← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 325–364 · переход к 330.

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وليس شيءٌ من تلك الصِّحاح لاحقًا بالصحيحين إلا في مجرد التَّسمية؛ لوجود غير الصحيح فيها بكثرة، نعمْ ينبغي أنْ يُقال أصحُّها: بعد مُسلِمٍ ما اتفق عليه الثلاثة، ثُمَّ ما انفرَد به ابن خُزَيْمة وابن حِبَّان أو الحاكم، ثُمَّ ابن حِبَّان فقط، ثُمَّ الحاكم (١) فقط، حيثُ لم يكن هناك شرط للشيخين ولا أحدهما. [قوله] (٢): «وَثَمَّ قِسْمٌ سابِعٌ»: ثم بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان البعيد، أي: وهناك وراءَ هذه الأقسام الستةِ قِسمٌ سابع ذكره ابن الصلاح (٣)، «وهو ما لم يَكُن على شَرطِهِما اجتِماعًا ولا انْفِرادًا»، ولكنَّه على شَرطِ غيرِهما من أهل الصحيح كائنًا مَن كان، والحاصِلُ: أنَّ المراد به ما استجمَعَ الشُّروطَ التي ذكروها في حَدِّ الصَّحيح، كما صرَّح به (ب) في «حَواشي شرح الألفيَّة» (٤). [قوله] (٥): «إِلى الحيثيَّةِ المَذْكُورةِ»: و هي الأصَحِّيَّةُ، [أو] (٦) ما تَدُور عليه من الأوصاف المقتضية لها.

стр. 326

أَمَّا لو رُجِّحَ قِسْمٌ على مَا هو فَوْقَهُ بأُمورٍ أُخرى تقتَضي التَّرْجيحَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما فَوْقَهُ؛ إذْ قَدْ يَعْرِضُ للمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائقًا. كَما لَوْ كَانَ الحَديثُ عندَ مُسْلمٍ مثلًا، وهُوَ مَشْهورٌ قَاصِرٌ عن دَرَجَةِ التَّواتُرِ، لَكنْ حَفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها يُفيدُ العِلْمَ، فإِنَّه يُقَدَّمُ بها على الحَدِيثِ الذي يُخْرِجُهُ البُخاريُّ إِذا كانَ فَرْدًا مُطْلقًا. [قوله] (١): «أَمَّا لو رَجَّحَ»: بفتح الراء والجيم. وقوله: «بأُمورٍ أُخْرى»: أي: غير] الأصَحِّيَّةِ] (٢)، وجملة: «تَقْتَضِي ... إلخ» صفةُ: «أمور»، أو حالٌ منها. [قوله] (٣): «فَإنه»: أي: ذلك القسم الراجح لتلك الأمور «يُقدَّمُ على ما فَوْقَه». وَقوله: «إذْ قَدْ ... إلخ»: علَّةٌ لـ: «يُقَدَّمْ على ما فَوْقَه»، مثل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ] ﴿الزخرف: ٣٩﴾، لا يُقال: فيه تعليلٌ للشيء بنفسه، لأنَّا نقول: المعلَّلُ في حُكْم الشَّخْصِيِّ والمعلَّلُ به في حكم الكُلِّيِّ، فكأنَّه قال: يُقَدَّم هذا

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الفَرْدُ على ما فَوْقَه؛ لأنَّه من أفراد هذه الكُلِّيَّة، وهي: كلُّ مَفُوقٍ عَرَضَ له ما يَجْعَلُه فائقًا قُدِّم على غيره. [قوله] (١): «عَنْ دَرَجَةِ التَّواتُرِ»: أمَّا ما بلغ درجةَ التَّواتُرِ فهو مُقَدَّمٌ على المتَّفَق عليه، الموصوف بأنَّه: أرفع الأسانيد، ولو لم يَكُن في أحد الكتابين، كما هو مُقتَضَى كلام شيخ الإسلام (٢). [قوله] (٣): «الذي يُخَرِّجُهُ البُخاريُّ إذا كان فَرْدًا مُطْلَقًا»: أي: لا نِسْبيٌّ، قيل: «اعترض بأنَّ الكلام في المقبول من الآحاد» انتهى، وهو ذُهولٌ؛ إذْ مُجَرَّدُ التفَرُّد كيف كان لا يُوجِبُ قَدْحًا، وخُصُوصًا مع وقوعه في البخاريِّ، وقد روى ابن شِهابٍ الزُهْرِيُّ تسعين فردًا كلُّها صحيحة، منها ما هو في صحيح البخاريِّ، ومنها ما هو في صحيح مُسلمٍ، وقد مَرَّ أنَّ الغريب -وهو الفَرْدُ- يكون: صحيحًا وحَسَنًا وضعيفًا.

стр. 328

وَكَمَا لَوْ كانَ الحَديثُ الَّذي لم يُخْرِجَاهُ مِن تَرْجَمةٍ وُصِفَتْ بكَوْنِها أَصَحَّ الأَسَانيدِ؛ كَمَالِكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما مثلًا، لا سيَّما إِذا كانَ في إِسنادِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ. [قوله] (١): «فإِنه يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما»: مُقْتَضاه أنَّه لا يُقَدَّم على ما خَرَّجَاه جميعًا، وهو خلاف ما يَقتَضِيه قوله: «ويَلْتَحِقُ بهذا التَّفَاضُل ... إلخ». [قوله] (٢): «لا سِيَّمَا إذا كان»: أي: ما انفرَد به أحدهما، «في إسناده مَنْ فيه مَقالٌ». قال (ق) (٣): «يعني وإنْ كان [عنه] (٤) جوابٌ؛ لأنَّ مَن تُكُلِّم فيه ليس كمَن لم يُتَكَلَّمْ فيه في الجُملة، ومَن تُكُلِّم فيه في الجُملة ليس كمَن لم يُتَكَلَّم فيه أصلًا» انتهى، قلتُ: وفيه تَكْرارٌ لا طائل تحتَه، تأمَّله.

стр. 329

فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ -أَيْ: قَلَّ، يُقَالُ: خَفَّ القومُ خُفُوفًا: قَلُّوا- والمُرَادُ معَ بَقيَّةِ الشُّرُوطِ المُتَقدِّمَةِ في حَدِّ الصَّحيحِ، فَهُوَ الحَسَنُ لذاتِهِ لَا لِشَيْءٍ خَارِجٍ، وهُوَ الَّذي يَكُونُ حُسْنُهُ بسَبَبِ الاعْتِضَادِ، نَحْوُ حَدِيثِ المَسْتُورِ إِذا تعَدَّدَتْ طُرُقُه. [قوله] (١): «فإنْ خَفَّ ... إلخ»: هذا يقتضي أنَّه مَقُولٌ بالتشكيك، وهذا بِناءً على أنَّ قوله: «وهو أنْ يثبت عنده ... إلخ» تعريفٌ] لتامِّ] (٢) الضَّبْط لا لأصله، وإلَّا لكان مَقُولًا] بالتواطؤ] (٣). اعلم أنَّ أبا سُلَيمانَ الخَطَّابيَّ (٤) عرَّف الحَسَن بأنَّه: ما عُرِف مَخْرَجُه واشْتَهَرَتْ رجاله، قال: «وعليه مدارُ أكثرِ الحديث، وهو الذي يَقْبَله أكثر العلماء، ويَنْقُله عامَّة الفقهاء» انتهى. قال بعض (أ/٦٩) المتأخرين: «احترز بـ «ما عُرف مخرجه»: عن المُنْقَطِع، وعن حديث المدَلِّس قبل أن يُتَبَيَّن تدلِيسُه، ورَدَّه ابنُ الصلاح بإجماله ... إلخ، ثُمَّ بَعْدَ كلامٍ طويل قال ابن الصَّلاح (٥): «وقد أمعَنتُ النَّظَرَ في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف كلامهم؛ فاتَّضَح لي: أنَّ الحَسَن قسمان؛ أحدهما: الحديث الذي] لا تخلو] (٦) رجالُ إسناده من مَستورٍ لم تَتَحقَّق أهليَّتُه، غير أنَّه ليس مُغَفَّلًا، ولا كثيرَ

стр. 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الخطأ فيما يَرويه، ولا هو] مُتَّهَمٌ] (١) بالكذب في الحديث، أي: لم يظهر منه تَعَمُّد الكذب في الحديث، ولا سبب آخَرُ مفسِّقٌ، ويكون مَتْنُ الحديث مع ذلك قد عُرِف، بأنْ: رُويَ مِثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة مَن تابَع راويَه على مِثله، أو بما له من شاهدٍ، وهو وُرود حديثٍ آخَرَ نحوه؛ فيَخْرُج بذلك عن أنْ يكون شاذًّا أو منكرًا، وكلام التِّرمذِيِّ على هذا القسم يَتَنَزَّلُ. القسم الثاني: أنْ يكون راوِيه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنَّه لا يَبْلُغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يَرتفع عن حال مَن يُعَدُّ ما يَنفَرِد به من حديثه مُنْكَرًا»، قال: «وتعبيري في كل هذا: مع سلامة الحديث من أنْ يكون شاذًّا أو مُنكَرًا سلامتُه من أنْ يكون مُعَلَّلًا، وعلى القسم الثاني يَتَنَزَل كلام الخطَّابيِّ»، قال: «فهذا الذي ذكرناه جامعٌ لِما تفرق في كلام مَن بَلَغَنا كلامه في ذلك»، قال: «وكأن التِّرمذِيَّ ذَكَرَ أحدَ نوعي الحَسَن، وذَكَرَ الخطَّابيُّ النوعَ الآخَرَ، مُقتَصِرًا كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنَّه مُشْكِلٌ، مُعْرِضًا عمَّا رأى أنَّه لا يُشْكِل، أو أنَّه غَفَل عن البعض وذَهِل» انتهى. إذا عَلِمتَ هذا عرَفتَ أنَّ المؤلِّف ماشٍ هنا على تفصيل ابن الصَّلاح، مصرِّحٌ بكلام الخطَّابيِّ مكتفٍ بمفهومه عن كلام التِّرمذِيِّ، غير أنَّ قوله: «نحو حديث المَسْتُورِ» فيه مناقشةٌ ستَمُرُّ بك قريبًا. فإنْ قلتَ: كيف صرَّح بكلام الخطَّابيِّ مع أنَّه لم يَتَعَرَض إلَّا للضَّبْط؟ قلتُ: كأنَّه قال: يُعتبَر في الحَسَنِ مُطْلَقًا ما يُعتبَر في الصحيح؛ من اتصال السَّنَد، وعدالة الرواة، وانتفاء النكارة والشذوذ والعلة القادحة، دون تمام الضبط، هذا في

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحَسَن لذاتِه، وأمَّا في الحَسَن لغيره فيُضَمُّ فيه: عَدَمُ اشتراط العدالة؛ لعَدَم اشتراط تمام الضَّبْط أيضًا، وأمَّا باقي الشروط فبحالها، لكنْ لا بُدَّ في القِسم الثاني من مجيء شاهدٍ أو تابِعٍ ولو في رُتْبةِ نَقَلَتِه. تنبيه: قال (ق) (١): «قوله: «فإن خَفَّ ... إلخ» لم يحصُل بهذا تمييزُ الحَسَن؛ لأنَّ الخِفَّةَ المَذْكُورةَ غيرُ منضبطة»، قلتُ: قد ذَكَرْنا جوابه مِرارًا حتى سَئِمَ القَلَمُ من التَعَرُّض له. [قوله] (٢): «أي: قَلَّ»: إنْ قُلتَ: لأيِّ شيء عَدَلَ عنه بـ: «خَفَّ» مع مساواته له رسمًا ونُطقًا؟ قلتُ: للخِفَّة بواسطة الحرف الشَّفويِّ مع بُعد المَخرج، بخلاف «قَلَّ»] فيهما] (٣)، هذا من جِهة اللفظ، وأمَّا مِنْ جِهة المعنى فلأنَّ القِلَّة قد تنتهي للعَدَم بخلاف الخِفَّة، وتفسيرُه بالقِلَّة لا يُفَوِّت النُّكْتَة؛ لاضطراره إليه لبيان المَعنى، نعمْ في اللفظ تجوُّزٌ؛ حيثُ عبَّر بالخِفَّةِ المُقابِلة للثِّقَل، وهما [من] (٤) عوارض الكَميَّات دون الكيفيَّات. [قوله] (٥): «والمُرادُ ... إلخ»: أي: مع وجود أو اعتبار بقيَّة الشروط للصحيح السابق تعريفُه. فإنْ قُلتَ:

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أيُّ قرينة على هذا المراد؟ قُلتُ: الاقتصار على ما أخرجه من بينها، وهو خصوص تمام الضبط، وقوله في الشرح: «وخرج ... إلخ». (هـ/٨٢) [قوله] (١): «فهو»: أي: فالحديث الذي خَفَّ ضبط رجاله، هو الحديث المسمَّى عندهم بالحديث: «الحَسَن لذاتِه»، وقوله: «لا لشيءٍ خارج» [تصريح] (٢) بمفهوم «لذاتِه». [قوله] (٣): «و هو الذي يَكُونُ حُسْنُه بسبب الاعْتِضادِ»: راجعًا لِما استلزمه قولُه: «لا لشيءٍ خارج عنه»؛ إذ التقدير: لا للحديث الحَسَن لأجْل شيءٍ خارج عنه، إذ هو الحَسَن لغيره، «وهو الذي (أ/٧٠) يكون حُسنُه بسبب الاعتِضاد» وبمتابعة أو شاهد، فتدبَّرْهُ. وفي كتابة: وهل أراد بالاعتضاد [مجيئه من طريق، أو ما يَشمَله ويَشمَل غيره من متابعة؟] (٤) أو بما (٥) له من شواهدَ كما هو ظاهر، أي: بخلاف الحَسَن لذاتِه لا يكون الاعتِضاد فيه إلا لمجيئه من طرق كما يفيده كلام المؤلِّف، ويأتي ما فيه. [قوله] (٦): «نَحْوُ حَدِيثِ المَسْتُورِ»: قال بعضُ المحقِّقين: «وأحسَنُ ما يُحَدُّ به الحَسَن أنْ يُقال: هو خَبَر

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصَّادق أو المَستُور المعتَضِد» انتهى، وهذا شاملٌ للحَسَن بقِسْمَيه. وقوله: «المَسْتور» قال المؤلِّف: «الراوي إذا لم يُسَمَّ كرَجُلٍ، يُسمَّى: مُبْهَمًا، وإنْ ذُكِرَ مع عَدَمِ تمييزه فهو: المُهْمَل، وإن مُيِّز ولم يروِ عنه إلَّا واحدٌ فمجهول، وإلَّا فمَستور» انتهى، وقال غيره: «المَسْتُور: هو الذي لم تَتحقَّق أهليَّته، وليس مُغَفَّلًا كثيرَ الخطأ، ولا مُتَّهَمًا بفِسْقٍ». وقال (هـ) (١): «نَحْو حديث المَستور» مثال للحديث الحَسَن بسبب الاعتِضاد؛ إذ الحَسَنُ لِذاتِه لا يُعتبَرُ فيه اعتِضاد مِنْ حيثُ اتِّصافُه بالحُسْن، غير أنَّ إدخال «نحو» على «المَستور» يوهِم أنَّ الحَسَن لغيره ليس مقصورًا على مَن كان راويه مستورًا، أي: مجهولَ الحال لم تتحقق أهليَّته، وظاهر ما نقلناه عن ابن الصَّلاح قَصْرُه عليه حيث قال: «الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور» ... إلخ ما نُقِل عنه، ثُمَّ رأيتُ في كلام بعضهم ما يقتضي عدَمَ قَصْرِه عليه، بل جعله مُتعدِّيًا [لسيِّئ] (٢) الحفظ، ولِمَنِ اختلط ولم يُدَلِّس، مع اتصاف الجميع بالصِدق والدِّيانة، وعليه اعتمد العراقيُّ وشُرَّاحُه. قوله: «إذا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ»: أي: أسانيدُه، سواءٌ رَوَوْهُ باللفظ أو بالمعنى، والمراد بجَمْع الكَثْرة: ما زاد على الواحد؛ إذ يكفي وُرود تابِعٍ أو شاهد كما مَرَّ، ولو كانوا دُون رجال الأصل حيثُ كانوا يُعتبَر أو يُسْتَشْهَد بمثلهم.

стр. 334

وخَرَجَ باشْتِرَاطِ بَاقي الأوْصافِ الضَّعيفُ. وهَذَا القِسْمُ مِنَ الحَسَنِ مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتِجاجِ بهِ، وإِنْ كانَ دُونَه، ومُشَابِهٌ لهُ في انْقِسامِهِ إِلَى مَرَاتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ. [قوله] (١): «وخَرَجَ باشْتِراطِ ... إلخ»: لو قال: وخرج باشتراط الأوصافِ الضَّعيفُ؛ لِيَشمَل ما يخرج بقوله: «خَفَّ الضبط»؛ لكان أحسَنَ. [قوله] (٢): «وهذا القِسْمُ ... إلخ»: الظاهر أنَّ الإشارة إلى الحَسَنِ لِذاتِه الذي سبق المَتْنُ لبيانه، ولا يُنافي مشاركةَ الآخَرِ له في ذلك؛ لتصريحه فيما مضى بكون الحَسَن لغيره من المقبول الذي يجب العمل به عند الجمهور، ويحتمل رجوعه إلى الحَسَن لغيره؛ لقُرْبِه؛ فيُعلم حال الأوَّل بالأَوْلى. وقال (هـ) (٣): «اعلم أنَّ كلام الخَطَّابيِّ يوهِم أنَّ المشارك من الحَسَن للصحيح في الحُجِّيَّة والعمل خاصٌّ بالحَسَن لِذاتِه؛ لأنه لَمَّا عرَّف الحَسَن بالتعريف السابق، الذي عليه ابن الصَّلاح على أنَّه تعريف للحَسَن لذاتِه، قال بعده مُتَّصِلًا به: وهو الذي يَقْبَلُه أكثرُ العلماء، ويَستَعمِلُه عامَّةُ الفقهاء» انتهى. وقضية السؤال الآتي وجوابه: عموم مشاركة القِسْمَينِ جميعًا للصحيح، وعليه حَمَل شيخ الإسلام كلامَ العراقيِّ في ألْفيَّته (٤).

стр. 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «في الاحْتِجاجِ»: أي: في صِحَّة الاحتِجاج، وأمَّا العملُ فداخلٌ بطريق الأَوْلى، أو المراد: الاحتِجاج على المطلوب مُطْلَقًا لا على خُصوص الخَصْم، وهذا هو كلام الخَطَّابيِّ السابق. فإنْ قُلتَ: كيف يُحتَجُّ بالحَسَن لغيره وهو] يُكْتفى] (٢) فيه بكون راويه غيرَ مُتَّهَمٍ، وفي عاضده بكونه (هـ/٨٣) مِثْلَه؟ مع أنَّ كُلًّا منهما ضعيف لا يُحتج به، وكيف يَلتَحِق بالصَّحيح /في الحُجِّيَّة مع اشتراطكم في قَبول الخبر ثقةَ راويه؟ قلنا: ما ذَكَرْتَه لا يَضرُّ؛ لأنَّ الحديث إذا رواه سيئُ حفظٍ ومُختَلِطٌ أو مُدَلِّسٌ وكان مع ذلك مُتَّصِفًا بالصِّدق والدِّيانة، ثُمَّ وَرَد ذلك الحديث من طريقٍ آخَرَ كذلك انْجَبَر وصَلَح للحُجِّيَّة؛ لاكتسابه من الهيبة الاجتماعيَّة قوَّةً كما في الصَّحيح لغيره الآتي بيانُه، ولأنَّ الحُكم عليه بالضعف إنَّما كان لاحتمال وجود ما يَمْنَع القَبول؛ فلمَّا جاء العاضد عليه غَلَب (أ/٧١) على الظَّنِّ زوالُ ذلك المانع، وليس هذا مِثلَ شهادة غير عدل انضَمَّ إليها شهادةُ مِثله؛ لأنَّ باب الشَّهادة أضيقُ من باب الرواية؛ لأنَّ مَدار الشَّهادة على العِلْم ومَدارَ الرواية على الظَّنِّ. فإنْ قُلتَ: هل هذا السؤال وجوابه قاصران على الحَسَن لغيره؟ قُلتُ: لا، بل كلُّ ضعيفٍ خفيفٍ هذا شأنُه، وأمَّا لو قويَ ضَعْفُه كتعمد الراوي للكذب، أو كان شاذًّا، فإنَّه لا يَنجَبر بمجيئه من وجهٍ آخَرَ وإنْ

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كثُرَت طُرُقُه، كحديث: «مَن حَفِظَ على أُمَّتي أربعينَ حديثًا مِن أمرِ دِينِها، بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القيامةِ في زُمرةِ الفُقهاءِ والعُلماءِ» (١)؛ فقد اتَّفَقَ الحُفَّاظُ على ضَعفِه مع كثرة طرقه وقصوره عن جَبره، وكذا الحديث المُرْسَل ضعيفٌ عند الشافعيِّ وموافقيه لا يُحتَجُّ به، فإذا أُسند من وجهٍ آخَرَ، أو جاء مرسَلًا أيضًا من وجه آخر بأنْ أرسله مَن أخذ العِلْم عن غير رجال التابعيِّ الأَوَّل؛ اعتَضَد وانجَبَر وصار بذلك حجةً. واعتُرِض بأنَّ الحديث إذا أُسند فالاحتجاج بالمُسْنَد، وأُجيبَ بأنَّ المراد: مُسنَدٌ لا يُحْتَج به منفرِدًا، أو بأنَّ: ثمرته تظهر فيما لو عارضه مُسْنَدٌ مِثلُه، فإنَّه يُرجَّحُ عليه؛ لاعتضاده بالمرسَل، ومُلَخَّصُه: أنَّهما دليلان اعتَضَد أحدُهما بالآخَر، كما يأتي نظيره. تنبيه (٢): قولهم: عن غير رجال الأَوَّل؛ للاحتراز عما إذا أرسله مَن أخذَ العلمَ عن رجال هذا التابعيِّ، فإنه لا يكون عاضدًا؛ لأنَّه يَطْرُقه احتمالُ أنْ يكون تسمية غير ذلك التابعيِّ من قبيل الاضطراب والاختلاف من الرُّواة، فإذا كان الذي أرسل لم يأخذ عن أصحاب هذا التابعي لم يجئْ هذا الاحتمالُ. قال المؤلِّف «مِثاله: أنْ يَروي عَقيل، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسيِّب، عن النبي ﵊ (٣) حديثًا، ويرويه بعَيْنِه أو بمعناهُ: يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ،

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن النبي ﵊ (١) فلا يكون هذا عاضدًا لذلك المروِيِّ عن سعيدٍ؛ لاحتمال اختلاف الرُّواة على الزُّهْرِيِّ، وأنْ يَكُون الزُّهْرِيُّ إنَّما رواه من أحد الطريقين فقط، فلو رواه أحد من الرواة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمةَ، عدَدْناه عاضدًا؛ لانتقاء احتمال الاختلاف على مَن أَخَذ العِلْمَ عن رجال التابعيِّ الأَوَّل -وهُم رُواةُ الزُّهْرِيِّ- الأخذ عن سعيدٍ» هكذا قاله شيخنا. والذي يظهر لي أنَّه الأقرب إلى مراد الشافعيِّ: أنْ يُحْمَلَ الرجالُ على الشيوخ؛ فيكون المعنى: أَرْسَله مَن أَخَذَ العِلْم عن غير شيوخ التابعيِّ الأَوَّل؛ لأنَّه ربما كان الساقطُ من المُرْسَل الأَوَّلِ تابعيًّا ضعيفًا، فإذا أرسل هذا الثاني الذي لم يَروِه عن أحد من شيوخ الأول عُلِم أنَّ شيخه فيه غيرُ شيخ الأَوَّل؛ فعُلِم أنَّه وجهٌ آخَرُ، قاله (ب) في حواشي شرح الألفيَّة (٢). قُلتُ: وبظهور الاحتمالين يظهر اشتراط تَجَنُّبِ الأمْرين، فتأمله. [قوله] (٣): «وإنْ كان دُونَه»: أي: وإنْ كان الحَسَن مُطْلَقًا دُونَ الصَّحيح في الرُّتبة، وفيه إشارة إلى (هـ/٨٤) ارتضاءِ قولِ ابن الصَّلاح (٤): «الحَسَن يَتَقاصَر عن الصَّحيح».

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: «ومِن أهل الحديث مَن لا يُفرِد نوع الحَسَن، ويجعلُه مُنْدَرجًا في أنواع الصَّحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يُحْتَجُّ به»، قال: «وهو الظاهر من كلام الحاكم في تصرُّفاته». قال: «ثُمَّ إنَّ مَن سَمَّى الحَسَن لا يُنكر أنَّه دون الصحيح المُتقدِّمِ بيانُه أوَّلًا»، قال: «فهذا إذن اختلافٌ في العبارة دُون المعنى» انتهى. أنَّ المسألة عَرِية عن الخلاف، فالمبالغة في قول الشارح: «فإنْ كان دُونَه» ليست ردًّا للخلاف، تأمل. [قوله] (١): «ومشابِهٌ لهُ في انْقِسامِه إِلى مراتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ»: عطْف على «مُشارِك»، و «في انقِسامِه إلخ» متعلق بـ: «مشابه»، وهو تصريح بوجه الشبه، ولعل مرادَه بتلك المراتب تفاوتُ رُواته في خِفَّة الضَّبْطِ المَقُول بالتشكيك على ما دُون التمام، واختلاف مراتب العاضد قوَّةً وضَعفًا، وكثرةً وقِلَّةً، وأنَّ ما حَسَّنه أئمةُ الصحيح مقدَّمٌ على ما قدمه الغير، وأنَّ الحَسَن الموافق لِمَا اتفق عليه الشيخان أقوى مِن الموافق لما انفرد به أحدهما، وأنَّ المُوافِق لِمَا انفرد به البخاريُّ أقوى مِن (أ/٧٢) المُوافِق لِمَا انفرد به مُسْلِمٌ، وهَلُمَّ جَرًّا إلى آخر تلك المراتب (٢).

стр. 339

وَبِكثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ، وإِنَّما يُحْكَمُ لَهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُّرُقِ؛ لأنَّ للصُّورةِ المَجْموعةِ قُوَّةً تَجْبُرُ القَدْرَ الَّذي قَصَّرَ بِهِ ضَبْطُ رَاوِي الحَسَنِ عن رَاوي الصَّحيحِ، ومِنْ ثَمَّ تُطلَقُ الصِّحَّةُ على الإِسنادِ الَّذي يكونُ حَسنًا لذاتِهِ لَو تفرَّدَ إِذا تَعَدَّدَ. وهَذا حَيثُ يَنْفردُ الوَصفُ. [قوله] (١): «وبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ»: أراد بالكثرة ما فوق الواحد كما يؤخَذُ من كلامهم، ثُمَّ إن كلامه صادق بما إذا كان الحَسَن لِذاتِه يُروى من طريقٍ آخَرَ يكون باعتباره حَسَنًا لغيره، وليس كذلك، قال المؤلِّف في تقديره: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه ... إلخ» يُشترط في التابع أنْ يَكُونَ أقوى أو مساويًا حتى لو كان الحَسَن لِذاتِه يُروى من وجهٍ آخَرَ حَسَنٍ لغيره لم يُحْكَم له بالصِّحَّة، قال (ق) (٢): «وهذا معنى قوله الآتي: «ومِنْ ثَمَّةَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ على الإسناد الذي يكون حَسَنًا لذاتِه لو انفَرَد ... إلخ» انتهى؛ فالحَسَن لِذاته إذا جاء من طريقٍ أخرى مساويةٍ إذا رُجِّح يَصِير صحيحًا لغيره، وإن ورد من طريقٍ آخَرَ دُونَه فإنَّه لا يَصِير صحيحًا لغيره بذلك، نعمْ إذا كَثُرَت صار كذلك؛ ففي مفهوم قوله: «بِكَثْرَةِ طُرُقِه ... إلخ» تفصيلٌ، ويُفْهَمُ من قوله: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه ... إلخ» أنَّه لا يصح بغير ذلك، كما تقدم عن (ق) (٣) مِن أنَّ حَسَن الشيخين أعلى الحَسَن، فهو صحيح، خلاف هذا.

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه يُصَحَّحُ» هذا في الحَسَن لذاتِه، يعني: أنَّ الحَسَن لذاتِه الذي اشتهرت رُواتُه بالصدق والعدالة اشتهارًا دون اشتهار رجال الصحيح -كما مَرَّ- إذا أتت له طُرُقٌ نحو طريقه الوارد صار صحيحًا لغيره. [قوله] (٢): «وإِنَّما يُحْكَمُ لهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُّرُقِ ... إلخ»: لو عبَّر بالماضي كان أظهَرَ. ولفظ «قَصُرَ» مبنيٌّ للفاعل. وقوله: «عَنْ راوي الصَّحِيحِ»: أي: عن ضبطه، مثالُه حديث: «لولا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتي لَأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عِندَ كلِّ صَلاةٍ» (٣)؛ فإنَّ محمد بن عَمرٍو رواه عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، لكن محمد بن عمرو وإن اشتهر بالصِّدق والصِّيانة ووثَّقه بعضُهم لم يكن مُتْقِنًا؛ إذْ قد ضعَّفه بعضُهم لسوء حفظِه، لكن لَمَّا رواه جماعةٌ عن غير أبي سلَمةَ عن أبي هريرة انجَبَر بمتابعتهم له؛ فصار من طريقه حَسَنًا، وصحيحًا لغيره أيضًا؛ نظرًا للمتابعة المذكورة، ورواه الشيخان أيضًا من طريق عبد الرحمن بن هُرمُزَ الأعرجِ؛ فصار صحيحًا لِذاتِه من هذه الطريق.

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ومِن ثَمَّ تُطلَقُ الصِّحَّةُ»: أي: ومِن أجْلِ أنَّ للصورة المجموعة قوَّةً تَجْبُرُ الضَّعفَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ، ولو قال: أُطلِقَتِ الصِّحَّةُ على الإسناد ... إلخ؛ كان أولى. والمراد بـ «الإسناد» هنا: السَّنَدُ، وقد عَلِمتَ أنَّهم يُطلِقون أحدَهما على الآخر، بمعنى أنَّهم يُطلِقون الصِّحَّةَ والحُسْنَ على نَفْسِ السَّنَد، كما يُطلِقونهما على نَفْسِ المَتْنِ، على ما قاله ابن الصَّلاح وغيرُه، والحاصل كما قال العراقي (٢) (هـ/٨٥): أنَّهم رأوُا الحُكمَ للإسناد بالصحة، كقولهم: هذا حديثٌ إسناده صحيح، دُونَ قولهم: هذا حديثٌ صحيح، وكذلك حكمهم على الإسناد بالحُسْنِ كقولهم: إسنادٌ حَسَنٌ، دُونَ قولهم: حديثٌ حَسَنٌ؛ لأنَّه قد يصحُّ الإسنادُ لثقة رجاله، ولا يَصِحُّ الحديثُ لشذوذٍ أو علَّةٍ. تنبيه: عُلِم من هذا أنْ لا تَلازمَ بيْن صِحَّةِ السَّنَدِ أو حُسْنِه وبين صِحَّةِ المَتْنِ أو حُسْنِه؛ إذ قد يَصِحُّ السَّنَدُ أو يَحْسُنُ لاجتماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبطِ دُونَ المَتْنِ لقادحٍ من شذوذ أو علةٍ خفيَّة، كما أنَّه قد يَصِحُّ المَتْنُ من طريق ولا يَكُونُ سندُه وطريقُه الآخَرُ صحيحًا ولا حَسَنًا.

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: الظاهر أنَّ إطلاق الضَّعفِ على السَّنَد أو على المَتْن مثل إطلاق الصحة أو الحُسَن على أحدهما، ولأجْلِ هذا إذا وَرَد المَتْن بسندين أحدُهما فقط ضعيف؛ قُلْنا: إنَّ الحديث ضعيفٌ، ونريد بذلك السَّنَدَ فقط. [قوله] (١): «لَو تَفَرَّدَ»: شرطٌ في كونه حَسَنًا لذاتِه، وجوابه محذوفٌ دَلَّ عليه ما قبله. وقوله: «إذا تَعَدَّدَ» شرطٌ في إطلاق الصِّحَّةِ على ذلك الإسناد، لكنَّ ظاهره أنَّه لا بُدَّ من التعدُّد حتى لا يكفي الواحد، ولا بُدَّ من مراعاة التفصيل المُتقدِّمِ عند قوله: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» (٢). [قوله] (٣): «وهذا»: الحُكمُ على كل قِسْمٍ من الحَسَن والصحيحِ بمباينته للآخَرِ على الوجه السابق حيث ينفرد الوصف.

стр. 343

فَإِنْ جُمِعَا -أَيْ: الصَّحيحُ وَالحَسنُ في وَصْفِ حديثٍ واحدٍ؛ كقولِ التِّرمذيِّ وغيرِهِ: حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ- فللتَّرَدُّدِ الحاصلِ مِنَ المُجْتهِدِ في النَّاقِلِ، هل اجتَمَعَتْ فيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ، أَو قَصَّرَ عَنْها؟! [قوله] (١): «فإِنْ جُمِعَا؛ أي: الصَّحيحُ والحَسَن في وَصْفِ واحِدٍ»: ينبغي أن يُقرأَ بالإضافة، أي: في وَصْفِ حديثٍ واحدٍ، وقد جاء في بعض النسخ كذلك، ويمكن أنْ يُقال: لَمَّا تَبِعَا موصوفًا (أ/٧٣) واحِدًا جُعِل الوَصْفان كالوَصْف الواحد (٢). [قوله] (٣): «كقَولِ التِّرمذيِّ وغَيرِه»: فيه إشارةٌ إلى أنَّ من يجمع بين الوصفين لحديثٍ واحدٍ لا يَحْصُر فيه، خلافًا لبعضهم، ولذا قال (ق) (٤) ممثِّلًا للغير: كيعقوبَ بنِ شَيْبةَ؛ فإنَّه يجمع بين الصِّحَّةِ والحُسنِ والغرابة في مواضعَ من كتابه، وكأبي عليٍّ الطُّوسيِّ؛ فإنَّه جمع بين الصِّحَّةِ والحُسَن في مواضعَ من كتابه المسمى بـ: «الأحكام» (٥)، وعن البخاريِّ أخَذَ التِّرْمِذيُّ، ولكنَّ التِّرْمِذيُّ أَكْثَرَ (٦) بذكره وأظهر الاصطلاح فيه؛ فصار أشْهَرَ به مِن غَيرِه. [قوله] (٧): «فللتَّرَدُّدِ الحَاصِلِ مِن المُجْتَهِدِ في النَّاقِلِ»: هذا صادقٌ بما إذا حصل التردُّدُ مِن شخصٍ واحدٍ. وقوله: «ومُحَصَّلُ الجوابِ ... إلخ» يُفيد خِلافه،

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): أي: فالجمع بين الوصفين لأجْل [التردُّد] (٢) الحاصل من المُجْتَهِد بعد البحث التامِّ والنَّظَرِ الذي يُحِسُّ مِن نَفْسِه معه (٣) العجز عن الخبر مما يقتضي تخصيصه بأحد الوصفين بمفرده لما يتعارض عليه من أحوال رواته، وإيضاحُه: أنَّ المُجْتَهِدَ -كالتِّرْمِذيِّ مثلًا- بعد البحث الشديد لم يدرِكْ من أحوال راويه إلا قولَ بعضهم فيه: صادقٌ -مَثلًا-، وقول بعضهم: ثقةٌ -مثلًا-، ولا يَتَرجَّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما؛ فيقول: حَسَنٌ صحيحٌ، أي: حَسَنٌ عند قوم؛ لأن راويَه عندهم صدوقٌ، صحيح عند آخرينَ؛ لأنَّ راويَه عندهم ثقةٌ، وهو نظير قول الفقيه: في المسألة قولان. وقوله: «شروط الصِّحَّة» راجعٌ للصَّحيح، وقوله: «أو قَصُرَ عنها» أي: قصورًا لا يَحُطُّه لمرتبة الضعيف بقرينة المقابلة، أو التقدير: قصُر عن كمالها؛ فيَخْرُجُ الضعيف لفقدها جملة منه [راجع] (٤) للحسن (٥). تنبيه: ربما يُفهَمُ من قولهم: مُجْتَهِدًا؛ أنَّه لا يُعتبَرُ بالتصحيح أو التحسين إلَّا إذا صدَرا مِن المُجتهِد، ولعلَّ المرادَ به: مَن فيه أهليَّةُ ذلك مِن أهْلِ فَنِّه (٦).

стр. 345

وهَذَا حَيْثُ يَحْصُلُ منهُ التَّفرُّدُ بتلكَ الرِّوايةِ. وعُرِفَ بهذا جَوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ، فَقَالَ: الحسنُ قاصرٌ عنِ الصَّحيحِ، ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذَلكَ القُصورِ، ونَفْيُهُ! [قوله] (١): «وهذا حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ التَّفَرُّدُ»: اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه بما ذُكِرَ من التردُّد، وضمير «يحصل منه» راجع للنَّاقل، المراد به: ما عدا الصحابيِّ، واعترضَ (ق) (٢) قوله: «يَحْصُلُ مِنْهُ ... إلخ»، (هـ/٨٦) بقوله: «يَرِدُ عليه ما إذا كان المُنفرِدُ جَمَعَ شروطَ الصِّحَّةِ /عندهم» انتهى. لكنَّ المؤلِّف في النُّكت (٣) قال «أجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال -يعني: إشكالَ ابنِ الصلاح- لأنَّه باعتبار صِدْقِ الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رُواته عند أئمة الحديث، فإذا كان منهم مَن يكون حديثُه صحيحًا عند قومٍ وحَسَنًا عند قوم يُقال فيه ذلك»، قال: «ويُتَعَقَّبُ هذا: بأنَّه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: حَسَنٌ وصحيح»، قال: «ثُمَّ إنَّ الذي يَتَبادَرُ إلى الفَهم أنَّ التِّرمِذيَّ إنَّما يَحكُمُ على الحديث بالنِّسبة إلى ما عنده لا بالنِّسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويَتَوَقَّفُ أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جَمَعَ فيها التِّرْمِذيُّ بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في صِحَّته قَدَحَ في الجواب أيضًا، لكنْ لو سُلِّم هذا الجوابُ لكان أقربَ إلى المراد من غيره، وإنِّي لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يَرِدُ عليه ممكنٌ» انتهى. فأنت تراه مَسبوقًا بالجواب المذكور هنا، وتراه لم يجزم بأنَّ التِّرمِذيَّ وُجِدَ فيه سندُ حديث مما وصفه بحَسَنٍ صحيحٍ لم يختلف فيه جميعُهم؛ فالإقدام على النقض به من قصير الباع قليل الاطلاع مِن تحرش الأرانب مع ضواري السِّباع. ويُستفاد من كلامه أنَّ حرف العطف المقدَّر: الواو، لا: أوْ، وهو خلاف ما يقتضيه تعبيرُه بحرف التردُّد وتصريحه بأنَّه: أوْ، والله أعلم؛ فَدَع عنك ما قيل أو يُقال، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! قاله (هـ) (١). [قوله] (٢): «وعُرِفَ بهذا»: اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه وأكمل السابق. وقوله: «جواب مَن اسْتَشْكَل» أي: جواب إشكال شَخْصٍ، أو الشَّخص الذي استشكل ... إلخ. ولو قال: جواب استشكال الجمع بين الوصفين بلزوم التناقض، فقال ... إلخ؛ كان أخصَرَ وأظهر. [قوله] (٣): «الحَسَنُ قَاصِرٌ عن الصَّحِيحِ»: يعني أنَّ الحَسَن مُطْلَقًا [تَقْصُر] (٤)

стр. 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أوصاف رُواتِه عن أوصاف رُواةِ الصَّحيح مُطْلَقًا، سواءٌ كان لِذاتِه أو لغيره؛ إذ الصحيح يُعتبَرُ فيه من حيثُ إنَّه صحيحٌ: إمَّا بلوغ نَقَلَتِه أعلى صفات الكمال عَدالةً وضبطًا، وإما شهرة الاتصاف بأضداد ذلك مع وُرود مُقوله كما مَرَّ تفصيلُه، والحَسَنُ من حيث إنَّه حَسَن يُعتبَرُ فيه اتِّصافُ نَقَلَته بالنُّزول عن (أ/٧٤) ذلك مع الاتصاف بأصله لا مع عاضد، أو أنْ يَكُونَ في رُواته مجهولٌ مثلًا مع ورود عاضد لا يُلْحِقه بالصحيح؛ فظهر أنَّ أحدَهما مشروطٌ بأمرٍ والآخَرَ مشروط بنقيضه، وما كان كذلك لا يُتَصَوَّرُ فيه الاجتماعُ. وقضية قولنا: (حَسَنٌ صحيح) أنَّه جمع الوصفين، وهو تناقض؛ لأن في الجمع بين الوصفين إثباتَ ذلك القصورِ ونَفْيَه، وأجاب بما يأتي (١).

стр. 348

ومُحَصَّلُ الجَوَابِ: أَنَّ تَردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حَالِ ناقلِهِ اقْتَضى للمُجْتَهدِ أَلَّا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصْفَينِ، معينًا فَيُقَالُ فِيهِ: حَسنٌ باعتبارِ وَصْفِهِ عندَ قومٍ، صَحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ آخرين. وَغَايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: حَسَنٌ أَو صَحيحٌ. وهَذَا كَما حَذَفَ حَرْفَ العَطفِ مِنَ الَّذي بَعْدَهُ. [قوله] (١): «ومُحَصَّلُ الجوابِ»: قال (ق) (٢): «] يَرِد] (٣) عليه ما إذا كان الراوي جامعًا لشروط الصِّحَّةِ باتفاقٍ ولم يتردَّد واحدٌ فيه» انتهى. قُلتُ: قدَّمنا جوابه، قاله (هـ) (٤). [قوله] (٥): «أَئمَّةِ الحَدِيثِ»: فيه إشارةٌ ما إلى أنَّه لا بد أن يكون التردُّدُ فيما ذُكِرَ من الأئمة المُعتبَرِين، وتقدَّم أنَّهم المجتهدون، يعني في صناعة الحديث، ويكفي في التردُّد وُجودُ الاضطراب في كلامهم عند] التردُّد] (٦) لعَدِّ مآثرهم والخوض في الثناء عليهم، والظاهر -والله أعلم- أنَّ مِن ذلك: التعديلَ المقابل للجَرْح المُبْهَم (٧).

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أَلَّا يَصِفَهُ بأَحَدِ الوَصفَينِ»: يعني فقط تفاديًا عن التحكم ولزوم الترجيح بلا مُرَجِّحٍ، وإنَّما حقُّه أنْ يَصِفَه بهما معًا إمَّا مُصرِّحًا بعزو كلِّ وَصْفٍ من وَصْفَيْهِ أو أوصافِه لقوم، أو مُضمِرًا ذلك مُريدًا له بأنْ يقول: حسَنٌ صحيح، ويريد بالاعتبارين اللَّذَينِ أشار إليهما الشارح، إذا عَلِمتَ هذا عرَفتَ أنَّ قوله: «فيُقال ... إلخ» ليس بيانًا] لِما] (٢) يقوله مُصرِّحًا به؛ لأنَّها ليست من (هـ/٨٧) حالات الاختلاف، ولا من صوَر الإشكال في شيء، بل لِما [ينْويه] (٣) ويُضْمِرُه مُريدًا له، والأصل: فيقول: حَسَنٌ صحيحٌ، يريد الحَسَن باعتبارٍ أو صحيح باعتبار، فلو قال: فيقول، بَدَلَ: «فيقال»؛ كان أَوْلى، كما أنَّه لو أدخل «أو» على قوله: «صحيح باعتبار ... إلخ»؛ كان أولى، بيانًا للمعنى؛ حتى يتضح قوله: «وغاية ... إلخ»، ولكنَّه قصد الحكاية للفظ الواقع من المجتهد مع تفسيره (٤). [قوله] (٥): «وغايةُ ما فيهِ»: أي: وأقصى ما في قولهم: (حَسَنٌ صحيحٌ) من الإشكال على هذا التوجيه وأجمل أنَّه حَذَف منه حرفَ التردُّد والشك، وهو لا يضر في مثل هذا المقام في

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أداء المَرام، على أنَّه سُمِع حذفُه نَظمًا و] شرحًا] (١) ونَثرا، وإنْ كان الأصحُّ اختصاصَ جوازه بالشعر، وهذا الحذف اللاحق لحرف الإضراب هنا كالحذف اللاحق لحرف العطف الذي بعده، وأنَّه من القِسْمِ الذي بعده، وهو قوله: «وإلَّا فبِاعْتِبارِ إِسْنادَينِ». قال (ب) (٢): «لا يُقال: عُهِدَ حذفُ «الواو» دُون «أوْ»؛ لأنَّا نقول: بل ذلك أيضًا معهود، كما قال ابن مالك في شواهد التوضيح (٣) على الجامع الصحيح في حديث عَدِيِّ بن حاتم -رَفَعَه-: «تَصَدَّقَ رجُلٌ مِن [دِرهَمِه] (٤) مِن دينارِه مِن صاعِ تَمرِهِ ... إلخ» (٥)، وفي قول عُمرَ: جَمَع رجُلٌ عليه ثيابَه، صلى في إزار وقميص في إزار في تُبَّانٍ ... (٦)، وفي مُسلِمٍ عن أبي هريرةَ رفَعَه: «اللَّهمَّ إنِّي أتَّخِذُ عِندَك عَهْدًا، فأيُّ مُسْلِمٍ آذَيْتُه شَتَمْتُه لَعَنْتُه جَلَدْتُه ... » (٧) الحديثَ» انتهى. وللمؤلِّف إشكال على هذا الجواب يأتي آخرَ المبحث.

стр. 351

وعَلَى هَذَا، فَمَا قيلَ فيهِ: حَسَنٌ صَحيحٌ، دونَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ؛ لأنَّ الجزمَ أَقْوى مِن التَّردُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ. وإِلَّا -أَيْ: إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ- فَإِطْلَاقُ الوَصفَيْنِ معًا على الحديثِ يكونُ باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ؛ أَحَدُهُما صَحيحٌ، والآخرُ حَسنٌ. وعَلَى هذا، فَما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ، فَوْقَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ، فَقَطْ إذا كَانَ فَرْدًا؛ لأنَّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي. فَإِنْ قيلَ: قدْ صَرَّحَ التِّرمِذيُّ بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: حسنٌ غَريبٌ، لَا نعرِفُهُ إِلَّا مِن هذا الوجهِ؟! [قوله] (١): «وَعَلَى هذا»: اسم الإشارة راجعٌ للجواب، أي: ويبنى على هذا الجواب، أو وإذا بنَيْنا على هذ الجواب كما يُرشدُ له دخولُ الفاء المُشعِرةِ بالشَّرْطية في قوله: «فما» أي: فالحديث الذي، أو الإسناد الذي، و «حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل». تتمة: قال بعضهم: وعلى هذا فما قيل فيه: حَسَنٌ صحيحٌ؛ أعلى مما قيل فيه: حسَنٌ فقط، وبه عُلِم حُكْمُ الأقسام الثلاثة، وهي: حَسَنٌ صحيحٌ، وصحيحٌ فقط، وحَسَنٌ فقط. وفي كتابة: «وعلى هذا ... إلخ» اعتُرِض بأنَّ الحكم على الإسناد بالصِّحَّة لا يُقضى به على المَتْنِ؛ إذ قد يَصِحُّ الإسنادُ لثقة رجاله وضبطِهم واتِّصالِه، ولا

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَصِحُّ المَتْنُ لشذوذ أو عِلَّةٍ، وقد ضَعَّف غيرُ واحدٍ من المحدِّثينَ أحاديثَ مع حكمهم على أسانيدها بالصحة. [قوله] (١): «وهذا»: أي: الجواب، إنَّما يطرد «حَيْثُ التَّفَرُّدُ» أي: في حديثٍ وُصِفَ بالأمْرين جميعًا وكان فردًا، بأنْ لم يَكن له إلَّا طريقٌ واحدٌ. [قوله] (٢): «إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ»: وفي بعض النسخ: «أي: إذا لم ... إلخ»، ولو قال بدله: إن لم يحصل إلخ؛ كان أَولى. فإن قُلتَ: قَدَّر «إذا» لأجْل الفاء بعدها، قلنا: هي في جواب إنْ الشَّرْطية المقرونة بلا النافية؛ لأنَّ التقدير بها أَولى، فلا تَهِم، لا يُقال: قَدَّر إذا إرشادًا إلى أنَّ الشرط مُقدَّرٌ مع لا؛ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّها إلَّا الاستثنائيةُ كما وَقع ذلك لبعض العلماء؛ لأنَّا نقول: تقدير أنْ يدفعه أيضًا. نعمْ يمكن أنْ يقال: إنَّه قدَّر إذا (٣) ليُفيدَ (٤) أنَّ: «إنْ» هنا (أ/٧٥) للمُحقَّق لا للمشكوك، كما هو أصلُها. [قوله] (٥): «وعلى هذا»: أي: وإذا بنَيْنا على هذا الاعتبار، يدُلُّ عليه دخولُ الفاء بعده.

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «فما قيل فيه»: أي: في وصفه، أو في شأنه، أو يُضمَّنُ «قيل»: معنى أطلق، و «في» بمعنى على، و «حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل». [قوله] (٢): «إذا كان فَرْدًا»: أي: إذا كان ما قيل فيه: صحيحٌ فقط فردًا، أمَّا لو كان عَزيزًا أو مشهورًا فيُطْلَبُ الترجيحُ لِما يَصِير به أحدُهما فوقَ الآخَرِ. [قوله] (٣): «تُقَوّى»: أي: يتقوَّى الحديث ويُجبَرُ الخَلَلُ الواقعُ في راويه حتى يُلْحِقَه بالصِّحَّةِ أو الحُسْن (٤). (هـ/٨٨) [قوله] (٥): «فإنْ قِيل ... إلخ»: قَصْدُه بهذا السؤال إيرادُ قولِ الزَّرْكَشيِّ كما يأتي نقْلُه في التتمة آخِرَ المبحث. واعلمْ أنَّ هذا السؤالَ -يعني الذي أورده ابن الصَّلاح- يَرِدُ بعينه في قول الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ؛ لأن مِن شرط الحَسَن أن يكون معروفًا من غير وجه،

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والغريب ما انفرد به أحد رواته، وبينهما تنافٍ، وأجاب عنه لما يأتي ثَمَّةَ. [قوله] (١): «بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ»: أي: طريقٍ. إن قيل: كيف يكون ما ذَكَر عنده شرطًا وقد اعترَف بأنه ذَكَر جزءًا من التعريف، وإنَّما يُذكر في الحدود الذاتيَّاتُ؟ قلنا: التعريف أعمُّ من الحدِّ والرَّسم الذي يذكر فيه الخواص والمزايا التي منها الشروط. فإنْ قُلتَ: التِّرْمِذيُّ أتى بـ «كلِّ» وهي للأفراد؛ فلا يكون ما ذَكَر تعريفًا؛ إذ لا يكون إلَّا للحقائق والماهيَّاتِ دون الأفراد؟ قلنا: قد يقال: إن التعريف حاصِلٌ بمدخولها، وإنَّما جيء بها؛ لبيان الاطِّرادِ. وفي كتابة: «مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ» أي: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فأكثَرَ، فَوْقَه أو مِثله لا دونه؛ فيترجح.

стр. 355

فَالجَوَابُ: أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ المُطْلَقَ، وإِنَّما عَرَّفَ بنوعٍ خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِهِ، وهُوَ ما يقولُ فيهِ: «حَسنٌ»، من غيرِ صفةٍ أُخرى، وذَلكَ أَنَّهُ يَقُولُ في بعضِ الأحاديثِ: «حَسَنٌ»، وفي بعضِها: «صَحيحٌ»، وفي بعضِها: «غريبٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ صحيحٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ غَريبٌ»، وفي بعضِها: «صحيحٌ غريبٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ صحيحٌ غريبٌ». وَتعريفُهُ إِنَّما وَقعَ على الأوَّلِ فَقطْ، وعبارتُهُ تُرشِدُ إِلى ذلك، حيثُ قال في آخِرِ كتابِهِ: «ومَا قُلْنا في كتابِنا: «حديثٌ حسنٌ»، فإِنَّما أَرَدْنا بهِ: حَسَنٌ إِسنادُهُ عندَنا؛ إِذْ كُلُّ حديثٍ يُرْوى ولَا يكونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ، ويُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ نحو ذَلكَ، ولا يكونُ شاذًّا، فهو عندَنا حديثٌ حسنٌ». [قوله] (١): «لم يُعَرِّفِ»: أي: الترمذي، «الحَسَنَ المُطْلَق» أي: سواءٌ وَصَفَه بالصِّحَّةِ أو الغرابة أو لا. [قوله] (٢): «وإِنَّما عَرَّفَ بِنَوعٍ ... إلخ»: «الباء» صِلة، أو ضَمَّن «عَرَّف» معنى نبَّأ، ولو أسقطها كان أخصَرَ وأظهرَ، وضمير «مِنْهُ» للحَسَنِ المُطْلَق، كما أنَّ ضمير «وهو ما يقول فيه ... إلخ» راجعٌ للنَّوع الخاصِّ الذي عَرَّفه، وهو الحَسَن لغيره. [قوله] (٣): «وذَلك»: بيانٌ لما ادعاه من: «أنَّه ... إلخ»، وضمير «أنَّه» الأولى عودُه للتِّرْمِذيِّ، ويجوز

стр. 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جَعْلُه للشأن، وقد عَلِمتَ ما في نظير: «يَقُولُ في بَعْضِ الأحادِيثِ» آنِفًا. [قوله] (١): «إِلى ذَلِكَ»: أي: قَصْر تعريفه على النَّوع الأَوَّل من الحَسَن فقط. [قوله] (٢): «حَيثُ قال»: الظاهر أنَّها حيثيَّةُ تعليل. قوله: «في آخِرِ كِتابِه»: أي: آخِرِ «العِلَلِ» التي ذكرها آخِرَ «الجامع». [قوله] (٣): «وَمَا قُلْنا ... إلخ»: الظاهر أنَّ «ما» فيه موصولةٌ عائدها ضميرُ «به» من قوله: «إنَّما أَرَدْنا به»، والمَصدريَّة لا ضمير لها. [قوله] (٤): «كُلُّ حَديثٍ يُرْوَى ... إلخ»: قال بعضهم: «هو خبرُ مبتدأٍ محذوف» انتهى. قُلتُ: والظاهر أنَّه مبتدأٌ خبرُه جملة قوله: «فهو عندنا ... إلخ»، ودخول «الفاء» في خبر المبتدأ الدالِّ على العموم أو المفيد للإبهام جائزٌ، وقد قدَّمْنا الكلام على دخول «كُلٍّ» في التعريف آنفًا.

стр. 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «لا يَكُونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ»: معناه بأنْ لم يظهر منه [تعمده] (١)، ولَمَّا شَمِل ذلك ما كان بعض رُواته: سيئَ الحفظ أو مستورًا أو مُدَلِّسًا بالعنعنة مثلًا أو مُختَلِطًا؛ شَرَطَ شَرْطًا آخَرَ مُصححًا له، فقال: «ويُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ» بأن] يجيء] (٢) من طريقٍ آخَرَ مِثلِه أو فوقَه أو أكثرَ إنْ كان دُونه كما مَرَّ تفصيلُه، سواءٌ كان مما [هو] (٣) بلفظه أو بمعناه يَتَرَجح به أحد الاحتمالين؛ لأنَّ سيئ الحفظ مثلًا يُحتمل أن يَكونَ ضبَطَ مَرْوِيَّه ويُحتمل خلافُه، فإذا وَرَدَ من وجهٍ آخَرَ مِثل ما رواه غَلَب على الظَّن أنَّه ضَبَط. واعتُرِضَ عليه بأنَّ: ما حَدَّ به الحَسَن لم يميِّزه عن الصحيح، وأُجيبَ: بأنَّه مَيَّزه عنه؛ حيث شَرَطَ فيه أنْ يُروى [ذلك] (٤) مِن وجهٍ آخَرَ دون الصحيح، فلم يُشتَرَط فيه ذلك، وهو لم يُعَرِّف بذلك كلَّ حَسَنٍ، بل ما قال فيه: حسنًا فقط، وهو الحَسَن لغيره، دُون ما قال فيه: حَسَنٌ صحيحٌ، أو حَسَنٌ غَريبٌ، أو حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ، كما قاله الشارح. وفي كتابة: لو قال: من وجهٍ آخَرَ نحو ذلك؛ كان أظهَرَ في إفادة المعنى [المراد] (٥). وقوله: «نَحْوَ ذلك» صفة لـ: «غير».

стр. 358

فعُرِفَ بِهَذَا أَنَّهُ إِنَّما عَرَّفَ الَّذي يقولُ فيه: «حَسنٌ» فَقطْ، أَمَّا ما يقولُ فيهِ: «حسنٌ صحيحٌ»، أو: «حسنٌ غريبٌ»، أو: «حسنٌ صحيحٌ غريبٌ»، فلم يُعَرِّجْ على تعريفِهِ، كما لم يُعَرِّجْ على تعريفِ ما يَقولُ فِيهِ: «صحيحٌ» فَقطْ، أو: «غريبٌ» فَقطْ. وَكأنَّهُ تَرَكَ ذَلكَ؛ اسْتِغناءً بشُهرَتِهِ عندَ أَهلِ الفنِّ، واقْتصرَ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ في كتابهِ: «حسنٌ» فَقطْ؛ إِمَّا لغُموضِهِ، وإِمَّا لأنَّهُ اصطِلاحٌ جديدٌ، ولذَلكَ قيَّدَهُ بقولِهِ: «عندنا»، ولم يَنْسُبه إِلى أَهلِ الحديثِ كما فَعَل الخَطَّابيُّ. [قوله] (١): «أمَّا ما يَقُولُ فيه ... إلخ»: يوضّح هذا ما ذكره في «العِلَل» من حديث خالدٍ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هريرة يَرفَعُه: «مَن أَشارَ إلى أخيه بحديدةٍ ... الحديثَ» (٢)، قال فيه: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ (أ/٧٦) من هذا الوجه»، استُغرِب من حديث خالدٍ لا مُطْلَقًا (٣). (هـ/٨٩) [قوله] (٤): «كَما لم يُعَرِّجْ ... إلخ»: «ما» فيه مصدريَّة. قوله: «أو كَأَنَّه تَرَك ذلك»: أي: تعريف كلِّ ما لم يَتَعَرَّضْ لتعريفه ممَّا ذَكَرَه.

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «[لشهرته] (٢) ... إلخ»: زاد بعضهم: أو ذُهولًا، أو لكَونِه يُعْلَمُ بالمُقايَسةِ على ما ذَكَرَه. [قوله] (٣): «واقْتَصَرَ .. »: إلى قوله: «فَقَطْ» تَكرارٌ؛ أعاده ليُرتِّبَ عليه التعليلَ ويُلصِقَه به. [قوله] (٤): «إمَّا لغُمُوضِه ... إلخ»: لو قال: ولأنَّه اصطلاحٌ جديد؛ لكان أحسَنَ؛ إذْ كلامُه يقتضي أنَّهما جَوابان، أحدهما: الغموض وهو اصطلاح قديم، والثاني: أنَّه اصطلاح جديدٌ، ولا يخفى ما فيه. تنبيه: الحديث الضعيف تارةً يكون ضَعفُه لضَعْفِ حِفظِ راويه الصدوق الأمين؛ فإذا جاء مِنْ وجهٍ آخَرَ ضعيفًا صار حسنًا لغيره، وكذا لو كان ضَعفُه لإرسالٍ أو تدليسٍ أو جهالةِ حالٍ وزال بمجيئه مِن طريقٍ آخَرَ، وإن كان الضَّعفُ لفِسْقِ الراوي فمجيئُه مِنْ وجهٍ آخَرَ لا يؤثِّرُ فيه، قاله (ج) (٥). وقال (هـ) (٦): «اصطلاح جديدٌ» يعني له وحْدَه.

стр. 360

وَبِهَذَا التَّقريرِ يَنْدَفعُ كَثيرٌ مِنَ الإِيراداتِ الَّتي طالَ البحثُ فيها، ولمْ يُسْفِرْ وَجْهُ تَوْجيهِها، فللهِ الحمدُ على ما أَلْهَم وعَلَّمَ. [قوله] (١): «مِنَ الإيراداتِ ... إلخ»: الظاهر -والله أعلم- أنَّ مراده: الإيرادات على جَوابَي ابن الصَّلاح وغيرهما مما هو لغيره، وإلا فليس في المقام إلَّا الإيراد الذي أشار إليه ابن الصَّلاح (٢)، وذلك أنَّه بعد إيراده الإشكالَ السابقَ قال: «وجوابه: أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد؛ فإذا رُوِي الحديثُ الواحد بإسنادين، أحدهما: إسناد حَسَنٌ، والآخر: إسناد صحيح؛ يستقيم أنْ يُقال فيه: إنه حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، أي: إنه حَسَنٌ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَرَ، على أنه غيرُ مُستَنكَرٍ أنْ يَكون بعضُ مَن قال ذلك أراد بالحُسن: معناهُ اللُّغويَّ، وهو ما تميل إليه النَّفْسُ ولا يأباه القلب، دُون المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحنُ بصَدَده» انتهى. فقال ابن دَقيقِ العِيدِ في «الاقتراح» (٣): «يَرِدُ على الجواب الأول الأحاديثُ التي قيل فيها: حَسَنٌ صحيحٌ، مع أنَّه ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ، ويَرِدُ على الثاني: أنَّه يَلزَمه أنْ يُطلِق الحُسْنَ على الحديث الضعيف، وإن بَلَغ رتبةَ الوضع إذا كان حَسَن اللفظ تَميل إليه النفْسُ ولا يأباه القلب، ولا قائلَ به من المحدِّثينَ» انتهى، وَرَدَّ المؤلِّفُ في النكت (٤) اعتراضَ ابن دَقيقِ العِيدِ الثانيَ بقوله: «قلتُ: أطلقوا

стр. 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الحديث الضعيف بأنَّه حَسَنٌ وأرادوا حَسَن اللفظ لا المعنى المصطلحَ عليه»، وساق حديثًا طويلًا عن معاذ بن جبلٍ، «وقال فيه ابن عبد البر: وهو حديثٌ حَسَنٌ جِدًّا، ولكن له إسناد قوي» انتهى كلامه، فإنَّه من رواية موسى بن محمد البلقاوي، عن عبد الرحيم بن زيد العمِّي، والبلقاوي كذاب؛ كذَّبه أبو زُرعة وأبو حاتم، ونَسَبَه ابنُ حِبَّان والعُقيليُّ لوضع الحديث، وعبد الرحيم العمِّي متروكٌ أيضًا. ولابن دَقيقِ العيدِ أن ينفصل عن ذلك بقوله: «إذا أجروا على اصطلاحهم»، والإلزام الصحيح لابن الصَّلاح ما قاله المؤلِّف من أنَّه: «يَلْزَم على إرادة الحُسْنِ اللُّغويِّ ألَّا يوصَفَ حديثٌ بصحة ولا غرابة ولا فَرْديَّةٍ ولا شذوذ إلَّا والحَسَن تابع لذلك؛ فإن كلَّ أحاديث النبي ﵊ (١) حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلمَّا رأينا الذي وقع في كلامه كثيرًا ما يُفَرِّق، فتارةً يقول: حَسَنٌ ويُطْلِقُ، وتارةً يقول: صحيحٌ فقط، وتارةً يقول: حَسَنٌ صحيحٌ، وتارةً يقول: صحيحٌ غريبٌ، ونحو ذلك؛ عَرَفْنا أنَّه لا محالة جارٍ مع الاصطلاح دون اللُّغة» انتهى. وقال السيوطيُّ (٢): «وظهر لي توجيهان آخران؛ أحدهما: أنَّ المراد حَسَنٌ لذاتِه صحيحٌ لغيره، والآخر: أنَّ المراد حَسَنٌ باعتبار إسناده، صحيحٌ، أي: أنه أصَحُّ شيءٍ وَرَد في الباب، فإنَّه يُقال: أصَحُّ ما وَرَد كذا، وإنْ كان حَسَنًا أو

стр. 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ضعيفًا، والمراد: أرْجَحُه أو أقلُّه ضعفًا» انتهى. (هـ/٩٠) قُلتُ (١): والأول لا يَطَّرِد في قوله: حَسَنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، والثاني يوجِب عَدَمَ العمل بما وصفه بأنَّه: حَسَنٌ صحيحٌ إلَّا بعد التفتيش والفحص؛ لاحتمال ضَعفِه، وهو خِلافُ ما تَعارَف عليه علماءُ السُّنَّة وغيرُهم. انتهى (٢). (أ/٧٧) [قوله] (٣): «على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ»: فيه [إشعارٌ] (٤) بأنَّ الجواب السابق مِن مُخترعاته، وقد عَلِمتَ ممَّا نَقَلْناه أنَّه مَسبوقٌ بالجواب بما لم يتعدَّد إسنادُه. و «ما» مصدريَّةٌ، وهو أقْعَدُ؛ لأنَّ الحمد على الصفات أَمكَنُ من الحمد على مُتعلَّقاتها، ويجوز أنْ تكون موصولةً والعائد محذوف، أي: على ما ألهمَناه وعلَّمَناه، والإلهام: إلقاءُ معنًى في القلب بطريق الفيض، بحيث يَثْلَجُ له القلب وتطمئنُّ له النفْسُ، ولا يَخْفَى أنَّ التعلُّم والتعليمَ فرعُ الإلهام، على أنَّ إسناد الإلهام إليه تعالى بلا واسطة من العبد؛ فلذا قدَّمه على التعليم الغالب فيه التوسُّطُ. وقد قدَّمنا أن العاضد إنما يُقَوِّي الحديثَ إذا خَفَّ ضَعفُه، كخِفَّة حِفظ راويه الصَّدوقِ الأمين وكإرساله، أو جهالة حال راويه، وأما إذا قَوِيَ فلا يَنجَبِرُ كفِسْقِ الراوي.

стр. 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: لم يَذْكُرِ النَّوعَ الذي يُعبِّرُ عنه بعضهم بالصَّالح؛ لعلَّه لكونه يراه راجعًا للحَسَن، كما هو رأيُ الأكثرين، خلافًا لأبي داودَ في جَعْلِه قِسْمًا برأسه، ونَحوُه قولُ يعقوبَ بنِ شَيْبةَ: «الصَّالِح: ما في إسناده مَنْ ليس بالثَّبْتِ»، ولا شكَّ في اندراج هذا في تعريف الحَسَن؛ لأنَّه: ما في سنده مستورٌ خالٍ عن الشذوذ والعلة القادحة. قال أبو داودَ: «ما في كتابي إنِ اشتدَّ وَهْنُه بيَّنْتُه، وإنْ سَكَتُّ عنه فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض». يعني: أنَّ مراتب الصالح مُتفاوِتةٌ في الصَّلاحيَّة، «وذَكَرتُ فيه: الصَّحيح، وما [يُشبِهُه] (١) ويقارِبُه» (٢) أي: الحَسَن، قاله (هـ) (٣).

стр. 364

وَزِيادةُ رَاوِيهِما -أَيْ: الصَّحيحِ والحَسَنِ- مقبولةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِرَوايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ ممَّن لَمْ يَذْكُرْ تلكَ الزِّيادةَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ: * إِمَّا أَنْ تكونَ لا تَنافِيَ بينَها وبينَ روايةِ مَن لم يَذْكُرْها، فهذه تُقْبَلُ مُطْلقًا؛ لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُسْتقلِّ الذي يَنْفَرِدُ بهِ الثِّقةُ، ولا يَرويه عَنْ شيخِهِ غيرُهُ. [قوله] (١): «وزِيادةُ راويهما»: أي: راوي الصحيح، وهو مَنْ يكون عدلًا تامَّ الضَّبْط، وراوي الحَسَن، وهو مَن يكون قليلَ الضَّبطِ لا بحيث يُرَدُّ ما انفَرَد به. وقال (هـ) (٢): «وزِيادةُ راويهما» هو من إضافة المصدر إلى فاعله، الواقع موقعَ الثقة في كلام غيره، وهو مَن وُجدت فيه شروطُ القَبول، المفيد لاعتبارها هنا إضافة الراوي لضمير الحَسَن والصَّحيح، وعَوْدُ الضمير للصَّحيح والحَسَن من غير تَقييدٍ مُشعِرٌ بشُمول الحَسَنِ والصحيح لِذاتِهما ولغيرهما، كما أنَّ إطلاق الزيادة شاملٌ للزيادة في المتن والزيادة في السند، وللزيادة في اللفظ وللزيادة في المعنى، سواءٌ تعلَّق بها حُكْمٌ شرعيٌّ أو لا، غَيَّرَتِ الحُكْمَ الثابت أو لا، غَيَّرت الإعراب أو لا، ثُمَّ إنَّ كلامه شاملٌ لِمَا إذا عُلِم اتِّحادُ المجلس فيها ولِمَا إذا لم يُعْلَم اتحادُه، ولِمَا إذا كَثُرَ الساكتون عنها ولِمَا إذا لم يَكْثُرُوا، وعلى العموم مشى شيخ الإسلام في شرح الألفيَّة (٣).
следующие страницы →