← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام]ـ إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net عدد الأجزاء: ١٠ تم تحميله في/ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ [الكتاب مرقم آليا]

стр. 2

الباب الأول: مقدمة في الفرق • الفصل الأول: الهدف من دراسة الفرق. • الفصل الثاني: أهمية دراسة الفرق ورد شبهة من يريد عدم دراستها. • الفصل الثالث: تعريف الافتراق والفرق بينه وبين الاختلاف. • الفصل الرابع: النهي عن التفرق. • الفصل الخامس: أسباب التفرق. • الفصل السادس: مضار الفرقة في الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة. • الفصل السابع: حصر الفرق في العدد المذكور في حديث الافتراق.

стр. 3

الفصل الأول: الهدف من دراسة الفرق دراستنا للفرق ليس إقراراً أو فرحاً بها، أو شماتة بالآخرين، وإنما ندرسها مع أسفنا الشديد للتفرق الحاصل بين المسلمين، والذي نرجو من وراء هذه الدراسة أن تحقق أهدافاً طيبة في خدمة الإسلام، وفي كسر حدة الخلافات التي مزقت المسلمين وفرقتهم إلى فرق وأحزاب. والتي تهدف كذلك إلى جمع كلمتهم، ولفت أنظارهم إلى مواقع الخلاف فيما بينهم؛ ليبتعدوا عما وقع فيه من سبق من هذه الأمة، فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، فهي نوع من أنواع العلاج لتلك المآسي الحالَّة بالمسلمين، وسبب من الأسباب التي تبذل لينفع الله بها إن شاء؛ لأن معرفة الدواء النافع يتوقف على معرفة الداء. ولا يحتاج المسلمون لجمع كلمتهم، وإعادة مجدهم وعزهم وانتصارهم على جحافل الكفر والطغيان إلا إلى العودة الصادقة والنية الخالصة، فإن الأسس التي قام عليها عز الإسلام والمسلمين فيما سبق لا تزال كما هي قائمة قوية جديدة على مر الأيام والليالي - كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وتلك الأهداف التي نتطلع إلى تحقيقها كثيرة نذكر أهمها فيما يأتي: ١ - تذكير المسلمين بما كان عليه أسلافهم من العزة والكرامة والمنعة حينما كانوا يداً واحدة، وقلباً واحداً. ٢ - لفت أنظارهم إلى الحال الذي يعيشونه، ومدى ما لحقهم من الخسارة بسبب تفرقهم. ٣ - توجيه الأمة الإسلامية إلى الوحدة فيما بينهم، وذلك بالتركيز على ذم التفرق وبيان مساوئه، وبيان محاسن اتحاد المسلمين، وجمعهم على طريق واحد. ٤ - تبصير المسلمين بأسباب الخلافات التي مزقتهم فيما سبق من الزمان ليجتنبوها بعد أن يتدارسوها فيما بينهم بعزم قوي وصدق نية. ٥ - معرفة ما يطرأ على العقيدة الإسلامية الصحيحة من أفكار وآراء هدامة مخالفة لحقيقة الإسلام بعيدة عن طريقه الواضحة. ٦ - رصد تلك الحركات والأفكار التي يقوم بها أولئك الخارجون عن الخط السوي والصراط المستقيم؛ لتعرية دورهم الخطر في تفريق وحدة الأمة الإسلامية بتعريف الناس بأمرهم، وجلاء حقيقتهم للتحذير منهم، وبيان ما يقومون به من خدمة تلك الأفكار وترويجها. ذلك أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم في وضوح تام؛ فلكل قوم وارث (١). ٧ - حتى تبقى الفرقة الناجية علماً يهتدى به بعيدة عن تلك الشوائب الطارئة على العقيدة. ٨ - وصل حاضر هذه الأمة بماضيها، وبيان منشأ جذور الخلافات بينهم والتي أدت إلى تفرقهم فيما مضى من الزمان للتحذير منها، وللرد على أولئك الذين يحاولون دعوة المسلمين إلى قطع صلتهم بماضيهم، والبناء من جديد كما يزعمون. ٩ - ثم إن دراستنا للفرق وإن كان يبدو عليها أنها بمثابة جمع لتراث الماضين- فإنه يراد من وراء ذلك دعوة علماء المسلمين إلى القيام بدارسته وفحصه واستخراج الحق من ذلك، واستبعاد كل ما من شأنه أن يخرج بالمسلمين عن عقيدتهم الصحيحة أو يفرق كلمتهم. وهذا فيما أرى هو أنجح الطرق وأقربها إلى إشعار المخالفين بالإنصاف وطلب الحق للاستدلال على خلافهم وخروجهم عن الصواب من كتبهم ومن كلام علمائهم لقطع كل حجة مخالفة بعد ذلك. والتأليف في شأن الفرق يحتاج إلى: إثبات ما نقل عن الفرقة إليها والتأكد من نسبته وأخذ ذلك من مصادره الموثوقة ثم فهمه على الوجه الصحيح ثم نقد آراء تلك الفرقة على وفق منهج أهل السنة والجماعة مع لزوم الإنصاف والصدق والتجرد عن الهوى والعصبية وتعر من ثوبين من يلبسهما ... يلقى الردى بمذمة وهوان ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان وتحل بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان واجعل شعارك خشية الرحمن ... مع نصح الرسول فحبذا الأمران (٢) المصدر: مقدمة محقق كتاب الفوائد المجتمعة في بيان الفرق الضالة والمبتدعة لإسماعيل بن عبد الباقي اليازجي تقديم الدكتور يوسف بن محمد السعيد - ص٨ - ٩

стр. 4

الفصل الثاني: أهمية دراسة الفرق ورد شبهة من يريد عدم دراستها بيّنّا فيما مضى بعض الأهداف التي ندرس الفرق من أجلها، ونجيب هنا عن شبهة لكثير من الناس ربما يرددها بعضهم منخدعاً بحسن نية، والبعض الآخر يرددها بنية سيئة. وهي: لماذا نشغل أنفسنا بدراسة فرق انتهت، وربما لم يعد لها ذكر على الألسنة ... وقد رد العلماء عليها قديماً وحديثاً وانتهى الأمر؟ والجواب: إن هذا التساؤل قد انطوى على مغالطات خفية ونية سيئة، أو جهل شنيع، وذلك: أولاً: إن هذه الفرق وإن كانت قديمة فليست العبرة بأشخاص مؤسسي تلك الفرق ولا بزمنهم، ولكن العبرة بوجود أفكار تلك الفرق في وقتنا الحاضر. فإننا إذا نظرنا إلى فرقة من تلك الفرق الماضية نجد أن لها امتداداً يسري في الأمة سريان الوباء. وأقرب مثال على ذلك فرقة المعتزلة، أليس أفكارهم لا زالت حية قوية يتشدق بها بعض المغرضين من الذين استهوتهم الحضارة الغربية أو الشرقية، فراحوا يمجدون العقل ويحكمونه في كل الأمور، ويصفون من يعتمد على ما وراء ذلك بالتأخر والانزواء. إنهم يريدون الخروج عن النهج الإسلامي ولكنهم لم يجرءوا صراحة على ذلك، فوجدوا أن التستر وراء تلك الآراء التي قال بها من ينتسب إلى الإسلام خير وسيلة لتحقيق ذلك، فذهبوا إلى تمجيد تلك الأفكار لتحقيق أهدافهم البعيدة. ثانياً: مما هو معلوم أن كل الأفكار والآراء التي سبقت لها أتباع ينادون بتطبيقها، فالنزعة الخارجية وتنطع أهلها في الدين، واستحلال دماء المسلمين لأقل شبهة، وتكفيرهم الشخص بأدنى ذنب - قائمة الآن في كثير من المجتمعات الإسلامية على أشدها، موهمين الشباب ومن قلت معرفته بالدين أن الدين هو هذا المسلك فقط. كذلك نرى الصوفية وقد اقتطعت من المسلمين أعداداً كثيرة، مثقفين وغير مثقفين، جَرَفَهُم التيار الخرافي فراحوا ينادون بالجهل والخرافات، واتباع المنامات، وتحضير الأرواح، ومعرفة المغيبات، وتعظيم الأشخاص والغلو فيهم. وغير ذلك من مسالك الصوفية التي سندرسها بالتفصيل إن شاء الله تعالى. وعلى هذا، فدراستنا هذه وإن كانت في ظاهرها دراسة للماضي، ومراجعة للتاريخ لفرق المبتدعة الذين جَنَوا على ماضي المسلمين إلا أنها دراسة حاضرة كذلك من حيث إنها تكشف جذور البلاء الذي شتت قوى المسلمين وفرقهم شيعاً، وجعل بأسهم بينهم شديداً، بل هي نور يضيء لشبابنا طريقه وسط هذا الظلام الفكري المفتعل، الذي لا يخدم إلا أعداء الإسلام وشانئيه بتوجيه الأنظار إلى تلك الفرق التي تعمل في الظلام لنشر أفكارها، وفرض مخططاتها المعادية للإسلام. ثالثاً: إن دراسة الفرق والدعوة إلى الاجتماع واتحاد كلمة المسلمين -فيه تكثير لعدد الفرقة الناجية بانضمام أولئك الخارجين عن الحق ووقوفهم إلى جانب إخوانهم أهل الفرقة الناجية؛ فيكثر عددهم فيصح فيهم ما أخبر به الرسول ﷺ من قيام فرقة من المسلمين: ((ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك)) (١) وتَرْكُنا لدراسة الفرق يفوِّت علينا هذا الخير العظيم. رابعاً: أضف إلى ذلك أن ترك الناس دون دعوة إلى التمسك بالدين الصحيح، ودون بيان أضرار الفرق المخالفة، فيه إبطال لما فرضه الشرع من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الفرق التي ظهرت، ما من فرقة منها إلا وقد قامت مبادئها على كثير من المنكرات، وهي تدعي أنها هي المحقة وما عداها على الضلال، فألبسوا الحق بالباطل، وأظهروا مروقهم وخروجهم وفجورهم عن منهج الكتاب والسنة في أثواب براقة لترويج بدعهم، والدعوة لها.

стр. 5

خامساً: إن عدم دراسة الفرق والرد عليها وإبطال الأفكار المخالفة للحق، ففيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد، وأن تدعو إلى كل ما تريد من بدع وخرافات دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد كما هو الواقع؛ فإن كثيراً من طلاب العلم- فضلاً عن عوام المسلمين- يجهلون أفكار فرق يموج بها العالم، وهي تعمل ليلاً ونهاراً لنشر باطلهم، ولعل هذه الغفلة من المسلمين عن التوجه لكشف هذه الفرق المارقة لعله من تخطيط أولئك المارقين الذين نجحوا في حجب الأنظار عنهم وعن مخططاتهم الإجرامية. ولا أدل على ذلك من أنك تجد بعض الأفكار وبعض العبارات يرددها كثير من المسلمين دون أن يعرفوا أن مصدرها إما من المعتزلة (١)، أو من الصوفية (٢)، أو البهائية (٣)، أو القاديانية (٤)، أو الخوارج (٥)، أو الشيعة (٦)، إلى غير ذلك. ومن المعلوم أن ذلك إنما يعود إلى الجهل بأفكار هذه الطوائف (٧).

стр. 6

المبحث الأول: تعريف الافتراق لغة واصطلاحا الافتراق لغةً: خلاف الجماعة والاجتماع والجمع، قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:١٠٣]، أي: بعد الاجتماع، فالافتراق نقيض الاجتماع، ومنه قول الرسول ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) (١) أي: عن مجلسهما فينفصل أحدهما عن الآخر، والافتراق: الانقسام، والفرق: الفلْق، والفلق من الشيء إذا انفلق منه، ومنه قوله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:٦٣]، والمفارقة: المباينة، وفارق الشيء مفارقةً وفراقاً: باينه، والاسم الفرقة، وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضاً، والفرقة: الطائفة من الناس، والفريق أكثر منه، وفِرَقٌ: جمع فرقة، والفِراق: التفريق بين الشيئين والفصل بينهما، والتفرق والافتراق سواء، ومنهم من يجعل التفرق للأبدان، والافتراق في الكلام، يقال: فرّقتُ بين الكلامين فافترقا وفرّقت بين الرجلين فافترقا، والتفرق والتفرقة: التبديد والتمزيق، يقال: فرّقه تفريقاً وتفرقه أي بدده. وفي الجملة: أن الافتراق في اللغة يدور حول معاني: المفارقة، الانقطاع، التفرق، المفاصلة، الانفصال، الشذوذ، المباينة، الانقسام والتيه، والضياع، والضلال، المقاطعة، التشعب، الخروج عن الجادة وعن الأصل وعن الأكثر وعن الجماعة، التغيير (٢). الافتراق في الاصطلاح: يطلق على أمور منها: ١ - التفرق في الدين والاختلاف فيه ومن ذلك قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تفرقوا [آل عمران:١٠٣]، وقوله: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ [آل عمران:١٠٥]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام:١٥٩]، ومن ذلك قوله ﵊: ((إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب)) (٣).٢ - الافتراق عن جماعة المسلمين وهم عموم أمة الإسلام في عهد الرسول ﷺ والصحابة وهم أهل السنة ومن كان على هديهم بعد ظهور الافتراق فمن خالف سبيلهم في أمر يقتضي الخروج عن أصولهم في الاعتقاد أو الشذوذ عنهم في المناهج أو الخروج على أئمتهم أو استحلال السيف فيهم فهو مفارق, وفيه قوله ﵊: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي ومن خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاش من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فليس مني)) (٤). فذكر ﵊ أصنافاً من المعارضين الخارجين: ١ - المفارقون للجماعة (٥). ٢ - الخارجون عن الطاعة. ٣ - الخارجون عن الأمة بالسيف. ٤ - المقاتلون تحت راية عمية وهو الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه، ومنه قتال العصبية، والفتنة، والقوميات، والشعارات، والحزبيات ونحوها. فالخروج عن أهل السنة والجماعة ولو في أصل واحد من أصول الدين الاعتقادية أو العملية المتعلقة بالقطعيات، أو بمصالح الأمة العظمى أو بهما معاً فإنه يعتبر تفرقاً؛ فالضابط في الافتراق أنه يؤدي إلى الفتن، والتفرق، والقتال، والبغي، والبدع، وبذلك يتضح أن أهل الافتراق هم أهل الأهواء والبدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة كما يقال: أهل البدعة والفرقة. ثم قال: وإنما المقصود هنا التنبيه على وجه تلازمهما: موالاة المفترقين، وإن كان كلاهما فيه بدعة وفرقة (٦). المصدر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لعفاف بنت حسن بن محمد مختار – ١/ ٣٩ - الضابط في الافتراق: يحكم بالمفارقة على كل من خرج عن سبيل أهل السنة والجماعة في أصل مما عدوه من أصول الدين، أو قاعدة من قواعده أو خالف في فروعٍ كثيرة وجزئيات متعددة مخرجة عن سمة أهل السنة وهديهم؛ كبدع الشعائر والعبادات إذ كثرت، وهذا ما وضحه شيخ الإسلام ﵀ من جعل العادة التي يتقرب بها إلى الله بدعة كاتخاذ لبس الصوف عبادةً وطريقاً إلى الله. المصدر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لعفاف بنت حسن بن محمد مختار – ١/ ٤٦

стр. 7

المبحث الثاني: الفرق بين الافتراق والاختلاف تعريف الاختلاف في اللغة: تدور مادة خلف في اللغة حول أصول ثلاثة: ١ - أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه (١)؛ قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [الفرقان:٦٢] فالليل يجيء بعد النهار ويقوم مقامه، والنهار يجيء بعد الليل ويقوم مقامه. وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ [الأنعام:١٦٥] أي: أمة تجيء بعد أمة وتقوم مقامها.٢ - عكس قدام (٢)؛ قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:٢٥٥]، ومنه التأخر لقصور المنزلة، كما في قوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف:١٦٩]. ٣ - التغير؛ ومنه قوله ﵊: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) (٣)، أي لتغير رائحة فم الصائم بسبب خلو المعدة عند الله أطيب من ريح المسك. والأصل الأول هو المقصود هنا، يقال: اختلف الناس في كذا أي: مختلفون لأن كل واحدٍ منهم ينحّي قول صاحبه ويقيم نفسه مقام الذي نحاه. الاختلاف في الاصطلاح: أُطلقت (٤) كلمة الاختلاف في اصطلاح التدوين على العلم الذي يبحث في الاختلافات الشرعية الفقهية خاصة؛ واشتهر عندهم بعلم الخلاف وعُرِّف بأنه (٥): علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة من الأدلة الإجمالية أو التفصيلية الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء, ثم البحث عنها بحسب الإبرام والنقض. وعُرِّف أيضاً بأنه: علم يعرف من كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية (٦).ومن التعاريف: هو منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق جواز إبطال باطل (٧).وعرَّفه الراغب بقوله: الخلاف والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الأول في فعله أو حاله (٨). فالتعريف في الاصطلاح لم يخرج عن المعنى اللغوي ولكنه جاء خاصاً بالمقاصد الشرعية والفقهية على الخصوص فالاختلاف يكون في الفقه، والافتراق في العقيدة، ولذا يظهر إدراك الفرق بين الاختلاف والافتراق حيث يجب أن يُعنى به أهل العلم، حيث نجد بعض الدعاة وبعض شباب الصحوة الذين لم يكتمل فقههم في الدين لا يفرّقون بين مسائل الخلاف ومسائل الافتراق. ومن هنا قد يرتب بعضهم على مسائل الاختلاف مسائل الافتراق وهذا خطأ فاحش أصله الجهل بأصول الافتراق، ومتى يكون؟ وكيف يكون؟ ومن الذي يحكم بمفارقة شخص أو جماعة ما؟ ولذا يجب ذكر بعض الفروق بين الاختلاف والافتراق ومنها (٩): ١ - إن الافتراق أشد أنواع الاختلاف بل هو من ثمار الخلاف إذ قد يصل الخلاف إلى حد الافتراق وقد لا يصل، فالافتراق اختلاف وزيادة لكن ليس كل اختلاف افتراق.

стр. 8

٢ - إن الافتراق غالبا يكون بعد العلم بالبينات كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩] وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران: ١٠٥].٣ - إن الافتراق يؤدي إلى الهلاك لصاحبه ومن يتبعه كما قال رسول الله ﷺ : ((لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا, وفي رواية: فأَهلَكُوا)) (١) - بفتح اللام وفي رواية بضم أوله وكسر اللام - وأما الاختلاف لا يوصل صاحبه إلى التهلكة لكونه لم يقصد الفرقة وإنما حصل ذلك لسوء فهم أو تأويل، أو جهل, قال تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢١٣]، وقال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ [النحل:٦٤].٤ - إن الاختلاف قد يكون عن اجتهاد وعن حسن نية وقد يؤجر المخطئ، بينما الافتراق لا يكون عن حسن نية، وصاحبه لا يؤجر بل هو مذموم وآثم على كل حال. لقول الرسول ﵊: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)) (٢).٥ - إن من الاختلاف ما لا يصل إلى حد الافتراق ولا التنازع في الدين، يقول الشاطبي: ووجدنا أصحاب رسول الله ﷺ من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين، ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعاً لأنهم لم يفارقوا الدين وإنما اختلفوا فيما أذن هم من اجتهاد في الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً (٣).أما الافتراق فيؤدي إلى التنازع والقتال والتكفير ومن ثم دخول النار, كما قال رسول الله ﷺ : ((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) (٤).

стр. 9

٦ - إن كل افتراق اختلاف، وليس كل اختلاف افتراق، فكثير من المسائل التي يتنازع فيها المسلمون هي من المسائل الخلافية، ولا يجوز الحكم على المخالف فيها بالكفر ولا المفارقة ولا الخروج من السنة. ٧ - الافتراق مذموم كله والاختلاف ليس كله مذموماً. ٨ - الاختلاف يعذر صاحبه إذا كان مجتهداً والافتراق لا يعذر صاحبه، لأنه لا يكون إلا عن اتباع هوى أو ابتداع أو تقليدٍ مذمومٍ. ٩ - الافتراق إنما يكون في الأصول الاعتقادية والقطعيات التي لا يسع الخلاف فيها والتي تثبت بنص قاطع، أو بإجماع، أما الاختلاف يكون فيما دون الأصول مما يقبل التعدد والرأي. ١٠ - إن الافتراق يتعلق به الوعيد وكله شذوذ، أما الاختلاف فليس كذلك. ١١ - الافتراق يكون دائماً عن هوى أو بدعة أما الاختلاف فلا يلزم منه ذلك. ١٢ - الاختلاف قد يكون رحمةً وأهله ناجون إن شاء الله تعالى، والفرقة عذاب وأهلها متوعدون، يقول شيخ الإسلام ﵀: والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شرٍ عظيم من خفاء الحكم (١). ١٣ - إن مسائل الاختلاف قد تكون من الأمور المأذون فيها بالاجتهاد، أما مسائل الافتراق فهي في الأمور التي حذر الشارع من الاقتراب منها. ١٤ - إن أهل الافتراق غالباً يعتمدون على المتشابه من الأدلة كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ [آل عمران:٧]، أما أهل الاختلاف فعادةً يكون بسبب عدم فهم الدليل أو غير ذلك. ١٥ - إن أهل السنة لا يذمون من اختلف وقصده الاجتهاد وكان معروفاً بالذكر الجميل والثناء الحسن مع العمل الصالح ونصرة السنة والذب عنها أما المفترق الذي قضى عمره في الصد عن سبيل الله ومحاربة السنة ونشر البدعة فيذمونه ويبدعونه (٢). المصدر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لعفاف بنت حسن بن محمد مختار – ١/ ٤١

стр. 10

المبحث الأول: النصوص التي جمعت بين الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة في موضع واحد لقد وردت نصوص عدة تأمر بالجماعة وتثني بالنهي عن الفرقة في موضع واحد مع أن الأمر بالجماعة يستلزم النهي عن الفرقة, والنهي عن الفرقة يستلزم الأمر بالجماعة ولو لم يذكر ذلك فكل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده, ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده (١) مما يؤكد وجوب الأمر بالجماعة وترك الفرقة والنهي عنها, ومن هذه النصوص قول الله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣] ففي هذه الآية أمرنا الله بالجماعة ونهانا عن التفرقة (٢) يقول الإمام محمد بن جرير الطبري في تأويل قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وتعلقوا بأسباب الله جميعا يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به وعهده الذي عهده إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله. (٣) ويقول الإمام القرطبي ﵀ في معنى الآية: فإن الله يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة (٤). وقال ابن عباس ﵄ لسماك الحنفي: يا حنفي الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها, أما سمعت الله يقول: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:١٠٣] (٥).وهذا الأمر بالجماعة عام للأمة في كل زمان وكل مكان هذا حالهم أن يكونوا مجتمعين بحبل الله, فالله أمرهم بأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وجميعا: منصوب على الحال أي: كونوا مجتمعين على الاعتصام بحبل الله (٦).وفي هذه الآية وبعد أن أمرهم سبحانه بالجماعة والتمسك بها إذ به منعتهم وأمنهم، نهاهم عن الفرقة فقال ولا تفرقوا أي: لا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى أمره (٧).يقول عبدالله بن مسعود ﵁: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به, وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة (٨).

стр. 11

ومعنى نهيه تعالى عن الفرقة في قوله: ولا تفرقوا: أي لا تفرقوا في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة (١).ويجب أن يعلم المؤمن أن الاجتماع على الحق والبعد عن الفرقة مما أمرنا الله به ورضيه لنا ففي الحديث قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال)) (٢).فالله سبحانه حثنا على الاجتماع وأمرنا بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام (٣). ولكن لا يكون الاجتماع لمجرد الاجتماع, فالأمر بالاجتماع ليس اجتماع على أي شيء أو اجتماع على لا شيء, بل اجتماع على الدين اجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله الاجتماع على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والعمل بنصوص الشريعة كلها. وفي هذا رد على كل مدعٍ مطالب باجتماع الأمة لمجرد الاجتماع والسكوت عن باطل المخالف من أهل الأهواء وترك الإنكار عليه في بدعته حتى لا يتعكر صفو هذا الاجتماع أو التقارب المزعوم ورحم الله الإمام القرطبي إذ يبين الأساس الذي ينبغي أن يكون عليه الاجتماع وبه تتحقق وحدة الصف فيقول: فأوجب الله تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين والسلامة من الاختلاف. ويسبق الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ القرطبي في هذا المعنى ويبين أن اجتماع الأبدان ليس بمعتبر ولا مقصود بل المقصود والمعتبر الاجتماع على طاعة الله ورسوله الاجتماع على الحق فيقول بعد أن بين أن الأمر بلزوم جماعة المسلمين ليس له إلا معنى واحد ذلك أنه: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها (٤).

стр. 12

ومما ورد في الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة في موضع واحد قوله تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:١٥٣] يقول عبدالله بن عباس ﵄ في قوله: فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:١٥٣] وقوله: أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣] ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله (١) يقول الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس ... وأمركم بالوفاء به هو صراطه يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده مستقيما قويما لا اعوجاج به عن الحق فاعملوا به واجعلوه لأنفسكم منهاجا تسلكونه ولا تسلكوا طريقا سواه ولا تركبوا منهجا غيره ولا تتبعوا دينا خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية وغير ذلك من الملل فإنها بدع وضلالات (٢) نعم إن الجماعة والائتلاف لا تتحقق إلا بوحدة المعتقد ووحدة المنهج والسلوك عندها يتحقق للأمة الاجتماع على الحق والسير على الصراط المستقيم الذي وصاهم ربهم به

стр. 13

والفرقة تقع في الأمة حينما تتعدد المناهج وتتعدد الطرق لذلك بين الله لهم أن طريق الحق واحد وأن السبيل إلى الاجتماع واحد وهو السير على الصراط المستقيم أما إن أبو ذلك فإن السبل ستتخطفهم ويتشعبوا في الضلالات والبدع وواقع الأمة الآن شاهد على ذلك. يقول الإمام إسماعيل بن كثير ﵀: قوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ [الأنعام:١٥٣] قال: إنما وحد سبيله لأن الحق واحد ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها (١) وهذه السبل بين معناها عبدالله بن عباس ترجمان القرآن ﵁ فقال: لا تتبعوا الضلالات (٢) وفي الحديث عن عبدالله بن مسعود قال: ((خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها"ثم قرأ هذه الآية)) (٣) ويفسر عبدالله بن مسعود ﵁ هذا الحديث وذلك أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثمّ رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة ثم قرأ ابن مسعود: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:١٥٣] (٤).وفي حديث النواس بن سمعان الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران بينهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرقوا، وداع يدعو فوق الصراط، فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه, فالصراط: الإسلام, والستور: حدود الله، والأبواب: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله تعالى والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم)) (٥) فانظر رعاك الله أيها المسلم كيف أمرنا الله بسلوك هذا الصراط المستقيم والدخول فيه والاجتماع عليه إذ لا يحيد عنه إلا مفارق لهؤلاء المجتمعين عليه من المسلمين فقال: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا. نعم جميعا ولا شيء يجمع المسلمين بحق غير الإسلام الانقياد للإسلام والعمل بشرائعه كلها وتطبيق أحكامه على مناحي الحياة وعلى الأفراد سواسية ... فدين الإسلام لا يقبل التجزئة وما حلت النكبات بالأمة وابتلوا وعذبوا بالفرقة إلا لما شابهوا أهل الكتاب في الإيمان ببعض الكتاب وترك البعض. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٢١ - ١٢٧

стр. 14

المبحث الثاني: الأمر بلزوم الجماعة والتحذير من الفرقة تقدم في العنصر الأول أن النصوص سلكت مسلك الجمع بين ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة في موضع واحد لتغليظ الأمر في ذلك. وكذلك سلكت النصوص مسلكا آخر حينما أمرت بالجماعة في نصوص ونهت عن الفرقة في نصوص أخرى, وقد سبق أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده والنهي عن شيء يستلزم الأمر بضده. ومن النصوص التي تحث على الجماعة وترغب بلزومها وتبين أجر من لزم ولم يفارق, وتؤكد أن العصمة في وقت الفتن والمحن هو في التمسك بجماعة المسلمين فهي المخرج والمنجي بإذن الله منها قوله ﷺ : ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)) (١) فانظر عظم الأجر على لزوم الجماعة بل إن الخير كل الخير فيها كما قال رسول الله ﷺ : ((يد الله مع الجماعة ... )) (٢) فيد الله مع الجماعة ويد الله على الجماعة ينصرهم ويؤيدهم ويسددهم وهو معهم معية خاصة: معية النصر والتأييد متى ما كانوا مجتمعين على الحق مجتمعين على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . ومما يبين فضل لزوم الجماعة ما رواه أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه فحملها فرب حامل الفقه فيه غير فقيه، ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلاص العمل لله ، ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من روائهم)) (٣) ومعنى لا يغل: (بضم الياء وكسر الغين) هو من الأغلال: الخيانة في كل شيء. ويروى يُغل بفتح الياء من الغِل وهو الحقد والشحناء: أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق. وروى يُغل بالتخفيف: من الوغول: الدخول في الشر والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر ... (٤)

стр. 15

ولقد جعل رسول الله ﷺ هذه الأمور الثلاثة متوالية فلا بد من إخلاص العمل لله يبتغي وجه ربه تعالى وهذا يدفعه لأن يلتزم أمر الله وأمر رسوله ﷺ فيناصح ولاة الأمر. ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (١) فجعل قاعدة الدين وما يمثله "النصيحة" والنصيحة وتشجيعهم على الحق إن سلكوه وطاعتهم على ذلك وهذا في حق القادرين عليه. وكذلك تكون النصيحة لهم بلزوم جماعتهم وهذا في حق كل أحد (٢) ولا تعني مناصحة ولاة الأمر الخروج عليهم بالسيف وقتالهم، فهذا منهي عنه لما يؤدي إليه من الفرقة والفتنة ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم (٣) وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة)) (٤) ولذلك عقب في حديث: ((ثلاث لا يغل عليهن ... )) (٥) عقب بعد المناصحة لولاة الأمر بالأمر الثالث وهو لزوم جماعتهم. ولقد أمر الله نبيه وأمته تبع له بلزوم الجماعة ففي الحديث عن رسول الله ﷺ : ((إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ... )) ثم قال رسول الله ﷺ : ((وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) (٦)

стр. 16

فبهذه الكلمات الخمس التي أمرنا بها يلتئم شمل الجماعة ويستصلح المجتمع ويؤكد الحبيب المصطفى ﵇ أن النجاة والعصمة من وقوع الفتن يكون بلزوم الجماعة أما إذا انعدمت الجماعة إمامها في وقت الفتنة فلا خير في الفرق والسبل المتشعبة فتعتزل كلها ولا يلتزم بشيء منها لأن الجماعة غير موجودة. فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن (١) قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قال فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (٢) ولقد بوب النووي ﵀ لهذا الحديث وغيره " باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة" (٣) ويقول ابن بطال ﵀ عن هذا الحديث: " فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور (٤).فتبين لك أيها المسلم أهمية لزوم الجماعة ومدى الحاجة إليها فهي من قواعد الدين, والخطر والشر في الفرقة لذا جاء النهي عن الفرقة والتحذير منها في أكثر من موضع: فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((سمعت رجلا قرأ آية وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها فجئت به النبي ﷺ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) (٥) يقول الإمام أحمد بن حجر العسقلاني ﵀: " وفي هذا الحديث الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف" (٦) ولقد كره رسول الله ﷺ اختلافهم لأن كلا القراءتين صحيحة حيث قال: ((كلاكما محسن)) فهو مصيب إذ قرأ ما أقرأه رسول الله ونهاهما عن ذلك فقال:

стр. 17

((ولا تختلفوا)) وعلل سبب النهي بقوله: ((فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) فلما كان الاختلاف يؤدي إلى الفرقة المؤدية إلى الهلكة كرهه ﵊ ونهى عنه. بل ونهى عن كل سبب يؤدي إليه: ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه)) (١).وقوله: ((ما ائتلفت عليه قلوبكم)) أي: اجتمعت، فاقرؤوه وأنتم مجتمعون عليه معانيه عندما تخشى عليكم الفرقة ووقوع النزاع بينكم فالواجب القيام عنه لذلك قال" فقوموا عنه" أي تفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر (٢).ولقد كان ﷺ يغضب ويشتد غضبه عند اختلاف أصحابه في أمر من أمور الدين خشية ما يؤدي إليه من فرقة وهلكة ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو قال: ((هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا في آيَةٍ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْغَضَبُ فقال: إنما أهلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب)) (٣).ولقد كان الصحابة الكرام ﵃ من أشد الناس تحذيرا من الفرقة ونهيا عنها وبيانا لأضرارها يقول عمر بن الخطاب ﵁ ناصحا ومرشدا لرعيته: إياكم والفرقة بعدي (٤).ويقول معاوية بن أبي سفيان ﵄ في إحدى خطبه محذرا من الفتنة التي تؤدي للفرقة يقول: إياكم والفتنة فلا تهموا بها فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستيصال (٥).ولقد نصح النعمان بن بشير ﵁ أهل المدينة حينما خلعوا بيعة يزيد بن معاوية في نهاية عام ٦٢هـ وحذرهم من عواقب الفرقة ومضارها وما ينتج عنها من سفك للدماء ودمار للديار فقال لهم ﵁: إن الفتنة يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا؟ فقال له النعمان أما والله لكأني وقد تركت تلك الأمور التي تدعو إليها وقامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف ودارت رحى الموت بين الفريقين وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إلي وخلفت هؤلاء المساكين ـ يعني الأنصارـ يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف وكان الأمر والله كما قال سواء (٦) المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٢٧ - ١٣٣

стр. 18

المبحث الثالث: بيان حال أهل الفرقة والاختلاف إن الحق أبلج, والباطل لجلج, فالحق هو الحق في كل زمان وكل مكان لا يختلف ولا يتغير ولا يتعدد بل هو واحد وما ذاك إلا لوحدة المصدر الذي يستقى منه, إنه من لدن حكيم خبير. لذلك نجد النصوص حين تذكر الصراط تذكره بصيغة الإفراد لأنه واحد كما قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:١٥٣] (١). وبلزوم هذا الصراط تتحقق الجماعة ويلتئم شمل الأمة وبمخالفة هذا الصراط والبعد عنه تحدث الفرقة ويجانب المرء الحق والصواب ويرتكب الباطل, هذا الباطل المتعدد المتلون والذي حذرنا الله تعالى منه. قال ابن كثير ﵀ في هذه الآية "إنما وحد سبيله لأن الحق واحد ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها (٢). نعم إنها السبل الضلالات المحدثات إنها متعددة متفرقة وهذا حال أهل الفرقة: من حاد عن الصراط المستقيم فهم في فرقة واختلاف وتنازع وشقاق كل واحد منهم يأخذ شقا وجانبا غير جانب وشق الآخر. ولقد وصفهم الله بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]. وقال سبحانه: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧] وقال عن الكافرين: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣].ففي الآيات السابقة يصف الله تعالى حال المخالفين للحق المفارقين له وأنهم في شقاق: شقاق مع الحق وشقاق مع القائمين به والداعين إليه والشقاق في هذه الآيات يأتي بمعان ثلاث (٣):١ـ الشقاق بمعنى الخلاف والمعاداة والمنازعة وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه (٤) وهذا حال المجانبين للحق المفارقين له من أهل الكفر من الأديان والملل ومن أهل البدع أصحاب الفرقة فهم في شقاق في خلاف ومعاداة ومنازعة للحق وقد وصفهم الله تعالى بقوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ [ص: ٢]. أي: الخلاف والعداوة لرسول الله ﷺ ووصف أهل الكتاب من اليهود والنصارى بقوله: فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة: ١٣٧] أي إنهم إنما هم في عصيان وفراق وحرب لله ولرسوله (٥). ووصف أهل البدع أصحاب القلوب المريضة بأنهم واقعون في الشقاق فقال سبحانه: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣]. فيجعل الله ما يلقيه الشيطان فتنة وضلالة (٦) لطائفتين من الناس هما: أـ الذين في قلوبهم مرض: الشك والنفاق. ب ـ والقاسية قلوبهم: وهم المشركون فإن قلوبهم لا تلين للحق أبدا ولا ترجع إلى الصواب بحال (٧).

стр. 19

ثم سجل على هاتين الطائفتين بأنهم ظالمون فقال: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣]. أي: عداوة شديدة (١) فأهل الفرقة في شقاق وعداء للحق وكذلك هم في شقاق فيما بينهم قد تعددت أقوالهم وتناقضت آراؤهم واختلفوا فيما بينهم وهذا دليل على بطلان دعاويهم لأنهم إنما يتبعون السبل. لذلك وصف أهل الكتاب بقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦] ٢ـ المعنى الثاني للشقاق بأنه يأتي بمعنى الشق وهو الصدع (٢) أو الفصل في الشيء (٣) ويطلق على أهل الفرقة وذلك لأنهم فارقوا الجماعة وشقوا عصا الطاعة (٤) فهم في شقاق بهذا الاعتبار. ٣ـ والمعنى الثالث للشقاق أن يطلق ويراد به المشقة وهي فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه. وهذا دأب أصحاب الفرقة كما وصفهم سبحانه: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ [الحشر:١٤] ولقد وصفهم الله بوقوع العداوة والبغضاء فيما بينهم لمخالفتهم بعض ما جاء من الحق قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤] ولقد ذكر الله ذلك كله تنفيرا من الفرقة وحثا للأمة على الجماعة, لهذا جاء الوعيد الشديد للمفارق للجماعة الخارج عنها يقول : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] ولقد وردت النصوص النبوية تتوعد الخارج عن الجماعة المفارق لها بأشد وعيد (٥) وقد أورد الإمام مسلم عدة أحاديث في (صحيحه) حول هذا الموضوع بوب لها الإمام النووي تحت قوله: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة (٦) وأورد تحتها عدة أحاديث منها: قوله ﷺ : ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية)) (٧). وقال أيضا ﵇: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية)) (٨) وقال: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) (٩) ويقول حذيفة بن اليمان ﵁: " والله ما فارق رجل الجماعة شبرا إلا فارق الإسلام " (١٠) فهذا مما توعد الله به أهل الفرقة وما ذاك إلا لسوء فعلهم وفي هذا نهي عن الفرقة وردع عن سلوك سبلها أو السير خلف دعاتها ويتعين حينها لزوم الجماعة والتمسك بها هدانا الله للحق وبصرنا به. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٣٤ - ١٣٨

стр. 20

المبحث الرابع: التأكيد على أسباب الاجتماع وبيان طرق تأليف قلوب المسلمين لقد سلكت النصوص الواردة في النهي عن الفرقة هذا المسلك للتأكيد على النهي عن الفرقة والأمر بلزوم الجماعة إذ الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة أصل من أصول الإسلام العظيمة وقاعدة من قواعد الدين يقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: " وهذا الأصل العظيم: وهو الاعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام, ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ومما عظمت به وصية النبي ﷺ في مواطن عامة وخاصة. (١) ويقول أيضا: وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين (٢) والناظر في أركان الإسلام الخمسة يجد أن هذا الأصل قد تجلى بوضوح في هذه الأركان .... فالركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، فعقيدة التوحيد هي أعظم ما يجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذ هذه الكلمة ينطقها كل مسلم عربي أو غير عربي. وبوحدة المعتقد تتحقق وحدة الجماعة ومتى ما كان المعتقد خالصا صافيا صائبا كانت الجماعة مجتمعة ملتئمة أما إن دب الخلاف في العقيدة تلاه اختلاف في الجماعة وتفرق. ثم إن وحدة المعتقد ووحدة الجماعة مما رضيه الله لنا ففي الحديث عن رسول ﷺ قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)) (٣). فقرن هنا بين وحدة المعتقد على توحيد الله ووحدة الجماعة على الاعتصام بحبل الله. أما الركن الثاني وهو الصلوات الخمس المفروضة فهي أنموذج أمثل للوحدة بين المسلمين في اتحادهم في عددها وأركانها وشروطها وكيفيتها مما يجمع المسلمين ومما يجتمعون عليه. بالصلاة يعرف المسلم من الكافر إذ هي عمود الدين ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((العهد الذي بيننا بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) (٤) ثم إن في أداء الصلاة جماعة في المسجد مثال واضح لكيفية تأليف القلوب واتحاد الجماعة باتحاد الأبدان في أداء فعل واحد في مكان واحد خلف إمام واحد، لذلك جاء الأمر بتسوية صفوف الصلاة وإتمامها الأول فالأول, والإشارة إلى أن اختلاف الصف في الصلاة سبب لاختلاف القلوب وتنافر النفوس يقول الرسول ﷺ : ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (٥) أي: إذا تقدم بعضكم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبكم ونشأ بينكم الخلف ومنه الحديث الآخر: ((لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) (٦) يريد أن كلا منهم يصرف وجهه عن الآخر ويوقع بينهم التباغض فإن إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والألفة (٧)

стр. 21

ولقد عاب الله سبحانه على الذين اتخذوا مسجدا ضراراً في عهد رسول الله ﷺ إذ كان مقصدهم التفريق بين جماعة المسلمين فقال الله عنهم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة: ١٠٧] قال الإمام أبو عبدالله محمد القرطبي: " قوله: وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي ﷺ . وهنا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة وتصفوا القلوب من وضر الأحقاد (١) وهذا التكاتف والتآلف يتضح أيضا في الركن الثالث من أركان الإسلام وهو الزكاة التي تزكي نفوس أبناء المجتمع المسلم قبل أموالهم تزكيهم غنيهم وفقيرهم وتطهرها تطهر الأغنياء من الجشع والبخل والشح إذ يبذل هذا المال للفقراء حقا مشروعا لهم وتطهر الفقراء من الحقد والحسد الذي قد ينتاب بعض النفوس المحرومة حينما ترى غيرها من الأغنياء في نعمة ورخاء. أما الركن الرابع من أركان الإسلام فهو الصوم فالشهر الواحد الذي يصومه المسلمون في أوقات واحدة: من النهار إلى الليل وامتناعهم عن المفطرات ذاتها وتخلقهم بما حثهم الإسلام عليه حال صومهم ثم تتوجهم هذه الوحدة في هذه العبادة بأداء عبادة أخرى تعطي أنموذجا فريدا للتكافل الاجتماعي في البناء المسلم ووحدة أبنائه وتعاضدهم بأداء زكاة الفطر ليشترك الجميع بأداء صلاة العيد ويشتركون في الفرح بفضل الله ونعمته عليهم بإتمام صوم شهرهم والأغنياء والفقراء في ذلك اليوم عندهم قوت يومهم. كل ذلك حرصا على قيام الجماعة المسلمة على أساس الألفة والمحبة وسدا لباب الضغينة والحقد والحسد والشح الذي يفرق الجماعة ويفتك بالأمة. والركن الخامس في هذا الدين العظيم: شعيرة الحج إلى البيت الحرام قال تعالى: ِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٧ ـ ٢٩] فمن بداية الحج تظهر الوحدة جلية بين المسلمين في وحدة اللباس: لباس الإحرام ووحدة القول: التلبية بالإحرام, والمكان: البيت الحرام ووحدة الفعل: من الطواف بالبيت والتنفل في مشاعر الحج ووحدة بذل المال والعطاء: من تقديم الهدي وهم في ذلك كله موحدون لله مخلصون له العمل متجهون إليه لا يقصدون أحدا سواه سبحانه. وهذه الآيات في سورة الحج التي عرضت لشعائر الحج وبضع أحكامه ذكرت بالتوحيد في أوله وفي ثناياه وفي خاتمته (٢) لتؤكد أن وحدة العمل ووحدة الجماعة لا تكون إلا بوحدة المعتقد بتوحيد الله رب العالمين. هذه إشارات لما في أركان الإسلام من تحقيق الوحدة والحرص على تحقيق الجماعة بين المسلمين.

стр. 22

ولو نظرنا إلى جانب آخر من جوانب هذا الدين العظيم والذي نعمل على تأصيل مبدأ الجماعة والتحذير من الفرقة لوجدنا ذلك في حثه على إقامة الأخوة بين المسلمين على أساس رابط الإيمان بالله وحثه على القيام بواجب هذه الأخوة وأداء حقوقها يقول الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١].ففي هذه الآية بين الله أن أساس الجماعة وسبب الاجتماع هو الإيمان ورباط الأخوة الإيمانية: الأخوة في الدين أعظم رباط وعلى أساسه يكون الولاء أو البراء, فقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ أي: يوالي بعضهم بعضا فهم يد واحد يأمرون بالإيمان وينهون عن الكفر (١) ويبين الإمام إسماعيل بن كثير ﵀ أن الولاية بين المؤمنين في هذه الآية هي النصرة والتعاضد فيقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ أي: يتناصرون ويتاضدون كما جاء في (الصحيح): ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه (٢) وفي (الصحيح) أيضاً: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (٣) (٤) ويضيف العلامة محمد الشوكاني ﵀ معنى آخر للولاية بين المؤمنين وهي محبة المؤمن لأخيه المؤمن فيقول: قوله بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ أي: قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان (٥) بهذا تكون الجماعة وبهذا يتحقق الاتحاد في الأمة حينما تتناصر وتتعاضد وتكون يدا واحدة حينما تجتمع القلوب وتتعاطف على أساس قوي ورابط أبدي على أساس الإيمان بالله تعالى الذي لا تؤثر عليه دنيا ولا يغيره عرض زائل عندها تستحق الأمة العلو والسيادة والريادة. ويبين عبدالله بن عباس ويؤكد أن الولاء والبراء لا بد أن يقوم على أساس الإيمان بالله تعالى فيقول: أحب في الله وأبغض في الله ووال في الله وعاد في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد حلاوة الإيمان وإن كثر صلاته وصيامه حتى يكون كذلك, وقد صارت مؤاخاة الناس اليوم أو عامتهم في الدنيا وذلك لا يجزئ عن أهله شيئا (٦)

стр. 23

ويؤكد المولى الكريم سبحانه على الأخوة الإيمانية بين المؤمنين والتي بها يسد كل باب يؤدي إلى الاختلاف والفرقة ومن خلالها يلتئم شمل الجماعة وتعم الألفة والمحبة فيقول عز من قائل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي عن قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يقول: هذا عقد عقده الله بين المؤمنين أنه إذا وجد من أي شخص كان في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إنه أخ للمؤمنين أخوة توجب أن يحب له المؤمنين ما يحبون لأنفسهم ويكرهوا له ما يكرهون لأنفسهم. (١) وحرصا على هذه الرابطة المهمة بين المسلمين أمر بالإصلاح بين المسلمين لو طرأ على هذه الرابطة ما يوهنها أو يوجب تفرقها لذلك قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ثم يؤكد الله رابطة الأخوة الإيمانية السابقة بأن ينهى عن الأسباب التي تؤدي إلى إضعافها من سلوكيات خاطئة تؤثر سلبا على المجتمع المسلم والتي من شأنها أن توغر القلوب وتحرك الضغائن في النفوس فتتفرق القلوب وتهتز هذه الأخوة الإيمانية وتضطرب لذلك قال سبحانه بعد الآية السابقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:١١ - ١٢] وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا)) (٢) يقول الحافظ أحمد بن حجر ﵀ عن قوله: ((وكونوا عباد الله إخوانا)) هذا الجملة تشبه التعليل لما تقدم كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانا، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيروا أعداء ومعنى كونوا إخوانا: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا مما سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتا ونفيا. وقوله: عباد الله: أي يا عباد الله بحذف حرف النداء وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تتواخوا بذلك, قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة (٣)

стр. 24

ومن حرص الإسلام على الجماعة وعلى الأخوة الإيمانية وإغلاقه لباب الفرقة وسده لسلبها أنه أمر بالانتساب إلى الأسماء المشروعة ونهى عن الانتساب إلى غيرها أو رفع شعارات تدعو إلى الحزبية أو تنادي إلى القومية خاصة إذا كانت هذه الشعارات وهذه الانتماءات ترفع للعصبية والحمية التي من شأنها أن تفرق بين الجماعة المسلمة فتحل هذه الانتماءات والولاءات مكان الأخوة الإيمانية العامة الشاملة لكل مؤمن في مشارق الأرض ومغاربها. ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (( ... وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى فادعوا الله الذي سماكم: المسلمين، المؤمنين، عباد الله)) (١) ولقد شدد الرسول ﷺ على من انتمى لغير هذا الدين العظيم أو رفع شعارات أو انتماءات يتحزب لها ويوالي ويعادي عليها فهذا كله من دأب الجاهلية وعاداتها التي أمرنا بتركها والكف عنها ففي الحديث عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال: دعوها فإنها منتنة)) (٢). فعد رسول الله ﷺ هذه الانتماءات وهذه الدعاوى من أمور الجاهلية ووصفها بالقبح والخبث مع أنهم انتسبوا ﵃ إلى أعمال صالحة ومفاخر عظيمة في دين الله: الهجرة والنصرة ومع ذلك لما كانت للعصبية وهمت أن تفرق بين المسلمين وتوقع القتال إذ أخذ كل سلاحه سماها ﵊ " عوى جاهلية" وهذه التسميات والانتماءات يختلف حكمها بحسبها وهي على ثلاثة أنحاء: ١ـ من هذه الانتسابات ما هو حسن محمود وهو الانتساب إلى اسم شرعي جاء في الكتاب أو في السنة كتسميتنا مسلمين ومؤمنين وعباد الله والمهاجرين والأنصار وكأن ينتسب الرجل إلى عمل مشروع كنسبة الرجل إلى أهل الحديث أو إلى أهل السنة فهذه تسميات وانتماءات محمودة جاء الشرع بها ومدح أهلها. ٢ـ ومن هذه الانتسابات ما هو مباح كالانتساب إلى قبيلة أو مصر أو جهة لقصد التعريف فقط ويلحق به والله أعلم الانتساب إلى جهات معينة أو جماعات أو منظمات القصد منها تنظيم العمل وحسن إدارته وتوزيع الجهود لتتكامل فيما بينها لخدمة المجتمع والدعوة إلى دين الله تعالى. ٣ـ ومن هذه الانتسابات ما هو مكروه أو محرم كالانتساب إلى الطرق الصوفية أو الفرق الكلامية المذمومة. ويلحق به: إذا كان الانتساب إلى اسم شرعي محمود أو انتساب إلى اسم مباح كقبيلة أو مصر لكن قصد من الانتساب الحمية والعصبية وأفضى إلى الفرقة والخلاف فهذا مذموم منهي عنه (٣) نسأل الله أن ينعم على الأمة المسلمة بأن يؤلف بين قلوب أفرادها وأن يرحمها ويجمعها على الإيمان به تعالى إذ الجماعة نعمة من الله ورحمة والفرقة عذاب ... المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٣٨ - ١٤٨

стр. 25

المبحث الخامس: الفرقة والاختلاف عذاب وعقوبة إن الفرقة والاختلاف عذاب وعقوبة من الله للأمة حينما تعصيه, أما الاجتماع والائتلاف فهو رحمة بالأمة ونعمة من الله على عباده المؤمنين. لقد أمر الله عباده المؤمنين أن يلزموا الجماعة ويلتزموا السمع والطاعة, وبين سبحانه أن النجاة تكون بالتمسك والاعتصام بحبله سبحانه الذي هو الجماعة (١) كما قال سبحانه: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣]. ومتى ما عملت الأمة بأمر الله وأمر رسوله ﷺ عاشت بخير واستطاعت أن تبلغ دينها وتعلي كلمته واستطاعت أن تقود البشرية إلى كل خير في الدنيا والآخرة. والمتأمل للقرون الماضية في تاريخ الأمة الإسلامية يجد هذا الأمر جلياً واضحاً أنه متى ما تمسكت الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ واجتمعت على الحق وائتلفت قلوبها قويت هذه الجماعة وسادت وقادت وهذا رحمة من الله بها وما إن تدب الفرقة في صفوف الأمة وتتخلى عن بعض ما أمرت به وتتهاون في تطبيق سنة بينها ﷺ تضعف وتهون وتصبح لقمة سائغة في أيدي الأعداء وما ذاك إلا لأن الجماعة رحمة من الله بالأمة أما الفرقة فهي عذاب وعقوبة من الله يعاقب بها الأمة حينما تعصيه ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب)) (٢) وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة, سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها, وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها, وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)) (٣) وفي الحديث عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال: ((لما نزل على رسول الله ﷺ : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا قال: أعوذ بوجهك. أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال أعوذ بوجهك. فلما نزلت: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ قال: هاتان أهون أو أيسر)) (٤) قال علي بن خلف بن بطال ﵀: "أجاب الله دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب ولم يجبه في أن لا يلبسهم شيعا أي فرقا مختلفين وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض أي: بالحرب والقتل بسبب ذلك وإن كان ذلك من عذاب الله لكنه أخف من الاستئصال وفيه للمؤمنين كفارة (٥).

стр. 26

ويقول عبدالله بن عباس ﵄ في قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال: الأهواء والاختلاف" وقال في قوله: وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب (١) وكما بين الله فيما مضى من نصوص أن هذه الفرقة عقوبة وعذاب امتن الله على المؤمنين بتأليف قلوبهم وذكرهم نعمته عليهم بأن جمع شملهم ووحد كلمتهم بهذا الدين العظيم وبقيام الأخوة الإيمانية بينهم وقد كانوا في جاهلية وشر وكفر بالله وفرقة لا يعلمها إلا الله فجاء الله سبحانه بدينه ونبيه وجمع بينهم, وفي هذا تنبيه للمسلمين على أهمية الجماعة وأنها من نعم الله العظمية وآلائه الجزيلة, وفيه تنفير من الفرقة التي هي عقوبة وعذاب. يقول الله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. يقول الطبري في تأويل قوله سبحانه: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا يقول: "واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء أي: بشرككم يقتل بعضكم بعضا عصبية في غير طاعة الله، ولا طاعة رسوله فألف الله بالإسلام بين قلوبكم فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه (٢) وعن قتادة بن دعامة السدوسي قوله: " كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب (٣) وأما قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانا" فإنه يعني فأصبحتم بتأليف الله بينكم بالإسلام وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر إخوانا متصادقين لا ضغائن بينكم ولا تحاسد. وقال رجل لعبد الله بن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانا (٤) نعم هذه صفة الجماعة المسلمة وحال أفرادها: متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله متعاونين على البر والتقوىولقد نصر الله نبيه ﷺ بنصره المؤزر وبالمؤمنين المجتمعين على طاعة الله وطاعة رسوله وهذا مما امتن الله به على نبيه ﷺ وأنعم الله به على المؤمنين إذ يقول الله تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:٦٢ - ٦٣] (٥) بالألفة والمحبة بين المسلمين وبرباط الأخوة الإيمانية تتحد الجماعة المسلمة وتقوى وتسود لتنشر هذا الدين العظيم. وأما إذا نزعت ورفعت هذه الألفة حل محلها العداوة والبغضاء ودبت الفرقة والخصومات بين الناس وضعفت الجماعة الإسلامية وعاشت العذاب بالفرقة إلا أن يرحمها ربها بالجماعة. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٤٨ - ١٥٢

стр. 27

المبحث السادس: الإخبار أن الفرقة واقعة لا محالة ليعلم هذا ويحذر لقد نهى الله عن الفرقة أشد النهي وبين سبحانه أنها عذاب وعقوبة تحل بالأمة المسلمة إذا اكتسبت من المعاصي ما تستحق به السخط والعقاب من الله ومع التحذير الشديد من الفرقة والأمر اللازم بالجماعة والتمسك بها أخبر المولى الخبير سبحانه أن هذه الفرقة لا بد وأن تدب وأن هذه الأمة ستفترق لا محالة وأن هذا واقع كونا وقدرا وإن كنا نهينا عن الفرقة شرعا ودينا. والإخبار عن وقوع الفرقة في الأمة وأن الله شاء ذلك وقدره علينا لا يعني الاستسلام للفرقة والتخبط في سبلها, بل إن الله نبه على ذلك وأخبر به ليحذر المسلم منها ولا يسلك مسلكها وينجو من كتب الله له النجاة منها.

стр. 28

يقول الله : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ـ ١١٩].يقول الإمام إسماعيل بن كثير ﵀ في تفسيرها: " وقوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ أي: لا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم (١).ويقول سبحانه: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] أي: لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم بحيث لا يخرج عنهم أحد مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ويختلفون ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للمصلحة التي أرادها الله سبحانه ولما كان النبي ﷺ حريصا على إيمان جميع الناس أخبره الله بأن ذلك لا يكون لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك (٢) ومثله قول تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١].فإيمان الناس جميعا وهدايتهم غير مرادة لله كونا والفرقة واقعة بينهم لا محالة فمن شاء الله له الهداية هداه, ومن شاء له الضلال أضله سبحانه, فهو الملك الحكيم العليم الله شأنه (٣) ولقد أخبرنا رسول الله ﷺ بوقوع الفرقة في هذه الأمة فقال: ((والذي نفسي بيده لتفترقن على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة واثنتان وسبعين في النار" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: هم الجماعة)) (٤).

стр. 29

فمما تقدم من نصوص تبين أن الافتراق واقع في الأمة وحال المسلمين الآن خير شاهد على وقوع هذه الفرقة من رفع رايات الحزبية والعصبية للرأي أو الاختلاف في أمور الدين أو بسبب التهالك على أمور الدنيا وما أكثرها. ولقد جاءت هذه النصوص ليس فقط لتخبر وتعلم المسلم بوقوع الفرقة ولكن تخبره ليحتاط فلا يقع فيها وتعلمه بها ليلزم الجماعة ويتمسك بالسنة ويحذر الفرقة. يقول الإمام أبو بكر محمد الآجري ﵀: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه ليضل من يشاء ويهدي من يشاء جعل ذلك الله موعظة يتذكر بها المؤمنون فيحذرون الفرقة ويلزمون الجماعة ويدعون المراء والخصومات في الدين ويتبعون ولا يبتدعون. (١) ويقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية بعد أن ذكر نصوصا كثيرة تخبر بوقوع الافتراق في هذه الأمة قال: وهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة وكان يحذر أمته لينجو منه من شاء الله له السلامة (٢).لذلك يخطئ من يتعامل بسلبية وانهزامية مع الأحداث الواقعة في الأمة والفرقة التي تفتك بها منظرا أقدار الله لتقع محتجا أنها واقعة لا محالة فلم العمل؟!! مع أن المصطفى المختار أرشدنا ودفع هذه الشبهة عنا فعن عمران بن حصين قال: ((قال رجل: يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له)) (٣).وعن علي ﵁ قال: ((كنا جلوسا مع النبي ﷺ ومعه عود ينكث به في الأرض فنكس وقال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥ - ١٠] (٤). فانظر حينما سألوه: فيم يعمل العاملون؟ وظنوا أن التقدير يدفع إلى الاتكال وترك العمل رد عليهم رسول الله ﷺ بإيجاب العمل فقال: (اعملوا) نعم يجب على المؤمن أن يعمل بما أمر الله به ويجتهد بأخذ الأسباب الموصلة إلى السلامة في الدنيا والآخرة وهو مع ذلك مؤمن بقدر الله وأنه (كل ميسر لما خلق). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٥٢ - ١٥٦

стр. 30

المبحث السابع: الأصل في البشرية هو الوحدة والجماعة على التوحيد الأصل في البشرية هو الوحدة والجماعة على التوحيد .. والتفرق والاختلاف في الشرك بالله تعالى طارئ حادث. يقول الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣]. فيخبر الله في هذه الآية أن الناس كانوا أمة واحدة أمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. يقول عبدالله بن عباس ﵄: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين (١).وقيل: إن وقت كون الناس أمة واحدة على دين التوحيد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه فعرضهم على آدم, يقول أبي بن كعب ﵁: " كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم ثم اختلفوا من بعد آدم (٢) فالله سبحانه إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف. فالأصل في البشرية هو الاجتماع على التوحيد الخالص لله , والأصل أن الناس كانوا مجتمعين على الدين الواحد دين التوحيد وأنه ما إن دب الشرك في الأمة إلا وقارنته الفرقة فاستلزم بعثة الأنبياء والرسل رحمة من الله تعالى بالناس وإعذارا لهم فهو سبحانه كما في الحديث: ((ولا أحد أحب إليه من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين)) (٣).

стр. 31

وفي هذه الآية رد على من زعم أن الأصل في البشرية الشرك والتعدد في الآلهة ثم كان التوحيد. بل الأصل التوحيد ثم كان الشرك ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ١٩].يقول الإمام أبو جعفر محمد الطبري: فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به وذلك أن الله قال في السورة التي يذكر فيها يونس: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:١٩] فتوعد الله ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع ولا على كونهم أمة واحدة ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته الله ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك (١).وقيل: إن المراد بالأمة هو آدم ﵇ فكان آدم على الحق إماما لذريته (٢).وسواء كان معنى الأمة: الدين الخالص لله تعالى أو معناه آدم لما قام بهذا الدين الخالص واجتمع ولده على هذا الدين لحين الاختلاف فهذا يؤكد أن الأصل في البشرية الاجتماع على التوحيد وأن الفرقة حلت بالبشرية حينما تركت هذا الأصل فطرأ الشرك بالله تعالى (٣). وفي هذا تنبيه لأولي الألباب أن تحقق الجماعة المسلمة لا يكون إلا على التوحيد لله رب العالمين وفيه تحذير من الإخلال بهذا التوحيد أو الإتيان بما يؤثر فيه أو ينقصه أو يذهبه من شركيات وبدع لأن ذلك سيؤدي إلى الفرقة المذمومة المحذر منها. ولما كانت الجماعة لا تتحقق إلا بالاجتماع على التوحيد الخالص لله تعالى كانت هذه وصية الله لأنبيائه ورسله وهذا ما سيتضح في النقطة الآتية إن شاء الله. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٥٦ - ١٥٨

стр. 32

المبحث الثامن: وصية الله لأنبيائه ورسله بالاجتماع على التوحيد الخالص لله رب العالمين ونبذ الفرقة واطراحها لقد حثَّ الله تعالى على لزوم الجماعة والبعد عن الفرقة بأن بين أن هذا الأصل العظيم هو وصيته سبحانه لأنبيائه ورسله فحري بكل مسلم أن يهتدي ويقتدي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عملوا بما وصاهم به ربهم الله . يقول الله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى: ١٣].ومعنى إقامة الدين: العمل به على ما شرع لكم وفرض. ومعنى " ولا تتفرقوا فيه" أي لا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به كما اختلف الأحزاب من قبلكم (١).ويقول الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير: " أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق والاختلاف (٢). والدين الذي أمر الله سبحانه الأنبياء بالاجتماع عليه والتمسك به هو دين واحد وهو دين الإسلام. ودين الإسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين يقول الله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].وهذا عام في كل زمان ومكان. فنوح وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون؛ كلهم دينهم الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له قال الله تعالى عن نوح: فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٧٢] وقال الله تعالى: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة: ١٣٠]. ويقول سبحانه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [الأنبياء:٩٢ـ ٩٣]. ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:٥١ـ ٥٣].ومعنى الأمة هنا: الدين (٣) أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (٤).يقول عبدالله بن عباس قوله تعالى: وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً يقول: دينكم دين واحد (٥).ودين الإسلام الذي تمسك به الأنبياء جميعهم ﵈ ودعوا إليه هو توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه (٦).والوصية بلزوم الجماعة والاجتماع على توحيد الله والحذر من سلوك سبل الفرقة ليست وصية خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل هي وصية لازمة لكل مسلم قال الله شأنه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]. ولقد كان محمد ﷺ هو أول العاملين بوصية سبحانه له بلزوم الجماعة والحذر من الفرقة لذلك برأه الله سبحانه من الفرقة وأهلها كما سيتضح في الآتي إن شاء الله. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٥٨ - ١٦١

стр. 33

المبحث التاسع: تبرئة الله لنبيه محمد ﷺ من أهل الافتراق تبرئة الله لنبيه محمد ﷺ من أهل الافتراق ذماً للفرقة وتنفيرا منها ونهيا عنها لما كان الأمر بلزوم الجماعة أمراً مؤكدا عليه في نصوص الكتاب والسنة جاء القرآن الكريم ليحث على الجماعة وينفر من الفرقة ويحذر من سلوك سبلها ببيان تبرؤ محمد ﷺ من كل مفارق لجماعة المسلمين. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩]. فهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا: هم كل من فارق دين الله وكان مخالفا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله, وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه وكانوا شيعا أي: فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله قد برأ رسوله ﷺ مما هم فيه. فالصراط المستقيم هو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال تعالى: لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] (١) ... وكما أن الله برأ نبيه ﷺ من أهل الفرقة كذلك أعاذه سبحانه من أن يرى عذاب الله وعقوبته بالفرقة تدب في أمته مع أنه سبحانه أخبره أن الفرقة ستقع. كما قال الله تعالى: قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٣ـ ٩٤].فيقول الله تعالى في هذه الآية آمراً نبيه محمدا ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم (٢): قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: قل يا محمد رب إن تريني في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به ونجني من عذابك وسخطك فلا تجعلني في القوم المشركين ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك (٣).ولقد أعاذ الله نبيه محمدا ﷺ فلم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة (٤).وإن كانت الآية في الاستعاذة من العذاب الذي قد يحل بالمشركين لكن يلحق بهم من هذه الأمة من سلك مسلكهم وكان على نهجهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله (٥). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٦١ - ١٦٢

стр. 34

المبحث العاشر: النهي عن مشابهة المشركين وأهل الكتاب في تفرقهم واختلافهم من شدة عناية الإسلام بتحقيق وحدة الجماعة المسلمة وتماسكها والتحذير من تفرقها حرص على تميز هذه الجماعة واستقلاليتها عن باقي الجماعات الإنسانية لتظل بأفرادها متماسكة متحدة متميزة لذلك نهينا عن التشبه بالكفرة من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى خاصة فنهينا عن مشابهتهم في أمورهم الدينية والدنيوية جملة وخص بعض الأمور بالنهي عنها كالنهي عن مشابهتهم في أعيادهم أو في طريقة صومهم أو مشابهتهم في أخلاقهم وسلوكياتهم كالحسد والبغي وكتم العلم أو الغلو في الدين وغير ذلك كثير. كل ذلك ليضمن تميز الشخصية المسلمة ويحول دون ذوبانها في شخصيات غيرها وانصهارها بهم مما يورث ضعفها ودخول الفرقة بين صفوفها (١). ودل على هذا النهي نصوص الكتاب والسنة وما ورد عن الصحابة ﵃. يقول الله : وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:١٦ـ ١٨].فنهى الله نبيه ﷺ عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون, وأهواؤهم: هو ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه, ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به (٢).ولقد دلت السنة المطهرة على النهي عن مشابهة الكافرين والإخبار أيضا أن هذا سيقع, ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن)) (٣).وهذا كله خرج منه ﵊ مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبرعما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات فعلم أن مشابهتها: اليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله (٤).ولقد أكد النهي عن مشابهة الكافرين والتحذير منه الصحابة الكرام ﵃ بما أخبروا من وقوعه: فيقول عبدالله بن عباس ﵄: لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا كائن فيكم (٥)

стр. 35

بل إن حذيفة ﵁ يؤكد عدم خصوصية بني إسرائيل بما وقع منهم وأن ما وقع منهم سيقع مثله في هذه الأمة ... فعن الهمام بن الحارث قال: كنا عند حذيفة فذكروا: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]. وقال رجل من القوم: إنما هذه في بني إسرائيل فقال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المر! كلا والذي نفسي بيده حتى تحذى السنة بالسنة حذو القذة بالقذة (١) ويقول عبدالله بن عمرو بن العاص: "لتركبن سنة من قبلكم حلوها ومرها (٢).ويقول عبدالله بن مسعود ﵁: " إن أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل أنتم تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله (٣) كل هذه النصوص وغيرها جاءت تخبر عن وقوع ذلك ليحذر. ومما خص بالنهي عن مشابهتهم فيه النهي عن الفرقة وقد جاءت النصوص تنهي عن مشابهة الكافرين في الفرقة بطرق ثلاث: ١ـ بيان أن التفرق والاختلاف من أمور الكافرين من المشركين وأهل الكتابين والذين نهينا عن مشابهتهم جملة في أمورهم الدينية والدنيوية. يقول الله : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥]. فالله ينهى المؤمنون من أن يشابهوا اليهود والنصارى ويتابعوهم في تفرقهم واختلافهم. وهذا النهي ليس هو نهي عن المشابهة فقط بل حقيقته نهي عن التفرق والاختلاف في الدين. يقول عبدالله بن عباس ﵄: قوله: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ ونحو هذا القرآن: أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة فنهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله (٤).ويقول الإمام إسماعيل بن كثير ﵀ عن الآية: ينهى ﵎ هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليه (٥).وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) (٦).ومن النصوص الواردة في النهي عن مشابهة الكافرين في تفرقهم قوله : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:٣١ - ٣٢]. فنهى الله في هذه الآية عن مشابهة أهل الشرك بالله سبحانه الذين بدلوا دينهم وخالفوه ففارقوه وكانوا أحزابا وفرقا كاليهود والنصارى وغيرهم (٧).

стр. 36

٢ـ الطريق الثاني في النهي عن الفرقة هنا: بيان سبب تفرق أهل الكتاب ليحذر المسلم ولا يسلك سبيلهم. فلقد وردت النصوص الكثيرة التي تذكر اختلاف أهل الكتاب في الدين وتفرقهم عن الحق وأن هذا الاختلاف والتفرق لم يكن عن جهل منهم للحق ولم يكن قصور في التبليغ بل بلغوا وبين لهم أتم البيان وجاءتهم الحجج الواضحات وقامت عليهم البراهين الساطعات بالحق المبين من رب العالمين ولكنهم استكبروا وأعرضوا عن الحق بغيا وعدوانا وظلما, ولقد أعمتهم الدنيا عن رؤية الحق وأطغاهم طلب الملك وحب الرياسة عن العدل واتباع دين الله فكان حالهم أن تنكبوا الطريق وحادوا عن الصراط المستقيم ووقعوا في الفرقة والاختلاف (١). يقول المولى الكريم سبحانه: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] ونصب بغيا على معنى المفعول له فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم (٢). ويخبرنا الله تعالى بما أعطى بني إسرائيل من الدلائل والحجج الواضحات والنعم السابغات فيقول: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون [الجاثية:١٦ - ١٧]. فانظر رعاك الله ما أنعم الله على بني إسرائيل وما أعطاهم من الدلائل التي تهديهم إلى الحق وتجمعهم وتعليهم وتوصلهم إلى رضوان الله ومع ذلك أعرضوا وأقبلوا على الدنيا فتنافسوها فأهلكتهم وبغى بعضهم على بعض فاختلفوا وتفرقوا (٣) والآيات في هذا الباب كثيرة, وعلى المسلم أن يعتبر بمن كان قبلنا ولا يجعل الدنيا تصده عن دين الله ولا حب الرياسة وإتباع الهوى يلهيه عن ذكر الله, وليعلم أن النجاة في العمل بما أمر الله وأمر رسوله ﷺ وأن الضلال في الإعراض عن اتبعاهما والخروج عن طاعتهما.

стр. 37

٣ـ الطريق الثالث في التحذير من الفرقة: بيان أن الفرقة والاختلاف كانت سبب هلاك الأمم الماضية ولقد جاءت نصوص كثيرة تحذر من الفرقة بالتنبيه على هذا الأمر المهم والتأكيد عليه ليحذر المسلم من ذلك ويعتبر بمن سبق ويلزم الجماعة ففيها العصمة. ففي الحديث عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((سمعت رجلا قرأ آية وسمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها فجئت به النبي ﷺ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: " كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) (١).فانظر كيف كره رسول الله ﷺ اختلافهم مع أن كلا القِرَاءتين صحيحة حيث قال: كلاكما محسن " فهو مصيب إذ قرأ ما أقرأه رسول الله ﷺ ومع ذلك فقد كره اختلافهما ونهاهما عن ذلك فقال: ولا تختلفوا، وعلل سبب النهي بقوله: فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا فما كان الاختلاف يؤدي إلى الفرقة المؤدية إلى الهلكة كرهه ﷺ ونهى عنه (٢) ولقد فقه الصحابة ﵃ هذا عن رسول الله ﷺ وعلموا أن الفرقة تؤدي إلى الهلكة معتبرين بحال أهل الكتاب السابقين فلقد قدم حذيفة بن اليمان على عثمان ﵄ وكان حذيفة يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى (٣).يقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية معلقاً على حديث ابن مسعود السابق وأثر حذيفة بعد سوقهما: " فأفاد ذلك بشيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا. والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا والحذر من مشابهتهم. (٤) ولقد وردت نصوص كثيرة من السنة النبوية ووقائع متعددة في اختلاف بعض الصحابة عند رسول الله ﷺ في شيء من أمور الدين فيخرج عليهم رسول الله ﷺ غاضبا مستنكرا لاختلافهم محذرا إياهم مبينا لهم أن هذا الاختلاف كان سبب هلاك الأمم السابقة. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: إنما هلك من كان من الأمم باختلافهم في الكتاب)) (٥). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان! " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا؛ إنكم لستم مما ههنا في شيء انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه)) (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)) (٧) ولقد ذكرت روايات عدة ليتبين للقارئ مقدار إنكاره ﵊ للاختلاف في دين الله؛ لأنه من موجبات الفرقة التي هي من أسباب الهلكة ولأن هذا الاختلاف هو سبب هلاك من قبلنا وسبب ضلالهم. فهل يعتبر سفهاء زماننا الذين يبحثون عن زلات العلماء ويعلنونها ويبحثون عن اختلافات الفقهاء ليبرزوها؟ دون فقه وفهم لأسباب الاختلاف ولا حتى لأنواعه فضلا عن أدبه. وهل يعتبر المسلمون وينظرون إلى أن سبب انحطاطهم وتخلفهم وتسلط الأعداء عليهم هو بسبب تفرقهم إذ الفرقة هي الهلكة والعصمة والنجاة لا تكون إلا بالجماعة والاجتماع على الحق: على طاعة الله ورسوله. وما فتئ أعداء الدين يحيكون الخطط ويدسون الدسائس لإضعاف المسلمين بتفريق جماعتهم وتشتيت كلمتهم كما سيتضح في الآتي إن شاء الله. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٦٣ - ١٧١

стр. 38

المبحث الحادي عشر: التفريق بين المسلمين من غايات وأهداف المنافقين والكافرين ما زال أعداء الدين منذ أن بزغت فجر الرسالة المحمدية يكيدون المكائد للإسلام وأهله, ويحملون الغل والحقد على هذا الدين ويحاولون جاهدين صد الناس عن الحق المبين وإضعاف المسلمين لأنهم يعلمون أن قوة المسلمين تعني إضعافهم وتنحيتهم عن القيادة والسيادة للبشرية ... فعبثا يحاول المسلمون استرضاءهم لأنهم لن يرضوا أبدا مهما قدم المسلمون من تنازلات دنيوية ولن يرضوا إلا بالتنازل عن هذا الدين العظيم يقول الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠] (١).ويقول الله ثناؤه: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٩]. ففي هذه الآية يحذر الله عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم (٢). ومن أساليب الكفار في الصد عن هذا الدين العظيم ومحاولاتهم لإضعاف المسلمين ما يسعون لتحقيقه جاهدين ببث الفرقة والاختلاف في المجتمع المسلم وإفساد ذات البين إذ من أكثر ما يؤزهم الجسد الواحد المسلم البناء المتراص المتحاب ولقد كانت محاولاتهم للتفريق منذ العهد النبوي ويسجل القرآن ذلك لينتبه المسلمون في حاضرهم ويعتبرون بما حصل من أعدائهم في السابق إذ ما زالوا يسعون لتحقيق الهدف نفسه: التفريق بين المسلمين يقول الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ٩٩].ففي هذه الآية توبيخ ووعيد من الله تعالى للكفرة من أهل الكتاب على عنادهم للحق وكفرهم بآيات الله وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم (٣).وهم في ذلك يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج ويطلبون العدول عن القصد (٤) ويريدون لأهل دين الله الضلال (٥).

стр. 39

ويروي محمد بن جرير الطبري ﵀ سبب نزول هذه الآية: وهو أنه مر شاس بن قيس ـ وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاضه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شابا من اليهود وكان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فهي من الأشعارـ وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ـ ففعل فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا, ثم قال أحدهما لصحابه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة, وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة الحرة ـ فخرجوا إليها وتحاور الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: ((يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا)) فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع. وهذه المحاولات لإضعاف المسلمين وتفريقهم على مبدأ "فرق تسد" ليست قاصرة على الأعداء من الخارج بل هناك أعداء أخطر منهم أعداء ينخرون في المجتمع من الداخل: إنهم المنافقون الذين ذكرهم الله في كتابه وحذر منهم وبيّن شنيع أفعالهم وفضح مخططاتهم التي يستهدفون بها الإسلام وأهله فكان منهم الإرجاف والتخذيل للمسلمين وبث الخوف من الأعداء بين المجتمع المسلم ليتنازل عن حقه ودينه يقول الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: ١٨]. ويقول أيضا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران: ١٥٦].

стр. 40

وهذا الإرجاف والتخذيل وبث الانهزامية في نفوس المسلمين يفعله المنافقون بدافع الحسد والحقد لأبناء المجتمع المسلم وأشد ما يكدرهم وينغص عليهم فرحتهم أن يصيب المسلمين خير يقول الله تعالى: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:١١٩ـ ١٢٠]. وأقصى ما يتمنونه: إخراج المسلمين من الإسلام إلى الكفر حالهم حال أعداء الدين من اليهود والنصارى يقول الله تعالى عنهم: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء: ٨٩]. ولقد سعى المنافقون جاهدين لإفساد ذات البين والعمل على تفريق جماعة المسلمين وبث الخلاف في كلمتهم وتفكيك وحدتهم شانهم شأن كل عدو حاقد لهذا الدين.
следующие страницы →