ورحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم حين قال في بيان النوع الخامس من أنواع الحكم بغير ما انزل الله التي تخرج صاحبها من الملة وتناقض الشهادتين:
" الخامس: وهو أعظمها واشملها وأظهرها - معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا، وإمدادا، وإرصادا وتأصلا، وتفريعا، وتشكيلا، وتنويعا، وحكما، وإلزاما، ومراجع ومستمدات.
فكما إن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتي، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين للشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب، يحكم حاكمها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بان محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟ " (١).
وإذا كانت حقيقة المحبة هي بهذه المنزلة بالنسبة لأصل التوحيد وشهادة إن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله، فإنها أيضا من اعظم أعمال القلوب المتعلقة بتحقيق توحيد الألوهية والعبادة، ومن هنا كان الأنحراف الكبير الذي وقع فيه المتصوفة والكلاميون ونحوهم، ممن غفل عن حقيقة المحبة ومعناها ولوازمها ومقتضياتها، فأنكر شيئا من ذلك، أو صرفه في غير موضعه المشروع.
وتفصيل هذه القضايا مما لا يتسع له المجال هنا، ولكن لم أر بدا من التعرض لشيء من ذلك - لا سيما وقد وجدت كلاما عظيما لشيخ الإسلام ابن تيميه في رسالته: " التحفة العراقية في الأعمال القلبية "، هذه مقتطفات منه:
يقول ﵀: " محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، واكبر أصوله واجل قواعده، بل هي اصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما إن التصديق به اصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فان كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة، أما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة ..
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، واصل المحبة المحمودة هي محبة الله ، إذ العمل الصادر عن محبة الله، فان الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه - كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو كله للذي أشرك)).
وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار " القارئ المرائي، والمجاهد المرائي، والمتصدق المرائي ".
بل إخلاص الدين لله هو الذي لا يقبل الله سواه، وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وانزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القران الذي تدور عليه رحاه إلى إن يقول:
فإذا كان اصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده، فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، لكن اكثر ما جاء به المطلوب مسمى باسم العبادة، كقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١]، وأمثال هذا.
стр. 1122
والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة:١٦٥].
فبين سبحانه إن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا - وان كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا اشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم، لان المؤمنين اعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولان المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم إن ذلك اكمل - قال تعالى:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:٢٩].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم، فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، ولهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة، والإنابة إليه، والتبتل له ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله .
ثم انه كما بين إن محبته اصل الدين، فقد بين إن كمال الدين بكمالها، ونقصه بنقصها، فان النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))، فأخبر أن الجهاد ذروة سنام العمل، وهو أعلاه وأشرفه، وقد قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ [التوبة:١٩] إلى قوله: أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:٢٢] والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة.
وقد ثبت انه افضل ما تطوع به العبد، والجهاد دليل المحبة الكاملة، قال تعالى قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ [التوبة:٢٤] الآية.
وقال تعالى في صفة المحبين والمحبوبين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤].
فوصف المحبوبين المحبين بإنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويولى من يواليه، ويعادى من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق له في ذلك، وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم، ويغضب لغضبهم، إذ إنما يرضون لرضاه، ويغضبون لما يغضب له " (١).
أقول: شيخ الإسلام هنا يلتفت للرد على مزاعم الصوفية المدعية للحب الكامل والولاية لله - مع تركهم الجهاد والعمل، والله تعالى أخبر أنه - إنما يكره ذلك المنافقون فقال:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ [التوبة:٨١].
فالكارهون للجهاد لا يمكن أبدا أن يكونوا محبين لله ورسوله ولا أولياء له ولرسوله.
стр. 1123
ثم يقول الشيخ " ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح فيما يرويه عن ربه ((ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه)).
قال: والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل، بل ذلك يغريه بملازمة المحبة - كما قد قال الشعراء في ذلك (١)، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود، وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه، فإن الملام على ذلك كثير، وأما الملام على فعل يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق، وليس من المحمود الصبر على هذا الملام، بل الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وبهذا يحصل الفرق بين " الملامية " الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وبين " الملامية " الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله، ويصبرون على الملام في ذلك " (٢).
أقول: يطول الحديث في التفصيل في هذا العمل القلبي العظيم، وبيان درجاته، وأدلة كل درجة، وأثر ذلك في أعمال الإيمان من صلاة وزكاة ونحوها ولكن ضيق المجال والرغبة في الاختصار بتجاوز ما قد سطر ولعل في الحديث عن الأعمال القلبية الأخرى ما يكمل الفائدة مجتمعة، والله المستعان.
٣ - اليقين:
لليقين معنيان وإن شئت فقل: هو معنى واحد منظور له من جهتين:
١ - اليقين من حيث هو أصل للإيمان، إذ لا إيمان مع الشك.
٢ - اليقين من حيث هو درجة عليا من درجات الإيمان.
فبالنظر للمعنى الأول يكون كل مؤمن موقنا وإلا لم يستحق أسم الإيمان، وبالنظر للمعنى الآخر - ليس كل مؤمن موقنا، بل الموقنون طائفة خاصة من المؤمنين.
فإما اليقين بالمعنى الأول فهو شرط من شروط شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أي إن الإيمان المجمل - قول القلب واعتقاده - لا يتحقق إلا به، فمن شك في الله أو في رسوله وما جاء به عن الله، فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان.
بذلك أخبر الله تعالى الكفار حين قالوا لرسلهم:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم:٩ - ١٠].
وأخبر أنهم إذا طلب منهم الإيمان بالبعث قالوا: مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:٣٢]
لكن إذا كان يوم القيامة يقولون:
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:١٢]
ولهذا جاء وصف القرآن أكثر من مرة بأنه لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى.
стр. 1124
وفى حديث جابر رضى الله عنه يقول: ((أنا من شهد معاذا حين حضرته الوفاة يقول: اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يمنعني إن أحدثكموه إلا أن تتكلموا، سمعته يقول: ((من شهد أن لا أله إلا الله مخلصا من قلبه أو يقينا لم يدخل النار " أو " دخل الجنة " وقال مرة: " دخل الجنة ولم تمسه النار)) (١).
وروى الإمام مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه - في قصة تبوك - أن النبي ﷺ قال ((أشهد أن لا إله إلا الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة " وفى رواية " فيحجب عن الجنة)) (٢) وعنه في حديث أخر أن النبي ﷺ قال له: ((اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة) (٣).
وهذا اليقين - بهذا المعنى - هو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله - ومن ثم ذكر بعض العلماء (العلم) شرطا مستقلا من شروط الشهادتين، مستدلين بقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد: ١٩]
وقول النبي ﷺ ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) (١)
وعقد الإمام البخاري باباً بعنوان:" باب قول النبي ﷺ : ((أنا أعلمكم بالله)) وأن المعرفة فعل القلب، لقوله تعالى لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:٢٢٥] ثم روى حديثا آخره: ((إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا)) (٢).
لكن لم أر أن أفراده هنا - أي العلم - لأن الحديث عن اليقين يشمله ويتضمنه، ولأن الحديث عن ضده، وهو الجهل بالتوحيد - كليا أو جزئيا - يحتاج لتطويل يخرج عن دائرة موضوعنا هنا.
وأما اليقين بالمعنى الأخر - أي اليقين الدرجة - فهو لب الإيمان وخلاصته وزبدته، كما قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه " اليقين الإيمان كله " (٣)، وفي المسند " أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور" (٤) وهو يقابل الإيمان الكامل المفصل كما أن ذاك يقابل الإيمان المجمل، ولهذا جاء في القرآن شرطاً للإمامة في الدين، فقال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:٢٤]
ومن ارتباطه بالصبر قوله تعالى:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم:٦٠]
وأخبر الله تعالى عن إمام الموحدين، فقال:
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥].
فقد كان الإيمان متحققا عنده - كما أخبر الله تعالى عنه في الآية التي قبلها:
((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماء إلهة إني أراك وقومك في ضلل مبين))، فرقاه الله إلى درجة اليقين، مثلما كان مؤمناً بأن الله يحيى الموتى لكن طلب الرؤية لتحصل الطمأنينة التي هي برد اليقين (١).
وهذا اليقين هو الذي عبر عنه بعض السلف بقوله: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " (٢).
وقال الآخر: " رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له: كيف قال: رأيتهما بعيني رسول الله ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني، فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره ﷺ " (٣).
стр. 1125
واليقين بهذا المعنى نظير الإحسان الوارد في حديث جبريل، لكن الإحسان في عمل الجوارح، واليقين في عمل القلب، والله أعلم.
فاليقين في الجملة متعلقة بالاعتقاد، وذلك أن مجمل الإيمان القلبي هو الإيمان بالغيب فإذا رسخ هذا الإيمان وارتقى عن الشكوك حتى يصبح كالمعاينة فهو اليقين.
ولهذا جاء أعظم الغيبيات - بعد الإيمان بالله - وهو الإيمان بالآخرة مقرونا باليقين أكثر مما سواه، فقال تعالى: وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:٤] في أول البقرة والنمل ولقمان.
فإن الإيمان بالآخرة - مع دلالة الفطرة السوية والعقل السليم عليه - ليس في قوة الإيمان الفطري بالله، كما أن تفصيلاته مصدرها الوحي وحده.
واليقين نوعان:
١ - يقين في خبر الله.
٢ - يقين في أمر الله الشرعي والكوني.
فاليقين بخبر الله هو الإيمان بصدقه وتحققه ووقوعه - إن كان مما له الوقوع - إيمانا لا شك فيه، وهذا هو الإيمان بالغيب يقينا، ومن الأدلة عليه قوله تعالى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:٦٠].الآية، فطلب الخليل من ربه مثالا للبعث يزيده إيمانه حتى يصبح يقينا خالصا، وقريب منه طلب الحواريين المائدة، فمع إيمانهم بقدرة الله طلبوا ما تطمئن به قلوبهم كذلك.
وهذا اليقين قد بلغ ذروته النبي ﷺ ليس فيما أخبر الله به من أمور الدين والإيمان فحسب، بل في كل خبر ووعد، حتى أنه ﷺ كان موقناً بأن الله سينصره ويظهره على العالمين وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد والتشريد والأذى، ولم يستبطئ النصر كما استبطأه رسل من قبله فقالوا مَتَى نَصْرُ اللهِ [البقرة:٢١٤]، ولم يستيئس كما استيأس بعضهم.
وأما اليقين بأمر الله، فهو امتثاله برضاه وطمأنينة وتسليم - إن كان شرعيا، والرضا به والتسليم - إن كان كونيا.
وذروته ما فعله إمام الموحدين من الامتثال لذبح أبنه الوحيد وما فعله النبي ﷺ في مواقف من أعظمها يوم الحديبية حين قال:" إني عبد الله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني " أو نحوها (١).
وهذا في حقيقته هو الاستسلام لحكمه استسلاما يرتقى لدرجة الإحسان - كما في قوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥].
وهو تحقيق دين الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله التي هي العروة الوثقى، كما قال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان: ٢٢].
مع قوله: وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ [البقرة: ٢٥٦].
ولهذا جاءت الآيات المحكمات الدالة على أتباع شريعة الله والتحاكم إليها وحدها مذيلة بوصف اليقين لمن أمتثل، فدل على شك من خالف وارتيابه، قال تعالى:
стр. 1126
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٤٨ - ٥٠].
وقال جل ذكره:
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ [الجاثية: ١٨ - ٢٠].
فكما سبق بيانه من أن تحكيم شرع الله هو الإسلام، فإذا بلغ من العبد إلى حد انتفاء الحرج والمعارضة بالرضا الكامل فهو الإحسان، فكذلك اعتقاد بطلان ما عداه، وأنه وحده الحق الذي لا أحسن منه ولا أهدى هو درجة الإسلام، فإذا رسخ هذا حتى لا تزعزعه شبهه ولا يعتريه شك فهو اليقين وقد ضرب الصحابة - رضى الله عنهم - من اليقين في أمر الله أعظم الأمثال، مما لا يتسع المقال للتطويل به، وحسبك أن ينزل الله تحريم الخمر والقوم مدمنون على شربها، مدخرون لها، مغالون في أثمانها، فما يكاد الأمر ينزل حتى تسيل بها أزقة المدينة أنهارا!!
وأن ينزل الله الأمر بالحجاب والقوم مختلطون متعارفون، فما يكاد ذلك يبلغهم حتى تغدو نساؤهم كأنهن الغربان.
فهاتان عادتان إحداهما نفسية، والأخرى اجتماعية، وهما من أشد العادات وطئا وأشقها تغييرا، تذهبان دفعة واحدة، وتستأصلان من أعماق النفوس في لحظة واحدة، وما ذلك إلا باليقين الذي ليس وراءه في الأمم يقين.
٤ - الصدق والإخلاص:
هذان عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب وأهم أصول الإيمان.
فأما الصدق فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق، وأما الإخلاص فهو الفرقان بين التوحيد والشرك - في قول القلب واعتقاده، أو في إرادته ونيته.
والأعمال - التي رأسها وأعظمها " شهادة أن لا إله إلا الله " - لا تقبل إلا بتحقيق الصدق والإخلاص.
ومن هنا كان شرطين من شروطها، وأكذب الله المنافقين في دعوى الإيمان وقول الشهادة لانتفاء الصدق فقال: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:١].
وقال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: ٣]
ثم قال بعد آيات وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت:١١]
وقال: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: ٢٤].
فعلى محك الصدق والإخلاص بطلت أكثر دعاوى العابدين، وهلك أكثر الثقلين، فالصدق يخرج كل من أدعى الإيمان - أو شيئا من أعماله - وأظهره وهو يبطن خلافه، والإخلاص يخرج كل من عبد مع الله غيره أو أراد غيره معه في عمل من أعمال العبادة - كما في الحديث الصحيح: ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (٢). ومن هنا كانت شهادة أن لا إله إلا الله هى كلمة الصدق (١)، وكلمة الإخلاص (٢) وأقترن الصدق والإخلاص وحل كلا منهما محل الأخر في الأحاديث، كأحاديث الشفاعة التي وردات بها روايات كثيرة، منها: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ونفسه)) (١) وفي رواية: ((شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه)) (٢)، وفي رواية ((رب من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله الجنة)) (٣) وفي رواية: ((ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله الا الله مخلصا فيخرجونهم منها قال ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال حبة من إيمان الا أخرجه منها) (٤).وكحديث مالك بن الدخشم الذي كان متهما بالنفاق، فأخبر النبي ﷺ بما يخالف ذلك من روايات، منها: ((ألا تراه قال لا إله إلا الله. يريد بذلك وجه الله قال الله ورسوله أعلم. قال قلنا فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. فقال فإن الله حرم على النار من شهد بها)) (٥).وفي رواية: ((والذي بعثني بالحق لئن قالها من قلبه لا تأكله النار أبدا)) (٦)، وهي تقيد الإطلاق الوارد في رواية مسلم: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) (٧).
والصدق والإخلاص مع تقاربهما، ومع ترادفهما أحيانا - يعرف التمييز بينهما بضد كلا منهما، فالصدق ضده انتفاء إرادة الله بالعمل أصلا - كمن أمن أو صلى كاذبا، لم يرد الإيمان والصلاة، وإنما فعل ذلك لسبب آخر - كما فعله المنافقون حفظاً لأنفسهم وأموالهم من السيف، وجبنا عن تحمل أعباء المواجهة الصريحة للإيمان.
стр. 1129
والإخلاص ضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه، كما آمن أو صلى صارفا ذلك لأحد من دون الله، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه أكثر العالمين، ومنهم أهل الكتاب والمشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ من الأنبياء أو غيرهم، وعبدوهم زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى.
ومما يميز بينهما أن الصدق لا يختص بالاعتقاد، بل يكون في الأعمال أيضا، بخلاف الإخلاص فإنه عمل قلبي محض، لكن تظهر أثاره على الجوارح - كما سبق فيما أوضحنا في العلاقة بين عمل القلب وعمل الجوارح، وهذا يشبه ما سبق من القول في اليقين والإحسان، والله أعلم.
وعلى قدر تحقيق العبد لشعب الإيمان وأعماله يكون حظه من الصدق - حتى يصل إلى درجة " الصديقين"، يقول الله تعالى:
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ٧٧].
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]
وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحديد: ١٩].
كما ان الإخلاص بالنسبة للأعمال - كالروح للجسد، فالفرق بين عمل بإخلاص وعمل لا إخلاص، فيه كالفرق بين البشر السوي والتمثال الشاخص.
وعلى قدر ما يحقق العبد في الإخلاص لربه يكون ترقية في (المخلصين)، الذين صرف الله عنهم غواية الشيطان واثني عليهم في كل أمة، وبين نجاتهم حين هلاك أممهم.
قال تعالى حكاية عن إبليس: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣]، وقال في سورة الصافات تعقيبا على إهلاك الأمم عامة: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:٧٣ - ٧٤]، وعن قوم إلياس خاصة، قال فيها: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:١٢٧ - ١٢٨].
وكرر ذلك في مواضع من هذه السورة وغيرها، كقوله عن يوسف لما عصمه من الفاحشة: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤].
ولهذا كثر الحديث عن الصدق والإخلاص في كتاب الله، وجاء الحديث عن الصدق في السور التي تعرضت للنفاق وأهله، كسورة براءة والأحزاب والمنافقون والقتال (محمد) والحجرات والحشر.
وجاء الحديث عن الإخلاص في السور التي تحدثت عن الشرك والمشركين، كسورة الأعراف والزمر وغافر والبينة والكافرون، بل في سورة الأنعام - وان لم يذكر فيها صريحا.
وارتباط عمل الجوارح بالصدق والإخلاص كارتباطه بالرضا والمحبة واليقين - أمر محسوس ظاهر، يدل علي ارتباط أجزاء الحقيقة الإيمانية الواحدة كما أسلفنا.
هذا ما يسر الله به واتسع له المجال من الحديث عن أعمال القلوب، ولقد تركت أعمالا أخرى قد لا تقل أهمية عن هذه، كالتوكل، والصبر، والتوبة، والإنابة، والخوف، والرجاء، على أن ما ذكرنا يتضمنها أو يدل عليها ويشير إليها، بل كثير مما نذكر مما يسميه بعضهم " مقامات " هو كالوسائل لهذه الغايات، والفروع لهذه الأصول، إذ كانت هذه المذكورة جميعها متعلقة بشطر إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:٥]، وأما التوكل والصبر ونحوها فمتعلقة بشطر وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥]، ومعلوم أن الاستعانة وسيلة للعبادة وفرع منها.
المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٥٥٣
стр. 1130
المبحث الثامن: أثر عمل الجوارح في أعمال القلب
أن الحديث عن عمل القلب وأهميته وتفصيل ذلك وبيان ارتباط أجزاء الإيمان بعضها ببعض من خلال ارتباط أعمال الجوارح به، وكونها فرعا له، وصورة لما فيه، ومقتضى لازما له - لا يعني أن أعمال الجوارح من الطاعات أو المعاصي لا تؤثر هي الأخرى على عمل القلب.
وحذرا من أن تشعر المباحث السابقة بذلك - رأيت أن اذكر ما يدل على اثر عمل الجارحة في عمل القلب، فبه تكتمل صورة التأثير المتبادلة، مما يدل دلالة أوضح على أن كلا منهما جزء من الحقيقة الواحدة الجامعة.
ولنبدأ ببيان اثر المعاصي على القلب، ثم نعقب ببيان اثر الطاعة عليه.
فأما آثار المعاصي في القلب فهي كثيرة جدا، وقد فصل الإمام الرباني ابن القيم كثيرا منها في كتاب: " الجواب الكافي "، وهاأنذا اقتبس بعضها موجزا وموضحا (١):
١ - حرمان العلم النافع: فان هذا العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئه، ولهذا كان السلف يرشدون تلاميذهم إلى ترك المعاصي، لكي يورثهم الله حقيقة العلم.
٢ - الوحشة بين العبد وربه: وهي وحشة لو اجتمعت لصاحبها ملذات الدنيا كلها لم تذهبها، ومن علاماتها وفروعها الوحشة بينه وبين أهل التقوى والإيمان.
٣ - الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه: فان الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات.
قال ابن عباس: أن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وان للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.
٤ - وهن القلب: فلا تزال المعاصي توهنه حتى تزيل حياته بالكلية وهذا الوهن يظهر أثره على البدن، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم.
٥ - تقصير العمر ومحق بركته: بمقدار ما تمرض القلب وتذهب حياته، فان حقيقة الحياة هي حياة القلب، وعمر الإنسان هو مدة حياته، فكلما كثرت الطاعة زادت حياته، فزاد عمره الحقيقي، وكلما كثرت المعاصي أضاعت حياته وعمره.
٦ - أن العبد كلما عصى خفت عليه المعصية حتى يعتادها، ويموت إنكار قلبه لها، فيفقد عمل القلب بالكلية، حتى يصبح من المجاهرين بها المفاخرين بارتكابها، واقل ذلك أن يستصغرها في قلبه، ويهون عليه إتيانها حتى لا يبالي بذلك، وهو باب الخطر.
روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: أن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في اصل جبل يخاف أن يقع عليه، وان الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على انفه فقال به هكذا فطار.
٧ - الذل: فالمعصية تورث الذل ولا بد، فالعز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]. أي فليطلبها بطاعة الله فانه لا يجدها إلا في طاعته.
وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
وقال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
وهل افسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
стр. 1131
٨ - الصدى والران والطبع والقفل والختم: وذلك أن القلب يصدا من المعصية، فإذا زادت غلب عليه الصدأ حتى يصير راناً - كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:١٤]، ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلاً وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله - فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد، وبمثل هذا اتخذ الشيطان من البشر دعاة وجنوداً.
٩ - إطفاء الغيرة من القلب: وهي الغيرة على محارم الله أن تنتهك، وعلى حدوده أن تقتحم، وعلى دينه أن يضعف أو يضيع، وعلى إخوانه المسلمين أن يهانوا أو يبادوا - بل على أهله ونفسه أن يقعوا في المعصية والهلاك، ولهذا كان النبي ﷺ أغير الناس - كما ثبت في الصحيح:" أتعجبون من غيرة سعد، لانا أغير منه، والله أغير مني" (١)
فالمعاصي تضعف هذه الغيرة حتى تذهبها وتزيلها، ولهذا تجد المدمنين على المعاصي لا يبالون بالإسلام وأهله من كوارث ومحن، ولا يهمهم ذلك في شيء، وإنما همهم اتباع الشهوات وإضاعة الأوقات، ويرى الواحد منهم المنكر أمامه فلا تهتز له شعرة، بل يفقدون الغيرة الخاصة، وهي الغيرة على العرض، حتى تصير الديانة طبعاً وسجية.
١٠ - إذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب: وهو اصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه ..
والذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، فلا يستحيي لا من الله ولا من العباد، والتلازم بين ارتكاب المحرمات وقلة الحياء لا يخفى على أحد.
١١ - إذهاب تعظيم الله ووقاره من القلب: فكما أن تعظيم الله وتوقيره يحجز عن المعصية فان ارتكاب المعصية يضعف التعظيم والتوقير - حتى يستخف العبد بربه، ويستهين بأمره، ولا يقدره حق قدره.
١٢ - مرض القلب وإعاقته عن الترقي في مراتب الكمال ودرجاته: وقد سبق بيان تفاضل الناس في أعمال القلوب - فالذنوب تخرج صاحبها من دائرة اليقين وتنزله من درجة الإحسان، بل تخرجه من دائرة الإيمان، كما في الحديث الصحيح: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن))، فلا يبقى إلا اسم الإسلام، وربما أخرجته منه، فان المعاصي بريد الكفر.
١٣ - إضعاف همة القلب وإرادته: وتثبيطه عن الطاعة وتكسيله عنها، حتى يؤول به الأمر من الاستثقال إلى الكراهية والنفور، فلا ينشرح صدره لطاعة ولا يتحرج ويضيق من معصية، ويصير جسوراً ومقداما على الخطايا جبانا رعديداً على الحسنات.
١٤ - الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه: فيخسف به بسبب ارتكاب الرذائل - إلى اسفل سافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة ذلك الخسف أن يكون القلب جوالا حول السفليات والقاذورات، متعلقا بالمحقرات والأمور التافهات، عكس القلب الذي تزكى بالطاعات فصار جوالا في معالي الأمور ومكارم الأخلاق، كما قال بعض السلف: " إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحش ".
١٥ - مسخ القلب: فان المعاصي والقبائح ما تزال تتكاثر عليه حتى تمسخه كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير - كقلب الديوث - ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب بحسب عمله، وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغي بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالأنعام تارة، وربما وصل الأمر إلى المسخ التام، وهو مسخ الصورة مع القلب، كما حصل لبني إسرائيل حين جعل الله منهم القردة والخنازير.
стр. 1132
١٦ - نكد القلب وقلقه وضنكه: وهذا ملازم للمعصية ملازمة الظل لأصله، كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤]، فالمعرض عن ذكر الله متعرض لذلك، لكن قد يتوارى داؤه بسكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك الخمر - كالمشاهد في عصرنا الحاضر من إدمان المسكرات والمخدرات، تخلصا من ضيق الحياة ونكد العيش.
فهذه بعض آثار معاصي الجوارح على القلب وعمله، فهي تذهب رضاه ويقينه وصدقه وإخلاصه وتوكله ومحبته، بل تذهب قوته وحياته وصحته وراحته، وتجمع له بين ذهاب حقائق الإيمان وبين عقوبات آجلة وعاجلة، كما رأينا في هذه الآثار.
وأما أثر أعمال الطاعات بالجوارح في أعمال القلب، فهو ما ينوء بالمجلدات الكبار، وذلك أن هذه هي مادة حياته وقوته وعزيمته، والجوارح هي منافذه وثغوره، وهل في الإمكان استيعاب ما تورثه الصلاة من رضا وطمأنينة وخشوع وإنابة، أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص، أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات وهكذا سائر الطاعات، ولذا رأيت أن اختار طاعة واحدة قد لا يحسب لها حساب إلا عند الخاصة من الناس، وهي " غض النظر عن المحرمات ".
وللإمام ابن القيم - أيضا- تفصيل لهذا في الكتاب نفسه، انقل منه ما يتعلق بالقلب خاصة، مع اختصار وإيضاح:
١ - أنه يمنع من وصول أثر السهم والمسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه لأن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.
٢ - انه يورث القلب آنساً بالله وقرباً منه، فان إطلاق البصر يصرف القلب ويشتته ويبعده عن الله، ويوقع الوحشة بين العبد وربه.
٣ - انه يكسب القلب نوراً - كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:٣٠]، ثم قال اثر ذلك: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:٣٥] أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.
وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما انه إذا اظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدعة وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة، فان ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام.
٤ - انه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه - لكن قد لا يحس بذلك إلا ذو البصيرة.
٥ - انه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب، فان الله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو جنس عمله، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيراً منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بان يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة، التي إنما تنال ببصيرة القلب.
وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه، الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:٧٢]، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، ثم عقب الله تعالى على قصتهم بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:٧٥]، وفي ذلك إشارة لما تقدم.
стр. 1133
٦ - انه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة، يجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، وضد هذا تجده في المتبع هواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها، كما تقدم في كلام الحسن البصري.
٧ - أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها، ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب، فمن ذلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات، فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى حشر أجسادهم، كما أراها الله نبيه ﷺ في المنام في الحديث المتفق على صحته.
٨ - انه يفرغ القلب للفكر في مصالحه والأشغال بها، وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول بينه وبينها، فتنفرط عليه أموره، ويقع في اتباع هواه، وفي الغفلة عن ذكر ربه، قال تعالى: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:٢٨]، وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.
٩ - أن بين العين والقلب منفذاً أو طريقاً يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب.
وكذلك في جانب الصلاح فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والأنس به، والسرور بقربه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك.
فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها.
المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٦١٥
стр. 1134
المبحث الأول: مرجئة الفقهاء بهذا الاسم سماها شيخ الإسلام (١)، وأحيانا يسميهم فقهاء المرجئة (٢)، وهو الاسم الذي يعرف به طائفة من أهل العلم أخطأت في باب الإيمان، فأخرجت العمل منه.
وقد كان وقت ظهور هذا الإرجاء أواخر عصر الصحابة، وموطنه الذي ظهر فيه هو الكوفة، وسبق تبيان ذلك مفصلا. وسبب ظهور هذا الإرجاء أخبر به شيخ الإسلام بقوله: "وكذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارا، قابلوا الخوارج والمعتزلة فصاروا طرفا آخر" (٣).ويقول ﵀: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من الكوفة، ولم يكن أصحاب عبدالله - يعني ابن مسعود ﵁ من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة، فقالوا: الأعمال ليست من الإيمان" (٤).ومع أن بدعة هؤلاء تعد أخلف بدع المرجئة، إلا أن أئمة السلف آنذاك كان لهم معها وقفة عظيمة، تمثلت في الإنكار على أهلها، وتغليظ القول فيهم، وتبديع مقالتهم، وردها، وبيان ما تحمله من خطر عظيم على الدين (٥).يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ثم إن السلف اشتد إنكارهم على هؤلاء، وتبديعهم، وتغليظ القول فيهم" (٦).ويقول: "وأما المرجئة، فليسوا من هذه البدع المعضلة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة" (٧).
ويقول: "ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال.
стр. 1135
فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم - يعني المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. وقال الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء (١).وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير، وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء (٢).وقال شريك القاضي - وذكر المرجئة - فقال: هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثا، ولكن المرجئة يكذبون على الله (٣).وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري (٤) " (٥).ولما نقل شيخ الإسلام ما ذكره الإمام أبو عبيد من الأعداد الهائلة من العلماء الذين يجعلون الإيمان قول وعمل (٦)، وأكثر من تسمية علماء الكوفة، نبه شيخ الإسلام على مقصده من ذلك بقوله:"قلت: ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر من ذكر غيرهم؛ لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر، .... ، فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك، فكثر منهم من قال ذلك" (٧).
وأما المسائل التي خالف فيها مرجئة الفقهاء ما عليه سلف الأمة في باب الإيمان خاصة، فقد حررها شيخ الإسلام ﵀ تحريراً بالغا، إذ يقول:
"ثم بعد ذلك تنازع الناس اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين، وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء، كتنازعهم في:
الإيمان: هل يزيد وينقص؟
وهل يستثنى فيه أم لا؟
وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق المليء مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ " (٨).
وأما الذين تولوا نشر آراء هذه الطائفة، فقد سمي شيخ الإسلام طائفة منهم، وهم:١ - إبراهيم التيمي (٩):
هو أبو أسماء إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، المتوفى سنة ٩٢هـ.
كان كما وصفه الذهبي شابا صالحا، قانتا لله، عالما، فقيها، كبير القدر، واعظا، وكان إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير.
قال أبو زرعة فيه: ثقة، مرجئ.
стр. 1136
يقال: قتله الحجاج، وقيل مات في حبسه، ولم يبلغ أربعين سنة رحمه الله تعالى. وفي الإرجاء الذي وقع فيه يقول شيخ الإسلام: "وفي الجملة الذين رموا بالإرجاء من الأكابر، مل طلق بن حبيب، وإبراهيم التيمي، ونحوهما كان إرجاؤهم من هذا النوع (١)، وكانوا أيضاً لا يستثنون في الإيمان" (٢).٢ - طلق بن حبيب (٣):
هو طلق - بسكون اللام - ابن حبيب العنزي - بفتح المهملة والنون - البصري، وفاته ما بين التسعين إلى المائة من الهجرة.
وصفة الذهبي بالزاهد الكبير، ومن العلماء العاملين، وأنه من صلحاء التابعين، إلا أنه يرى الإرجاء.
وكان طلق يتكلم على الناس، ويعظ، وكان من أحسن الناس صوتا، فلما وقعت فتنة ابن الأشعث قال: اتقوها بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، قال: العمل بطاعة الله، على نور من الله؛ رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله، على نور من الله؛ مخافة عذاب الله.
ومع هذا، فقد كان هو وسعيد بن جبير وقراء كانوا معهم ممن طلبهم الحجاج لقتلهم؛ بسبب هذه الفتنة المظلمة.
وقد نهى سعيد بن جبير عن مجالسته؛ للإرجاء وجاء في سيرته أنه كان داعية إليه.
وقد تقدم ما قاله شيخ الإسلام عن الإرجاء الذي رمي به طلق غفر الله له.٣ - ذر الهمداني (٤):
هو أبو عمر ذر بن عبدالله بن زرارة المرهبي - بضم الميم، وسكون الراء - الهمداني، الكوفي، مات سنة ٩٩هـ.
في عداد التابعين الثقات، ومن عباد أهل الكوفة، ومن أبلغ الناس في القصص.
ومع هذه الأوصاف الرفيعة، فقد وقع في هوة سحيقة، حيث زل في أمرين منكرين:
أولاهما: الخروج على الحجاج، وحض الناس على ذلك، فقد آتاه الله بلاغة في القصص، فجعلها سلاحا لمبتغاه، فما زال بالناس مع جماعة من موافقيه، في اجتهاد اجتهدوه - والله يغفر لهم - حتى خلعوا الحجاج، ثم جرى ما جرى، من بطش وتقتيل طال أكابر العلماء، والله المستعان. يقول الذهبي: "لما أجمع ابن الأشعث المسير من سجستان، وقصد العراق لقي ذرا الهمداني، فوصله، وأمره أن يحض الناس، فكان يقص كل يوم، وينال من الحجاج، ثم سار الجيش وقد خلعوا الحجاج" (٥).
وثانيهما قوله بالإرجاء، ونصرته لهذه المقالة المهلكة.
وقد ذكر واصفوه - كما تقدم - أنه بليغ في كلامه، ساحر في بيانه، فلما تبني هذه المقالة الشائنة، حصل تأثير بدعوته من فئام كثير، حتى صارت الكتب تأتيه من الآفات، ومعلوم أن الغوغاء يتأثرون بمن حاله دون ذلك، فما بالك بمثل ذر!.
وفي قوله بالإرجاء ما يجعله عبرة وعظة لمريد النجاة، ذلك أن أول وقوعه في بدعة الإرجاء سببه زلة، أعقبها عجب ومعاندة، حتى صار رأيه مذهبا متبعا، والعياذ بالله.
فقد ذكر سلمة بن كهيل أن ذرا أول من تكلم في الإرجاء.
وقال ذر: إني أخاف أن يتخذ هذا دينا. فلما أتته الكتب من الآفاق، قال ذر: وهل أمر غير هذا؟! (٦).
стр. 1137
وقال الحسن بن عبيدالله: "سمعت إبراهيم - يعني النخعي - يقول لذر: ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به؟
قال ذر: ما هو إلا رأي رأيته. قال: ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذي بعث الله بوحي ﵇! " (١).ويقول ذر عن نفسه: "لقد أشرعت رأيا خفت أن يتخذ دينا" (٢).
يقول إسحاق بن هانئ: قلت لأبي عبدالله - يعني الإمام أحمد -: أول من تكلم في الإيمان من هو؟ قال: يقولون: أول من تكلم فيه ذر (٣).وللسلف موقف يناسب حاله، كعادتهم مع أمثاله، إذ هجره إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير؛ للإرجاء (٤).والذي نقله شيخ الإسلام عن ذر هو مناقشة سعيد بن جبير له، وقوله له: "ألا تستحي من رأي أنت أكبر منه" (٥).
وتنقل بعض كتب الأثر تفصيلات لموقف سعيد بن جبير من ذر:
من ذلك أنه ناصحه، وحثه على تقوى الله، والحرص على ما ينفعه من القيام بالفرائض والطاعات. يقول عمر بن ذر: كتب سعيد بن جبير إلى أبي كتابا أوصاه بتقوى الله، وقال: إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة، فذكر الفرائض، والصلوات، وما يرزقه الله من ذكره (٦).ومما جاء فيها أنه لا يكلمه، ولا يرد ﵇، ولعله بعد مناصحته له، وإصرار ذر على رأيه (٧).وفيها أيضا: "أن ذرا أتي سعيد بن جبير يوما في حاجة، فقال: لا، حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم، أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، الا تستحي من رأي أنت أكبر منه" (٨).
٤ - حماد بن أبي سليمان: هو أبو إسماعيل حماد بن مسلم الكوفي الأشعري مولاهم، من صغار التابعين (٩)، توفي سنة ١٢٠هـ. يقول الذهبي في بيان مكانته العلمية: "فأفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد" (١٠).ويقول: "وتفقه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه، وأفقههم، وأقيسهم، وأبصرهم بالمناظرة والرأي" (١١).لكنه في باب الآثار والسنن ليس بذاك، قال أبو حاتم ﵀: "صدق، لا يحتج به، مستقيم في الفقه فإذا جاء الآثار شوش" (١٢).
"وعن شعبة: قال: كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ. يعني: أن الغالب عليه الفقه، وأنه لم يرزق حفظ الآثار" (١٣).
وما ذكر في سيرته من عدم عنايته بالآثار فيه لفتة مهمة في معرفة حال أصحاب الجرأة على القول في الدين بما لم يسبقوا إليه، والله المستعان. ثم هو رأس بين أصحابه، وإمام عندهم، ولذا تلحظ في أجوبته حينما يسأل عن بدعته نفسا حادا، فقد نقل عنه لما سئل: "ما هذا الرأي الذي أحدثت؟ لم يكن على عهد إبراهيم النخعي!، فقال: لو كان حيا لتابعني عليه" (١٤).
стр. 1138
"وقال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا؟ قال: إني أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل" (١).
ولما قدم الكوفة قادما من الحج قال: "أبشروا يا أهل الكوفة رأيت عطاء، وطاووسا، ومجاهدا، فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم. قال مغيرة - راوي الخبر: فرأينا ذلك بغيا منه" (٢).
وأمام هذه الأحوال كان لحماد مقام مشهور غير محمود في تبني القول بالإرجاء، وإخراج العمل منه، حتى عده شيخ الإسلام أول قائل به. يقول شيخ الإسلام ﵀: "الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان" (٣).ويقول: "لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة، ومن بعدهم" (٤).وقد كان للسلف موقف يناسبه، حتى ممن كان من أصحابه والمتلقين عنه، فهذا الأعمش بعد أن كان يروي عنه؛ لما تكلم بالإرجاء صار إذا لقيه لم يسلم عليه (٥).
"وقال شعبة: كنت مع زبيد، فمررنا بحماد، فقال: تنح عن هذا، فقط أحدث. وقال مالك بن أنس: كان الناس عندنا هم أهل العراق، حتى وثب إنسان يقال له حماد، فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه" (٦).٥ - سالم الأفطس (٧).
هو أبو محمد سالم بن عجلان الأفطس الحراني الأموي مولاهم المتوفى مقتولا سنة ١٣٢هـ.
في عداد التابعين، ومع كونه ثقة في الحديث إلا أنه كان يخاصم في الإرجاء، داعية إليه، ويجادل عليه.
وقد نقل شيخ الإسلام ما يفيد ذلك، حيث ذكر حديث معقل العبسي، وفيه قوله:"قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفوراً شديداً، منهم ميمون بن مهران، وعبدالكريم بن مالك، فإنه عاهد الله أن لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد" (٨).
ونقل أيضا المحاورة التي جرت بينه وبين مبارك بن حسان، حيث يقول: "وروي ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا" (٩).
٦ - أبو حنيفة:
стр. 1139
هو النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، المتوفى سنة ١٥٠هـ. يقول الذهبي معرفا به: "الإمام، فقيه الملة، عالم العراق" (١).وقال: "وعني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عيال عليه في ذلك" (٢).من أبرز مشايخه الذين تأثر بهم شيخه حماد بن أبي سليمان، إذ هو شيخه الذي اختص به، وأكثر من ملازمته (٣)، فانصبغ أثر الشيخ في التليمذ، فصار الأثر ظاهرا، من جهة الإكثار من الرأي دون الأثر، ومن جهة الموافقة له في مقالة الإيمان (٤).وقد اشتغل بعلم الكلام في أوائل طلبه للعلم، ومهر فيه، ثم عافاه الله منه، فتركه وزهد فيه (٥).وقد أثنى شيخ الإسلام عليه، وأنصفه، وبين "أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء، وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعا" (٦).ثم إن اعتقاده في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد أئمة السنة، وهو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة (٧).ومع هذا، فإن أهل البدع إذا انتسبوا إلى إمام من أئمة السنة لم يكن ذلك مذهبا للإمام، إلا في الإرجاء، فإنه مذهب أبي حنيفة عفا الله عنه، وأما التجهم فاختلف النقل عنه، ولذلك اختلف أصحابه ما بين سنية وجهمية؛ لأن أصوله لا تنفي البدع وإن لم تثبتها (٨).٧ - عمر بن ذر (٩):
هو أبو ذر عمر بن ذر بن عبدالله بن زرارة الهمداني، ثم المرهبي الكوفي، المتوفى سنة ١٥٦هـ، وقيل غير ذلك.
وهو من شيوخ أبي حنيفة، وقد اتصف بالزهد والعبادة، وكان ثقة، واعظا بليغا حسن الصوت، لكنه رأس في الإرجاء، ولما مات لم يشهده سفيان الثوري.
وقد أورده شيخ الإسلام في سياق قصة لمعقل بن عبيدالله العبسي، وأنه دخل على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابه، وجرت بينهم محاورة حول ما أحدثه المرجئة الفقهاء، وتبري عطاء منهم، وفيها قال معقل مخاطبا عطاء:
"قلت: إنهم انتحلوك، وبلغني أن ابن ذر دخل عليك في أصحاب له، فعرضوا عليك قولهم فقبلته، فقلت هذا الأمر؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو - مرتين أو ثلاثا - " (١٠).٨ - شبابة بن سوار (١١):
стр. 1140
هو أبو عمرو شبابة بن سوار الفزاري مولاهم المدائني، المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وقيل غير ذلك.
وصفه الذهبي بأنه من كبار الأئمة، إلا أنه مرجئ، وأنه صدوق، مكثر، صاحب حديث، فيه بدعة.
وقالوا الإمام أحمد: تركته للإرجاء، ولما سئل عنه قال: شبابة كان يدعو إلى الإرجاء.
قال: وحكى عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت أحدا عن مثله.
قال: قال شبابة: إذا قال، فقد عمل بجارحته، أي بلسانه، فقد عمل بلسانه حين تكلم. ثم قال أبو عبدالله: هذا قول خبيث، ما سمعت أحدا يقول به، ولا بلغني (١).وبالانتهاء من التعريف بشبابة ينتهي ما تم الوقوف عليه من الأسماء التي ذكرها شيخ الإسلام ممن دخل ضمن رجال مرجئة الفقهاء، وقبل ختم ذلك، فمما ينبه عليه أن للحافظ الذهبي ﵀ كلمة قالها حول بعض من ذكر خبره ههنا، وغيرهم، ممن رمي بالإرجاء من الفقهاء، فإنه بعد أن سمى جماعة منهم قال: "الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله" (٢).وقد استروح بعضهم هذه الكلمة، فدفع بها كون إرجاء الفقهاء من الإرجاء المذموم، وحصر الذم في إرجاء من يقول إن الإيمان هو المعرفة (٣).
ولا ريب أن كلمة الذهبي لا تدل على هذه الدعوى البتة، خاصة أنها جاءت في سيرة مسعر بن كدام، وقول بعضهم إنه مرجئ، مع جماعة ممن وقع في الإرجاء من الفقهاء.
فهنا علق الذهبي بتلك المقولة، وغاية ما فيها النهي عن التحامل على من وقع في الإرجاء من الفقهاء، وهذا حق، لكن التحذير من مقالتهم واجب شرعا، وهو ما صنعه الأئمة، وصنعه الذهبي نفسه،، فقد رأينا في السير السابقة وصفه لهم بالإرجاء، والله أعلم.
وبعد الوقوف على شيء من سيرة رجال فقهاء المرجئة، يبقى النظر في مجمل معتقدهم ﵏. وقد صرح شيخ الإسلام كما سبق النقل عنه بأن أبا حنيفة على طريق السلف في التوحيد والقدر (٤)، وأن المأخذ عليه الثابت عنه هو في مسألة الإيمان (٥).والناظر في معتقد أبي حنيفة يجد هذه الحقيقة ظاهرة، فإن مجمل معتقده ﵀ يتلخص فيما يلي (٦):
١ - العناية بأنواع التوحيد كلها، وخاصة توحيد الألوهية، وسد ذرائع الشرك.
٢ - إثبات الأسماء والصفات، إثباتا يليق بالله تعالى.
٣ - إثبات الرؤية، مع الإقرار بالعلو.
٤ - الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
٥ - أن الإيمان مجرد تصديق القلب، وقول اللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان. هذا هو مجمل معتقد أبي حنيفة، وهو - بحمد الله - موافق لما عليه أهل السنة عدا باب الإيمان، ومما يلزم ذكره أن هذا المعتقد لأبي حنيفة ليس هو الذي عليه المنتسبون إلى مذهبه في العصور المتأخرة، بل غلب على كثير منهم الابتداع، وصار جلهم على المعتقد الماتريدي، إلا من تمسك منهم بالأثر، واتبع الحديث، وهدي إلى السنة (٧).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٢٣
стр. 1141
المبحث الثاني: الجهمية تنتسب الجهمية إلى الجهم بن صفوان المقتول سنة ١٢٨هـ، فالجهمية هم نفاة الصفات (١)، الذين اتبعوا جهما فيما ابتدعه في الإسلام (٢).وكان ظهور الجهمية في أواخر عصر التابعين (٣)، بعد موت عمر بن عبدالعزيز سنة ١٠١هـ. وقد تولى كبر نشر المذهب الجهمي في الأمة جماعة مخذولون رتبهم الحافظ ابن كثير ﵀ في قوله: "أخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري - وقيل الترمذي -، ... ، وأخذ بشر المريسي عن الجهم، وأخذ أحمد بن أبي دؤاد عن البشر" (٤).
وسيستعرض هنا حال هؤلاء الأربعة بإيجار:
١ - الجعد بن درهم.
وهو شيخ الجهمية، وحقه أن تنسب إليه الفرقة، ولكنها اشتهرت باسم تلميذه الضال الجهم بن صفوان، وإن كان شيخه هو الذي بذر هذا الشر العظيم في الأمة، وتلقاه عنه كل جهمي - نعوذ بالله من الخذلان -.
والمقالات الباطلة التي اشتهرت عنه قول بالتعطيل، ونفي الاستواء، والخلة، والكلام، والقول بخلق القرآن، والجبر، والإرجاء. يقول شيخ الإسلام: "فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام - أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك - هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، فنسبت مقالة الجهمية إليه" (٥).وقد استفاض في كتب السلف ذكر طريقة قتله، وأنها على يد الأمير خالد بن عبدالله القسري الذي ذبحه يوم عيد الأضحى قال كلمته المشهورة في خطبة صلاة العيد: "أيها الناس: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل منبره، أثابه الله وتقبل منه" (٦).قتل الجعد سنة نيف وعشرين مائة (٧).
٢ - الجهم بن صفوان:"أبو محرز السمرقندي، الضال، المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئا، لكنه زرع شرا عظيما" (٨).وهو "أس الضلالة، ورأس الجهمية" (٩)، وإمامهم بلا منازع - وبئست الإمامة -، وهو الذي سن في الإسلام سنة سيئة لا يزال أهل الباطل يأخذون بها، "فهو أعظم الناس نفيا للصفات، بل وللأسماء الحسنى" (١٠) - نعوذ بالله من الشقاء -.مات مقتولا سنة ١٢٨هـ (١١).
٣ - بشر المريسي.
стр. 1142
أبو عبدالحميد بشر بن غياث بن أبي كريمة البغدادي المريسي. وهو بلية كبري، إذ آتاه الله حظا من العلم حتى عد من كبار الفقهاء، ثم هو متكلم مناظر بارع في الخصام عن مذهبه (١)، فخذل حيث أعمل هذه الأوصاف في نشر المذهب الجهمي، حتى إن عامة التأويلات الجهمية للنصوص الشرعية متلقاة عنه (٢).
يقول الحافظ الذهبي فيه: "نظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة. ولم يدرك الجهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه" (٣).هلك بشر في آخر سنة ثماني عشرة ومائتين (٤).٤ - أحمد بن أبي داود (٥).
هو أبو عبدالله أحمد بن فرج حريز البغدادي الجهمي، القاضي الضال، الجهمي البغيض.
أخذ عن بشر المريسي، وعلى يده امتحن أهل السنة، وتزعم القول بخلق القرآن، وغلا في التعطيل حتى بلغ المنتهى في الشقاء، عندما حرف آية من كتاب الله تخالف هواه، وهكذا هو دائما حال الغلاة. يقول شيخ الإسلام: "وكتب قاضيهم أحمد بن أبي دواد على ستارة الكعبة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وهو العزيز الحكيم، لم يكتب وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] (٦).
آذى عباد الله الصالحين، فأخزاه الله بعد حين، فمات مسجونا في بدنه، مصادرا ماله، وذلك سنة ٢٤٠هـ.
وبعد الوقوف على بعض أخبار رؤوس الجهمية يأتي النظر في مجمل معتقدهم، والقائم على ما يلي:
١ - إهمال توحيد الألوهية، وهذا أمر مشترك بين عامة فرق المبتدعة.
٢ - تعطيل الرب تعالى من أسمائه وصفاته.
٣ - إنكار رؤية الله تعالى.
٤ - القول بالجبر، وأن العباد لا فعل لهم على الحقيقة، وإنما تنسب إليهم أعمالهم على المجاز.
٥ - القول بأن الإيمان هو مجرد معرفة القلب، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يتبعض، ولا يتفاضل، ولا يستثنى فيه، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وأن الكفر هو الجهل فقط.
٦ - القول بفناء الجنة والنار.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٤٣
стр. 1143
المبحث الثالث: الكلابية
ظهرت هذه الفرقة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وأشهر رجالها هم:
١ - ابن كلاب:
هو أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب القطان البصري، رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، وإليه تنسب فرقة الكلابية. يقول شيخ الإسلام عنه: "وابن كلاب إمام الأشعرية أكثر مخالفة لجهم، وأقرب إلى السلف من الأشعري نفسه" (١).ومما يتعلق بسيرته ما رمي به من أنه كان نصرانيا ثم أسلم؛ ليفسد دين المسلمين (٢)، وهي فرية فندها أهل التحقيق، منهم شيخ الإسلام، وبين سبب اتهامه بهذه التهمة، حيث قال: "وكان ممن انتدب للرد عليهم - يعني الجهمية والمعتزلة - أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل وعلم ودين، ومن قال إنه ابتدع ما ابتدع؛ ليظهر دين النصارى في المسلمين، كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك، فهذا كذب عليه، وإنما افترى عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم، فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى" (٣).اختلف في سنة وفاة ابن كلاب، وقال الذهبي في ذلك: "لم أقع بوفاة ابن كلاب، وقد كان باقيا قبل الأربعين ومائتين" (٤).
٢ - أبو العباس القلانسي.
هو أحمد بن عبدالرحمن بن خالد القلانسي الرازي. لا يعرف متى ولد ولا متى توفي، فأخباره قليلة، وقد وصفه البغدادي بإمام أهل السنة الذي زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتاباً (٥).وقد صرح شيخ الإسلام بمتابعته لابن كلاب (٦)، وذكر قوله في مسألة الإيمن، وأنه نصر مذهب السلف (٧).
٣ - أبو علي الثقفي.
هو أبو علي محمد بن عبدالوهاب بن عبدالرحمن اليقفي النيسابوري، المتوفى سنة ٣٢٨هـ.
وصفه الذهبي ﵀ بالإمام، المحدث، العلامة، الزاهد، العابد، شيخ خراسان. وكان من تلاميذ إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀، ولكنه خالفه في مسألة القرآن، فعاب ابن خزيمة ذلك عليه وعلى من خاض معه، ونهاهم عن الخوض في الكلام، وانتهى به الأمر إلى أن ألزم بيته (٨).والذي ذكره شيخ الإسلام عن الثقفي أنه ممن نصر مذاهب السلف في الإيمان (٩).وأما مجمل معتقد الكلابية، فيقوم على ما يلي (١٠):١ - إثبات الأسماء والصفات، سوى الاختيارية منها، مع مخالفتهم فيها لما عليه السلف، وكان الناس قبل ابن كلاب إما مثبت للصفات أو ناف لها، فجاء بهذا التفريق في الصفات، فكان أول قائل به، وتابعه عليه الناس (١١)، عافانا الله، وجعلنا بمنه وكرمه هداة خير.
٢ - قالوا إن الله يرى في الآخرة.
٣ - يرون أن أفعال العباد خلق من الله، وهي كسب من العبد.
٤ - القول بأن الإيمان هو التصديق، وقول اللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأنه يجب الاستثناء فيه، وقالوا إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٤٩
стр. 1144
المبحث الرابع: الكرامية
ظهور هذه الفرقة كان في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وأشهر رجاله هم:
١ - ابن كرام. إليه تنسب هذه الفرقة، وهو أبو عبدالله محمد بن كرام بن عراق السجستاني، المشهور بابن كرام، والمتوفى في القدس سنة ٢٥٥هـ (١).ذكر له جملة من المصنفات، منها: عذاب القبر، والتوحيد، ولكن لم يصل منها شيء (٢).يقول عنه الذهبي: "المبتدع، شيخ الكرامية، كان زاهدا، عابدا، ربانيا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب، ولكن يروي الواهيات" (٣).وقد عده شيخ الإسلام من أئمة النظار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة (٤).
لكنه بين أنه من انتسابه لأهل السنة، ورده على المخالفين لهم، إلا أنه ينتسب إلى أهل الرأي، وموافق للمخالفين في أصولهم، وتكلم في جملة من المسائل الكبار بما أنكر عليه.
يقول شيخ الإسلام: "وقام أيضا أبو عبدالله محمد بن كرام بسجستان ونواحيها ينصر مذهب أهل السنة والجماعة، والمثبتة للصفات والقدر وحب الصحابة وغير ذلك، ويرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم، ويوافقهم على أصول مقالاتهم التي بها قالوا ما قالوا، ويخالفهم في لوازمها، كما خالفهم ابن كلاب والأشعري، لكن هؤلاء منتسبون إلى السنة والحديث، وابن كرام منتسب إلى مذهب أهل الرأي".ثم ذكر مخالفته للجماعة في جملة من مسائل الاعتقاد منها مسألة الإيمان وختم كلامه بأن موافقة ابن كرام لأهل السنة أعظم من موافقة المعتزلة والرافضة (٥).٢ - إسحاق بن محمشاد (٦).
أبو يعقوب إسحاق بن محمشاد أو ابن محمش النيسابوري، الهالك سنة ٣٨٣هـ. شيخ الكرامية في عصره، وإليه تنسب فرقة الإسحاقية من فرق الكرامية، وهو من الكذابين الذين يضعون الحديث على مذهب الكرامية، ومما وضعه - قبحه الله - أن النبي ﷺ قال: يجيء في آخر الزمان رجل يقال له: محمد بن كرام، يحي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس، كهجرتي من مكة إلى المدينة (٧).ومن صفاقته أنه ألف كتابا سماه: فضائل ابن كرام، ملأه مدحا في شيخه على هذا المنوال من الكذب والدجل، قال الذهبي ﵀: "فانظر إلى المادح والممدوح! " (٨).٣ - محمد بن الهيصم (٩):
أبو عبدالله محمد بن الهيصم، عاش في القرن الخامس الهجري، أي في العصر الذهبي للكرامية، ولا تعلم سنة وفاته.
وإليه تنسب فرقة الهيصمية من فرق الكرامية، وقد كان له دور بارز في تقريب مذهب الكرامية بين المذاهب، وتخفيف التشنيع عليه.
стр. 1145
وكانت له مناظرات مع خصوم الكرامية، كتلك التي جرت له مع ابن فورك في مسألة علو الله تعالى، وله مناظرة مع الرازي. وقد عده شيخ الإسلام من شيوخ الكرامية وأحد النظار (١)، ونقل له كلاما يتعلق بالقرآن عن مصنف له اسمه: جمل الكلام في أصول الدين (٢)، وذكر أنه وقف على مصنف له آخر قرر فيه أن الإيمان قول فقط (٣).٤ - إبراهيم بن مهاجر (٤).
من أهل القرن الرابع الهجري، وعاش في نيسابور، وإليه تنتسب فرقة المهاجرية من الكرامية، وقد ذكر البغدادي أنه جرت بينهما مناظرة سنة ٣٧٠هـ. هذه إلمامة بأخبار بعض رجال الكرامية، وأما مجمل اعتقاد هذه الفرقة، فهو (٥):
١ - اتفاقهم على إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى، وفسروا معناه بأنه القائم بالذات، المستغني وجوده عن غيره.
٢ - إثبات الصفات، مع تحريف لما أثبتوه، كما صنعوا في صفة السمع، والبصر، والكلام، والاستواء، والإرادة.
٣ - إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا إنه بجهة فوق ذاتا، ثم اختلفوا في شرح هذا المعتقد عندهم.
٤ - أثبتوا الرؤية حتى قالوا إن الله تعالى يمكن أن يرى بالأبصار في الدنيا.
٥ - القول بأن الإيمان هو قول اللسان فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه، وقالوا إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٥٣
стр. 1146
المبحث الخامس: الأشاعرة
يقول شيخ الإسلام ﵀ ملخصا حال هذه الفرقة: "والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم"، ثم قال:"وأما الأشعرية فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث، وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث" (١).
ومن أشهر رجالات هذه الفرقة:
١ - أبو الحسن الأشعري. وهو علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ (٢).وهو "المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة، وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة" (٣).ووصفه الذهبي بالعلاقة، إمام المتكلمين، وقال فيه: "لأبي الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، وله أشياء حسنة، وتصانيف جمة تقضي له بسعة العلم" (٤).
والذي طبع من هذه التصانيف: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (٥)، واللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ورسالة إلى أهل الثغر، والإبانة عن أصول الديانة، ورسالة استحسان الخوض في علم الكلام، ورسالة في الإيمان. وللناس كلام كثير في مراحل حياته العقدية (٦)، وقد لخص شيخ الإسلام رأيه في ذلك بقوله: "وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذاهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كالإبانة، والموجز، والمقالات" (٧).وكما اختلف الناس في عقيدته اختلفوا كذلك في آخر مصنفاته، والذي يراه شيخ الإسلام أن الأشعري صنف كتاب الإبانة في آخر عمره (٨).وذكر أن أصحاب الأشعري يرون أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه (٩).
٢ - أبو بكر الباقلاني:
стр. 1147
هو القاضي أبو بكر بن الطيب بن محمد بن الباقلاني، المتوفى سنة ٤٠٣هـ يقول عنه الذهبي: "كان ثقة، إماما، بارعا، صنف في الرد على الرافضة، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن، وقد يخالفه في مضائق، فإنه كان من نظرائه" (١).له مصنفات مشهورة، منها: التمهيد في الرد على الملحدة والرافضة والخوارج والمعتزلة، والإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (٢).وقد ذكر شيخ الإسلام أنه وقف على تصنيف للباقلاني في الإيمان نصر فيه أنه تصديق القلب فقط (٣).ويراه شيخ الإسلام أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده (٤).وللباقلاني مكانة كبيرة في المذهب الأشعري، حيث يعد المؤسس الثاني للمذهب، وكانت منهجيته في البحث والمناظرة تختلف عن طريق مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري، فالأشعري بعد أن انتسب للإمام أحمد حرص على الاستدلال بالنقل، فلما جاء الباقلاني لم يكد يستدل به إلا نادرا، معتمدا على العقل، وصار هذا المنهج سنة لمن جاء بعده من الأشاعرة (٥).
٣ - أبو المعالي الجويني:
هو إمام الحرمين عبدالملك بن يوسف بن عبدالله الجويني النيسابوري، المتوفى سنة ٤٧٨هـ.
ترك مؤلفات كثيرة، مما طبع منها: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ولمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، والعقيدة النظامية في الأركان الإسلامية. ومن أهم ما أحدثه في مذهب الأشاعرة أنه خطأ به نحو الاعتزال، والتأصيل الكلامي (٦).
٤ - الرازي:
هو أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي الطبرستاني الرازي، المعروف بابن خطيب الري، المتوفى سنة ٦٠٦هـ.
стр. 1148
من مصنفاته: أساس التقديس، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، ومعالم أصول الدين، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين. يقول شيخ الإسلام واصفا حاله: "ومن الناس من يسيء به الظن، وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، وليس كذلك، بل يتكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئا، ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة، تشتمل على كلام باطل، كلام هؤلاء وكلام هؤلاء فيقرر كلام طائفة بما يقرر به، ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقضه به" (١).وقد كان له دور بارز تابعه عليه من جاء بعده، وهو خلطه الفكر الفلسفي بالكلام (٢).ومن أهم ما يذكر ما عن الرازي ما يصنعه في مؤلفاته من شحنها بالشبه والحجج الباطلة بأقوى عبارة وأتمها، ورده لها بأجوبة ضعيفة لا تقوى على إبطالها، وما هذا بصنيع ناصح لعباد الله، والله أعلم بالنوايا، وقد مات تائبا، والله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (٣).وبعد هذا الوقوف على خبر بعض أشهر رجال الأشاعرة يأتي عرض مجمل اعتقاد الفرقة (٤):
١ - إهمال توحيد الألوهية، وتفسير الإله في كلمة التوحيد لا إله إلا الله بالربوبية، وأنه القادر على الاختراع والخلق.
٢ - نفي الصفات الاختيارية لله تعالى، والاقتصار على إثبات سبع صفات سموها الصفات المعنوية، والعقلية، وهي: العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأما الصفات الخبرية فأثبتها متقدموهم، وأولها المتأخرون منهم.
وأثبتوا الأسماء الحسنى لله تعالى مع تحريف لمعانييها بما يتوافق مع معتقدهم في الصفات.
٣ - أثبتوا الرؤية، وأنكروا العلو - وهو الجهة عندهم -، فقالوا إن الله يرى لا في جهة.
٤ - قالوا إن الله خالق أفعال العباد، وأنه ليس لقدرة العبد تأثير في فعله، بل القدرة من الرب، والفعل كسب من العبد، بمعنى أن فعل العبد ليس بتأثير منه، بل لكونه محلا للفعل فحسب، وهذا الجبر منهم قريب من القول بالجبر عند الجهمية.
٥ - القول بأن الإيمان مجرد تصديق القلب، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأنه يجب الاستثناء فيه، وقالوا ِإن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٥٧
стр. 1149
أولا: مسمى الإيمان عند مرجئة الفقهاء
١ - الإيمان عندهم تصديق القلب، وقول اللسان.
قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد القلب من الإيمان. وهو قول محمد بن كلاب، وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان مجرد تصديق القلب" (١).ويقول: "وابن كلاب نفسه، والحسن بن الفضل البجلي، ونحوهما كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعا، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، مثل أبي حنيفة، وغيره" (٢).
ونقل شيخ الإسلام عن الحافظ ابن عبدالبر قوله: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان.
إلا ما ذكر عن أبي حنيفة، وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا. قالوا: إنما الإيمان: التصديق، والإقرار، ومنهم: من زاد المعرفة" (٣).وقال أبو ثور في معرض رده عليهم (٤): "فلما لم يكن الإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنا، حتى يكون مصدقا بقلبه، مقرا بلسانه، فإذا كان تصديقا بالقلب، وإقرارا باللسان كان عندهم مؤمنا. وعند بعضهم: لا يكون مؤمنا حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء الثلاثة إذا اجتمعت مؤمنا" (٥).
ولما قيل لعطاء إنهم يقولون: إن الإيمان منطق، ليس معه عمل.
قال عطاء: "أما يقرؤون الآية التي في البقرة لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، قال: ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من العمل، فقال: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٧٧] إلى قوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧].فقال: سلهم: هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟، وقال: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء: ١٩]، فألزم الاسم العمل، والعمل الاسم" (٦).
٢ - لابد عندهم في الإيمان أن يتكلم بلسانه: فالإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، ونزاعهم مع السلف هو فين قال، ولم يفعل (٧).
стр. 1150
٣ - أعمال القلب عندهم ليست من الإيمانمما أورده شيخ الإسلام على مرجئة الفقهاء أنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها (١).
والذي عليه هؤلاء المرجئة هو إخراج أعمال القلوب من الإيمان، فقد قال شيخ الإسلام: "والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب.
ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم.
ومنهم من لا يدخلها، كجهم ومن اتبعه، كالصالحي، وهذا هو الذي نصره هو - يعني الأشعري - وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢).
وهذا التصنيف لهذه الفرق يفيد أن الفقهاء يحصرون الإيمان في التصديق والقول.
ويفيد كذلك أن الذين يدخلون أعمال القلوب في الإيمان هم الفريق الأول من الصنف الأول، وهم أكثر فرق المرجئة الذين يرون الإيمان مجرد ما في القلب، وأن من عداهم - ومنهم الفقهاء - لا يدخل هذه الأعمال في الإيمان. ويزيد الأمر وضوحا قول شيخ الإسلام على قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد: ٢٦]، قال: "ولهذا فسر السلف هؤلاء الذين كرهوا ما نزل الله الذين كانوا سبب نزول هذه الآية بالمنافقين، واليهود (٣).
قالت الوعيدية: الله تعالى إنما وصفهم بمجرد كراهة ما نزل الله، والكراهة عمل القلب.
وعند الجهمية: الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم، والصالحي، والأشعري في المشهور عنه، وأكثر أصحابه.
وعند فقهاء المرجئة هو: قول اللسان، مع تصديق القلب.
وعلى القولين: أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم، كأعمال الجوارح. فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه، وقلبه، مع كراهة ما نزل الله، وحينئذ فلا يكون هذا كافرا عندهم، والآية تتناوله، وإذا دلت على كفره دلت على فساد قولهم" (٤).
فقول شيخ الإسلام "على القولين" المراد بهما كما هو ظاهر: قول الجهمية ومن وافقهم، وقول فقهاء المرجئة.
وعليه، فالفقهاء وافقوا هؤلاء المرجئة في إخراج عمل القلب، وزادوا عليهم بإدخال قول اللسان.
وكذلك قوله: "دلت على فساد قولهم" يعني في إخراجهم عمل القلب من الإيمان.
وقال شيخ الإسلام أيضا: "ومن هنا غلطت الجهمية، والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول.
إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول بذلك، وهذا قول الجهمية، ومن تبعهم، كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية.
وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة. ولم يجعلوا عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل" (٥).
وقول شيخ الإسلام هذا أفاد:
اتفاق المرجئة - المتكلمين منهم والفقهاء - على حصر الإيمان في باب القول.
стр. 1151
ثم اختلافهم بعد هذا الاتفاق في أي القول يدخل في الإيمان، وفقهاء المرجئة جعلوا قول القلب وقول اللسان كله من الإيمان.
وأفاد أيضا اتفاق مرجئة الفقهاء والجهمية ومن تبعهم على إخراج العمل من الإيمان، فأخرجوا عمل القلب وعمل اللسان من الإيمان.
ومع ما تقدم من نقول تفيد إخراج فقهاء المرجئة عمل القلب من الإيمان، فقد جاء التصريح بذلك في كلام شارح العقيدة الطحاوية. ومعلوم أن صاحب الشرح، وصاحب المتن كلاهما على مذهب أبي حنيفة، والعقيدة الطحاوية مصنفة أساس لتقرير معتقد أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، كما جاء في مقدمتها، حيث يقول الطحاوي: "هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين" (١)، ثم ذكر معتقدهم، ومنه قوله:
"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".قال ابن أبي العز معلقا على ذلك: "وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على الشيخ ﵀ يعني الطحاوي -؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه أن: الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان (٢)، ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أبي حنيفة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازا" (٣).وقد بين من قبل ﵀ أن مرجئة الفقهاء لا ينازعون في القول - الذي هو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان -، وإنما ينازعون في شمول اسم الإيمان للعمل (٤)، ثم ذكر أن العمل قسمان: عمل القلب، وعمل الجوارح (٥).
٤ - إخراج العمل الظاهر - عمل الجوارح - من الإيمان: يمكن عندهم حصول الإيمان التام في القلب بدون العمل الظاهر، فقد ذكر شيخ الإسلام أن من الأغلاط التي يقول بها المرجئة جميعا "ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر" (٦).ويقول: "والمرجئة المتكلمون منهم، والفقهاء يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه" (٧).وهذا لا يعني أنهم لا يقيمون للأعمال وزنا، بل عندهم أن الأعمال المفروضة واجبة، ويرون أن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب (٨).
لكنهم مع ذلك يعدون فعل الواجبات وترك المحرمات ليس من الإيمان.
يقول شيخ الإسلام: "وقابلتهم - يعني الخوارج والمعتزلة - المرجئة، والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية، والكرامية، فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية.
стр. 1152
والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد، يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة، والنبيين، والمقربين، والمقتصدين، والظالمين.
ثم قال فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب، واللسان.
وقال أكثر متكلميهم: هو التصديق بالقلب.
وقال بعضهم: التصديق باللسان. قالوا: لأنه لو دخلت فيه الواجبات العملية؛ لخرج منه من لم يأت بها، كما قالت الخوارج" (١).فمرجئة الفقهاء يرون أنه يكفي الالتزام بالطاعات دون فعلها، ويجعلون الإيمان هو التصديق والالتزام معا، وعندهم أن من قال: أنا أطيع الرسول ﷺ ولا أصدق أنه رسول الله أو أصدقه ولا ألتزم طاعته، فإنه لا يكون مسلماً ولا مؤمناً (٢).
يقول الحميدي: "وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة.
فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله، وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥].وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على أمره، وعلى الرسول ما جاء به عن الله" (٣).
ونقل شيخ الإسلام ما ذكره معقل العبسي لنافع أنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح؟ قال نافع: من فعل هذا، فهو كافر (٤).ولذلك فهم موافقون لأهل السنة في أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم (٥).وهم مع قولهم بالإرجاء يكفرون أنواعا ممن يقول كذا وكذا؛ لما فيه من الاستخفاف، ويجعلونه مرتداً ببعض هذا الأنواع (٦).وهم أيضاً موافقون لأهل السنة في أن من شتم الله ورسوله ﷺ فهو كافر ظاهراً وباطناً (٧).
يقول شيخ الإسلام: "ولهذا كان التكلم بالكفر من غير إكراه كفرا في نفس الأمر عند الجماعة، وأئمة الفقهاء، حتى المرجئة، خلافا للجهمية ومن ابتعهم. ومن هذا الباب سب الرسول وبغضه، وسب القرآن وبغضه، وكذلك سب الله وبغضه، ونحو ذلك مما ليس من باب التصديق والتكذيب، بل من باب الحب والتعظيم والموالاة، أو البغض والمعاداة والاستخفاف" (٨).
стр. 1153
ولكن ثمة وقفة مهمة حول موقف مرجئة الفقهاء من الشاتم والساب، فإنهم وإن كفروا الشاتم ظاهرا وباطنا، فإن مأخذهم في ذلك فاسد، إذ هم يرجعون ذلك إلى أن وقوعه في السب والشتم دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، فردوا الكفر إلى الاستحلال. وهذا مخالف لما عليه سلف الأمة من "أن سب الله، أو رسوله، كفر ظاهرا وباطنا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (١).
يقول شيخ الإسلام في فسر مأخذ فرق المرجئة في تكفير الساب:
"ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين، أو من حذا حذوهم من الفقهاء:
أنهم رأوا الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات، كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته، فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه، كما يترك ما يعتقد وجوب فعله، ويفعل ما يعتقد وجوب تركه.
ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب، فقالوا: إنما كفر؛ لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقاد حله: تكذيب للرسول، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب.
فإن فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب، كان في نفس الأمر مؤمنا، وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره.
فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون: الإيمان هو الاعتقاد، والقول.
وغلاتهم، وهم الكرامية، الذين يقولون: هو مجرد القول، وإن عري عن الاعتقاد. وأما الجهمية الذين يقولون: هو مجرد المعرفة والتصديق فقط، وإن لم يتكلم بلسانه، فلهم مأخذ آخر، وهو: أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول، لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن، كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن" (٢)، ثم أفاض ﵀ في الرد على هذه المقالة.
وبعد، فتلك هي معالم مسمى الإيمان عند فقهاء المرجئة، والتي ملخصها أنهم يحصرون الإيمان في القول دون العمل، قول القلب وقول اللسان، دون عمل القلب وعمل الجوارح، وأنهم يحكمون بكفر من لم يتكلم بلسانه مع قدرته عليه، وكفر إبليس وفرعون وغيرهما مع تصديق قلوبهم، وكفر الساب والشاتم. بل أن المرجئة الفقهاء جاء عنهم ذم الإرجاء، والتحذير منه، إذ ذكر شيخ الإسلام أن أبا حنيفة وأصحابه يذمون المرجئة (٣).ونقل ﵀ قول أبي يوسف: "دعوا قول أهل الخصومات، وأهل البدع في الأهواء، من المرجئة، والرافضة، والزيدية، والمشبهة، والشيعة، والخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والجهمية" (٤).
فمن المرجئة التي يحذر منها هؤلاء؟ أجاب شيخ الإسلام عن ذلك، حيث بين أن المرجئة عندهم هم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم (٥).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٨٣
стр. 1154
ثانيا: مفهوم الإرجاء عند بعض فقهاء أهل السنة، والفرق بينهم وبين غلاة المرجئة: أمام هذا الانحراف الذي كان سببه الجدال حول مرتكب الكبيرة، وعلاقة الإيمان بالعمل، انعكس أثر هذا الجدال على بعض فقهاء أهل السنة، ممن تعرضوا لمثل هذه القضايا، فقالوا بنوع من أنواع الإرجاء الذي ذمه علماء السلف، وإن كانوا غدوه بدعة خفيفة، وسوف نبين مفهوم هذا الإرجاء عندهم فيما بعد، بعد أن نعرض لما يقال من سبب ظهور هذا الإرجاء في وسط أهل السنة؛ وذلك بالقول إن الأمة في هذه الفترة التي ظهر فيها القول بالإرجاء تعرضت لفتنة شديدة، أوقعت الأمة في حيرة، واضطراب، وكان من نتائجها احتدام الجدال حول مفهوم الإيمان، وعلاقته بالعمل، فإذا كانت المرجئة قد حدثت في السابق حول معنى الإرجاء اللغوي، الذي يتعلق بأحداث الفتنة، فإنه تطور، فيما بعد، ليتناول قضايا واسعة؛ كما يقول الدكتور محمد البهي: "اختلاف المسلمين في الرأي ابتدأ حول حوادث جزئية، وانتهى في آخرها بأن أصبح حول أمر عام؛ مثال ذلك حكم مرتكب الكبيرة؛ حيث انتهى الحديث عن الأشخاص المشاركين في الفتنة، وعلاقتهم بالكبيرة، ثم آل الأمر إلى أن صار موضوع الحكم بعيداً عن التشخيص؛ بحيث كان الانتقال من أمور جزئية إلى أمر كلي عام" (١).فمن الناحية التاريخية، نجد أن التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي يؤرخ لبداية الإرجاء البدعي؛ فيقول: "إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث" (٢)، فهل كان لهذه الهزيمة أثر في نشأة هذا الإرجاء، إذا علمنا أن جمهرة كبيرة من فقهاء الأمة شاركوا فيها، وسوف نقدم هذا العرض الموجز عن هذه الثورة؛ لبيان أثر هذه الفتنة في الافتراق، وظهور الجدال بين علماء الأمة حول مسائل الإيمان، والعمل، وغيرها من مسائل العقيدة. مما هو معلوم أن ثورة ابن الأشعث بدأت سنة "٨١ هـ"، وانتهت بالهزيمة في نهاية سنة "٨٣ هـ"، وقد شارك في هذه الثورة أعداد كبيرة من القراء، والفقهاء، فريق مع ابن الأشعث، وفريق مع الحجاج، وكان لهذه الثورة أثر في بروز المجادلات، فيما بعد، وملخص هذه الفتنة أن عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بعثه الحجاج لقتال "قبيل صاحب الترك"، وكان هناك نوع من الكراهية بن الحجاج، وابن الأشعث (٣)، وكان ابن الأشعث يبيت فكرة الخروج على الحجاج؛ ومما يوضح ذلك ما قاله إسماعيل بن الأشعث عم عبدالرحمن للحجاج، قال: "لا تبعثه؛ فإني أخاف خلافه، فوالله، ما جاز جسر الفرات قط، فر أي لوال من الولاة عليه طاعة، وسلطان" (٤)، وبالفعل، توجه ابن الأشعث لحرب الترك، وهزمهم، "واستولى على أراضي واسعة، وملأ يديه من البقر، والغنم، والغنائم العظيمة، وقرر عند ذلك حبس الناس عن التوغل في أرض الترك، وقال: نكتفي بما أصبناه هذا العام من بلادهم، حتى نجيبها، ونعرفها" (٥)، وعندما علم الحجاج بتوقفه عن الغزو، بعث إليه يعيب عليه ذلك، فما كان من ابن الأشعث إلا إعلان خلعه للحجاج، واستعداده للكرة على العراق لقتاله، وعلل ذلك لجنده، ومن رافقه من الناس؛ فقال: "إن الحجاج يطلب منهم التوغل في أرض العدو؛ للتخلص منهم، فتكلم ابن الأشعث في خلع الحجاج، ولم يتكلم في خلع عبدالملك بن مروان" (٦).
стр. 1155
وبعد أن قويت شوكة ابن الأشعث، وبإزاء سيرته الحسنة في الناس، وما أفاضه عليهم من الأعطيات، وعلاقته الطيبة بالفقهاء، والقراء، فقد بايعوه على خلع الحجاج، ومن أبرزهم ذر بن عبدالله الهمذاني الذي سيصبح من أبرز شخصيات الإرجاء، وأول من تكلم فيه أبو البحتري، الذي قام يحث الناس على قتال الحجاج، فقال: "أيها الناس، قاتلوهم على دينكم، ودنياكم، فوالله، لئن ظهروا عليكم، ليفسدن عليكم دينكم، ودنياكم، وقال الإمام الشعبي: "يأهل الإسلام، قاتلوهم، ولا يأخذكم حرج من قتالهم؛ فوالله، ما أعلم قوماً على بسيط الأرض، أعمل بظلم منهم"، وقال سعيد بن جبير: "قاتلوهم، ولا تأثموا، ولا يأخذكم حرج من قتالهم، بنية، ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهمن على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة" (١).وقد استمرت هذه الفتنة ثلاث سنوات، وأهل العراق، وبلاد فارس، وجند الشام، بقيادة الحجاج، يصطرعون، فريق مع ابن الأشعث، وفريق مع الحجاج، وكانت الحرب جولات، مرة لابن الأشعث، ومرة للحجاج، حتى حلت الهزيمة بابن الأشعث، وكانت هزيمة مرة، وعصيبة في الأمة، وفقهائها، وقرائها الذين أملوا الناس بالتخلص من الحجاج، وعسفه، وظلمه، وأصبحت وعود العلماء للناس بتطبيق أمثل للكتاب والسنة حلماً، وسراباً بعيد المنال، ولعل هذا الوصف، عن الطبري، لموقف القراء، يعبر عن الحرج البالغ الذي وقعوا فيه؛ بسبب مشاركتهم بهذه الفتنة؛ حيث قال: "فخرج الناس، فعسكروا، وجعلوا يبكون، وينادون: يا محمداه! يا محمداه! وجعلوا لا يدرون أين يذهبون، فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين، فيبكون لما يسمعون منهم، يرون" (٢).وروى خليفة بن خياط، عن مالك بن دينار، قال: "خرج مع ابن الأشعث خمس مئة من القراء، كلهم يرون القتال" (٣)، ومن مظاهر هذه الهزيمة التي جلبت النقاش في مسائل تخص الكفر والإيمان، ما رواه الطبري: "إن الحجاج عندما دخل الكوفة، وأقام مجلسا، وأجلس مصقلة بن كرب بن رقبة العبدي إلى جنبه، وكان خطيبا، فقال: اشتم كل امرئ بما فيه، ممن كنا أحسنا إليه، فاشتمه بقلة شكره، ولؤم عهده، ومن علمت منه عيبا، فعبه بما فيه، وصغر إليه نفسه، وكان لا يبايعه أحد إلا قال له: "أتشهد أنك قد كفرت؟ "، فإذا قال: نعم، بايعه، وإلا، قتله، وجاءه رجل من خثعم، فقال له: أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا، إن كنت عبدت الله ثمانين سنة، ثم أشهد على نفسي بالكفر، قال: إذا أقتلك، قال: وإن قتلتني، فوالله، ما بقي من عمري إلا ضمء حمار، وإني لأنتظر الموت صباح مساء؛ فقال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه، فزعموا أنه لم يبق حوله قرشي، ولا شامي، ولا أحد من الحزبين، إلا رحمه، ورثي له من القتل" (٤).أمام هذه الأحداث الجسيمة، وما تبعها من ممارسات الحجاج الرهيبة، وإجباره الناس على الإقرار بالكفر؛ للنجاة من القتل، "فقد جيء له برجل، فقال له الحجاج: إني لأرى رجلاً، ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال الرجل: أخادعي عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد؛ فخلى سبيله" (٥)،
стр. 1156
وكانت هذه الممارسات، بهذه الهيئة، وهذه الكيفية، سبباً من أسباب فتح الجدال: هل من يفعل مثل هذا مؤمن كامل الإيمان؟ وهل لأفعاله هذه صلة، بإيمانه، وكماله؟ ولعل النقاش كان يدور في نطاق أوسع حول المقتتلين في هذه الفتنة، وهل هم مؤمنون كاملوا الإيمان؟ وما صلة أعمالهم بإيمانهم؟ ولعل النقاش - أيضاً - امتد إلى مسائل متعددة؛ كمرتكب الكبيرة، وغيرها، فكانت هذه الأحداث، وما أفرزته من مجادلات، سبباً في بروز الفكر الإرجائي المبتدع، وفي هذا يقول د. سفر الحوالي: "وهنا برز قرن الإرجاء بين صفوف هؤلاء اليائسين المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل؛ فأعلنوا مذهبهم، واستغلوا آثار الهزيمة" (١).وفي أثناء هذه الفتنة العجيبة، وما تبعها من آلام، ومآس، غابت عن جملة من الفقهاء طريقة السلف الذين يعتقدون ثبات الأصول العقدية، ويعتقدون أن الفتنة، والأحداث، مهما كانت أليمة، يجب أن لا ينحرف المسلمون عن منهج النبوة الحق؛ فذهبوا يبحثون في مسائل الإيمان، والعمل على غير المنهج النبوي، تحت ضغط الواقع، ومجادلات أرباب البدع الأخرى، ولتقرير هذه القاعدة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأهل البدع إنما دخل عليه الداخل لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله، ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله، ورسوله، فإنها تكون ضلالا؛ ولهذا تكلم أحمد في رسالته المعروفة في الرد على من يتمسك بما يظهر له في القرآن من غير استدلال ببيان الرسول، والصحابة، والتابعين، وكذلك ذكر في رسالته إلى عبدالرحمن الجرجاني، في الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين؛ لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومن عدل عن سبيلهم، وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله، ورسوله، ما لا يعلم، أو غير الحق" (٢).
стр. 1157
ومن هذا السبيل البدعي سلك بعض الفقهاء مسلك البدعة، عندما عرضت لهم شبهة الإرجاء، فوسعوا المفهوم اللغوي المحدود المعنى، ليشمل تعريف الإيمان، وعلاقته بالعمل، فوقعوا في هذه البدعة المنكرة، التي أسهمت في انحراف المجتمع، فيما بعد، تحت دعاوى الإرجاء، التي مضمونها عدم شعور المرء بأي إثم، أو خطيئة، طالما أن العمل منفصل عن الإيمان، ولا يؤثر فيه بزعمهم. وقد اتهم بهذا الإرجاء جملة من الفقهاء العباد من علماء أهل السنة؛ ومنهم: حماد بن أبي سليمان (١)، وطلق بن حبيب العنزي (٢)، وعمر بن ذر الهمذاني (٣)، وإبراهيم بن يزيد بن شريك التميمي (٤)، ومحمد بن خازم "أبو معاوية الضرير" (٥)، وأبو حنيفة النعمان (٦)، وخارجة بن مصعب (٧)، وعبدالعزيز بن أبي رواد (٨)، ومحمد بن السائب بن بشر (٩)، ومسعر بن كدام (١٠)، ومحارب بن دثار (١١)، وعون بن عبدالله بن مسعود (١٢)، وموسى بن أبي كثير (١٣)، وعباد بن منصور الناجي (١٤)، وعباد بن كثير (١٥)، وعبدالكريم بن أبي المخارق (١٦)، وأصرم بن غياث (١٧)، وسعيد بن سالم (١٨)، والصلت بن مهران (١٩)، وسالم بن عجلان الأفطس (٢٠)، وقيس بن عمرو الماصر" (٢١).ويمكننا بيان مذهب هؤلاء الفقهاء بالإرجاء على النحو التالي؛ حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، مفصلاً لهذه البدعة: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، ولم يكن أصحاب عبدالله من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي، وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج، والمعتزلة؛ فقالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع؛ فإن كثيراً من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ، دون الحكم؛ إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول؛ مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وغيرهما، هم، مع سائر أهل السنة، متفقون على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم، والعقاب، فكان النزاع في الأعمال هل هي من الإيمان، وفي الاستثناء، ونحو ذلك، عامته نزاع لفظي؛ فإن الإيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال؛ لقول النبي ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وغذا عطف عليه العمل؛ كقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، فقد ذكر مقيدا بالعطف؛ فهنا قد يقال: الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام" (٢٢)،
стр. 1158
وقال شيخ الإسلام - أيضا: "والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة، وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول الجهم؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان، مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس، وفرعون، وغيرهما كفارا، مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان، لزمهم دخول أعمال الجوارح - أيضاً -؛ فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية، بسببها اشتبه الأمر عليهم؛ فإنهم رأوا أن الله فرق في كتابه بين الإيمان، والعمل؛ فقال في غير موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى [المائدة: ٦]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:]، وقالوا: لو أن رجلاً آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمناً، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان، وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية، وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان السابقين الأولين؛ كأبي بكر، وعمر، وإيمان أفجر الناس؛ كالحجاج، وأبي مسلم الخراساني، وغيرهما، والمرجئة المتكلمون منهم، والفقهاء، يقولون: الأعمال قد تسمى إيماناً مجازاً؛ لأن العلم ثمرة الإيمان، ومقتضاه، ولأنها دليل عليه، ويقولن: قوله: ((الإيمان بضع وستون أو بضعة وسبعون شعبة -، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق)) - مجاز، والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم، ومن اتبعه؛ كالصالحي، والقول الثاني من يقول: هو مجرد القول باللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه، والعبادة منهم" (١).ويفرق أبو العز الحنفي بين رأي أبي حنيفة، ورأي الأئمة، في مسألة الإيمان؛ فيقول: "إذا كان النزاع في هذه المسألة، بين أهل السنة، نزاعاً لفظياً، فلا محذور فيه، سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى؛ من الافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم عند قوم من أهل الإرجاء، ونحوهم، على ظهور الفسق، والمعاصي؛ بأن يقول: أنا مؤمن مسلم - حقا - كامل الإيمان والإسلام، ولي من أولياء الله؛ فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل - قطعاً -؛ فالإمام أبو حنيفة ﵀ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة، مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع؛ فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافاً، وشرائط؛ كما في الصلاة، والصوم، والحج، ونحو ذلك" (٢).
стр. 1159
وقد نسبت إلى الإمام أبي حنيفة أقوال في الإيمان، والإرجاء، استقصاها أبو الخطيب البغدادي؛ مما حدا بعلماء عصره إلى التشنيع عليه، والرد عليه. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يبرئه من تلك الأقوال؛ ويقول: "أبو حنيفة، وأصحابه، لا يجوزون الاستثناء في الإيمان بكون الأعمال منه، ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم، بل يكتفون بالإيمان، وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأن لا يصلح تعليقه على الشرائط؛ لأن المعلق على الشرط لا يوجد، ولا عند وجوده" (١).ويقل شيخ الإسلام عن إرجاء علماء أهل السنة: "وفي الجملة الذين رموا بالإرجاء من الأكابر؛ مثل: طلق بن حبيب، وإبراهيم التميمي، ونحوهما، كان إرجاؤهم من هذا النوع، وكانوا لا يستثنون في الإيمان وكانوا يقولون: الإيمان هو الإيمان الموجود فينا، ونقطع بأنا صادقون، ويرون الاستثناء شكا، وكان عبدالله بن مسعود وأصحابه يستثنون، وقد روي في حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال" (٢).ويوضح الإمام الذهبي شيئاً من مذهب علماء أهل السنة في الإرجاء؛ فيقول: "وقد كان على الإرجاء عدد كبير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن - حقا - عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت ﵇؛ من كفر، أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وإن تارك الصلاة، والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل النفس، والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبداً، فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة، وجسروا كل فاسق، وقاطع طريق على الموبقات، نعوذ الله من الخذلان" (٣).ويحدد الإمام سفيان الثوري مقالة المرجئة، وخلافهم مع أهل السنة؛ فيقول: "خلاف ما بيننا، وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول، ولا عمل، ونقول: قول، وعمل، ونقول: إنه يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد، ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق" (٤).ويعرف الإمام الذهبي إرجاء الفقهاء فيقول: "وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان, ويقولون: الإيمان إقرار باللسان, ويقين في القلب, والنزاع على هذا لفظي, إن شاء الله, وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض, نسأل الله العافية (٥)
المصدر: العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي لعطا الله المعايطة - ص ٥٩١
стр. 1160
المطلب الثاني: مسمى الإيمان عند الجهمية
تعد المقالة الجهمية في الإيمان واحدة من أشهر مقالات جهم وكفرياته، فإن "جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة:
أحدها: نفي الصفات.
والثاني: الغلو في القدر، والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة" (١).وهذا القول الجهمي في حقيقة الإيمان، "مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفر السلف، كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم، من يقول بهذا القول (٢).وهذا يستوجب فهم حقيقة هذا القول، والحذر منه، خاصة أن كثيرا من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط كلام هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف (٣).
وفي هذا المبحث - بعون الله تعالى - تحرير للمعالم التي يقوم عليها مسمى الإيمان عند الجهمية، على النحو التالي:
١ - الإيمان عند الجهمية شيء واحد، يتساوى فيه العباد، لا يتبعض، ولا يتفاضل، وهو مجرد تصديق القلب وعلمه. وهذا التصديق عند الجهم هو المعرفة (٤)، ومراده بها معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله (٥)، فمن أتى بذلك فهو مؤمن كامل الإيمان، كإيمان النبيين.