٢ـ الطريق الثاني في النهي عن الفرقة هنا: بيان سبب تفرق أهل الكتاب ليحذر المسلم ولا يسلك سبيلهم. فلقد وردت النصوص الكثيرة التي تذكر اختلاف أهل الكتاب في الدين وتفرقهم عن الحق وأن هذا الاختلاف والتفرق لم يكن عن جهل منهم للحق ولم يكن قصور في التبليغ بل بلغوا وبين لهم أتم البيان وجاءتهم الحجج الواضحات وقامت عليهم البراهين الساطعات بالحق المبين من رب العالمين ولكنهم استكبروا وأعرضوا عن الحق بغيا وعدوانا وظلما, ولقد أعمتهم الدنيا عن رؤية الحق وأطغاهم طلب الملك وحب الرياسة عن العدل واتباع دين الله فكان حالهم أن تنكبوا الطريق وحادوا عن الصراط المستقيم ووقعوا في الفرقة والاختلاف (١).
يقول المولى الكريم سبحانه: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] ونصب بغيا على معنى المفعول له فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم (٢).
ويخبرنا الله تعالى بما أعطى بني إسرائيل من الدلائل والحجج الواضحات والنعم السابغات فيقول: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون [الجاثية:١٦ - ١٧]. فانظر رعاك الله ما أنعم الله على بني إسرائيل وما أعطاهم من الدلائل التي تهديهم إلى الحق وتجمعهم وتعليهم وتوصلهم إلى رضوان الله ومع ذلك أعرضوا وأقبلوا على الدنيا فتنافسوها فأهلكتهم وبغى بعضهم على بعض فاختلفوا وتفرقوا (٣)
والآيات في هذا الباب كثيرة, وعلى المسلم أن يعتبر بمن كان قبلنا ولا يجعل الدنيا تصده عن دين الله ولا حب الرياسة وإتباع الهوى يلهيه عن ذكر الله, وليعلم أن النجاة في العمل بما أمر الله وأمر رسوله ﷺ وأن الضلال في الإعراض عن اتبعاهما والخروج عن طاعتهما.
стр. 37
٣ـ الطريق الثالث في التحذير من الفرقة: بيان أن الفرقة والاختلاف كانت سبب هلاك الأمم الماضية ولقد جاءت نصوص كثيرة تحذر من الفرقة بالتنبيه على هذا الأمر المهم والتأكيد عليه ليحذر المسلم من ذلك ويعتبر بمن سبق ويلزم الجماعة ففيها العصمة. ففي الحديث عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((سمعت رجلا قرأ آية وسمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها فجئت به النبي ﷺ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: " كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) (١).فانظر كيف كره رسول الله ﷺ اختلافهم مع أن كلا القِرَاءتين صحيحة حيث قال: كلاكما محسن " فهو مصيب إذ قرأ ما أقرأه رسول الله ﷺ ومع ذلك فقد كره اختلافهما ونهاهما عن ذلك فقال: ولا تختلفوا، وعلل سبب النهي بقوله: فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا فما كان الاختلاف يؤدي إلى الفرقة المؤدية إلى الهلكة كرهه ﷺ ونهى عنه (٢) ولقد فقه الصحابة ﵃ هذا عن رسول الله ﷺ وعلموا أن الفرقة تؤدي إلى الهلكة معتبرين بحال أهل الكتاب السابقين فلقد قدم حذيفة بن اليمان على عثمان ﵄ وكان حذيفة يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى (٣).يقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية معلقاً على حديث ابن مسعود السابق وأثر حذيفة بعد سوقهما: " فأفاد ذلك بشيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا. والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا والحذر من مشابهتهم. (٤)
ولقد وردت نصوص كثيرة من السنة النبوية ووقائع متعددة في اختلاف بعض الصحابة عند رسول الله ﷺ في شيء من أمور الدين فيخرج عليهم رسول الله ﷺ غاضبا مستنكرا لاختلافهم محذرا إياهم مبينا لهم أن هذا الاختلاف كان سبب هلاك الأمم السابقة. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: إنما هلك من كان من الأمم باختلافهم في الكتاب)) (٥). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان! " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا؛ إنكم لستم مما ههنا في شيء انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه)) (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)) (٧)
ولقد ذكرت روايات عدة ليتبين للقارئ مقدار إنكاره ﵊ للاختلاف في دين الله؛ لأنه من موجبات الفرقة التي هي من أسباب الهلكة ولأن هذا الاختلاف هو سبب هلاك من قبلنا وسبب ضلالهم.
فهل يعتبر سفهاء زماننا الذين يبحثون عن زلات العلماء ويعلنونها ويبحثون عن اختلافات الفقهاء ليبرزوها؟ دون فقه وفهم لأسباب الاختلاف ولا حتى لأنواعه فضلا عن أدبه. وهل يعتبر المسلمون وينظرون إلى أن سبب انحطاطهم وتخلفهم وتسلط الأعداء عليهم هو بسبب تفرقهم إذ الفرقة هي الهلكة والعصمة والنجاة لا تكون إلا بالجماعة والاجتماع على الحق: على طاعة الله ورسوله.
وما فتئ أعداء الدين يحيكون الخطط ويدسون الدسائس لإضعاف المسلمين بتفريق جماعتهم وتشتيت كلمتهم كما سيتضح في الآتي إن شاء الله.
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٦٣ - ١٧١
стр. 38
المبحث الحادي عشر: التفريق بين المسلمين من غايات وأهداف المنافقين والكافرين ما زال أعداء الدين منذ أن بزغت فجر الرسالة المحمدية يكيدون المكائد للإسلام وأهله, ويحملون الغل والحقد على هذا الدين ويحاولون جاهدين صد الناس عن الحق المبين وإضعاف المسلمين لأنهم يعلمون أن قوة المسلمين تعني إضعافهم وتنحيتهم عن القيادة والسيادة للبشرية ... فعبثا يحاول المسلمون استرضاءهم لأنهم لن يرضوا أبدا مهما قدم المسلمون من تنازلات دنيوية ولن يرضوا إلا بالتنازل عن هذا الدين العظيم يقول الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠] (١).ويقول الله ثناؤه: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٩]. ففي هذه الآية يحذر الله عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم (٢).
ومن أساليب الكفار في الصد عن هذا الدين العظيم ومحاولاتهم لإضعاف المسلمين ما يسعون لتحقيقه جاهدين ببث الفرقة والاختلاف في المجتمع المسلم وإفساد ذات البين إذ من أكثر ما يؤزهم الجسد الواحد المسلم البناء المتراص المتحاب ولقد كانت محاولاتهم للتفريق منذ العهد النبوي ويسجل القرآن ذلك لينتبه المسلمون في حاضرهم ويعتبرون بما حصل من أعدائهم في السابق إذ ما زالوا يسعون لتحقيق الهدف نفسه: التفريق بين المسلمين يقول الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ٩٩].ففي هذه الآية توبيخ ووعيد من الله تعالى للكفرة من أهل الكتاب على عنادهم للحق وكفرهم بآيات الله وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم (٣).وهم في ذلك يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج ويطلبون العدول عن القصد (٤) ويريدون لأهل دين الله الضلال (٥).
стр. 39
ويروي محمد بن جرير الطبري ﵀ سبب نزول هذه الآية: وهو أنه مر شاس بن قيس ـ وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاضه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شابا من اليهود وكان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فهي من الأشعارـ وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ـ ففعل فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا, ثم قال أحدهما لصحابه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة, وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة الحرة ـ فخرجوا إليها وتحاور الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: ((يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا)) فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع.
وهذه المحاولات لإضعاف المسلمين وتفريقهم على مبدأ "فرق تسد" ليست قاصرة على الأعداء من الخارج بل هناك أعداء أخطر منهم أعداء ينخرون في المجتمع من الداخل: إنهم المنافقون الذين ذكرهم الله في كتابه وحذر منهم وبيّن شنيع أفعالهم وفضح مخططاتهم التي يستهدفون بها الإسلام وأهله فكان منهم الإرجاف والتخذيل للمسلمين وبث الخوف من الأعداء بين المجتمع المسلم ليتنازل عن حقه ودينه يقول الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: ١٨]. ويقول أيضا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران: ١٥٦].
стр. 40
وهذا الإرجاف والتخذيل وبث الانهزامية في نفوس المسلمين يفعله المنافقون بدافع الحسد والحقد لأبناء المجتمع المسلم وأشد ما يكدرهم وينغص عليهم فرحتهم أن يصيب المسلمين خير يقول الله تعالى: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:١١٩ـ ١٢٠].
وأقصى ما يتمنونه: إخراج المسلمين من الإسلام إلى الكفر حالهم حال أعداء الدين من اليهود والنصارى يقول الله تعالى عنهم: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء: ٨٩].
ولقد سعى المنافقون جاهدين لإفساد ذات البين والعمل على تفريق جماعة المسلمين وبث الخلاف في كلمتهم وتفكيك وحدتهم شانهم شأن كل عدو حاقد لهذا الدين.
стр. 41
يقول الله ﵎: وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨] وسبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة واجتمع إلى المدينة المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان ولما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه, وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه, فقال: ((إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله)) فلما قفل ﵇ راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة (١).فانظر رعاك الله وتأمل سبب نزول هذه الآيات وكيف حرص المنافقون على تفريق المسلمين باتخاذ مسجدا ضرارا لمسجد رسول الله ﷺ كفرا بالله ومحادة لرسول ﷺ فيصلي فيه بعض المؤمنين دون مسجد رسول الله ﷺ وبعضهم في مسجد رسول الله ﷺ فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا (٢) يقول عبدالله بن عباس ﵄: " لما بنى رسول الله ﷺ مسجد قباء خرج رجال من الأنصار فبنوا مسجد النفاق (٣) ويقصد بمسجد النفاق: مسجد الضرار المذكور في الآية.
стр. 42
وهؤلاء المنافقون رغم أعمالهم الشنيعة وأفعالهم المفضوحة ما زالوا يحاولون الاستتار وإظهار خلاف ما يبطنون لذلك دائما يزعمون الإحسان ويرفعون شعار الإصلاح لتروج أكاذيبهم وتنطوي حيلهم وخدعهم على ضعاف الإيمان وعلى قليلي العلم لذلك زعموا أن قصدهم من بناء هذا المسجد كل خير وإحسان فقالوا: وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى (١)
ولكن هيهات أن تنطلي حيل المنافقين وأكاذيبهم على رب العالمين ولا على عباده العالمين بقول الله وقول رسوله ﷺ .
لذلك نهى الله رسوله ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن يقام في هذا المسجد الضرار أي: يصلي فيه أبدا فقال: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى: وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله فقال سبحانه: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] (٢) فها هي ذا الحوادث والوقائع منذ القرن الأول للإسلام ومحاولات أعداء الدين في تفريق المسلمين التي سجلها القرآن الكريم كل ذلك نهيا للأمة عن الفرقة وتحذيرا منها فهل يدفع ذلك المسلمين إلى الاتحاد وجمع الكلمة ورأب الصدع؟ وهل تستفيق الأمة من غفلتها؟ وتعمل على توحيد صفوفها إذ في ذلك قوتها وإعلاء لدينها وغيظ ودحر لعدوها أسأل الله ذلك فالمستقبل للأمة مشرق والوعد الرباني محقق كما في الحديث عن رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) (٣)
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٧١ - ١٧٨
стр. 43
المبحث الثاني عشر: الفرقة من وسائل الشيطان ومكائده التي ينصبها للمسلمين على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة
ما يزال الشيطان يعلن العداوة لبني الإنسان منذ أن لُعن وطُرد من رحمة الله ولقد طلب من الله الإنظار وطول الحياة ليضل العباد ويفتنهم عن دينهم.
ولقد توعد العدو باتخاذ كافة السبل لذلك قال الله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:١٣ـ ١٧].
توعد عدو الله بأن يصد الناس عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله بسلوكه وحذرنا المولى سبحانه من الحياد عنه واتخاذ السبل والضلالات مكانه كما قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].يقول عبدالله بن مسعود ﵁: "إن الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبدالله هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل الله فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله" (١).
стр. 44
وما زال الشيطان بآدم ﵇ حتى أخرجه من الجنة وما زال ببني آدم حتى أوقع بينهم الفرقة والعداوة بصدهم عن الإيمان بالله تعالى وإيقاع الكفر والشرك الذي فرقهم قال تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ١٩].قال ترجمان القرآن عبدالله بن عباس ﵄: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً: كانوا على الإسلام كلهم (١).ويذكر الإمام عبدالرحمن بن الجوزي ﵀ كيد الشيطان لآدم ﵇ ثم كيده لأحد ولدي آدم بقتل أخيه ثم يذكر أن الأمر جرى بعد ذلك على السداد والاستقامة وكانت الأمة واحدة والدين واحد والمعبود واحد كما قال قتادة ﵀: " كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا فكادهم العدو إبليس وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين: كفارا ومؤمنين (٢) فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث (٣) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: ((ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بما لم أنزل به سلطانا .. )) (٤)
فالشيطان حريص على تفريق الناس وتحزيبهم بصدهم عن توحيد الله الذي يجمعهم وإلقاء الشرك ونشره بينهم فهو كفيل بتفريقهم.
يقول ابن الجوزي ﵀: اعلم أن الأنبياء جاءوا بالبيان الكافي وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي وتوافقوا على منهاج لم يختلف فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبها وبالدواء سما وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة وبدع قبيحة فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام ... فابتعث الله محمدا ﷺ فرفع القابح وشرع المصالح فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات فعادت الأهواء تنشئ بدعا وتضيف سبيلا ما زال متسعا ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعا ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح (٥).يقول عبدالله بن عباس ﵄: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها (٦)
стр. 45
ويقول المولى سبحانه محذرا المؤمنين من أن تنطلي عليهم حيل الشيطان ومكائده يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون [المائدة:٩٠ـ ٩١].فالشيطان حريص على إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ليفترقوا وهو يسلك كل سبيل ليصل إلى هدفه بل إن من الأعمال المحببة إليه التفريق بين الرجل وزوجته وبضعف الأسرة يضعف المجتمع ويضعف أفراده ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت)) (١).
بل إن التفريق بين الناس جماعات وأفرادا هي من مكائده وحبائله منذ قديم الزمان فهاهو ذا يسعى بالتفريق بين يوسف ﵇ وإخوته إذ يلقي العداوة والبغضاء في نفوس إخوة يوسف لأخيهم يوسف ﵇ فيقدمون على التخلص منه بإلقائه في البئر يقول تعالى حاكيا عن يوسف: وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: ١٠٠] وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)) (٢).ومعناه: أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها (٣).ولذلك حرص الإسلام أشد الحرص على سد هذه الطرق في وجه الشيطان فلا يستطيع أن يلج منها ليفرق بين المؤمنين فاعتنى الإسلام بغرس معنى المحبة الإيمانية في القلوب وجعلها من أوثق عرى الإيمان وصان وحافظ على الحقوق الأخوية بالنهي عن التباغض والتحاسد والتجسس وكل ما يورث عداوة وفرقة بين المسلمين بل جعل شرط كمال الإيمان أن يحب المرء ما يحبه لنفسه ودلنا على كل ما يوطد الحب في الله ليتحقق الجسد الواحد والبناء المتراص المتلاحم الذي يصمد ويتصدى لخطط الشيطان ومكائده في التحريش بين المسلمين (٤)
يقول الله تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: ٥٣] يقول الحافظ إسماعيل بن كثير ﵀ عن هذه الآية: يأمر ﵎ عبده ورسوله أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم وأخرج الكلام إلى الفعال ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم, وعداوته ظاهرة بينة ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده أي: فربما أصابه (٥)
стр. 46
ولقد دعا الله سبحانه المؤمنين كافة بالدخول في الإسلام وطاعة الله والتمسك بها وأمرهم بلزومها وحذرهم من خطوات الشيطان وخطراته التي يوسوس بها ليصدهم عن دين الله ويفرقهم عن صراطه المستقيم فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] ولقد تفطن علي بن أبي طالب ﵁ إلى مكائد الشيطان وحيله ونبه عليها فقال حينما قتل الخوارج بالنهروان: بؤساً لكم! لقد ضركم من غركم فقالوا: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم أنهم ظاهرون (١).
وبين الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية كيد الشيطان وحيله أنه بإلقاء الشبهات فيها وتزيين الآراء والبدع لها فيقول ﵀: ومن مكائده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيّل له أنه يضره فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان؟! وكم حال بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان؟ وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين؟ فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك في مهلكٍ بعد مهلك (٢)
أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٧٨ - ١٨٤
стр. 47
المبحث الأول: الجهل
لقد حثّ الله تعالى على العلم وبين منزلة العلماء والثواب العظيم عند الله قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١].
وذم الله تعالى الجهل وحذر منه وبيّن أنه سبب إعراض المعرضين عن دعوة الأنبياء والمرسلين وأن الناس لجهلهم كذبوا بهم يقول تعالى مخبراً عن قول نوح لقومه: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [هود: ٢٩].
وذكر سبحانه أن الجهل هو الذي دفع قوم لوط لعمل جريمتهم البشعة من اللواط, يقول تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٥]
والجهل أيضا يدفع الناس للشرك بالله قال تعال عن موسى ﵇ وقومه: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨].ويعتبر ظهور الجهل وانتشاره من علامات قرب وقوع الساعة ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج: القتل)) (١).وقال أيضا: ((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا)) (٢).فرتب ﵇ على قلة العلم ورفعه وظهور الجهل وكثرته كثرة وقوع المحرمات وانتهاكها ومن أعظمها القتل وهو الهرج وهذا القتل الذي يقع هو: بين المسلمين بعضهم البعض وهو دليل على تفرقهم ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((إن بين يدي الساعة لهرجا قال: قلت يا رسول الله ما الهرج؟ قال: القتل ... ثم قال: ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضا ... الحديث)) (٣)
وهذا الجهل الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ أنه سيقع في الأمة وأنه سيكون من أسباب تفرقها هو جهل بأمرين.
أـ الجهل بعلوم الشريعة.
ب ـ الجهل باللغة العربية.
стр. 48
أـ الجهل بعلوم الشريعة: لما علم الصحابة رضوان الله عليهم خطورة الجهل على مستوى الفرد وعلى الجماعة حرصوا على تعليم الناس أمور دينهم وعلى تلقين أبنائهم أصول الاعتقاد وتوصيتهم بالتمسك بالسنة. فكان عبدالله بن مسعود ﵁ يوصي الناس بتعلم العلم فيقول: عليك بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله أو قال أصحابه (١) إذ الجهل خطر عظيم يقود الناس إلى البدعة والإحداث في الدين والسير على غير هدى وخير مثال على ذلك ما حدث وعبدالله بن مسعود حاضر وذلك أن أناسا من أهل الكوفة خرجوا إلى الجبانة يتعبدون واتخذوا مسجدا وبنوا بنيانا فأتاهم عبدالله بن مسعود فقالوا: مرحبا بك يا أبا عبدالرحمن لقد سرنا أن تزورنا قال: ما أتيتكم زائرا ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! أريتم لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومن كان يقيم الحدود ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم وعلموا من أنتم أعلم منهم قال واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم (٢).
فانظر كيف عزا ابن مسعود ﵁ ما فعلوه إلى الجهل إذ أمرهم بالتعلم فقال: ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم.
стр. 49
وهذا ما فقهه ترجمان القرآن عبدالله بن عباس ﵄ وأن أشد ما يفرق الأمة ويوقع بينها اختلاف هو الجهل بدينها فقد خلا عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ودينها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس ﵄ فقال: كيف تختلف هذه ونبيها واحد وقبلتها واحدة ـ زاد سعيد وكتابها واحد ـ قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم فيه رأي فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا قال: فزجره عمر وانتهره عليّ فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه وقال: أعد عليّ ما قلته فأعاد عليه فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله ابن عباس ﵄ هو الحق فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها فلم يتعد ذلك فيها وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أو جهل فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات فلم يكن بد من الأخذ ببادئ الرأي أو التأويل بالترخص الذي لا يغني من الحق شيئا إذ لا دليل عليه من الشريعة فضلوا وأضلوا. (١) لذلك كان على المجتهد المتصدر للتعليم والفتيا العلم بعلوم الشريعة المتضمن العلم بكتاب الله تعالى وما يلحق به من معرفة أحكامه ومعانيه وفرضه وأدبه وإرشاده وإباحته وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه (٢) وعليه أيضا العلم بالسنة النبوية دراية ورواية (٣) وكذلك عليه العلم بالإجماع والقياس يقول الإمام الشافعي ﵀: على أن ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ... (٤) فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا .. وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله (٥).ومن العلم بعلوم الشريعة العلم بمقاصدها وقواعدها الكلية (٦)، ولقد نبه رسول الله ﷺ إلى ذلك وأخبر أن الأمة ستبتلى بمن يدعي العلم وليس له حظ منه إلا حفظ النصوص دون فهم لمعانيها، واستيعاب لها أو معرفة بمقاصد الشريعة وقواعدها ومتى صدر ـ من هذا شأنه ـ وترأس حدثت الفتنة ووقعت الفرقة يقول النبي ﷺ واصفا الخوارج: ((إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) (٧).
стр. 50
ولقد تربى الصحابة ﵃ على يد محمد ﷺ على تلقي النصوص وفهمها واستيعابها والعمل بها, يقول عبدالله بن عمر ﵁: لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة. ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل"ومر علي بن أبي طالب على قاص فقال: " أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت (١)
стр. 51
فيجب على العلماء أن يلموا بعلوم الشريعة وأن يجمعوا الأمة بذلك ومتى ما اختل هذا الأمر وتصدر الناس ورأسهم من يدعي العلم وهو في الحقيقة جاهل بشيء مما مضى فهنا تقع الفتنة في الأمة والاختلاف في الدين ويصاب المجتمع المسلم بالفرقة. ولقد أخبرنا رسول الله ﷺ بوقوع هذا الأمر وحذرنا من ذلك ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) (١).ويزيد الشاطبي ﵀ المسألة تفصيلا ويبين أن من أسباب الفرقة: ترأس الجهلة، وأن الاختلاف المؤدي للفرقة لا يصدر أبدا من العلماء الراسخين في العلم فيقول: فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة العاملين بمواردها ومصادرها ثم يذكر أن الاختلاف المؤدي للفرقة والذي يلقي العداوة بين المسلمين إنما يقع حينما: يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ـ ولم يبلغ تلك الدرجة ـ فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين ـ كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم لكيانها حتى يصير منها ما ظهر له بادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها وهذا هو المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح (٢).ولقد جاء التحذير من ترؤس الجهلة على لسان رسول الله ﷺ وأخبر أن ذلك من أشراط الساعة فقال ﵊: ((إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)) (٣) والتماس العلم عند الأصاغر لا يكون إلا بترأسهم وتصدرهم للفتيا من جهة, وذهاب العلماء الراسخين أو تنحيتهم من جهة أخرى (٤) يقول عمر بن الخطاب ﵁: "ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم" (٥) وقال: "قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم: إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا" (٦) وقال ابن مسعود ﵁: " لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أكابرهم فإذا جاءهم العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا" (٧)
стр. 52
وليس المراد هنا بالأصاغر صغار السن فقد كان عمر ﵁ يستشير الصغار وكان القراء أهل مشورته كهولا وشبانا (١) ولكن الجهلة الذين يقولون برأيهم وبغير فقه في الكتاب والسنة فيضلون ويضلون وأهل البدع أصاغر في العلم. (٢).وقيل الذي يستفتى ولا علم عنده (٣).ولقد جاءت نصوص أخرى تحذر من ترؤس هؤلاء الجهلة وتصدرهم لقيادة الأمة إذ بذلك تجتلب المحن والفتن على المسلمين ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة)) (٤).إن ترؤس هؤلاء الأصاغر إضاعة للأمانة مؤذن بقرب قيام الساعة ففي الحديث عن رسول الله ﷺ حينما سأله أعرابي: متى الساعة؟ قال ﵊: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (٥).يقول ابن حجر: إن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر (٦).وما حدثت الفتنة في الأمة ودبت الفرقة إلا حينما تصدر مثل هؤلاء الناس وقادوهم, وهذا ما حدث في الفتنة على عثمان ﵁ وهذا كان وصف الخارجين عليه المقدمين على قتله, فقد كانوا من الأعراب ومن سفهاء الناس وعامتهم. ولما خرج سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى الخارجين على عثمان ـ وعثمان ﵁ محصورـ فرأى سعد ﵁ رؤساءهم صفق بيديه أحدهما على الأخرى ثم استرجع ثم أظهر الكلام فقال: والله إن أمرا هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء (٧).، وصدق ﵁ وهل أسوأ من قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه والذي نتج عن قتله اندلاع الفتن وفشو الفرقة في الأمة الإسلامية. والناظر لأحوال أهل البدع ورؤسائهم المفرقين للأمة شيعا، يجدهم بعيدين عن استيعاب علوم الشريعة جاهلين بفهم معانيها ومعرفة قواعدها ومقاصدها معرضين عن تتبع سنة رسول الله ﷺ وسنة الصحابة ﵃ وهذا ما أوقعهم في الاختلاف والفرقة (٨).ويبوب الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر ﵀ فيمن تأول القرآن وتدبره وهو جاهل بالسنة ثم يقول ... أهل البدع أجمع اضربوا عن السنة، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة فضلوا وأضلوا نعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة برحمته (٩).
стр. 53
ولجهل أهل البدع نجدهم عند مناظرتهم لأهل السنة العالمين بقول الله وقول رسوله نجدهم ينقطعون ويحيدون في المناظرة بالمنقول من الكتاب والسنة ويقرون على أنفسهم بذلك وأنهم إنما يجيدون الرأي والنظر والقياس فهذا بشر المريسي، لما ناظر الإمام عبدالعزيز بن يحيى الكناني في مسألة خلق القرآن التي يدعيها بشر وكانت المناظرة بحضرة الخليفة العباسي " المأمون" أظهر بشر من الجهل بالقرآن والسنة الشيء الكثير ولما حاد عن المناظرة بنص التنزيل قال: عندي أشياء كثيرة إلا أنه (أي الإمام عبدالعزيز الكناني) يقول بنص التنزيل وأنا أقول بالنظر والقياس فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره (١).ولا عجب أن يكون هذا حال أصحاب البدع من الجهل بالكتاب والسنة والبعد عن تلقي العلم من السلف الصالح وتصدرهم قبل استيعابهم لما قال الله وقال رسوله ﷺ مع دخول الشبهات إليهم فهذا واصل بن عطاء اعتزل حلقة الحسن البصري وكون له حلقة يرأسها يعلم فيها الناس رأيه فضل وأضل (٢).وهؤلاء الخوارج الأزارقة فأول من أظهر البدع الزائدة فيهم رجل يقال له: عبد ربه الكبير وهو بائع رمان وعبد ربه الصغير وهو معلم كتاب (٣). وهذا جهم بن صفوان يُسأل عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فيفتي بأن عليها العدة فيخالف كتاب الله بجهله فقد قال تعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [النساء: ٨٨].لذلك يوصي أبو الدرداء ﵁ هذه الوصية العظيمة فيقول: "تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب بأصحابه، العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيهم إن أغنى الناس رجل عالم افتقر إلى علمه فنفع من افتقر إليه، وإن استغنى عن علمه نفع نفسه بالعلم الذي وضع الله عنده فمالي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون ولقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر ولو أن العالم طلب العلم لازداد علما وما نقص العلم شيئا ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائما فمالي أراكم شباعا من الطعام جياعا من العلم (٤).
تنبيهات:
стр. 54
١ـ إن من الجهل: عدم العمل بالعلم, ولقد ذم الله سبحانه علماء السوء الذين يقولون ما لا يعملون فقال أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤] لذلك كان الصحابة ﵃ حريصين على العمل الذي علموه يخافون من السؤال يوم القيامة يقول أبو الدرداء ﵁: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: وقد علمت فماذا عملت فيما علمت (١).، ويوصينا ﵁ فيقول: لا تكون تقيا حتى تكون عالما ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا (٢).ويقول ابن مسعود ﵁: " تعلموا، تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا (٣).ويقول الشاطبي: " العلم المعتبر شرعا ـ أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان, بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها (٤).
стр. 55
ثم إن مخالفة عمل العالم لقوله الذي يدعو إليه قد يصد الناس عن دين الله تعالى خاصة إذا كان عمله ظاهرا لهم, ثم إنه قد يوقعهم في الفتنة من حيث هو عالم فيقتدي بعمله الناس قد يتلبس عليهم من عمله ما هو صحيح موافق للحق بما هو باطل فالله المستعان.٢ـ إن من الجهل: عدم فهم الدليل ووضعه في غير موضعه وهذا نتيجة قصور العلم لذلك وصف رسول الله ﷺ الخوارج بأنهم ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم)) (١).يقول ابن تيمية: وكانت البدع الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه" (٢).٣ـ من الجهل: المنازعة في المسألة قبل استكمال العلم وإحكامه وجمع حواشيه وأطرافه (٣).، فيظن المسلم أنه بقراءته للقرآن قد استكمل العلم فيذهب للمنازعة وإنكار ما يجهله فلقد أنكرت أم يعقوب على عبدالله بن مسعود لعنه للواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قالت له: ما هذا؟ قال: "ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ في كتاب الله" قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته فقال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧] (٤).لذلك أرشدنا رسول الله ﷺ إلى ما يفعله المسلم عند الجهل ببعض العلم فقال: ((ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)) (٥). ولم يقل نازعوا فيه أو اعملوا برأيكم أو ردوا ما جهلتم.٤ـ إن من الجهل: أن ينكر الإنسان ما يجهله وما غاب عن علمه خاصة إذا كان مع المخالف فيقع منه التكذيب ببعض الحق ومن الجهل أن يرد بعض الحق الذي يكون مع مخالفه إذا كان مختلطا بالباطل فيؤدي هذا الرد إلى الاختلاف والنزاع (٦).
٥ـ إن من الجهل: الانشغال والاهتمام بالعلوم الدنيوية التي يتحصل المسلم بها على وظيفة ودخل ويكون انشغاله على حساب تعلمه أمور دينه الأساسية فكثيرا ما نجد من المسلمين من بلغ مراتب عالية في العلوم الدنيوية ولكنه قليل العلم في أمور دينه حتى لا يكاد يفرق بين أركان الصلاة وواجباتها فضلا عن مستحباتها فيكون بذلك لقمة سائغة وبيئة خصبة لتقبل البدع ونشرها إذ لا حصانة لديه من العلم الشرعي الصحيح. لهذا يجب على ولاة الأمر والمربين الحرص على تزويد المناهج الدراسية بالعلوم الشرعية الكفيلة بتزويد المسلم كفايته وحاجته مع تعليمهم العلوم الدنيوية فلا تعارض البتة بين الأمرين (٧).
стр. 56
٦ـ إن من الجهل: تجزئة الشريعة والأخذ ببعض النصوص بدون بعض أو الزعم بالاستغناء بالقرآن الكريم عن السنة النبوية. يقول الشاطبي ﵀: ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد والجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبضع فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها .. إلى أن قال: " فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان .. وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما؛ أي دليل كان عفوا وأخذاً، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به (١).
وينبغي للمسلم أن يتنبه إلى مخططات أعداء الدين الموجهة للمسلمين من محاولتهم تجزئة الشريعة والحد من العمل بها وتعطيل بعض أحكامها لإضعاف المجتمع المسلم ومحاولتهم الدائمة لتشكيك الناس في السنة النبوية يقولون في أحد مؤتمراتهم التنصيرية في معرض خططهم لمحاربة الإسلام وإضعاف المسلمين والسيطرة عليهم: " وهناك خطان رئيسيان يجب أن توجه على امتدادهما هذه الدراسة المكثفة و" القاهرة" المسلمة تمثلهما. الأول: وهو علم التوحيد والفلسفة التقليدين القديمين اللذين تمثلهما جامعة الأزهر. والثاني: هو الحركة العصرية التي تمس بقدر كبير أو قليل كل مسلم شاب يتلقى تعليما على النمط الغربي والذي كما قلت يكمن في محاولة النفاذ إلى الجذرية التاريخية العملية للإسلام وإمعان النظر في وضع خطة لسياسة جديدة وعلم توحيد جديد وفلسفة جديدة ومجتمع جديد على أساس من القرآن من غير إضافة من التراث مهما كانت.
ولقد علم أعداء الدين أهمية العلم الشرعي في بقاء الأمة المسلمة وقوتها وعلموا أيضا خطورة الجهل وكيف أنه أقوى سلاح لتفريق هذه الأمة ومن ثم السيطرة عليها فعمدوا جاهدين إلى نشر الجهل بالدين الإسلامي بين صفوف أبنائه ومحاولة فصل المسلم عن دينه ثم استغلال المسلمين الجهلاء لبث مخططاتهم الاحتلالية ولمد نفوذهم على ثروات المسلمين بل وعقولهم.
ولقد سلكوا وسائل عدة لتحقيق هدفهم من نشر الجهل بين المسلمين منها:
стр. 57
ـ استفادوا من فترة احتلالهم لبلاد المسلمين بالتدخل في المناهج التعليمية، ومحاولة إحلال المنهج الغربي ـ كما يدعون ـ مكان المناهج الإسلامية في البلاد المحتلة. ـ عملوا على محاولة استبعاد دراسة القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي في البرامج التعليمية العامة (١).،ـ العمل على تشويه عقائد المسلمين وإثارة الشكوك والشبهات حولها (٢)، عبر وسائل التربية والتعليم من جهة وعبر وسائل الإعلام من جهة أخرى وكم خدم المستأجرون والمندسون والمنافقون والجهلاء أعداء الدين في تحقيق أهدافه (٣).مساندة الحركات الهدامة التي تظهر بصورة الإسلام والإسلام منها براء كالقاديانية التي ما ترعرعت إلا في أحضان الاحتلال الإنجليزي للهند (٤)، والبهائية التي تخدم بوضوح مصالح وأهداف الصهيونية والصليبية (٥).
ولم يقتصر أعداء الدين من نشر الجهل بالدين الإسلامي وتعزيز وجوده بل عمدوا أيضا إلى محاولة تجهيل المسلمين بلغة دينهم لغة القرآن الكريم: " اللغة العربية" وهاك تفصيل ذلك وبيانه. ب ـ الجهل باللغة العربية: من الجهل الذي يؤدي إلى سوء فهم نصوص الشريعة ومن ثم تعدد الآراء وتفرقها هو الجهل باللغة العربية لذا عد تعلم اللغة العربية من العلوم الواجب على المجتهد معرفتها إذ علم اللغة العربية علم لا يحل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فالمجتهد بلا بد مضطر إليه (٦). يقول الإمام ابن عبد البر ﵀: "ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة لغتها ... وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن ـ يعني النحو ـ كما يتعلم القرآن (٧).ولقد كان عبدالله بن عمر ﵄ يضرب ولده على اللحن (٨). وما ذاك إلا لأن القرآن الكريم إنما نزل بلسان العرب على الجملة وطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة (٩).وكثيرا ما يقع الخطأ والاشتباه في فهم النصوص الشرعية بسبب الجهل بلسان العرب يقول الإمام الشافعي ﵀: " ... إن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها (١٠).
стр. 58
وكم من شبهة دخلت على أهل الفرقة والبدعة لجهلهم بلسان العرب ولقد عد الإمام الشاطبي من المآخذ التي تؤخذ على أهل البدع والتي تعد من سماتهم: تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العُرُوّ عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله: فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويخالفون الراسخين في العلم وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليس كذلك كما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قول الله : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:١١٧]، فقال: هو هذا الصرصر، يعني صرار الليل" ثم ذكر ﵀ أمثلة كثيرة تبين جهلهم بالعربية ثم قال: " فمثل الاستدلالات لا يعبأ بها وتسقط مكالمة أهلها .... إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: إنما هذا القران كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم، أي: فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى. وعن الحسن ﵀ أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقة؟ قال: نعم! فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك. وعنه أيضا قال: أهلكتكم العجمة تتأولون القرآن على غير تأويله (١).ويقول الشاطبي أيضا: " ولعلك إذا استقريت أهل البدع المتكلمين أو أكثرهم وجدتهم من أبناء سبايا الأمم ومن ليس له أصالة باللسان العربي، فعما قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه (٢).ولقد أظهر بشر المريسي القائل بخلق القرآن من جهله باللغة العربية ما أظهره عند مناظرته للإمام عبدالعزيز الكناني في أكثر من موضع, كان جهله بالعربية من أسباب قوله بخلق القرآن. حتى قال الإمام عبدالعزيز عنه: " وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله لأنهم ليسوا من العرب ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها, فتأول القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول وإنها تتكلم بالشيء كما يجري على لسانها وكل كلامهم ينقض بعضه بعضا, ولا يعتقدون ذلك من أنفسهم ولا يعتقده عليهم غيرهم لكثرة خطئهم ولحنهم وادعائهم لذلك وسمعت عبد الملك بن قريب الأصمعي وقد سأله رجل فقال له: أتدغم الفاء في الباء؟ فتبسم الأصمعي ـ وقبض على يدي وكان لي إلفاً صديقا ـ فقال: أما تسمع يا أبا محمد؟ ثم أقبل على السائل وهو متعجب من مسألته فقال: يا هذا أتدغم الفاء في الباء في لغة ماني الساساني .. فأما العرب فلا تعرف هذا (٣).إن جهل أصحاب البدع باللغة العربية جعلهم يقولون بأصولهم الاعتقادية البدعية والتي يفارقون بها جماعة المسلمين ويفرقون الأمة ويخالفون نصوص الكتاب والسنة وليس لهم مستند إلا الجهل والرأي والظن (٤).فقد جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو: من العجمة أتيت. يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد خلفا ولا عارا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى إن ذاك كرما وفضلا إنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله (٥).
стр. 59
فعلى المسلمين ولاة العناية باللغة العربية حكاية وفهما والحذر مما يحيكه أعداء الدين من المحاولات الأكيدة التي يعملونها لصرف المسلمين عن دينهم وكتاب ربهم بصرفهم عن اللغة العربية بوسائل شتى ودعاوى كاذبة, منها: أن اللغة العربية صعبة التناول والاستعمال ولا تواكب التقدم الحضاري المادي فأخذوا يدعون إلى إحلال اللهجة المحلية العامية مكانها كما دعوا إلى إحلال اللغة الأجنبية من إنجليزية أو فرنسية أو غيرها مكان اللغة العربية وجعل هذه اللغة الأجنبية هي لغة الدراسة واللغة الرسمية في البلاد كما عملوا إلى الدعوة إلى رسم المصحف بالرسم الإملائي الحديث وترك الرسم العثماني بدعوى التسهيل والتيسير وهدفهم صد المسلمين وتجهيلهم بالقرآن الكريم ولغته (١).
إن بتنحية اللغة العربية أو إهمالها يتحقق للأعداء هدفان وتضرب الأمة المسلمة بذلك ضربتين هما:
١ـ جهل الناس بدينهم وبفهم كتاب الله تعالى إذ ليس المقصود من نزول القرآن قراءته فقط بل تدبر معانيه والعمل به ولا يكون ذلك إلا لمن يجيد اللغة العربية.٢ـ تمزيق الأمة المسلمة، والقضاء على عامل من عوامل وحدة الأمة وتحقيق جماعتها ألا وهو عامل اللغة, فاللغة لغة القرآن الكريم هي من عوامل جمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فأنى اتجهت إلى قطر إسلامي ولقيت مسلما حييته بتحية الإسلام العربية " السلام وعليك ... فرد السلام باللسان العربي، وإن سألته عن حاله أجابك بلسان عربي: الحمد لله؛ تسري بينهم الألفة والمحبة وإن اختلفت ألوانهم وأجناسهم فالذي يجمعهم كتاب ربهم القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين (٢).وبهذه اللغة العربية لغة القرآن ولغة الدين يكتب الفكر وتكتب ثقافة الأمة أجمع فتتوحد الأمة وتستقل عن غيرها وتتبع كتاب ربها لا تتبع غيره (٣).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٨٨
стр. 60
المبحث الثاني: الابتداع وعدم الاتباع
إن من أعظم ما فرق الأمة الإسلامية وأوهن جسدها: الابتداع في دين الله تعالى، إذ لو فتح الباب لكل إنسان أن يقول في الدين برأيه، وأن يحدث في الشرع ما يستحسنه بذوقه لتفرقت سبل الضلالات بالجماعة المسلمة ـ وهي الآن كذلك ـلذلك نهينا عن اتباع السبل وأمرنا باتباع الصراط المستقيم كما يقول الله : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأنعام: ١٥٣ [] ولقد عنون الإمام الآجري الباب الأول من كتابه كتاب (الشريعة): " باب: ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة بل الاتباع وترك الابتداع (١).، فهو يرى ﵀ أنه بلزوم الجماعة يكون الاتباع وإن الفرقة تكون بالابتداع في دين الله.
ولقد جاء الأمر الأكيد بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والتحذير من الإحداث في الدين الذي لا يكون إحداثا إلا بترك سنة الرسول ﷺ , يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: ٥٩].
стр. 61
ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب:٣٦].وحذر ﷺ من الإحداث في الدين فيقول: ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) (١).وقال ﷺ : ((إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه السيف كائنا من كان)) (٢). والهنات جمع هنة: والمراد بها هنا الفتن والأمور الحادثة (٣). فالبدع والمحدثات تفرق الأمة المسلمة وفي حديث آخر بين ﷺ أن في ترك سنته واتباع البدع تفريق للجماعة فيقول حذيفة بن اليمان ﵁: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قال: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (٤) فذكر ﷺ من الأحوال التي ستحدث أنه سيأتي أقوام يهدون بغير هديه ويستنون بغير سنته وذكر ﷺ الدعاة على أبواب جهنم وهم من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال كالخوارج والقرامطة (٥).
стр. 62
وكأن حذيفة ﵁ فهم أن الأحوال السابقة من ترك السنة والعمل بالبدعة والدعوة إليها، كفيل بتمزيق الجماعة المسلمة لذلك سأل لما أمره ﷺ بلزوم الجماعة فقال: " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ وفي حديث آخر يبين ﷺ أن هذه البدع وهذا الإحداث في الدين يفرق الأمة المسلمة ويوقعها في الاضطراب فتهتز السلطة والقيادة، والذي من شأنه أن يريق دماء المسلمين لذلك يوصينا ﷺ بالسمع والطاعة على من تولى أمر المسلمين واجتمعت عليه كلمتهم ولو عبدا حبشيا ما دام أنه يسير بهم بكتاب الله تعالى فالعلاج الوحيد لما ستقع فيه الأمة ـ وهي واقعة الآن فيه ـ من الاختلاف والفرقة هو اتباع سنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده والابتعاد عن هذه الضلالات المفرقة للجماعة فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: ((وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)) (١).ولخطورة البدعة يحذرنا منها ﷺ وينهانا عنها فيقول: ((إياكم والبدع)) (٢). وليعلم أن الافتراق من لوازم البدعة والفرقة من سمات أصحابها يقول : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥]. قال قتادة: يعني أهل البدع (٣).يقول الشاطبي ﵀: "والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام (٤).ولقد جاء الحكم صريحا فيمن أحدث في الدين فقال ﵊: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٥). أي: مردود عليه غير مقبول، لما في هذا الإحداث من خطر بالغ على الدين يقول الإمام ابن القيم: ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها (٦)، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد (٧).ولقد حذر الصحابة من البدع، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن أصدق القيل قيل الله, وإن أحسن الهدي هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها (٨).وقال ابن مسعود ﵁: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (٩).
стр. 63
ولقد اشتد نكير ابن مسعود على من أحدث في الدين وابتدع قولا وعملا ومن ذلك أنه جاء ﵁ إلى قوم حلق جلوس في المسجد ينتظرون الصلاة وفي كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مئة فيكبرون فيقول هللوا مئة فيهللون مئة ويقول سبحوا مئة فيسبحون مئة. فجاءهم ﵁ مع جمع من أصحابه ووقف على إحدى تلك الحلق وقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضع من حسناتكم شيء! ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله ﷺ حدثنا: ((إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى. قال عمرو بن سلمة الكوفي: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١).وفي رواية أخرى: أنه ما زال يحصبهم بالحصا حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماً أو قد فضلتم أصحاب محمد علماً (٢).
فانظر كيف أنكر عليهم ابن مسعود بشدة ولم يعذرهم لحسن نيتهم بل قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه, إذ لا تكفي النية الحسنة للفعل ليقبل, بل لا بد من اتباع هدي محمد ﷺ وسنته ...
ويوصي ابن مسعود ﵁ بالاتباع فيقول: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. ويقول ابن عباس: عليكم بالاستقامة والاتباع, وإياكم والبدع (٣).ويقول الزبير بن العوام: السنن السنن فإن السنن قوام الدين (٤).
стр. 64
ووصايا الصحابة كثيرة متضافرة تأمر بالاتباع وتحذر من الابتداع ولقد سار من بعدهم على نهجهم من التحذير من البدع فأفردوا مصنفات خاصة تأمر بالاتباع ولزوم السنة وتحذر من البدع لخطورتها. حتى لو عدت البدعة بسيطة أو بدا الإحداث في الدين صغيراً, أو كان أمرا فرعياً ميسوراً, فإن لهذا خطره ويجب الحذر منه والنهي عنه. يقول الإمام البربهاري: واحذر صغار المحدثات من الأمو, فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً, وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت وصارت دينا يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام. فانظر رحمك الله كل من سمعت من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله ﷺ أو أحد من العلماء فإن وجدت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تتجاوز لشيء ولا تختار عليه شيئا فتسقط في النار (١).إن هذا التحذير من البدعة والهلاك الذي يحيط بصاحبها ليس فقط لخطورة البدعة على الفرد بل لخطورتها على الأمة وتقويضها لأركان الدين, ولقد أدرك أعداء الدين خطورة البدع وأهميتها في تفريق الجماعة المسلمة وزعزعة العقيدة الإسلامية التي توحد المسلمين وتجمعهم فعملوا على إشعال البدع بين المسلمين ومساندتها ورعايتها فما خرجت السبئية إلا من أحضان اليهودية، وما ضل جهم بن صفوان إلا بعد مناقشته للسمنية (٢).وما المعتزلة ومناهجهم الكلامية إلا من أثر الفلسفة اليونانية. وما زال أعداء الإسلام يواصلون طريقهم في محاولات جادة لإضلال المسلمين وصدهم عن دينهم بالتشكيك في السنة النبوية والطعن في شخصية الرسول ﷺ وإثارة الشبهات حولها (٣).
وما يقوم به المستشرقون من العمل على إخراج كتب البدع وتحقيقها ونشرها بدعوى إحياء التراث الإسلامي وما نشرت كتب الفلسفة وكتب أهل الاعتزال إلا تحت مسمى حرية الفكر والعقل المزعومة. أخيراً: إنه لا حياة للمسلمين ولا قوة لهم ولا نصر إلا باتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأن يقتدوا بالصحابة ﵃ في موقفهم منهما تسليماً وانقياداً واتباعاً وعلى المسلم أن يوقن أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وأن شر الأمور محدثاتها فهذا يدحر كل بدعة، يقول ابن القيم: فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالاستعانة والإخلاص وصدق اللجأ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان (٤).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٠٩
стр. 65
المبحث الثالث: تقديم الرأي على قول الله وقول رسوله ﷺ ... طريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوا بمعقول ولا قول فلان. فهذه طريقة أهل البدع في تلقي النصوص وهم كما وصفهم الفاروق عمر ﵁ أنهم أعداء السنن ويبين ﵁ سبب هذا العداء بين أهل الفرقة والبدعة وبين السنة فيقول: أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سُئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم (١).وفي رواية أخرى: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلوا (٢).لذلك اشتد نكير أهل السنة - كما قال ابن أبي العز الحنفي - على أصحاب الرأي لهذا المنهج السقيم الذي يهدم الدين ويفرق بين المسلمين يقول عبد الله بن مسعود ﵁ مبيناً خطورة تقديم الرأي على النص: لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله أما إني لا أعني أميراً خيراً من أمير ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاً ويجيء قوم يفتون برأيهم وفي لفظ آخر: وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه (٣) ... ويبين الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة أن منهج أهل السنة المقدّم لنصوص الوحي على كل قول هو الذي يجمع المسلمين بخلاف منهج أهل الرأي والكلام المقدّم لهما على قول الله وقول رسوله فيقول: ولو أردنا رحمك الله أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم لخرجنا من اجتماع إلى تشتت وعن نظام إلى تفرق وعن أنس إلى وحشة وعن اتفاق إلى اختلاف لأن أصحاب الحديث كلهم مجمعون ... لا يختلفون في هذه الأصول (٤).
стр. 66
وتقدم في المبحث السابق كيف أنكر الصحابة الكرام على من رد حديث رسول الله ﷺ وعارضه برأيه إذ الأمر من الله بالتسليم لقول الله وقول رسوله, والنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله, والنهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:١]، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات:٢] يقول ابن القيم: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم (١).ويقول: لذلك لم يكن الصحابة ﵃ يعارضون نصوص الوحي بالرأي بل كانت النصوص أجلّ في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس ولكنهم كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون استشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عليها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولاً يعارض النص ألبتة ولا عرف فيهم أحد – وهم أكمل الأمة عقولاً – عارض نصاً بعقله (٢).يقول علي بن أبي طالب ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه (٣).لذلك كان منهج الصحابة ﵃ في الفتيا أنه إذا عرضت لأحدهم مسألة وسئل عنها نظر فإن كانت في الكتاب والسنة قضى وإن لم يجد فيها قولاً سأل من هو أعلم منه هل عندك علم من كتاب أو سنة؟ فإن لم يجد جمع أهل العلم واستشارهم فإن اجتمع رأيهم على شيء قضى به (٤).وهذا الرأي الذي يصير إليه الصحابة عند عدم وجود النص هو من الرأي المباح إذ الرأي على ثلاثة أقسام (٥):
القسم الأول: رأي يعين على فهم الكتاب والسنة ورد الأصول إلى الفروع وإلحاق النظير بنظيره وهذا هو الرأي الصحيح الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين.
ولقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄ يوصيه ويقول: اعرف الأشباه والأمثال وقسْ الأمور.
القسم الثاني: الرأي الذي يصار إليه إذا تعذر أن يجد حكماً للواقعة في الكتاب وفي السنة ولم يقل به أحد من الصحابة فحينها يجتهد العالم رأيه. وهذا النوع هو موضع الاشتباه والذي سوّغ الصحابة العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه, حيث لا يوجد منه بُد, وهذا الرأي لا نعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته لهما فغايته أنه يسوغ العمل به عند الحاجة إليه, من غير إلزام للعمل به ولا إنكار على من خالفه.
لقي عمر بن الخطاب رجلاً فقال له ما صنعت؟ قضى علي وزيد بكذا، فقال لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علي وزيد.
فهذا هو المنهج وهذا هو الأدب واحترام الرأي الآخر إن كان رأياً بشرياً مشتركاً لا يعارض نصاً شرعياً فيحترم هذا الرأي ولا يسفّه ولا يحقّر قائله أو ينقص منه وإن كان مخالف لذلك لم يكن الصحابة يصوّبون آرائهم ويقطعون بأنها الحق فهذا أبو هريرة إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي ...
أما إن كان الرأي يخالف نصاً من كتاب أو سنة فلا هوادة في دين الله ولا حرية لهذا الرأي بل هو رأي مذموم مردود، والمعوّل والمقدّم هو قول الله وقول رسوله وهو الحق.
القسم الثالث: الرأي المذموم وهو باطل بلا ريب وليس من الدين وهو ما جاءت النصوص بذمه والنهي عنه، وهو ما عابه السلف ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وهو أنواع وعلى درجات منها:
الرأي المخالف للنص وهو أعظمها جرماً وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها.
الرأي المبتدع وهي البدع المخالفة للسنن.
من الرأي المذموم: الانشغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها أو استعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفرعت وشققت قبل أن تقع ...
موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٢٢
стр. 67
المبحث الرابع: الجدل والخصومات في الدين، والتأويل الفاسد
إن من العثرات التي وقع فيها أهل الفرقة والشقاق، ومن الثمرات المرة التي جنوها:
ما وقعوا فيه من جدل وخصومات في الدين.
ما جنوه من التأويل الفاسد للنصوص.
وإليك تفصيل ذلك: الجدل والخصومات في الدين: الجدل المنهي عنه هو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال وغيرهما وكمتشابهات القرآن فعن عائشة ﵂ أنها قالت: ((تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧] قال رسول الله ﷺ : ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ... )) (١)
ولقد جاء القرآن ذاماً أهل البدع أصحاب الفرقة المتبعين للمتشابه الذين يجادلون فيه بغير علم ولا هدى بل يدفعون الحق بالباطل ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله.
يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:٥٦]
وفي آية أخرى يذم الله حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل الذين يتركون ما أنزل الله على رسوله ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء يقول الله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج:٣] وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا إلا أوتوا الجدل, ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:٥٨])) (٢)
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٨٨ - ٢٣٥
стр. 68
المبحث الخامس: الغلو في الدين، وردود الأفعال لقد جاء الإسلام آمرا بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر (١)، حتى ميزت هذه الأمة وخصت بذلك، قال : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣].
وقال سبحانه آمرا بالاستقامة والاعتدال، ناهيا عن الغلو والطغيان: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]. وحذرنا رسول الله ﷺ من الغلو ومجاوزة الحد المشروع لنا، فقال ﵊ ناهيا عن الغلو، مبينا أنه سبب هلاك من قبلنا: ((إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) (٢).وبين ﵇ أن هذا المتنطع الغالي المتعمق، المجاوز للحد في قوله وفعله (٣) هالك لا محالة فيقول: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثا (٤).
ويقول في شأن أهل الكتاب ناهيا إياهم عن الغلو: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً [النساء: ١٧١].
ويقول : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]. ويبين الإمام الطحاوي اعتدال هذا الدين وبعده عن الغلو فيقول: " ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام. . وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس (٥).
والناظر لأقوال الفرق المبتدعة التي فرقت الأمة بذلك يجدها خرجت بسبب الغلو والتقصير، فالمعطلة غلوا في التنزيه وقصروا في الإثبات، والمشبهة غلوا في الإثبات وقصروا في التنزيه، وكلاهما أخذ ببعض النصوص وترك بعضا، والحق في الاعتدال والجمع بين النصوص.
стр. 69
أما الخوارج فغلوا في إثبات الأعمال وعدها من الإيمان حتى كفروا المسلمين بمجرد المعصية، وقابلهم المرجئة فغلوا حتى أخرجوا العمل من الإيمان. فكان الغلو في ردود الأفعال سببا لأن ترد البدعة ببدعة والباطل بباطل. يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة ﵀: ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر، وكثر بينهم التنازع حمل البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط, فقالوا بمذهب جهم في الجبر (١).ويقول ابن أبي العز الحنفي: فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي وأولئك كفروه؟ وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة. وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا. . وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم " (٢).من الخطأ إذاً: أن ترد البدعة ببدعة، وينقض الباطل بباطل مثله، إنما المنهج في الرد على أهل البدع ما ذكره ابن تيمية حيث يقول: كثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة: إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة، وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة، وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا، وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا، ولا يدفع باطله بباطل أصلا، فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله ﷺ ، ولا يخرج منه إلى باطل يخالفه: لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلا، وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادئ الرأي (٣).ويذكر أن رد الباطل بباطل، والبدعة ببدعة من طرق استزلال الشيطان لبني آدم فينبغي الحذر منه فيقول: " لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد. . فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا، فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات " (٤).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٤٥ - ٢٤٧
стр. 70
المبحث السادس: التعصب المذهبي والطائفي، والتقليد للرجال، وتقديم أقوالهم على قول الله ورسوله ﷺ
إن من أسباب الفرقة ما يقع فيه بعض المسلمين من الغلو والتعصب في الأشخاص، والتقليد الأعمى لأقوالهم وتقديمها على قول الله وقول رسوله ﷺ ، وهذا مما حذرنا الله تعالى منه، وأمرنا أن نعتبر بحال أهل الكتاب الذين غلوا في عيسى ﵇، وتعصبوا له ولأتباعه فأدى بهم ذلك إلى انحرافهم عن الصراط المستقيم، يقول الله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً [النساء: ١٧١].
يقول ابن كثير: فينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، ولهذا قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١]. ويقول مبينا سبب ضلال القوم وسبب هذا الغلو: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]. ومعنى الآية: أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية. . وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال (١).ولقد جاء النهي من رسول الله ﷺ عن المبالغة في المدح والثناء أو رفع الإنسان فوق منزلته، إذ لما جاءه وفد بني عامر قالوا له: أنت سيدنا، فقال: ((السيد الله ﵎, قالوا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)) (٢).
стр. 71
فانظر كيف خاف ﵊ من إضلال الشيطان لعباد الله تعالى بالمبالغة في المديح فيدخل الشيطان على المسلمين من باب تعظيم الرجال والتعصب لهم ولأقوالهم؛ وقد فعل. ولقد عد الإمام الشاطبي ﵀: أن التصميم على اتباع العوائد – وهي اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق – عده من أسباب الاختلاف والفرقة، وهذا هو التقليد المذموم الذي ذم الله متبعيه حينما قالوا: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢] ثم قال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٤] فنبههم على وجه الدليل الواضح، لكنهم استمسكوا بمجرد تقليد الآباء (١).ويبين عمرو بن العاص ﵁ صورة من صور هذا التقليد المذموم الذي يصد عن اتباع الحق وذلك أن رجلا قال له: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال عمرو: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم (يعني أباه ومن هم في طبقته) وكانوا ممن نوازي حلومهم الجبال. فلما بعث النبي ﷺ فأنكروا عليه، قلدناهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين، فوقع في قلبي الإسلام (٢).إن التقليد والاتباع المحرم المذموم هو أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول كائنا من كان المخالف (٣).وهذا التقليد المذموم والتعصب الأعمى قد جر ويلات كثيرة على الأمة المسلمة، وأوجب أنواعا من الفساد كثيرة (٤)، منها: "التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا ويعاديه، ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن، والهمز، واللمز. وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله، والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله. وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته، ومن أهل الفرقة بالفرقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها رسوله " (٥).فكل من نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣٢] (٦).ثم ليعلم أن المتعصب لأحد المذاهب الفقهية فيه شبه بأهل البدع، وهو قريب من منهجهم متحل ببعض سماتهم، يقول ابن تيمية ﵀: " ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي، وكالخارجي، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء " (٧).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٤٨ - ٢٥١
стр. 72
المبحث السابع: التنازع على السلطة والملك وحب الرئاسة والظهور والبغي
أخبرنا الله عن أهل الكتاب واختلافهم، وكشف لنا سبحانه عن سبب تفرقهم مع ما عندهم من العلم الذي كان يجب أن يجمعهم، ويحسم الخلاف الذي وقعوا فيه، ولكنهم حقيقة اختلفوا عن علم، وتفرقوا عن عمد، وما ذاك إلا لبغي بعضهم على بعض، يقول الله : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩]، وقال : وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: ١٤]. قال أبو العالية عن قوله تعالى: إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ بغيا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس (١).وقال الطبري في معناه: " أنهم أتوا ما أتوا من الباطل على علم منهم بخطأ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه تعديا من بعضهم على بعض، وطلب الرياسات والملك والسلطان " (٢).فالذي فرق أهل الكتاب هو تنازعهم على السلطة والملك، وحب الرئاسة والظهور والسعي لحصول ذلك ولو بظلم الناس وأخذ أموالهم وقطع رقابهم (٣).ولقد حذر عثمان بن عفان ﵁ من ذلك، فقال في آخر خطبة له في جماعة بعد كثرة الفتوحات قال للناس: ". . لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، واتقوا الله، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا " (٤).
стр. 73
إن التهالك على الدنيا والسعي الحثيث للحصول على المناصب والرئاسة فيها مذموم، إذ يطبع صاحبه على الحسد، والشح ويدفع ساعيه لظلم الناس ليتحقق مطلوبه، والفساد لا يظهر في البلاد والعباد إذا صدر هذا العمل من فئتين من الناس – المفترض فيهم الإصلاح والإخلاص – فإن صدر من الأمراء، وصدر من العلماء وقعت البلية، وعمت الرزية، وتمكن العدو من المسلمين لأن ولاتهم من العلماء والأمراء في شغل شاغل لتحقيق مصالحهم ومطامعهم. فتقع الفرقة في كيان الأمة لأن المصلحين من العلماء والأمراء متفرقون فيما بينهم، مختلفون في مصالحهم فكيف يجمعون الأمة ويسعون لإصلاح الناس؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه. لذلك جاء التحذير الشديد من الرسول الرحيم ﵊ لما سمعت الأنصار بقدوم مال من البحرين تعرضوا لرسول الله ﷺ بعد صلاة الفجر، فتبسم ﵇ ثم قال: ((أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) وفي رواية: ((وتلهيكم كما ألهتهم)) (١). ولقد أخبر ﵊ بوقوع ذلك في هذه الأمة ففي حديث آخر قال: ((إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ : " أو غير ذلك؟ تنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون – أو نحو ذلك – ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)) (٢).ولقد رتبت الأمور بعضها على بعض في الحديث، إذ الأمر يأتي بالتدريج، قال النووي ﵀: " قال العلماء التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهية أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، أما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، والتدابر: التقاطع وقد بقي مع التدابر شيء من المودة أو لا يكون مودة ولا بغض، أما التباغض فهو بعد هذا ولهذا رتبت في الحديث " (٣). وأما قوله: ((. . ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين. .)) أي ضعفائهم فيجعلون بعضهم أمراء على بعض (٤).ولقد أخبر ﷺ أن هلاكا سيقع في الأمة عند تنازع ولاتها على الملك، ففي الحديث أنه قال: ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)) (٥).والمراد بالغلمة هنا جمع غليم بالتصغير وهو الضعيف العقل والتدبير والدين، ولو كان محتلما (٦).فأخبر ﷺ أن ولايتهم هلاك للأمة، وذلك أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله، فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالي الفتن (٧).ولقد جاء في وصف الخوارج أنهم " حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام " ومن كان هذا وصفه حري به أن يسارع في الفتنة جهلا منه، مع ما قد يجتمع معه من حب الرئاسة والظهور، وهذا كان حال الخارجين على عثمان ﵁، المثيرين النزاع حول السلطة، المفرقين للأمة، إذ المتتبع لتراجم هؤلاء الخارجين على عثمان ﵁ يجدهم ممن يوصف بالشجاعة والجرأة والإقدام، ومع حب الرئاسة والظهور، وليس بينهم من يوصف بالعلم والفقه (٨).
стр. 74
ومما يدل على أن الخارجين على عثمان ﵁ كان سبب خروجهم طلب الرئاسة والملك، أنه لما بويع علي بن أبي طالب ﵁، واستقر له الأمر بعد وقعة الجمل، استعمل ﵁ عبد الله بن عباس على البصرة وبلغ ذلك مالكا الأشتر (١) - وهو من الخارجين على عثمان – فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ (٢)؟ إذ اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم (٣)، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي " (٤)؟! بل إنهم صرحوا بأن خروجهم وشغبهم على عثمان كان طلبا للرئاسة، فقد كان هؤلاء النفر (٥) أثاروا الشغب والفتنة في الكوفة، فسيرهم عثمان ﵁ إلى معاوية في الشام، فذكرهم معاوية بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة الأمة (٦)، وبين لهم معاوية كيف أن ولاة الأمر للمسلمين جنة فقال: " أن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة (٧)، فلا تسدوا عن جنتكم ... ".فقال صعصعة بن صوحان (٨): أما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا (٩). أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا (١٠).ولقد كتب معاوية إلى عثمان ﵁ يصفهم فقال: إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام وأضجرهم العدل، ولا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتة، وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم ... " (١١).إن إثارة الشغب والفتنة في الأمة، وظهور الخلافات السياسية بين ولاة أمر المسلمين من شأنه أن يضعف الدولة الإسلامية، ويشجع على ظهور الفرق المبتدعة، فسرعان ما تطل الفتنة برأسها، وترفع البدعة لوائها لتفرق الجماعة المسلمة، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال في وصف الخوارج: ((يخرجون على حين فرقة من الناس)) (١٢).ولقد عاب الصحابة ﵃ التنازع على السلطة والتقاتل على الملك، فعن سعيد بن جبير (١٣)
стр. 75
فقال خرج علينا عبد الله عمر فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا، قال فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: " قاتلوهم حتى لا تكون فتنة " فقال: " هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (١).فالرجل أراد أن يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة التي تقع بين المسلمين، والتي كان ابن عمر ترك القتال فيها، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، فأخبره عن الفتنة المأمور بالقتال فيها، وقوله: " وليس كقتالكم على الملك " أي: في طلب الملك، وهو يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك (٢).ولقد ذم أبو برزة الأسلمي (٣) ﵁ وأنكر القتال على الملك ولطلب الدنيا فقال: " إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا (٤)، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا (٥)، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل على الدنيا (٦)(٧).
إن المنازعة على الملك والسلطة مذمومة لكل أحد، فما بالك إذا كانت المنازعة من قبل العلماء؟!. إن صلاح العلماء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر صلاح للأمة، وبالمقابل فإن فسادهم وسوء نياتهم بلاء وفتنة للأمة، لذلك جاء الوعيد الشديد لمن طلب العلم بقصد الرئاسة والظهور، وكان همه الحصول على متاع دنيوي بهذا العلم الرباني، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)) (٨).يقول الإمام الآجري محذرا من هذا المسلك: " فمن طلبه للفخر والرياء، والجدل والمراء، وتأكل به الأغنياء، وجالس به الملوك وأبناء الملوك، لينال به الدنيا فهو ينسب نفسه إلى أنه من العلماء، وأخلاقه أخلاق أهل الجهل والجفاء، فتنة لكل مفتون، لسانه لسان العلماء، وعمله عمل السفهاء (٩).يقول عبد الله بن مسعود ﵁: " لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله سادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها " (١٠).ويبين معاذ بن جبل ﵁ خطورة العلماء طلاب الرئاسة والدنيا فيقول في كل مجلس يجلسه: " هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ في ذلك الزمان فيقول: ما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، فيقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة " (١١).
فهذا الرجل الجاهل الذي قرأ القرآن وتحلى بزي العلماء – وليس منهم – يبتدع في دين الله، ويضل عباد الله، كل ذلك طلبا للرئاسة وحب الظهور، فهذا الصنف من الناس من شأنه أن يفرق الأمة بما ينشر بينهم من بدع وضلالات. وليس هذا فقط، بل من شأنه أن يسارع في كل فتنة ويخرج عن كل قول ومذهب؛ متى ما برقت الدنيا أمامه، ووعد بمنصب أو رئاسة (١٢)، وصدق عبد الله بن المبارك حينما قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها (١٣)
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٥٥ - ٢٦٣