. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَوَّغ التَّعَرُّض لهذا الخَطَر؟ قُلْتُ: وجوب النُّصح ووجوب الذبِّ عن الشريعة؛ إذ فيه حفظ الحقوق من: الدماء والفروج والأموال والأعراض، ولسائر الحقوق، ولكونه نصيحة لا يُعَدُّ غِيبة، نعم لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل الغَرَضُ بواحدٍ، ولا التَّصريح به إذا حَصَل الغَرَضُ بدونه (١).
[قوله] (٢): «بِمِيْسَمِ»:
بكسر الميم وسكون الياء وفتح السين المهملة، آلة الوَسْم، وهو: الكَيُّ بالنَّار (٣).
стр. 851
والآفةُ تدخُلُ في هَذَا: تَارةً مِنَ الهَوَى والغَرَضِ الفاسِدِ -وكَلَامُ المتقدِّمينَ سَالِمٌ مِن هَذَا غَالبًا- وتَارةً مِن المُخالفَةِ في العَقَائدِ -وهُوَ مَوْجودٌ كثيرًا؛ قديمًا وحَديثًا- ولا يَنْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذَلكَ، فقَدْ قَدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعَةِ.
وَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْديلِ، وأَطلقَ ذَلكَ جَماعةٌ، وَلَكنَّ مَحلَّهُ إِنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ؛ لأنَّه إِنْ كَانَ غيرَ مُفسَّرٍ، لَمْ يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُهُ.
وإِنْ صَدَرَ مِن غيرِ عَارِفٍ بالأسبابِ، لَمْ يُعْتَبَرْ بهِ أيضًا.
فَإِنْ خَلَا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ، قُبِلَ الجَرْحُ فِيهِ مُجْمَلًا غيرَ مُبيَّنِ السَّببِ إِذا صَدَرَ مِنْ عَارِفٍ عَلَى المُخْتَارِ؛ لأنَّهُ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعديلٌ، فَهُوَ في حَيَّزِ المَجْهولِ، وإِعْمَالُ قَوْلِ المُجَرِّحِ أَوْلَى مِن إِهمالِهِ.
[قوله] (١): «سَالِمٌ من هذا غَالِبًا»:
احتَرَز به عن غير الغالب، كالنسائي في أحمد بن صالح المصريِّ، فإنَّه حضر مَجْلسه فطرده. فلما رأى ابن مَعِينٍ قال: أحمد بن صالح كذابٌ متَفَلسِف، قال هو: [إنَّه] (٢) ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ، وغطى عليه التَّعَصُّب حتى لم يَعْلَم أنَّ أحمد ابن صالح الذي جرَّحه ابن مَعِينٍ: أحمد بن صالح الشموني المصري شيخٌ كان بمكة كان يضع الحديث (٣)، وأمَّا المِصريُّ فثقةٌ باتِّفاق (أ/١٩٠) النَّاس، واحتجَّ به البخاري [في صحيحه] (٤) وقال (٥): «إنَّه ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلَّم فيه
стр. 852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحجَّة، كان أحمد وابن نُمَيرٍ وغيرهما يثبتونه، وكان يحيى بن معين يقول: سلوه؛ فإنَّه ثَبَتٌ».
وقال الذَّهبيُّ (١): «النَّسائيُّ آذى نَفْسَه بكلامه فيه» والله أعلم.
[قوله] (٢): «إنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا ... إلخ»:
هذه التَّفرقة مع التفصيل بَيْن الجرْح والتعديل هو الذي عليه حفاظ الحديث ونقّاده كالبخاريِّ ومُسْلِمٍ، مع النُّظَّار من الفقهاء وأهل الأصول [كالشافعيِّ وهو الصواب] (٣)، وقيل: لا بُدَّ في التعديل من بيان الأسباب بخلاف الجَرْح؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثر التَّصنع فيها، فربَّما بنى المعدِّل أمره فيها على الظاهر، كقول أحمد بن يونس لمن قال له: عبد الله العُمَريُّ ضعيفٌ: «إنَّما يضَعِّفه رافضيٌّ مُبْغِضٌ لآبائه، لو رأيت لحيته وخِضَابه وهيئته لعَرَفْتَ أنَّه ثقة»
فاحتج على أنَّه ثقة بما ليس بحجة؛ لأنَّ حُسْنَ الهيئة يَشْترِك فيه العَدْل وغيره، (هـ/٢٢٢).
[والقول] (٤) الثالث: أنَّه لا بُدَّ من ذِكْر سَبَبِهِما جميعًا؛ لأنَّه قد يُجَرِّح الجارح بما لا يَقْدَح، كذلك يُوَثِّق العَدْلُ بما لا يقتضي العَدَالة، والقول الرابع: عَكْسُ الثالثة إذا كان الجَرْح والتعديل من عالمٍ بصيرٍ قُبِلَ مبهَمًا، وبه قال إمام
стр. 853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحرمين، وتلميذه الغَزاليُّ، وفَخْرُ الدين الرازيُّ، واختاره القاضي أبو بكرٍ الباقِلَانيُّ ونقله عن الجمهور (١)، ورد جماعةٌ منهم: ابن السبكي كون هذا قولًا مستقِلًا، بل هو تحريرٌ لمَحِل النِّزاع، إذ من لا يكون عالمًا بأسبابهما لا يُقْبَلان منه لا بإطْلاق ولا بتقْيِيد؛ لأنَّ الحُكْم على الشيء فرعُ تصوره، فليس النِّزاع إلَّا في إطلاق العالم دون غيره (٢)، قيل: وفيه نظرٌ؛ إذ لو سَلَمْناه مَنَعْنا أنَّ تفسير غير العالم بهما لا يُعْتبر، إذا عَلِمْتَ هذا عَلِمْتَ أنَّ ما ذَهَب إليه المؤلِّف من قوله: «فإنْ خلا ... إلخ» قول آخر اخترعه، فهو طريقة له كما نَبَّه عليه بعض تلامذته.
[قوله] (٣): «فإنْ خَلَا المَجْرُوحُ»:
أي: من هو بصدَدِ الجَرْح، فهو من مجاز الأول؛ فسَقَطَ الاعتراض بأنَّه غير صواب.
[قوله] (٤): «لأنَّه إذا لم يَكُنْ ... إلخ»:
لا يخفاك أنَّ خبر «أنَّ» قوله: «في حَيِّزِ المجهول».
стр. 854
وَمَالَ ابنُ الصَّلاحِ في مِثْلِ هَذَا إلى التَّوقُّفِ فِيهِ.
[قوله] (١): «ومَاَل ابنُ الصَّلاحِ ... إلخ»:
والجمهور أنَّه لا بُدَّ من بيان أسباب الجرْح فلا يُقْبَل إلَّا خسرا مفَسَّرًا لا مُجْمَلًا؛ فأورِد عليه: أنَّه كثيرٌ في أئمة الحديث الاقتصار غالبًا على مجرَّد قولهم: فلانٌ ضعيفٌ، أو ليس بشيء، من غير بيان لسببٍ يقتضي التَّجريح؛ فاشتراط التَّصريح بأسباب الجَرْح والتضعيف يُفضِي إلى تعطيل [مثل] (٢) ذلك، وسَدِّ باب الجَرْح في الأغلب؛ فأجاب ابن الصَّلاح (٣) عن الإيراد:
بأنَّا لا نَعْتَمِد التَّجريح ولا التَّضعيف المُجْمَلَين، لكنه لا يَلْزَمُ من عَدَمِ اعتماد ذلك قَبول الحديث والعمل به، بل يجب لأجْل [قيام التُّهمة في الجملة: التَّوَقُّف عن الاحتجاج بالرأي أو بالحديث] (٤) للرِّيبَة القويَّة الحاصلة بذلك، وغاية الوقف حتى يَتَبَيَّن لنا ببحثنا حال راويه من عدالته أو فِسْقه؛ فيُعْمل بما ظهر، كما إذا جُرِح شخصٌ جَرْحًا مُبْهَمًا، ثُمَّ رأينا أحدًا ممَّن الْتَزَم الصِّحَة خرَّج حديثه فإنَّا نَقْبَلُه؛ لأنَّ رواية من ذُكِر عنه تَوْثيقٌ له.
فقد احتجَّ البخاريُّ بعِكْرِمَة مولى ابن عباس مع ما فيه من كثرة التَّكلُّم، وأخرج أيضًا لابن مرزوق عمرو الباهِليِّ متابعةً مع ما فيه من القَدْح، واحتجَّ مُسْلِمٌ بسُوَيد بن سعيد، وكذلك البخاريُّ (٥) مع أنَّه ضعَّفه جماعةٌ إذ هو صدوقٌ في نَفْسِه، وأكثرُ من فَسَّر الجَرْح فيه ذَكَر: أنَّه عَمِيَ وربَّما تَلَقَّن الشيء، وهذا وإنْ كان قادحًا فإنَّما يَقْدَح فيما حَدَّث به بَعْدَ العَمَى لا فيما قَبْلَه، ولعلَّ مُسْلِمًا إنَّما خَرَّج عنه ما عَرَف أنَّه حدَّث به قَبْل عَمَاه، أو ما صَحَّ عِنْده، والله أعلم.
стр. 855
فَصْلٌ
وَمِنَ المُهِمِّ في هَذَا الفنِّ:
* مَعْرِفةُ كُنَى المُسَمَّيْنَ مِمَّن اشْتُهِرَ باسمِهِ، وَلَهُ كُنْيةٌ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يأْتِيَ في بَعْضِ الرِّوَاياتِ مُكَنَّيًا؛ لئلَّا يُظَنَّ أَنَّه آخَرُ.
[قوله] (١): «فَصْلٌ»:
وهو إما [باق] (٢) على مصدريَّته، أو نُقِل لمعنى المفعول أو الفاعل.
[قوله] (٣): «المُسَمَّيْنَ»:
أي: الرواة المشهورون بأسمائهم دون كناهم وكذا الباقي، وهو بفتح الميم الثانية وسكون المثناة تحت بعده، أصله: مُسَمَّيَيْن بيائين، أولاهما لام الفعل تحَرَّكت وانفتح ما قَبْلَها فَقُلِبَت ألفًا، ثُمَّ حُذِفَت لالتقاء الساكنين؛ فَأُعِلَّ بالقلب والحذف.
[قوله] (٤): «مَكْنَّيًّا»:
تواطأت النُّسخ على إثبات يائه، وهو غير لائقٍ، لأنَّه من باب المقصور كفتًى لا من باب المنقوص، كما لا يخفى على أدنى الطَّلبة.
[قوله] (٥): «لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّهُ ... إلخ»:
تعليل لقوله: «من المُهِمِّ»، أو لقوله: «مَعْرِفة ... إلخ»، وملخَّص كلامه: أنَّ مَعْرِفة الأسماء المشهورة لذوي الكُنى الخَفِيَّة، ومعرفة الكُنى المشهورة لذوي الأسماء الخفِيَّة أمرٌ ينبغي الاعتناء به؛ لأنَّه نوعٌ مُبْهَمٌ.
стр. 856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن فوائده: الأمنُ من ظَنِّ تعدُّدِ الراوي الواحد المسمَّى في موضعٍ (أ/١٩١) المُكَنَّى في آخر كما قاله الشارح.
قال ابن الصَّلاح (١): «ولم يَزَل أهل العلم بالحديث يَعْتَنون به، ويَتَطَارَحُونه فيما بينهم، ويُنْقِصُون به من جَهِلَه».
وقد قسم ابن الصَّلاح (٢) هذا النَّوع تسعة أقسام أو عشرة: (هـ/٢٢٣)
الأول: من ليس له إلَّا كُنيةٌ واحدة، نحو: أبي بلالٍ الأشعري، فإنَّه قال: كُنيتي واسمي واحد، وأبو بكر بن عَيَّاشٍ.
الثاني: من له كُنية ولا يدرى أله اسم نَقِف عليه، أو لا اسم له إلَّا هي؟
نحو: أبي شَيْبَة الخُدْريِّ، أخي أبا سعيد الخُدْريِّ، صحابيٌّ مات في حِصَار القُسْطَنْطِينِيَّة ودُفِن هناك، ولا يُعْرَف له اسمٌ.
والثالث: كُنى الألقاب، أي: المشبَّهَة بها في إشعارها بِرِفْعَه المُّسمَّى أو بِضَعَتِه، مع أنَّ لصاحبها كُنيةً غيرها، نحو: أبي الشيخ وأبي محمد للحافظ عبد الله بن محمد بن جعفر بن [حيَّان] (٣) الأصبهانِّي، ونحو: أبي تُرابٍ وأبي الحَسَنِ لعليِّ بن أبي طالبٍ.
والرابع: من له كُنًى متعدِّدةٌ، نحو: أبي الوليد وأبي خالد لعبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجٍ.
стр. 857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخامس: من عُلِمَت أسماؤهم واختلف في كناهم، كأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ لا خلاف في اسمه، واختُلِف في كنيته، أهي: أبو خارجة، أو أبو زيد، أو أبو عبد الله، أو أبو محمد؟
والسادس: عَكْسُ الخامس كأبي هريرة الدوسي، فإنَّه لا خِلاف في كُنيته بها، واختُلِف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرين قولًا، أصحها: عبد الرحمن ابن صخر (١)، رُوي عنه أنَّه قال (٢):
إنَّما كُنِّيت بها لأنِّي وجدتُ أولادَ هِرةٍ وَحْشِّيَةٍ فحَمَلْتُها، فقيل لي: ما هذه؟ فقُلْتُ: هِرةٌ؛ فقيل لي: فأنت أبو هريرة، قيل: وكان قبلها يُكْنَى أبا الأسود، وعن أبي رافع قال: قُلْتُ لأبي هريرة: لمَ كُنِّيت بأبي هريرة؟ قال: كنتُ أرعى غَنَمَ أهلي، وكانت لي هِرَةٌ صغيرةٌ، فكُنْتُ أجْعَلُها بالليل في شجرةٍ وإذا كان النهار ذَهبتُ بها معي فَلُقِّبتُ بها؛ فكَنُّوني: أبا هريرة.
والسابع: من اختلف في كُناهم وأسمائهم، كسفيان مولى رسول الله ﷺ ، فسفينة لقبه وبه اشْتَهَر، واسمه: عُمَيرٌ أو صالح أو مِهران أو طهمان؛ أقوالٌ، وكُنيته: أبو عبد الرحمن، أو أبو البختري؛ قولان.
والثامن: عَكْسُ السابع، وهو: من لم يُخْتلف في اسمه وكُنيته، كأئمة المذاهب الأربعة: أبي حنيفة النُّعمان، وأبي عبد الله: مالك، ومحمد بن إدريس الشافعيِّ، وأحمدُ بن حنبل، كلٌّ منهم يكنى بأبي عبد الله.
стр. 858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتاسع: من اشتَهر باسمه دون كُنيته، كطَلْحة بن عبيد الله، كُنيته: أبو محمد.
والعاشر: عكس التاسع، نحو: أبي الضحى كُنية، اسمه: مُسْلِمِ بن صُبَيحٍ -بضم المهملة-.
إذا عرفت هذا فاعلم أنَّه [إن] (١) حُمِل قول المؤلِّف: «كنى المُسَمَّين» و «أسماء المُكَنَّين» على من اشتهر باسمه دون كنيته ومن اشتهر بكنيته دون اسمه فقط كما يعطيه ظاهر الشرح؛ كان كلامه في القسمين خاصًا بالقِسمين الأخيرين، وإن عُمِّمَ وخُولِف به ما يقتضيه ظاهر الشرح كان مُنطبقًا على الأقسام الستة الأخيرة من العشرة، ولا يخفى عليك التداخل بين العبارتين في كلامه؛ إذ إحداهما تَصْلُح لشمول الأقسام السِّتةِ وَحْدَها، وأمَّا الأقسام الأربعة الأول فيَنَدَرِج الأولان منها تحت قوله: «من اسمه كُنيته» باعتبار شموله لمن له كُنية دون اسم وهي واحدة أو متعددة، ومن له كنية ولا يدري له اسم أو لا، والباقيات منه تحت قوله: «من كَثُرَت كُناه»، وقوله: «ونُعُوتُه» كما بَيَّنَّاه، وأما قوله: «ومن وافَقَتْ كُنيته اسم أبيه» إلى قوله: «أو كُنيته كُنية زوجته» فممَّا زاده على ابن الصَّلاح، والله أعلم وبيده الإصلاح والصَّلاح.
стр. 859
* وَمَعْرفةُ أَسْمَاءِ المُكَنَّيْنَ، وَهُوَ عَكْسُ الَّذي قَبْلَهُ.
* وَمَعْرِفةُ مَن اسمُهُ كُنْيَتُهُ، وهُمْ قَليلٌ.
* وَمَعْرِفةُ مَن اخْتُلِفَ في كُنْيَتِهِ، وهُمْ كَثيرٌ.
* وَمَعْرِفةُ مَنْ كَثُرتْ كُنَاهُ؛ كَابْنِ جُرَيجٍ؛ لَهُ كُنْيَتانِ: أَبو الوَلِيدِ، وأَبُو خَالِدٍ.
أَوْ كَثُرَتْ نُعُوتُهُ وأَلقابُهُ.
* وَمَعْرِفةُ مَنْ وافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسمَ أَبِيهِ؛ كَأَبي إِسحاقَ إبْرَاهيمَ بنِ إِسحاقَ المَدنيِّ، أَحَدِ أَتْبَاعِ التَّابِعينَ.
[قوله] (١): «وهو»:
أي: هذا القسم، وهو الرواة المشهورون بكناهم دون أسمائهم، ولهذا كان عَكْسَ الذي قَبْلَه، وهم الرواة الذين اشتهروا بأسمائهم دون كُناهم.
[قوله] (٢): «من اسمه كُنْيَتُه»:
منه عِنْدَ ابن الصَّلاح (٣) وأتباعه: أم يحيى بنت أبي إهاب، فلا يعرف لها اسم، وردَّه المؤلِّف بأنَّ اسمها: غَنِيَّة بغين معجمة ونون مكسورة بعده مثناة تحتية من أسفل، وأما والدها أبو إهاب فلا يُعْرَف له اسمٌ، ودَخَل في قوله: «من اسمه كُنيتُه» من تعدَّدَتْ كُنَاه ومن لم تتعدَّد، (هـ/٢٢٤) فالأول: كأبي بكر وأبي محمد لابن حزم، والثاني: كأبي بلالٍ كما مَرَّ، كلُّ ذلك قاله (هـ) (٤).
стр. 860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة (أ/١٩٢) أخرى: وقد يُلَقَّب الشَّخص بكُنيةٍ وله كُنيه [غيرها] (١) نحو: أبي الشيخ، فإنه لقبٌ للحافظ أبي عبد الله بن محمد جعفر الأصبهاني، وكُنيتُه: أبو محمدٍ، ونحو: عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ لَقَبه أبو ترابٍ، حين قال له الرسول: «قم أبا تراب» (٢) وكان نائمًا، وكُنيتُه: أبو الحسن، وهذ الاصطلاح يُخَالِف ما عليه النحاة، ثُمَّ حينئذٍ تَلْتَفِتُ النَّفْسُ إلى الفَرْقِ بين الكُنْيَة التي تكون لقبًا والكُنية التي لا تكون كذلك، ولعلَّه أنَّه في الأول قصد بوضعها رِفعة المُسمَّى أو ضَعَتِه دون الثانية.
وقوله: «مَنْ كَثُرَتْ كُنَاهُ»:
لو عَبَّر بقوله: من تعدَّدَت كُناه لناسب تمثيله بمن له كُنيتان، لكن الكثرة قد تُطْلَق بإزاء الوَحْدة، كما تُطْلَق بإزاء القِلَّةِ وإنْ كان الغالبُ هو الثاني.
وقال (هـ) (٣): قوله: «ومعرفة من كَثُرت كُناه» هو وسابقه ولاحقه مبتدءات محذوفة الأخبار أو مقدَّراتها، أي: ومن المهم كثرة كذا، أو معرفة من كثرت كناه، أي: مع معرفة اسمه كعبد الملك بن جُرَيجٍ، و «أو» في قوله: «أو كَثُرتْ نُعُوتُه» للعطف على «كُناه»، وأمَّا العطف في «ألقابه» فتفسيريٌّ، والمراد: ألقابه الشبيهة بالنعوت في إشعارها بحسب أصلها بتوضيح أو تخصيص، على أنَّ الكلام معروض في الكُنى الشبيهة بالألقاب والنعوت كما يعلم ممَّا قدَّمناه، ويُحْتَمل على بُعْدٍ أن يريد: من اشتهر بنعت ولقب دون اسم، وهو نوع مهم من
стр. 861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد معرفته: الأمنُ من تَوَهُّم الواحد اثنين، وربما غَلَط فيه الأماثل من الحفاظ كعليِّ بن المَدِينيِّ حتى قال: «إن عُبيد الله بن أبي صالح غير عَبَّاد بن أبي صالح»، وليس كذلك، بل عَبَّاد لَقَبٌ لعبد الله بن أبي صالح.
ومن الألقاب:
الضعيف، أي: بجسمه كعبد الله بن محمد الطَّرسوسيِّ.
والضَّال لمعاوية بن عبد الكريم؛ أنَّه تاه في طريق مكة.
وبعضها له سبب كغُنْدَر وجَزَرَة؛ لتحري الأول الشَّغَب على ابن جُرَيجٍ حين قَدِم البصرة وحدَّث بها بعد الحسن البصريِّ فقال له: اسكت يا غُنْدَر (١)، ولقول الثاني وقد سئل عن مَوقِف السَّمَاع: وقَفْنا على جَزَرَة، وإنما هي خَرَزَة من: «كان يرقي عبد الله بن بشر بخَرَزَة» (٢).
ولا يجوز من الألقاب والكنى ما يَكْرَهه المُلَقَّبُ به، إلَّا إذا لم يُعْرَف إلَّا به، وإنَّما كان هذا الاحتمال بعيدًا؛ لأنَّه يَلْزَم عليه التَّكْرار، فإنَّ النُّعوت قد تقدَّمت، والألقاب ستأتي بعد هذا في كلامه، قاله (هـ) (٣).
وفي كتابة: اعلم أنَّ ما مَثَّل به لهذا، وما مَثَّل به: «أو وافَقَتْ كُنيتُه كُنية زوجته»؛ يقتضي أنَّ المراد بالكُنية الجزء الثاني المضاف إليه الجزء الأول من الكُنية، فإنَّ الاتفاق في المثال الأول إنَّما هو بَيْنَ إسحاق وإسحاق، لا بَيْنَ أبي إسحاق وابن إسحاق، وكذا في المثال الثاني فإنَّ الاتفاق بَيْنَ أيوب وأيوب، لا
стр. 862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْنَ أبي أيوب وأمِّ أيوب، قاله (ج) (١).
وقال (هـ) (٢): قوله: «ابن إسحاق المَدَنيِّ»
قال الجَوهَرِيُّ (٣): «إذا نَسبت إلى مدينة النبيِّ قُلْتَ: مَدَنيٌّ، وإلى مدينة المنصور قُلْتَ: مَدِينيٌّ، وإلى مدائن كسرى قُلْت: مَدَائِنِيٌّ».
قال الكِرْمانيُّ (٤): فعَلى هذا التقرير لا يَصِحُّ المَدينيُّ لمن كان من مدينة النبيِّ، وقال الحافظ أبو الفضل المَقْدِسيُّ في كتاب «الأنساب»: «قال البخاريُّ: المَدينيُّ هو الذي أقام بمدينة الرسول ولم يفارقها، والمَدَنيُّ [هو] (٥) الذي تَحَوَّل عنها وكان فيها». انتهى كما ذَكَرَه الكرماني وغيره.
وبهذا يُعْلَم ما في قول (ق) (٦)، قال المؤلِّف: المَدينيُّ نِسبة إلى مدينةٍ ما، والمَدَنيُّ نِسبة إلى مدينة الرسول، ولم يشز عن هذا إلَّا على بن المديني فإنَّ والده من أهل المدينة، قاله (هـ) (٧).
وَكَذَا مَنْ نُسِبَ إِلى جَدِّهِ، فَلَا يُؤْمَنُ الْتِباسُهُ بمَنْ وَافقَ اسمُهُ اسمَه، وَاسْمُ أَبِيهِ اسمَ الجَدِّ المَذْكورِ.
[قوله] (١): «وفَائِدةُ مَعْرِفَتِهِ: نَفْيُ الغَلَطِ ... إلخ»:
حيث لم يذكر اسمه فالغلط حاصل، مراده: أنَّه إن نُسِب (هـ/٢٢٥) شخصٌ
وافَقَتْ كُنيتُه اسم أبيه إلى أبيه؛ فإنَّ مَنْ عَرَف كُنيتَه ولم يَعْرِف أنَّها موافقة لاسم أبيه يُغَلِّطُ من يَنْسُبه إلى أبيه، ويقول: الصَّواب كذا ويَذْكُره، فإذا قال شخصٌ: حدَّثنا ابن إسحاق [مثلًا أو إبرهيم بن إسحاق؛ فإنَّ من عَرَفَ أنَّ كُنيتَه أبو أسحاق] (٢) ولم يَعْرِف أنَّها موافقة لاسم أبيه يُغَلِّطُ من نَسَبه إلى أبيه، ويقول: الصواب حدَّثنا أبو إسحاق وإبراهيم أبو إسحاق، ومَنْ عَرَفَ أنَّ كُنيتَه موافقةٌ لاسم أبيه لا يُغَلِّطُ ولا يقول: الصواب إنَّه (أ/١٩٣) يقول كذا؛ لأنَّ ابن إسحاق هو أبو إسحاق، فقوله: «[نُسِبَ] (٣)» أي: من قال ابن إسحاق إلى الغَلَطِ ممَّن لم يَعْرف أنَّ كُنيتَه موافقةٌ لاسم أبيه، وقوله: «والصواب: أبو إسحاق» أي: وقال، أي: المُغَلِّطُ، والصواب أبو إسحاق، أي: أن يقول: أبو إسحاق، ولو قال: فائدة معرفته أنَّ من غَلَّط من نَسَب شخصًا وافَقَتْ كُنيتُه اسم أبيه إلى أبيه هو الغالِطُ أو ما في معناه؛ لكان أظهر، قاله (ج) (٤).
стр. 865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «السَّبِيعِيِّ»:
بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها تحتيَّة، نِسبةً إلى سَبع بالفتح ابن سبيع بن [مصعب بن] (٢) معاوية الهمْدانيِّ.
[قوله] (٣): «صحابيَّان»:
فيه تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث.
[قوله] (٤): «عن عامر بن سعد»:
هو ابن أبي وقاص.
[قوله] (٥): «بل أبواه بَكْرِيٌّ»:
منسوب إلى بني بكر قبيلة من العرب، لا إلى أبي بكر الصديق.
[قوله] (٦): «كالمِقْدَادِ بن الأسْودِ»:
ابن عَبْدِ يَغُوثَ ومن هذا: الحسن بن دينارٍ، فإنَّ دينارًا زَوْجُ أمِّه، واسم أبيه: واصلٌ.
قوله: «لكونه تَبَنَّاهُ»:
فيه نظرٌ، إذ هو ما تبناه، وإنَّما نُسِب إليه لكونه كان في حَجْره إذ كان زوج أمه.
стр. 866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وإِنَّما هُو مِقدادُ بنُ عَمْرٍو»:
هو عمرو بن ثَعْلَبَة الكِّنْدِيُّ، قال المؤلِّف (٢): «وقد نُسِب عمرو إلى كِنْدَة وليس منها، وإنما هو بهرانيٌّ نَزَل كِنْدَة نُسِب إليها فاتَّفق له ما اتَّفق لولده».
[قوله] (٣): «كابن عُلية»:
بضم العين اسم أمه، زعم بعضهم أنَّها أمُّ أمِّه، ودخل بـ «الكاف»: بنو عَفْرَاءَ بنت عُبيد بن ثَعْلَبَة النجَّاريَّة، وأبوهم: رِفاعَةُ بن الحارث.
تنبيه (٤):
مِثْل النِّسبة إلى الأمِّ: النِّسبة إلى الجَدَّة دُنيا وعُليا، نحو: يعلى بن مُنية، فمُنية أمُّ أبيه، وقيل: أمُّه، وهو قول الأكثر.
وكذلك النِّسبة إلى الجدِّ أدنى أم أعلى كـ: ابن جُرَيجٍ، وابن المَاجِشُون، وابن أبي ذِئْبٍ وابن أبي يَعْلى، وأحمد بن حنبل.
إذ الأوَّل: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجٍ.
والثاني: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلمة المَاجِشون -بكسر الجيم- على الأفصح.
стр. 867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال يحيى بن معين: «كان يقول بالقَدَر، ثُمَّ أقبل إلى السُّنَّة، وبم ولم يكن من شأنه الحديث فلمَّا قَدِم بغداد كتبوا عنه»، وقال: «جعلني أهل بغداد محدِّثًا» قال ابن السُدِّيِّ: «لم يَسْمَع من الزُّهْريِّ».
وقال ابن أبي خيثمة: «أن إنَّه كان من أصفهان فنزل المدينة، وكان يَلْقى النَّاس فيقول: جوني جوني».
وسئل أحمد عنه فقال: «تَعَلَّق بالفارسية بكلمة، كان إذا لَقِيَ الرجل يقول: شوني شوني؛ فَلُقِّب به» (١).
وقال الحافظ الغساني: «الماجِشُون اسمه: يعقوب بن أبي سَلَمة، واسم أبي سَلَمة ميمونٌ، والماجشون بالفارسية: ما هكون فعُرِّب، ومعناه: المورد، ويقال: الأبيض الأحمر» (٢).
وقال الدَّارَقُطنيُّ: «إنَّما لُقِّب الماجشون بحُمْرَةٍ في وَجْهِه» ويقال: «إنَّ سُكينة -بضم السين المهملة- بنت الحسين بن عليٍّ ﵃ لقَّبَته بذلك» (٣).
والثالث: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب.
والرابع: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
والخامس: أحمد بن محمد بن حنبل.
стр. 868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن ذلك قوله ﵊: «أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (١) وقول الأعرابي: «أيُّكم ابن عبد المطلب» (٢)، فَذِكْر الشارح لهذا القِسم فيمن يُنْسب (هـ/٢٢٦) إلى غير ما يَسْبِق إلى الفَهم حيث قال: «وكذا من نسب إلى جده» صحيحٌ؛ لأنَّ لهذا النوع اعتبارين؛ فليتأمَّل، قاله (هـ) (٣).
وفي كتابة: قوله: «عُلية» بضم العين اسم أمِّه، زعم بعضهم أنَّها أمُّ أبيه (٤).
[قوله] (٥): «ونُسِبَ إلى غير ما يَسْبِق إلى الفَهْم»:
يَشمَل ما يزيد على الخمسة أقسام؛ لأنَّ المحدِّثين يَنْسُبون بعض الرواة إمَّا إلى مكان كانت به وَقْعةٌ، كالبدريِّ لعقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاريِّ، فإنَّه ما شَهِد بَدْرًا خِلافًا للبخاريِّ (٦)، وإنَّما نزلها فَنُسِبَ إليها.
وإمَّا بَلْدَةٍ كالمكيِّ لإسماعيل بن محمد المكيِّ (٧)، نُسِب إلى مكة لإكثاره التوجه إليها للحج والعمرة والمُجاوَرَة لا أنَّه منها.
وإمَّا إلى قَبيلَةٍ كالتَّمِيمِيِّ، وإمَّا إلى صَنْعَة كالحذَّاء فإنَّه [ما] (٨) حَذَا نعلًا قطُّ
стр. 869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنما كان يَجْلس عند حَذَّاء، وقيل: إنَّه كان يقول: احْذُ على هذا النحو.
وإمَّا إلى صفة نحو: يزيد الفقير، فإنَّه لم يكن فقيرًا من المال وإنما كان يشكو فقَار ظَهْرِه.
وإمَّا إلى ولاءٍ وهم كثير منهم: مِقْسَمٍ مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ لازم مجلس عبد الله بن عباس؛ فقيل له: مولاه، ولم يَعْتِقه، وإلى غير ذلك، قاله (هـ) (١). (أ/١٩٤)
[قوله] (٢): «إلى صِنَاعَتِها»:
يظهر أنَّ الضمير فيها عائدٌ على مفهومٍ من الكلام، يعني: النِّعال المفهومة من الحذاء، وكذا ضمير «بَيْعِها»، وكذا ضمير «يجالسهم» عائدٌ على الحَذَّائين المفهومين من الحِذَاء أيضًا.
[قوله] (٣): «وكذا مَنْ نُسِبَ إلى جَدِّهِ ... إلخ»:
ضمير «اسمه» الأول كـ «من» الثانية، والثاني «مَنْ نُسِب» [ويجوز العَكْس، وهو أولى؛ لقِلَّة الفَصْل، قال (ق) (٤): قال المؤلِّف:] (٥) محمد بن بِشْر، ومحمد بن السائب بن بِشْر، الأول: ثقةٌ، والثاني: ضعيف ويُنْسَب إلى جده؛ فيَحْصُل اللَّبْس، وقد وقع ذلك في الصحيح، وممَّن نُسِب إلى جده وتُرِك ذِكْر أبيه: أحمد بن حنبل، فإنَّه ابن محمد بن حنبل.
وَكَذا وَقعَ ذَلكَ لعَبْدِ بنِ حُميدٍ أيضًا: رَوَى عن مُسلمِ بنِ إبراهيمَ، ورَوَى عنهُ: مُسلمُ بنُ الحجَّاجِ في «صحيحِهِ» حَديثًا بهذِهِ التَّرْجمَةِ بعينها.
قوله: «وقد يَتَّفِقُ»:
أي: يتَّحد، «الاسم» أي: اسم الراوي واسم أبيه مع اسم أبي أبيه واسم أبي أبي أبيه في تسلسل الاتحاد صاعدًا.
و «اليُمْن» بضم المثناة التحتية وسكون اليم، أصله من التبرك، لا من اسم
الإقليم المشهور، و «الكندي» نِسْبَة إلى كُنده -بضم الكاف- قرية بسمرقند، وقيل: بالكسرة نِسبة إلى كِندة قَبيلةٌ من اليَمَنِ.
[قوله] (١): «العُطَارِدِيُّ»:
بضم العين، نِسبة إلى جده: عُطارِد، وقيل: بطنٌ من تَمِيمٍ.
[قوله] (٢): «الطَّبَرَانِيُّ»:
نِسبة إلى طَبَريَّة مدينةٌ.
[قوله] (٣): «شُرَحْبِيلَ»:
بمعجمة مضمومة فراء مفتوحة فمهملة ساكنة فموحدة مكسورة فتحتيَّة ساكنة فلام، كما في عامَّة النُّسخ، بزنة: خَزَعْبيل، وعليه المُعَوَّل، وهم جماعة صحابيُّون ومحدِّثون، ووقع بخط الأنصاريِّ: «شِرْجِيل» بكسر الشين فراء فجيم فتحتيَّة بِزِنَة قنديل، ولعلَّه من طغيان القلم.
стр. 872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وقد يَقَعُ ذلك»:
أي: اتِّحاد الاسمين.
وقوله: «معًا» لو قال بدله: كان أولى؛ [إذ] (٢) الأول فيه أيضًا اتِّحاد اسم الراوي واسم شيخه لكن لا فقط، وكذا ما قدَّمه في قوله: «وقد يتَّفِق الاسم واسم الأبِ مع الاسم واسم الأبِ».
[قوله] (٣): «كأبي العَلَاءِ [الهمذاني] (٤)»:
قال المؤلِّف (٥): «الهَمَذَانيُّ» بتحريك الميم والذال المعجمة، نسبةً إلى البلد، وسكونها وإهمال الدَّال نِسبة إلى القبيلة، ومن الأول ما في الكتاب.
وفي كتابة: «الهَمَذاني» مُحَرَّك الميم معجم الذال، اسم بَلْدَةٍ بالعَجَم، وهَمْدان ساكن الميم مهمل الدال قبيلةٌ.
[قوله] (٦): «وفَائِدَتُه: رَفْعُ اللَّبْسِ ... إلخ»:
لو اقْتَصَر على الثاني لحَسُنَ؛ إذ لا يتأتَّى ظنُّ التَّكرار فيما إذا لم يكُن في السند إلَّا أحد الاسمين المتماثلين، وعند ذِكْرِهِما يَتَوسَّط بينهما ذِكْر الاسم المخالِف [لهما] (٧)؛ فيَبْعُد معه ظَنُّ التَّكْرَار، نعم إنْ حُذِف يتأتَّى ظَنُّ التَّكْرَار،
стр. 873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كأنْ يقول: حدَّثنا مُسْلِمٌ عن مُسْلِمٍ، ويَحْذِفَ البخاريَّ.
[قوله] (١): «فَشَيْخُهُ: مُسْلِمُ بن إبْرَاهِيمَ [الفَرَادِيسِيُّ] (٢)»:
كذا بخط (ب)، وفي النسخة التي بيدي بخط ابن شحرور، وعليها خَطُّ المؤلِّف أيضًا وهو تصحيفٌ، والصواب كما في بعض النُّسخ: «الفَرَاهِيدِيُّ»؛ إذ (هـ/٢٢٧) هو: مُسْلِمُ بن إبراهيم أبو عمروٍ الفَراهيديُّ [القصَّابُ] (٣) البصريُّ، وقد يعرف بالشَّحَّام، وفَرَاهِيد: بفتح الفاء وبالراء وبالهاء المكسورة وبالمثناة التحتيَّة والدال المهملة، وقال ابن الأثير (٤): بالذال المعجمة، بَطْنٌ من الأزْدِ، منها: الخليل بن أحمد النَّحويُّ، سَمِع من سبعين امرأةً، قاله (هـ) (٥)، والفَرَاديسيُّ نسبة إلى الفَراديس موضِعٌ بدِمَشْقَ.
[قوله] (٦): «والقُشَيْرِيُّ»:
بضم القاف وفتح المعجمة وسكون التحتيَّة بعدها راء، نِسبةً إلى قُشَيرِ بن كَعبِ بن رَبيعَة بن عامر بن صَعْصَعَة، قبيلةٌ كبيرةٌ نُسِب إليها كثيرٌ من العلماء.
стр. 874
وَمِنْهَا: يَحْيى بنُ أَبي كَثيرٍ، رَوَى عن هِشَامٍ، ورَوَى عنهُ: هِشامٌ، فشيخُهُ هشامُ بنُ عُروةَ، وهُوَ مِنْ أَقرانِهِ، والرَّاوي عنهُ: هِشامُ بنُ أبي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتُوائِيُّ.
وَمِنْهَا: ابنُ جُرَيْجٍ، رَوَى عن هِشَامٍ، وروى عنهُ: هِشامٌ، فالأَعْلى: ابْنُ عُرْوةَ. والأَدْنى: ابنُ يُوسُفَ الصَّنعانيُّ.
وَمِنْهَا: الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، رَوَى عَن ابنِ أَبي لَيْلَى، ورَوَى عَنْهُ: ابنُ أَبي لَيْلَى، فالأَعْلى: عَبْدُ الرَّحْمَنِ. والأَدْنَى: ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَذْكُورِ.
وَأَمثلَتُهُ كَثيرةٌ.
[قوله] (١): «ابن أبي كَثِير»: بالراء والتكبير.
[قوله] (٢): «الدَّسْتَوَائِيُّ»: بفتح الدال وفتح المثناة الفوقيَّة، نِسبة إلى دَستَواء بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح الفوقيَّة، قريةٌ معروفة بالعَجَمِ.
وفي كتابةٍ: قيل له ذلك؛ لأنَّه كان يَتجرُ في الثياب الدَّسْتَوَائيَّة، وهو الذي وصفه الطَّيَالِسِيُّ بأنَّه: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال (هـ) (٣): قوله: «الدَّستَوائيُّ» نعتٌ لـ «هشام» لا لـ «أبي عبد الله»، وليس المراد أنَّه من دَستَواء، وإنَّما المراد: أنَّه كان يبيع ثيابًا تجلب من دَستَواء، فالمعنى هشام صاحب القماش الدَّستَوَائيِّ، وإنَّما حَمَلْنَاه على هذا؛ لأنَّه: هشام -بكسر الهاء- أبو بكر عبد الله الرَّبَعيُّ -بفتح [الموحدة- البصريُّ الدَّسْتَوَائِيُّ -بفتح] (٤) الدال وإسكان السين المهملتين، وبعدهما مثناة فوق مفتوحة وآخره همز بلا نون.
وقيل: الدَّسْتَوَانيُّ بالقصر والنون، والأول هو المشهور.
стр. 875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ودَسْتَوَاءُ كَوْرَةٌ من كُوَرِ الأهواز، كان يبيع الثياب التي تُجْلب منها؛ فنُسِب إليها، قال أحمد بن حنبل ﵁: (أ/١٩٥) «لا يُسأل عن الدَسْتَوَائيِّ، ما أظنُّ الناس يَروون عن أَثْبَت منه، مِثْلُه عيسى، وأمَّا أثْبَتُ منه [فلا] (١)»، وقال أحمد ابن عبد الله (٢): هو ثقةٌ إلَّا أنَّه كان يقول بالقَدَر، ولم يكن يدعو إليه.
[قوله] (٣): «الصَّنْعَانِيُّ»: نِسبةً إلى صَنْعاء اليَمَن.
[قوله] (٤): «فالأعلى»: أي: فهشام الأعلى.
[قوله] (٥): «والأدنى»: أي: وهشام الأدنى، ألا ترى الأقرب من الدُّنوِّ لا من الدَّناءة (٦).
[قوله] (٧): «ابن عُتَيْبَةَ»: هو بالتصغير.
[قوله] (٨): «فالأعْلى»: أي: وابن أبي ليلى الأعلى.
وقوله: «والأدْنى» أي: الأنْزَل الأقرب من الدُّنوِّ لا من الدناءة.
стр. 876
وَمِنَ المُهمِّ في هَذَا الفَنِّ: مَعْرِفَةُ الأَسْمَاءِ المُجَرَّدَةِ، وقَدْ جَمَعَها جَماعةٌ مِن الأَئمَّةِ؛ فَمِنْهُم مَنْ جَمَعَها بغَيرِ قَيْدٍ؛ كَابْنِ سَعْدٍ في «الطَّبقاتِ»، وَابنِ أَبي خَيْثَمَةَ، والبُخاريِّ في «تَاريخَيْهِمَا»، وَابْنِ أَبي حَاتِمٍ في «الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ».
وَمِنْهُم مَنْ أَفردَ الثِّقاتِ بالذِّكْرِ؛ كَالعِجْلِيِّ، وابنِ حِبَّانَ، وابنِ شَاهينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَدَ المَجْرُوحينَ؛ كَابْنِ عَديٍّ، وَابنِ حِبَّانَ أَيضًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَقيَّدَ بكِتَابٍ مَخْصوصٍ: كَـ «رِجَالِ البُخاريِّ» لأَبي نصرٍ الكَلَاباذيِّ، وَ «رجالِ مُسْلمٍ» لأَبي بَكرِ بنِ مَنْجَوَيْهِ، ورِجَالِهما مَعًا لأَبي الفَضْلِ ابنِ طَاهِرٍ، وَ «رِجَالِ أَبي دَاوُدَ» لأَبي عَليٍّ الجيَّانِي، وكَذَا «رِجال التِّرْمذيِّ» و «رِجَال النَّسائيِّ» لجَمَاعةٍ مِنَ المَغَاربةِ، ورِجَالِ السِّتَّةِ: «الصَّحيحينِ»، وَأَبي دَاوُدَ، والتِّرمذيِّ، والنَّسائيِّ، وابنِ مَاجَة؛ لعَبْدِ الغَنيِّ المَقْدِسيِّ في كتابِهِ «الكَمَالِ»، ثمَّ هَذَّبَهُ المِزِّيُّ في «تَهْذيبِ الكَمَالِ».
[قوله] (١): «مَعْرِفَةُ الأسماء المُجَرَّدَةِ»:
قال: «فإنْ كان المراد المجرَّدة التي لا تُقَيَّد بكونهم ثقات أو ضعفاءُ أو رجال كتابٍ مخصوص؛ فلا يظهر معنى: «فمنهم مَنْ جَمَعَهَا بغير قَيْدٍ»» انتهى، قُلْتُ: لا يخفاك أنَّ المراد: المجرَّدة عن الكُنى والألقاب والنِّسبة والوصف؛ لتقدُّم كلِّ هذه؛ فقوله بعد: «فمِنْهُم مَنْ جَمَعَهَا بلا قَيْدٍ» أي: من عدالة، أو جَرْحٍ، أو كتابٍ مخصوصٍ، لا إشكال فيه والله أعلم، قاله (هـ) (٢).
стр. 877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «الكَلَابَاذِيِّ»:
بالفتح وإعجام الذال، وهو: الحافظ أبو نصرٍ أحمد بن محمد بن الحسين بن [الحسن بن] (٢) علي بن رستم، منسوب إلى كَلاباذ، مَحَلَّةٌ كبيرةٌ ببُخَارَى، قاله (ج) (٣).
[قوله] (٤): «الجَيَّانِيِّ»:
بفتح الجيم وتشديد التحتيَّة ونون، بخطِّ تلميذ المؤلِّف الأنصاريِّ.
[قوله] (٥): «من المَغَارِبَةِ»:
راجعٌ للكتابين قبله، كالحافظ أبي محمد الدَّوْرَقِيِّ فإنَّ له [في] (٦) رجال كلٍّ منهما كتابًا مفردًا.
[قوله] (٧): «في كتابه: الإكمال»:
هو: الحافظ الكبير عبد الغنيِّ بن عبد الواحد بن علي بن سرور المَقْدِسيُّ الحنبليُّ.
[قوله] (٨): «المِزِّيُّ»:
بكسر الميم والزاي المشددة، إلى مِزَّةَ قرية بدمشق، كذا في «اللُّباب» (٩).
وقَدْ حَرَّرتُ ذَلكَ في كِتَابِي «الصَّحابَة».
* وَكَذَا مَعْرِفةُ الكُنَى المُجرَّدَةِ وَالمُفْرَدَةِ، وَكَذَا مَعْرِفَةُ الألْقَابِ، وَهِيَ تَارةً تَكُونُ بلَفْظِ الاسْمِ، وَتَارةً تكون بلَفْظِ الكُنْيةِ، وَقد تَقعُ نِسْبةً إلَى عَاهَةٍ «كالأعمش» أَو حِرْفَةٍ.
[قوله] (١): «وجاء مع ما اشْتَمَلَ عليه زياداتٌ قَدْرَ ثُلُثِ الأَصْلِ»:
أي: صار، فـ «قَدْرَ» منصوبٌ على أنَّه خبره، فهو كقول الخوارج لابن عباس: ما جاءت حاجتك (٢)، وقوله: «من الزيادات» بيانٌ لما اشْتَمَل عليه.
[قوله] (٣): «مَعْرِفَةُ الأسماءِ المُفْرَدَةِ»:
قال (ق) (٤): «وهي التي لم يُشَارِك من تسمَّى بشيءٍ منها غيرُه فيها» انتهى، (هـ/٢٢٨) ولا فَرْقَ فيها حينئذٍ بَيْنَ كونها أسماء بالمعنى المذكور في باب العَلَمِ، وبَيْنَ كونها كُنيةً أو لَقَبًا، كانت للصحابة أو لغيرهم، فمن الأفراد في الأسماء: لُبَيُّ بوَزن أبَيِّ بن كعبٍ، وأبوه لَبَى بوزن فتى، وهو صحابيٌّ من بني أسَدٍ، وهو وأبوه فردان، ومن الأفراد في الألقاب: مَنْدل -بفتح الميم وكسرها مع سكون النون- لَقَبٌ لعمر بن علي العَنَزِيِّ، والمذكور في ميمه الكسر، ويَقُولونَه كثيرًا بفتحها، وذكر العراقيُّ حكاية عن خطِّ محمد بن ناصر الحافظ: أنَّه الصواب، ومن أفراد الكُنَى: أبو مُعَيْدٍ بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتيَّة وآخره دال مهملة، كُنية حَفْصِ بن غيلان الدمشقيِّ (٥).
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «الحافظُ أبو بَكْرٍ»:
هو البَرْدَعِيُّ.
[قوله] (٢): «البَرْدِيجِيُّ»:
بضم الموحدة أكثر من كسرها ودال مهملة، نِسبةً إلى البَرْديج قريةٌ بطُوس.
[قوله] (٣): «فَضَعَّفَهُ»:
يعني: ابن أبي حاتم (٤) ضعف «صُغْدِيُّ» الأول وهو: ابن سِنَانٍ كما يُعْلَم من أثناء الكلام.
[قوله] (٥): «وأَظُنُّهُ»:
قال (ق) (٦): يعني صُغْدِيَّ الكوفيَّ.
[قوله] (٧): «وأمَّا كون العُقَيْلِيِّ ... إلخ»:
جواب سؤالٍ مُقَدَّرٍ تقديره: كيف يصحُّ هذا الظنُّ وقد ذكر العُقيليُّ الثاني في الضعفاء؟ والذي ذَكَرَه ابن حِبَّان (٨) ثقةٌ بدليل أنَّه فرق بَيْنَ ابن سِنَان بتضعيفه، وتقرير الجواب من كلامه ظاهر.
стр. 881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «ولَيْسَتْ الآفَةُ فيه مِنْهُ»:
أي: من صُغْدِيِّ بن عبد الله الكوفيِّ.
وقوله: «عَنْبَسَةَ بن عبد الرحمن»:
بَدلٌ أو عَطْفُ بيانٍ على «الراوي عنه».
وفي كتابة: «عَنْبَسَة» بفتح العين المهملة ثُمَّ النون ثُمَّ موحدة ثُمَّ سين مهملة.
[قوله] (٢): «سَنْدَرٌ»:
بسين مهملة ونون فدال مهملة وآخره راء مهملة.
[قوله] (٣): «مَوْلَى زِنْبَاعٍ»:
هو بالزاي المكسورة، والعين المهملة، على وزن قِنْطَارٍ كما في القاموس (٤)، و «والجِزامي» بكسر الجيم، و «مَنْدَه» بفتح الميم وسكون النون، و «الجِيزي» بكسر الجيم نِسبةً إلى الجيزة المقابِلَة للفُسطاط.
[قوله] (٥): «وكذا مَعْرِفَةُ الكُنَى ... إلخ»:
أي: ومن المُهِمِّ أيضًا، ومراده: المجرَّدة عن الأسماء، وعن الألقاب، وعن النِّسَب، وعن النُّعوت، سواء كان لها ذلك في نفسها أو لم يكن، نحو: أبي شَيْبَةَ،
стр. 882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبي إهابٍ، وأبي رُهْمٍ، وكلامه لا يخلو عن نوع تَكْرار مع ما قدَّمه من قوله: «ومَعْرِفَةُ كُنى المُسَمَّيْنِ».
[قوله] (١): «والألقاب»:
أي: وكذا من المهم أيضًا معرفة الألقاب، ولعلَّ مراده: المجرَّدة أيضًا، وحَذَفَه من (أ/١٩٦) الثاني؛ لدلالة الأول عليه، وهي جمع لَقَبٍ، وهو: ما أشْعر برفعة المُسَمَّى أو ضَعَتِه- بفتح الضاد-، أي: انحطاطه وخِسَّتِه، والكُنيَة: ما صُدِّر بأب [أو أم] (٢)، وكذا بابن أو بنت على رأيٍ، والعَلَم: ما أُطْلِق على شيءٍ بعينه غير متناول ما أشبهه بوضعِ واحدٍ.
قال بعضهم: ما وَضَع الأبوان ابتداءً فهو الاسم، ثُمَّ ما لم يوضع في الابتداء إنْ أشعر بمدحٍ أو ذمٍّ فهو اللَّقب ولو صُدِّر بأبٍ أو أمٍّ، وإن لم يشعر بذلك وصُدِّر بأبٍ أو أمٍّ فهو الكنية، مثال اللقب الغير مُصَدَّرٍ بأبٍ أو أمٍّ: زين العابدين، ومثالُه مُصَدَّرٌ بذلك: أبو الخير وأبو لهب، وأم الفضل، وعليه يتخرج كلام الشارح هنا حيث قال: «وهي تارةً تكون بلفْظِ الاسم ... إلخ»، ثُمَّ ما ذَكَرَه هنا لا يخلو عن نوع تَكْرَارٍ مع ما مَرَّ، غاية ما يقال: إنَّ هنا تغايُرٌ بالعموم والخصوص؛ فلا تكن من الغافلين، قاله (هـ) (٣).
стр. 883
* وَكَذَا مَعْرِفَةُ الأنْسَابِ.
وَهِيَ تَارةً تَقَعُ إِلى القَبائِلِ، وَهِيَ في المُتَقدِّمينَ أَكثرُ بالنِّسْبةِ إلَى أكثر المُتأَخِّرينَ.
وَتَارةً إِلى الأَوْطانِ، وهَذَا في المُتأَخِّرينَ أَكثرُ أي بالنِّسْبةِ إِلى المُتَقدِّمينَ.
وَالنِّسبةُ إِلَى الوَطَنِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بلادًا، أو ضِيَاعًا، أو سِكَكًا، أو مُجَاوَرَةً وتَقَعُ إِلى الصَّنائِعِ كالخَيَّاطِ، والحِرَفِ كالبَزَّازِ.
[قوله] (١): «وكذا الأَنْسَابُ»:
أي: ومن المُهِمِّ معرفة الأنساب، جمع نَسَبٍ، كبطل وأبطال، أو جمع نِسَبٍ على غير قياس، والمراد [منه] (٢) هنا: ما دلَّ على إضافة المنسوب إلى أبٍ أو أمٍّ، أو حيٍّ أو قبيلةٍ، أو حِرْفةٍ أو وطنٍ، أو غير ذلك.
[قوله] (٣): «إلى القَبَائِل»:
قال ابن سيد الناس (٤): النَّاس العَرَبُ على ستِ طبقاتٍ: شَعْبٌ، وقبيلةٌ، وعمارة، وبَطْنٍ وفَخِذٍ، وفَصِيلَةٍ، وسميت الشُّعوب لأنَّ القبائل تَتَشَعَّب منها، وسميت القبائل لأنَّ العَمَائِر (هـ/٢٢٩) تقابَلَت عليها؛ فالشَّعب يجْمَعُ القبائل، والقَبيلةُ تَجْمع العَمائر، والعمارة تَجْمع البطون، والبطون تَجْمع الأفخاذ، والفَخِذ تَجْمع الفصائل، فيُقال: مُضَرُ شَعْب رسول الله، وكِنَانَة قبيلته، وقريش عمارته، وقُصَيٌّ بطنه، وهاشم فَخِذُه، وبنو العباس فصيلته، هذا قول الزبير، وقيل: بنو عبد المُطَّلب فَصِيلَتُه، وعبدُ مَنَافٍ بَطْنُه، وسائر ذلك كما تقدَّم.
стр. 884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وهو في المُتَقَدِّمين أَكْثَرِيٌّ»:
قال المؤلِّف: «لأنَّ المتقدِّمين كانوا يعتنون بحفظ أنسابهم، ولا يكونون بالمُدن والقُرى غالبًا، بخلاف المتأخِّرين» قاله (ج) (٢).
وقال (هـ) (٣):
قوله: «وهي في المُتَقَدِّمين أكثريٌّ» اعلم أنَّ النُّسَخ هنا اختَلَفَت؛ ففي بعضها: «وهو أكثريٌّ»، وفي بعضها: «أكثر»، وفي بعضها: «وهي أكثريٌّ» والكلُّ صحيحٌ، غايته: أنَّ الضمير على الأخيرة عائدٌ على النسبة، وأنَّ قوله: «أكثريٌّ» صفة موصوف محذوف، وهي: أمرٌ أكثريٌّ، وإنَّما كانت أمرًا أكثريًّا لأنَّ العَرَبَ كانت تَنْتَسِب إلى الشعوب والقبائل ونحوهما، فلما جاء الإسلام وانتشر النَّاس في الأقاليم والمدن والقرى ضاعت الأنساب في البلدان المتقدِّمة؛ فنُسِب الأكثر من المتأخِّرين منهم للأوطان.
تتمة:
لا حدَّ للإقامة المسوِّغة للنِّسبة بِزَمَنٍ، خِلافًا لمن حدَّها بأربع سنين، بل مجرَّد الدخول ولو على سبيل التجارة أو الزيارة مُسوِّغ لذلك، وحيث نَسَبْنَا إلى الأمكنة والبلدان فمن لم يكن له إلَّا بَلْدَةٌ واحدةٌ فأمره واضح، وإنْ نَزَل بلدتين بدأتَ في نِسبته بالأولى وأضفتَه إلى الثانية بثُمَّ؛ فقُلْتَ: الدِّمَشقيُّ ثُمَّ المصريُّ، ولو اقتَصَرتَ على أحدهما جاز، ومن انتقل من قرية من قرى [بلده] (٤) كداريَّا
стр. 885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ودِمشق؛ نَسِب إلى كلٍّ منهما وإلى الإقليم الجامع لهما، فيقال: الدَّاريُّ أو الدِّمَشقيُّ والشاميُّ، وإنْ جُمع بين الجميع فالأولى البداءة بالأعمِّ فيقال: الشاميُّ الدِّمشقيُّ الدَّاريُّ، إلَّا أن يكون غير الأعمِّ أوضَح منه فالبداءة به أولى فالإتيان بثُمَّ مع الأخصِّ.
[قوله] (١): «إلى الوَطَنِ»:
أي: جِنْسِه من حيث وَجَده في ضِمْن أفراده، وبإرادة الجِنْس صحَّ الإخبار عن ضمير المُفْرَد في «تكون» بالجمع في «بلادًا أو ضِيَاعًا»، وأمَّا مجيء الحال جمعًا مما كما في المَتْن فلا إشكال في صحتها، وهذا من المواضع التي تخالَف فيها إعراب المَتْن مع الشرح، وقد مَرَّ لنا وللمُحَشِّين ما فيه؛ فلا تكن لطُول العَهْد من الغافلين، قاله (هـ) (٢).
[قوله] (٣): «بِلَادًا ... إلخ»:
الضَيعَة: القرية الصغيرة وإن كان لها إطلاقات أخر، والظاهر: أن المراد بالسِّكك الأقاليمٌ؛ لتغيير سكة الملوك لها، وإنْ كانت تُطلَق على الطُرُق أيضًا.
وقوله: «أو مُجَاوَرَةً»:
الظاهر أنَّه معطوف على مقدَّرٍ أشْعَر به المقام، أي: سواء كان ذلك إقامته مؤبَّدة أو مجاوَرَة بأن نوى العودَة بعدها إلى وطنه.
стр. 886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
حَمَلْنا الضَّيْعَة على القرية الصغيرة ولم نَحْمِلْها على الحَرْفَة تقْدِيمًا للتأسيس على التأكيد، كما حَمَلْنَا (أ/١٩٧) السِّكَك على ما ذَكَرْنا لذلك، وإنْ جاز حَمْلُها أيضًا على المَحَالِّ والأزِقَة من البِلدان مع التأسيس أيضًا، قاله (هـ) (١).
وفي كتابة: قوله: «ضِياع» بوزن رجال، جمع ضَيعَة -بالفتح-، وهي الأرض المقلة، [والسِّكَك كعِنَب] (٢) جمع سِكَّةٍ -بالكسر-، وهي: الطريق المستوي، أي: الزُّقَاقُ، والمراد بالضَّيْعَة: القرية، ومنْ كان من قريةٍ من قُرى بَلدةٍ جاز أنْ يُنسب إليها، وإلى بَلْدَتها، أو إلى الناحية، أي: الإقليم؛ فمن كان من داريَّا فهو داريٌّ، ودِمَشقيٌّ وشاميٌّ.
[قوله] (٣): «إلى الصَّنَائِع والحِرَفِ»:
«الصَّنائع» جمع صَنْعَة، والمراد بها هنا: ما حَصَل بعمل الصانع، أي: ما يتوَقَّف تحقُّقه على عمل الصانع، بخِلاف الحِرَف فإنَّها أعمُّ من ذلك، مثال الأول: الخياط بالخاء المعجمة والياء المثناة تحت، ومِثْله: الحدَّاد، وأما الخباط [بموحدة] (٤)، والحناط -بالنون في وسطها- فمن أهل الحِرَف (٥). (هـ/٢٣٠)
стр. 887
وَيَقعُ فيهَا الاتِّفاقُ والاشْتِبَاهُ؛ كالأَسْمَاءِ.
وَقَدْ تَقعُ الأنْسَابُ أَلْقابًا؛ كخالِدِ بنِ مَخلَدٍ القَطوانيِّ، كَانَ كُوفيًّا، ويُلقَّبُ بالقَطَوانيِّ، وكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا.
وَمِنَ المُهمِّ أَيضًا: مَعْرِفةُ أَسْبَابِ ذَلكَ؛ أَيْ: الأَلْقَابِ والنِّسَبِ الَّتي بَاطِنُها على خِلَافِ ظَاهِرِهَا.
* وَ كَذَا مَعْرِفَةُ المَوَالي مِنْ أَعْلَى، وَمِنْ أَسْفَلَ؛ بالرِّقِّ، أَو بالحِلْفِ، أَوْ بالإِسْلَامِ؛ لأنَّ كُلَّ ذَلكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَوْلًى، ولَا يُعْرَفُ تَمْييزُ ذَلكَ إِلَّا بالتَّنْصيصِ عَلَيْهِ.
* وَكذا مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ والأَخَوَاتِ، وقَدْ صَنَّفَ فِيهِ القُدَماءُ؛ كَعليِّ بنِ المَدينيِّ.
[قوله] (١): «وَيَقَعُ فِيهَا»:
أي: الأنساب، سواء كانت إلى بلادٍ، أو ضِياعٍ، أو سِكَكٍ، أو صنائع، أو حِرَفٍ.
[قوله] (٢): «الأنْسابُ»:
هذا بيان معنًى لا بيان إعراب؛ فإن فاعل «تَقَع» ضمير «الأنساب»، والظاهر: أنَّ «تَقَع» هنا مُضَمَّنٌ معنى يُجْعل؛ فيكون ألقابًا واقع موقع الخبر.
[قوله] (٣): «القَطَوَانِيِّ»:
بفتح القَاف والمهملة وبَعْد الألف نون، نِسبة إلى «قَطْوان» موضعان بالكوفة وسَمْرقَند، والذي بالكوفة نُسب إليها كثيرٌ من العلماء، منهم: أبا الهيثم خالد بن مَخْلَدٍ.
стр. 888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «ومِن المُهِمِّ أيضًا: مَعْرِفَةُ أسباب ذلك»:
أي: التلقيب، وذِكْره أيضًا هنا دليل اعتبار تقديرها مع السوابق واللواحق، وقد مرَّ أنَّ من الألقاب ما له سببٌ، كسبب تلقيب عبد الله بن محمد الطَّرْسُوسيُّ بالضَّعيف؛ أنَّه كان مريض الجسم، وقيل: لكثرة عَلَّاتِه حتى أضعفته، وقيل: لُقِّب به لإتقانه وضبطه، وعليه فهو من باب الأضداد، ولَقَب معاوية بن عبد الكريم: الضالُّ، اسم فاعل من ضَلَّ؛ لأنَّه ضَلَّ، أي: تاه في طريق مكة، وتلقيب أبي علي صالح بن محمد بن عمرو البغدادي بجَزَرَة، قال عن نفسه: لكونه كان في ابتداء طَلَبِه صَحَّف «خَرَزة -بمعجمة ثُمَّ راء مهملة ثُمَّ زاي- أختها» في حديث عبد الله بن بشر: «أنَّه كان يرقي بخرَزَة» فقال: بجزرة، قال: فَبَقِيَتْ عليَّ (١).
تنبيه (٢):
تفسيرنا اسم الإشارة بالتلقيب أولى من تفسير الشارح إيَّاه بالألقاب وإنْ صحَّ بإرادة جنسها، ثُمَّ يقع في بعض النسخ بعد قوله: «أي الألقاب» «والنِّسب التي باطنها على خلاف ظاهرها» وهو صحيحٌ، وقد أشَرْنا إلى أنَّ منها ما هو لأسباب كالألقاب، وعليه فاسم الإشارة مؤول بمذكور أو مُتقدِّمٌ؛ فتأمل.
[قوله] (٣): «مَعْرِفَةُ المَوَالِي»:
أي: المنسوبين لهم، الأعلى: من يكون ولاؤه بلا واسطة كأبي العالِيَة
стр. 889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّياحِيِّ مَوْلى امرأة من رِيَاح، والأسفل: من يكون ولاؤه لمولى آخر كسعيد ابن يَسارٍ الهاشميِّ فإنَّه مَوْلى شُقْران مَوْلى النبيِّ ﵊، وشُقْران كعثمان واسمه صالح، و «الحِلْفُ» العَهْد، من المعاهدة على التعاضد والتناصر، كمالك ابن أنس فإنه أصْبَحِيٌّ، وقيل له: التَّيْمِيِّ؛ لأنَّ أصْبَحَ حالفوا تَيْمَ قُريشٍ؛ فهو نُسِب تَيْمِيًا إلى تَيْم قريش حِلْفًا، وهو أصْبَحِيٌ صُلْبِيَّةً.
وقوله: «أَوْ بالإِسْلام»:
كالإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، وقيل قيل له: الجُعْفِيُّ -بضم الجيم وإسكان العين المهملة-؛ لأنَّ المُغيرَة جدُّ أبيه أسْلَم على يد اليَمَان بن أَخْنَس الجُعْفِيِّ والي بُخَارَى.
وقال (هـ) (١): ومَعْرفة الموالي من المُهِمَّات، بل ربَّما وَقَع بعدمها خَلَلٌ في الأحكام الشرعيَّة في باب ما يُشتَرَط فيه النَّسب، كـ: الإمامة العظمى، وكفاءة النكاح، والتوارث؛ فمن الموالي من نُسِب إلى القبائل -وهو أكثر- كأبي العَالِية رُفَيْع الرِّيَاحيِّ كان مولًى لامرأة من بني رباح رِيَاح، وكأبي البُخْتُريِّ سعيد بن فيروز كان مولًى لمن أعتقه من طَيّءٍ، وكمَكْحُولٍ الشَّاميِّ الهُذَلِيِّ كان مولًى لامرأة من هُذَيلٍ، وغيرهم، فإنَّ هؤلاء وأضرابهم مع إطلاق النِّسبة يُتَوهَّم أنَّهم من وَلَدِ الصُّلب لتلك القبائل وليس مرادًا، بل المراد: مولى العَتاقَة، ومنهم من نُسِب لولاء الحِلف والمعاهدة على نصر المظلوم ونحوه، (أ/١٩٨) كمالك بن أنسٍ، ومنهم من نُسِب لولاء الدين والإسلام كالبخاري، نُسِب جُعْفِيَّا لكون