقوى وتقوى إذا وافقته في بعض نظمها، وأما الإسلام فإنه غني عنها، مستقل بأحكامه لا يضطر إلى شيء منها، ولو فرض موافقته لها في بعض الأمور، فهذا من المصادفات التي لا بد منها، وهو غني عنها في حال موافقتها أو مخالفتها. فعلى من أراد أن يشرح الدين ويبين أوصافه أن يبحث فيه بحثا مستقلا لا يربطه بغيره أو يعتز بغيره، فإن هذا نقص في معرفته وفي الطريق التي يبصر بها، وقد ابتلي بهذا كثير من العصريين بنية صالحة ولكنهم مغرورون مغترون بزخارف المدنية الغربية
стр. 87
التي بنيت على تحكيم المادة وفصلها عن الدين، فعادت إلى ضد مقصودها، فذهب الدين ولم تصلح لهم الدنيا، ولم يستطيعوا أن يعيشوا فيها عيشة هنيئة ولا أن يحيوا حياة طيبة، ولله عواقب الأمور.
أما الإسلام فقد ساوى بين البشر في كل الحقوق، فليس فيه تعصب نسب، ولا عنصر، ولا قطر ولا غيرها، بل جعل أقصاهم وأدناهم في الحق سواء، وأمر الحكام بالعدل التام على كل أحد في كل شيء، وأمر المحكومين بالطاعة التي يتم بها التعاون والتكافل، وأمر الجميع بالشورى التي تستبين بها الأمور وتتضح فيها الأشياء النافعة فتؤثر، والضارة فتترك (١) .
стр. 88
[ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق]
ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق جاء الإسلام بالمساواة الصحيحة المستقيمة التي روحها العدل والرحمة والتكامل في الحقوق: ساوى بين طبقات الخلق في العدل في كل شيء. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] [سورة النساء: من الآية ١٣٥] ، وقال ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» رواه مسلم. وأوجب النصح لكل أحد، قال ﷺ : «الدين النصيحة» ثلاثا. رواه مسلم.
وساوى بين طبقات العباد في الحقوق الواجبة عليهم تبعا لقدرتهم واستطاعتهم قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] [سورة التغابن: من الآية ١٦] ، وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] [سورة الطلاق: من الآية ٧]
стр. 89
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [سورة البقرة: من الآية ٢٨٦] .
وساوى بينهم في وجوب إيتاء الحق الذي عليهم، وفي إيصال الحق إليهم: فكل من عليه حق عليه أن يؤتيه كاملا بلا نقص ولا بخس ولا تطفيف، وكل من له حق على أحد أعانه على استخراجه بكل طريق ممن هو عليه.
كما ساوى بين المكلفين في إيجاب العبادات وتحريم المحرمات، وكما ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب أعمالهم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] [سورة النحل: آية ٩٧] ، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى قوله ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] [سورة الأحزاب: آية ٣٥] .
وساوى بينهم في التملكات المالية بجميع طرقها ووجوهها، وفي صحة التصرفات كلها وإطلاقها حيث
стр. 90
اشتركوا في العقل والرشد.
وساوى بينهم بأن الرضا في المعاملات العوضية، والتبرعات والإحسان شرط لصحتها ونفوذها، وأن من أكره منهم لا ينفذ له معاملة ولا يستقيم له تبرع.
وساوى بينهم في كل حق ديني ودنيوي، ولم يجعل لأحد منهم ميزة في نسب أو حسب أو مال أو حسن صورة، إنما الميزة والتفضيل بالمعاني العالية في التقوى وتوابعها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] [سورة الحجرات: من الآية ١٣] .
وإنما التفاوت والتفاضل والتفضيل يكون بأسباب من كمال الدين التفضيل بها. كما فضل الذكر عن الأنثى في الميراث، وجعل الرجال قوامين على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض، فإن الرجل عنده من الاستعدادات والتهيؤ للكمال والقوة على الأعمال ما ليس عند المرأة، وعليه من الواجبات النفسية والعائلية ما حسن تفضيله على
стр. 91
المرأة. ولهذا علل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] [سورة النساء: من الآية ٣٤] ، فشكرهم على إنفاقهم على غيرهم وأعانهم على تلك النفقات بالتفضيلات المناسبة لها.
وهذا كما أوجب العبادات المالية كالزكوات والكفارات وغيرها على أرباب الأموال دون من ليس عنده مال، تعليقا للحكم بعلته وسببه، وكما فرق بين الناس في مقدار الواجبات وأجناسها بحسب قدرتهم واستعدادهم، وبهذا يعرف كمال حكمة الله وشمول رحمته وحسن أحكامه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة: من الآية ٥٠] .
وما خالف هذا من المساواة التي يتشدق بها المنحرفون بين الرجال والنساء وبين الأغنياء والفقراء، فإنها مادية ضارة لا يستقيم عليها دين ولا دنيا لخلوها من الدين والروح الإنسانية الشريفة ومخالفتها لسنة الله التي لا تبديل لها ولا صلاح إلا بها، والتي تكفل للآدميين كرامتهم وشرفهم
стр. 92
وحقوقهم الدينية والمادية، وإذا أردت معرفة فساد ما خالفها فانظر إلى آثارها كيف انحلت منهم الأخلاق الجميلة وتبدلوا بها الأخلاق الرذيلة، وذهبت معها الرحمة والشفقة والنصح، وكيف كانت تسير بهم إلى الهلاك وهم يشعرون أو لا يشعرون.
ساروا مستصحبين الحرية المطلقة من جميع القيود، وهي عبارة عن حرية الشهوات البهيمية والسبعية، فلم يوقفهم عنها دين ولا أخلاق ولا مصلحة عمومية بل ولا فردية، فوقعوا في الفوضى وتصادمت الإرادات ومرجت العقول، فارتكسوا في غيهم يعمهون، وفي ضلالهم يترددون، فإن الله بحكمته ورحمته خلق الإنسان ووضع فيه الشهوة التي تدعوه إلى جميع ما تشتهيه النفس، وعند الاسترسال مع هذه القوة لا يقف عند حد الاعتدال الواجب، بل توقعه في فساد عريض، ولكن من رحمته وضع فيه العقل الذي يميز به بين الأمور النافعة التي ينبغي إيثارها والأمور الضارة التي عليه اجتنابها، فوقف العقل الصحيح معدلا للشهوة ومانعا
стр. 93
لها من الاسترسال المهلك بما يشاهده من أضرار وأخبار، ورغب في خير الدنيا والآخرة لمن آثر ما يدعو إليه العقل والشرع من الخير والاحتماء عن الشر وتقديم الوازع الديني العقلي على الوازع البهيمي بما له من الآثار الجميلة عاجلا أو أجلا، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٩] [سورة النازعات: الآيات ٣٧- ٣٩] ، فهذا جزاء الطاغي المسترسل مع الشهوات البهيمية الداعية إلى الطغيان، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] [سورة النازعات: الآيتان ٤٠، ٤١] ، فهذا جزاء من قدم خوف الله على رغباته المطلقة الضارة، وراقب نفسه وكبحها عن جماحها في الهوى المردي، فإن الهوى يدعو صاحبه إلى ترك الواجبات والمستحبات طلبا للراحة الحاضرة وإيثارا للكسل وإلى التجرؤ على المحرمات التي في النفس داع قوي إليها، فإذا لم يكبحه بخوف الله وخشية العقوبة استرسل به إلى الطغيان فلم يتورع عن محرم ولم يقم بواجب وهذا هو الهلاك الأبدي، فإذا خاف ربه
стр. 94
وراقبه وعلم ما عليه من الواجبات وما هو محتم عليه من ترك المحرمات، وجاهد نفسه وهواه على القيام بذلك فقد أفلح وأنجح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (١) .
стр. 95
[النظم الإسلامية فيها صلاح الأحوال كلها]
النظم الإسلامية فيها صلاح الأحوال كلها (١) من أكبر الأغلاط وأعظم الأخطاء استمداد الحكومات الإسلامية والجماعات والأفراد نظمهم وقوانينهم المتنوعة من النظم الأجنبية وهي في غاية الخلل والنقص وتركهم الاستمداد من دينهم، وفيه الكمال والتكميل ودفع الشر والفساد.
ما بقي من الإسلام إلا اسمه ورسمه، نتسمى بأننا مسلمون ونترك مقومات ديننا وأسسه وأعماله ونذهب نستمدها من الأجانب، وسبب ذلك الجهل الكبير بالدين وإحسان الظن بالأجانب، ومشاهدة ما عليه المسلمون الآن من الاختلال والضعف في جميع مواد الحياة الروحية والمادية نشأ عن ذلك كله توجيه الوجوه إلى الاستمداد من الأجانب، فلم نزد بذلك إلا ضعفا وخللا، وفسادا وضررا،
стр. 96
وإلا فلو علمنا حق العلم أن في ديننا ما تشتهيه الأنفس وتمتد إليه الأعناق من المبادئ الراقية والأخلاق العالية والنظم العادلة والأسس الكاملة، لعلمنا أن البشر كلهم مفتقرون غاية الافتقار أن يأووا إلى ظله الظليل الواقي من الشر الطويل، فما من مبدأ وأصل وعمل نافع للبشر إلا ودين الإسلام قد تكفل به كفالة المليء القادر على تيسير الحياة التامة على قواعده وأسسه، وفيه حل المشكلات الحربية والاقتصادية وجميع مشاكل الحياة التي لا تعيش الأمم عيشة سعيدة بدون حلها.
أليست عقائده أصح العقائد وأصلحها للقلوب، ولا تصلح القلوب إلا بها، فهل أصح وأنفع وأعظم براهين من الاعتقاد اليقيني الصحيح أن نعلم علما يقينا أن لنا ربا عظيما تتضاءل عظمة المخلوقات كلها في عظمته وكبريائه، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، قدير على كل شيء، عليم بكل شيء لا يعجزه شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، رحيم وسعت رحمته كل شيء،
стр. 97
وملأ جوده أقطار العالم العلوي والسفلي، حكيم في كل ما خلقه وفي كل ما شرعه، قد أحسن ما خلق، وأحكم ما شرعه، يجيب الداعين، ويفرج كرب المكروبين، ويكشف هم المهمومين، من توكل عليه كفاه، ومن أناب إليه وتقرب إليه قربه وأدناه، ومن آوى إليه آواه، لا يأتي بالخير والحسنات إلا هو، ولا يكشف السوء والضر إلا هو، يتودد إلى عباده بكل طريق، ويهديهم إليه بكل سبيل، لا يخرج عن خيره وكرامته وجوده إلا المتمردون، فهل تصح القلوب والأرواح إلا بالله والتعبد لمن هذا شأنه، ممن يشارك الله في شيء من هذه الشئون التي يختص بها؟
وكذلك الأخلاق لا يهدي هذا الدين إلا لأحسنها، فهل ترى من خصلة كمال إلا أمر بها؟ ولا خصلة نفع وانتفاع إلا حث عليها، ولا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه.
أما حث على الصدق والعدل في الأقوال والأفعال، أما أمر بالإخلاص لله في كل الأحوال، أما حث على
стр. 98
الإحسان المتنوع لأصناف المخلوقات. أما أمر بنصر المظلومين وإغاثة الملهوفين وإزالة الضر عن المضطرين؟ أما رغب في حسن الخلق في كل طريق، مع القريب والبعيد، والعدو والصديق فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] [سورة فصلت: من الآية ٣٤] ، أما نهى عن الكذب والفحش والخيانات، وحث على رعاية الشهادات والأمانات، أما حذر عن ظلم الناس في الدماء والأموال والأعراض، فما من خلق فاضل إلا أمر به ولا خلق رذيل ساقط إلا نهى عنه، ولذلك كانت القاعدة الكبرى لهذا الدين رعاية المصالح كلها ودفع المفاسد.
ثم إذا نظرنا مسايرته للحياة ومجاراة الأمم، فإذا فيه جميع النظم النافعة والنظم الواقية، أليس فيه الأمر بطلب الأرزاق من جميع طرقها النافعة المباحة من تجارات وصناعات وزراعات وأعمال متنوعة، فلم يمنع سببا من الأسباب النافعة بوجه من الوجوه، وإنما منع المعاملات الضارة، وهي التي تحتوي على ظلم أو ضرر أو قمار، ومن محاسنه تحريمه
стр. 99
هذه الأنواع التي لا تخفى مفاسدها وأضرارها، أليس فيه الأمر بأخذ الحذر من الأعداء وتوقي شرورهم بكل وسيلة، أليس فيه الأمر بإعداد العدة للأعداء بحسب الزمان والمكان والاستطاعة، أليس يحث على الاجتماع والائتلاف الذي هو الركن الأصيل للتعاون والتكافل على المصالح ومنافع الدين والدنيا والنهي عما يضاده من الافتراق؟ أليس فيه تعيين القيام بما بانت مصلحته وظهرت منفعته، والأمر بالمشاورة فيما تشابهت فيه المسالك، أليس فيه الإرشاد إلى جميع طرق العدل والرحمة المتنوعة، والحث على تنفيذها في حق جميع الخلق؟ أليس فيه الحث على الوفاء بالعقود والعهود والمعاملات الكبيرة والصغيرة التي بها قوام العباد. أليس فيه الأخذ على أيدي السفهاء والمجرمين بحسب ما يناسب جرائمهم وردعهم بالعقوبات والحدود المانعة والمخففة للجرائم، فأي مصلحهَ تخرج عن إرشادات هذا الدين، وأي أصل وأساس فيه الخير والصلاح إلا وقد أرشد إليه الدين لا فرق بين دينيها ودنيويها.
стр. 100
وجملة ذلك أن هذا الدين بين الله فيه للعباد أنه خلقهم لعبادته الجامعة لمعرفته والتقرب إليه بكل قول أو عمل أو مال أو منفعة، وخلق لهم ما في الكون ممهدا مسخرا لجميع مصالحهم، وأمرهم أن يستحصلوا هذه النعم بكل طريق ووسيلة تمكنهم منها، وأن يستعينوا بها على طاعة المنعم. فهل أوضع وأظلم وأجهل ممن أعرض عن هذا الدين الذي هو الغاية والنهاية في الكمال وهو المطلب الأعلى لأولي العقول والألباب، ثم ذهب يستمد الهدى والنفع من غيره وهو يدّعي أنه مسلم، لقد زاده هذا الاستمداد غيا وضلالا. ومن احتج بما يرى من حالة المسلمين وتأخرهم عن مجاراة الأمم في مرافق الحياة فقد ظلم باحتجاجه، فإن المسلمين لم يقوموا بما دعا إليه الدين ولم يحكموه في أمورهم الدينية، والدنيوية ونبذوا مقومات دينهم وروحه واكتفوا بالاسم عن المسمى وباللفظ عن المعنى، وبالرسوم عن الحقائق. والواجب أن ينظر إلى تعاليم الدين وتوجيهاته وأصوله ومقاصده ودعوته لجميع البشر إلى ما فيه خيرهم المتنوع،
стр. 101
ولهذا كان المنصفون من الأجانب على ما هم عليه يعترفون بكماله، وأنه لا سبيل لزوال الشرور عن العالم إلا بالأخذ بتعاليمه وأخلاقه وإرشاده.
وكما أن الدين هو الصلة الحقيقية بين العباد وبين ربهم به إليه يتقربون ويتحببون، وبه يغدق عليهم خير الدنيا والآخرة، فإنه الصلة بين العباد بعضهم ببعض تقوم به حياتهم، وتنحل به مشكلاتهم السياسية والاقتصادية والمالية، فكل حل بغيره فإن ضرره أكثر من نفعه، وشره أعظم من خيره، فإن فرض إصلاح بعض المشكلات ببعض النظم إصلاحا حقيقيا فتأمل ذلك الحل فلا بد أن تجده مستندا إلى الدين، لأن الدين يهدي للتي هي أقوم، كلمة عامة جامعة لا تبقي شيئا، والواقع يشهد بذلك.
وبالدين يتم النشاط الحيوي، ويستمد كل واحد من الآخر مادة الدين ومادة الحياة، لا كما يزعمه المنكرون والمغرورون والمأجورون أنه مخدر مؤخر لمواد الحياة، لقد والله كذبوا أشنع الكذب وأوقحه، فأي مادة من مواد الحياة أخرها
стр. 102
أو أوقفها أو لم يبلغ فيها نهاية ما يدركه البشر؟ فليأتوا بمثال واحد من الدين لا بالتمثيل بأحوال من ينتسب للدين وهو منه خلي إن كانوا صادقين.
فإن قيل أليست الأديان الصحيحة كلها من رب العالمين؟ فما بال دين المسيح روحه وحقيقته هو الصلة فقط بين العبد وبين ربه، وليس فيه التعرض إلى أمور مواد الحياة الحاضرة ونظمها، مع أن الله واسع الرحمة؟ فالجواب عن هذا سهل لمن عرف كيف نشأ الدين المسيحي في ظروف طغت فيها المادية اليهودية وبنو إسرائيل طائفة قليلة وجزء يسير بالنسبة إلى دولة الرومان ذات النظم الأرضية، فالأمة الإسرائيلية قليلة والمدة يسيرة، لأن دين المسيح مؤقت إلى مجيء الدين الكامل الشامل لعموم الخلق وعموم المصالح، فكما أن محمدا ﷺ بُعث إلى الخلق كلهم، إنسهم وجنهم، فكذلك قد تكفل دينه بإصلاح الخلق إصلاحاَ روحيا وماديا، واستعان بكل واحد على الآخر، وبه تم الكمال وحصل، فكما تولى تهذيب القلوب والأرواح فقد
стр. 103
تولى تهذيب الحياة وضمن لمن قام به الحياة الطيبة من كل وجه لا من وجه واحد أو وجوه محصورة، وهذا من كمال حكمة الله، ومن شمول رحمة الله وهو الحكيم الرحيم.
ومن الأدلة على هذا أن الله قد يجمع في موضع واحد من كتابه بين العبادات المحضة وبين أمور المعاش والنظم الاجتماعية كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] [سورة الأنفال: آية ٤٥] ، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] [سورة الأنفال: من الآية ٤٦] ، ثم قال بعد آيات: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] [سورة الأنفال: من الآية ٦٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] [سورة الجمعة: الآيتان ٩، ١٠] .
стр. 104
ألا ترى كيف جمع الأمر بذكر الله وبالصبر والثبات، وبالقوة المعنوية بالاجتماع وعدم التنازع، وبالقوة المادية بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] [سورة الأنفال: من الآية ٦٠] ، فإنه يشمل الأمرين كما أمر في آية الجمعة بالإقبال على الصلاة والذكر في وجوب السعي إلى الجمعة، ثم بعدها بالانتشار لطلب الرزق. وقال ﷺ فيما رواه مسلم: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] [سورة البقرة: آية ١٧٢] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] » [سورة المؤمنون: من الآية ٥١] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة وشرائع الدين ومعاملاته التفصيلية شاهدة بذلك، وهي أحسن الشرائع وأحسن الأحكام والمعاملات التي بها تستقيم الأحوال وتزكو الخصال.
واعلم أن العبادات ليست مجرد الصلاة والصيام والصدقة بل جميع الأعمال التي يتوسل بها إلى القيام
стр. 105
بواجبات النفس والعوائل والمجتمع الإنساني، كل عمل يقوم بشيء من ذلك ويعين عليه فهو عبادة، فالكسب للعيال عبادة عظيمة، وكذلك الاكتساب الذي يراد به القيام بالزكوات والكفارات والنفقات العامة والخاصة كله عبادة، وكذلك الصناعات التي تعين على قيام الدين وردع المعتدين من أفضل العبادات، وكذلك التعلم للسياسات الداخلية والخارجية، والتعقل والتفكر في كل أمر فيه نفع للعباد، كل ذلك من العبادات، ولم يُرغّب الله في أمر الشورى في الأمور كلها إلا لتحقيق أمثال هذه المقاصد العالية النافعة، وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة جدا.
واعلم أن التطورات التي لا تزال تتجدد في الحياة والمجتمع قد وضع لها هذا الدين الكامل قواعد وأصولا يتمكن العارف بالدين وبالواقع من تطبيقها مهما كثرت وعظمت وتغيرت بها الأحوال، وهذا من كمال هذا الدين ومن البراهين على إحاطة علم الباري تعالى بالجزئيات والكليات وشمول رحمته وحكمته.
стр. 106
أما غيره من النظم والأسس وإن عظمت واستحسنت فإنها لا تبقى زمنا طويلا على كثرة التغيرات، واختلاف التطورات، لأنها من صنع المخلوقين الناقصين في علمهم وحكمتهم، وجميع صفاتهم، لا من صنع رب العالمين.
أرأيت هذه المدنيات الضخمة الزاخرة بعلوم المادة وأعمالها لو جمعوا بينها وبين روح الدين، وحكّموا تعاليمه الراقية الواقية الحافظة- أرأيت لو فعلوا ذلك أما تكون هذه المدنية الزاهرة التي يصبو إليها أولو الألباب وتتم بها الحياة الهنيئة الطيبة السعيدة؟ وتحصل فيها الوقاية من النكبات المزعجة، والقلاقل المفظعة. فحين فقدت الدين، واعتمدت على ماديتها الجوفاء الخرقاء جعلوا يتخبطون ويطلبون حياة سعيدة، ولم يصلوا إلا إلى حياة الأشقياء، الحياة المهددة في كل وقت بالحروب، وأصناف الكروب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.