← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 360–399 · переход к 365.

стр. 360

وَبِهَذَا التَّقريرِ يَنْدَفعُ كَثيرٌ مِنَ الإِيراداتِ الَّتي طالَ البحثُ فيها، ولمْ يُسْفِرْ وَجْهُ تَوْجيهِها، فللهِ الحمدُ على ما أَلْهَم وعَلَّمَ. [قوله] (١): «مِنَ الإيراداتِ ... إلخ»: الظاهر -والله أعلم- أنَّ مراده: الإيرادات على جَوابَي ابن الصَّلاح وغيرهما مما هو لغيره، وإلا فليس في المقام إلَّا الإيراد الذي أشار إليه ابن الصَّلاح (٢)، وذلك أنَّه بعد إيراده الإشكالَ السابقَ قال: «وجوابه: أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد؛ فإذا رُوِي الحديثُ الواحد بإسنادين، أحدهما: إسناد حَسَنٌ، والآخر: إسناد صحيح؛ يستقيم أنْ يُقال فيه: إنه حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، أي: إنه حَسَنٌ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَرَ، على أنه غيرُ مُستَنكَرٍ أنْ يَكون بعضُ مَن قال ذلك أراد بالحُسن: معناهُ اللُّغويَّ، وهو ما تميل إليه النَّفْسُ ولا يأباه القلب، دُون المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحنُ بصَدَده» انتهى. فقال ابن دَقيقِ العِيدِ في «الاقتراح» (٣): «يَرِدُ على الجواب الأول الأحاديثُ التي قيل فيها: حَسَنٌ صحيحٌ، مع أنَّه ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ، ويَرِدُ على الثاني: أنَّه يَلزَمه أنْ يُطلِق الحُسْنَ على الحديث الضعيف، وإن بَلَغ رتبةَ الوضع إذا كان حَسَن اللفظ تَميل إليه النفْسُ ولا يأباه القلب، ولا قائلَ به من المحدِّثينَ» انتهى، وَرَدَّ المؤلِّفُ في النكت (٤) اعتراضَ ابن دَقيقِ العِيدِ الثانيَ بقوله: «قلتُ: أطلقوا

стр. 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الحديث الضعيف بأنَّه حَسَنٌ وأرادوا حَسَن اللفظ لا المعنى المصطلحَ عليه»، وساق حديثًا طويلًا عن معاذ بن جبلٍ، «وقال فيه ابن عبد البر: وهو حديثٌ حَسَنٌ جِدًّا، ولكن له إسناد قوي» انتهى كلامه، فإنَّه من رواية موسى بن محمد البلقاوي، عن عبد الرحيم بن زيد العمِّي، والبلقاوي كذاب؛ كذَّبه أبو زُرعة وأبو حاتم، ونَسَبَه ابنُ حِبَّان والعُقيليُّ لوضع الحديث، وعبد الرحيم العمِّي متروكٌ أيضًا. ولابن دَقيقِ العيدِ أن ينفصل عن ذلك بقوله: «إذا أجروا على اصطلاحهم»، والإلزام الصحيح لابن الصَّلاح ما قاله المؤلِّف من أنَّه: «يَلْزَم على إرادة الحُسْنِ اللُّغويِّ ألَّا يوصَفَ حديثٌ بصحة ولا غرابة ولا فَرْديَّةٍ ولا شذوذ إلَّا والحَسَن تابع لذلك؛ فإن كلَّ أحاديث النبي ﵊ (١) حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلمَّا رأينا الذي وقع في كلامه كثيرًا ما يُفَرِّق، فتارةً يقول: حَسَنٌ ويُطْلِقُ، وتارةً يقول: صحيحٌ فقط، وتارةً يقول: حَسَنٌ صحيحٌ، وتارةً يقول: صحيحٌ غريبٌ، ونحو ذلك؛ عَرَفْنا أنَّه لا محالة جارٍ مع الاصطلاح دون اللُّغة» انتهى. وقال السيوطيُّ (٢): «وظهر لي توجيهان آخران؛ أحدهما: أنَّ المراد حَسَنٌ لذاتِه صحيحٌ لغيره، والآخر: أنَّ المراد حَسَنٌ باعتبار إسناده، صحيحٌ، أي: أنه أصَحُّ شيءٍ وَرَد في الباب، فإنَّه يُقال: أصَحُّ ما وَرَد كذا، وإنْ كان حَسَنًا أو

стр. 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ضعيفًا، والمراد: أرْجَحُه أو أقلُّه ضعفًا» انتهى. (هـ/٩٠) قُلتُ (١): والأول لا يَطَّرِد في قوله: حَسَنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، والثاني يوجِب عَدَمَ العمل بما وصفه بأنَّه: حَسَنٌ صحيحٌ إلَّا بعد التفتيش والفحص؛ لاحتمال ضَعفِه، وهو خِلافُ ما تَعارَف عليه علماءُ السُّنَّة وغيرُهم. انتهى (٢). (أ/٧٧) [قوله] (٣): «على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ»: فيه [إشعارٌ] (٤) بأنَّ الجواب السابق مِن مُخترعاته، وقد عَلِمتَ ممَّا نَقَلْناه أنَّه مَسبوقٌ بالجواب بما لم يتعدَّد إسنادُه. و «ما» مصدريَّةٌ، وهو أقْعَدُ؛ لأنَّ الحمد على الصفات أَمكَنُ من الحمد على مُتعلَّقاتها، ويجوز أنْ تكون موصولةً والعائد محذوف، أي: على ما ألهمَناه وعلَّمَناه، والإلهام: إلقاءُ معنًى في القلب بطريق الفيض، بحيث يَثْلَجُ له القلب وتطمئنُّ له النفْسُ، ولا يَخْفَى أنَّ التعلُّم والتعليمَ فرعُ الإلهام، على أنَّ إسناد الإلهام إليه تعالى بلا واسطة من العبد؛ فلذا قدَّمه على التعليم الغالب فيه التوسُّطُ. وقد قدَّمنا أن العاضد إنما يُقَوِّي الحديثَ إذا خَفَّ ضَعفُه، كخِفَّة حِفظ راويه الصَّدوقِ الأمين وكإرساله، أو جهالة حال راويه، وأما إذا قَوِيَ فلا يَنجَبِرُ كفِسْقِ الراوي.

стр. 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: لم يَذْكُرِ النَّوعَ الذي يُعبِّرُ عنه بعضهم بالصَّالح؛ لعلَّه لكونه يراه راجعًا للحَسَن، كما هو رأيُ الأكثرين، خلافًا لأبي داودَ في جَعْلِه قِسْمًا برأسه، ونَحوُه قولُ يعقوبَ بنِ شَيْبةَ: «الصَّالِح: ما في إسناده مَنْ ليس بالثَّبْتِ»، ولا شكَّ في اندراج هذا في تعريف الحَسَن؛ لأنَّه: ما في سنده مستورٌ خالٍ عن الشذوذ والعلة القادحة. قال أبو داودَ: «ما في كتابي إنِ اشتدَّ وَهْنُه بيَّنْتُه، وإنْ سَكَتُّ عنه فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض». يعني: أنَّ مراتب الصالح مُتفاوِتةٌ في الصَّلاحيَّة، «وذَكَرتُ فيه: الصَّحيح، وما [يُشبِهُه] (١) ويقارِبُه» (٢) أي: الحَسَن، قاله (هـ) (٣).

стр. 364

وَزِيادةُ رَاوِيهِما -أَيْ: الصَّحيحِ والحَسَنِ- مقبولةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِرَوايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ ممَّن لَمْ يَذْكُرْ تلكَ الزِّيادةَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ: * إِمَّا أَنْ تكونَ لا تَنافِيَ بينَها وبينَ روايةِ مَن لم يَذْكُرْها، فهذه تُقْبَلُ مُطْلقًا؛ لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُسْتقلِّ الذي يَنْفَرِدُ بهِ الثِّقةُ، ولا يَرويه عَنْ شيخِهِ غيرُهُ. [قوله] (١): «وزِيادةُ راويهما»: أي: راوي الصحيح، وهو مَنْ يكون عدلًا تامَّ الضَّبْط، وراوي الحَسَن، وهو مَن يكون قليلَ الضَّبطِ لا بحيث يُرَدُّ ما انفَرَد به. وقال (هـ) (٢): «وزِيادةُ راويهما» هو من إضافة المصدر إلى فاعله، الواقع موقعَ الثقة في كلام غيره، وهو مَن وُجدت فيه شروطُ القَبول، المفيد لاعتبارها هنا إضافة الراوي لضمير الحَسَن والصَّحيح، وعَوْدُ الضمير للصَّحيح والحَسَن من غير تَقييدٍ مُشعِرٌ بشُمول الحَسَنِ والصحيح لِذاتِهما ولغيرهما، كما أنَّ إطلاق الزيادة شاملٌ للزيادة في المتن والزيادة في السند، وللزيادة في اللفظ وللزيادة في المعنى، سواءٌ تعلَّق بها حُكْمٌ شرعيٌّ أو لا، غَيَّرَتِ الحُكْمَ الثابت أو لا، غَيَّرت الإعراب أو لا، ثُمَّ إنَّ كلامه شاملٌ لِمَا إذا عُلِم اتِّحادُ المجلس فيها ولِمَا إذا لم يُعْلَم اتحادُه، ولِمَا إذا كَثُرَ الساكتون عنها ولِمَا إذا لم يَكْثُرُوا، وعلى العموم مشى شيخ الإسلام في شرح الألفيَّة (٣).

стр. 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «[ما] (٢) لَمْ [تَقَعْ] (٣) ... إلخ»: «ما» مصدريَّةٌ ظرفيَّة، أي: مُدَّة عدم وقوع تلك الزيادة ... إلخ؛ فدَخَل في منطوقه: الزيادةُ الواقعة الموافِقة لمن هو أَوْثَقُ، والموافِقةُ والمخالِفة لمُساويه، والمخالِفة للأوثق إذا أمْكَنَ الجمعُ بينها وبين روايته، ودَخَل في مفهومه: الزيادةُ المخالفة لرواية الأوثقِ منه، والمراد بالأوثق -كما يأتي-: الأرجح؛ إمَّا بكثرة عدَدٍ، أو بزيادة حفظ وإتقان، أو بغير ذلك من وجوه الترجيح، وفاعل «تقع»: «زيادة راويها»، والمُنافِية: المخالِفةُ مُخالَفةً لا يتأتى معها الجَمْعُ، وأخْصَرُ ممَّا قاله: إذا لم تُنافِ روايةَ أَوْثَقَ منه، قاله (ب) (٤). [قوله] (٥): «ممَّنْ لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةَ»: لا يصح في «مِنْ» هذه أنْ تكونَ تفصيليَّةً صِلَةَ «أوثق»، ولا (هـ/٩١) [المعدّية] (٦) صلة «مقبولة»، وإنما هي «مِن» البيانيَّةُ لـ: «مَنْ هو أوثق»، يعني ذلك الأوثق/ هو: من لم يَروِ تلك الزيادة، كما أشار إليه الكمال الشريف (٧)، وأمَّا امتناعُ جَعْلِها صلةً «تَقَع» فبَديهيٌّ.

стр. 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لأنَّ الزِّيادَة ... إلخ»: قال (ق) (٢): «تقسيم للزيادة لا] تعليل] (٣) [كما] (٤) وقع في المَتْنِ، [هذا] (٥) الظاهر من السَّوق، فإنِ اعتبَرَه المؤلِّف تعليلًا فهو أعمُّ مما في المَتْنِ، وكان اللائقُ في التعليل أنْ يقول: لأنَّ المُنافيةَ لرواية مَن هو أوثق معارَضةٌ بأَرجَحَ؛ فلم تُقْبَلْ، والتي لم تُنافِ بمنزلة حديثٍ مُسْتقِلٍّ، ويُفهَمُ منه: أنَّ ما نافى وليس بأوثقَ أنَّه مُقدَّمٌ» انتهى. أقول: كلام المؤلِّفِ مُشتمِلٌ على أمْرين؛ أحدُهما: أنَّها تُقْبَلُ حيث لم تُنافِ، والثاني: أنَّها إنْ نافت لم تُقْبَل، والأمر الثاني مستفاد من المفهوم، فإذا جُعل التعليلُ لهما لم يكن أعَمَّ، وإن جُعِل تعليلًا لِمَا يُستفاد من المنطوق كان أعمَّ، مع أنَّه تقسيمٌ مُشتمِلٌ على التعليل، وكلامه يقتضي أو يوهِم استظهارَ أنَّه تقسيمٌ لا بقيدِ التعليل فلا يَشتمِلُ عليه، وليس كذلك، قاله (ج) (٦). وقال (هـ) (٧): «لأنَّ (أ/٧٨) الزيادة إلخ» هذا تعليلٌ للحكم بانقسام الزيادة المقبولة والمردودة كما لا يَلتبِسُ.

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (ق) (١): هذا تقسيم للزيادة لا تعليل ... إلخ، فإنْ أراد بما في المَتْن التقسيم فلا أَعَمِّيَّةَ، نعمْ التقسيم لا يعلَّل؛ لأنَّه من باب التصورات، وإنْ أراد به الحُكمَ بقَبولها بقَيْدِها فالتعليل إنما وقع بمجموع الكلامين لا بالأول فقط؛ فلا أَعَمِّيَّةَ أيضًا، غايتُه أنَّه لَفٌّ ونَشْرٌ، فبعضه لحُكْم المنطوق وبعضُه لحُكْم المفهوم. وقوله: «فإن اعتبره تعليلًا» أي: لِمَا في المَتْنِ، وقد عَلِمتَ ما حمَلْناه عليه مِمَّا لا يَتوَجَّهُ الاعتراضُ إليه. [قوله] (٢): «مُطْلَقًا»: أي: من غير نظرٍ إلى كون الآتي بها أَوْثَقَ أو مساويًا باتفاق، بل بإجماع. [قوله] (٣): «في حُكْمِ الحدِيث ... إلخ»: هذا مفيد لحُكْمِ مفهوم «زيادة» المعبَّر بها، ويُزاد على ما علَّل به تعليلٌ آخَرُ هو في كلامهم أعْرَفُ، وهو أنَّ راويَها جازمٌ بما رواه وهو ثقة ولم يخالِفْه غيرُه فيها، بل سَكَتَ عنها. [قوله] (٤): «الذي يَنْفَرِدُ به الثِّقَةُ»: أي: الثابتُ توثيقه. وقوله: «ألَّا يَرْوِيَهُ عَنْ شَيْخِهِ غَيْرُهُ»: عطفُ تفسيرٍ لقوله: «تَفَرَّد ... إلخ».

стр. 368

* وَإِمَّا أَنْ تكونَ مُنافِيةً بحيثُ يلزمُ مِن قبولِها رَدُّ الرِّوايةِ الأُخْرى، فهَذِهِ الَّتي يَقَعُ التَّرجيحُ بَيْنها وبينَ مُعَارِضِها، فَيُقْبَلُ الرَّاجحُ، ويُرَدُّ المرجوحُ. وَاشْتُهِرَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ العُلَماءِ القَوْلُ بقَبُولِ الزِّيادةِ مُطْلقًا مِن غيرِ تفصيلٍ، ولَا يَتَأَتَّى ذَلكَ عَلَى طريقِ المُحَدِّثينَ الَّذينَ يَشْتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَلَّا يكونَ شاذًّا، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَنْ هو أَوثقُ منهُ. وقوله: «بحيثُ يَلْزَمُ ... إلخ»: قيدٌ لا بُدَّ منه؛ للاحتراز عن الزيادة المخالِفةِ مخالَفةً لا توجب رَدَّ راويه الأوثق، فإنْ أمْكَنَ الجَمْعُ بينهما كزيادةِ سعد بن طارق لفظ: «وتُربتها» في حديث: «فُضِّلتُ على النَّاسِ بثلاثٍ: أُحِلْتَ لنا الغنائمُ، وجُعِلَتْ صُفوفُنا كصُفوفِ المَلائكةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (١) كما هو رواية جميعِ الرُّواة غيره، لكنَّ القاعدة ردُّ المُطْلَق إلى المُقَيَّد؛ فحَمَل الشافعيُّ وأحمدُ -لهذه القاعدة- روايةَ الجمهور على روايته، فأوجَبَا في التيمم خصوصَ التراب. وبهذا التقرير لكلامه تنقسم الزيادة لثلاثة أقسام، كما قاله ابن الصَّلاح (٢): مقبولٌ اتفاقًا، وهي: الموافِقة لرواية الآخرين، ومردودة اتفاقًا، وهي: المنافية لروايتهم منافاةً لا يمكِنُ الجَمْعُ معها، ومُخْتَلَفٌ فيها، والأصحُّ: القَبولُ، وهي: المنافية لرواية الآخرين منافاةً يمكِن معها الجَمْعُ. [قوله] (٣): «فهذه التي»: مبتدأٌ وخبر. ولو قال: هي التي؛ كان أبْعَدَ من التباس الخبر بالنَّعت.

стр. 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «فَيُقْبَلُ الرَّاجِحُ ... إلخ»: يريدُ: سواءٌ كان الراجحُ روايةَ ناقل الزيادة، أو روايةَ الساكت عنها، وهذا بيانٌ لمفهوم ما لم] تقع] (٢) منافيةً لرواية مَن هو أوثَقُ منه، وحاصله: أنَّ فيه هذا التفضيلَ، وصارت المسألةُ حينئذٍ من باب التعارض. تنبيه: مِثل سكوت غير راويها عن نقلها: تصريحُه بنفيها على وَجْهٍ يُقْبَلُ، كـ: لمْ أسمعْها، بخلاف ما إذا (٣) أتى بها على وَجْهٍ لا يُقْبَلُ، كـ: لمْ يَقُلْها النبيُّ ﵊ (٤)؛ فإنَّه لا أثر له. تتمة: (هـ/٩٢) جزَمَ في «جمع الجوامع» بأنَّ: الزيادة إذا [غَيَّرت] (٥) إعرابَ الباقي، وكانت منافيةً لتغييرها المعنى؛ حَصَل التعارض أيضًا؛ فيُطْلَبُ الترجيح، كما لو رويَ: «فَرَضَ رسولُ اللهِ الزكاة الفِطرِ صاعًا مِن تَمرٍ إلخ» نصفَ صاعٍ. فائدة: لو رواها راوٍ بها مرَّةً وسكت عنها أخرى فكَراوِيَيْنِ، نعمْ: يُشكل مع قوله: «مَن هو أَوثَقُ منه».

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «واشْتُهِرَ عن جَمْعٍ ... إلخ»: ليس الخلافُ مطْلقًا، بل هو مقيَّدٌ بما إذا كان الراوي الزيادةَ تابعيًّا فمَنْ دُونَه، أمَّا إنْ كان صحابيًّا فإنَّ زيادته مقبولةٌ مُطْلَقًا اتِّفاقًا، فإنْ كانت مُخالِفةً وقع التعارض بينها وبين مخالِفها، ويُصارُ حينئذٍ إلى الترجيح إن لم يمكِن الجمعُ. وأَبْهَمَ «العلماء» فلم يُعَيِّنْهم؛ ليَصْلُحَ للفقهاء والمحدِّثينَ والأصوليين، فقد كان الخلافُ من بعض الفرق الثلاث، إلَّا أنَّ ابن عبد البَرِّ قَيَّد قولَ المحِّدثينَ بما إذا لم يكن راويها دُونَ من لم يَروِها حفظًا وإتقانًا، وهو موافق [لِما] (٢) قاله المؤلف وذهب إليه، ومنه يُعلم أنَّ قول الشارح: «الذين يَشترِطون ... إلخ» تخصيصٌ للمحدِّثين لا وصفٌ كاشف لهم. وفي كتابة: «ولا يَتَأتَّى ... إلخ» فإنْ قُلْتَ: الرواية التي فيها الزيادةُ منافيةٌ للرواية التي خَلَتْ منها، والغرض: أنَّ الرواية الخالية منها هي روايةُ الأوثق؛ فتكون الزيادة من الشَّاذِّ على كل حالٍ، فكيف تُقْبَلُ؟ قُلْتُ: ليست الزيادةُ مُطْلَقًا منافيةً، كما أشار إليه الشارح بقوله: «لأنَّ الزيادة إمَّا أنْ تكونَ ... إلخ»، ونحوه لشيخ الإسلام؛ فتأمل. [قوله] (٣): «في الصَّحيحِ»: أي: الحديثِ الصحيح، ومِثلُه الحَسَنُ على ما عرَفتَ، وكما يُصرِّحُ به أيضًا (أ/٧٩) الآنَ.

стр. 371

والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذَلكَ منهُم معَ اعْتِرافِهِ باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذُوذِ في حَدِّ الحديثِ الصَّحيحِ، وكَذَا الحَسنِ. وَالمَنْقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ؛ كعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ الرازي، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ، وغيرِهم- اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغَيرها، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ. [قوله] (١): «والعَجَبُ»: بمعنى التَّعَجُّب، وهو: إدراك الأمور الغريبةِ الوقوعِ المجهولةِ الأسباب، وكذا يُقال: إذا ظهر السبب بطل العجب. ثُمَّ هو مبتدأ، خبره: «مِمَّنْ أَغْفَلَ ... إلخ». [قوله] (٢): «مِمَّن أَغْفَلَ ذلك»: أي: مِن عَدَمِ تَنَبُّه «مَنْ أَغْفَلَ ذلك» بمعنى تَرَكَه وصَيَّرَه غُفْلًا، أي: متروكًا، أو بمعنى غَفَل عنه، أو بمعنى وُجْدانِه غافلًا عنه. واسم الإشارة راجعٌ لعدم تأتِّي إطلاق القَبول، ويُمكِن رجوعُه للتنافي] اللازم (٣) مِن إطلاق القول بقَبول زيادة الثقة مُطْلَقًا، مع اشتراطهم في المقبول من الحديث -صحيحًا كان أو حَسَنًا- عدَمَ الشذوذ، وضمير «منهم» للمحدِّثين المُشتَرِطينَ ما ذُكِر.

стр. 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ»: يعني وهو غير لازم المنافاة؛ فأَحْرى ألَّا تُقْبَلَ الزيادةُ المنافية لرواية الأوثق اللازم مِن قَبولها رَدُّها مع شذوذِها. وفي كتابة: وقد يُقال: ليس محلَّ تَعَجُّبٍ؛ لأنَّهم إنَّما سكتوا عن ذلك اكتِفاءً بما ذكروه في تعريف الحَسَن من اعتبار السلامة من الشذوذ فيها، إذْ لو] قَبِلوا] (٢) الزيادةَ المنافية لرواية الثقات لَناقَضَ ذلك اشتراطَهمُ السلامةَ من الشُّذوذ فيها. [قوله] (٣): «في حَدِّ الصَّحيحِ»: إنْ قُلْتَ: هو تَكرارٌ مع قوله: «ولا الَّذينَ يَشترِطونَ ... إلخ»، قُلْتُ: أشار (ق) (٤) إلى أنَّه تَكرار، ونقل عن المؤلف أنَّه: «إنَّما أعاده لأجْل ذِكْرِ الحَسَن؛ فإنَّه يكون أَولى أنْ يُشترَطَ في الصحيح» انتهى. وعندي: أنَّه لا تَكرار؛ لأنَّ الأوَّل ذُكِر مع اشتراطه الجملة، وهنا ذُكِر مع اشتراط البعض الغافل عن اشتراطه؛ ولذا تَعَجَّبَ منه. [قوله] (٥): «فيما يَتَعَلَّقُ بالزِّيادةِ وغَيْرِها»: المراد بـ «الغَيْر»: الجانبُ الخالي عن الزيادة المعارِضُ لها، يعني: أنْ يُنْظَرَ

стр. 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالترجيح بين رواية الزيادة ومقابِلِها؛ فيُقَدَّم الأرْجَحُ على المرجوح، ويمكِنُ أنْ يراد بـ «الغَيْر»: الحديثُ المستقِلُّ مع معارضته. [قوله] (١): «ابنِ مَعينٍ»: بفتح الميم. [قوله] (٢): «المَدِيْنيِّ»: بفتح الميم وكسر الدال المهملة وسكونِ التحتية، هذه النسبة إلى عدة مُدُنٍ أوصَلها ابنُ الأثير إلى ثمانية، وزاد غيره] تاسعةً] (٣)، منها: مدنية الرسول [وإليها] (٤) نُسِب عَلِيُّ بن المَدِينيِّ المذكور، وهو أبو الحَسَن عليُّ بن عبد الله بن جعفر بن] نَجيح] (هـ/٩٣) (٥) السَّعْديُّ، المعروف بابن المَدِينيِّ، كان /أصلُه من المدينة ونزل على البصرة، روى عنه البخاريُّ وغيره من الأئمة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، ودُفِن بالعشائر، وكان مولده سنة ثلاث وستين ومئة، والنِّسبة إلى هذه المدينة الأكثر: مَدَنيٌّ، وهو القياس في كل نسبة إلى فعيله

стр. 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غير مضاعف ولا معتَلِّ العين، والمَدِينيُّ شاذٌّ كسَلِيقِيٌّ (١)، قال الجوهري: «وإذا نُسِب إلى مدينة الرسول قُلْتَ: مَدَنِيٌ، وإلى مدينة المنصور (٢) قُلْتَ: مَدِينيٌّ، وإلى مدائنِ كِسْرى قُلْتَ: مَدائِنيٌّ؛ لئلَّا يَخْتَلِطَ». قوله: «والنَّسائِيِّ»: نسبةً إلى «نَسا» مدينة بخُراسانَ، خرج منها كثيرٌ من العلماء، منهم: أبو عبد الرحمن أحمدُ بنُ شُعَيب بنِ عليٍّ النَّسائيُّ، صاحبُ السُّنن، كان إمام عصره، سَكَن مصرَ وانتشرت تصانيفه فيها، تُوفِّيَ في سنة ثلاث وثلاث مئةٍ بمكَّةَ، وقيل: بالرَّمْلة، وخُراسانُ مما [يلي] (٣) خوارَزم، يُقال: إن بها اثنَيْ عَشَرَ ألْفَ عَينِ ماء تخرج من أصل الجبل، وبُلَيدة أخرى بكِرْمان، وأخرى] بهَمْدانَ] (٤).

стр. 375

وأَعْجَبُ مِن ذَلكَ: إِطلاقُ كثيرٍ مِنَ الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيَادةِ الثِّقَةِ، معَ أَنَّ نَصَّ الشَّافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذَلكَ، فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِهِ على ما يُعْتَبَرُ [بهِ] حَالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ: «ويَكونُ إِذَا أَحدًا مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ، فَإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ، كانَ في ذلك دَليلٌ على صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ، أَضرَّ ذَلكَ بحديثِهِ»، انتهى كلامُهُ. [قوله] (١): «وأَعْجَبُ ... إلخ»: قد يُقال: إطلاقهم] محمول] (٢) على تقييدهم الخبرَ المقبولَ بألَّا يكونَ شاذًّا. وقال (هـ) (٣): «اسم الإشارة راجعٌ للإغفال المتقدِّم، وإنما كان هذا أعْجَبَ منه من تقيد] بتبعية] (٤) إمام يجب ألَّا يَخرُجَ عن نصِّه، ولا يُهْمِلَ النظر في قواعده، بخلاف مَن لم يلتزم مَذْهَبَ مُعَيَّنٍ»؛ ولذا قال (ق) (٥): «كونُه أعجَبَ؛ لوجود نصِّ إمامهم في ذلك»، لكنَّه اعترض على الشارح بقوله: «ليس هذا مَحمَلَ ما ذكَرَه إمامُهم؛ لأنَّه فيمَن يُختبَرُ ضبطُه، وكلامهم في الثقة وهو عندهم: العَدلُ الضابط؛ فلا تعجب» انتهى، ونحو قول (ب) (٦): «كلامُ الشافعيِّ في عَدلٍ لم يُعرَفْ ضبطُه، فلا يُعارَضُ بقولهم: زيادة الثقة هو الذي جَمَعَ مع العدالة الضبطَ، فتأمله؛ فإنَّه لا دَلالةَ فيه على ما ادَّعاه. ومعنى كلامِ الشافعيِّ:

стр. 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنَّ (أ/٨٠) العدل إذا عُرِض حديثُه على حديثِ مَن شارَكه من الحفَّاظ فلم يخالِفْهُ سُمِّيَ ضابطًا؛ فيصير ثقةً حينئذٍ؛ لأنَّه جَمع إلى العدالة الضبطَ، وإذا خالَف عُرِف أنَّه غيرُ ضابط؛ لأنَّ توهيمَه أَوْلى مِن توهيم الحفَّاظ، فلا يُطْلَقُ عليه أنَّه ثقة، فليست زيادته زيادةَ ثقةٍ» انتهى. وبعبارة: «وكلامُ الشافعيِّ فيمَن لم يُعرَفْ ضبْطُه، فلا يكون دليلًا على عدم قَبولِ الزيادة مُطْلَقًا كما زعم المؤلِّف؛ إذ ليس الحُكمُ فيه إلَّا في حديث مَن يُختَبَرُ ضبطُه» إلى آخِرِ ما نقله (هـ) (١)، مع رد كلام المُحَشِّي بما يُعْلَمُ بالوقوف عليه. [قوله] (٢): «[مع أنَّ] (٣) نَصَّ الشَّافِعِيِّ ... إلخ»: الظاهر أنَّه من باب إطلاق «النَّص» بمعنى: ما يقبله الكلامُ، كما هو شائع الاستعمال فيما بينهم، لا بمعنى التصريح الذي لا يَحتمل غيرَ المراد؛ لأنَّه لم يأخذ ذلك إلا من مقتضاه؛ فأين الصراحة؟ «فإنَّه» أي: الشافعيَّ. وقوله: «على ما يُعْتَبَرُ به» أي: على الضابط الذي يُعتبَرُ به حالُ الراوي. وقوله: «ما نَصُّه» معمول «قال»، وهو يؤدي معنى الجملة وصلة الجملة بعدها؛ إذ «نَصُّه» مبتدأٌ، ويكون خبره: والمعنى قال ما صورته كذا وكذا. والحكاية: إيرادُ لفظ الغَيرِ بصورته. [قوله] (٤): «لَمْ يُخَالِفْهُ»: الضمير المستتر للراوي المعتَبَرِ حالُه، والبارز المفعول «لأَحَدٍ»، ولا يَخْفى

стр. 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عليك حالُ الضمائر بعده (١). وفي كتابة: «على ما يُعْتَبَرُ به حالُ الراوي» يُقال عليه: الراوي الذي يُختبَرُ ضبطُه غير ثقة؛ لأنَّ الثقة هو العدل الضابط، وكلامُ الشافعيِّ في عَدلٍ لم يُعرَفْ ضبطُه؛ فلا دَلالةَ في كلامه على عدم قَبولِ زيادة الثقة. وقوله: «ويَكُونُ ... إلخ»: هو منصوبٌ عطفًا على المنصوب قبْلَه؛ فإن عبارة الشافعيِّ: ثُمَّ يُعتبَرُ عليه بأنْ يكونَ إذ سَمَّى مَن روى عنه لم يُسمِّ مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، ويكون إذا شارك ... إلخ. [قوله] (٢): «كان في ذلك»: أي: نقصانِ حديثه، ولو أسقط «في» كان أخصَرَ وأظهَرَ. [قوله] (٣): «مَخْرَجِ ... إلخ»: يُطْلَقُ المَخرَجُ على: المَحِلِّ الذي خَرَج منه الحديثُ، وهو الراوي والسَّنَد، و (هـ/٩٤) يطلق بمعنى الخروج، فإنْ أُريدَ الأوَّلُ كان الكلامُ على حذف مضافٍ، أي: على صحة ضبْطِ مَخرَجِه، وإنْ أُريدَ الثاني فلا حذفَ. وفي كتابة: «دليل ... إلخ» أراد به على أنَّ حديثَه صحيح، وهذا لا يخالف ما مَرَّ من أنَّه يُعتبَرُ في الصحيح: ثبوتُ ضبطِ الراوي، وهذا لم يثبتْ ضَبطُه؛ لأنَّا نقول: لَمَّا شارَكَ الحافظ وزاد عليه الحافظُ كان ما ذكره من جملة ما ذكره الحافظُ؛ فكان صحيحًا بهذا الاعتبار؛ لأنَّه بعضُ مرويِّ الحافظ، كما قاله (ج) (٤).

стр. 378

ومُقْتَضاهُ: أَنَّهُ إِذا خَالَفَ، فَوُجِدَ حديثُهُ أَزْيَدَ، أَضرَّ ذلك بحديثِهِ، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقًا، وإِنَّما تُقْبَلُ مِنَ الحافِظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حَديثُ هَذَا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثِ مَنْ خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ نُقْصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دَليلًا على صحَّتِهِ؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذلك مُضِرًّا بحديثِهِ، فدَخَلَتْ فيهِ الزِّيادةُ، فلَوْ كانتْ عندَه مَقْبولةً مُطْلقًا؛ لم تَكُنْ مُضِرَّةً بحديثِ صاحِبِها، واللهُ أَعلمُ. [قوله] (١): «ومُقْتَضَاهُ»: أي: نَصِّ الشافعيِّ، وضمير «أنَّه» للراوي، ومراده بـ «مقتضاه»: ظاهرُ دَلالته، أو قضيته المفهومة منه لا دلالة اقتضائية؛ لعَدَم تأتِّيها هنا؛ إذ هي: دَلالةُ اللفظ على ما يَتَوَقَّفُ عليه صِدقُ الكلام أو صِحَّتُه] عقلًا] (٢) أو شرعًا، فالأول كما في حديث: «رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأُ والنِّسيانُ» (٣) أي: المؤاخذةُ بها؛ لتوقُّفِ صِدقِه على ذلك لوقوعهما، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] ﴿يوسف: ٨٢﴾، أي: أهْلَها؛ إذ القريةُ -وهي الأبنية المجتمعة- لا يصح سؤالُها عقلًا، والثالث كما في قولك لمالكِ عبدٍ مثلًا: اعتق عبْدَك عنِّي، ففعَلَ؛ فإنه يصح عِتقُه عنك، إذ المعنى: مَلِّكه لي فأُعْتِقَه عني؛ لتوقُّفِ صحة العتق على المِلك، وإنما تَحْمِلُه عليك؛ لأنَّك قد عَرَفْتَ أنَّه لا يتوقف صِدقُه ولا صحته على إضمار شيء؛ فتدبَّرْهُ، قاله (هـ) (٤).

стр. 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: «فدلَّ ... إلخ» يقال عليه: نعمْ، لا يلزم مِن نفيِ قَبولِها المقيَّد بالإطلاق ألَّا يُقبَلُ نوعٌ منها، وهو زيادة العدل الضابط إذا قُيدت بعدم منافاة رواية الثقات. [قوله] (١): «وإنَّما تُقْبَلُ ... إلخ»: ليس من محلِّ النِّزاعِ في شيءٍ، إنَّما محلُّه: إذا خالف روايةَ مَن هو أوثَقُ منه كما هو صدْرُ كلامه، ثُمَّ رأيت (ب) (٢) قال: «وقوله: «وإنَّما] تُقْبَلُ] (٣) إلخ» يقال: سَلَّمْنا ذلك، فإن أردت بالحافظ: مُطْلَقَ الثقة فهو عينُ ما قلنا، أو زيادة الثقة مقبولة، وإلا فلا دلالة لكلام الشافعيِّ عليه»، ويمكن الدفع بأنَّ المراد: الثقةُ لكن عند مخالفة مَن ليس بأوثَقَ منه، أمَّا إذا خالفه مَن هو أوثق منه فهو ما ذكره بقوله: «لأنَّه اعتُبِر ... إلخ»؛ فالفاء واقعةٌ موقعَ لام التعليل، وهو علةٌ لمُقَدَّرٍ كما أشرنا إليه. [قوله] (٤): «وجَعَلَ نُقْصَانَ ... إلخ»: قال (ق) (٥): «قد يُقال: لِمَ لا يجوز أن يكون نُقصانُه دليلًا على نُقصان حِفظِه» (أ/٨١) انتهى، قُلْتُ: هو اعتراضٌ بالمنع اقتَصَر على ذِكْرِ سَنَدِه، وملخَّصُه:

стр. 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنَّ دَعوى الشافعيِّ وغيْرِه أنَّ نقصانَ حفظِ الراوي دَليلُ ضبطه وتحرِّيه ممنوعة؛ لجواز جعله دليلًا على نُقصان حفظه، ويمكِن أنْ يقال: إنَّ الظاهر من حال الحافظ لتمام المعنى المُتَّسِمِ بالعدالة عن إسقاطه لفظًا يتم المعنى بدونه، كما هو الضابط في اعتبار حال مَن جَهِلْنا ضبْطَه إنما هو التحرِّي وعدمُ الإقدام على الرواية بالمعنى، أو في نقصه الحفظ، وكفى بالظاهر دليلًا على المراد هنا؛ لأنَّ المسألة ليست قطعيَّةً، ولا مذهب أنَّ ذلك إنَّما [هو] (١) أمارة تحرِّيه إذا لم يخالفه مَن هو أوثَقُ منه بزيادةٍ كضبطٍ أو كثرةِ عدَدٍ. [قوله] (٢): «وَجَعَلَ ما عَدَا ذلك»: أي: ما عدا النقصَ، وهو زيادة رواية الراوي على رواية الحافظ لا المساواة أيضًا. [قوله] (٣): «فَدَخَلَتْ فيه الزِّيادَةُ»: أي: زيادةُ راوي الصحيح، وإنَّما قال: «فَدخَلت فيه الزيادة»؛ لأنَّ المخالَفةَ لا تدُلُّ عليها بخصوصها، بل من حيث إنَّها أحدُ وجوه المخالفة. [قوله] (٤): «بِصَاحِبِها»: أي: بحديث صاحبها، لكنَّها مُضِرَّةٌ به، فلم] تُقبل] (٥) مُطْلَقًا، بل على التفصيل السابق.

стр. 381

فَإِنْ خُولِفَ -أَيْ: الرَّاوي- بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ، أَوْ كثرةِ عدَدٍ، أَو غيرِ ذَلكَ مِن وُجُوهِ التَّرجيحاتِ، فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ، ومُقابِلُهُ -وهو المرجوحُ- يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ. مثالُ ذلك: ما رَواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَة مِنْ طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ ﵄: أَنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا مَوْلًى هو أَعتقَهُ ... الحديثَ. وَتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ: ابنُ جُريجٍ وغَيرُه. وَخَالفَهُم حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرَواهُ عَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ، عَن عَوْسَجَةَ، ولم يَذْكُرِ حديث ابنَ عباسٍ. قال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. اهـ. كلامُهُ. فَحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُمْ أَكثرُ عددًا منهُ. وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رَواهُ المقْبولُ مُخالِفًا لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ. [قوله] (١): «فإنْ خُولِفَ»: فيه شِبهُ استخدام، والتقدير: فإن وقعت المخالفةُ برواية راوٍ أرجَحَ مُطْلَقًا لا بقَيْدِ كونِه راوي الصحيح أو الحَسَن، ولا يَخْفى أنَّ هذا كالتفصيل لإجمالٍ ذهنيٍّ يجري هنا مما قبْله لصدقه كما مَرَّ بمخالفته لأرجَحَ، وبمخالفته لمثله، وبمخالفته لِأَدْوَنَ منه، وبعض هذه (هـ/٩٥) الصوَرِ لها لقبٌ يخصُّها، وليس هذا محل بيانه، ثُمَّ إطلاقه المخالفة شاملٌ للزيادة والنقص، سواءٌ كانت في السَّند أو في المَتْن.

стр. 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مثال ما كانت في السَّند: ما ذكره الشارح، ومثال ما كانت في مَتْنه: زيادة يوم عرفة في حديث: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ» (١)؛ فإنَّه من [جميع] (٢) طُرُقِه بدُونها، وممن جاء بها: موسى بنُ عليِّ بنِ] رَباح] (٣) عن أبيه عن عُقْبةَ بنِ عامر؛ فحديث موسى شاذٌّ، لكن صحَّحه: ابنُ حِبَّانَ (٤)، والحاكمُ (٥) وقال: إنَّه على شرط مُسْلِمٍ، وقال التِّرْمِذيُّ (٦): إن حديثه حَسَنٌ صحيح، قاله شيخ الإسلام (٧)؛ ولعله لأنَّها زيادة ثقةٍ غيرُ منافية. وفي بعض النسخ من الشرح بعد «خُولِف»: أي: الراوي، وكأنَّه لم يقيِّدْه؛ إشارةً لِما قلناه، وفي بعضها إسقاطُه؛ للعلم به. وقوله: «لِمَزِيدِ ضَبْطٍ ... إلخ»: متعلق بـ «أَرْجَحَ». وفي كتابة: ما ذكره المؤلِّف في تعريف الشَّاذِّ شاملٌ لِمَا إذا كانت المخالَفةُ في السَّنَد أو في المَتْنِ، وقد ذكر الشارح مثالَها في السَّنَد، ومثالُه في المَتْن ما رواه أبو داودَ والتِّرْمِذيُّ من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا صَلَّى أحَدٌ رَكعتَيِ الفَجرِ فيضجع على يمينِه» (٨).

стр. 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال البَيْهَقيُّ (١): خالف عبدُ الواحد العَدَدَ الكثير في هذا، فإنَّ النَّاس إنَّما روَوْهُ من فِعل النبيِّ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ. [قوله] (٢): «يُقَالُ له: المَحْفُوظُ»: أي: يُسمَّى في عُرْفهم بذلك، ومِثلُه يجري في قوله: «يُقال له: الشَّاذُّ»؛ فعُلِمَ أنَّ المحفوظ: ما رواه المقبول مخالِفًا لمن دُونه في الحفظ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ والمُنْكَرُ، فإنَّ راويَ كلٍّ منهما غيرُ مقبول، وبمَن دُونه: الشَّاذُّ كما يأتي. تنبيه: لا يخفاك أنَّ قوله: «بأَرْجَحَ» صفةُ موصوفٍ محذوف،] أي: راوٍ أَرجَح، وأنَّ قوله: «فالراجح» صفة موصوفٍ محذوف (٣)، أي: فالمُختَلَفُ فيه الراجح، وأن قوله: «وهو المرجوح» كذلك، أي: فالمختلف في المرجوح، ولم نقدِّرْهُ الحديث الراجحَ والحديث المرجوحَ؛ لِمَا عَرَفْتَ مِن أنَّ المخالَفة تكونُ تارةً في المَتْن، وتارةً في السَّنَد؛ ولذا لم نقدِّره: المرْويَّ الراجح، أو المرويَّ المرجوح. [قوله] (٤): «مثال ذلك»: أي: مثال المُختلَفِ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وقع في السَّنَد. وقد ذكرْنا آنفًا المُختلَفَ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وَقَعَ في المتن.

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «عن عَمْرو ... إلخ»: السَّنَد (٢) قال (ب) (٣): «عَمرو بن دينارٍ المكِّيُّ: ثقة ثبتٌ، و «عَوْسَجة» هو المكيُّ مولى ابن عباس وليس بمشهورٍ، و «حماد بن زيد» هو ابن دِرهَمٍ المازريُّ الجَهْضَميُّ، أبو إسماعيلَ البصريُّ (أ/٨٢) ثقة ثبت فقيه، «ابن عُيَيْنَةَ» هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهِلاليُّ، أبو محمد الكوفيُّ ثم المكيُّ، ثقة حافظٌ إمامٌ فقيه حُجَّة، إلَّا أنَّه تغيَّرَ حِفظُه بأَخَرَةٍ، وربما دَلَّس عن ثقات، وكان أثبَتَ الناس في عمرو بن دينار» انتهى. تنبيه: حمَّاد -بفتح المهملة وتشديد الميم- ابن زيد بن درهم البصريُّ، كان جده درهمًا من سَبْي سِجِسْتانَ، قال أبو زُرْعةَ: حماد بن زيد بن درهم أثبَتُ من حماد بن سلمة بن دينار (٤). وعَكَسَ ذلك عبد الله بن معاوية فقال: فضلُ ابنِ سلَمةَ على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم. ولم يرو البخاريُّ عن ابن سلمة، وروى عنه الجماعة غيره.

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «الحَدِيثَ»: مفعول لفعل محذوف، أي: اقرَأِ الحديثَ، أو كمّل أو نحو ذلك. وجوَّزَ بعضهم في مثله: الرفع على أنَّه مبتدأ حُذف خبرُه، وتتمته: «فدفَعَ النبيُّ ﵊ ميراثَه إليه» (٢). تنبيه: الضمير من قوله: «هو أعتقه» للمولى أو الرجُل. وفي كتابة: وانظر ما وجهُ الإتيان بالضمير بعد الفعل. [قوله] (٣): «وعُرِفَ مِنْ هذا أنَّ الشَّاذَّ: ما رَوَاهُ المَقْبُولُ»: يَصْدُقُ براوي الصَّحيح وهو: العدل التَّامُّ (هـ/٩٦) الضبْطِ، وبراوي الحَسَنِ وهو: الصَّدوق الذي أُمِنَ أنْ يُخْشى عليه من سوء الحفظ، والذي قَصُر ضبطُه عن درجة راوي الصَّحيح، فإنْ حُمِل الثقة في كلام الشافعيِّ على المقبول تَناوَلَ: العَدْلَ التَّامَّ الضبط، والذي قَصُر ضبطُه، والصدوقَ المذكور، وإن حُمل على التَّامِّ الضبط: أَفهَمَ شذوذَ مخالف لراوي الحَسَن بالأولى، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): «وعُرِفَ ... إلخ» الذي استفيد منه ترجيحُ الأكثر عددًا، وهذا

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الحقيقة يستفاد من إطلاق المَتْنِ، ومن قول الشيوخ: «لِمَزِيد (١) ضَبْطٍ، أو كَثرةِ عددٍ، أو غير ذلك». وقوله: «مُخَالِفا»: أي: مخالَفة يَتعذَّر معها الجمع، وَفي المقدمة للشَّارح: يكفي التعذُّر بغير الوجوه المتكلفة جدًّا. [قوله] (٢): «لِمَنْ هو أَوْلَى منه»: يعني سواء كان الأَولى واحدًا أو جماعةً، كانت الأولويةُ بزيادة أَوْثَقِيَّةٍ أو غيرها. تنبيه: قال بعضهم في قوله: «قال أبو حاتم: ... إلخ»: «هذا معارِضٌ لِمَا قدَّمه عن الشافعيِّ؛ لأنَّ النُقصان أضرَّ بحديث حمادٍ هنا، ولم يكن ذلك دليلَ ضبطِه وتحرِّيه خلاف ما فَهِمَه المؤلِّف» انتهى، ونحوه لـ (ق) (٣). قُلْتُ: يُحْمَلُ ما قاله الشافعيُّ كما مَرَّ إذا لم يخالِفه الأوثقُ، فإن خالَفه الأوثقُ قُدِّم الأوثقُ؛ لأنَّه أرجح منه ضبطًا، وكذا إذا خالَفه الأكثرُ؛ لأنَّ الكثرة مَظِنَّةُ تمام الضبط دُون الواحد؛ فلم يَضُرَّ ذلك بحديثه هنا من حيث نقصُه، بل لأنَّ غيرَه المخالِفَ له أرجَحُ؛ فلا مُعارَضةَ.

стр. 387

وهَذَا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشَّاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ. وَإِنْ وَقَعَتِ المُخَالفةُ لهُ معَ الضَّعْفِ، فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ. مثالُهُ: ما رَوَاهُ ابْنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبِيبٍ -وهو أَخُو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقْرئِ- عن أَبي إِسحاقَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاةَ، وحَجَّ البيتَ، وَصَامَ، وقَرَى الضَّيْفَ، دَخَلَ الجنَّةَ». [قوله] (١): «وهذا هو المُعْتَمَدُ»: أي: تعريف الشَّاذِّ بما ذُكِرَ هو المُعتمَدُ، وهو الذي حقَّقَه الشافعيُّ إلَّا أنَّه عبر بدلَ: «مَنْ هو أَوْلَى» بـ «النَّاس»، ففهِمَ بعضُهم أنَّ المراد أجمعيَّة معلِّلَهُ بأنَّ العدد أَوْلَى بالحفظ من الواحد، قال: «ويؤخذ منه أن ما يخالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ، وفي كلام ابن الصلاح، وغيره ما يفهمه» (٢) انتهى، وعندي أنَّ «ال» في «النَّاس» للجنس والكمال؛ إذ لا يتعذر اجتماعُهما كما قاله بعضهم في (٣): يا أشبه الناس كل الناس بالقمر. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبه يندفع دعوى التلفيق في التعريف.

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «مع الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ: المَعْرُوفُ، ومُقَابِلُه: المُنْكَرُ»: مراده بـ «الراجح»: ما ضَعْفُه أقلُّ، فإنَّ كُلًّا من الراجح ومقابله فيه ضَعْفٌ، فقوله: «ومع الضعف» أي: في كلٍّ منهما كما ذَكَرَه الشُّمُنِّيُّ هنا، وذَكَرَه ولده في شرح النَّظم. وفي كتابة ما نصُّها: «ومع الضَّعف في كلٍّ منهما» أي: من المخالف بأنْ روى مَن فيه ضعفٌ -لكونه مجهولَ الحال أو سيئَ الحفظ مثلًا-: شيئًا خالَفه فيه ضعيفٌ آخَرُ راجحٌ عليه لكونه: أخفَّ ضعفًا؛ سُمِّي ما رواه الراجح: مَعروفًا، والمرجوح: مُنْكَرًا؛ فبَيْنَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ تباينٌ لا عموم من وَجْهٍ كما قاله الشارح. وبعبارة أخرى: والضعف في الجانبين مع رجحان أحدهما، يعني أنَّ الضعيف إذا روى حديثًا وخالَف في إسناده أو مَتْنِه ضعيفًا أرجَحَ منه لكونه: أقلَّ منه وأحسَنَ منه حالًا؛ فما رواه الضعيفُ الراجحُ يُقال له: المعروف، ومقابِلُه وهو ما رواه الضعيف المرجوح يقال له: المُنْكَر، والتمثيل الآتي يُشكِل عليه كما سيأتي، فيخْرُج (أ/٨٢) بقيد الضعف في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشَّاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما راويه مقبول مع الضَّعف. إنْ قُلْتَ: ما السِّرُّ في تقدير «وَقَعَت» مع إمكان تقديره: وإن خولف مع الضعف؟ قُلْتُ: بيان معنى «خُولِف» الأوَّل كما أشرنا إليه فيما مَرَّ، والإشارة

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى أنَّ قوله: «مع الضعف» معطوف على «ما رجح». فإنْ قُلْتَ: قد أطلق في المخالَفة ولم يقيِّدْها بما لا يمكِن معها الجَمعُ، قُلْتُ: لعَدَمِ تأتِّي ذلك هنا؛ إذ الحُجَّة في الراجح دون المُنْكَرِ من حيث هو كذلك. تنبيه: شَمِلَ كلامُه: المخالَفةَ في المَتْن والمخالفةَ في السَّنَد، كُلًّا أو بعضًا فيهما، ومثالُه الذي ذكره إنَّما هو للمخالَفة في السَّنَد، ومثالُ النَّكارة في المَتْن حديثُ: «كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذ أكله غضِب الشيطان وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلق» (١)، فإنَّ ابن الصَّلاح والنَّسائيَّ وغيرَهما ذَكَروا أنَّه مُنْكَرٌ، تَفَرَّدَ به راويه أبو زُكير، وهو يحيى بن محمد بن قيس البصريُّ، عن هشام (هـ/٩٧) بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، ولكن أَخرَجَ له مُسْلِمٌ في المتابعات، غير أنَّه لم يبلغ رتبةَ مَن يُحتمَلُ تفرُّدُه، ولأن معناه رَكِيكٌ لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأنَّ الشيطان لا يغضب من مجرد حياة ابن آدم، بل من حياته مُسلِمًا مُطيعًا لله] تعالى (٢). تتمة: لا يَخْفى أنَّ هذا التمثيل مبنيٌّ على أنَّ المُنْكرَ بمعنى الشَّاذِّ كالتعميم السابق فتدبَّرْهُ. قُلْتُ: تدبَّرناه فوجدناه يمكن حَمْلُه أيضًا على أنَّ لكلٍّ من الشَّاذِّ والمُنْكَرِ

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قِسمين كما نرشدك إليه، لكنَّها ليست طريقَ تحقيق. [قوله] (١): «مع الضَّعْفِ»: أي: لأحد] الراويين] (٢). اعلم أنَّ للمُنْكَر فردين؛ أحدهما: ما خالَف فيه المستورُ والضعيفُ الذي يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وثانيهما: ما تفرَّد به الضعيفُ الذي لا يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وقد مَرَّ في الشَّاذِّ أنَّه: ما خالَف فيه الثقةُ مَن هو أوثق منه، أو تفرَّد به قليلُ الضبط؛ فله فردان أيضًا، فظهَرَ أنهم متميزان، وأنَّ كُلًّا منهما قسمان، وأن المقابل للشَّاذِّ: المحفوظ، وللمُنكَرِ: المعروف، وبهذا عُلِم تفسيرُ المحفوظ والمعروف، وقد أهملها العراقيُّ تبَعًا لابن الصَّلاح، واللائق ذِكرُهما كما ذَكَرَ مع المتَّصِل ما يقابله من: المرسَل والمنقطِع والمعضَل. تنبيه (٣): غايَر المؤلِّف بين المُنْكَر والشَّاذِّ، وسوَّى ابنُ الصَّلاح بينهما، كما سوَّى الْبَرْدِيجِيُّ بين المُنْكَرِ والفَرْدِ، وغايَرَ المؤلِّف بينهما، وهو المعتمد، ثم إنَّه لا يَلْزَم من شذوذ السَّنَد شذوذُ المَتْن، كما لا يَلْزَم من نكارته نكارته، مثال ذلك حديث: «لا يَرِثُ المُسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» (٤)، فإنَّ جميع أصحاب

стр. 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الزهريِّ رَوَوْه عنه، عن عليِّ بن الحسن، عن عَمرو بن عثمان -بفتح العين-، ورواه مالك عن عُمر -بضمها-، وكلاهما ثقةٌ عَدْلٌ ضابط، وولدٌ [لعثمان] (١) أيضًا، ومعلوم أنَّ إبدال الثقة بالثقة لا يُوجِب ضَعفًا، قال ابن الصَّلاح (٢): الحديث شاذٌّ، وردَّه العراقيُّ (٣) بأنَّ: هذا الحديث ليس بمُنْكَرٍ، ولم يُطْلِقْ عليه أحدٌ اسمَ [النكاره] (٤) فيما رأيتُ، والمَتْنُ ليس بِمُنْكَرٍ، وغايته أنْ يكون السَّنَد مُنْكَرًا أو شاذًّا بمخالفة الثقات كمالك في ذلك، ولا يَلْزَمُ من شذوذ السَّنَد ونكارتِه وجودُ ذلك الوصف في المَتْن، فقد ذكر ابن الصَّلاح في نوع المُعَلَّل: أنَّ العلة الواقعة في السَّنَد قد تَقْدَحُ في المَتْن وقد لا تَقْدَح، ومَثَّلَ ما لا يَقْدَح بما رواه يَعْلى بن عُبَيد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «البَيِّعانِ بالخِيارِ» (٥)، قال: «فهذا إسناد معلَّل غير صحيح، والمَتْن على كل حال صحيحٌ»، قال: «والعلة في قوله: عن عَمرو بن دينار، وإنَّما هو عبد الله بن دينار» فحَكم على المَتْن بالصِّحة مع الحُكْمِ بوهْم يَعْلى بن عُبَيد فيه. تتمة: عُلِم من كلام المؤلِّف أنَّ الشَّاذَّ: ما خالف الثقةُ الأوثقَ منه، وأنَّ المحفوظ:

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ما خالف فيه الأوثقُ الثقةَ، وأنَّ المُنْكَر: ما خالف فيه الأضعفُ الضعيف، وأنَّ المعروف: ما خالف الضعيفُ الأضعف. [قوله] (١): «فَالرَّاجِحُ ... إلخ»: أي: فالمختلَف فيه الراجح سواءٌ كان متنًا أو سَندًا، وبهذا يسقط دعوى أنَّ المَتْن يُوهِم قَصْرَ النَّكارة على المَتْن. (أ/٨٣) [قوله] (٢): «حُبَيِّبِ بنِ حَبيبٍ»: الثاني كشهيد، والأول] تصغيره] (٣) مع تشديد المثناة من أسفل. [قوله] (٤): «وهو أَخُو حَمْزَةَ»: قال (ب): «أخو حمزة» ضعَّفه أبو زُرعةَ وابنُ المبارك وغيرُهما، ووثَّقه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، و «أبو إسحاق» هو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، ثقة مُكْثِرٌ عابد، اختلط] بأَخَرةٍ] (٥)، و «العَيْزار» بفتح العين المهملة، بعدها مثناة من أسفل ساكنة، بعدها زاي مفتوحة، بعدها ألف، آخره راء مهملة، كوفيٌّ ثقة، وهو في الأصل: الصُّلب الشديد والغلام الخفيف [الرُّوح] (٦)، و «حُريث» تصغير] حرث] (٧) بمهملة فَرَاء فتحتية فمثلثة الزبير (٨).

стр. 393

قَالَ أَبو حاتمٍ: وهُوَ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رَواهُ عن أَبي إِسحاقَ مَوْقوفًا، وهُو المَعروفُ. وَعُرِفَ بهذا أَنَّ بَيْنَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُمومًا وخُصوصًا مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بينَهُما اجْتِماعًا في اشْتِراطِ المُخالفَةِ، وافْتِرَاقًا في أَنَّ الشَّاذَّ راويهِ ثقةٌ أو صدوقٌ، والمُنْكَرَ رَاويهِ ضعيفٌ. وقَدْ غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما، واللهُ أَعلمُ. [قوله] (١): «قال أبو حاتم (٢) ... إلخ»: لا يخفى أنَّ هذا جارٍ على قاعدة الشافعيِّ التي نقلها عنه النَّاس، كالشارح فيما مَرَّ، والعراقيُّ في شرح ألْفيَّته في مباحث المُرسَل حيث قال (٣): «إن زيادته على الثقات مُضِرَّةٌ بحديثه، وإنَّ نقصَه عنهم لا يضرُّه؛ فإنَّه دليل تحرِّيه» ولا شكَّ أنَّ أخا حمزة هنا زاد على الثقات، حيث رواه عن أبي إسحاقَ مرفوعًا، ورواه الثقات عنه موقوفًا على ابن عباس ﵄. تنبيه (٤): قول أبي حاتم: «لأنَّ غيره من الثقات رَوَوْهُ» لا يناسب ما مَرَّ عن المؤلِّف مِنْ أنَّه: لا بُدَّ في المُنْكَر من ضَعف كلٍّ من راويَيْهِ: المخالِفِ والمخالَفِ؛ ولذا قال بعض تلامذة المؤلِّف: «إنه وَقَّف المؤلِّف على هذا؛ فقال له: إن اللائق التمثيل بغيره»، وأنَّه رُوجِع مرةً أخرى فقال: «يُعتبَرُ الضَّعف في راوي المُنْكَر

стр. 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المخالِف، نعمْ لو وُجد فيهما ما كان كذلك في التسمية بأنْ يُقال لِمَا قلَّ ضعفه: معروفٌ، وللآخر: مُنْكَر» انتهى. وأمَّا أنَّ موضوع التقسيم راوي الحَسَن والصَّحيح؛ فجوابه ما مَرَّ من أنْ في الكلام شِبهَ استخدامٍ لقَصْدِ الاستطراد، والله أعلم. تتمة: يمكن أنَّ الضمير من قول أبي حاتم: الراوي «هو مُنْكر»، و «هو المعروف» للحديث باعتبار قيدين، ويمكن الأول للرفع، والثاني للوقف (١). [قوله] (٢): «و عُرِفَ بهذا أنَّ بَيْنَ الشَّاذِّ ... إلخ»: [اعترِض] بأنَّ: ما قرَّره يقتضي أنَّ بينهما تبايُنًا، وأما الجواب بأنَّه: أراد بالعموم والخصوص اجتماعهما في اشتراط المخالفة ... إلخ؛ فهذا ليس معنى العموم والخصوص المقرَّر عندهم، وأجاب بعضُهم بأنَّه: «يُوجَد لنا مادة يصدق عليها الشَّاذُّ والمُنْكَرُ، وهي ما إذا رَوى صدوقٌ حديثًا وهو سيِّئُ الحفظ، أو مغفَّلٌ فاحش الغلط، أو مبتدِع؛ فإنَّ ما رواه مُنْكَرٌ باعتبار أنَّه سيِّئ الحفظ أو مُغفَّل ... إلخ؛ لأن كلَّ واحد من هذه الأوصاف يضعِّف الراوي ولا يتأتَّى صِدْقُه، وشاذٌّ باعتبار أنَّه صدوقٌ، قال بعضهم: وفيه تعسُّفٌ» انتهى. ولعلَّ وجه التعسف أنَّ فيما بينهما عمومًا وخصوصًا يُعتبَر تساوي صدقهما في مادة الاجتماع.

стр. 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابةٍ: هذا التعليل وهو قوله: «لأنَّ بينهما ... إلخ» إنَّما يدلُّ على أنَّهما نوعان تحت جنس المخالَفة، لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيء ممَّا يَصدُق عليه الآخر، لا على العموم والخصوص من وجه بالمعنى المتعارف، وهو اجتماعهما في الصدق وافتراقُهما عليه (١). وقال (هـ) (٢): اسم الإشارة في قوله: «وعُرِفَ بهذا» راجعٌ للتفصيل المذكور، وفي مَعْرِفة «أنَّ بين الشَّاذِّ والمُنْكَر عمومًا وخصوصًا» فيه نظرٌ لا يَخْفى، وإنَّما بينهما من النِّسَب: المبايَنةُ الكُلِّيَّة؛ فلا شيء من الشَّاذِّ بمُنْكَرٍ ولا عكسه، ولم يَجْتَمِعا في مُطْلَق المخالَفة المذكورة في الشَّاذِّ؛ لأنَّها مقيَّدةٌ بالثقة، أو لا تُطلَق المخالَفةُ المذكورة في المُنْكَر؛ فإنها مقيدة بالضَّعف، وليس هذا كالحيوان والأسود؛ فإنهما اجتمعا في مُطْلَق الحيوان الأسود، وأمَّا هنا فلم يجتمعا في فرْد مِن أفراد المُنْكَر، ولا في فرْد مِن أفراد الشَّاذِّ كما اجتمع الحيوان الأسود في فرْد من أفراد الحيوان، فكان بعض الحيوان أسود وبعض الأسود حيوان؛ فإن شرط العموم مِن وَجْهٍ: صحة الإيجاب الجزئيِّ من الجانبين. [قوله] (٣): «في اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ»: إنْ أراد في تمام المخالَفة فهو فاسدٌ؛ لاختلاف مَنْ تضاف إليه فيهما كما مَرَّ،

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنْ أراد في مُطْلقها فهو لاغٍ؛ لوجوب اعتبار المُقْسَمِ في كلٍّ من الأقسام. (أ/٨٤) [قوله] (١): «أو صَدُوقٍ»: هذا يقتضي أنَّ ما رواه الصَّدوق المتَّصفُ بسوء الحفظ أو كثرة الغفلة مثلًا وخالفه فيه العدْلُ يكون من الشَّاذِّ، وهو خلاف ما مَرَّ مِنْ أنَّه: يُعتبَرُ في راوي الصَّحيح والحَسَن عدَمُ ذلك. وقال (هـ) (٢): «أوْ صَدُوق»، «أو» للتنوع؛ فإنَّ الثقة اصطلاحًا هو: العدْل الضابط، والصدوق كذلك، هو: الذي لم يكن مُجَرَّبًا في كذِبٍ لكن ليس عنده من الضبط ما (هـ/٩٩) يُشْترط في القَبول بلا مُتابِعٍ ولا شاهد كما قدَّمناه عن المؤلِّف في نُكَتِه على ابن الصَّلاح. [قوله] (٣): «رِوَايَةُ ضَعِيفٍ»: إمَّا ضعفًا مُطْلَقًا، أو في بعض الأحوال، أو في بعض المشايخ؛ يُرَدُّ، وكذلك المستور ونحوه مِنْ كلِّ مَنْ لا يُحْكَم لحديثهم بالقَبول بغير عاضد كما مَرَّ عن النُّكت. [قوله] (٤): «وقد غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُما»: هو من باب نَصَر، والذي «سَوَّى بينهما» هو ابن الصَّلاح (٥)، أي: ادَّعى أنَّ كلًّا منهما مساوٍ للآخَر، حيث قال في المُنْكَر: إنَّه بمعنى الشَّاذِّ! ووَجْهُ الغَفلة ظاهرٌ مما قدَّمناه عن النُّكت، بل دعوى غيرِ المبايَنةِ غَفلةٌ أيضًا.

стр. 397

وَما تَقدَّم ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ إِنْ وُجِدَ -بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْدًا- قَدْ وَافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ -بكسرِ الباءِ المُوَحَّدةِ. [قوله] (١): «وما تَقَدَّمَ ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ»: قيل: كان الأَولى أن يقول: والفَرْدُ النِّسْبيُّ المتقدِّم ذِكْرُه؛ ليَسْلَمَ من تغيير إعراب المَتْن، قُلْتُ: له أُسوة بجماعة من المحقِّقين نَزَّلوا المَتْنَ والشرح مَنْزِلةَ كلامٍ واحد، خصوصًا ورَبُّهما هنا واحدٌ، وقد تقدَّم أنَّه التَزَم ذلك، فقول (ب): الفرْد في المَتْن مبتدأٌ فهو مرفوع، وفي الشرح مجرور، وهو مُخِلٌّ بالمَتْن حينئذٍ، ونحوه للكمال؛ فيه تأمُّل، قاله (هـ) (٢). وفي كتابةٍ: «والفَردُ النِّسْبيُّ» أي: ما يكون التَّفرُّدُ فيه أثناءَ السَّنَد، وهذا شروع في بيان الاعتبار والمتابَعات والشواهد الآتية فيها، فبيَّن الانفراد وعدمه المبني عليها أمرُ الشَّاذِّ والمُنْكَر وما يقابلهما، ثُمَّ لا اختصاص في كلام العراقيِّ وشارحيه للمتابعة والاستشهاد بالنِّسبيِّ، بل يكون للمُطْلَق، مع أنَّ التقْييد في عبارات المصنفين لشيءٍ يفيد نفيَ الحُكْم عمَّا عداه، على أنَّ المثال الذي ذكره للمتابَعة من الفرْد المُطْلَق كما لا يَخْفى. وقال (هـ) (٣): إنَّما قيَّد بالنِّسبيِّ؛ لأنَّ الفرْد المُطْلَقَ لا يَتأتَّى فيه المتابَعةُ؛ لأنَّه الذي ينفرد بروايته واحدٌ عن الصحابيِّ، فما وُجِد له مُتَابِعٌ لم يكن فرْدًا مُطْلَقًا،

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ليس الكلام مفروضًا فيما ثَبَتَتْ فرْدِيَّتُه، بل فيما يُشَكُّ في فرديَّته، وأيُّ مانعٍ من ظنِّ فرديَّة مُطْلَقَةٍ لحديثٍ فيُسْبَرُ ويُعتبَر فيُوجَد غير فرْدٍ مُطْلَقًا، كما أنَّ الفرْد النِّسبيَّ كذلك، ولِعِلْمِ التقْييد باعتبار الكثير، وكلام ابن الصَّلاح (١) والعراقيِّ ظاهرٌ، بل صريحهما ذلك، ولفظ العراقيِّ في شرحه لألفيَّته (٢): «الاعتبار: أنْ تأتيَ إلى حديث لبعض الرُّواة، فتعتَبِرَه بروايات غيره من الرواة بسَبْر طرق الحديث، فتَعْرِفَ هل شاركه في ذلك الحديث أو غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن يكن شاركه أحدٌ ممن يُعتبر بحديثه، أي: يَصْلُحُ أنْ يُخَرَّج حديثُه للاعتبار به والاستشهاد به، فيُسمَّى حديثُ هذا الذي شاركه: تابعًا، وسيأتي بيان مَن يُعتَبَر بحديثه في مَراتبِ الجرْح والتعديل، وإنْ لم تَجِد أحدًا تابَعَه عليه عن شيخه فانظر: هل تابَعَ أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه متابِعًا له أم لا؟ فإن وجدتَ أحدًا تابع شيخَ شيخه عليه فرواه كما رواه؛ فسَمِّهِ أيضًا: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه متابِعًا عليه فانظر: هل أتى بمَعناه حَديثٌ آخَرُ في الباب أم لا؟ فإن [فعل ذلك فيمن فوقه الى آخر السَّنَد حتى في الصحابيِّ، فكل من وُجِدَ له تابع فَسَمِّه: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه تابعًا عليه فانظر: هل] (٣) أتى بمعناه حديث آخر فسَمِّ ذلك الحديثَ شاهدًا، وإن لم تجد حديثًا آخر يؤدي معناه فقد عُدمت المتابعات والشواهد؛ فالحديث إذن فرْدٌ» انتهى.

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال (ب) في حواشيه (١): «أي: مطلقًا، قال: وعبارة ابن الصَّلاح: فقد تحقق الفرْدُ المُطْلَق حينئذٍ، وينقسم عند ذلك إلى: مردود منكر، وغير مردود كما مَرَّ، وإذا قالوا في مثل هذا: تفرَّد به أبو هريرة، وتفرَّد به عن أبي هريرة: (أ/٨٥) ابنُ سِيرينَ، وتفرَّد عن ابن سيرينَ: أيوبُ، وتفرَّد به عن أيوبَ: (هـ/١٠٠) حمادُ بنُ سلَمةَ، وكان ذلك إشعارًا بانتفاء وجوه المتابعات فيه، ثُمَّ إنه قد يدخل في باب المتابَعة والاستشهاد روايةُ مَن لا يُحْتَجُّ بحديثه وحدَه، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاريِّ ومُسْلِمٍ جماعةٌ من الضعفاء ذكراهما في المتابَعات والشواهد، وليس كلُّ ضعيف يَصْلُحُ لذلك؛ ولهذا يقول الدارقطنيُّ وغيرُه في الضعفاء: فلانٌ يُعتبَرُ به، وفلان لا يُعتبَر به» انتهى. ومحلُّ الشاهد أنهما جَعَلَا المُقْسَمَ مُطْلَق الحديث، كان فردًا مُطْلَقًا أو نِسْبيًّا؛ بدليل قوله: «وإن لم يجد حديثًا ... إلخ». نعمْ بعد عِلْم الفرْدِيَّةِ المُطْلَقة والفَرْدِيَّة النِّسْبِيَّةِ لا تكون المتابَعةُ إلَّا في الفرْد النِّسْبيِّ، ويُمكِن حَمْلُ كلامه على هذا. [قوله] (٢): «غَيْرُهُ»: أَطْلَق فيه؛ فيَشملُ الثقةَ وغيرَه ممن يُعتبَر بحديثه وغيره، وقيَّده العراقيُّ وغيرُه بمن يُعتبَر بحديثه كما مَرَّ، وفي الغَزِّيِّ و (ب): «قيل: الذي يظهر من تصرفاتهم عدمُ التفرقة بين الواهي وغيرِه في تسميته مشاركة كل منهما،
следующие страницы →