← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 115–154 · переход к 120.

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: في كلامه إخراجُ خبر الآحاد المفيد العلم ... إلخ. بالقرائنِ الخارجيَّة؛ فإنَّ [العادة] (١) لم تساعدْ على ذلك بلِ القرائنُ. وقوله: «وَكَذَا وُقُوعُهُ مِنْهُمُ اتِّفَاقًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ»: هذا مِمَّا زاده [على] (٢) الكثير [المقتصرين] (٣) على ما قبْلَه فقط، والظاهرُ إِغْناءُ الأولِ عنه، وأنَّ العادةَ متى أحالتِ الأولَ أحالتِ الثانيَ؛ فليست الزيادةُ ضروريَّةً. وقوله: «اتِّفاقًا» يُغْني عن [قوله: «عن] (٤) غير قصد». و [لك] (٥) أنْ تقولَ: المقصودُ بالذاتِ بوضع هذه المقدمة وشرحِها إنَّما هو المبتدئُ، ولا يَدفَع الاشتباهَ عن قوله: «اتِّفاقًا» عنده إلا تعقبُه «عن غير قصد» تفسيرًا له كما هو بيِّنٌ. وقوله: «فلا مَعْنَى لِتَعْيِينِ العَدَدِ على الصَّحِيحِ»: بل على الصواب، هو صفة لموصوف محذوف: القولِ أو المذهبِ. [قوله] (٦): «ومِنْهُم مَنْ عَيَّنَهُ فِي الْأَرْبَعَةِ، وقِيلَ: فِي الْخَمْسَةِ، وَقِيلَ: فِي السَّبْعَةِ، وَقِيلَ: فِي الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَقِيلَ: فِي الْأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: فِي السَّبْعِينَ، وَقيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ»: أي: ومِنَ العلماء مطلقًا؛ لتكلُّم أرباب الفنون على المتواتر، وضمير «عيَّنَهُ» راجع للعدد لا لقيدٍ، والمرادُ: عيَّنَ أقلَّ عدده كما يأتي.

стр. 116

وتَمَسَّكَ كُلُّ قائلٍ بدليلٍ جَاءَ فيه ذِكرُ ذلكَ العَدَدِ، فأفَادَ العِلْمَ، وليسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَطَّرِدَ في غَيْرِهِ؛ لاحْتِمَالِ الاخْتِصَاصِ. [قوله] (١): «تَمَسَّكَ كُلُّ قَائِلٍ بِدَلِيلٍ جَاءَ فِيهِ ذِكْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ، فَأَفَادَ الْعِلْمَ»: فتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الأربعة بثبوتِ الزنا بشهادتهم، فلولا أنَّ خبرَهم مُحَصِّلٌ للعلم لوجبتْ الزيادةُ فيه عليهم؛ صَونًا لنفْس المسلم عن التلف بالظنِّ. وَرُدَّ بوجوب التزكية، وجواز أنَّها المحصِّلة للعلم بذلك. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الخمسة: بأنَّها ارتفعت عن رتبةٍ أعظم ممَّا يَحْتَاجُ إلى التزكية. وَرُدَّ بأنَّ زيادة الواحدِ لا تُوجِبُ عِلْمًا؛ ولذا قلنا لا بُدَّ في التزكية مِنْ عَدْلَين. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية السبعة: باشتمالها على ثلاثة أنصبةِ الشهادةِ. وَرُدَّ بأنَّ هذه الأنصبةَ ليس فيها إلا ضَمُّ ظنِيٍّ لظنيٍّ، فإنَّ الواجب على الحاكم العملُ بغلبة الظنِّ، ولا شكَّ في حصولِها بشهادة مَن ذُكِرَ، وإن تفاوتت قوَّةً وضعفًا، لا العِلْم؛ لعدم اعتبارِه في كثيرٍ من أحكام الشَّرع. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية العَشَرة: بأنَّها ارتفعت عن مرتبة الآحادِ وهي ما دونها، أو لأنَّها ارتفعت عن جموع القلة. وكلاهما ضعيفٌ. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية الاثنَيْ عَشَرَ: بأنَّه عدد النقباء في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا] ﴿المائدة: ١٢﴾، بُعثوا كما قال أهل التفسير للكَنْعانيين بالشام طليعةً لبني إسرائيل -المأمورين بجهادهم فَرْضًا- ليخبروهم بحالهم الذي لا يُرْهَبُ؛ [فكونهم] (٢) على هذا العدد ليس إلَّا أنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك.

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتَمَسَّكَ القائلُ بكفايةِ الأربعينَ: بأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] ﴿الأنفال: ٦٤﴾ (أ/١٨) وكانوا كما قال أهلُ التفسير: أربعين، كمَّلَهُم عُمَرُ بدعوة النبيِّ ﷺ ، فإخبارُ اللهِ عنهم بأنهم كَافُوا نبيَّه يستدعي إخبارَهم عن أنفسهم بذلك ليطمئنَّ قلبُه؛ فكونهم على هذا العدد ليس إلَّا لأنَّه أقلُ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ (هـ/٢٣) في مثل ذلك. [وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية السبعين: بأنَّ الله قال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا] ﴿الأعراف: ١٥٥﴾، أي: للاعتذار إلى الله تَعَالَى من عبادة العجل، ولسماعِهم كلامَه من أمرٍ ونهي، ليُخبِروا قومَهم بما يسمعونه؛ فكونهم على هذا العدد ليس إلَّا لأنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك. وتَمَسَّكَ القائلُ بكفاية العشرين: بأن الله تَعَالَى قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] ﴿الأنفال: ٦٥﴾، فيتوَقَّفُ بعثُ عشرينَ لمائتينِ على إخبارهم بصبرهم؛ فكونُهم على هذا العدد ليس إلا لأنَّه أقلُّ ما يفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل] (١) ذلك. وتَمَسَّكَ القائل بكفاية الثلاثِمائة وبِضْعةَ عشَرَ: بأنَّهم عددُ أهلِ غزوة بدر، والبِضْعُ -بكسر الباء وقد تفتح-: ما بيْن الثلاثِ إلى التِّسْعِ، وزاد أهل السِّيَرِ زيادةً فيها: وهي البطشة الكبرى التي أعزَّ اللهُ بها الإسلام؛ ولذلك قال المصطفى لعُمَرَ فيما رواه الشيخان: «وَمَا يُدْرِيكَ؟! لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٢)؛ وهذا لاقتضائه زيادةَ احترامِهم يستدعي التنقيبَ عنهم ليُعرَفُوا، وإنما يُعرَفُون بأخبارهم؛ فكونُهم على هذا العدد

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [المذكور] (١) ليس إلَّا لأنَّه أقلُّ ما يُفيدُ العلمَ المطلوبَ في مثل ذلك. وأُجيبَ بمنع الليْسِيَّة في الجميع، كما أشار إليه الشارح بقوله: «وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَطَّرِدَ فِي غَيْرِهِ». أي: في غير ما [أفاد] (٢) فيه ذلك الدليلُ العلمَ، وفي عبارة أي: وليس تمسُّكه به بشيء؛ لأن ذلك العددَ وإن أفاد العلم في أمرٍ ما فليس بلازم أنْ يَطَّرِدَ في غيره. تنبيه: ما ذكرْناه في التمسُّكات هو في: «شرح مِنهاج الأصول» (٣) و «جمع الجوامع» (٤) باللفظ، وبه يسقط قول (ق) (٥): «لم يُرِدِ الأربعة والخمسة والسبعة والعشرة والأربعون في دليل إفادة العلم أصلًا؛ فلا يصحُّ أن يُقال في هذه: «وليس بلازم أن يطرد في غيره». انتهى»، على أنَّ قولَ الشارحِ: «وليس بلازم ... إلخ» جوابٌ على التَنَزُّلِ وعدمِ التسليمِ، وهو مُشْعِرٌ بمنعِ إفادةِ الواردِ العلمَ إلا بدعوى القائلِ؛ فلا تكن من الغافلين، ولا يُحتاج [مع] (٦) هذا لقولك: إنَّ المؤلف مِنَ الحفاظ (٧) المتقِنين. وقوله: «لاحتِمالِ الاخْتِصاصِ»: علةٌ لعدَم الاضطِّراد، لا يُقال: الأصل عدم الخصوصية؛ لأنَّا نقول: هذا لا ينفي الاحتمال، قاله (هـ) (٨).

стр. 119

فإذا وَرَدَ الخَبَرُ كَذلكَ، وانْضافَ إليهِ أَنْ يَسْتَويَ الأمْرُ فيهِ في الكثرةِ المَذْكورةِ من ابتدائِهِ إلى انتهائِهِ -والمُرَادُ بالاستواءِ أَلَّا تَنْقُصَ الكَثْرَةُ المَذكورةُ في بعضِ المَواضِعِ لا أَلَّا تَزيدَ؛ إذ الزِّيادَةُ هُنا مَطْلوبةٌ مِن بابِ أَوْلَى- وأَنْ يكونَ مُسْتَنَدُ انتهائِهِ الأمرَ المُشاهَدَ أَو المَسْموعَ، لَا مَا ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ الصِّرْفِ. [قوله] (١): «فإذا وَرَدَ الخَبَرُ كذلك»: أي: بطُرُق كثيرةٍ. وقولُه الآتي: «فهذا هو المتواتر» جوابٌ لـ: «إذا» الثانية، والثانية وجوابُها جوابُ لـ: «إذا» هذه، انظر شرح (ج) (٢). [قوله] (٣): «وانْضافَ إليهِ أَنْ يَستويَ الأمْرُ فيهِ في الكثرةِ المذكورةِ مِنَ ابتدائِهِ إلى انتهائِهِ»: [قوله] (٤): «إليهِ»: أي: إلى وارِدِهِ كذلك، والمراد بالأمر: الشأنُ والحال، و «أنْ يَستويَ»: فاعلُ «انضاف»، والمراد من الابتداء [طُرُق] (٥) وصولِه إلينا، وبالانتهاءِ المحسوسُ الذي هو مستنَدُ الإخبار، وهذا هو المتواتر الذي يَنصرِف إليه الاسمُ عند الاطلاق، وهو المتواتر في جميع طبقاته، وأمَّا متواتر الأول فقط، أو متواتر الآخر فقط، أو الوسط فقط، أو اثنين منها؛ فلا يُطلَقُ عليه ذلك إلا مقيدًا بما ذُكر. [قوله] (٦): «والمرادُ بالاستواءِ: أَلَّا تَنْقُصَ الكَثْرَةُ المذكورةُ ... إلخ»: وهي عند الجمهور: بلوغُ العدد [حدًّا] (٧) يَمتنعُ معه التواطؤُ على الكذب

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ووقوعُه من غير قصد، وعند غيرهم: بلوغُ الأعداد التي عَيَّنوها، والحق: أنَّها التي إذا نقَصَ العددُ عنها جَوَّزت العادةُ وقوعَ [الكذب] (١) على نقَلَتِه على المشهور؛ [فلا يَرِدُ نقصان إلّا يزيد عنها إليها] (٢)، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الأعداد المعيِّنة لعدد التواتر عند القائلين بها ليست بيانًا إلَّا لأقلِّ عددٍ يحصُلُ به العلم عند ذلك القائل، وأمَّا أكثرُه فلا حد له. تنبيهان: الأول: تعبيرُه هنا وفيما قبْله بالكثرة معرَّفًا بـ «الـ» العهديةِ صريحٌ في اعتبار الكثرة المُشترَطة من غير اعتبار عددِ معيَّن؛ فيَصدُقُ بأيِّ كثرةٍ كانت، سواءٌ كانت أقلَّ مراتبِ دَلالةِ جمع الكثرة أو لا؛ إذ الكثرة (٣) والقِلَّةُ أمران نسبيان، والكلام في اعتبار الكثرة، لا في اعتبار الجموع؛ [فالحُكمُ] (٤) على المِتْن والشرح بالتناقض لاعتباره كثرة مدلولِه للجمع، وأقلُّها عشَرةٌ ثم أوردها (٥) في هذه المواضع كلِّها، مع قوله: «بلا حَصرٍ» النافي لكل عدد معين ساقطٌ بهذا. (هـ/٢٤) الثاني: جزَمَ صاحب «جمع الجوامع» (٦) بأنَّه: لا يكفي الأربعة في عدد نَقَلةِ المتواتر، وأنَّ (أ/١٩) ما زاد على الأربعة صالحٌ لأنْ يكفيَ [في] (٧) عدد نقلته من غير ضبط بعدد معين، فتَوقَّفَ القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ في الخمسة [هل

стр. 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكفي أم لا] (١) مع جزمه بأنَّ الأربعة لا تكفي؛ لاحتياجهم إلى التزكية. وفيه نظرٌ لوجوب التزكية فيما لو شَهِد خمسة بالزنا- أيضًا-، إلَّا أنْ يقول: إنَّ وجوب التزكية في هذه الحالة لتُعلمَ عدالةُ أربعة منها؛ لأنَّ الخمسة قد يُفيد خبرُها العلمَ فلا تجب التزكيَّة، وقد لا يفيد فيُعلَم كذِبُ واحدٍ، فعند الاحتمال وَجَبت التزكية ليُعلم عدالةُ الأربعة وصدقُهم، بخلاف الأربعة؛ فإنَّه إذا كذَبَ واحد منهم لم يَبق نصابُ شهادة الزنا. وقد يُجاب عن أصل استدلال القاضي بأنَّ أمر الشهادة أضيقُ، وبالاحتياط أجدر، كذا في العضد (٢) والسعد في حاشيته قاله (هـ) (٣). وقوله: «إذِ الزِّيادةُ هُنا مَطلوبةٌ ... إلخ»: عبارة فيها حَزازَة (٤)، والأليقُ أن يُقال: إذ الزيادة هنا أَولى في حصول المقصود، أو أبلغُ في حصول المقصود، مثلًا. [قوله] (٥): «وأَنْ يَكونَ مُسْتَنَدُ انتهائِهِ الأمرَ المُشاهَدَ أو المَسموعَ، لا مَا ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ الصِّرْفِ»: عطفٌ على «أَنْ يَستويَ الأمْرُ فيهِ»، والمراد بالأمر هنا: المخبَر عنه، والمراد بالـ: «المشاهَدَ» ما يدرك بالحواسِّ الخمس الظاهرة غير السمع؛ بدليل عطفه عليه، وخرَجَ ما كان مستندُ الإخبار فيه: الخبر؛ لجواز وقوعه عنه بالاجتهاد.

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابةٍ: قيل: وإنما خص «المُشاهَد» و «المسموع» بالذِّكر؛ اعتبارًا بالغالب، وإلَّا فالشرط انتهاؤه إلى مُطلَق الحسِّ الشامل للحواسِّ الخمس الظاهرة. وقيل: لأن الكلام في المتواتر من أقوال الرسول [و] (١) أفعاله [أو تقاريره] (٢)، وما ذُكر منحصرٌ فيها، أو ترك غيرها للمُقايسة. وقيل: المراد بالمشاهدة ما يقابل الغَيبة؛ فيَعُمُّ أنواعَ الإحساس، وتخصيص المسموع بعد التعميم؛ لتعلُّقِ أكثر الأخبار به. وقوله: «لا مَا ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ الصِّرْفِ»: عطفٌ على الأمر الموصوف بما ذُكِر، والمراد بـ: «الصرف» الخالص، وهو قيد للإدخال؛ إذ لولاه لخرج المتواتر؛ إذ لا بُدَّ فيه من معونة العقل وإدراكِه كما يأتي، فقول بعضهم (٣): «الأولى إسقاطه» ذهولٌ، قاله (هـ) (٤). وما قاله المؤلف هنا أقعَدُ من قول بعضِهم: «لا ما ثبت بإخبار عن مُجتهَدٍ فيه بأنْ يكونَ مستنَدُ الإخبار عنه: الاجتهادَ فيه، والاستدلال عليه»؛ لأنَّ المجتهَدَ فيه قد يُدرَكُ بالإحساس أيضًا؛ فليس من المتواتر؛ لجواز الغلط فيه.

стр. 123

فَإِذَا جَمَعَ هذهِ الشُّروطَ الأَرْبَعةَ، وَهِيَ: - عَدَدٌ كثيرٌ أَحَالَتِ العَادةُ تَوَاطُؤهُمْ وَتَوافُقَهُم على الكَذِبِ. - رَوَوْا ذَلكَ عن مِثْلِهِم منَ الابتداء إلى الانتهاءِ. - وَكَانَ مُسْتَنَدُ انْتِهائِهِمُ الحِسَّ. - وَانْضَافَ إلى ذَلكَ أَنْ يَصْحَبَ خَبَرَهُمْ إِفَادَةُ العِلْمِ لِسامِعِهِ. [قوله] (١): «فإذا جَمَعَ هذهِ الشُّروطَ الأربعةَ ... إلخ»: هذه الجملةُ كالفَذْلَكةِ (٢) لِما تقدَّم، وهي: ذِكرُ الشيء مجمَلًا بعد ذكره مفصَّلًا؛ تسهيلًا للضبط، وتقريبًا للحفظ وزيادة البيان؛ فيَخرج عن التَّكرار لا لفائدة على حد قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً] ﴿الأعراف: ١٤٢﴾، ومن هنا أثبت بعض النحاة: «فاء الفَذْلَكة» (٣) ومثَّلها بهذه الآية. وفاعل «جَمعَ»: «الخبرُ» لا «المتواتر» كما يُعلم بأدنى التفات. [قوله] (٤): «عَدَدٌ كثيرٌ أَحَالَتِ العادةُ تواطُؤَهُمْ وتوافُقَهُم على الكَذِبِ»: هذان شرطان من الأربعة المذكورة؛ أحدُها: العدد الكثير ولو فُسَّاقًا أو كفارًا، وأهل بلد واحد، ودِين واحد، ونَسَبٍ واحد، وإنْ لم يكن لهم إمامٌ معصوم، وإنْ لم يَكثُروا بحيث لا يحويهم بلد ولا يَحصُرهم عدد، كما اقتضى

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كلَّ ذلك إطلاقُ المؤلف هنا، خلافًا لزاعمي اشتراطِ شيء من ذلك؛ لأنَّ الكثرة مانعةٌ من التواطؤ على الكذب ولو من الكفار، ولا يُشكِل -على الأصح-: أخبارُ اليهود (هـ/٢٥) قاطبةً عن تأييد دين موسى، وعدمِ نَسخِه؛ لأنَّ ذلك ليس إخبارًا مُستنِدًا لمحسوس، فإنَّ موسى ما قال لهم ذلك، وإنَّما كذبَت أساقِفَتُهُم وأحبارُهم، بل قيل: إنَّه من تلقينات ابن الرَّاوَنْدِيِّ (١) على عادته في تعليم الفِرَق الشُّبَه طلبًا للدنيا، على أنَّ بُخْتَ نَصَّرَ كان قد استأصَل ساقَهم، أي: جميعَهم، حتى الأجنَّةَ في بطون الحوامل، وقد انقطع التواتر في بعض طبقاتهم. وأشار إلى ثانيهما بقوله: «أَحَالَتِ العادةُ ... إلخ» ومعناه: أنَّ كل عاقلٍ نظَرَ إلى جريان العادة حكَمَ باستحالة تواطُئِهم على الكذب؛ فإسناد الإحالة للعادة من المجاز. وعطفُ «توافقهم» على «تواطؤهم»: تفسيريٌّ. وأشار إلى الثالث بقوله: «رَوَوْا ذلك ... إلخ»: والمراد بالمماثلة في إفادة العلم لا في العدد. وقوله: «من الابتداء»: متعلق بـ: «مثلهم»؛ لِما فيه من رائحة المماثلة الكافية في تعلُّق الجارِّ والمجرور؛ (أ/٢٠) فأفاد أنَّه لابد من المماثلة في جميع الطبقات.

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأشار إلى الرابع بقوله: «وكان مُستَنَدُ انتِهائِهِمُ الحِسَّ»: بالفعل لا ما شأنُه [أنْ] (١) يُحَسَّ، نعَمْ، المعتبرُ في العلم الحاصل من المتواتر: أنَّه عِلم من شأنه أنْ يحصل بالإحساس، ولم يقُلْ: وكان مستندُ إخبارهم؛ لجواز أن يكون مستنَدُ إخبارهم حِسًّا مجتهَدًا فيه، على ما أشرنا إليه آنفا؛ فالمراد بالمستند: الواقعة المخبَرُ عنها وبوقوعها، سواءٌ كانت بعينها مُفادَ إخبار كل واحد منهم، وسمِّي الخبر: متواترًا تواترًا لفظيًّا، أو قدرًا مُشترَكًا بين أخبارهم ويُسمَّى حينئذٍ: متواترًا تواترًا معنويًّا، كما مرَّ مثاله؛ فالانتهاء إلى المخبَر عنه: إمَّا الانتهاء إليه بنفْسه، وإمَّا الانتهاء إلى أفراده التي يجمعها كما مرَّ، وقد يكون المتواتر نسبيًّا؛ بأنْ يَتواتَرَ عند قوم دُونَ غيرِهم. تنبيه: ما مَثَّلنا به «المتواتر المعنوي» هو تمثيلُ غير المحدِّثينَ، ويمكن تمثيله لهم بقول بعضِهم: «مَثَّلوا له بأحاديثَ، منها: أخبار رفع اليدين في الدعاء؛ فقد ورد عن المصطفى مئةُ حديثٍ فيها رفع يديه في الدعاء، لكن في قضايا مختلفة، فكلُّ قضيةٍ منها لم تتواتَر، والقَدْرُ المشترك فيها -وهو الرفع عند الدعاء- مُتواتِرُ المجموع» قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «وانْضافَ إلى ذلك: أَنْ يَصْحَبَ خَبَرَهُمْ إِفَادَةُ العِلْمِ لِسامِعِهِ»: اسم الإشارة راجع إلى مجموع الشروط الأربعة، أو للمذكور أو المتقدم منها فهو صحيح، وإنْ كان المَحِلُّ لهذه، ثمَّ إنَّه ليس المرادُ اتِّصافَ المصاحبة

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على وجه الشرطية؛ لأنَّ حصول العِلْمِ أمارةٌ ودليل على تحقُّق المتواتر، وهو متأخِّرٌ عنه، فلا يكونُ شرطًا له؛ لوجوب تقدُّمِه عليه حينئذٍ، فالمراد: ويجامع تلك الشروطَ دليلُ اجتماعها، وهو حصول العلم. تنبيه: قيل: الصواب حذف لفظ «أربعة»، وإثبات «ثلاثة» أو «خمسة» بدلها؛ بِناءً على أنْ المحقِّقين لم يعدُّوها إلَّا ثلاثة، وعلى أنَّ: «و [انضاف] (١)» من جُملتها. قلتُ: وهو سهوٌ ظاهرٌ؛ لِمَا [بيَّنَّاه] (٢) من تعدُّد عدد الأربعة، وجعل قوله: «وانْضافَ ... إلخ» تابعًا له غير معدود منها لِمَا ذكرناه، وإجمال المحقِّقين الأربعة في ثلاثة لا يخالف تفصيل المؤلف الثلاثة إلى الأربعة فلا تكن من الغافلين. قاله (هـ) (٣)، وبهذا يسقط اعتراض مَن قال: «إنَّ قوله «وانْضافَ ... إلخ» حكمٌ للمتواتر؛ فلا يصح جعله شرطًا وهو جلي»، نعَمْ: إفادةُ الخبرِ العِلْمَ الضروريَّ بمضمونه [في كونه] (٤) علامة أنَّه جمَعَ شروط المتواتر، ويجابُ بأنَّه شرطٌ للعِلْمِ بأنَّه متواترٌ لا شرط لتحقُّق التواتر ... إلخ. (هـ/٢٦)

стр. 127

فهذا هو المُتَواتِرُ، وَما تَخَلَّفَتْ إِفَادَةُ العِلْمِ عنهُ كانَ مَشْهورًا فقَط، فَكلُّ مُتَواتِرٍ مشهورٌ من غيرِ عَكْسٍ. [قوله] (١): «فهذا هو المتواتِرُ»: أي: إذا جمَعَ مفهومَ كُلِّيِّ هذه الشروطِ وأمارة اجتماعها على ما أشرنا آنفًا فهذا المفهوم الكلي الجامع لِما ذكِر هو الخبر المتواتر؛ فالفاء فصيحةٌ داخلةٌ في جوابِ شرط مقدَّرٍ، واسم الإشارة عائدٌ على ما أشعَر السِّياقُ بحضوره وإثبات حسِّيَّتِه مُبالَغةً. [قوله] (٢): «وما تَخَلَّفَتْ إِفَادَةُ العِلْمِ عنهُ كانَ مَشْهورًا ... إلخ»: أي: والخبر الذي تخلَّفت إفادةُ العلم عنه مع جَمْعِه تلك الشرائطَ ظاهرًا؛ كان مشهورًا فقط، فهذا شروعٌ في الفرق بين المتواتر والمشهور في بعض أحواله؛ لأنَّه جعَلَ مَناطَ الفرق: إفادةَ العلمِ وعدمَهَا، ولا يُحتاج لهذا إلَّا في المشهور في المعنى المتواتر في الظاهر، وبقولنا: «مع جَمْعِه ... إلخ» يَسقُطُ قولُ (ق) (٣): «ولا بُدَّ وأن يَزيدَ [عمَّا] (٤) رُوي بحصْرِ عدَدٍ معين، وإلا لصَدَق المشهورُ على الجميع، أي: من المتواتر والمشهور، هذا ينافيه بعد هذا: أنَّ المشهور ما رُوي مع حَصْر عددٍ بما فوق الاثنين» انتهى، وهو مبني على أنَّه [فرَّق] (٥) بين المتواتر ومُطْلَقِ المشهور، وليس كذلك، كما أشرنا إليه أولًا، مع أنه غَفْلةٌ أيضًا عن قول الشارح: وخِلافه، أي: المتواتر قد يَرِدُ بلا حَصْرٍ أيضًا ومع حَصْر بما فوق الاثنين، [فقد جَعل غير المتواتر] (٦) ما عُدِمَ فيه الحَصْرُ في عددٍ معيَّنٍ أيضًا.

стр. 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله]: «فكلُّ متواتِرٍ مشهورٌ من غيرِ عَكْسٍ»: أي: لأنَّه أخصُّ من المشهور، وحيث وُجِدَ [الأخصُّ وُجِدَ] (١) الأعَمُّ من غير عكس، أي: لُغوي، فليس كلُّ مشهور متواترًا؛ لأنَّه أعمُّ منه، ولا يلزمُ من وجود الأعمِّ وجودُ الأخصِّ، ألَا ترى أنَّ الإنسان أخصُّ من الحيوان ويلزم من وجود الإنسانِ وجودُ الحيوان، ولا يلزم من وجود الحيوان وجودُ الإنسان، كما في: الحمار، وبما قرَّرْناه مِن جَعْلِ الشارح هنا أي: الفرق بين المتواتر والمشهور- إنَّما هو إفادة العلم وعدمها يظهر لك أنَّ ما قاله البعض: «كيف يكون المشهور أعمُّ؟ وهو يُشتَرط فيه (أ/٢١) القصور عن إفادة العلم، بل هو مباينٌ للمتواتر» انتهى، مبنيٌّ على أن الآحاد لا تفيد العلم، فإن أراد بالنظر لذات الآحاد؛ فمُسلَّمٌ، لكننا لا نريد ذلك، وإن أراد: ولا بالنظر إلى القرائن أيضًا؛ فهو غير مُسلَّمٍ، والأصحُّ أنَّها [قد] (٢) تفيده بالقرائن؛ فصار المشهور: تارةً يفيد العلم، وتارة لا يفيده، وذلك يحقِّق أعمِّيَّتَه من المتواتر الذي لا بد أن [يفيدَه (٣) على ما يأتي. فإنْ قلتَ: التباين حاصلٌ من جهة أنَّ العادة تُحيلُ الكذب على نَقَلةِ المتواتر، ولا كذلك المشهور؟ قلتُ: هذا مما يحقِّقُ الأعَمِّيَّة أيضًا. فإنْ قلتَ: مبدأ المشهور محصور بخلاف المتواتر، قلتُ: الجوابُ على أنَّك ستسمع أنْ [للمشهور] (٤) فردَينِ كما قاله (هـ) (٥).

стр. 129

وقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الشُّروطَ الأربعةَ إِذا حَصَلَتْ، اسْتَلْزَمَتْ حُصولَ العِلْمِ، وهُوَ كَذَلكَ في الغالِبِ، لَكنْ قد تَتَخَلَّفُ عنِ البَعْضِ لمانعٍ، وقد وَضَحَ بهذا تَعْريفُ المُتواتِرِ. [قوله] (١): «وقد يُقالُ: إِنَّ الشُّروطَ الأربعةَ إِذا حَصَلَتْ اسْتَلْزَمَتْ حُصولَ العِلْمِ، وهُو كذلكَ في الغالِبِ، لكنْ قد [يتَخَلَّفُ] عنِ البَعْضِ؛ لِمانعٍ»: [قوله] (٢): «اسْتَلْزَمَتْ حُصولَ العِلْمِ» أي: بصِدقِ مضمون الخبر، يريد: بحسَبِ العادة، يعني فلا حاجة إلى التصريح بقيدِ إفادته العلمَ [إلَّا بالنَّظر] (٣) لغير الغالب، «لكنْ قد يَتخَلَّفُ» يعني: أنَّ بعضَ أفراد المتواتر قد يَتخَلَّفُ حصولُ العلم عنه؛ لمانع، ومن الموانع: عَدمُ علْمِ الناظر فيه بتلك الشروط، وحصول العلم بغيره قبْله؛ إذ يَمْتنع تحصيل الحاصل، وبالجملة: فحصول العلْم بالفعل من المتواتر غير معتبر فيه، وبذلك ظهر لك أنَّ قول بعضٍ: «إنَّه متى (هـ/٢٧) حصلت الشروط الأربعة التي من جملتها: «إفادةُ السامعِ العلْم ... إلخ» حَصَل العِلْم؛ فكيف يَتخَلَّف حصوله لا لعادة تحيل الكذب؟» غيرُ واردٍ، على أنَّه مبنيٌّ على حصولها في الظاهر ونفْسِ الأمر، ونحن لا نُسَلِّمُه، جاز أنْ يريد في الظاهر فقط، على أنَّ إحالة الكذب عادةً شرطٌ، ولا يَلزمُ من وجود الشرط وجودُ المشروط.

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وقد وَضَحَ بهذا تَعْريفُ المُتواتِرِ»: أي: ظهر بهذا تعريف المتواتر. اسم الإشارة راجع للتقدير المتقدِّمِ من حيث إنَّه ميَّز فيه الشروطَ، وهي الخارجة عن الماهِيَّة، وعن الأركان وهي الداخلة فيها. والتواتر لغةً: التتابع، وهو كونُ الشيء بعد الشيء بفترة، فالمتواتر لغةً: المتتابع مع فترة (٢). واصطلاحًا: خبرٌ من شأنه كونه بحيث يوجب بنفسه العلْم بصِدق مضمونه لسامعه عادةً. وشرطه: أنْ يَرِد على لسان قوم يمتنع تواطؤُهم على الكذب عادةً من غير حصر في عددٍ معيَّن عن مثلهم إلى أن يستند خبرُهم لمحسوس، وقضية هذا [الكلام] (٣) أنَّ قوله الآتي: «وهو يُفيد العلْمَ اليقينيَّ» بيانٌ لحُكمٍ من أحكامه، لا بيانٌ لحقيقته وهو المتبادر. والتعريف يَعُمُّ: «الحدَّ»، وهو ما كان بالذاتيَّات، و «الرَّسْمُ» وهو ما كان بالعَرَضيَّات، وآثرَه على حدِّه؛ لأنَّ ما قَدَّم من ذاتيَّاته التي أشرنا إلا النَّزْر، بل جملة ما تعرض لبيانه شروطه.

стр. 131

وخِلافُهُ قدْ يَرِدُ بِلَا حَصْرٍ أَيضًا، لَكنْ مع فَقْدِ بعضِ الشُّروطِ، أَو مَعَ حَصْرٍ بِما فَوْقَ الاثْنَيْنِ، أَيْ: بثَلَاثةٍ فَصاعِدًا ما لمْ يَجْمَعْ شُرُوطَ المُتواتِرِ، أو بِهِما، أَيْ: باثْنَيْنِ فَقَطْ، أَوْ بواحِدٍ فَقَطْ. [قوله] (١): «وخِلافُهُ ... إلخ»: أي: المتواتر، وهو الآحاد، وقد يَرِدُ بلا حصْر -أي: لطُرُقه- في عدد معين أيضًا كالمتواتر، وحينئذٍ فالفارقُ بينه وبين المتواتر: فَقْدُ بعضِ شروطه الباقية؛ بألَّا تُحِيلَ العادةُ تواطؤَهم على الكذب، أو لا يكون مستنَدُ إخبارهم محسوسًا؛ فقول (ب): «إنَّ ما يَرِد بلا حصْرٍ هو المشهور، وإن لم يَكُنْهُ فهو قِسمٌ آخَرُ؛ فما اسمُه؟» ونحوه قول (ق) (٢) في هذا: «يُقال عليه: فماذا يسمَّى؟»؛ ليس على ما ينبغي؛ إذ ما عدا المتواتر فهو يسمَّى آحادًا كما يصرح به المؤلف بقوله الآتي: «وكلُّها ما سوى الأوَّل -وهو المتواتر- آحادٌ» وله تَتِمَّةٌ تسمعها هناك، هذا إنْ أراد السؤالَ عن الاسم العامِّ، وإنْ أراد الاسم الخاصَّ فهو أحد قسمَيِ المشهور، بل أقسامه، وقول (ق) (٣): «هو المشهور» ممنوع، بل نوعٌ من المشهور وزيادة. [و] (٤) قوله: «مع فَقْدِ بعضِ الشُّروطِ»: يُغْني عنها قوله: «مالمْ تَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِرِ». وقد يُقال: إنَّه نَبَّه عليه هنا؛

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّه قد يَشْتَبه بالمتواتر حيث ورد بلا حصرٍ لطرق في عدد معين، بل قد تحَيَّرَ البعضُ فيه بماذا يُسمَّى؟ كما مَرَّ. [قوله] (١): «أَو مَعَ حَصْرٍ بِما فَوْقَ الاثنيْنِ أي [والثلاثةِ] (٢) فصاعِدًا مالمْ تَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِرِ»: هذا بيانٌ للمشهور الذي هو قَسيم المتواتر، فإنَّ المشهور [يطلق] (٣) على هذا، أو على ما هو أعمُّ من المتواتر، وهو المراد في قوله قبلُ: «فكل متواتر مشهور»، وأمَّا السَّخَاويُّ ﵀ فذكر أنَّ المشهور قد يرتقي للمتواتر وقد لا يرتقي؛ فلا يكون المتواتر إلا مشهورًا، ويوجَد المشهور ولا يوجَد المتواتر، فإنَّه قال: «المشهور قسمان: قِسمٌ لم يَرتقِ إلى المتواتر وهو الأغلب فيه، وقسمٌ يرتقي إليه» (٤)؛ فمعنى قول (أ/٢٢) المؤلف: «كلُّ متواترٍ مشهورٌ» أنَّه لا يرتقي إلى المتواتر إلا بعدَ الشهرة، وقوله: «ولا عكس» أي: أنَّ الشهرة توجَدُ ولا يوجَد التواتر، وهو لا يُفيد أنَّ المشهور يقابل التواتر؛ لأنَّه حيث لم يَرتقِ إلى المتواتر فلا يقابل المتواتر؛ لأنَّه يَصْدُقُ عليه صِدْقَ الأعمِّ على الأخصِّ، وحيث ارتقى إليه فواضحٌ عدَمُ تقابلهما، فقول مَن قال: «إنَّ كلام السَّخَاويِّ يحصل به الجمع

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بين كلامي الشارح» (هـ/٢٨) فيه نظرٌ، ونحو ما للسَّخَاويِّ -من كون المشهور أعمُّ مطلقًا- للعراقيِّ فإنه قال (١): ... [وَمِنْهُ] (٢) -أي من المشهور- ذُوْ تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرَا فِي طَبَقَاتِهِ كَمَتْنِ «مَنْ كَذَبْ» ... وقوله: «أَو مَعَ حَصْرٍ بِما فَوْقَ الاثنيْنِ»: لا يَصلُحُ عطفه على قوله: «بلا حَصْر عَدَدٍ»؛ إذ يصير التقدير: أو يكون له طرقٌ -أي: كثيرة- مع حَصْرٍ بما فوق الاثنين، وقد علِمتَ أنَّ مُرادَه بالطرق الكثيرة: الأربعةُ وما زاد عليها، وقوله: «مَعَ حَصْرٍ ... إلخ» يَصْدُق بثلاثة وهي لا تُجامِع طرقًا كثيرةً، وإنْ قُطِع النَّظر عن [كثيرة] (٣). وقيل: إنَّها صادقة بالثلاثة مع وصفها بالكثرة كان قِسمًا لـ[ما] (٤) قبله لا [قسيمًا] (٥) له، وأَشْكَلُ منه قوله: «أو بِهما؛ أو بواحِدٍ»، ويُجاب بـ: أنَّ المعطوف هو من قوله: «أو مع حصر ... إلخ» أى: أن يكون له أكثر من طريقين، أو طريقان، أو واحد، فكأنَّه قال: إمَّا أنْ يكون له طرقٌ كثيرةٌ، أو أكثر من طريقين، أو طريقان، أو طريقٌ واحدٌ؛ فرُوعي في المعطوف معناه؛ فصَحَّ عطفُه، وعلى هذا فالمعطوف عليه:

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «طرق». ويُحتمل أنْ يُقدَّر عامل لقوله: «أو مع حَصْر»، ولقوله: «أو بهما»، وعامل لقوله: «أو بواحِدٍ» كما قال (ج) (١)، وقال عند قول المؤلِّف سابقًا: «الخبرُ إمَّا أنْ يكون له طرقٌ بلا حَصْر ... إلخ» ما نصُّه: «واعلمْ أنْ في قوله: «الخبَر .. إلخ» أمورًا: الأول: أنَّه جعل المشهور قسيمَ المتواتر، وقسيم الشيء ما كان مُباينًا له ومندرجًا [معه (٢) تحت شيءٍ آخَرَ، وذكر في الشرح: أنَّ المشهور أعمُّ من المتواتر، وهو تَنافٍ ظاهرٌ. الثاني: لم يذكر في شروط التواتر: أنَّ الصحيح أنَّه لا بُدَّ أنْ تزيد عدَدُ رُواته على أربعٍ مع أنَّه لا بُدَّ منهم؛ فهو باعتبار أوَّلِه محصورٌ بما فوق] الأربعة (٣) كما في المشهور [باعتبار أوله محصور بما فوق الاثنين، وبهذا تَبيَّن أنَّ كلًّا من المشهور والمتواتر محصورٌ] (٤) باعتبار أوَّلِه، وغيرُ محصورٍ باعتبار ما فوق آخره، غير أنَّه يُعتبر في التواتر ما يفيد أنَّه أخَصُّ من المشهور، فليس المشهور قسيمًا للمتواتر كما علمت من أنَّ قسيم الشيء ما كان مباينًا ومندرِجًا معه تحت شيء آخَرَ، وقد أشار إلى ما يفيد ذلك في الشرح، ولكنَّ ظاهِرَ المَتْنِ خلافُه، وأنَّ المشهور قسيمُ المتواتر إذا اعتُبر في مفهوم المتواترِ: عدمُ الحَصْر، وفي مفهوم المشهور: الحَصْرُ،

стр. 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا يقتضي تبايُنَهما، ولكن يجب حمله على ما يوافق كلام الشرح» إلى أنْ قال: «السادس: قوله: «أو مع حصر ... إلخ» لا يصلُح أنْ يكون قسيمًا لقوله: «لهُ طرقٌ كثيرة»؛ لأن ما حُصر بما فوق الاثنين يدخل فيما له طرقٌ كثيرة؛ بِناءً على أنْ لفظ: «كثيرة» لا يمنع صِدقَ قوله: «طرق» على ثلاثة، وإلا فيدخل فيه بعضُ ما يَصدُقُ عليه: «أو مع حصر [بما] (١) فوق الاثنين»، والقَسيمُ مباينٌ لقَسميهِ؛ فلا يندرج في قسيمه شيء مما يَصدُقُ عليه. الثامن: قوله: «أو مع حَصْر ... إلخ» لا يصلُح عطفُه على قوله: «بلا حَصْر ... إلخ»؛ إذ المعنى: أو يكون له طرقٌ كثيرةٌ مع حَصْرٍ [بما (٢) فوق الاثنين، وهذا غير صحيح؛ إذ قوله: «أو مع حصر ... إلخ» يصدُقُ بثلاثة، ولا يجتمع مع قوله: «له طرقٌ كثيرة» على أحد الوجهين، وأَشْكَلُ منه قولُه: «أو بِهما، أو بواحِدٍ»، والمخلِّصُ من هذا أنْ يقالَ: إنَّ قوله: «أو مع حَصْر» متعلِّقٌ بمقدَّرٍ، أي: أو يتعدد طريقُه مع حَصْرٍ بما فوقَ الاثنين أو بهما، و] قوله] (٣): «وبواحِدٍ» متعلِّقٌ بمحذوفٍ أيضًا، أي: [أو يتعدد] (٤) طريقه بواحد، فلو قال: الخبر الوارد مِن أكثرِ مِن طريق إنْ زادت طُرُقُه على أربع، و [أحالت] (٥) العادةُ وُقوعَ الكذب من رواته، وكان مستنَدُه الحسَّ، واستوت طبقاته فيما له أكثرُ من طبقة في إحالة العادة وُقوعَ الكذب منهم، فإن اختلف عددهم فمتواتر، وإلا

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فمشهور (هـ/ ٢٩)، ومنهما: عَزيز، ومن [واحد] (١): غريب؛ لَسَلِمَ من جميع ما مَرَّ» انتهى باختصار (٢). وقال (هـ) (٣): «أو مع حصرٍ بما فوق الاثنين» أي: فيما فوقَهما، ومشى على تذكير الطريق وإلَّا لقال: اثنتين. وقوله: «أي: بثلاثة فصاعِدًا»: بيانٌ لِما فوقَ الاثنين من غير تَعيينِ مرتبةٍ من مراتب الزيادة، وَ (أ/٢٣) يَدخُلُ في كلامه الصحابة في جميع هذه الأمور، وهو كذلك كما يأتي عند قوله: «ثُمَّ الغرابة إلخ»، ثُمَّ [إنَّ] (٤) الحصر باعتبار المَبدأِ، أو إن خلا باعتبار الغاية، والمتواتر القسيمُ للآحاد خلا عن الحصر مَبدأً وغايةً، وبهذا يُرَدُّ قولُ مَن قال: «الحَصْر إنَّما يكون في شيء بعَينِه، كما مرَّ في تلك الأقوال التي هي: أربعة خمسة سبعة» إلى آخِرِ ما قاله، وأمَّا: «ثلاثة فصاعَدًا فليس بحَصْر ... إلخ». ونَصَبَ «فصاعدًا» على الحاليَّة، أي: فذهب العدد من الاثنين صاعدًا، قال الرَّضِيُّ: «من المواضع التي يُحذَفُ فيها عامل الحال على الوجُوب قياسًا إن تعيَّن الحالُ: ازدياد ثَمَنٍ أو غيرِه شيئًا فشيئًا مقرونة بالفاء أو بثُمَّ، تقول في الثَمَن: بِعْتُه بدرهم فصاعِدًا، أو: ثُمًّ زائدًا، أي: فذهَبَ الثَّمَنُ

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صاعِدًا، أو زائدًا، أي: في الازدياد، يُقال هذا في ذي أجزاء بِيعَ بعضُها [بدرهم] (١) والبواقي بأكثَرَ، وتقول في غير الثَّمَن: قرأتُ كلَّ يوم جزءًا من القرآن فصاعِدًا، أو: ثُمَّ زائدًا، أي: فذهبَتِ القراءةُ زائدةً، أي: كانت كلَّ يوم في زيادة». و «ما» من قوله: «ما لمْ يَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِرِ» مصدريَّةٌ ظرفيَّة، وهذا القيد [دلَّ (٢) عليه المقابلةُ والتقسيم؛ فلذا ترَكَه من المَتْنِ ونبَّه عليه في الشرح؛ لأنَّ المبتدئَ مَظِنَّةُ الغفلة وهو المخاطَبُ بهذا الكتاب أولًا وبالذات. «أو بهما» أي: فيهما، أي: [باثْنَيْن] (٣). وَقوله: «فقَطْ»: قَيَّد الاثنين بالنظر إلى ما نقص عنهما لا بالنظر إلى ما زاد عليها، كما يُعلَمُ من قوله: «فإِنْ وَرَدَ بأَكْثَر ... إلخَ». وقوله: «أو لواحِدٍ ... إلخ»: أي: في واحد. تنبيه: حَمَلْنا الاثنين والواحد على الطُّرق؛ ليُناسِبَ ما ذُكِر في المتواتر، ولو حُمِل على الراويَينِ والرواة والراوي لَصَحَّ؛ [لأنَّ] (٤) هذا المصَرَّح به، وهو بمعنى ما ذكرنا كما يُعلم من تفسيره الطريقَ بأنَّه: سَنَد المَتْنِ المُوَصِّلُ له؛ فالمعنى واحد.

стр. 138

والمُرادُ بقَوْلِنا: «أَنْ يَرِدَ بِاثْنَيْنِ»: ألَّا يَرِدَ بأَقلَّ مِنْهُما، فَإِنْ وَرَدَ بأَكْثَرَ في بعضِ المَواضِعِ مِنَ السَّنَدِ الواحِدِ لا يَضُرُّ؛ إِذِ الأقلُّ في هذا العِلْمِ يَقْضي على الأكْثَرِ. [قوله] (١): «والمرادُ بقَولِنا: أَنْ (٢) تَرِدَ باثْنَيْنِ: ... إلخ»: أي: المراد منه ظاهرُه المشار إليه بقولنا ولكن يجري على كلٍّ مقتضاه، فهو من بابِ بيان الواقع، وسيأتي مثالُ الزيادة على أكثر من اثنين [عند] (٣) شرح قوله: «وليس شرطًا للصحيح ... إلخ». قال (ب) (٤): «في قول المؤلِّف: «في بعض المواضع» دليلٌ على أنَّه لو وَرَد في كلِّها لا يُسمَّى عَزيزًا بل مشهورًا؛ فليس بيْنهما عُمومٌ مُطْلَقٌ، فشرط تسمية الحديث: أنْ يرد فيه اثنان ولو في موضعٍ واحدٍ» انتهى. و [معنى] (٥) قوله: «لا يضر في تسميته عزيزًا» [بمعنى] (٦) أنَّه لا يَنقُلُه عن صحة إطلاق هذا اللقب عليه. تنبيه: جزَمَ العِراقيُّ (٧) في النظم بأنَّه لا يُشترط في راوي العزيزِ الانفرادُ عن إمامٍ من

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شأنه أن يُجْمَعَ حديثُه كمالك وابنِ شِهابٍ وقَتادةَ، خلافًا لِما يقوله ابنُ مَنْدَه. وفي كتابةٍ: قولُه: «فإِنْ رُوي بأَكْثَر»، وما بعده من قوله: «إذ الأقلُّ ... إلخ» يفيد أنَّ العزيز ما كانت بعضُ طِباقِه اثنين، وإنْ كانت كلُّ طبقة من بقية الطِباق أكثرَ من ذلك، وَأنَّ العزيز ما كان بعضُ طِباقِه واحدًا، وإنْ كانت كلُّ واحدة من باقيها أكثرَ من ذلك. ومعنى قوله: «إذ الأقلُّ في هذا العِلْمِ يَقْضي على الأكْثَرِ» كون الإسناد لا يُعطَى حكمَ الأكثر، ولا يُسمَّى بالاسم الموضوع له. وقال (ج) (١): «انظر قوله: «إذ (هـ/٣٠) الأقلُّ ... إلخ» / مع قول شارح نظم العراقيِّ (٢): «وقد يكون الحديثُ عزيزًا مشهورًا كحديث: «نحنُ الآخِرونَ السَّابِقونَ يومَ القيامةِ» (٣)؛ فهو عزيزٌ عن النبيِّ ﷺ ؛ إذ رواه عنه حذيفة وأبو هريرة، ومشهور عن أبي هريرة [إذ] (٤) رواه عنه سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوسٌ، والأعرج، وهَمَّام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مَولى أمِّ بُرثُن» انتهى (٥)، وذَكَر غيره نحوه أيضًا. قلتُ: قد يُقال ما ذكره هنا من حيث الحكم،

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما ذكره في شرح الألفية من حيث التسميَّة؛ فلا مُخالفة» انتهى. وقوله: «مِن السَّنَدِ الواحِدِ»: وأولى من سندين فلا يَضُرُّ. وقال (هـ) (١): «إذ الأقل في هذا -[أي:] (٢) العلم- يَقْضي، أي: يُغلَّبُ حكمه على الأكثر، حتى إذا وُجِد في بعض [الطبقات (٣) ما يَنقص عن الشرط خرج عن المتواتر» كما قاله (ق) (٤)، وهذا التوجيه يوجب قَصْرَ هذا الحكم على المتواتر، وكأنه استشعر ما قدَّمْناه من كون الحديث عزيزًا مشهورًا أو غريبًا عزيزًا؛ فحمَلَ الكلامَ [على] (٥) هذا؛ حذرًا من المخالفة. ويمكن التلخيص بأنَّ معنى: «قضى الأقل على الأكثر» أنْ يُجعَلَ الحُكمُ له والإطلاق، و (أ/٢٤) لا يجريحكم الأكثر إلا مُقيَّدًا، كقولنا: حديث «نحنُ الآخِرونَ ... إلخ» عَزيز، ولا تَزِدْ (٦)، بخلاف قولنا فيه: مشهور، فإنَّه لا يسوغ حتى نقول: عن أبي هريرة، وهَلُمَّ جرًا (٧).

стр. 141

* فَالأوَّلُ: المُتَواتِرُ، وهو المُفيدُ للعِلْمِ اليَقينِيِّ، فأخرَجَ النَّظريَّ على ما يَأْتي تَقريرُهُ بِشروطِهِ، أَيْ: الَّتي تَقَدَّمَتْ. [قوله (١): «فالأوَّلُ: [المُتواتِر] (٢)»: [أي: (٣) فالقسم الأول من التقسيم السابق، وهو ما له طُرُقٌ بلا حصر عدد معيَّن هو المُسمَّى بالمتواتر، وهو في اللغة [هـ] (٤): المتتابِع مع فُتور وتَراخ، سمِّي بذلك؛ لِما أنَّه لا يقع دَفعة، وأنَّ الذي يقع دَفعة العلمُ الحاصل عنه. وقيل: لتواتر رجاله حيث جاؤوا واحدًا بعد واحد بفترة (٥). [قوله] (٦): «وهو المُفيدُ للعِلْمِ»: أي: وهو خبرٌ مِن شأنه أنْ يفيد بنفْسه، أي: يوجِب عادةً حصولَ العلْم لسامعه بصِدْقِ مضمونه، وإنْ تخلَّف عنه حصولُ العلم بذلك بالفعل لمانعٍ، كحصوله بغيره؛ إذ يَمْتنع تحصيلُ الحاصل، فإنَّ حُصول العلْم بالفعل غيرُ معتبَر فيه؛ فخرَجَ بإيجابه العلْمَ بالمعنى المذكور: ما لا يوجبه كذلك، وبقولنا: بنفْسه، ما لا يوجبه بنفسه بل إمَّا بواسطة القرائن الزائدة على القرائن التي لا ينفك عنها الخبر عادةً، وإما بغير القرائن كالعلْم بمضمون الخبر بالضرورة، كقولنا: الواحد

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نصف الاثنين، أو بالنظر كقولنا: العالم حادث؛ فلا يكون شيء مما ذُكِر متواترًا، بخلاف ما يوجِب العلْمَ بواسطة القرائن التي لا ينفك الخبر عنها عادةً، وهي ما يلزمه عادةً من أحوالٍ في نفْس الخبر كالهيئات المقارنة الموجِبة لتَحَقُّقِ مضمونه، وفي المخبِر، أي: المتكلم، ككونه [موسومًا] (١) بالصدق، مباشرًا للأمرِ الذي أَخبَرَ به. تنبيه: قوله: «وهو» قدَّره الشارح؛ ليَدُلَّ على أنَّ هذا تعريفٌ للمتواتر، أو ليَدُلَّ به على جواز قطع مثل [هذا] (٢) النعت المعلوم المنعوت بدونه، إذ قد عرَفَ حقيقتَه [خاصُّ] (٣) أهلِ فنِّه وعامَّتُهم، وتُقدَّر عندهم: أنَّه مفيد للعلم من حيث هو كذلك، والأظهر: أنَّه قدَّره ليُخرجَ النعت عن إيهام أنَّ للمتواتر قسمين: أحدهما: يفيد العلْمَ اليقينيَّ، والآخر بخلافه، [بِناءً على] (٤) [اعتبار مفهوم النعت فتعين أنَّه كاشف] (٥) فإنْ قلتَ: هذا الإضمار في حالة القطع واجبٌ أو يجوز التصريح به؟ قلتُ: يجب الإضمار إذا قُطع النعتُ لمجرد مدح أو ذمٍّ أو ترحُّم، ويجوز فيما سوى ذلك (٦). وفي كتابةٍ: «وهو المفيد (هـ/٣١) للعلْم ... إلخ»: هذا تعريفٌ آخَرُ للمتواتر،

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفيه أنَّه [حينئذٍ] (١) يستلزم الدَّورَ (٢)؛ إذ المتواتر حينئذٍ توقَّفت معرفته على معرفة العلْم، وإفادة العلْم تحصل من المتواتر، فهي متوقِّفة عليه! وأُجيب (٣): بأنَّ استفادة العلم متوقِّفةٌ على نفْس الخبر الخاصِّ لا بقيد وَصْفِه بالمتواتر، والمتوقِّف على إفادة العلم هو عِلمُنا بكونِه متواترًا، أي: أن علمنا بكونه متواترا يتَوقَّفُ على عِلمنا بأنَّه يفيد العلْمَ، ثُمَّ إنَّ العلْم الضروريَّ (هـ) (٤) الحاصلَ من المتواتر في قول منقول عن الرسول أو غيره هو العلْمُ بتلك الألفاظ، وكونها كلامَ مَن أُسنِدت إليه، وأمَّا العلْمُ بثبوت مدلوله في الواقع فهو استدلال؛ ولذلك قيل في القرائن: إنَّه قطعي المَتْنِ وإنْ كان بعضُه ظنيَّ الدَّلالة، وهذا يوافِقُ قولَ الشارح فيما يأتي: «أفاد العلْمَ اليقينيَّ بصحته إلى قائله» وهو ظاهرٌ، بخلاف قول مَن قال: إنَّه يفيد العلم بمضمون الخبر، فالمتبادر منه معناه كما قاله (ج) (٥). وفي كتابة: أراد بـ: «اليقينيِّ» الضروريَّ؛ بدليل قوله فيما يأتي: «والمعتمد: أنَّ خبر التواتر يفيد العلمَ الضروريَّ، وإلا فاليقينيُّ يُطلَق على النظريِّ»، ويدُلُّ على أنَّ مرادَه به الضروريُّ.

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله]: «فأخرَجَ النَّظريَّ»: وإطلاق اليقينيِّ مرادفًا للضروريِّ اصطلاحٌ، وقال (هـ): «أراد باليقيني الذي لا يكون إلَّا يقينًا لا ما شأنُه ذلك، ولا شكَّ أنَّ الذي لا يكون إلا يقينًا ليس إلَّا الضروريَّ؛ إذ النظريُّ يكون ظنيًّا تارةً، ويقينًا أخرى، والقرينة على ذلك أكمل جعل «ال» في النعت والمنعوت للكمال، ولا شكَّ أنَّ الكامل في هذه النسبة: هو الذي لا ينفك عن اليقينيَّة، مأخوذ من: يَقِنَ الماءُ: ثَبَتَ ودام ولم يتغير، وبهذا يُرَدُّ قولُ مَن قال: أراد باليقينيِّ الضروريَّ (١). [قوله] (٢): «فأخرَجَ النَّظريَّ ... إلخ»: قيل: فيه نظر؛ لأنَّ مجرد ذِكْرِ اليقينيِّ لا يُخرِجه لانطلاقه على العلْم الحاصل بالنظر والاستدلال، فانطلاقه على الحاصل بالضرورة، وهو مبنيٌّ على الاعتراض السابق؛ فلا بُدَّ من رعاية ما أجبْنا به عنه، ولا شك أنَّه لو أبْدَل «اليقينيَّ» بـ: «الضروريِّ» كان أَولى. [قوله] (٣): «بِشُروطِهِ ... إلخ»: ضميره للمتواتر، وهو متعلِّقٌ بالمفيد، و «الباء» للآلة أو للسببيَّة، ومن هنا عرَفتَ (أ/٢٥) صحة ما قررنا به قوله فيما مَرَّ: «وَانضَافَ إلى ذلك أنْ يَصحَبَ خبَرَهم إفادةُ العِلمِ» [إذ (٤) جعَلَ هنا إفادتَه العلْم ثابتةً بشروطها، ومُرَتَّبةً على حصولها، ويُحتمَلُ أنَّه للعلْم، أي: مع شروط حصِوله.

стр. 145

وَاليَقينُ: هُوَ الاعْتقَادُ الجَازِمُ المُطابِقُ، وَهَذا هو المُعْتَمَدُ: أَنْ الخَبَرَ المُتواتِرَ يُفيدُ العِلْمَ الضَّروريَّ، وَهُوَ الذي يَضْطرُّ الإِنْسانُ إليهِ بحيثُ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ. [قوله] (١): «واليَقينُ: هو الاعتقادُ الجازِمُ المُطابِقُ»: [يعني] (٢) اصطلاحًا، ولا شكَّ أنَّ الاعتقاد -كما مرَّ- جنسٌ، والجازِم مُخرِجٌ للظنِّ وما دُونه، والمطابق أي: للواقع، مخرجٌ للجهل والتقليدِ الفاسد، ولا شكَّ في شموله للتقليد الصحيح، وليس من أقسام اليقين؛ فلو زاد -كغيره-: الثابت بضرورة أو برهان، كان تامًّا. وفي كتابة: «هو الاعتقاد .. إلخ» فيه شيء، لأنَّه غير مانع لدخول الاعتقاد الذي ليس لموجِب كاعتقاد المقلد، فكان حقه أنْ يقول: لموجِب مِن حسٍّ أو عقلٍ أو عادةٍ، ويمكِن أنْ يريد بالجازم: ما لا احتمال [فيه] (٣)، ولا يزول بتشكيك المُشكِّك فلا حاجة لزيادة لموجِب ... إلخ. [قوله] (٤): «وهذا هو المُعْتَمَدُ أَنْ الخَبَرَ ... إلخ»: هذه العبارة عند التأمل طويلة لا تظهر إلَّا بجَعل «أنَّ خبر التواتر ... إلخ» بدلًا من الجملة، أو من اسم الإشارة، أو [المعتمد] (٥)، أو تجعل مِن البيانية لاسم الإشارة مقدَّرة قبل أنَّ، وهو مطَّردٌ في مثله، ولو قال: والمعتمد أن المتواتر يفيد العلم، كان أظهَرَ وأخصر.

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وهو الذي يضْطُّرُ ... إلخ»: اعلم أنَّ الضروريَّ: ما لا يَحتاج إلى نظر واستدلال، سواءٌ (هـ/٣٢) احتاج إلى شيء آخَرَ من حَدْسٍ أو تجرِبةٍ أو غيرِ ذلك، أو لم يَحتَجْ، أي: بعد توجُّهِ العقل إليه إلى شيء، والبَديهيُّ يُطلَق على ذلك تارةً، وتارةً على ما لا يَحتاج بعد توجه العقل إليه إلى شيء أصلًا؛ فيكون أخصَ من الضروري. انتهى. أشار إلى ذلك السيد في «حاشية الشمسية»، ونحوه للسعد في شرحها. وقال (هـ) (٢): «وقوله: «بحيثُ ... إلخ» تفسير لـ: «يضطر الإنسانُ إليه». تنبيه (٣): اعترض بعضُهم كلامَ الشارح بأنَّه غير قوي؛ لأنَّ النظريَّ بعد مباشرة الأسباب كذلك، والضروريَّ قبل مباشرتها [يمكن] (٤) دفْعُه بالانصراف عنه. انتهى، قلتُ: معنى قوله: «بحيث لا يمكنه دفْعُه» يُشعِر بأنَّه لا سبب له في أصل حصوله؛ فلا يَرِدُ النظريُّ بعد مباشرة سببه، كما أنَّ قوله: «يضْطُّر الإنسانُ إليه» يُشعِر [بهجومه (٥)، بمعنى أنَّ مِن شأنه ذلك؛ فلا يُنافيه التخلُّصُ عنه بالصَّرف المذكور (٦).

стр. 147

وقيلَ: لا يُفيدُ العلمَ إِلَّا نَظَرِيًّا! وليس بشيءٍ؛ لأنَّ العِلْمَ بالتَّواتُرِ حاصِلٌ لمَن ليس لهُ أَهليَّةُ النَّظرِ كالعامِّيِّ؛ إذ النَّظرُ: ترتيبُ أُمورٍ معلومةٍ أَوْ مَظْنونةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى عُلُومٍ أَو ظُنونٍ، وليس في العامِّيِّ أهلِيَّةُ ذَلكَ، فلَوْ كان نَظَرِيًّا لَمَا حَصَل لَهُم. [قوله] (١): «وقيلَ: لا يُفيدُ العِلمَ ... إلخ»: مقابل المُعتمَد، أي: وقال بعض العلماء كالرازيِّ وإمام الحرمين: «إنَّ المتواتر لا يُفيد السامعَ العِلْمَ بمضمونه إلَّا في حال نظرتيه» (٢) ولو قال: إلَّا نظرًا وأسقط ياء النسبة كان أخصَرَ وأظهَرَ، وليس هذا القيلُ بشيء معتدٍّ به أو طائل فلا تَناقُضَ. [قوله] (٣): «بأنَّ العِلْمَ بالتَّواتُرِ ... إلخ»: لو قال: لأنَّ العلْم بمضمون الخبر المتواتر حاصلٌ ... إلخ؛ كان بَيِّنًا، فيدُلُّ بمضمون ذي التواتر، مثل ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ] ﴿طه: ٩٦﴾ أي: من أثرِ حافرِ فرسِ الرسولِ، وكان (ق) (٤) لخَّص ما قلناه فقال: «الأَولى أنْ يقول: لأنَّ العلْم بالمتواتر» انتهى، وهو غير تامٍّ كما أشار إليه (هـ) (٥). وفي كتابة: والاعتراض على العبارة مبنيٌّ على تَوَهُّم كونِ «الباء» صلةَ العلْم، وهو فاسد على كلٍّ من العبارتين؛ لأن [المتنازَع] (٦) في كونه ضروريًّا إنَّما هو

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العلْم بمضمون المتواتر لا به ولا بالمتواتر، وأنَّ «الباء» سببيَّة، وحينئذٍ فالتعبير بالتواتر أَولى؛ لأنَّه هو السبب في الحقيقة كما أشار له بعض المتأخِّرين. [قوله] (١): «كالعامِّيِّ»: فيه شيءٌ؛ إذ العاميُّ فيه أهليَّةُ النَّظر؛ إذ المعتبَرُ النَّظر ولو على طريق العوامِّ؛ فلا يَصلُح تمثيلًا،] فكأن (٢) يقول: كالبُلْهِ والصبيان، كما عبَّر] به] (٣) الجلال [المحلِّي] (٤)، ولذا قال (هـ) (٥): «يتعيَّن أنَّ المراد بالعاميِّ: مَن لا ممارسة له بالنَّظر والاستدلال، لا العاميُّ بالاصطلاح الأصولي، وهو مَن عدا المجتهِد، كما لا يَخفى». [قوله] (٦): «[إذ] (٧) النَّظرُ: ترتيبُ ... إلخ»: «ترتيب» مصدر مضاف لمفعوله، أي: ترتيب النَّفْس أمورًا فوق الواحد، كترتب التغير والحدوث على وجه مخصوص ينتقل منها إلى العلم بحدوث العالَم مثلًا، ومنه يُستفادُ أنَّ مَحل وقوع الحركة الفكرية هو المعلوماتُ لا العلوم، وهذا مذهب الجمهور، وذهب الإمام الرازيُّ إلى أنَّه العلوم لا المعلومات.

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «إلى عُلومٍ أو ظُنونٍ»: من باب اللَّف والنَّشر المُرتَّب، لكن قوله: «إلى عُلومٍ» هو عند المحقِّقين في التصورات والتصديقات، وقوله «أو ظُنون» خاصٌّ بالتصديقات؛ بِناءً على أنَّ التصوراتِ لا نقائض لها، على ما هو مختار المحقِّقين فلا يكون إلَّا] علوما] (١) لذلك. وفي كتابة: قوله: «إلى عُلومٍ» راجعٌ لقوله: «معلومةٍ»، وقوله: «أو ظنون» راجعٌ له (أ/٢٦) ولقوله: «مَظْنونةٍ» فإنَّ المعلوم يفيد الظنَّ كاستفادة ظنِّ المطر من العلم بوجود السَّحاب المخصوص، واستفادة الظنِّ من الظنِّ كاستفادة] ظنِّ] (٢) وجود المطر من ظنِّ وجود السَّحاب عند رؤية الدخَان في جوِّ] السحاب] (٣). [قوله] (٤): «وليس في العامِّيِّ أهلِيَّةُ ذلك»: أي: الترتيب المذكور، إنْ أراد تفصيلًا فمُسلَّمٌ، لكن يَمنع شرطيَّتَه، وإنْ أراد إجمالًا فممنوع، وقد أشرنا إليه آنفًا. (هـ/٣٣) [قوله] (٥): «فلو كان ... إلخ»: أي: العلْمُ الحاصل بالخبر المتواتر، وضمير «كله» راجع لـ «مَنْ» مِنْ قوله: «حاصلٌ لِمَنْ ليس له أهليَّةُ النظر» مُراعًى فيه معناها الشاملُ للصبيان والبُلْهِ وأربابِ البَلادة بعد مراعاة لفظها.

стр. 150

وَلاحَ بهذا التَّقريرِ الفَرْقُ بين العِلْمِ الضَّرورِيِّ والعِلْمِ النَّظَرِيِّ؛ إِذ الضَّرورِيُّ يُفِيدُ العِلْمَ بِلَا اسْتِدلَالٍ، والنَّظَريُّ يُفيدُهُ لَكِنْ مَعَ الاسْتِدْلَالِ عَلَى الإِفَادةِ، وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لِكُلِّ سامعٍ، والنَّظَرِيَّ لا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ فِيهِ أهليَّةُ النَّظَرِ. [قوله] (١): «ولاحَ»: أي: ظهر، ولو عبر بـ: «الفاء» كان أسلسَ (٢). [قوله] (٣): «بهذا التَّقريرِ ... إلخ»: وهو أنَّ التقرير يَحتمل أي: المقرر، و] هو] (٤) أنَّ الضروريَّ: ما لا يُمْكِنُ الإنسانَ دفعُه عن نفْسه؛ كالعلْم الحاصل بإحدى الحواسِّ إلخ، والنظريَّ: ما يحصل بواسطة ترتيب أمور إلخ، ويَحتمل بيان ذلك فلا (٥) تأويل، وفي نسخةٍ: «التعريف» (٦). [قوله] (٧): «إذ الضَّروريُّ ... إلخ»: الظاهر أنَّه تعليلٌ لظهور الفرْق لا للفرْق كما لا يخفى، وهو تعليلٌ للشيء بصورته. قال (ق) (٨): «هذه العبارة تفيد أنَّ العلْم الضروريَّ يُفيد العلْمَ بلا استدلال، وأنَّ العلْم النظريَّ يفيد العلمَ بالاستدلال، ولا يَخفى فسادُه؛ فصواب

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العبارة أنْ يقول: الضروريّ: العلْمُ الحاصل بلا استدلال، والنظريّ: هو المُفادُ بالاستدلال على المطلوب نفْسِه، وهو العلم بالمدلول لا علْمُ إفادتِه التي هي وصف للدليل، كما لا يخفى. وقال (هـ) (١) تنبيه: قال (ق) (٢): «الضروريُّ هنا صفة العلْم؛ فيصير معنى التركيب أنَّ العلم الضروريَّ يُفيد العلمَ بلا استدلالٍ، ولا يَخفى ما فيه»، وقال (ب): «العلْم الضروريُّ يستفاد بلا استدلال، والنظري] يُستفاد] (٣) بالاستدلال، هذا صواب العبارة» انتهى. ولا يَخفى كما أشار إليه الثاني -أنَّ النظريَّ- أيضًا -: صفة العلْم؛ فيلزم أنَّ الشيء] مفيدٌ] (٤) لنفسه، فيتوجه الصوابيَّة المذكورة عليه أيضًا. قلتُ (٥): ويُمكِنُ أن يُقال: إنَّ الضروريَّ والنظريَّ ليسا صفتين للعلْم، وإنَّما هما صفتان للإدراك المفهوم مما مَرَّ؛ فيصيرُ المعنى: إنَّ الإدراكَ الضروريَّ المُعَنونَ بهذا العُنوانِ يُفيد العلْمَ الضروريَّ. أي: المُعنون بهذا العُنوان، وقِسْ عليه الإدراكَ النظريَّ يفيد] العلمَ] (٦) النظريَّ؛

стр. 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّ الشيء يختلف باختلاف عُنوانه، على نحو ما قيل في واجب الوجوب موجود وحقائق الأشياء موجودة،] ولئنْ] (١) سُلِّمَ أنَّ [العلْم] (٢) الموصوفَ في الموضوعين العلْم، فهو مُجمَّل ذهنًا ومُفصَّل خارجًا، فيُخيَّلُ إلي ما حاصله: أنَّ العلم من حيث إجمالُه مفيدٌ لنفْسه من حيث تفصيلُه،] و] (٣) مثله يكفي في دفع الخطأ، على أنَّه يمكن على أنْ] نمنع] (٤) تقدير الموصوف، ويُراد بكلٍّ من الضروريِّ والنظريِّ لفظُه، ويُراد بالإفادة الدَّلالةُ، ولا إشكال حينئذٍ، غايته الانتقال من الفساد إلى البعد، وهو سهل، واعترَض الكَمال (٥) قوله: «على الإفادة» بأنَّ: «المستدِلّ إنَّما يَستدِلُّ على الحكم لا على الإفادة» انتهى، ويمكن الجواب بأنَّ المراد على ثمرة الإفادة وتابعها وهو الحكم؛ إذ هو تابع للعلْم المفاد] بالنظر] (٦) ومأخوذٌ منه. [قوله] (٧): «وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لكُلِّ سامعٍ ... إلخ»: بفتح همزة «أنَّ»؛ لعَطفها على «الفرْق» وهو فاعل «لاح»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه من الفرْق، فلا يحسُن عطفُه عليه، ويظهر عطفه على معنى «إذ» مشاركًا له في تعليل ظهور الفرق، تأمل.

стр. 153

وإِنَّما أَبْهَمْتُ شُرُوطَ التَّواترِ في الأَصْلِ؛ لأنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِنْ مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ؛ إِذ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عن صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ، أَو يُتْرَكَ مِن حيثُ صفاتُ الرِّجَالِ، وصِيَغُ الأدَاءِ، والمُتَواتِرُ لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يَجبُ العملُ بِهِ مِنْ غيرِ بَحْثٍ. قوله: «وإِنَّما أَبْهَمْتُ شُروطَ التواترِ في الأَصْلِ؛ لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِن مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ»: [قوله] (١): «وإِنَّمَا أَبْهَمْتُ شُروطَ ... إلخ»: هذا يقتضي أنَّه لا يُتعرَّض له في هذا الفنِّ، ولو قال: وإنما ذكرت المتواتر على الوجه المذكور تتميمًا لأقسام طرق الحديث؛ لكان في ذلك بيانٌ لوجه إيراده مِن هذا الفنِّ في الجملة. وقال (هـ) (٢): «وإنَّما [أبهَمتُ] (٣) شروط المتواتر في الأصل» يعني المَتْنَ، بل إنَّما تعرَّض للمتواتر من أصله تتميمًا لفائدة التقسيم الذي ذَكَره للخبر، ولا يخفى أنَّ هذا جوابُ أنْ يُقال: حيث كان للمتواتر في إفادته العلْمَ شروطٌ كان الواجب عليه في المتن ذكرها؛ لِما تقرر من امتناع الإجمال في مَحلِّ التعليم»، وقال (ب): «بل يجب بيان شروطه؛ ليَتَميَّزَ من غيره؛ فإنَّ (هـ/٣٤) شروطه مأخوذة في تعريف المشهور» انتهى، ولعلَّ مرادَهُ: مأخوذ عَدَمُها، كما صرَّح به قول الشارح فيما مرَّ: «أي: ثلاثة فصاعِدًا مالم يَجْمَعْ شروط المتواتر». وفي نسخة: «في تعريف المشهور» فلا إشكال. (أ/٢٧) والجواب عن أصل الإشكال: أنَّه فعَلَ ذلك اعتمادًا على التوقيف والتعليم، وكثير لم يُميِّزوه منه، بل جعلوه فردًا من المشهور، كالعراقيِّ (٤).

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و «المباحث» جمع مبحث، وهو لغةً: مكان البحث وهو التفتيش. واصطلاحًا: مكان إثبات النسبة الإيجابيَّة أو السلبيَّة بطريق الاستدلال. [قوله] (١): «إِذ عِلمُ الإِسْنادِ»: هو علم الحديث. [قوله] (٢): «يُبْحَثُ فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛] لِيُعْمَلَ] (٣) بِهِ»: إن كان صحيحًا أو حسَنًا وُجوبًا أو نَدْبًا، أو يُترَكَ وجوبُ العمل في الأحكام إن كان ضعيفًا، فلا يُنافي نَدْب العمل في الفضائل (٤). [قوله] (٥): لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يجبُ العملُ بهِ مِن غيرِ بَحْثٍ»: يعني: [لأنَّه] (٦) يُفيد علْمًا ضروريًّا، ولأنَّ غاية رجاله أنْ يكونوا كفارًا كما مَرَّ. قال (ق) (٧): «هذا يؤيد ما قلناه من أنَّه لا دخل لصفات المخبِرين في باب المتواتر (٨)» انتهى. قلتُ (٩): يجب أنْ يُحْمَلَ كلامُ الشارح هنا على ما إذا وُجدت الكثرةُ السابقة في نَقَلته، أما إنْ لم توجد فيقوم مقامها الصفاتُ العالية المحصِّلة للعلْم الضروريِّ بمضمونه.
следующие страницы →