← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 815–854 · переход к 820.

стр. 815

وقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبو أَحمدَ العسكريُّ، لَكنَّه أَضَافَهُ إِلى كِتَابِ «التَّصْحيفِ» لَهُ. ثمَّ أَفرَدَهُ بالتَّأْليفِ عَبدُ الغَنيِّ بنُ سَعِيدٍ، فَجمَعَ فِيهِ كِتَابَينِ؛ كِتَابًا في «مُشْتَبِهِ الأَسْمَاءِ»، وكِتَابًا في «مُشْتَبِهِ النِّسْبَةِ». وَجَمَعَ شيخُهُ الدَّارقطنيُّ فِي ذَلكَ كِتَابًا حَافِلًا. ثمَّ جَمَعَ الخَطيبُ ذَيلًا. ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ: أَبو نَصْرِ بنُ مَاكُولا في كِتَابِهِ «الإِكْمَالِ». وَاسْتَدْرَكَ عَلَيهِم في كِتَابٍ آخَرَ جَمَعَ فيهِ أَوْهَامَهُمْ، وَبيَّنَها. وكِتَابُهُ مِنْ أَجْمَعِ ما جُمِعَ في ذَلكَ، وهُوَ عُمْدةُ كلِّ مُحدِّثٍ بَعْدَه. وقَد استَدْرَكَ عليهِ أَبو بكرِ بنُ نُقطَةَ ما فَاتَه، أو تَجدَّدَ بَعْدَه في مُجلَّدٍ ضَخْمٍ. ثمَّ ذَيَّلَ عَلَيْهِ مَنْصورُ بنُ سَليمٍ -بفَتْحِ السِّينِ- في مُجلَّدٍ لطيفٍ. وكَذلكَ أَبو حامدِ ابْنُ الصَّابونيِّ. وجَمَعَ الذهبيُّ في ذَلكَ كِتابًا مُخْتَصرًا جِدًّا، اعتَمَدَ فِيهِ على الضَّبْطِ بالقَلَمِ، فكَثُرَ فِيهِ الغَلَطُ والتَّصحيفُ المُبايِنُ لمَوْضوعِ الكِتَابِ. وَقَدْ يَسَّرَ اللهُ سبحانه تَعالَى بتَوْضيحِهِ في كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ بـ «تَبْصيرَ المُنْتَبِهِ بتَحْريرِ المُشْتَبِهِ»، وهُوَ مُجلَّدٌ واحدٌ، فَضَبَطْتُهُ بالحُرُوفِ على الطَّريقةِ المَرْضِيَّةِ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ شيئًا كَثيرًا ممَّا أَهْمَلَهُ، أَو لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، وللهِ الحَمْدُ عَلَى ذَلكَ. [قوله] (١): «وقد صَنَّف ... إلخ»: أي: وقد صنَّف في المُؤْتَلِف، وفيه تنبيهٌ على خلاف ما اشْتَهَر أنَّ أول من صنف فيه: عبد الغني، ووَجَه ما اشْتَهَر أنَّه أول من صنَّف فيه منفرِدًا.

стр. 816

وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسْماءُ خطًّا وَنُطْقًا، واخْتَلَفَتِ الآباءُ نُطْقًا مَعَ ائْتِلافِهَا خَطًّا؛ كمُحمَّدِ بنِ عَقِيلٍ -بفَتْحِ العَيْنِ- ومُحمَّدِ بنِ عُقَيْلٍ -بضَمِّها: الأوَّلُ نَيْسابوريٌّ، والثَّانِي فِرْيابيٌّ، وهُمَا مَشْهورَانِ، وَطَبقتُهُما مُتَقارِبةٌ، أَوْ بالعَكْسِ؛ كَأَنْ تَخْتَلِفَ الأسماءُ نُطْقًا، وتَأْتَلِفَ خَطًّا، وَتتَّفقَ الآبَاءُ خَطًّا وَنُطقًا؛ كشُرَيحِ بنِ النُّعمانِ، وَسُرَيْجِ بْنِ النُّعْمَانِ، الأَوَّلُ بِالشِّينِ المُعْجَمةِ والحَاءِ المُهْملةِ، وهُوَ تَابعيٌّ يَرْوي عَنْ عَليٍّ ﵁، وَالثَّاني بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والجِيمِ، وهُوَ مِن شُيُوخِ البُخاريِّ، فهُوَ النَّوعُ الَّذي يُقَالُ لهُ: المُتَشابِهُ. وَكَذا إِنْ وَقَعَ ذَلكَ الاتِّفَاقُ فِي الاسْمِ وَاسْمِ الأبِ، والاخْتِلافُ في النِّسْبَةِ. وقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الخَطيبُ كِتابًا جَليلًا، سَمَّاهُ: «تَلْخيصَ المُتَشابِهِ». ثمَّ ذَيَّلَ هُوَ عَلْيهِ أَيضًا بمَا فَاتَه أَوَّلًا، وهُوَ كَثيرُ الفَائدَةِ. وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْواعٌ: مِنْهَا: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ أَو الاشْتِبَاهُ في الاسْمِ، وَاسْمِ الأبِ مثلًا، إلَّا في حَرْفٍ، أَو حَرْفَيْنِ فأَكْثَرَ، مِنْ أَحَدِهِما، أَوْ مِنْهُما. وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: * إِمَّا أَنْ يَكُونَ الاخْتِلافُ بالتَّغْييرِ، مَعَ أَنَّ عَدَدَ الحُرُوفِ ثَابِتٌ في الجِهَتَيْنِ. * أَوْ يَكُونَ الاختِلافُ بالتَّغْييرِ مَعَ نُقْصانِ بَعْضِ الأَسْمَاءِ عن بَعْضٍ. فَمِنْ أَمثِلَةِ الأَوَّلِ: مُحَمَّدُ بنُ سِنَان -بكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وَنُونَينِ بَيْنَهُما أَلفٌ- وهُمْ جَماعةٌ؛ منهُم: العَوَقيُّ -بفتحِ العَيْنِ والوَاوِ، ثمَّ القَافِ- شَيخُ البُخاريِّ. ومُحمَّدُ بنُ سَيَّارٍ -بفتحِ السِّينِ المُهْملَةِ وتَشْديدِ اليَاءِ التَّحتانيَّةِ وبَعْد الألِفِ رَاءٌ- وهُمْ أيضًا جَماعةٌ؛ منهُم اليَمامِيُّ شيخُ عُمرَ بنِ يُونُسَ. وَمِنْهَا:

стр. 817

مُحمَّدُ بنُ حُنَيْنٍ -بضَمِّ الحَاءِ المُهمَلَةِ ونُونَينِ؛ الأُولَى مَفْتوحةٌ، بَيْنَهما ياءٌ تَحْتانيَّةٌ- تَابعيٌّ و يَرْوي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ وغَيْرِهِ. ومُحمَّدُ بنُ جُبَيرٍ -بالجِيمِ، بَعْدها بَاءٌ مُوحَّدةٌ، وآخِرُهُ رَاءٌ- وَهُو مُحمَّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، تَابعيٌّ مَشْهورٌ أَيضًا. [قوله] (١): «[كَمُحمَّد] (٢) بنِ عَقِيلٍ ... إلخ»: ونحو: موسى بن عَليٍّ -بفتح العين-، وموسى بن عُليّ -بضم العين- بن رباح المصريُّ، أمير مصر المشهور، واختلف في سبب ضمِّه؛ فقيل: لأنَّ بني أُميَّة كانت إذا سمعت بمولودٍ اسمه عليٌّ قتلوه؛ فقال أبوه: هو عُليٌّ -بالضم-، وقيل: كان أهل الشام يجعلون كل عَليٍّ عندهم عُليًّا؛ بُغضًا في الإمام عليٍّ ﵁ (٣). [قوله] (٤): «فِرْيَابِيٌّ»: بكسر الفاء وسكون الراء وتحتية فموحدة، إلى الفارياب، ونُسِبَ إليها: «الفريابي» و «الفيريابى» بإثبات ياءٍ أيضًا (٥). [قوله] (٦): «وبِالعَكْسِ»: كأنْ تَخْتَلِف الأسماء نُطقًا وتأتلِف [خطًّا، وتأتَلِف] (٧) أسماء الآباء نُطقًا وخطًّا، فإنْ قُلْتَ: هل يكون هذا من المؤتَلِف المخْتَلِف؛ فيصْدُق عليه حينئذٍ

стр. 818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما يَصدُق عليه المتشابه؟ قُلْتُ: الظاهر أنَّه يصْدُق عليه المؤتَلِف والمختَلِف، وأنَّه لا يُعتبَر فيه عَدَم الاتِّفاق في اسم الأب لفظًا وخطًّا حين لا يَصْدُق على المتشابه، ويصدُق المصحَّف والمحرَّف عليه. قوله: «كشُرَيحُ بنُ النُّعْمَانِ، وسُرَيْجُ بنُ النُّعْمَانِ»: كلاهما بوزن المُصغَّر. والأول منهما [بالشين] (١) المعجمة والحاء المهملة، كما قاله الشارح، وهو: شُريح بن النُّعمان الصَّائدِيُّ الكوفيُّ، تابعيٌّ له في السنن الأربعة حديثٌ واحد عن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢). والثاني منها بالسين المهملة والجيم، وهو: سُريج بن النُّعمان بن مَرْوان اللؤْلؤيُّ البغداديُّ، روى عنه البخاريُّ وروى له أصحاب السُّنن. [قوله] (٣): «الذي يقال له»: أي: يُطْلَقُ عليه على وجه العَلميَّة الجنسيَّة هذا اللقب، ومن فوائد معرفة هذا النَّوع: الأمن من التصحيف، وظَّنِّ الاثنين واحدًا وهذا النَّوع مُرَكَّبٌ من المؤتَلِف والمُختلِف والمتَّفِق والمًفتَرِق. قوله: «وكذا إنْ وَقَعَ ذلك الاتِّفاق في الاسم واسم الأبِ ... إلخ»: لو قال بدله: وكذا إن وقع الاتفاق في الاسم أو الكنية، والاختلاف نُطقًا في النِّسبة وعكسه؛ لكان شاملًا لبقية أنواع المتشابِه الأربعة، ثُمَّ إنَّ اعتبار الاتِّفاق في

стр. 819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اسم الأبِ في هذا خِلاف ما في شرح العراقيِّ، ثُمَّ إنَّه -على ما ذَكَرَه- يتَّفق المتشابِه والمُتفِق والمُفترِق في هذا القسم الأخير في ذلك، وقد جَعَل في الألفيَّة وشرحها المُتشابِه ستة أنواع، فذكر النوعين السابقين، وأشار صاحب الألفية بقوله: «أو نحوه» لبقيتهما، وأشار (أ/١٨٤) الشارح إلى شرحه بقوله: أي: نحو ما ذَكَر، كأن يتفق الاسمان ... إلخ، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «وَيَترَكَّبُ مِنْهُ وممَّا قبله أنواع ... إلخ»: أراد بما قبله: المتَّفِق والمفتَرِق، والمؤتَلِفَ والمختَلِف، [ولا يخفى أنَّه لا يمكِن الجمع بَيْن حقيقة المتَّفِق والمفتَرِق وحقيقة المؤتَلِف والمختَلِف] (٣)، وأمَّا (هـ/٢١٥) الجمع بَيْن الأول منهما وبَيْن المتشابه -أي: بعض أنواعه- فممكن، كأنْ يَتَّفق الراويان في الاسم واسم الأب، وتختلِف النِّسبة كمحمد بن عبد الله المَخْرَمِيُّ والمُخَرَّمِيُّ؛ فإنَّه يصْدُق عليه تعريف المتَّفِق والمفتَرِق، وهذا القسم من المتشابِه، وكذا بَيْنَ الثاني وبعض أنواع المتشابِه المشار إليه بقوله: «وبالعَكْس» كشُريح بن النُّعمان وسُريجُ بن النُّعمان، لكن لا يقال فيما يصْدُق عليه أكثرُ من واحدٍ من هذه الحقائق: إنَّه مركَّبٌ مما يصدق عليه كل واحدٍ منها، وأيضًا قوله: «منها: أنْ يَحْصُل الاتِّفاق والاشتباه في الاسم واسم الأبِ مثلا، إلَّا

стр. 820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حرفٍ أو حرفين فأكثر ... إلخ» يَدْفَع أنَّه يريد بالتركيب هذا؛ فمراده أنَّه يتركَّب منه وممَّا قبله في الجملة، ولو قال المؤلِّف: وثَمَّ ما يُشبه المركَّب من هذا النَّوع وما قبله؛ لحسن قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «فمِنْ أَمْثِلَةِ الأَوَّلِ: محمَّد بن سِنَانَ ... إلخ»: فقد اتَّفقا في الاسم خطًا ونطقًا، وفي اسم الأبِ خطًّا فقط إلَّا في حرفٍ واحدٍ، فهو من المتفق المفترق في الجملة؛ لأنَّه حَصَل فيه الاتِّفاق في الاسم واسم الأب إلَّا في حرف واحد، ومن المتشابِه؛ لأنَّه اتَّفق فيه الاسم نطقًا واسم الأب خطًّا إلَّا في حرفٍ واحد؛ فهو مركب، قاله (ج) (٣). [قوله] (٤): «العَوَقيُّ»: نِسبةً للعَوْقَة، بطنٌ من بني قيس.

стр. 821

ومِنْ ذَلكَ: مُعرِّفُ بنُ واصِلٍ: كُوفِيٌّ مَشْهورٌ. وَمُطَرِّفُ بنُ واصِلٍ -بالطَّاءِ بَدلَ العَيْنِ- شيخٌ آخرُ يَرْوي عنهُ أَبو حُذيْفَةَ النَّهْدِيُّ. ومِنْهُ أَيضًا: أَحمدُ بنُ الحُسينِ -صاحِبُ إِبراهيمَ بنِ سعيدٍ- وآخَرُونَ. وَأَحيَدُ بنُ الحُسينِ مثلُهُ، لَكِنْ بَدلَ المِيمِ ياءٌ تَحْتانيَّةٌ، وهُوَ شَيخٌ بُخَاريٌّ يَرْوي عنهُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بْنِ البِيكَنْدِيِّ. ومِنْ ذَلكَ أَيضًا: حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ، شيخٌ مَشْهورٌ مِن طَبَقَةِ مَالِكٍ. وَجَعْفَرُ بْنُ مَيْسَرَةَ، شيخٌ لعُبَيْدِ اللهِ بنِ مُوسى الكُوفيِّ، الأَوَّلُ بالحَاءِ المُهْمَلَةِ والفَاءِ، بَعْدَها صَادٌ مُهْمَلَةٌ، وَالثَّانِي بالجِيمِ وَالعَيْنِ المُهْمَلَةِ بَعْدَها فَاءٌ، ثمَّ رَاءٌ. ومِنْ أَمْثلَةِ الثَّانِي: عَبدُ اللهِ بنُ زيدٍ: جَمَاعةٌ: [قوله] (١): «من ذلك: مُعَرِّفُ بنُ واصِلٍ، ومُطَرِّفُ بنُ واصِلٍ»: هو من المؤتَلِف والمختَلِف باعتبار أنَّ الاسمين متَّفقان خطًّا إلَّا في حرف، ومن المتشابِه باعتبار ذلك مع الاتَّفاق في اسم الأبِ نطقًا. قوله: «النَّهْدِيُّ»: بفتح النون وسكون الهاء ومهملة، نِسبة إلى «نَهْدٍ» بطن من قُضاعة، وقيل: من هَمْدان.

стр. 822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «البَيْكَنْدِيُّ»: بالموحدة المفتوحة وبالمثناة التحتيَّة. قوله: «ومن ذلك أيضًا: حَفْصُ ... إلخ»: اعترض بأنَّ: حفصًا وجعفر حروف أحدهما أكثر من حروف الآخر، قال (ق) (١): لا يصحُّ أنْ يكون هذا من هذا القِسم؛ لاختلافهما في عدد الحروف، أي: فحقُّه أنْ يكون من القِسم الثاني، كما أنَّ حقَّ المثال الأخير من القِسم الثاني أن يكون من هذا القِسم. وفي كتابة: قوله: «ومن ذلك: حَفْصٌ ... إلخ» يُرَدُّ: بأنَّه من الثاني، وأُجيبَ: بأنَّه ذَكَرَه في الأول؛ لأنَّ الفاء مع الراء تشبهُ الصَّاد.

стр. 823

وقال (هـ): «وقول (ق): «لا يصحُّ أنْ يكون ... إلخ» مردودٌّ؛ لأنَّ العِبْرَة عندهم بالهيئة الخطيَّة، وتجويف الصَّاد يقابله الراء، مع مساواة رأس الراء بعد الفاء لرأس تجويف الصاد بعدها؛ فتدبَّره»، ثُمَّ رأيتُ الشَّرف المُناويَّ قال: حقُّ «حفص» و «جعفر» أنْ لا يُذْكَر في هذا القسم، بل في الثاني؛ لأنَّ الاختلاف فيه مع نقصان الأول عن الثاني، لكنَّه ذَكَرَه في الأول لكون الفاء مع الراء تُشبه الصَّاد. منهُم في الصَّحَابةِ صَاحِبُ الأذَانِ، وَاسمُ جَدِّهِ: عَبْدُ ربِّهِ. وَرَاوِي حَدِيثِ الوُضُوءِ، وَاسمُ جَدِّهِ: عَاصِمٌ، وهُمَا أيضًا أَنْصَاريَّانِ. وَعَبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ -بزيادةِ يَاءٍ في أَوَّلِ اسمِ الأبِ، وَالزَّايُ مَكْسورةٌ- وهُمْ أَيضًا جَمَاعةٌ: منهُم في الصَّحَابةِ: الخَطْمِيُّ، يُكْنى أبَا مُوسَى، وحَديثُهُ في «الصَّحيحَيْنِ». وَمِنْهُمْ: القَارئُ، لَه ذِكْرٌ في حَدِيثِ عَائشةَ «﵂»، وقَدْ زعَمَ بَعْضُهم أَنَّه الخَطْمِيُّ، وَفِيهِ نَظرٌ! وَمِنْهَا: عَبْدُ الله بْنُ يَحْيى، وهُمْ جَماعةٌ. وَ منها عَبْدُ اللهِ بنُ نُجَيٍّ -بضَمِّ النُّونِ، وفَتْحِ الجِيمِ، وتَشْديدِ اليَاءِ- تَابعيٌّ مَعْروفٌ، يَرْوي عن عليٍّ ﵁. أَوْ يَحْصُلُ الاتِّفاقُ في الخَطِّ وَالنُّطْقِ، لَكِنْ يَحْصُلُ الاخْتِلافُ أَو الاشْتِباهُ بالتَّقْديمِ وَالتَّأْخيرِ؛ إِمَّا في الاسْمَيْنِ جُمْلةً، أَو نَحْوَ ذَلكَ، كَأَنْ يَقَعَ التَّقديمُ والتَّأْخيرُ في الاسمِ الوَاحِدِ في بعضِ حُروفِهِ بالنِّسبةِ إِلى ما يَشْتَبِهُ بهِ. مثالُ الأوَّلِ: الأسودُ بنُ يزيدَ، ويَزيدُ بنُ الأسوَدِ، وهُوَ ظاهِرٌ. [قوله] (١): «منهُم في الصَّحَابَةِ: صَاحِبُ الأَذَانِ، واسمُ جدِّهِ: عَبْدُ ربِّهِ»: [هو: عبد الله بن زيد بن عبدِ رَبِّهِ] (٢)، ومنهم أيضًا: عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، صاحب حديث الوضوء.

стр. 824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «[الخَطْمِيُّ] (٢)»: بفتح المعجمة وسكون المهملة، بطْنٌ من الأنصار، منه جماعة كما في «التَّبْصِرة». وقوله: «وفيه نظرٌ» وَجْهُه (٣): أنَّ الخَطْمِيَّ لم تتحقَّق طول صحبته للنبيِّ ﵊، وقال الذَّهَبيُّ: «إنَّه شَهِد الحُدَيْبِيَة وله سَبع عشرة سنة، ولم ترو له ملازمة طويلة، والقارئ ثبتَت كمالُ صحبته؛ فإنَّه ﵊ سَمِعَه يقرأ وقال: «لقد ذكرتني بقراءتك آية كذا» في قصة له» (٤). وفي كتابة: قال المؤلِّف في تقرير هذا: «تمسَّك من زَعَم أنَّ القارئ هو الخَطْمِيُّ بأنَّ القارئ كان صغيرًا في زمن النبيِّ؛ فكيف يكون مذكورا؟ ووَجْه النَّظر: أنَّه لو كان صغيرًا لما ذَكَرَه في حديث عائشة في الصحيح، وهو: «أنَّ النبيّ ﵊ سمعه في الليل يقرأ؛ فقال الرسول: لقد (هـ/٢١٦) ذكرني آية أنسيتها» (٥). قال بعضٌ: قد يُقال: لا منافاة بين كونه صغيرًا وهو مذكور لأمرٍ (أ/١٨٥) ما، ولو قُرِّر وَجْه النَّظر بهذا كان أولى؛ إذْ لا يَلْزَم من ذِكْره أن لا يكون صغيرًا» انتهى. قُلْتُ: الظاهر أنَّ من قال: كان صغيرًا، أراد أنَّه لم يكُن بحيث يَحْضُر النبيَّ،

стр. 825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن أجاب بأنَّه لو كان صغيرًا -يعني بالحيثيَّة المذكورة- لَمَا كان له ذِكْرٌ على هذا الوجه، وهو أنْ يقرأ القرآن في الليل، إلى آخر ما قال (ق) (١). [قوله] (٢): «ومنها: عبد الله بن يحيى»: قال الشَّرف المُناويُّ (٣): حقُّ هذا أن يُذْكَر في القِسم الأول؛ لأنَّ عَدَد حروف يحيى ونُجَيٍّ سواء. [قوله] (٤): «أو يَحْصُل الاتِّفَاقُ في الخَطِّ والنطْقِ ... إلخ»: انظر: ما وَجْه جَعْل هذا من أنواع ما يتركَّب من المتشابَه وما قَبْلَه، وقد جَعَلَه العراقيُّ نوعًا مُستقِلًّا فقال (٥): المُشْتَبَهُ المَقْلُوبُ وَلَهُمُ المُشْتَبَهُ المَقْلُوْبُ ... صَنَّفَ فِيْهِ الحَافِظُ الخَطِيْبُ كابْنِ يَزِيْدَ الاسْوَدِ الرَّبَّانِيْ ... وَكَابْنِ الاسْوَدِ يَزِيْدَ اثْنَانِ قال شارحه: هذا النَّوع المركَّب من مُتَّفقٍ ومختَلِفٍ، بأنْ يكون اسم أحد راويين كاسم أبي الآخر خطًّا ونُطقًا، واسم الاخر كاسم أبي الأول؛ فينقَلِب على بعض أهل الحديث، كما انقلَب على البخاريٍّ في تاريخه ترجمة: «مُسْلِمِ بن الوليد المَدَنيِّ»؛ فجعله «الوليد بن مُسْلِمٍ»، ومن فوائد معرفة هذا: الأمن من تَوَهُّم القلب.

стр. 826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): قوله: «أو يَحْصُل الاتفاق ... إلخ» لم يذكر لهذا النَّوع لقبا يُستحضَر به عند الحاجة إليه، إلَّا أنَّه مركَّب مما قَبْله، والقِسم الأول منه تَقَدَّم في كلامه تسميته بـ: «المقلوب»، والعراقيُّ سمَّاه بـ: «المُشتَبِه المقلوب» (٢). قال: «وهذا النَّوع مما يقع الاشتباه فيه في الذِّهن لا في صورة الخطِّ، وذلك أن يكون اسم أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطًّا ولفظًا، واسم الآخر كاسم أبي الأول؛ فينقلِب على بعض أهل الحديث كما انقلب على البخاريِّ ترجمة: «مُسْلِمُ بن الوليد المدني»، فَجَعَله: «الوليد بن مُسْلِمٍ» كالوليد بن مُسْلِمٍ الدِّمَشقيِّ المشهور»، ثُمَّ قال: «ومثاله: الأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود، فالأول هو النَّخعيُّ المشهور، خال إبراهيم النَّخعي من كبار التابعين وعلمائهم، حديثه في الكتب الستة، كان الأسود يصلي في كل يوم سبع مائة ركعة، وسافر ثمانين حَجَّة وعمرة من الكوفة لم يَجْمَع بينهما. والثاني: يزيد بن الأسود الخُزَاعيُّ، له صُحبَةٌ، وله في السُّنن حديث واحدٌ، قال ابن حِبَّان (٣): «عِدَادُه في أهل مكة»، وقال المِزِّيُّ (٤): «في الكوفيين»، والجَمْع

стр. 827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ممكِن، ويزيد بن الأسود الجُرَشِيُّ تابعيٌّ مخضْرَمٌ، يُكْنَى أبا الأسود، سَكَن الشام، واسْتَسْقوا به زمن معاوية فسُقوا للوقت حتى كادُوا لا يبلغون منازلهم؛ فظهر أنَّ من فوائد معرفة هذا النوع الأمن من تَوَهُّم القَلْبِ». ولا يخفى عليك أنَّ «أو» فيه للعطف على متعلَّق «يَحْصُل» من قوله: «منها: أنْ يَحْصُل ... إلخ»، غاية ما فيه أنَّه راعى المعنى؛ إذ التقدير: منها أنْ يَحْصُل الاتِّفاق والاشتباه بغير حرفٍ، أو حرفين، أو بالتقديم والتأخير؛ فيكون هذا نوعًا من تلخيص المُتشابِه على ما مَرَّ. [قوله] (١): «في بعض حروفه بالنِّسبة إلى ما اشْتَبَه به»: مراده: أنْ يَقَع التقديم والتأخير بين الحرفين اللذين بواسطتهما يحْصُل الاشتباه، ولولا هذا القيد لدخل حكم هذا في عموم قوله: «إلَّا في حرف أو حرفين فأكثر»؛ فيكون تَكْرَارًا، وذلك مثل: يَسَار وسَيَّار. تنبيه: هذا النَّوع أيضًا من تلخيص المتشابِه (٢).

стр. 828

وَمِنْهُ: عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ، وَيزيدُ بنُ عبدِ اللهِ. ومثالُ الثَّانِي: أَيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ، وأَيُّوبُ بنُ يَسارٍ. الأوَّلُ: مَدَنيُّ مشهورٌ ليسَ بالقويِّ، والآخَرُ مجهولٌ. خَاتِمَةٌ وَمِنَ المُهِمِّ عندَ المُحدِّثينَ مَعْرِفَةُ طَبَقاتِ الرُّوَاةِ . وَفَائدَتُهُ: الأمْنُ مِنْ تَداخُلِ المُشتَبِهينَ، وإِمْكَانُ الاطِّلاعِ على تَبْيينِ التَّدليسِ، والوُقُوفُ على حَقيقةِ المُرَادِ مِنَ العَنْعَنَةِ. وَالطَّبَقَةُ في اصْطِلاحِهِم: عبارةٌ عنْ جَمَاعةٍ اشْتَركوا في السِّنِّ، وَلِقَاءِ المَشَايخِ. [قوله] (١): «ومِنْهُ ... إلخ»: إنَّما قال: «مِنْهُ»؛ لأنَّه لا اتِّفاق بين اسم أحَد الراويين وبين اسم أبي الآخر، لأنَّ يَزِيدَ غير زيدٍ، وإنَّما وَقَعَ التمثيل به من حيث الاشتباه بالتقديم والتأخير في الجملة. قوله: «ليْسَ بالقَوِيِّ»: قال النَّسائيُّ (٢): متروك، وقال يحيى (٣): ليس بشيءٍ، وقال ابن المَدِينيِّ (٤): غير ثقة. (هـ/٢١٧) [قوله] (٥): «خَاتِمَةٌ»: المختار فيها وفي أمثالها من: تَتِمَةٍ، وبابٍ، وفصلٍ، وسائر التراجم: أنَّها معربةٌ خبرَ مبتدأ محذوف أو عكسه، وقيل: مَبْنِيَّةٌ؛ لعَدَم التَّركِيب، فإنْ أريد اللَّفظ

стр. 829

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَمُسَلَّمٌ، لكنَّه لا يُوِجب البناء، وإن أريد التقدير فممنوعٌ، وقيل: إنْ ذُكِر بَعْدَها ما يتعلَّق كخاتمةٍ لكذا، وتنبيه في كذا؛ فمُعربةٌ، وإلَّا فمبنيةٌ، والصواب: الأول، ولا يخفى أنَّ المراد: أنَّها خاتمةٌ لمسائل الكتاب، وليس المراد بها المعنى البديعي كما لا يَشتبِه على ذائقٍ. (أ/١٨٦) [قوله] (١): «وَمِنَ المُهِمِ»: «الواو» فيه وفي أمثاله المختار فيها عند المحقِّقين أنَّها للاستئناف، وقيل: للعطف ولو تقديرًا، وفيه تكلُّف لا يخفى، وأقحَم لفظ «مِنْ» إشارةً إلى عدم انحصار المُهِمِ فيما ذَكَرَه، وهو كذلك. قوله: «تَدَاخُلِ المُشْتَبِهَينِ»: المراد بالـ «تَّدَاخُل»: ظَنُّ الاتحاد، والمراد بـ «المُشْتَبِهَين»: المتَّفِقان في: اسمٍ، أو كنيةٍ، أو لقبٍ، أو قبيلةٍ، أو حِرفةٍ، أو بلدٍ، أو نحو ذلك؛ فضمير «وفائدته» للمعرفة، بمعنى العِلْم، ورجوعه للمُهِم تَعَسُّفٌ. وقوله: «عبارة»: أي: مُعَبَّرُها. وقوله: «عن جماعة» الظاهر: عن اشتراك جماعة ... إلخ؛ لأنَّ الجماعة أهل الطبقة لا نفس الطبقة، ولذا يقولون: فلان في أهل طبقة فلان، والمراد بـ «لقاء المشايخ»: الأخذ عنهم، وظاهر كلامه أنَّه لا بُدَّ من لإشتراك (٢) في [الأمرين جميعًا.

стр. 830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال شيخ الإسلام (١): وربَّما اكتفوا بالاشتراك في] (٢) التلاقي، كما أنَّ ظاهره: أنَّه لا بد من اشتراكهما في جميع السِّنِّ، وقال شيخ الإسلام فيه: ولو تقريبًا، وممَّا يوضِّح ما قُلْنَاه أولًا قول شيخ الإسلام (٣): «الطبقة تُعَرَّف لغةً بـ: القوم المتشابهين، واصطلاحًا بـ: اشتراك المتعاصِرِين بالسِّنِّ والأخذ عن المشايخ». قال ابن الصَّلاح (٤): «والنَّاظر في هذا الفَنِّ يحتاج إلى معرفة المواليد، والوَفَيَات، ومن أَخَذَ منهم ونحو ذلك». ومنه تعْرِف أنَّه كان الأولى للشارح أنْ يقدِّم ذِكْر المواليد والوَفَيات على ذكر طبقات الرواة، ثُمَّ المراد من الطبقات [هنا: المراتب كما لا ا يخفى، وقوله: «من العَنْعَنَة» المراد: هل هي محمولة] (٥) في ذلك المَحِل الواقعة فيه على السَّمَاع والإرسال أو القَطْع؟. وفي كتابة: قوله: «والطبقة ... إلخ» وأمَّا لغةً فهي: القوم المتشابهون، وما ذَكَرَه في تعريف الطبقة نحوه للعراقيِّ، وهو المعنى الكثير لها، وقد تُطْلَقُ على جماعة اشتركوا في لقاء الشيوخ وإن اختلفت أسنانهم، كما يشير إليه [قوله] (٦): «وقد يكون الشَّخْصُ الواحد من طبقتين ... إلخ»، إلَّا أنَّ في قوله: «باعتبارين» تجوُّزًا، وحقُّه أن يقول: باعتبار معنى الطبقة، فـ «الواو» في قوله: «ولقاء الشيوخ»

стр. 831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على بابِها، ونصُّ العراقيُّ (١) وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ ............ إلخ [في] (٢) شرح ألفيَّته: «مدلول الطبقة لغةً: القوم المتشابهون، وأما في الاصطلاح فالمراد: التشابه في الأسنان والإسناد، وربَّما اكتفوا بالمتشابه في الإسناد، وفي «التقريب» وشرحه: وفي الاصطلاح: قومٌ تقاربوا في السِّنِّ والإسناد، أو في الإسناد فقط؛ بأنْ يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو تُقَارب شيوخه، وقد يكونان -أي: الراويان- من طبقة باعتبار المشابهة لهما من وجهٍ، ومن طبقتين باعتبار آخر كمشابهة لهما من وجه آخر، فأنس وشَبَهه من أصاغر الصحابة هم مع العشرة في طبقة الصحابة، وعلى هذا الصحابة كلَّهم طبقة باعتبار اشتراكهم في الصُّحبة، والتابعون طبقة ثانية، وأتْبَاعهم طبقة ثالثة بالاعتبار المذكور، وهَلُمَّ جَرًّا، وباعتبار آخر وهو: النَّظر إلى السوابق؛ تكون الصحابة اثني عشر طبقة كما تقدَّم» انتهى. وأشار لما قدَّمه من قوله: «اختُلِف في عدد طِبَاق الصحابة باعتبار السَّبق للإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة؛ فجعلهم ابن سعدٍ: خمس طِباقٍ، وجعلهم الحاكم (٣): اثنتي عشرة [طبقة] (٤): (هـ/٢١٨)

стр. 832

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأولى: قوم أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة. الثانية: أصحاب دار النَدْوَة. الثالثة: مهاجر الحبشة. الرابعة: أصحاب العقبة الأولى. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه بقباء قبل دخول المدينة. السابعة: أهل بَدْرٍ. الثامنة: الذين هاجروا بَيْنَ بَدْرٍ والحُدَيْبِيَةَ. التاسعة: أهل بَيْعَة الرِّضْوان. العاشرة: من هاجر بين الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ مكة؛ كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. الحادية عشر: مُسْلِمَة الفتح. الثانية عشر: صبيانٌ وأطفالٌ رأوه يوم الفتح وحجة الوداع وغيرهما» (١).

стр. 833

وقَدْ يَكُونُ الشَّخصُ الواحِدُ مِنْ طبَقَتَيْنِ باعْتِبارَينِ؛ كأَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁؛ فَإِنَّهُ مِنْ حَيثُ ثُبُوتُ صُحْبتِهِ للنَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُعَدُّ في طَبَقةِ العشرةِ مَثلًا، ومِنْ حَيثُ صِغَرُ السِّنِّ يُعَدُّ في طَبَقَةِ مَن بَعدَهُم. فَمَنْ نَظَرَ إِلى الصَّحَابةِ باعْتِبَارِ الصُّحْبَةِ، جَعَلَ الجَميعَ طَبقةً وَاحِدَةً، كَمَا صنَعَ ابنُ حِبَّانَ وغيرُهُ. ومَنْ نَظَرَ إِلَيْهِم باعْتبَارِ قَدْرٍ زائدٍ؛ كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ، أَو شُهودِ المَشَاهِدِ الفاضِلَةِ، جَعَلَهُم طَبقَاتٍ. وإِلى ذَلكَ جَنَحَ صَاحِبُ «الطَّبقَاتِ» أَبو عَبْدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ سَعْدٍ البَغداديُّ، وكتابُهُ أَجْمَعُ ما جُمِعَ في ذَلكَ. وكَذلكَ مَنْ جاءَ بعدَ الصَّحابةِ -وهُم التَّابعونَ- مَنْ نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ الأخْذِ عن بعضِ الصَّحابَةِ فَقطْ، جَعَلَ الجَميعَ طبقةً واحِدَةً كما صَنَعَ ابنُ حِبَّانَ أَيضًا. ومَنْ نَظَرَ إِلَيْهِم باعتبارِ اللِّقاءِ، قَسَّمَهُم كَمَا فعَلَ مُحمَّدُ بْنُ سَعْدٍ. وَلكُلٍّ مِنْهُما وَجْهٌ. وَمِنَ المُهمِّ أَيضًا مَعْرِفةُ مَوَاليدِهِمْ، ووَفَياتِهِمْ؛ لأنَّ بمَعْرِفَتِهما يحصُلُ الأمْنُ مِن دَعْوى المُدَّعي للقاءِ بَعْضِهِم، وهُوَ في نَفْسِ الأمرِ ليسَ كَذَلكَ. وَمِنَ المُهمِّ أَيضًا مَعْرِفةُ مَوَاليدِهِمْ، ووَفَياتِهِمْ؛ لأنَّ بمَعْرِفَتِهما يحصُلُ الأمْنُ مِن دَعْوى المُدَّعي للقاءِ بَعْضِهِم، وهُوَ في نَفْسِ الأمرِ ليسَ كَذَلكَ. وَمِنَ المُهمِّ أَيضًا: مَعْرِفةُ بُلْدَانِهِمْ وأَوْطَانِهم، وفائدتُهُ الأمنُ مِن تَداخُلِ الاسمَيْنِ إِذا اتَّفقا نُطْقًا، لَكنْ افْتَرَقا بالنَّسَبِ.

стр. 834

وَمِنَ المُهِمِّ أَيضًا: مَعْرفةُ أَحْوَالِهِمْ؛ تَعْديلًا، وتَجْريحًا، وجَهَالةً؛ لأنَّ الرَّاويَ إِمَّا أَنْ تُعْرَفَ عَدالَتُهُ، أَو يُعْرَفَ فِسْقُهُ، أَوْ لَا يُعْرَفَ فيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلكَ. [قوله] (١): «وقد يَكُونُ ... إلخ»: إن سُلِّمَ أنَّ «الواو» في قوله: «ولقاء الشيوخ» إن كانت على بابها؛ فَأَنَسٌ ﵁ من طبقة بعض الصحابة، وهو مَن شاركه في سِنِّه فقط، وإنْ كانت بمعنى «أو» فأنَسٌ ﵁ من طبقة الصحابة كلِّهم، هذا ومقتضى قوله: «ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ قدرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ ... إلخ» أنَّه لا يُنظر للمشاركة في السِّنِّ. وفي كتابة: وقياس اعتبار الصُّحبة تُوجِبُ جعلهم طبقةً واحدةً في كلٍّ من (أ/١٨٧) الاعتبارين، وبالجملة ففي الكلام ما لا يخفى، قاله (ج) (٢). وقال (هـ) (٣): قوله: «وقد يَكُونُ الشَّخص ... إلخ» نَشَأ عن عَدَم تحرير التغايُر الاعتباريِّ فيه وفيما بعده غَلَطُ الكثير من المصنفين في الطبقات؛ بسبب اشتباهٍ في متفقين يُظَنُّ أحدهما الآخر، أو بسبب أنَّ الشائع روايته عن أهل طبقة ربما روى عن أقْدَم منها، أو بغير ذلك والله أعلم. وقوله: «جَعَلَهُمْ طَبَقَاتٍ»: هذا هو الأصحُّ كما مَرَّ.

стр. 835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «مُحَمَّدُ بن سَعْدٍ»: يُعْرَفُ بالهاشِمِيِّ. وقوله: «وكِتَابُهُ ... إلخ»: يعني به «الكبير»؛ فإنَّ له ثلاثة تصانيف في طبقات الصحابة، و «الكبير» منها جليلٌ كثير الفوائد، فهو إنْ كان ثقة في نَفْسِه لكنَّه روى في كتابه «الكبير» عن كثيرٍ من الضعفاء، كـ: محمد بن عمر الواقِدِيِّ، وهشام بن محمد بن السائب، ونصر ابن أبي سَهْلٍ الخُرَاسَانيِّ. قوله: «قَسَّمَهُمْ كما فَعَلَ مَحَمَّدُ بن سَعْدٍ»: أي: جَعَلَهُم طبقاتٍ، وقد قدَّمنا أنَّ هذا هو الأصحُّ، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «وَوَفَيَاتِهِم»: الوفاة تُجْمَع على وَفَيَات، بفتح أوله وثانيه وتخفيف ثالثة كفَتَيات، قال [الله] (٤) تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ] ﴿النور: ٣٣﴾. وقال (هـ) (٥): قوله: «مَعْرِفة مَوَالِيدَهم ... إلخ» أي: مَعْرفة تاريخ مواليدهم،

стр. 836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جمع مَوْلِد بمعنى وِلَادَةٍ، كمواعيد جمع مَوْعِد، أو مِيلاد كمواعيد جمع مِيعَاد كذلك، والتاريخ هو: التعريف بوقتٍ يُضبط به ما يراد به ضبطه من نحو: ولادة أو وفاة، وفائدته: معرفة كذب الكذَّابِين، والوَفيات -بفتح الواو والفاء والياء مخَفَّفَات- كرقبات وقصَبات، جمع وفاة، والأصل: وَفَيَة كرَقَبَةٍ وقَصَبَةٍ، وكثيرًا ما يقول: فلان المتوفَى بفتح الفاء، ويجوز كسرها على معنى أنَّه مُستوفي أجَلَه، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ] ﴿البقرة: ٢٣٤﴾، بفتح الياء على قراءةٍ نُقِلَتْ عن عليٍّ، أي: يستوفون آجالهم، والحِكْمة في وضع أهل الحديث التاريخ لوفاة الرواة، ومواليدهم، وتاريخ السَّمَاع، وتاريخ قُدُوم فلانٍ مثلًا البَلَدَ؛ ليَخْتَبِروا بذلك من لم يَعْلموا صحة دعواه، كما روينا عن سفيان الثوريِّ (١) قال: «لَمَّا استعمل الرواة الكذب اسْتَعْمَلَنَا لهم التاريخ». [قوله] (٢): «وهو في نَفْسِ الأَمْرِ ليس كذلك»: جملة [فعليَّة] (٣) من «المُدَّعِي»، وضمير «بعضهم» للعلماء الذين ادَّعى لقائهم والأخذ عنهم أو عن بعضهم (٤).

стр. 837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «مِنْ تَدَاخُلِ الاسْمَينِ»: المراد: اشتباه أحدُ الاسمين بالآخر حتى يُظَنَّ أنَّهما اسمٌ واحدٌ، وحقيقته: دخول أحدِّ الاسمين في الآخر وليست مرادة هنا، كما أنَّ حقيقة الاسم غير مرادة، وإنَّما المراد: المُسمَّى، ولا [تَنْحَصِرُ] (١) فائدته في هذا بل (هـ/٢١٩) منها: تمْيِيز الراوي المدَلِّس من غيره، وما في السَّنَد من القَطْع والإرسال. قوله: «ومن المُهِمِّ أيضًا: مَعْرِفَةُ أحْوَالِهِم»: أي: الرواة، وكذا سائر أمثاله من الضمائر اللاحقة والسابقة، ولا يخفى أنَّ: «تَعْدِيلًا، وتَجْرِيحًا، وجَهَالَةً» الأليق بها أنْ تكون تمْيِيزات لأحوالهم، ويَتَوَجَّه عليه: أنَّ التعديل والتجريح والجهالة ليست عين تلك الأحوال ضرورةَ اختلاف المَحِل؛ [إذ مَحِلُّ] (٢) الأحوال: الرواة، ومَحِل التمْيِيزات المعدَّلين والمجرَّحين والجاهلين، اللهم إلَّا أنْ تُجْعل مصادر لأفعالٍ مبينةٍ للمفعول لا للفاعل، أو تُجْعل من باب إطلاق المصدر وإرادة الحاصل به، وإنمَّا كانت مَعْرِفة هذه الأحوال من المُهِمِّ؛ لأنَّ بها يُعْرَف صحيح الأحاديث وسقيمها، وهي من أجَلِّ علوم الحديث حتى قال ابن المَدِينيُّ (٣): «التَّفقُّه في معاني الحديث نِصْفُ العِلْمِ، ومَعْرِفَةُ الرجال نصفه الآخر». ولا يخفاك رجوع معرفة: الثِّقة والمجهول والضعيف من الرواة إلى هذه الأحوال التي أشار إليها.

стр. 838

وَمِنْ أَهَمِّ ذَلكَ -بَعْدَ الاطِّلَاعِ- مَعْرِفةُ مَراتِبِ الجَرْحِ والتَّعديلِ؛ لأنَّهُم قد يُجَرِّحونَ الشَّخصَ بما لَا يَسْتَلْزِمُ رَدَّ حديثِهِ كُلِّهِ. وقَدْ بَيَّنَّا أَسبابَ ذَلكَ فيما مَضَى، وحَصَرْناها في عَشْرةٍ، وتَقدَّم شَرْحُها مُفصَّلًا. والغَرَضُ هُنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطِلاحِهِم على تِلْكَ المَرَاتِبِ. وَللجَرْحِ مَرَاتِبُ: * وَ أَسْوَأُهَا: الوَصْفُ بما دلَّ على المُبالَغَةِ فيهِ. [قوله] (١): «وَمِنْ أَهَمِّ ذلك»: الظاهر أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لمَعْرفة تلك الأصول، ومُتَعَلَّق «الاطلاع» محذُوفٌ؛ للعلم به، أي: بعد الاطِّلاع على الجَرْح والتعديل والجهالة، غير أنَّ السياق بقضية ما قبله من المعاطيف يفيدُ أنَّه عُطف على «طبقات الرواة»، وأنَّ التقدير: ومن المهم معرفة مراتب التعديل؛ فالأولى تقديره من نَمَط إخوانه. [قوله] (٢): «مَرَاتِبِ الجَرْحِ»: أي: الألفاظ الدالة عُرْفًا على تلك المراتب، كما يُصَرِّح به كلامه آنفًا بنحو السَّطر. [قوله] (٣): «والغَرَضُ هنا: ذِكْرُ الأَلْفَاظِ»: أقول: فيه بحثٌ؛ إذ ليس فيما ذَكَرَه ما يفيد أنَّ للطعن للكذب صيغة كذا، أو للطعن للتُّهمة صيغة كذا، أو للطعن للغلط والفِسْق والغَفْلة صيغة كذا، وهكذا، وقد تَعَرَّض

стр. 839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لذلك العراقيُّ (١) في «شرح الألفيَّة» فانظره إنْ شئت، قاله (ج) (٢). (أ/١٨٨) [قوله] (٣): «على المُبَالَغَةِ فيه»: أي: في التجريح، واسم الإشارة من قوله: «ذلك» راجعٌ إلى ما دَلَّ على المُبالَغة. [قوله] (٤): «وأسهلها»: أي: أخَفُّها جرْحًا، أي: أنَّها تدلُّ على خِفَّة سببِ الجَرْح في المجروح. [قوله] (٥): «وبَيْنَ أَسْوَءِ الجَرْحِ ... إلخ»: فإنْ قُلْتَ: كلُّ تلك الصِّيَغ تقتضي ردَّ حديث من قِيلَتْ في حقه؛ فما فائدة التفاوت؟ قُلْتُ: صُلوح بعض من قيلت فيه تلك السَّهْلة للاعتبار بحديثه والمتابعة به دون غيره ممن قيل فيه أسوأُها. قوله: «مَرَاتِبَ التَّعْدِيلِ»: أي: الألفاظ الدالَّة عُرْفًا على تلك المراتب كما مَرَّ التَّصريح به في مراتب التجريح، والحاصل: أنَّه لَمَّا كان كلٌّ من التعديل والتجريح قد يَصْعُب الاطِّلاع لغير

стр. 840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المعدِّل والمجرِّح من الغائبين على مدلوله، مع كونه وصفًا قائمًا بالفاعل؛ فيَعْسُر أو يَتَعَذَّر الاطِّلاع من غيره على مقداره؛ وضعوا له ألفاظًا تَدُلُّ على تفاوته قوةً وضعفًا وتوسطًا، وأطْلَق المراتب على الحالات المتعدِّدَة للمعدَّل، وأعاد عليها ضمير «أرفعها» بمعنى الألفاظ الدالة عليها؛ ففيه شِبْه استخدامٍ، وهكذا في قوله السابق: «ومراتب الجَرْح»، و «أسوأها»، وهكذا و «أدناها»، و «أسْهَلُهَا»؛ فلا تكن من الغافلين. [قوله] (١): «وأدَلُّ على المُبَالَغَةِ»: أي: باللفْظِ الذي دلَّ على المبالَغة في التعديل.

стр. 841

وأَصْرَحُ ذَلكَ: التَّعبيرُ بـ «أَفْعَلَ»؛ كـ: أَكْذَبِ النَّاسِ، وكَذَا قولُهم: إِلَيْهِ المُنْتَهى في الوَضْعِ، أَو: هُوَ ركنُ الكذبِ، ونَحوُ ذَلكَ. ثمَّ: دَجَّالٌ، أَوْ: وَضَّاعٌ، أو: كَذَّابٌ؛ لأنَّها وإِنْ كانَ فيها نوعُ مُبالغَةٍ، لَكنَّها دونَ الَّتي قَبْلَها. * وَأَسْهَلُهَا -أَيْ: الأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ على الجَرْح- قَوْلُهم: فُلانٌ لَيِّنٌ، أو سَيِّئ الحِفْظِ، أَوْ فِيهِ أَدْنَى مَقَالٍ. وبَيْنَ أَسوأ الجَرْحِ وأَسهَلِهِ مَرَاتِبُ لا تَخْفى. فقَوْلُهُم: مَتْروكٌ، أَو سَاقِطٌ، أَو فاحِشُ الغَلَطِ، أَو مُنْكَرُ الحَديثِ، أَشدُّ مِن قولِهم: ضعيفٌ، أَوْ ليسَ بالقويِّ، أَو فيهِ مقالٌ. وَمِنَ المُهِمِّ أَيضًا: مَعْرِفةُ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ: * وَأَرْفَعُها: الوَصْفُ أَيضًا بما دلَّ على المُبالغَةِ فيهِ. وأَصْرَحُ ذَلكَ: التَّعبيرُ بـ «أَفْعَلَ»؛ كـ: أَوْثَقِ النَّاسِ، أَو: أَثْبَتِ النَّاس، أَو: إِلَيْهِ المُنْتَهى في التَّثَبُّتِ. ثمَّ ما تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ مِن الصِّفاتِ الدَّالَّةِ على التَّعديلِ، أَو صِفَتَيْنِ؛ كـ: ثقةٌ ثقةٌ، أو ثبتٌ ثبتٌ، أَوْ ثقةٌ حافظٌ، أَو عدلٌ ضابِطٌ، أو نَحْوُ ذَلكَ. * وَأَدْناهَا: ما أَشْعَرَ بالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ؛ كـ: شيخٌ، و يُرْوى حديثُهُ، و يُعْتَبَرُ بهِ، ونَحْوُ ذَلكَ. وبَيْنَ ذَلكَ مَراتِبُ لا تَخْفى. وَهذهِ أَحْكَامٌ تَتعلَّقُ بذَلكَ، ذكَرْتُها هُنا لتَكْمِلَةِ الفَائدَةِ، فأَقُولُ: [قوله] (١): «وأصْرَحُّ ذلك»: أي: وأشد ما دلَّ على المبالَغة في التعديل صراحةً وقوله: «ما تأكَّد بصفةٍ»

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بأنْ ذَكَر اللفظ الأول وأتْبَعه بآخر من لفظه، وقوله: «أو صِفَتَينِ» أي: ما تأكَّد بصفتين بأنْ اتْبعتَ الصفة بأخرى من غير لفظه، فالأمثلة في كلامه من باب اللَّفِ والنَّشْر المُرَتَّب، ويُحْتَمل وهو الظاهر: أنَّه لم يذكر إلَّا أمثلة ما تأكَّد بصفةٍ واحدةٍ وسكَتَ عمَّا تأكَّد بصفتين فأكثر؛ لوضوحه، (هـ/٢٢٠) لكنَّه يشكل بأنَّه يُوهِم حينئذٍ أنَّ مَرْتبته كمَرْتبة ما تأكَّد بصفةٍ واحدةٍ، وليس كذلك. [قوله] (١): «أو ثَبَتٌ ثَبَتٌ»: الثبْتَ بالإسكان: الثابت، ومُحَرَّكًا بالفتح: الثبات والحجة. (٢) [قوله] (٣): «أو: ثِقَةٌ حافِظٌ، أو: عَدْلٌ ضَابِطٌ»: [تنبيه] (٤): جَعْل هذا وأمثاله من هذه الرُّتبة يخالِف جَعْل العراقيِّ (٥) والذَّهبيِّ (٦): ثقةً، أو ثبَتًا، أو متقِنًا، أو حجَّةً، أو عدلًا حافظًا، أو عدلًا ضابطًا مَرْتبةً تلي مَرْتبة تكرير الصفة. تتمة: عُلِم من كلامه: أنَّ مجرد الوصف بالحفظ أو الضبط أو العدالة غير كاف في التوثيق، ألا ترى أنَّ بَيْن الحفظ والضبط وبَيْن العدالة عمومًا وخصوصًا من وَجهٍ؛ لأنَّهما يُوجَدان بدونها، [وتُوجَد بدونهما] (٧)، وقد تَجْتَمع الثلاثة، كما عُلِم

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . منه أنَّ الوصف بكلٍّ منهما مع العَدْلِ كافٍ. [قوله] (١): «وبَينَ ذلك»: المذكور من الأرفع والأدنى «مراتبُ لا تخفى»، منها على ما قاله العراقيُّ (٢)، وهي تلي مَرْتبة ما كُرِّرَت فيه الصفة: ثقةٌ، أو ثَبَتٌ، أو مُتقِنٌ، أو حُجَّةٌ. ثُمَّ منها: ليس به بأسٌ، أو صدوقٌ، أو خيارٌ. ثُمَّ منها: مَحِله الصِّدْق، وروي عنه، وشيخٌ وَسَطٌ، ووسَطٌ بلا شيخ، أو شيخٌ فقط، وصالح الحديث، أو حَسَنُه، أو صويلحٌ، وأرجو أن ليس به بأسٌ، وقضية كلام الشرح تخالِفه؛ لأنَّ «مَحِله الصِّدْق» قال الذهبي (٣) فيها بما قاله العراقيُّ، وخالف ابن الصَّلاح (٤) وابن أبي حاتم (٥) فجعلاها في الرابعة. ومن: «محله الصدق» إلى «شيخ فقط» لم يذَكَرَه ابن الصَّلاح وابن أبي حاتم، وإنَّما ذكرا «شيخًا» فقط وجَعَلاه ثالث المراتب. وأمَّا صالح الحديث فهي عند ابن الصَّلاح (٦) وأبي حاتم (٧): رابعَةٌ، وعند

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المؤلِّف كما عزاه له بعض تلامذته: سادسةٌ، وقد خالف الذَّهبيُّ (١) في هذه المراتب فجَعَل: مَحِله الصِّدق، وصالح الحديث، وحَسَنَه، وصدوقًا إن شاء الله؛ مَرْتَبةً، وروى النَّاسُ عنه، وشيخًا، وصُوَيلحًا، ومقارَبًا مع ما به بأس، ويُكتب حديثه، وما علمتُ به جرحًا؛ أخرى. فصرح ابن الصَّلاح (٢) بأنَّ قولهم: «ما أعْلَم به بأسًا» دون «لا بأس به». والحُكْم في هذه المراتب: الاحتجاج بهم في الثلاثة الأول، بخلافهم في الباقي؛ لأنَّ ألفاظهم فيه لا تُشْعِر بشرطيه الضبط، بل يضبط حديثهم للاعتبار وللاختبار هل له أصل من رواية غيره؟ نعم حديث بعض أهل الخامسة لكونها دون الرابعة قد لا يُكتب. (أ/١٨٩) [قوله] (٣): «وهذه أَحْكَامٌ ... إلخ»: أي: وهذه الأحكام الحاضرة أحكام تتعلَّق بذلك المذكور من التعديل والتجْريح. قوله: «ذَكَرْتُهَا»: أي: استطرادًا، فالإشارة متأخرة للمفسَّر في كلامه.

стр. 845

تُقْبَلُ التَّزكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بأَسْبَابِها، لَا مِنْ غيرِ عارِفٍ بأسبابها؛ لِئلَّا يُزكِّيَ بمُجرَّدِ ما يَظْهَرُ لهُ ابْتِداءً مِن غيرِ مُمَارسةٍ واخْتِبَارٍ. ولَوْ كانتِ التَّزكيةُ صَادِرةً مِن مُزَكٍّ واحِدٍ عَلى الأصَحِّ؛ خلافًا لمَنْ شَرَطَ أَنَّها لا تُقْبَلُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ؛ إِلْحاقًا لَها بالشَّهادَةِ في الأصحِّ أَيضًا! وَالفَرْقُ بَيْنَهُما أَنَّ التَّزْكيةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الحُكْمِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فيها العَددُ، وَتزكية الشَّهَادةُ تَقعُ مِنَ الشَّاهِدِ عندَ الحَاكِمِ، فَافْتَرقَا. ولَوْ قيلَ: يُفَصَّلُ بَيْنَ مَا إِذا كانتِ التَّزكيةُ في الرَّاوي مُستَنِدَةً مِنَ المُزكِّي إِلى اجْتِهادِهِ، أَو إِلَى النَّقْلِ عنْ غَيْرِهِ؛ لَكانَ مُتَّجهًا؛ لأنَّه إِنْ كَانَ الأوَّلُ، فَلَا يُشْتَرَطُ العَددُ أَصلًا؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يكونُ بمَنْزلةِ الحاكِمِ. وإِنْ كَانَ الثَانيَ، فيُجْرى فيهِ الخِلَافُ، ويَتَبَيَّنُ أَنَّه -أَيضًا- لا يُشْتَرَطُ العَددُ؛ لأنَّ أَصلَ النَّقْلِ لا يُشْتَرَطُ فيهِ العَددُ، فَكَذا ما تَفرَّعَ عَنهُ، واللهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا يَنْبَغي أَلَّا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتَّعْديلُ إِلَّا مِن عَدْلٍ مُتَيَقِّظٍ، فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فِيهِ مُجَرِّحٌ بمَا لا يَقْتَضي رَدَّ حَدِيثِ المُحَدِّثِ. كَمَا لَا يُقْبَلُ تَزْكِيَةُ مَنْ أَخَذَ بمُجرَّدِ الظَّاهِرِ، فأَطلَقَ التَّزكيةَ. وَقَالَ الذَّهبيُّ -وهُوَ مِن أَهْلِ الاستِقْرَاءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ: «لَمْ يجْتَمِعِ اثْنَانِ مِن عُلَماءِ هذا الشَّأنِ قطُّ عَلَى تَوثيقِ ضَعِيفٍ، ولَا عَلَى تَضْعِيفِ ثِقَةٍ». اهـ. ولهَذَا، كَانَ مَذْهَبُ النَّسائيِّ أَلَّا يُتْرَكَ حَديثُ الرَّجُلِ حتَّى يَجْتَمِعَ الجَميعُ على تَرْكِهِ. ولْيَحْذَرِ المُتكلِّمُ في هَذَا الفَنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ والتَّعديلِ، فَإِنَّهُ إِنْ

стр. 846

عَدَّلَ أَحدًا بغَيْرِ تَثبُّتٍ، كَانَ كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليسَ بثَابِتٍ، فيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يدْخُلَ في زُمْرةِ «مَنْ رَوَى حَديثًا وَهُو يَظنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ». وَإِنْ جَرَّحَ بغيرِ تَحرُّزٍ، فَإِنَّه أَقْدَمَ على الطَّعنِ في مُسْلمٍ بَرِيءٍ مِن ذَلكَ، ووَسَمَهُ بِمَيْسَمِ سُوءٍ يَبْقى عليهِ عَارُهُ أَبدًا. [قوله] (١): «من عَارِفٍ»: لكن لا يُشْتَرَط أن يَذْكُر ما يَدُلُّ على تفصيل تلك الأسباب على مذهب الجمهور، كما مَرَّ بيانه. قوله: «لِئَلَّا يزُكَّي ... إلخ»: تعليلٌ لمَنْع تزكِّية العارف الذي لم يُلاحظ موجبات التَّزكِية، وليس تعليلًا لِمَنع تزكية غير العارف كما هو ظاهر. [قوله] (٢): «وينبغي»: أي: وجوبًا. [قوله] (٣): «فلا يُقْبَل جَرْح مَنْ أَفْرَط فيه»: الظاهر أنَّه مُحْترَزُ «عَدْلٍ»، وأنَّ قوله: «كما لا تَقْبَل تزكية من أَخَذَ» مُحْتَرَزُ «مُتَيَقِّظٍ» (٤)؛ فمثال من أفرط في الجرح قول بعضهم وقد سُئل: لم تركتَ حديثَ

стр. 847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلان؟ رأيتُه يَرْكُض برْذَوْنًا، وكذلك قول بعضهم: رأيته يشير إلى دابةٍ بمخلاةٍ لا شيء فيها، ومثال من أَخَذَ في التعديل بمجرَّد الظاهر قول بعضهم: فلانٌ لا يَتَكلَّم فيه إلَّا رافضيٌّ مبْغضٌ لآبائه، لو رأيتَ كُحْلَه وخِضَابَه وصُفرةَ أثوابه لعلمتَ أنه عدْلٌ، كما يأتي عند قوله: «أو صَدَرَ مُبَيَّنًا من عَارِفٍ» قاله (هـ) (١). وفي كتابة: قوله: «فَجَرَّحَ بما لا يَقْتَضِي ردَّ حديث المحدِّثِ» مثاله ما رواه الخطيب (٢) عن شعبة أنَّه قيل [له] (٣): لم تركت حديثَ فلانٍ؟ قال: رأيته يركض على برذونٍ؛ فتَرَكْتُ حديثه، قُلْتُ: وروِّينا عن شعبة أنَّه قال: قُلْتُ للحكم بن عُتَيْبَة [لم] (٤) ترو عن زاذان؟ [قال] (٥): كان كثير الكلام. (هـ/٢٢١). [قوله] (٦): «وقال الذَّهَبيُّ وهو من أهل الاستقراء التامِّ في نَقْدِ الرِّجال»: قال (ق) (٧) في معناه ما حاصله: أنَّه لم يتَّفق اثنان على اتِّصاف شخصٍ بغير ما هو مُتَّصفٌ به في الواقع من تعديلٍ أو تجريحٍ.

стр. 848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (هـ) (١): «قوله: «وقال الذَّهبيُّ ... إلخ» قال (ق) (٢): «[قال] (٣) المؤلِّف في تقريره: يعني يكون سببُ ضعفه شيئين مختَلِفَين، وكذا عكسه» انتهى. قُلْت: لم يُوقَفْ للمؤلِّف على هذا، ولم يُفهم المراد [من قبل هذا] (٤) المؤلِّف، وإنَّما معناه: أن اثنين لم يتَّفقا في شخصٍ على خلاف الواقع في الواقع، بل لا يتفقا إلَّا على من فيه شائبةٌ ممَّا اتَّفقا عليه» انتهى، والظاهر أن (ق) (٥) فَهِم قول المؤلِّف: «مُختلِفَين» على معنى: مُختَلَفٌ فيهما بين العلماء، ولا شكَّ أنَّه خارج عن المَحَل وأنَّ الصواب ما فَهِمَه المُحَشِّي، وطالما قرَّرناه بما قاله قبل الوقوف على كلامه؛ فلله الحمد. [قوله] (٦): «ولهذا كان مَذْهَبُ النَّسَائِيِّ ... إلخ»: لا يَصْلُح تعلُّق هذا بما قَبْله، سواء حُمِل ما قَبْله على ما حَمَلَه عليه المؤلِّف،

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو على ما حمله عليه (ق) (١)، قاله (ج) (٢). وقال (هـ) (٣): «ولهذا كان ... إلخ» أي: [وتقدَّم اجتماع الأئمة على توثيق من هو عند الله مجروح أو جَرْح مَن هو عند الله ثقة] (٤)، وبهذا يسقط قول بعضهم: «في صلاحيته تعليلًا لِمَا قبله نَظَرٌ» انتهى، وصوابه: لما بعده فيه نظرٌ من وجه آخر، وهو أنَّ الإجماع ليس شرطًا في الاعتماد على السبب الذي يردُّ به الحديث المجروح، بل يكفي فيه قول من يقول عليه: إنَّ فيه من موجبات الردِّ كذا، والتعويل على ما في كتب القوم المعوَّل عليها في ذلك صحيحٌ. [قوله] (٥): «أنْ يَدْخُلَ في زُمْرَةِ: «مَنْ روى حَدِيثًا وهو يَظُنُّ أنَّهُ كَذِبٌ»»: أي: فيكون أحد الكاذِبين [أو الكذابين] (٦) كما مَرَّ، وأيضًا فالجرْح خطرٌ عظيم حتى قال ابن دَقِيق العيد: «أعراض المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النَّار، وقَفَ على شَفِيرِها طائفتان من النَّاس: المُحدِّثون والحكام» انتهى، فإنْ قُلْتَ: فما

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سَوَّغ التَّعَرُّض لهذا الخَطَر؟ قُلْتُ: وجوب النُّصح ووجوب الذبِّ عن الشريعة؛ إذ فيه حفظ الحقوق من: الدماء والفروج والأموال والأعراض، ولسائر الحقوق، ولكونه نصيحة لا يُعَدُّ غِيبة، نعم لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل الغَرَضُ بواحدٍ، ولا التَّصريح به إذا حَصَل الغَرَضُ بدونه (١). [قوله] (٢): «بِمِيْسَمِ»: بكسر الميم وسكون الياء وفتح السين المهملة، آلة الوَسْم، وهو: الكَيُّ بالنَّار (٣).

стр. 851

والآفةُ تدخُلُ في هَذَا: تَارةً مِنَ الهَوَى والغَرَضِ الفاسِدِ -وكَلَامُ المتقدِّمينَ سَالِمٌ مِن هَذَا غَالبًا- وتَارةً مِن المُخالفَةِ في العَقَائدِ -وهُوَ مَوْجودٌ كثيرًا؛ قديمًا وحَديثًا- ولا يَنْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذَلكَ، فقَدْ قَدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعَةِ. وَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْديلِ، وأَطلقَ ذَلكَ جَماعةٌ، وَلَكنَّ مَحلَّهُ إِنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ؛ لأنَّه إِنْ كَانَ غيرَ مُفسَّرٍ، لَمْ يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُهُ. وإِنْ صَدَرَ مِن غيرِ عَارِفٍ بالأسبابِ، لَمْ يُعْتَبَرْ بهِ أيضًا. فَإِنْ خَلَا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ، قُبِلَ الجَرْحُ فِيهِ مُجْمَلًا غيرَ مُبيَّنِ السَّببِ إِذا صَدَرَ مِنْ عَارِفٍ عَلَى المُخْتَارِ؛ لأنَّهُ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعديلٌ، فَهُوَ في حَيَّزِ المَجْهولِ، وإِعْمَالُ قَوْلِ المُجَرِّحِ أَوْلَى مِن إِهمالِهِ. [قوله] (١): «سَالِمٌ من هذا غَالِبًا»: احتَرَز به عن غير الغالب، كالنسائي في أحمد بن صالح المصريِّ، فإنَّه حضر مَجْلسه فطرده. فلما رأى ابن مَعِينٍ قال: أحمد بن صالح كذابٌ متَفَلسِف، قال هو: [إنَّه] (٢) ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ، وغطى عليه التَّعَصُّب حتى لم يَعْلَم أنَّ أحمد ابن صالح الذي جرَّحه ابن مَعِينٍ: أحمد بن صالح الشموني المصري شيخٌ كان بمكة كان يضع الحديث (٣)، وأمَّا المِصريُّ فثقةٌ باتِّفاق (أ/١٩٠) النَّاس، واحتجَّ به البخاري [في صحيحه] (٤) وقال (٥): «إنَّه ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلَّم فيه

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بحجَّة، كان أحمد وابن نُمَيرٍ وغيرهما يثبتونه، وكان يحيى بن معين يقول: سلوه؛ فإنَّه ثَبَتٌ». وقال الذَّهبيُّ (١): «النَّسائيُّ آذى نَفْسَه بكلامه فيه» والله أعلم. [قوله] (٢): «إنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا ... إلخ»: هذه التَّفرقة مع التفصيل بَيْن الجرْح والتعديل هو الذي عليه حفاظ الحديث ونقّاده كالبخاريِّ ومُسْلِمٍ، مع النُّظَّار من الفقهاء وأهل الأصول [كالشافعيِّ وهو الصواب] (٣)، وقيل: لا بُدَّ في التعديل من بيان الأسباب بخلاف الجَرْح؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثر التَّصنع فيها، فربَّما بنى المعدِّل أمره فيها على الظاهر، كقول أحمد بن يونس لمن قال له: عبد الله العُمَريُّ ضعيفٌ: «إنَّما يضَعِّفه رافضيٌّ مُبْغِضٌ لآبائه، لو رأيت لحيته وخِضَابه وهيئته لعَرَفْتَ أنَّه ثقة» فاحتج على أنَّه ثقة بما ليس بحجة؛ لأنَّ حُسْنَ الهيئة يَشْترِك فيه العَدْل وغيره، (هـ/٢٢٢). [والقول] (٤) الثالث: أنَّه لا بُدَّ من ذِكْر سَبَبِهِما جميعًا؛ لأنَّه قد يُجَرِّح الجارح بما لا يَقْدَح، كذلك يُوَثِّق العَدْلُ بما لا يقتضي العَدَالة، والقول الرابع: عَكْسُ الثالثة إذا كان الجَرْح والتعديل من عالمٍ بصيرٍ قُبِلَ مبهَمًا، وبه قال إمام

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحرمين، وتلميذه الغَزاليُّ، وفَخْرُ الدين الرازيُّ، واختاره القاضي أبو بكرٍ الباقِلَانيُّ ونقله عن الجمهور (١)، ورد جماعةٌ منهم: ابن السبكي كون هذا قولًا مستقِلًا، بل هو تحريرٌ لمَحِل النِّزاع، إذ من لا يكون عالمًا بأسبابهما لا يُقْبَلان منه لا بإطْلاق ولا بتقْيِيد؛ لأنَّ الحُكْم على الشيء فرعُ تصوره، فليس النِّزاع إلَّا في إطلاق العالم دون غيره (٢)، قيل: وفيه نظرٌ؛ إذ لو سَلَمْناه مَنَعْنا أنَّ تفسير غير العالم بهما لا يُعْتبر، إذا عَلِمْتَ هذا عَلِمْتَ أنَّ ما ذَهَب إليه المؤلِّف من قوله: «فإنْ خلا ... إلخ» قول آخر اخترعه، فهو طريقة له كما نَبَّه عليه بعض تلامذته. [قوله] (٣): «فإنْ خَلَا المَجْرُوحُ»: أي: من هو بصدَدِ الجَرْح، فهو من مجاز الأول؛ فسَقَطَ الاعتراض بأنَّه غير صواب. [قوله] (٤): «لأنَّه إذا لم يَكُنْ ... إلخ»: لا يخفاك أنَّ خبر «أنَّ» قوله: «في حَيِّزِ المجهول».

стр. 854

وَمَالَ ابنُ الصَّلاحِ في مِثْلِ هَذَا إلى التَّوقُّفِ فِيهِ. [قوله] (١): «ومَاَل ابنُ الصَّلاحِ ... إلخ»: والجمهور أنَّه لا بُدَّ من بيان أسباب الجرْح فلا يُقْبَل إلَّا خسرا مفَسَّرًا لا مُجْمَلًا؛ فأورِد عليه: أنَّه كثيرٌ في أئمة الحديث الاقتصار غالبًا على مجرَّد قولهم: فلانٌ ضعيفٌ، أو ليس بشيء، من غير بيان لسببٍ يقتضي التَّجريح؛ فاشتراط التَّصريح بأسباب الجَرْح والتضعيف يُفضِي إلى تعطيل [مثل] (٢) ذلك، وسَدِّ باب الجَرْح في الأغلب؛ فأجاب ابن الصَّلاح (٣) عن الإيراد: بأنَّا لا نَعْتَمِد التَّجريح ولا التَّضعيف المُجْمَلَين، لكنه لا يَلْزَمُ من عَدَمِ اعتماد ذلك قَبول الحديث والعمل به، بل يجب لأجْل [قيام التُّهمة في الجملة: التَّوَقُّف عن الاحتجاج بالرأي أو بالحديث] (٤) للرِّيبَة القويَّة الحاصلة بذلك، وغاية الوقف حتى يَتَبَيَّن لنا ببحثنا حال راويه من عدالته أو فِسْقه؛ فيُعْمل بما ظهر، كما إذا جُرِح شخصٌ جَرْحًا مُبْهَمًا، ثُمَّ رأينا أحدًا ممَّن الْتَزَم الصِّحَة خرَّج حديثه فإنَّا نَقْبَلُه؛ لأنَّ رواية من ذُكِر عنه تَوْثيقٌ له. فقد احتجَّ البخاريُّ بعِكْرِمَة مولى ابن عباس مع ما فيه من كثرة التَّكلُّم، وأخرج أيضًا لابن مرزوق عمرو الباهِليِّ متابعةً مع ما فيه من القَدْح، واحتجَّ مُسْلِمٌ بسُوَيد بن سعيد، وكذلك البخاريُّ (٥) مع أنَّه ضعَّفه جماعةٌ إذ هو صدوقٌ في نَفْسِه، وأكثرُ من فَسَّر الجَرْح فيه ذَكَر: أنَّه عَمِيَ وربَّما تَلَقَّن الشيء، وهذا وإنْ كان قادحًا فإنَّما يَقْدَح فيما حَدَّث به بَعْدَ العَمَى لا فيما قَبْلَه، ولعلَّ مُسْلِمًا إنَّما خَرَّج عنه ما عَرَف أنَّه حدَّث به قَبْل عَمَاه، أو ما صَحَّ عِنْده، والله أعلم.
следующие страницы →