← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 80–119 · переход к 85.

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واستمْلاه الكتابَ: سأله أن يُمليَه عليه، قاله (ج) (١). وفي كلام المؤلِف تقديمُ اللقب على الكُنية، و «عثمان»: اسمه، و «عبد الرحمن»: بدلٌ من «ابن الصلاح» (٢) وبَيانٌ له، وكان الواجب تأخيرَ اللقب عن الاسم، كما هو القاعدة في اجتماع هذه الأمور مِن جواز تقديم الكنية على الاسم واللقب وتأخيرها عنهما، وامتناع تقديم (أ/٨) اللقب عليه، خلافًا للمؤَرِّخين في جواز تقديمه، [وإياه] (٣) اعتمد هنا؛ والظاهر أنَّ «الصلاح» أصله: صلاح الدين، كما أنَّ الظاهر: أنَّ «الشَّهْرُزُوريّ» نعتٌ لـ: «تقي الدين»، ويحتمل لـ: «عبد الرحمن»، وفي هذه النسبة نظيرُ ما مرَّ، حَرفٌ بِحرفٍ. وفي كتابة أخرى: «ابن الصلاح» هو مُخَفَّف مِن اسم والده صلاح الدين أبي القاسم عبدالرحمن بن عثمان المَوصِليِّ، فقوله: «عبد الرحمن» بالجرِّ عطفُ بيانٍ للصَّلاح، وقوله: «الشَّهْرُزُوريُّ» بفتح المعجمة وسكون الهاء وضم الراء الأولى والزاي وسكون الواو، في آخره راءٌ أخرى، نسبة إلى «شَهرُزورَ»: بلدة بين المَوصِلِ وهَمْدَانَ، بناها: زُور بن الضَّحَّاك؛ فقيل: «شَهرُزور»، معناها: مدينة زُور، كذا في اللباب (٤).

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وقوله] (١): «نَزيلُ دِمشقَ» في نسخة صحيحة: «قاضي دِمشقَ»، كلاهما صحيح؛ إذ هو كان قاضَيها ونزيلَها، وفي ميم دمشق -بكسر الدال-: الفتح والكسر، وهي تحت الشام. وقوله: «تَدريسَ» تفعيل، أي: فعل الدراسة والدرس، وهو لغةً: القراءةُ بسرعة وقدرةٍ عليها، كأنَّك تَجْعل الشيءَ تقرؤه مذلَّلًا، لأنَّ أصل الدَّرس: الموطئ والتذليل (٢). وأمَّا عُرفًا: إلقاء العِلمِ ولو إقرارًا إلى أهله، لا على طريق الإلزام والتخصيص. ودخل بقولنا: «إقرار» تحَمُّلُ الرواية بقراءة القارئ، كما خرج بـ: «إلقاء العلم» إقراءُ القرآن مُجردًا عن الحكم، وبقولنا: «والتخصيص» الإفتاء؛ وأما إقراءُ القرآن بالقراءات فهو داخل؛ لأنَّ المقصود حينئذ العِلمُ. و «المدرسة» مَفْعَلة؛ اسمٌ للمكان الذي يَكْثُرُ فيه التدريس، كما هو قاعدة بناءِ مَفْعَلَةٍ من المكان الذي يكثُر فيه الشيءٌ. و «الأشرَفيَّةِ»: نسبة إلى السلطان شعبان الأشرَف ﵀؛ لأنَّه أَنشأها بدمشق، ورتَّب (هـ/١٢) جِهاتِها ووظائفَها. و «الفنون»: الأنواع، جمعُ فنٍّ (٣).

стр. 82

فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُهُ على الوضعِ المُتناسِبِ، وَاعْتَنى بتصانيفِ الخَطيبِ المُتفرِّقةِ، فَجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها، وَضمَّ إِلَيْها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، فاجتَمَعَ في كتابِهِ ما تفرَّقَ في غيرهِ. [قوله] (١): «فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُه على الوضعِ المُتناسِبِ»: أي: ولأجْلِ الإملاء شيئًا بعد شيءٍ، يعني في أزمنةٍ غيرِ مُتَتالية، وما كان كذلك يَبعُدُ فيه العَهدُ، وتغيبُ فيه رعايةُ التناسُب، وفي هذا تعريضٌ بمختصَر ابنِ الصلاح بأنَّه غير متناسِبِ الوضع يحتاج للتلخيص؛ فلهذا سأَلوه في تلخيصه، فلخَّصه، كما يأتي (٢). [قوله] (٣): «واعتنى بتصانيفِ الخَطيبِ المفرَّقةِ، فجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها (٤)، وضَمَّ إِليها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، واجتَمَعَ في كتابِه ما تفرَّقَ في غيرِه»: الاعتناء: الاهتمام بالشيء. وضَمَّ إلى ما اشتَملَت عليه تلك الكتبُ مِن غيرها زُبَدَ فوائدِ تصانيفِ غيرِها، والنُخَبُ جمع نُخْبة، وهي: الشيء المختار، والفوائد: فواعلُ، غيرُ منصرِفةٍ، جمع فائدة، من الفُؤاد؛ لأنها تُعقَل به، وهي لغةً: ما استُفيد من عِلمٍ أو مال؛ «واجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيرِه» في الكتب الكبيرة المستكثِرة بحيث لا يوجد في كل كتاب غيرِه إلا بعضُها، وراعَى لفظَ «ما»؛ فأفرد ضمير «تفرق»، وفي «النهاية»: «التفرق والافتراق سواء» (٥)، ومنهم من يجعل

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّفرقة بالأبدان والافتِراقَ في الكلام، يُقال: فرَّقتُ بين الكلامَين فافْتَرقا، وفرَّقتُ بين الرجلين فتفرَّقا، وعبَّر بعضُهم بدلَ الكلام بالمَعاني. و «شَتاتَ» مصدر شَتَّ، وهو مِن إضافة الصفة للموصوف، والمراد: مقاصِدها [المتشتَّتة] (١)، أي: المتفرّقة، وفي هذا [تَعرُّض] (٢) للسبب الذي لأجله اعتَنَى ابن الصلاح بتلخيص كتب الخطيب، ولم يتركها للمستفيدين على حالها، أقحمَه هنا؛ لسكوته عن القدح فيها فيما مرَّ. والـ «نُخَبَ» بوزن الزُّمَر، جمع نُخبة، بمعنى خيار الشيء، مِن: انتخبتُ كذا من كذا، أي: اخترتُه منه. و «الفوائد» مجرور قطعًا؛ لإضافته، جمع فائدة، وهي لغةً: ما استُفيد مِن مالٍ أو عِلم، وعُرفًا: ما يصير به الشيءُ أحسنَ حالًا منه بدونه، وراعى في «غير» معنى الجَمْعية، أو اكتسابه التأنيث من المضاف إليه؛ فأنَّث الضميرَ العائد إليه من فوائده، وإلَّا فالواجبُ تذكيره؛ لأنَّ «غير» اسمٌ لمفردٍ مذكرٍ (٣). وقوله: «ما [تفرق في غيره] (٤)» أي: الفنون المتفرِّقة في غيره (٥).

стр. 84

فلهذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ، وَسَاروا بسَيْرِهِ، فلا يُحْصى كم ناظِمٍ له ومُختَصِرٍ، ومستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِرٍ، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِرٍ! [قوله] (١): «فلذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ، وساروا بسَيْرِه، فلا يُحْصى كَم ناظِمٍ له ومُختَصِر، ومُستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِر، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِر»: أي: فلأجْل اجتماع ما تفرَّق في غير كتاب ابن الصلاح فيه؛ «عَكَف الناسُ عليه» أي: التزَموه على وجه التعظيم له بالانشغال به، والنظر فيه، والاستفادة منه، (٢) وحاذَوْه ونسجوا على مِنْواله في جمع المقاصد دون الترتيب، إذ قدَّم أنه لم يوضع على التناسب فلا يُعَد إلا بضَبْط، ولا يُحاط بكثرةِ مَن نَسَج على مِنواله في (أ/٩) التصنيف نظمًا ونَثرًا مع الاقتصار والانتشار، ويشير بهذا الكلام إلى كثرة جُملة مَنِ اشتغل به نَظمًا لا كثرة كلٍّ مِن الناظمين والمختصِرين ومَن ذُكر منهم. فمِمَّن نظمه: القاضي الخويِّي؛ (٣) بضم الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتيَّة مثل ياء

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النِّسبة، (١) وممن اختصره: العلاء التُّرْكُمانيُّ شيخ العراقيِّ، والإمامُ النَّوَويُّ في: «التقريب والتيسير»، وفي: «الإرشاد» غالبًا، وبعضهم استدرك في مواضع يسيرة وكان ابن دَقيقِ العِيدِ كذلك، كالبُلْقينيِّ، في شيء من الاصطلاح، وبعضهم انتصر لابن الصلاح؛ فأجاب عن بعض الاستدراكات. (٢)

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «ومستَدْرِكٍ» أي: زائدٍ عليه. تنبيه: اعلمْ أنَّ: «كَمْ» اسمٌ لعددٍ مُبهم الجنس والمقدار، وليست مركَّبةً خلافًا للفَرَّاء والكِسائيِّ؛ فإنَّها مركبة عندهما مِن: كاف التشبيه وما الاستفهامية محذوفة الألف، وسُكِّنت (هـ/١٣) ميمُها لكثرة الاستعمال. و «كَمْ» قسمان: استفهاميَّة وخبريَّة، وكلٌّ منهما مُفتقِرٌ إلى تمييز؛ فتمييز الأولى مفردٌ منصوب، نحو: كم شخصًا سمَا؟ وتمييز الخبرية قسمان؛ لأنها تُستعملُ استعمالَ عشَرةٍ، فتُميَّزُ بجمع مجرور، نحو: كم رجالٍ جاؤوك. وتستعمل استعمال مئةٍ؛ فتُميَّزُ بمفردٍ مجرور، نحو: كَمْ غُلامٍ مَلَكْت. وإفراد تمييزها أكثرُ وأفصحُ مِن جمعه. والصحيح: أنَّ الجر بعدها بإضافتها إلى التمييز؛ إذ لا مانع مِن الإضافة، وكلٌّ منهما يلزمان الصدرَ؛ أما الاستفهامية فواضحٌ، وأما الخبرية فللحَمْلِ على «رُبَّ»، فلا يعمل فيهما ما قبلهما إلا المضاف وحرف الجر. وحكى الأَخفَشُ أنَّ لغة بعضِ العرب تقديمُ العامل على «كَمْ» الخبرية، وعليها فيجوز أنْ يُقالَ: مَلَكْت كَمْ غلامٍ. فقيل: هي من القلة بحيث لا يقاس عليها، والصحيح: أنَّه يجوز القياس عليها؛ لأنها لغة. إذا عَرَفتَ هذا عَرَفتَ أنَّ المؤلف اعتمد ما حكاه الأخفشُ؛ فقدَّم عليها العاملَ وهو «يُحْصى»، ولو اعتمد طريق الجمهور لأخَّره عن «كَمْ» وعن تمييزها جميعًا، وعرَفتَ أنَّ «ناظِم» وما بعده مجروراتٌ بإضافة «كَمْ» إليها، بعضُها بالأصالة وبعضُها بالتَّبَعيَّة. والمرادُ بالـ «مُقتَصِر»: مَن يَرتضي كلامَه من غير زيادة ولا نقص، والمراد بالـ «مُعارِض»: من يَرُدُّ بعضَ ما فيه ببيانِ خلَلِه أو ضَعْفِه. والمرادُ بالـ «مُنْتَصِر»: مَن يَلتَمِسُ عن ذلك جوابًا كالعِراقيِّ، ولا يخفَى أنَّ العراقيَّ: نظَمَ واختصر، واستدرَكَ واقتصَرَ في بعض المواضع، وعارَضَه في بعضها، وانتصر له في أُخَر، وكأنَّ هذا -والله أعلم- هو الحكمة في عطف هذه المذكورات بالواو الصالحة للجمع دون «أو» التي الحاصل فيها منْعُ الجمع والخُلُوِّ.

стр. 87

فسأَلَني بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أُلَخِّصَ لَهُ المُهِمَّ مِنْ ذَلكَ، فلخَّصْتُهُ في أوراقٍ لطيفةٍ، سمَّيْتُها: «نُخْبَةَ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر» على تَرْتيبٍ ابْتَكَرْتُهُ، وَسَبيلٍ انْتَهَجْتُهُ، مع ما ضمَمْتُهُ إِليهِ مِن شوارِدِ الفرائِدِ، وزَوائدِ الفوائدِ. [قوله] (١): «فسأَلَني بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أُلَخِّصَ لهُ المُهِمَّ مِنْ ذَلكَ»: لَمَّا كان كثرة التصانيف في الفنِّ الواحد -وخصوصًا مع بسْطها ومعارضتها ونحو ذلك- مَظِنَّةَ الاختلاف ومحلَّ التبايُنِ [وعدَم] (٢) الائتلاف، وكان المبتدِئُ لا قدرةَ له على تمييز الصواب أو الأَوْلى مِن غيره؛ سألَه القاصرون، أو الماهرون؛ [شفقةً على الغير] (٣)؛ لكمال النصيحة لهم، وليُحِبُّوا لهم ما يُحِبُّون لأنفسهم، على أنهم -أيضًا- رُبَّما انتفعوا بذلك؛ إذْ فوقَ كلِّ ذي حكمةٍ حكيمٌ، وفوقَ كلِّ ذي عِلمٍ عليمٌ، وعدمُ مباشرةِ المتأهِّل لذلك بنفْسِه إمَّا لعدم قَبولِه منه في ظنِّه، وإما لعدم كفايته فيه، فلا يَرِدُ: أنَّه إيثارٌ بالقُرَب (٤). قال الفاكهانيُّ: «[السؤال أو الالتماس] (٥) يكونان بين المتماثلين، والدعاء من الأدنى للأعلى، والأمر عكسُه» انتهى. وقال صاحب الجُمَل (٦): «اللفظُ المُركَّبُ إنْ دلَّ بالقصد الأوَّلِ على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرًا، ومع الخضوع سؤالًا، ومع التساوي التماسًا» انتهى. وأهل الأصول جعَلوا هذا التفصيلَ ضعيفًا، بل «افعل»: أمر، و «لا [تفعل] (٧)» نهيٌ مُطْلَقًا، واعتمَدَ النحاة ما ضَعَّفوه، ولكلٍّ وِجهةٌ.

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و «الإِخوانِ»: جمع أخٍ، أصله: المساوي لآخَرَ في الولادة، ثم استُعمل هنا في غير أخي النسبِ للتوسع فيه باستعماله في المشاركة في: المودَّة، أو الحِرفة، أو في الدين، وهو مما جُمع تكسيرًا بالزيادة وتبديل الشَّكل، ولا شَكَّ في صِدْق كلامه بالواحد. و «التلخيص»: استيعاب المقاصد بلفظٍ مُوجَز مع التبيين لفظًا ومعنًى، وفي الكلام حذفٌ، أي: لأجْل انتفاعِه ولو بالتسهيل عليه وخِفَّةِ المراجعة، وهذا هو المفعول الثاني لـ «سَأَل»، وفي بعض النسخ: «لهم»، أي: «الإخوان». وقوله: «المُهِمَّ مِنْ ذَلكَ»: مفعول «أُلخِّص»، واسمُ الإشارة راجعٌ للتصانيف الكثيرة في (هـ/١٤) الاصطلاح المذكور، مبسوطة ومختصَرة بتأويلها بمتقدِّم، ويُحتمَلُ أنَّ اسم الإشارة/ راجعٌ لكتاب ابن الصلاح؛ فيكون ممن: اختَصر واستدرَكَ وعارَضَ وانتصر. والأول: مدحٌ والثاني أَظْهرُ. و «المُهِمّ»: اسمُ فاعل، مِن: أهمَّه كذا إذا صار همَّه وعنايتَه؛ فتوجَّهتْ همَّتُه إليه وأقبَلَ بكُلِّيَّته (أ/١١) عليه. [وقوله] (١): «فلخَّصْتُهُ في أوراقٍ لطيفةٍ»: أي: أجبْتُه (٢) فلخَّصتُه، والإتيان بـ: «لخَّصته» الأخصِّ؛ لدَلالتِه على الاستيفاء مِن: «اختصرتُ»؛ لصدقه بالبعض للمبالغة، أو أنَّه استوفى المهمَّ بحسَب فَهمِه، وهذا لا ينافي المهِمَّ بالنسبة للسائلين. والمراد مِن تلخيص المهمِّ: تلخيصُ ما يدُلُّ عليه؛ لأجْل قوله: «في أوراقٍ»، [إذ] (٣) الذي فيها إنما هو الخط الدالُّ على اللفظ

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدالِّ على ما في الذهن وهو العلم والمعلوم، ويحتمل أنْ يُعرَبَ الجارُّ والمجرورُ حالًا من فاعل لخَّص أو مفعوله، أي: راقِمًا أو مَرقومًا ما يدُل عليه في أوراق، وأتى بها جمعَ قِلَّة، ووصفها باللَّطافة وهي في الأصل: صِغَر الحجم وكون الحجم مكتنِزًا، أو: رِقَّة القَوام، [وكونه] (١) شفَّافًا لا يحجُب ما وراءه كالهواء؛ مبالغةً في قِلَّتها، وترغيبًا في الإقبال عليها لسُهولَة حِفظها. وقوله في المَتْن: «فسأَلَني بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أُلَخِّصَ لهُ المُهِمَّ مِنْ ذَلكَ»، وقال في الشرح: «فلخَّصْتُهُ»، إلى أنْ قال: «فرَغِبَ إِليَّ ثانيًا أَنْ أَضَعَ»، إلى أن قال في المَتْن: «فأجَبْتُه إلى سؤاله»، قلتُ: «يلوح من هذا تنكيتٌ، وهو أن عبارة المتن بحسَب ما [شُرح] (٢) [تفيدُ] (٣) أنَّه ألَّف بعضَ المَتْن بعد الشرح» انتهى، قاله (ق) (٤). زاد (هـ) (٥): «وهو ذُهول من أنَّ المؤلف مَزَج الشرح بالمتن حتى صار كالشيء الواحد، وخَرَجت ضمائر أحدِهما عن عوْدِها إليه إلى عَودِها على الآخَر، وتحوَّلت المَعاني فأحْرى المَباني، وحينئذ فالمراد: «فأَجَبْتُه إِلى سُؤالِهِ» في وضع الشرح المذكور، لا في إتمام المتن بعد وضع الشرح أخذًا من الفاء؛ إذ هو بظاهره غرور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ] ﴿النور: ٤٠﴾» انتهى، ويأتي عند قوله: «فأَجَبْتُه» شيءٌ مما يتعلق بذلك.

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): سمَّيْتُها: «نُخْبَةَ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر»: أي: سميتُها بمجموع الموصوف والصفة. و «الفِكَر»: بكسر ففتح، جمعُ فِكْر بالكسر. وقال في المختار في فصل «فكر» (٢): «التفكُّر: التأمل، والاسم: الفِكَر، والفَكرة في المصدر بالفتح، وبابه «نصَر»، وأَفْكَر في الشيء وفكَّر فيه -بالتشديد- وتفكَّرَ فيه، بمعنًى». وقال غيرُه: «الفِكْر: تردُّدُ القلب بالنظر والتدبُّرِ لطلب المعاني» (٣) أو «ترتيب أمورٍ معلومة [للتأدّي] (٤) إلى مجهولة (٥)» (٦)، وسمَّى ودعا وكنَى [ولقَّب] (٧) تتعدى لواحد بنفْسِها، والثاني: إمَّا بنفْسها كما هنا، وإمَّا بالباء. وقال (هـ) (٨): «لا شَكَّ في [أَسبقيَّة] (٩) المتن للشرح، أو تحقق وجوده خارجا قبل وجوده فالمضي في: «لخَّصتُه» و «[سميتها] (١٠)» على ظاهره، كما يَشهد له: «فرَغِبَ إِليَّ ثانيًا ... إلخ»؛ فيكون هذا إخبارًا بأنَّه سمَّاها بما ذَكَر سابقًا، وإن لم يَنُصَّ على ذلك في مَتْنها؛ لعدم اشتراطه.

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ألا ترى مالكًا سمَّى كتابه بـ: «المُوطَّأ» ولم يَنُصَّ فيه على تسميته بذلك، والبخاريَّ سمَّى كتابه بـ: «الجامع الصحيح» ... الخ مع عدم نَصِّه فيه على ذلك. وكلام الشارح الذي جعل التسميةَ للأوراق اللطيفة الملخَّص فيها ما ذُكِر لا يجري على واحد من مسمَّى الكتب والفصول، ونحو ذلك من التراجم: هل الألفاظ المعَيَّنةُ الدالَّةُ على المعاني المخصوصة؟ أو النقوش الدالَّة عليها بتوسُّط دَلالتِها على تلك الألفاظ؟ أو المعاني المخصوصة مِن حيث إنها مدلولةٌ لتلك العبارات أو النقوش؟ ... إلخ. فإنْ أردتَ ردَّه إليها جعلتَه مِن باب المَجازِ المُرسَل الذي عَلاقتُه المجاورةُ، إمَّا بواسطةٍ كما في الاحتمال الأول، فإن الألفاظ تجاور المعنى ولو باعتبار التخيُّل، تلك النقوش المجاورة حقيقة للأوراق؛ إذ يُتخيَّل مجاورة الدالِّ لمدلوله فيُنتقل منه إليه، والثالث: فإنَّ المعاني (هـ/١٥) تجاور كذلك ألفاظَها المجاورة للنقوش المجاورة حقيقة للأوراق أو بغير واسطة كما في الاحتمال الثاني، وإمَّا [على] (١) حذف مضافين، أي: سميتُ مدلولَ مُودَعِها أو مدلول مشمولها، والمراد: تسميةُ نوعِ ما ذَكر وحقيقته الكلية إنْ كانت العلمية جنسيةً، لكنْ بقيْدِ وجودها في ضمن فردٍ ما ضرورةَ أنه لا يتحقق الجنس إلا فيه، أو شخص ما ذُكِر إن كانت شخصية، ولا يَقدَح فيه تعدُّد محلِّ مسمَّاه؛ لأنه لا يُخرجه عن الاتحاد، ولو سُلِّم فهو شِبْهُ عروض الاشتراك. وقوله: «في مُصْطَلحِ» إنْ كان أصلُه: مصطلَحٌ عليه لهم؛ فقد سلَكَ سبيلَ الحذف والإيصال، وفي اطِّراده وقَصْره على السماع خلاف، وإنْ كان مصدرًا بمعنى الاصطلاح فهو مطَّرِدٌ من هذا الباب وغيره من المزيد على وزن مفعول.

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و «الأثَر» على المذهب المرتضى يُطلق (أ/١١) على المرويِّ مُطلقًا، سواءٌ كان عن رسول الله ﷺ أو عن صحابيٍّ. وقيل: هو ما يُضاف إلى الصحابي موقوفًا عليه، والخبر: هو المرفوع. تنبيه: جميع ما ذكرْناه في مفردات هذا الاسم إنما هو بالنظر لأصله قبل العَلَمية، أما ما بعدها فلا معنى لشيء مِن مفرداته؛ إذْ صار مدلولُ المجموعِ شيئًا واحدًا هو المُسمَّى بهذا اللقب المشعِر بالمدح المطابق لمدلوله. وتقدم الكلام على حقيقة الاصطلاح. [قوله] (١): «على ترتيبٍ ابتكرْتُه»: أي: اخترعتُه؛ لأنَّه: إيجاد الشيء على غير مثال سبَق، يُحتمل أنَّه متعلِّق بـ: «لخَّصتُه»، ولا يضرُّ الفصلُ بتسميتها؛ لأنَّه صفةُ «أوراق» المعمولة بواسطة حرف الجر له، فلم يقع الفصلُ بين العامل ومعمولِه بأجنبي بِناءً على الراجح مِن أنَّ العامل في التابع هو العامل في المتبوع إلا في البدل؛ فإن عامله مقدَّرٌ، والظاهر أنَّه حال مِن: «سمَّيتُها: نخبة الفِكَر»، والابتكار: الاختراع، والظاهر أنَّ [التَّفعُّلَ] (٢) هنا بمعنى فَعَل؛ فيكون بمعنى أصل الفعل، وهو نعتُ ترتيب. [قوله] (٣): «وسبيلٍ انتهجتُه»: عطفٌ على «ترتيب»، أي: وعلى طريقٍ، يُذَكَّر كما في قوله تعالى: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ] ﴿الحجر: ٧٦﴾، ويؤنَّث كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي] ﴿يوسف: ١٠٨﴾،

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومعنى انتهجته: أوْضحتُه لسالكيه مبالِغًا في إيضاحه لا متكلِّفًا له؛ فهو افتعَلَ مِن نَهَجَ الأمرُ: وضُحَ، والمِنْهاج في الأصل: الطريق الواضح. [قوله] (١): «مع ما ضَمَمْت إليه»: الظاهر أيضًا: أنَّه لغو متعلِّق بـ: «لخَّصتُه»، ومرجع الضميرين واحد وهو «المهم»، ويُحتمل: أنَّه حال من مفعول «لخَّصته» وعائد «ما» محذوف، أي: ضممْته، (٢) وفي الكلام مبالغة؛ حيث جعل المهم من تلك الكتب تابعًا لِما ضَمَّه إليه من الفرائد الشاردة، والفوائد الزائدة؛ لأن ما بعد «مع» هو المتبوع غالبًا. [قوله] (٣): «مِن شوارد [الفرائد] (٤)»: هو مِن إضافة الصفة إلى الموصوف. «الفرائد»: جمع فريدة، وهي الدُّرة واللؤلؤة القيِّمةُ لنَفاسَتها، انفردَتْ في ملْك أو إقليم، وشَرَد البعيرُ إذا نَفَر، والمراد: أنَّ المسائل التي هي لنفاسَتها كالدُّرِّ، ولعُسر تحصيلها على غيره كالإبل [الشوارد] (٥) [إذ] (٦) لم يَتنزَّل لذِكرها من القوم إلا القليلُ. وفي كتابة: الـ: «شوارد» جمع شاردة، أي: نافِرة، والمراد بها هنا: ما ذُكر في غير مَظِنَّة، و «الفرائد»: جمع فريدة، وهي: واسطة العِقد المنفردة في حُسْنها.

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وزوائد الفوائد»: هو من إضافة الصفة للموصوف، جمعُ زائدة، بمعنى عائدة، [زائدة] (٢) سمِّيَت بذلك؛ لتعلُّق الفؤاد بها، وجعلَها زائدةً بالنظر إلى أنها مستنبَطة بنَظَره؛ هضْمًا لنفْسه، وهذا المعنى الذي حملْنا كلامه عليه؛ لأجْل إتيانه مع الفوائد بـ: «الزوائد» المناسب للهضْم الأَولى به (هـ/١٦) النفس من الغير، ومع الشوارد بـ: «الفرائد» المناسب لمزيد المدح الأولى به الغير من النفس، وما ذكرناه مبنيٌّ على أنَّ الأول بالراء والثاني بالواو. ويوجد في بعض النسخ عكسُه، وهو [الصواب] (٣) الأنْسَب [لقول] (٤) صاحب التلخيص: «وأضفْتُ إلى ذلك فوائد [عَثَرْتُ] (٥) في بعض كتبِ القوم عليها، وزوائدَ لم أظفَرْ في كلام أحدٍ بالتصريح بها ولا الإشارةِ إليها» (٦).

стр. 95

فَرَغِبَ إِليَّ جَماعةٌ ثانيًا أَنْ أَضعَ عَليها شرحًا يحُلُّ رموزَها، ويفتحُ كنوزَها، ويُوضِّحُ ما خَفِيَ على المُبْتَدئ من ذَلكَ، فأَجَبْتُهُ إِلى سُؤالِهِ؛ رجاءَ الاندِراجِ في تلكَ المسالِكِ. [قوله] (١): «فرَغِبَ إليَّ جماعة ثانيًا أنْ أضَع عليها شرحًا يحُلُّ رموزَها، ويَفتحُ كنوزَها، ويوضِّحُ ما خفِيَ على المبتدئ من ذلك»: عطفٌ على «لخصته»، وقرنه بالفاء؛ إشارةً إلى قِصَر ما بين زمانَي التلخيص وسؤالِ الشرح، وعبَّر بـ: «رَغِب» دون سأل إشارةً إلى أنَّه سأل سؤالًا آكَدَ وأشدَّ مِن الأول؛ لنفاسَة الملخَّص وعِزةِ وجوده في غير تلك الأوراق، وضَمَّن «رغِب» معنى العَوْد أو [لإنهاء] (٢)، فعدَّاه بإلى، أي: فرغِب عائدًا إلىَّ بالسؤال حالَ كوْن السؤال ثانيًا، أو مُنْهِيًا إليَّ سؤالًا ثانيًا. ويُحتمل أنَّ: «ثانيًا» صفةُ زمان محذوف معمول لـ: «رغب»؛ فيكون ظَرفًا له، أي: رغِب إلىَّ في الشرح في زمانٍ ثانٍ، بعد رغبته إليَّ في التلخيص في زمانٍ أوَّلَ أنْ أضع عليها شرحًا يُزيل تعقيدَ ألفاظِ عباراتها ويُظهر مسائلَها، «ويوضِّحُ ما خَفِيَ على المبتديء من ذلك» وهو: مَن لم يَستقِلَّ بتصوُّر مسائلِ الفنِّ الذي شرَع فيه، وإلا فمتْنُه: إنِ [استحضر] (٣) غالبَ أحكامه وأَمْكنَه الاستدلال عليها، وإلا فمتوسط.

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «أنْ أضَعَ عليها»: هو على حذْف حرفِ الجر، وهو «في»؛ لاطِّراده في مثل الموضع؛ لأنَّ «رغب» يتعدَّى للمرغوب عنه بـ: «عن»، و [للمرغوب] (١) فيه بـ: «في»، وضمير: «عليها» لنخبة الفِكَر. والشرح لغةً: التوسيع، ومنه: شرحْتُ الدارَ؛ وسَّعتُها، وشرْحُ الصدرِ: توسِعتُه بالعلوم والمعارف (أ/١٣)، والمراد هنا: المشروح به وهو الألفاظ المخصوصة الدالةُ على المعاني المخصوصة المتعلِّقة بالتراكيب المخصوصة بوصفه للأوصاف الآتية؛ إذْ هي به أنسَبُ منه بالمعنى المصدريِّ. وقوله: «يحُلُّ رموزَها»: أي: يُزيل تعقيدَ بعضِ ألفاظ عبارتها التي [لخفاء] (٢) دَلالتِها على المراد شبيه الرمز، الذي هو: الإيماءُ بِعَيْنٍ أو حاجِب معه، ولا يخفى ما فيه مِن الاستعارة التبعيَّة وهو ناظرٌ إلى ما فيها مِن زوائد الفوائد. قوله: «ويفتَحُ كنوزَها»: أي: يُظهِرُ مسائلَها التي تُشبهُ الكنوزَ؛ لنفاستها والانتفاعِ بها، وهو ناظرٌ إلى شوارد الفرائد. [قوله] (٣): «يوضِّح ... إلخ»: هو ناظرٌ إلى ما لخَّصه من كلام الأئمة مبسوطًا كان أو مختصرًا، ففي

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الكلام: لفٌّ ونشرٌ مشوّش. [قوله] (١): «فأجبتُه إلى سؤاله»: أي: وافقت البعضَ الراغبَ إليَّ ثانيًا في وضع الشرح على المتن بعد إكماله على بَذْلِ مطلوبه، فهذه السجعةُ خارجةٌ عمَّا يتعلق بالمتن، وإنما هي متعلِّقة بالشرح، وبه يُعلُمُ ما أورده (ق) (٢). وضَمَّنَ أجاب معنى التوجُّهِ فعدَّاه بـ: «إلى»، أي: أجبتُه ولو بالوعد متوجِّهًا بالامتثال إلى سؤاله لآتي به طِبْق ما اقترح، ويمكن جعل «إلى» بمعنى «على»، والإجابة معناها: الموافقة، كما أشرنا إليه. [قوله] (٣): «رجاءَ الاندراجِ في تلك المسالكِ»: مفعولٌ لأجله، و «المسالك» أي: الطُّرُق، جمع مَسلَك، اسمُ محَلِّ السلوك، والمراد بها: وجوبُ خِدمة السُّنَّةِ المطهَّرَة، ولِيُعَدَّ مِن أئمتها. ويُحتمل أنْ يراد بـ: «المسالك» طُرُقُ البَسط والاختصار، فبالأصل يَندرِج في عِدَاد المختصرين، وبالشرح يَندرِج في [أعداد] (٤) الباسطين، وربما يُبعُد هذا: أنَّه لو أراده لقَدَّم عليه: «وظهر [لي] (٥) إيرادُه على صورة البسطِ ألْيَقُ»، والإشارة على الأول لغير مذكور، وعلى الثاني المذكور. (هـ/١٧)

стр. 98

فَبَالغتُ في شَرْحِها في الإِيضاحِ والتَّوجيهِ، ونبَّهْتُ عَلى خَبايا زَوَاياها؛ لأنَّ صاحِبَ البَيْتِ أَدْرَى بِما فيهِ، وظَهَرَ لي أَنَّ إِيرادَهُ على صُورةِ البَسْطِ أَلْيَقُ، ودَمْجَها ضِمْنَ تَوضيحِها أَوْفَقُ، فَسَلكْتُ هذِهِ الطَّريقَةَ القَليلةَ المسالِكِ. [قوله] (١): «فبالَغْتُ في شرحها في الإيضاح»: العطفُ على قوله: «فشرحت» المقدَّر الذي أشعَرَ به: «فأجبْته ... إلخ»، [وضميرُ] (٢) «شرحِها» لنخبة الفكَر، والظاهر: أنَّه بالمعنى الاسميِّ، والإيضاح معناه: الإبانة، غيرَ أنه يَلزَمُ تعديةُ عاملٍ واحد بحرفين بمعنًى واحدٍ، وهو ممتنِع على ما قاله الرَّضِيُّ وغيره، وتقدير عامل في الثاني، أي: بالغتُ في شرحها وبالغت في الإيضاح؛ فيكون بدلًا، وكذا تقدير حال يتعلق بها، أي: غيرُ مقصِّر في الإيضاح، لا طائلَ تحته؛ لتكلُّفه، ومن التكلُّف: تنزيلُ الشرحِ منزلةَ الظَّرف الأعمِّ، والإيضاحِ منزلةَ الظَّرف الأخصِّ الاعتبار فيهما، نحو: جلست في البلد في السوق، واعتكفت في رمضان في العشر الأخير منه، وأقْرَبُ منه جعلُه حالَ فاعل «بالغت»، أي: حالَ كَونِ [مبالغتِه] (٣) فيه في الإيضاح ... إلخ. [قوله] (٤): «والتَّوجيهِ»: أي: [إبداء] (٥) وجْهِ الكلامِ و [تعليله] (٦) والنصِّ على دليله

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ونبَّهت على خبايا زواياها»: أي: على مسائلها وأحكامِها الدقيقة المأخوذة من إطلاقٍ أو الراجعة لمفهوم أو المستنبطة من اقتصار وتخصيص بالذِّكر؛ إذ الخبايا جمع خبيئة بمعنى مخبوءَة، والزوايا جمع زاوية، وهي لُغةً: أحَدُ أركان البيتِ، وهو المراد هنا؛ لقرينة ما بعْدَه. وأشار بقوله: «لأنَّ صاحِبَ البيتِ أدْرَى [بما] (٢) فيه»: [إلى المثل المشهور وهو: صاحب البيت أدرى بما فيه] (٣)، وهذا يُسمَّى عندهم: تلميحًا، وهو الإشارة إلى قصة أو مَثَل، وعليه فلم يُغيِّر المَثل، وهذا التعليل الأولى رجوعُه لكلٍّ مِن: «أجبْت» [بالغت] (٤)، ونبَّهْتُ [بأنَّه] (٥). أتمُّ فائدةً وإن احتمل كما هو الظاهر تخصيصه بـ: «نبَّهت». و «أدرى» معناه: أعْلَم، مِن: الدراية، وهي العلم على وجْه البَصارة. [قوله] (٦): «وظَهر لي أنَّ [إبرازَه] (٧) على صورةِ البسطِ ألْيَقُ»: ضمير «إبرازه» للشرح المذكور، وإضافة الصورة للبيان، وإنما كان بَسْطُه

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ألْيَقَ من اختصاره؛ لأنه يكون مفيدًا للقاصر والماهر والعاجز عن التحقيق، فيكون أعمَّ نفعًا، [ولِيَجمَعَ] (١) بين طرَفَي البَسط والاختصار كما أشرنا له سابقًا، والواو فيه لعطف هذه الجملة على جملة «أَجَبت»، وتأخُّرُ الإخبار عن الإجابة وظهور ما ذَكَرَ له لا يُوجب تأخرَهما عن الشروع؛ فلذا ارتكَبَ البسط والدمْج مِن أول الشروع. [قوله] (٢): «ودَمْجَها ضِمْنَ توضيحِها أَوْفَقُ»: أي: إدخالَها، مِن: دمجْتُ الشيءَ في الشيء: أدخلتُه فيه، و «ضِمنَ» أي: في أثناء توضيحِها الذي هو شرْحُها، بحيث لا يميِّزها منه عند اتحاد المراد إلا الماهرُ، ولا يدرك الفرقَ بينهما إذ ذاك إلا جيِّد القريحة، وإنما كان «أوْفق» أي: أشدَّ موافقةً؛ لأنَّ الكلام حينئذ (أ/١٤) يأخذ بعضُه بحُجْزَةِ بعض حتى يصير أرواحًا واحدة في جسد؛ فلا يَتشتَّتُ ضميره ولا تَلْتَبسُ أوائله ومقاطعُه، وفي كلامه إيماءٌ إلى أنَّ شرح النخبة يسمَّى: «التوضيح». [قوله] (٣): «[فسلكْنا] (٤) هذه الطريقَ القليلةَ المَسالكِ»: أي: طريق المبالغة في الإيضاح والتوجيه، والتنبيه على الدقائق والنِّكات مع المزج والدمج، «القليلة المَسالك» لصعوبتها إلا على المتمكنين في ذلك الفنِّ، الماهرين فيه، العارفين به.

стр. 101

فأَقُولُ طَالِبًا مِنَ اللهِ التَّوفيقَ فيما هُنالِكَ: «الخَبَرُ» عندَ عُلَماءِ هذا الفنِّ مرادفٌ للحَديثِ. [قوله] (١): «فأقولُ طالبًا مِنَ اللهِ التوفيقَ فيما هُنالك»: أتى به مضارعًا مع أنَّ الألْيق بكلامَيِ المتن والشرح على ما عَرَفتَ: أنْ يأتي به ماضيًا؛ قاصدًا لإحضار عظمةَ حالة الشروع مع اختلاف وصفهم للمبدوء به تلك الكتب، ولإفادة إيرادِه قولًا يدوم عليه؛ إذ المضارع يفيد الاستمرار التجدديَّ، وللإشارة إلى أنَّ بعض تلك الأفعال الواقعة في المَتْن بصيغة المُضِيِّ أُوْقِعَ في الحقيقة موضع المضارع؛ مبالغةً في الإجابة؛ لإدخال السرور على السائل، وللتفاؤل بتحقُّق المأمول (هـ/١٨)، ولتنزيل المحقَّق ولو بوثوق الرجاءِ منزلةَ الواقع. فإنْ قلتَ: هلَّا جعلْتَه معطوفًا على الأخص له المهم وهو مستقبَل، فيكون منصوبًا، وإذا أمكن مراعاة اللفظ والمعنى تعيَّن ارتكابُها؟ قلتُ: منَع منه غيرَ كونِه في حيِّز الإجابة دون السؤال لزومُ أنْ يكون مسؤولًا لبعض الإخوان؛ فيرجع المتعلمُ معلِّمًا والمعلِّمُ متعلِّمًا بالنظر لمقول القول، وفيه من إساءة الأدب ما يَنهى عن ارتكابه أهلُ الأدب، مع نُبُوُّه عن المقام. فإنْ قلتَ: أمستأنَفٌ هو؟ قلتُ: يمكن أنْ تكون كذلك، والظاهر: أنَّه معطوف الآن على جملة: «فسلكتُ ... الخ» عطفَ الجُمَل، وقد كانت هذه الجملةُ معطوفةً على جملة: «فأجَبْتُه»، وعلى كل حال زمان الفعلين متَّحِدٌ بردِّ أحدِهما إلى الآخَر.

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «طالبًا ... إلخ»: حالٌ من فاعل «أقول». والتوفيق لغةً: جعْلُ الأسبابِ متوافقةً غيرَ متخالفة، بحيث يكون الفعلُ موافِقًا للصواب، وعُرفًا: خلْقُ قدرةِ الطاعة في العبد بألَّا يقعَ منه إلا الطاعةُ دون المعصية، لا بمعنى امتناع المعصية عليه؛ فتلك العصمة، بل بمعنى جواز حِفْظِ الله له مِن ملابسة المعاصي ومِن الإصرار عليها بأنْ يوفِّقَه للتوبة إنْ لابَسها، وهذا التعريف للأشعري، واعترضه إمام الحرمين بما يعلم الوقوف عليه (١). واسم الاشارة الموضوع للمكان البعيد مع اللام والكاف عائدٌ على تلك المصنَّفات التي قصدي تلخيص ما فيها، فـ: «ما» واقعة على ما ينقُله منها، أي: في [نقل] (٢) ما هنالك مِن الأحكام والشروط والقيود، ويُحتمل أنَّها واقعة على ما ظهَرَ له أنه الأوْفقُ والألْيق، ويُحتمل أنها واقعة على ما يؤلِّفه، والأَولى جعْلُها واقعةً على كل ذلك، وهو لغْوٌ متعلِّق بـ: «التوفيق». [قوله] (٣): «الخَبَرُ»: قِسمٌ مِن أقسام الكلام، يقسم الكلام إلى خبر واستخبار، وهو: الاستفهام

стр. 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأمرٌ ونهيٌ وتنبيه، وهو المسمَّى بـ: «الإنشاء»، قال به البعض، ومَن جعَلَ الإنشاء شاملًا لِما عدا الخبرَ مِن أقسام الكلام، بأنْ جعَل ما احتمل الصدق والكذب هو: «الخبر»، وما لا يحتمله هو: «الإنشاء»؛ يكونُ الكلامُ عنده قسميْن فقط. وقولُه يأتي في تعريفه ما يعرَّف به الكلام، أي على اختلاف أساليبهم في تعريفه لم يخرج عنه ما عدَاه من الكلام باحتماله الصدقَ والكذب وانتفاء ذلك فيما عداه، ثم إنَّ قوله: قِسمٌ إلى قوله -وهو ساقط مِن نسخة تلميذه الأنصاري، والموجود هكذا-: «الخبر عند علماء هذا الفن ... إلخ» وثابتٌ في نسخة تلميذه ابن أبي شريف. وفي كتابةٍ: «الخَبَر» يُطلق لغةً بالمعنى المصدري، أي: الإخبار، نحو قولهم (١): خَبَرُ الفاسقِ لا يُقبَلُ، وبالمعنى الاسميِّ، وهو: ما يُنقَل ويُتحدَّثُ به، وفي عُرف أهل المعاني: ما له نسبةٌ خارجية تطابقه أو لا تطابقه، وفي عُرف أهل الأصول: ما يحتمل الصدق والكذب لِذاتِه مع قطْع النظر عن قائله وعن خصوص الطرفين؛ فدخَلَ المقطوعُ بصِدقه كخبر الله، والمقطوعُ بكَذِبه كخبر مُسيلمةَ الكذاب، [وكقولنا] (٢): النقيضان يجتمعان أو يرتفعان، والمراد بالاحتمال: هو التجويز العقليُّ؛ فإنَّ الخبر لا يدل على الكَذِب وضعًا البتَّةَ، وإنما هو احتمال عقْليٌّ، والصدق: مطابَقة حُكمِ الخَبر للواقع، والكذِبُ: عدَمُ مطابقته للواقع، وهذا محترَز.

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «عِنْدَ عُلَماءِ هذا الفَنِّ»: أي: بحسَبِ عُرْفِهم ومُتَفاهَمِ خطابِهم (١)، حالٌ من ضمير «مرادف»، أو لغوٌ [متعلقٌ] (٢) به، أو بالنسبة الكلاميَّةِ من غير اعتبار لفظٍ على ما جَوَّزه بعضُ المحقِّقين في نظيره، وجَعْلُه حالًا من المبتدأ يأباه غيرُ سيبَوَيهِ، على أنَّ (أ/١٥) بعضهم قيَّدَ الخلاف بمبتدأٍ لا يصلح للعمل في الحال، وإلا جاءت الحال منه اتِّفاقًا، (هـ/١٩) ودعوى أنَّه جَرى مَجْرى العلم كالحديث -إنْ [سلَّمته] (٣) - لا تَمنعُ مراعاةَ أصلِه، ولا يَخْفَاكَ أنَّ المراد: عند جمهور علماء هذا الفنِّ بقرينة المقابل، وبعبارة: «وَالْخَبَرُ عِنْدَ عُلَماءِ هذا الفَنِّ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ على الصَّحِيحِ»، كما أفاده الشارح؛ فيأتي في تعريفه من الخلاف ما جرى في تعريف الحديث، والقولُ بأنَّ الحديثَ أخصُّ من الخبرِ -وهو القول الثالث في كلام الشارح- أشهرُ. وحَدُّ علم الحديثِ روايةً: علمٌ يُعْرَفُ به أقوالُ رسولِ الله ﷺ ، وأفعالُه، وأحوالُه. وموضوعه: ذاتُ النبيِّ ﵊.

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وغايته: الفوز بسعادة الدارين. وحَدُّه دِرايةً: وهو المراد عند الإطلاق، كما قال العِراقيُّ: «فهو عِلمٌ يُعرَفُ به حالُ الراوي والمَرويِّ من حيثُ القَبولُ والردُّ، وما يتعلقُ بذلك من مَعرفة اصطلاحِ أهلِه» (١). وقيل: هو القواعدُ الكليةُ المعَرِّفَةُ لحال الراوي والمَرويِّ، أي: من حيثُ القَبولُ والردُّ. وغايتُه: معرفةُ المقبولِ والمردودِ. وموضوعه: الراوي والمرويُّ. واعلمْ أنَّ السُّنَّةَ إنما تُطلَق على المرفوع اتِّفاقًا، ثم إنَّه جَرَى خلافٌ في تخصيص الحديث بما جاء عن النبيِّ ﷺ : هل يشملُ تقريرَه؛ فتكونَ السنَّةُ مرادِفةً له؟ أو لا؛ فتكونَ السنَّةُ أعمَّ مِنه؟ أي: من الحديث المرادِف للخبر، وما ذَكَره في «جمع الجوامع» من أنَّ: «السنَّة قولُ النبيِّ ﵊، وفعلُه، وتقريرُه،

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وهَمُّهُ] (١). انتهى» (٢)؛ يقتضي أنَّ الحديثَ أعمُّ من السنَّة، وهو خلافُ ما مرَّ، ويأتي لهذا مزيدٌ عند قوله: «مرادف للحديث». وقوله: «مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ»: أي: وللأثر. قال السَّخَاويُّ في قول العِراقيِّ: «الأثري»: «الأثر اصطلاحًا: الأحاديثُ مرفوعةً كانت أو موقوفةً، على المعتمد» (٣). وذكر مثله الأنصاريُّ (٤). والسنَّة أَخَصُّ؛ لاختصاصها بما أُضيف إليه ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا؛ فلا يَشملُ الموقوفَ. وعند أهلِ الأصول: الخبرُ والسنَّةُ مترادِفان، والمراد بهما: قولُه ﷺ أو فعلُه أو تقريرُه، والحديثُ: قولُه ﵊ خاصة. [وسُمِّيَ] (٥) الحديثُ متْنًا إمَّا من المُماتَنَة، وهي: المباعَدة في الغاية؛ لأنَّ المتْن غايةُ السَّنَد. أو من المتْن، وهو: ما صَلُبَ وارتفعَ من الأرض؛ لأنَّ راوي الحديثِ يُقَوِّيه بالسَّنَد، ويرفعُه إلى قائله. والسَّنَدُ: طريقُ المتْن، أي: أسماءُ الرواة الذين يَصل إلينا بهم. والإسناد: حكاية السَّنَد. أي: ذِكْرُ أسماءِ الرواة وكيفيةِ أدائهم المتْنَ إلينا.

стр. 107

وَقيلَ: «الحَديثُ»: ما جَاءَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ. و «الخَبَرُ»: ما جاءَ عن غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قيلَ لمَنْ يَشْتغلُ بالتَّواريخِ وما شاكَلَها: الإخبارِيُّ، ولمَنْ يشتغلُ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ: المُحَدِّثُ. [قوله] (١): «وَقِيلَ: الْحَدِيثُ: مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ. وَالْخَبَرُ: مَا جَاءَ عَنْ غَيرِهِ»: فلا يُطلقُ الحديثُ إلَّا على ما كان مرفوعًا؛ بقرينة المقابل، وبقرينة قوله: «ومِن ثَمَّةَ ... إلخ»، وعلى هذا قيل: بينهما تباينٌ؛ فلا يُطلق الحديثُ على غير المرفوع إلَّا بشرط التقْيِيد، فيُقال: هذا حديثٌ موقوفٌ، أو مقطوعٌ. وعُزِيَ هذا القولُ لكثيرين. تنبيه: تركُ الصلاة والسلام على النبي ﷺ عند ذِكْرِهِ هنا خطأٌ؛ فلعله أَتى بهما لفظًا (٢). وعمومُ قولِه: «والحديثُ ما جاء عن النبيِّ» يشملُ: الكلمةَ والكلامَ، كما يشملُ: القولَ والفعلَ، والتقريرَ والصفةَ، بل يَصْدُقُ على الحركات الإعرابيَّةِ والبنائيَّةِ، والإعلالاتِ الصَّرفيَّةِ كالسَّكَناتِ أيضًا. [قوله] (٣): «وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالتَّوَارِيخِ وَمَا [يُشَاكِلُهَا] (٤): الْأَخْبَارِيُّ. وَلِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: الْمُحَدِّثُ»: أي: ومن أجْل التبايُن بين الحديث والخبر؛ «قيل لمن يشتغل بـ -علم- التواريخ» جمع تاريخ، وهو: التعريفُ بوقتٍ يُضبَطُ به ما يُراد ضبطُه من نحو: وِلادةٍ ووفاةٍ وما يشاكِلُها من القَصص (هـ/٢٠) والحكايات والمناقب التي لا تَرجع للنبيِّ ﵊ بوجهٍ، بقرينة السابق واللاحق.

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «الأخباريُّ» [أي] (١): أُطلق عليه هذا الفعل مخصوصًا به؛ فهو نائبُ فاعلٍ، قيل: وإنْ كان مفردًا لإرادةِ لفظِهِ، مثل: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ] ﴿الأنبياء: ٦٠﴾ على الراجح، ولا يَخْفَاك أنَّ فيه النسبةَ إلى الجمعِ، وذلك صحيحٌ هنا؛ لأنَّ الجمعَ ثلاثةُ أقسامٍ: قسمٌ أُهْمِلَ وَاحِدُهُ كعَبَادِيد، وقسمٌ له واحدٌ شاذٌّ كمَلامِح، وقسمٌ له واحدٌ قياسي؛ فالأول يُنسب إلى لفظه كعباديديّ، ونَسب أبو زيد [محمد] (٢) الثاني إلى لفظه كالأول أيضًا فقال: مَلاميحيّ، وغيره نَسب فيه إلى واحده الشاذ، فقال: لمحيٌّ؛ لأنَّ واحده لَمْحَة، والثالث: إنْ غُلِّب يُنسَب إلى [لفظه] (٣)، فيقال في النسب إلى [الأنصار] (٤) والأبناء -وهم قوم من أبناء فارس-: أنصاريّ، وأبنائيّ، وإن لم يُغَلَّب نُسِب إلى واحِدِه؛ فيقال في النسب إلى الفرائض: فَرَضِيّ. وإن كان الأصل: فَرِيضِيّ. والظاهر على هذا القول: إنَّ الأَخبار مما غُلِّب. وشَمِل قولُه: «السنَّة النبويَّة» الروايةَ والدرايةَ، (أ/١٦) والظاهرُ أن النعت كاشفٌ؛ إذ لا تُطلَقُ عُرفًا إلا كذلك. تنبيه: كلامُه هنا فيه العطفُ على مَعمُولَي عاملٍ واحدٍ: «فلمن يشتغل» عطف على: «لمن يشتغل»، و: «المحدثُ» عطف على: «الأخباريُّ»، وكلاهما معمول لـ: «قيل»، وهو جائز. وقوله: «ومِن ثَمَّةَ» -بفتح المثلثة- أصله اسم إشارة للمكان البعيد، زيدت عليه التاءُ لتأنيثِ اللفظ، ثم استُعِيرَ للتعليل.

стр. 109

وقيلَ: بَيْنهما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلقٌ، فَكُلُّ حَديثٍ خبرٌ من غيرِ عَكْسٍ. وَعبَّرْتُ هنا بالخَبَرِ؛ ليكونَ أشملَ، فهو باعتبارِ وصولِهِ إِلينا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقٌ، أَيْ: أسانيدُ كثيرةٌ؛ لأنَّ «طُرُقًا» جمعُ «طريقٍ»، و «فعيلٌ» في الكثرةِ يُجْمَعُ على «فُعُلٍ» -بضَمَّتَينِ- وفي القِلَّةِ على «أَفْعِلَةٍ». [قوله] (١): «وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ؛ فَكُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ»: «فكل حديث خبر من غير عكس» أي: لُغويٌّ، وإلَّا فالصناعيُّ [صحيحٌ] (٢)؛ إذ لو قيل: بعضُ [الخبرِ] (٣) حديثٌ كان صحيحًا. [قوله] (٤): «وَعَبَّرَ هُنَا بِالْخَبَرِ؛ لِيَكُونَ أَشْمَلَ»: أي: ليكونَ التقسيمُ أشملَ؛ إذ يُستفادُ منه جَريانُه فيما جاء عن النبيِّ ﷺ ، وفيما جاء عن غيره، أمَّا على [الترادف] (٥) فظاهرٌ، وكذا على الثالثِ؛ إذ كلُّ ما ثَبَتَ للأعم يثبُتُ للأخصِّ كما ذكرهُ المؤلف، واعتراض (ق) (٦) عليه غيرُ ظاهرٍ، وأَمَّا على الثاني فلأنَّه إذا اعْتُبِرَتْ هذهِ الأمورُ في الخبرِ -الذي هو واردٌ عن غير النبيِّ ﵊ فلأنْ يُعْتَبَرَ [ذلك] (٧) فيما وَرَدَ عنه -وهو الحديث- أَوْلَى، وأَمَّا رُجُوعُ ضميرِ «ليكون» [للتعبير] (٨) ففيه نظرٌ؛ إذ الخبرُ على القولين الأَولَينِ ليس بأشملَ من الحديث؛ لأنَّ المرادِفَ للشَّيء والمباينَ لهُ لا يقال:

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنَّه أشملُ مِنه. انظر (ج) (١). [قوله] (٢): «فَهُوَ بِاعْتِبَارِ وُصُولِهِ إِلَيْنَا»: قُيِّدَ بذلك لأجْل تقسيمِه باعتبار انحصارِ طُرُقِه في عددٍ معينٍ وَعَدَمِه؛ إذ ليس ذلك إلَّا بالنَّظر لوصوله إلينا، لا باعتبار ذاته، ولا باعتبار معناهُ. [قوله] (٣): «إَمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقٌ ... إلخ»: يَشملُ: الطُّرقَ المتفِقةَ لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط؛ فالأولُ هو [التواترُ] (٤) اللفظيُّ، والثاني هو [التواترُ] (٥) المعنويُّ، وضابطُه: أنْ يختلفوا في اللفظ والمعنى بوجهٍ ما مع الاتفاقِ على وجود معنًى كليٍّ، كما إذا أَخبر واحدٌ عن حاتمٍ بأنَّه أَعطَى دينارًا، وآخرُ بأنَّه أَعطَى فرَسًا، وهَلُمَّ جَرًّا؛ إذ قد اتَّفَقوا على وجود معنًى كليٍّ هو الإعطاءُ المُنْبِئُ عن الكرَمِ. [قوله] (٦): «لِأَنَّ طُرُقًا جمع طريقٍ»: علةُ لإفادة [طُرقٍ] (٧) القلةَ، وطريق: يُذَكَرُ ويُؤَنَثُ، وهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٌ، أي: مَطْرُوقٌ، بمعنى مَمَرُور فيه، إذ هو محل الاسْتِطْرَاقِ.

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وَفَعِيلٌ فِي الْكَثْرَةِ يُجمَع على فُعُل -بضمتين-»: لا خصوصية له بذلك، بل الشرط: أنْ يكون اسمًا رُباعيًّا، فيه مَدٌّ قبل آخِرِهِ، صحيحَ اللَّامِ، نحو: قَضِيب وقُضُب، وعَمُود وعُمُد. فإن كانت المدَّةُ ألِفًا اشْتُرط مع ذلك: ألَّا يكونَ مُضاعَفًا، نحو: قَذَال وقُذُل؛ ليَخرُجَ نحو: بَتَات، (هـ/٢١) وزِمَام، فلا يقال فيها: بُتُت، ولا زُمُم. فلو كان وصفًا فإن كان على فَعُول لا بمعنى مَفْعول نحو: صَبُور وصُبُر. جازَ جَمْعُه على فُعُل وإلا فلا، كما هو مَبسوطٌ في مَحِلِّه، ومُرادُهم بالاسم: مقابِلُ الصِّفة؛ فلا يَرِدُ: كريم، ونحوه. تنبيه: ما ذكرناه مِنْ أنَّ التعليل لوَجْهِ إفادة «طُرُقٍ» الكثرةَ ودِلالَتِها عليها ناقش فيه (ق) (٢) بأنَّ: هذا الدليل إنما يفيدُ المُدَّعَى إذا كان لطريق جمعَ قلةٍ، وإمَّا إذا لم يكن لطريق جمعَ قلةٍ فلا يفيدُ ذلك؛ لأنَّه حينئذٍ يُستَعمَل فيهما، فلا يَدُلُّ استعمالُه على الكَثْرة، قال: «فلو استُدِلَّ بجعل التنوين للتعظيم والتكثير كان ظاهرًا. انتهى»؛ ورُدَّ بأنَّ أئمة اللغة كالجوهريِّ قالوا: «إنَّه يُجْمَعُ في القلة على أَطْرِقَة» (٣). قلتُ (٤): هو لم يُنكِر جَمعَه في القلة على أَطْرِقَة كما هو بَيِّنٌ، نعم يَتَوَجَّهُ الرّدُّ عليه: بأنَّ أئمةَ اللغةِ مَنَعَتْ مجيء طُرُقًا للقلة -كما لا يخفى-، ولعل الرَّادَّ (٥) فَهِمَ [عند] (٦)

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاستغناء الوضعيِّ وليس كذلك، إنَّما أراد الاستغناء الاستعماليَّ مع القرينة، ولا شك أنَّ احتمالَه قادحٌ في الدِلالَة، ألا تَراُه يقول: «فلو استُدِلَّ بجعل التنوين للتكثير والتعظيم كان ظاهرًا»، [وممن] (١) وصرحَ بالاستغناء الوضعيِّ والاستعماليِّ: ابنُ مالك في التسهيل (٢)، وسلَّمه المُرَاديُّ (٣) والأُشمُونيُّ (٤) وغيرُهما. قال الشاطبيُّ: «وحقيقةُ الاستغناء الوضعيِّ: أنْ تكون العربُ لم تضع أحد البنائين استغناءً عنه بالآخر، وحقيقةُ الاستعمالي: أنْ [تكون] (٥) وضعتهما معًا ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر». (٦) كما قاله (هـ) (٧). [قوله] (٨): «وَفِي الْقِلَّةِ عَلَى أَفْعِلَةٍ»: أي: ويُجمَعُ فَعِيل وبابُه في حال إرادةِ القلة على أَفْعِلَة، كرَغيف وأَرْغِفَة، وطَريق وأَطْرِقَة، كما حَكَى جَمْعَهُ على أَطْرِقَةٍ جمعٌ، منهم: الجوهريُّ في صِحاحه (٩)، والمَجدُ في قاموسه (١٠)، وغيرُهما.

стр. 113

والمُرَادُ بالطُّرُقِ: الأسانيدُ، وَالإِسنادُ حكايةُ طريقِ المَتْنِ. وتلكَ الكثرَةُ أَحدُ شُروطِ التَّواتُرِ إِذَا وَرَدَتْ بِلَا حَصْرِ عَددٍ مُعَيَّنٍ، بل تكونُ العادةُ قد أَحَالتْ تَوَاطُؤهُم على الكذِبِ، وكذا وقوعُهُ منهُم اتِّفاقًا مِن غيرِ قصدٍ. فلا مَعْنى لِتعْيينِ العَدَدِ على الصَّحيحِ، وَمِنْهُم مَنْ عيَّنَهُ في الأربعةِ. وقيلَ: في الخَمْسةِ. وقيل: في السَّبعةِ. وقيلَ: في العشرةِ. وقيلَ: في الاثنَيْ عَشَر. وقيلَ: في الأربعينَ. وقيلَ: في السَّبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلك. [قوله] (١): «وَالْمُرَادُ بِالطُّرُقِ: الْأَسَانِيدُ»: في بعض النسخ زيادة هنا، ولو أبدل الواو بالفاء تفريعًا على تفسيره الطرقَ بالأسانيدِ إفادةً لإرادَتِها عند الإطلاقِ كان أَوْلَى، وله تتمةٌ فيما بعدُ. (أ/١٧) [قوله] (٢): «[وَالْإِسْنَادُ:] (٣) حِكَايَةُ طَرِيقِ الْمِتْنِ»: طريقُهُ المحكيَّةُ عن الرواة الذين وصل إلينا بهم، والحكايةُ: ذِكْرُ أسمائِهم وكيفيةِ أدائهم المتنَ إلينا. [قوله] (٤): «وَتِلْكَ الْكَثْرَةُ أَحَدُ شُرُوطِ التَّواتُرِ إِذَا وَرَدَتْ بِلَا حَصْرِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ»: أي: بلا شرطِ حصرِ عددٍ معيَّنٍ، وإلَّا فالطرق متناهيةٌ قطعًا، فهي في نفْسها معيَّنةٌ، فالمراد: ألَّا يُؤخَذَ في مفهومه التعيِين لا أنْ يؤخذ عدمُ التعيِين، فالمعتبَر: بلُوغُهم حَدًّا يَمتنِعُ معه عند العقلِ تواطُؤُهم على الكذب، والضابطُ: حُصولُ العلم، أي: بنفْسه؛ ليَخْرُجَ ما إذا حصَلَ له العلمُ بالقرائن، أو بموافقةِ دليلٍ عقليٍّ، أو غير ذلك؛ لأنَّ المفيدَ هو مع غيره، والأصحُّ: أنَّه لا يُشترطُ في المتواترِ

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إسلامٌ في راويه، ولا عدمُ احتواءِ بلدٍ عليهم؛ فيجوز أن يكونوا كفَّارًا، أو [أنْ] (١) يحويَهُم بلدٌ، وقيل: لا يجوز ذلك؛ لجواز تواطُئِ الكفَّار وأهلِ بلدٍ على الكذِب؛ فلا يفيد [خبرُهم] (٢) العِلمَ. وفي قوله: «بَلْ تَكُونُ العَادَةُ قَدْ أَحَالَتْ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ»: إشارةٌ إلى أنَّ المعتبَرَ الاستحالةُ العاديَّةُ لا العقليَّةُ، وأنَّ مَنْ أَسند الاستحالة للعقل كأنْ يقول: يُحيلُ العقل تواطؤهم ... إلخ، أراد أنَّ العقلَ لا يُجَوِّزُ ذلك من حيثُ الإسنادُ للعادةِ، وإلَّا فالتجويزُ العقليُّ لا يَرتَفِعُ وإن بلغَ العددُ ما عسى أنُ يَبلُغَ. [وقوله] (٣): «تَوَاطُؤَهُمْ»: أي: توافُقُهم في [الإخبار بخبرٍ] (٤) غيرِ مطابقٍ بأنْ يَتوارَدوا عليه، لا توافُقُهم على أنَّ كلًّا منهم يُخْبِرُ بكذا. [قوله] (٥): «وَتِلْكَ الْكَثرَةُ»: أي: المعتبَرةُ شرطًا في طرقِ المتواتر، وبه ظَهَرَ أنَّ قوله: «بِلَا حَصْرِ ... إلخ» (هـ/٢٢) شرطٌ في جزء مدلول طرق، لكنْ لا ضرورةَ إليه؛ لجواز كونه شرطًا في نفس الطرقِ الكثيرة، والظاهرُ أنَّ: «بلْ» هنا للانتقال؛ لأنَّ سلبَ الحصر عن العدد المعيَّن لا يفيدُ ضابطًا مُطَّرِدًا بخلافِ ما بعدَ: «بلْ»، وإحالةُ العادةِ التواطؤَ لا يَضرُّ معه مُجرَّدُ التجويزِ العقليِّ بخلافه.

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: في كلامه إخراجُ خبر الآحاد المفيد العلم ... إلخ. بالقرائنِ الخارجيَّة؛ فإنَّ [العادة] (١) لم تساعدْ على ذلك بلِ القرائنُ. وقوله: «وَكَذَا وُقُوعُهُ مِنْهُمُ اتِّفَاقًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ»: هذا مِمَّا زاده [على] (٢) الكثير [المقتصرين] (٣) على ما قبْلَه فقط، والظاهرُ إِغْناءُ الأولِ عنه، وأنَّ العادةَ متى أحالتِ الأولَ أحالتِ الثانيَ؛ فليست الزيادةُ ضروريَّةً. وقوله: «اتِّفاقًا» يُغْني عن [قوله: «عن] (٤) غير قصد». و [لك] (٥) أنْ تقولَ: المقصودُ بالذاتِ بوضع هذه المقدمة وشرحِها إنَّما هو المبتدئُ، ولا يَدفَع الاشتباهَ عن قوله: «اتِّفاقًا» عنده إلا تعقبُه «عن غير قصد» تفسيرًا له كما هو بيِّنٌ. وقوله: «فلا مَعْنَى لِتَعْيِينِ العَدَدِ على الصَّحِيحِ»: بل على الصواب، هو صفة لموصوف محذوف: القولِ أو المذهبِ. [قوله] (٦): «ومِنْهُم مَنْ عَيَّنَهُ فِي الْأَرْبَعَةِ، وقِيلَ: فِي الْخَمْسَةِ، وَقِيلَ: فِي السَّبْعَةِ، وَقِيلَ: فِي الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَقِيلَ: فِي الْأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: فِي السَّبْعِينَ، وَقيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ»: أي: ومِنَ العلماء مطلقًا؛ لتكلُّم أرباب الفنون على المتواتر، وضمير «عيَّنَهُ» راجع للعدد لا لقيدٍ، والمرادُ: عيَّنَ أقلَّ عدده كما يأتي.

стр. 116

وتَمَسَّكَ كُلُّ قائلٍ بدليلٍ جَاءَ فيه ذِكرُ ذلكَ العَدَدِ، فأفَادَ العِلْمَ، وليسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَطَّرِدَ في غَيْرِهِ؛ لاحْتِمَالِ الاخْتِصَاصِ. [قوله] (١): «تَمَسَّكَ كُلُّ قَائِلٍ بِدَلِيلٍ جَاءَ فِيهِ ذِكْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ، فَأَفَادَ الْعِلْمَ»: فتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الأربعة بثبوتِ الزنا بشهادتهم، فلولا أنَّ خبرَهم مُحَصِّلٌ للعلم لوجبتْ الزيادةُ فيه عليهم؛ صَونًا لنفْس المسلم عن التلف بالظنِّ. وَرُدَّ بوجوب التزكية، وجواز أنَّها المحصِّلة للعلم بذلك. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الخمسة: بأنَّها ارتفعت عن رتبةٍ أعظم ممَّا يَحْتَاجُ إلى التزكية. وَرُدَّ بأنَّ زيادة الواحدِ لا تُوجِبُ عِلْمًا؛ ولذا قلنا لا بُدَّ في التزكية مِنْ عَدْلَين. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية السبعة: باشتمالها على ثلاثة أنصبةِ الشهادةِ. وَرُدَّ بأنَّ هذه الأنصبةَ ليس فيها إلا ضَمُّ ظنِيٍّ لظنيٍّ، فإنَّ الواجب على الحاكم العملُ بغلبة الظنِّ، ولا شكَّ في حصولِها بشهادة مَن ذُكِرَ، وإن تفاوتت قوَّةً وضعفًا، لا العِلْم؛ لعدم اعتبارِه في كثيرٍ من أحكام الشَّرع. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية العَشَرة: بأنَّها ارتفعت عن مرتبة الآحادِ وهي ما دونها، أو لأنَّها ارتفعت عن جموع القلة. وكلاهما ضعيفٌ. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الاثنَيْ عَشَرَ: بأنَّه عدد النقباء في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا] ﴿المائدة: ١٢﴾، بُعثوا كما قال أهل التفسير للكَنْعانيين بالشام طليعةً لبني إسرائيل -المأمورين بجهادهم فَرْضًا- ليخبروهم بحالهم الذي لا يُرْهَبُ؛ [فكونهم] (٢) على هذا العدد ليس إلَّا أنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك.

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتَمَسَّكَ القائلُ بكفايةِ الأربعينَ: بأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] ﴿الأنفال: ٦٤﴾ (أ/١٨) وكانوا كما قال أهلُ التفسير: أربعين، كمَّلَهُم عُمَرُ بدعوة النبيِّ ﷺ ، فإخبارُ اللهِ عنهم بأنهم كَافُوا نبيَّه يستدعي إخبارَهم عن أنفسهم بذلك ليطمئنَّ قلبُه؛ فكونهم على هذا العدد ليس إلَّا لأنَّه أقلُ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ (هـ/٢٣) في مثل ذلك. [وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية السبعين: بأنَّ الله قال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا] ﴿الأعراف: ١٥٥﴾، أي: للاعتذار إلى الله تَعَالَى من عبادة العجل، ولسماعِهم كلامَه من أمرٍ ونهي، ليُخبِروا قومَهم بما يسمعونه؛ فكونهم على هذا العدد ليس إلَّا لأنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية العشرين: بأن الله تَعَالَى قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] ﴿الأنفال: ٦٥﴾، فيتوَقَّفُ بعثُ عشرينَ لمائتينِ على إخبارهم بصبرهم؛ فكونُهم على هذا العدد ليس إلا لأنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل] (١) ذلك. وتَمَسَّكَ القائل بكفاية الثلاثِمائة وبِضْعةَ عشَرَ: بأنَّهم عددُ أهلِ غزوة بدر، والبِضْعُ -بكسر الباء وقد تفتح-: ما بيْن الثلاثِ إلى التِّسْعِ، وزاد أهل السِّيَرِ زيادةً فيها: وهي البطشة الكبرى التي أعزَّ اللهُ بها الإسلام؛ ولذلك قال المصطفى لعُمَرَ فيما رواه الشيخان: «وَمَا يُدْرِيكَ؟! لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٢)؛ وهذا لاقتضائه زيادةَ احترامِهم يستدعي التنقيبَ عنهم ليُعرَفُوا، وإنما يُعرَفُون بأخبارهم؛ فكونُهم على هذا العدد

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [المذكور] (١) ليس إلَّا لأنَّه أقلُّ ما يُفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك. وأُجيبَ بمنع الليْسِيَّة في الجميع، كما أشار إليه الشارح بقوله: «وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَطَّرِدَ فِي غَيْرِهِ». أي: في غير ما [أفاد] (٢) فيه ذلك الدليلُ العلمَ، وفي عبارة أي: وليس تمسُّكه به بشيء؛ لأن ذلك العددَ وإن أفاد العلم في أمرٍ ما فليس بلازم أنْ يَطَّرِدَ في غيره. تنبيه: ما ذكرْناه في التمسُّكات هو في: «شرح مِنهاج الأصول» (٣) و «جمع الجوامع» (٤) باللفظ، وبه يسقط قول (ق) (٥): «لم يُرِدِ الأربعة والخمسة والسبعة والعشرة والأربعون في دليل إفادة العلم أصلًا؛ فلا يصحُّ أن يُقال في هذه: «وليس بلازم أن يطرد في غيره». انتهى»، على أنَّ قولَ الشارحِ: «وليس بلازم ... إلخ» جوابٌ على التَنَزُّلِ وعدمِ التسليمِ، وهو مُشْعِرٌ بمنعِ إفادةِ الواردِ العلمَ إلا بدعوى القائلِ؛ فلا تكن من الغافلين، ولا يُحتاج [مع] (٦) هذا لقولك: إنَّ المؤلف مِنَ الحفاظ (٧) المتقِنين. وقوله: «لاحتِمالِ الاخْتِصاصِ»: علةٌ لعدَم الاضطِّراد، لا يُقال: الأصل عدم الخصوصية؛ لأنَّا نقول: هذا لا ينفي الاحتمال، قاله (هـ) (٨).

стр. 119

فإذا وَرَدَ الخَبَرُ كَذلكَ، وانْضافَ إليهِ أَنْ يَسْتَويَ الأمْرُ فيهِ في الكثرةِ المَذْكورةِ من ابتدائِهِ إلى انتهائِهِ -والمُرَادُ بالاستواءِ أَلَّا تَنْقُصَ الكَثْرَةُ المَذكورةُ في بعضِ المَواضِعِ لا أَلَّا تَزيدَ؛ إذ الزِّيادَةُ هُنا مَطْلوبةٌ مِن بابِ أَوْلَى- وأَنْ يكونَ مُسْتَنَدُ انتهائِهِ الأمرَ المُشاهَدَ أَو المَسْموعَ، لَا مَا ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ الصِّرْفِ. [قوله] (١): «فإذا وَرَدَ الخَبَرُ كذلك»: أي: بطُرُق كثيرةٍ. وقولُه الآتي: «فهذا هو المتواتر» جوابٌ لـ: «إذا» الثانية، والثانية وجوابُها جوابُ لـ: «إذا» هذه، انظر شرح (ج) (٢). [قوله] (٣): «وانْضافَ إليهِ أَنْ يَستويَ الأمْرُ فيهِ في الكثرةِ المذكورةِ مِنَ ابتدائِهِ إلى انتهائِهِ»: [قوله] (٤): «إليهِ»: أي: إلى وارِدِهِ كذلك، والمراد بالأمر: الشأنُ والحال، و «أنْ يَستويَ»: فاعلُ «انضاف»، والمراد من الابتداء [طُرُق] (٥) وصولِه إلينا، وبالانتهاءِ المحسوسُ الذي هو مستنَدُ الإخبار، وهذا هو المتواتر الذي يَنصرِف إليه الاسمُ عند الاطلاق، وهو المتواتر في جميع طبقاته، وأمَّا متواتر الأول فقط، أو متواتر الآخر فقط، أو الوسط فقط، أو اثنين منها؛ فلا يُطلَقُ عليه ذلك إلا مقيدًا بما ذُكر. [قوله] (٦): «والمرادُ بالاستواءِ: أَلَّا تَنْقُصَ الكَثْرَةُ المذكورةُ ... إلخ»: وهي عند الجمهور: بلوغُ العدد [حدًّا] (٧) يَمتنعُ معه التواطؤُ على الكذب
следующие страницы →