وكانت هذه الممارسات، بهذه الهيئة، وهذه الكيفية، سبباً من أسباب فتح الجدال: هل من يفعل مثل هذا مؤمن كامل الإيمان؟ وهل لأفعاله هذه صلة، بإيمانه، وكماله؟ ولعل النقاش كان يدور في نطاق أوسع حول المقتتلين في هذه الفتنة، وهل هم مؤمنون كاملوا الإيمان؟ وما صلة أعمالهم بإيمانهم؟ ولعل النقاش - أيضاً - امتد إلى مسائل متعددة؛ كمرتكب الكبيرة، وغيرها، فكانت هذه الأحداث، وما أفرزته من مجادلات، سبباً في بروز الفكر الإرجائي المبتدع، وفي هذا يقول د. سفر الحوالي: "وهنا برز قرن الإرجاء بين صفوف هؤلاء اليائسين المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل؛ فأعلنوا مذهبهم، واستغلوا آثار الهزيمة" (١).وفي أثناء هذه الفتنة العجيبة، وما تبعها من آلام، ومآس، غابت عن جملة من الفقهاء طريقة السلف الذين يعتقدون ثبات الأصول العقدية، ويعتقدون أن الفتنة، والأحداث، مهما كانت أليمة، يجب أن لا ينحرف المسلمون عن منهج النبوة الحق؛ فذهبوا يبحثون في مسائل الإيمان، والعمل على غير المنهج النبوي، تحت ضغط الواقع، ومجادلات أرباب البدع الأخرى، ولتقرير هذه القاعدة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأهل البدع إنما دخل عليه الداخل لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله، ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله، ورسوله، فإنها تكون ضلالا؛ ولهذا تكلم أحمد في رسالته المعروفة في الرد على من يتمسك بما يظهر له في القرآن من غير استدلال ببيان الرسول، والصحابة، والتابعين، وكذلك ذكر في رسالته إلى عبدالرحمن الجرجاني، في الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين؛ لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومن عدل عن سبيلهم، وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله، ورسوله، ما لا يعلم، أو غير الحق" (٢).
стр. 1157
ومن هذا السبيل البدعي سلك بعض الفقهاء مسلك البدعة، عندما عرضت لهم شبهة الإرجاء، فوسعوا المفهوم اللغوي المحدود المعنى، ليشمل تعريف الإيمان، وعلاقته بالعمل، فوقعوا في هذه البدعة المنكرة، التي أسهمت في انحراف المجتمع، فيما بعد، تحت دعاوى الإرجاء، التي مضمونها عدم شعور المرء بأي إثم، أو خطيئة، طالما أن العمل منفصل عن الإيمان، ولا يؤثر فيه بزعمهم. وقد اتهم بهذا الإرجاء جملة من الفقهاء العباد من علماء أهل السنة؛ ومنهم: حماد بن أبي سليمان (١)، وطلق بن حبيب العنزي (٢)، وعمر بن ذر الهمذاني (٣)، وإبراهيم بن يزيد بن شريك التميمي (٤)، ومحمد بن خازم "أبو معاوية الضرير" (٥)، وأبو حنيفة النعمان (٦)، وخارجة بن مصعب (٧)، وعبدالعزيز بن أبي رواد (٨)، ومحمد بن السائب بن بشر (٩)، ومسعر بن كدام (١٠)، ومحارب بن دثار (١١)، وعون بن عبدالله بن مسعود (١٢)، وموسى بن أبي كثير (١٣)، وعباد بن منصور الناجي (١٤)، وعباد بن كثير (١٥)، وعبدالكريم بن أبي المخارق (١٦)، وأصرم بن غياث (١٧)، وسعيد بن سالم (١٨)، والصلت بن مهران (١٩)، وسالم بن عجلان الأفطس (٢٠)، وقيس بن عمرو الماصر" (٢١).ويمكننا بيان مذهب هؤلاء الفقهاء بالإرجاء على النحو التالي؛ حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، مفصلاً لهذه البدعة: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، ولم يكن أصحاب عبدالله من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي، وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج، والمعتزلة؛ فقالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع؛ فإن كثيراً من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ، دون الحكم؛ إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول؛ مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وغيرهما، هم، مع سائر أهل السنة، متفقون على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم، والعقاب، فكان النزاع في الأعمال هل هي من الإيمان، وفي الاستثناء، ونحو ذلك، عامته نزاع لفظي؛ فإن الإيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال؛ لقول النبي ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وغذا عطف عليه العمل؛ كقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، فقد ذكر مقيدا بالعطف؛ فهنا قد يقال: الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام" (٢٢)،
стр. 1158
وقال شيخ الإسلام - أيضا: "والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة، وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول الجهم؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان، مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس، وفرعون، وغيرهما كفارا، مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان، لزمهم دخول أعمال الجوارح - أيضاً -؛ فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية، بسببها اشتبه الأمر عليهم؛ فإنهم رأوا أن الله فرق في كتابه بين الإيمان، والعمل؛ فقال في غير موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى [المائدة: ٦]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:]، وقالوا: لو أن رجلاً آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمناً، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان، وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية، وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان السابقين الأولين؛ كأبي بكر، وعمر، وإيمان أفجر الناس؛ كالحجاج، وأبي مسلم الخراساني، وغيرهما، والمرجئة المتكلمون منهم، والفقهاء، يقولون: الأعمال قد تسمى إيماناً مجازاً؛ لأن العلم ثمرة الإيمان، ومقتضاه، ولأنها دليل عليه، ويقولن: قوله: ((الإيمان بضع وستون أو بضعة وسبعون شعبة -، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق)) - مجاز، والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم، ومن اتبعه؛ كالصالحي، والقول الثاني من يقول: هو مجرد القول باللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه، والعبادة منهم" (١).ويفرق أبو العز الحنفي بين رأي أبي حنيفة، ورأي الأئمة، في مسألة الإيمان؛ فيقول: "إذا كان النزاع في هذه المسألة، بين أهل السنة، نزاعاً لفظياً، فلا محذور فيه، سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى؛ من الافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم عند قوم من أهل الإرجاء، ونحوهم، على ظهور الفسق، والمعاصي؛ بأن يقول: أنا مؤمن مسلم - حقا - كامل الإيمان والإسلام، ولي من أولياء الله؛ فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل - قطعاً -؛ فالإمام أبو حنيفة ﵀ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة، مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع؛ فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافاً، وشرائط؛ كما في الصلاة، والصوم، والحج، ونحو ذلك" (٢).
стр. 1159
وقد نسبت إلى الإمام أبي حنيفة أقوال في الإيمان، والإرجاء، استقصاها أبو الخطيب البغدادي؛ مما حدا بعلماء عصره إلى التشنيع عليه، والرد عليه. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يبرئه من تلك الأقوال؛ ويقول: "أبو حنيفة، وأصحابه، لا يجوزون الاستثناء في الإيمان بكون الأعمال منه، ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم، بل يكتفون بالإيمان، وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأن لا يصلح تعليقه على الشرائط؛ لأن المعلق على الشرط لا يوجد، ولا عند وجوده" (١).ويقل شيخ الإسلام عن إرجاء علماء أهل السنة: "وفي الجملة الذين رموا بالإرجاء من الأكابر؛ مثل: طلق بن حبيب، وإبراهيم التميمي، ونحوهما، كان إرجاؤهم من هذا النوع، وكانوا لا يستثنون في الإيمان وكانوا يقولون: الإيمان هو الإيمان الموجود فينا، ونقطع بأنا صادقون، ويرون الاستثناء شكا، وكان عبدالله بن مسعود وأصحابه يستثنون، وقد روي في حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال" (٢).ويوضح الإمام الذهبي شيئاً من مذهب علماء أهل السنة في الإرجاء؛ فيقول: "وقد كان على الإرجاء عدد كبير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن - حقا - عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت ﵇؛ من كفر، أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وإن تارك الصلاة، والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل النفس، والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبداً، فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة، وجسروا كل فاسق، وقاطع طريق على الموبقات، نعوذ الله من الخذلان" (٣).ويحدد الإمام سفيان الثوري مقالة المرجئة، وخلافهم مع أهل السنة؛ فيقول: "خلاف ما بيننا، وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول، ولا عمل، ونقول: قول، وعمل، ونقول: إنه يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد، ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق" (٤).ويعرف الإمام الذهبي إرجاء الفقهاء فيقول: "وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان, ويقولون: الإيمان إقرار باللسان, ويقين في القلب, والنزاع على هذا لفظي, إن شاء الله, وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض, نسأل الله العافية (٥)
المصدر: العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي لعطا الله المعايطة - ص ٥٩١
стр. 1160
المطلب الثاني: مسمى الإيمان عند الجهمية
تعد المقالة الجهمية في الإيمان واحدة من أشهر مقالات جهم وكفرياته، فإن "جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة:
أحدها: نفي الصفات.
والثاني: الغلو في القدر، والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة" (١).وهذا القول الجهمي في حقيقة الإيمان، "مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفر السلف، كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم، من يقول بهذا القول (٢).وهذا يستوجب فهم حقيقة هذا القول، والحذر منه، خاصة أن كثيرا من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط كلام هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف (٣).
وفي هذا المبحث - بعون الله تعالى - تحرير للمعالم التي يقوم عليها مسمى الإيمان عند الجهمية، على النحو التالي:
١ - الإيمان عند الجهمية شيء واحد، يتساوى فيه العباد، لا يتبعض، ولا يتفاضل، وهو مجرد تصديق القلب وعلمه. وهذا التصديق عند الجهم هو المعرفة (٤)، ومراده بها معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله (٥)، فمن أتى بذلك فهو مؤمن كامل الإيمان، كإيمان النبيين.
стр. 1161
يقول شيخ الإسلام: "وعند الجهمية: الإيمان: مجرد تصديق القلب وعلمه. هذا قول جهم، والصالحي، والأشعري - في المشهور عنه -، وأكثر أصحابه" (١).ويقول: "وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين" (٢).ويقول ﵀: "ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول، إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول بذلك (٣)، وهذا قول الجهمية، ومن تبعهم، كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية" (٤).وذكر ﵀ عن الجهم أنه جعل الإيمان مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض (٥).
٢ - أعمال القلوب ليست من الإيمان عند الجهمية:
يقول شيخ الإسلام: "والمرجئة ثلاثة أصناف:
الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة"، ثم قال:"ومنهم من لا يدخلها في الإيمان، كجهم، والصالحي، وهذا الذي نصره هو - يعني الأشعري -، وأكثر أصحابه" (٦).
ولما ساق شيخ الإسلام ما حكاه الأشعري عن فرق المرجئة في الإيمان، علق على ذلك بتعليقات، منها: قوله: "فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة، كجهم، والصالحي" (٧).فالجهمية تظن "أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط، دون أعمال القلوب" (٨).
٣ - إخراج قول اللسان من الإيمان: فعند الجهمية أن "الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه" (٩).يقول شيخ الإسلام: "وأما جهم فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به" (١٠).ويقول ﵀: "ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف، من الأولي والآخرين، إلا الجهمية: جهما، ومن وافقه" (١١).فالجهمية "جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنا بالله، تام الإيمان، سعيدا في الدار الآخرة" (١٢).
стр. 1162
٤ - إخراج أعمال الجوارح من الإيمان: يقول شيخ الإسلام: "وأما الجهمية، فهم يجعلونه - يعني الإيمان - تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، ولا غيرهن من الإيمان" (١).ويقول: "وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمنا في الباطن، وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه يكون إيمانا يوجب الثواب يوم القيامة، بلا قول، ولا عمل ظاهر" (٢).
وهذا لا يعني أنهم لا يوجبون العمل، لكنهم لا يعدونه من الإيمان، وتقدم تقريبا أنهم يرون أن من لم يطع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته عليه، أنه مؤمن تام الإيمان.
فهم يوجبون الأعمال الظاهرة، ويعتقدون نفعها، لكن من لم يأت بها فإيمانه تام.
يقول شيخ الإسلام: "وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده المؤمنين، بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون بالكراء، فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله.
والفلاسفة تذم هؤلاء - يعني الجهمية - وتحتقرهم، كما ذكرنا كلامهم في ذلك في غير هذا الموضع. لكن هؤلاء - يعني الجهمية - خير منهم في الجملة، فإنهم يوجبون العبادة، ويلتزمونها، ويعتقدون لها منفعة غير مجرد كونها سببا للعلم، بخلاف الفلاسفة والمتصوفة والمتفلسفة" (٣).ويقول: "والأمة كلها متفقة على وجوب الأعمال التي فرضها الله، لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات، وإن كان طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان، فلم ينازعوا في أن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش" (٤).
ومع ذلك، فقد لفت شيخ الإسلام النظر إلى مدى مشابهة الجهمية في مقالتهم هذه في الإيمان، بما عليه الفلاسفة، حينما حصروا السعادة بمجرد العلم. يقول شيخ الإسلام: "قول جهم ومن وافقه إن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده يستحق الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه، ... ، وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون ألا يحبه ويريده ويتبعه، كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله مقرا بما يستحق دون أن يكون محبا لله، عابدا لله، مطيعا لله، بل أشد الناس عذابا يوم القايمة عالم لم ينفعه الله بعلمه" (٥).
ويقول في معرض بيان وجوه ضلال الفلاسفة: "وهؤلاء ضالون، بل كافرون من جوه:
منها: أنهم اعتقدوا الكمال من مجرد العلم، كما اعتقد جهم، والصالحي، والأشعري - في المشهور من قوليه -، وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم، لكن الفلاسفة أسوأ حالا من الجهمية، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله، وأولئك يجعلون كمال النفس في أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود، ... ،
стр. 1163
وأيضا فإن الجهمية يقرون بالرسل، وربما جاؤوا به، فهم في الجملة يقرون بأن الله خلق السموات والأرض، وغير ذلك مما جاءت به الرسل، بخلاف المتفلسفة. وبالجملة، فكمال النفس ليس في مجرد العلم، بل لابد من العلم بالله من محبته، وعبادته، والإنابة إليه، فهذا عمل النفس وإرادتها وذاك علمها ومعرفتها" (١).والمقصود أن الجهمية يرون "أن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها" (٢).ويقول شيخ الإسلام: "والمرجئة، المتكلمون منهم والفقهاء منهم، يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان، ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه" (٣).وخلاصة مذهب الجهمية في هذا الباب أنهم يعتقدون "أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب، ولا في الجوارح" (٤).
٥ - الكفر عندهم لا يكون إلا بزوال التصديق من القلب.
نتيجة لمذهب الجهمية في الإيمان، فإنهم يرون أن الكفر لا يكون إلا بانتفاء التصديق من القلب، ولا يقع بغير ذلك مهما كانت المكفرات. يقول شيخ الإسلام: "وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ما عسى أن يقول ويعمل، ولا يتصور عندهم أن ينتفي عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه" (٥).
ويقول: "فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة: فهو كافر باتفاق المسلمين.
وهو كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها. وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم، والصالحي، وأتباعهما إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن" (٦).ويقول مبينا فساد قول الجهمية: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن" (٧).
ويقول مبينا فساد قول الجهمية: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما في الإيمان، كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كالماتريدي، ونحوه:
حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود المتكلم بالكفر، والسب لله ورسوله، طوعا من غير إكراه. وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر؛ فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب" (٨).
ويقول: "ومن هنا يظهر خطأ جهم بن صفوان، ومن اتبعه:
стр. 1164
حيث ظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة.
قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن.
قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر؛ ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقرب به، وبخلاف ما شهد به الشهود.
فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر، معذب في الآخرة؟
قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو هو تكذيب القلب وتصديقه" (١).وقال شيخ الإسلام: "ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق، والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق المعين" (٢).
ويقول: "فهؤلاء القائلون بقول جهم، والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله، موحدا له، مؤمنا به.
فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا. قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان عدم ذلك" (٣).فالجهمية وإن قالوا إن الكفر عدم الإيمان، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم، وأن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة، فهو كافر، سواء كان مكذبا، أو مرتابا، أو معرضا، أو مستكبرا، أو مترددا، أو غير ذلك (٤)، إلا أنهم ردوا ذلك كله إلى زوال التصديق من القلب. و "جعلوا ما علم أن صاحبه كافر، مثل إبليس، وفرعون، واليهود، وأبي طالب، وغيرهم، أنه إنما كان كافرا؛ لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن" (٥).و "جعلوا ما يوجد من المتكلم بالكفر من سب الله ورسوله، والتثليث، وغير ذلك قد يكون مجامعا للإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدار الآخرة" (٦).
"وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في أحكام الدنيا.
فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة. قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء" (٧)."وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب" (٨).
قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه كفر، وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر، عند الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة العلم، وسائر الطوائف إلا الجهم، ومن وافقه، كالصالحي، والأشعري، وغيرهم.
стр. 1165
فإنهم قالوا: هذا كفر في الظاهر، وأما في الباطن، فلا يكون كفرا إلا إذا استلزم الجهل، بحيث لا يبقى في القلب شيء من التصديق بالرب. وهذا بناء على أن الإيمان في القلب لا يتفاضل، ولا يكون في القلب بعض من الإيمان" (١).
وخلاصة قول الجهمية في الإيمان أنهم يحصرونه في مجرد المعرفة، ويخرجون منه عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وأن من لم يأت بالشهادتين، أو أتى بكل مكفر، من غير إكراه، فهو كافر في الظاهر، مع احتمال كونه مؤمنا في الباطن، إذ لا يتصور ذهاب الإيمان عندهم إلا بذهاب المعرفة من القلب. وهذا المقالة الجهمية في مسمى الإيمان تقوم على أصلين من الضلال هما (٢):
الأول: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة، ومحبة وخشية في القلب، وبالتالي يكون الإيمان تاما بدون شيء من الأعمال الباطنة والظاهرة. وهذا الظن مبني على تصور فاسد لحقيقة الإيمان، وسيأتي بعون الله تعالى تحقيق القول بأنه يمتنع غاية الامتناع حصول أحد أجزاء الإيمان مع تخلف بقيتها، وأنه إذا وجد قول القلب فلابد من حصول عمله إذا سلم من المعارض، ووجود قول القلب وعمله يلزم منه ضرورة وجود الظاهر قولا وعملا (٣).
الثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كفر مخلد في النار؛ فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.
وهذا الظن باطل من وجهين:
الوجه الأول: أنه أمر مخالف للشرع، والعقل، والحسن، وإجماع العقلاء. يقول شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكر أن من أغلاط الجهمية ظنهم أن من حكم الله بكفرهم؛ فلزوال التصديق من قلوبهم، قال: "وهذا مكابرة للعقل، والحسن" (٤).
وقال: "وهذا أمر خالفوا به الحس، والعقل، والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظار.
فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع ذلك يجحد ذلك؛ لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه.
وعامة من كذب الرسل يعلم أن الحق معهم، وأنهم صادقون؛ لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورياسة وصداقة وغير ذلك، فيرون في أتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق.
стр. 1166
ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء:١١١]، ومعلوم أن أتباع الأزلين لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي ﷺ إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وخباب بن الأرت وعمار بن يسار وغيرهم، فأنزل الله ﵎: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٢ - ٥٣].
ومثل قول فرعون فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: ٤٧]، قال فرعون قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء: ١٨ - ١٩].
ومثل قول مشركي العرب: إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، قال الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا [القصص: ٥٧].
ومثل قول قوم شعيب له: أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء [هود: ٨٧]
ومثل قول عامة المشركين: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣].
ومثل هذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم؛ فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار.
بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي ﷺ ، ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن متابعته فراق دين آبائهم، وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة، واحتمال الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم؛ بل لهوى النفس، فكيف يقال: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله؟ ".
ثم قال شيخ الإسلام:
"ونحن، والناس كلهم يرون خلقا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان؛ إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المناعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنه حق، وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله؛ لظنه أن ذلك يجلب له منفعة، ويدفع عنه مضرة.
стр. 1167
قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [المائدة: ٥١ - ٥٣].والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؛ للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقاد أن محمدا كاذب واليهود والنصارى صادقون (١) " (٢).
ويقول شيخ الإسلام ﵀: "ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]، وكما قال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢]، ومع هذا لم يكن مؤمنا، بل قال موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس: ٨٨]، قال الله: قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، ولما قال فرعون: آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠]، قال الله: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١]، فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم، كما قال: فَعَصَى فِرْعَوْنُ [المزمل: ١٦].
وكما قال عن إبليس: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٣ - ٧٤]، فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضة الأمر، ولم يصفه بعدم العلم. وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع، في مثل قوله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] " (٣).
стр. 1168
ومن النصوص التي اعتنى شيخ الإسلام ببيان دلالتها على هذه الحقيقة، وهي أن الكفر يقع مع وجود التصديق في القلب قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، وقوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].
يقول شيخ الإسلام في بيان دلالتهما على المراد:
"فقد ذكر تعالى من كفر بالله بعد إيمانه، وذكر وعيد الآخرة، ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [النحل: ١٠٧]، وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا، ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب، والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء يقولون إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.
والله جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق.
وأيضا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه.
وقوله تعالى: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: ١٠٦]، أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قوله ﷺ ، ((يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) (٢).والآية نزلت في عمار بن ياسر، وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ ، ونحو ذلك من كلمات الكفر فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال (١)، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به" (٢).
ويقول شيخ الإسلام: "وهذا الآية - يعني آية النحل - مما تدل على فساد قول جهم، فإنه جعل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
فإن قيل: فقد قال تعالى: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: ١٠٦]
стр. 1169
قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه، فقد شر بالكفر صدرا، وإلا تناقض أول الآية وآخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا، فقد شرح بها صدرا وهي كفر.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا من شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام" (١).
وقال أيضاً: "وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم، مع كفرهم أولاً بقلوبهم، لا يصح.
لأن هذا الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٦]، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر.
وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق، وتكلموا بالاستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهما مازالوا منافقين"، ثم قال شيخ الإسلام:"قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥]: فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٥]، فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكنهم لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه" (٢).
وهذا أصل مهم في باب الكفر اعتنى شيخ الإسلام بإيضاحه غاية الإيضاح، وبين أن "من قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة، عامدا لها، عالما بأنها كلمة كفر، فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا. ولا يجوز أن يقول: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام" (٣).
وقال شيخ الإسلام: "فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله، فهو كافر باطنا وظاهرا.
وأن من قال إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.
стр. 1170
وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم، واستحقاقهم الوعيد بها، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقا، وقد تكون كذبا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة. وهذا كقوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [المائدة: ٧٣]، وقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ٧٢] وأمثال ذلك" (١).وقال ﵀: "فمن قال، أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كفرا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله" (٢).
وقد علل شيخ الإسلام ذلك بأن "كلمتي الكفر والإيمان إذا قصد الإنسان بهما غير حقيقتهما صح كفره، ولم يصح إيمانه. فإن المنافق قصد بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة، فلم يصح إيمانه، والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير اعتقاد صح كفره ظاهرا وباطنا، وذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقدا لحقيقتها، وأن لا يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادا ولا هازلا، فإن تكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادا أو هازلا كان كافرا وكان كاذبا حقيقة؛ لأن الهزل بهذه الكلمات غير مباح، فيكون وصف الهزل مهدرا في نظر الشرع؛ لأنه محرم، فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها" (٣).
الوجه الثاني: في بطلان قول الجهمية إن الكافر ليس في قلبه شيء من العلم والتصديق هو أن هذا القول الجهمي متناقض.
وقد شرح شيخ الإسلام وجه تناقضه، فقال:
"حتى آل الأمر بغلاتهم، كجهم وأتباعه، إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه، ولا يظهر بلسانه إلا كلمة الكفر، مع قدرته على إظهارها، فيكون الذي في القلب إيمانا نافعا له في الآخرة.
وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب، وقولهم متناقض:
فإنه إذا كان ذلك دليلا مستلزما لانتفاء الإيمان الذي في القلب، امتنع أن يكون الإيمان ثابتا في القلب، مع الدليل المستلزم لنفيه. وإن لم يكن دليلا، لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن" (٤).وأخيراً، فإن ما تقدم من أجوبة في تناقض المقالة الجهمية "إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول، وصحيح المنقول، كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة، والله أعلم" (٥).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٩٧
стр. 1171
المطلب الثالث: مسمى الإيمان عند الكرامية في بيان مذهب الكرامية في مسمى الإيمان يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وأما الكرامية، فلهم في الإيمان قول ما سبقهم إليه أحد، قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه" (١).
وذكر أن القول بأن الإيمان مجرد القول، بلا تصديق، ولا معرفة في القلب، إنما أحدثه ابن كرام، وانفرد به. وأما سائر ما قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري، ولا غيره ممن يحكي مقالات الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا، وأما سائر أقواله، فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه (٢).
وفي معرض تصنيفه لأقوال المرجئة قال ﵀:"والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية" (٣).ويقول: "وحدث بعد هؤلاء - يعني المرجئة الفقهاء والجهمية - قول الكرامية: إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب" (٤).
ويقول: "وقالت الكرامية هو: القول فقط، فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرا بقبله كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبا بقلبه كان منافقا، مؤمنا، من أهل النار. وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان" (٥).ويقول: "والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان: قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم" (٦).
ويقول: "وكذلك الكرامية باينوا سائر الطوائف في قولهم إن الإيمان هو باللسان، فمن أقر بلسانه كان مؤمنا، وإن جحد بقلبه. قالوا: وهو مؤمن مخلد في النار، فإن هذا لم يقله غيرهم" (٧).
ويقول: "وآخر الأقوال حدوثا في ذلك - يعني في الإيمان - قول الكرامية: أن الإيمان اسم للقول باللسان، وإن لم يكن معه اعتقاد القلب. وهذا القول أفسد الأقوال، لكن أصحابه لا يخالفون في الحكم، فإنهم يقولون: إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو إيمان المنافقين، وإنه لا ينفع في الآخرة" (٨).
وقد نبه شيخ الإسلام على أمرين مهيمن في قول الكرامية:
الأول: أنهم وإن أخرجوا التصديق من مسمى الإيمان، لكنهم يوجبونه. يقول شيخ الإسلام ﵀: "مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق، ولكن تقول لا يدخل في اسم الإيمان؛ حذرا من تبعضه وتعدده؛ لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب إيمان وكفر، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك" (٩).
والثاني: أنهم مع قولهم بأن المنافق مؤمن، فهذا حكمه في الدنيا فحسب، وأما في الآخرة، فهو مخلد في النار.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا، ويقولون: الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.
وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم؛ بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل".
стр. 1172
ويقول: "والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون هو مؤمن حقا لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا. ومن حكى عنهم أنه يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن؛ لأن الإيمان هو القول الظاهر، كما يسميه غيرهم مسلما؛ لأن الإسلام هو الاستسلام الظاهر" (١).
وقد اعتنى شيخ الإسلام بهذه الحقيقة، وبين برائتهم مما نسب إليهم من أن المنافق مؤمن في الجنة، ومما قاله في ذلك:
"فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة، حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا، ويقولون الإيمان هو الكلمة، يقولون إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن. وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم؛ بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل" (٢).ويقول: "وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار" (٣).
ويقول: "وقالوا - يعني الكرامية - المنافق هو مؤمن، ولكنه مخلد في النار. وبعض الناس يحكي عنهم أن المنافق في الجنة، وهذا غلط علهيم، بل هم يجعلونه مؤمنا، مع كونه مخلدا في النار، فينازعون في الاسم، لا في الحكم" (٤).
ويقول: "وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين.
ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأئمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة، وهم الكرامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا، وإن كان مكذبا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه، لا في حكمه.
ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عيهم. ومع ذلك فتسميتهم له مؤمنا بدعة ابتدعوها، مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذا البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم" (٥).
وقال ﵀ في معرض تقويمه آراء ابن كرام: "وابن كرام منتسب إلى مذهب أهل الرأي، وخالف قول الجماعة، وتكلم في مسألة الإيمان بكلام لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، حيث جعل المتكلم بلسانه مؤمنا باطنا وظاهرا، وإن كان منافقا في الباطن، وجعله مع ذلك كافر مخلدا في النار. وبعض الناس يحكي عنه أنه جعله سعيدا في الآخرة، وهذا غلط عليه، فإنه جعله في النار، فلم يخالف الجماعة في حكمه في الآخرة، وإنما خالفهم في اسمه في الدنيا" (٦).
وبعد هذا كله، فإن معالم مسمى الإيمان عند الكرامية يمكن تلخيصها فيما يلي:
١ - أن الإيمان مجرد قول اللسان، فمن أتى به فهو مؤمن كامل الإيمان.
٢ - إخراج تصديق القلب من الإيمان، مع قولهم بوجوبه.
٣ - إخراج عمل القلب.
٤ - إخراج عمل الجوارح.
٥ - أن المنافق مؤمن في الدنيا؛ لأنه أتى بالقول، لكنه منافق مخلد في النار؛ لأنه مكذب بقبله.
٦ - أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل، والناس فيه سواء، ولا يجتمع في العبد إيمان وكفر.
стр. 1173
وهذه هي الشبة التي أوقعتهم في الغلط في مسمى الإيمان، وهي نفسها شبهة من قبلهم من المرجئة، حيث ظنوا أن الإيمان لا يتبعض، إذ يلزم من ذلك ذهابه بذهاب بعضه، وأن يجتمع في العبد إيمان وكفر، وهذا مخالف عندهم للإجماع
وأما مذهبهم في المنافق الذي انفردوا به، حيث سموه مؤمنا، فقد حكى شيخ الإسلام شبهتهم في ذلك، فقال:
"والكرامية يقولون: المنافق مؤمن، وهو مخلد في النار؛ لأنه مؤمن ظاهرا لا باطنا، وإنما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا.
قالوا: والدليل على شمول الإيمان له: أنه يدخل في الأحكام الدنيوية المعلقة باسم الإيمان، كقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢].ويخاطب في الظاهر بالجمعة والطهارة وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا، وأما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يدخل في خطاب الله لعباده بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ " (١).هكذا قرروا هذا القول الباطل المبتدع الذي لم يسبقهم إليه أحد، وخالفوا فيه إجماع المسلمين، والله قد نفى الإيمان عن المنافقين في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، وقد ضل من سماه مؤمنا (٢).
وأما الاكتفاء من المنافق بمجرد الإقرار، فذلك لأن "قبول الإسلام الظاهر يجرى على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة، مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموارثة، ونحو ذلك. وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان، كما قال ﷺ : ((فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله)) (٣).، وقال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)) (٤) .. ،.وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع، ... ، والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله" (٥).
وقد بين شيخ الإسلام ما يلزم الكرامية على هذه المقالة، فقال:
"فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبا في النار، بل يكون مخلدا فيها، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وإن قال: لا يخلد، وهو منافق.
لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قد قال الله فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: ١٤٥]، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وقال له: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]، وقال: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: ٨٤]، وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله.
стр. 1174
فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرا؛ فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإذ ذلك ردة عن الإيمان.
قيل لهم: ولو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين، قال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ [التوبة: ٦٤].وأيضا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم كاذبون، فقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١]، وقد قال النبي ﷺ : ((الإسلام علانية والإيمان في القلب)) (١)، وقد قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، وفي الصحيحين عن سعد ((أن النبي ﷺ أعطى رجالا ولم يعط رجلا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا، وتركت فلانا وهو مؤمن؟ فقال: أو مسلم "مرتين أو ثلاثا")) (٢).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٢٢١
стр. 1175
المطلب الرابع: مسمى الإيمان عند الأشاعرة
لم تكن الأشاعرة على مقالة واحدة في مسمى الإيمان، وحتى شيخهم الأشعري مذهبه مختلف في ذلك، وحاصل أقوالهم في هذه المسألة ثلاثة، هي:
القول الأول: وافقوا فيه السلف في أن الإيمان قول وعمل. وهذا هو آخر قولي الأشعري، واختاره طائفة من أصحابه (١).
يقول شيخ الإسلام بعد ذكره قول الأشعري الذي وافق فيه الجهمية:"والقول الآخر عنه - يعني الأشعري - كقول السلف، وأهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه" (٢).
وقد نقل شيخ الإسلام حكاية أبي الحسن الأشعري لمقالة أصحاب الحديث في الإيمان، حيث قال: "ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق.
وذكر كلاما طويلا، ثم قال في آخره: وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب. فهذا قوله في هذا الكتاب، وافق أهل السنة، وأصحاب الحديث" (٣).وكذلك نقل شيخ الإسلام إعلان الأشعري في كتابه الإبانة متابعة للإمام أحمد، إذ يقول: "قولنا الذي نقول، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قول مخالفون" (٤).
ويقول شيخ الإسلام: "ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان خالفه كثير منهم، فمنهم من تبع السلف.
قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالي - بعد أن ذكر قول أصحابه - قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر به فرضا ونفلا، والانتهاء عما نهى عنه تحريما وأدبا.
قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي، ومن متقدمي أصحابنا أبو العباس القلانسي، وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبدالله بن مجاهد.
قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف - رضوان الله عليهم أجمعين -.وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (٥).
القول الثاني: وافقوا فيه فقهاء المرجئة، وابن كلاب، في أن الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان. فقد ذكر شيخ الإسلام أنه لما ظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان خالفوا إمامهم، وقالوا بقول المرجئة: إن التصديق بالقلب، واللسان (٦).
ويقول أبو القاسم الأنصاري الأشعري في حكاية مذاهب أصحابه:
"وهل يشترط في الإيمان الإقرار؟
стр. 1176
اختلفوا فيه، بعد أن لم يختلفوا في ترك العناد شرطا، وهو أن يعتقد أنه متى طولب بالإقرار أتى به، فأما قبل أن يطالب به:
منهم من قال: لابد من الإتيان به - يعني الإقرار باللسان - حتى يكون مؤمنا، وهذا القائل يقول: التصديق هو المعرفة والإقرار جميعا. وهذا قول الحسين بن الفضل البجلي، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وبقريب من هذا كان يقول الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد القطان من متقدمي أصحابنا" (١).ويقول شيخ الإسلام: "وابن كلاب نفسه، والحسين بن الفضل البجلي، ونحوهما، كانوا يقولون: هو التصديق، والقول جميعا، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، مثل أبي حنيفة، وغيره" (٢).
القول الثالث: وافقوا فيه الجهمية في أن الإيمان مجرد تصديق القلب.
وهذا هو أشهر أقوال شيخهم أبي الحسن الأشعري، وعليه أكثر أصحابه، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وبه قال الماتريدي.
وقد لوحظ أثناء شرح مذهب الجهمية أن شيخ الإسلام لا يكاد يذكر هذا المذهب إلا ويتبعه البيان بأن الأشعري وأكثر أصحابه يوافقون جهما عليه، ويقولون بقوله، فذكر كلام شيخ الإسلام هناك يغني عن نقله هنا، ومع هذا، فلابد من إعادة بعضه لإثبات هذه الحقيقة، مع نقل ما قاله أساطين المذهب الأشعري في ذلك، مما نقله شيخ الإسلام وتعقبه، فصار هناك طريقان من البيان لإثبات موافقة الأشعرية للجهمية في مسمى الإيمان، وهما:
الطريق الأول: نقل أقوال شيخ الإسلام في ذلك.
الطريق الثاني: نقل ما قاله علماء الفرقة مما نقله شيخ الإسلام عنهم، أو أشار إليه.
وهذا أوان تفصيل هذين الطريقين:
الطريق الأول: أقوال شيخ الإسلام في موافقة الأشاعرة للجهمية في مسمى الإيمان.
جاء ذلك عن شيخ الإسلام في مواضع كثيرة، وقد تقدم إيراد شيء منها، ومن ذلك قوله ﵀:"وأما الأشعري: فالمعروف عنه وعن أصحابه: أنهم يوافقون جهما في قوله في الإيمان، وأنه: مجرد تصديق القلب، أو معرفة القلب" (٣).ويقول: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما في الإيمان، كالأشعري - في أشهر قوليه -، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كالماتريدي (٤)، ونحوه:
حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض.
وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود المتكلم بالكفر، والسب لله ورسوله، طوعا من غير إكراه.
وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر؛ فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب، ... ،.وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها" (٥).
ويقول شيخ الإسلام: "وأما جهم فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به.
стр. 1177
وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري، وأكثر أصحابه، ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة" (١).
ويقول: "فهؤلاء القائلون بقول جهم، والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله، موحدا له، مؤمنا به.
فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرا باطنا وظاهرا. قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان عدم ذلك" (٢).وقال الاشعري: "والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو: المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له، وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول، ليس لأن ذلك يستحيل، ولكن لأن الرسول قال: ((ومن لا يؤمن بي، فليس بمؤمن بالله)) (٣).
وزعموا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به، وهو: معرفته.
والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر. والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي" (٤).قال شيخ الإسلام معلقا على هذا القول بعد نقله له: "وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا، وغيره، ثم قال: والذي اختاره من الأسماء ما ذهب إليه الصالحي" (٥).
ويقول شيخ الإسلام: "قال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب.
وأن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته.
وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة. وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه، كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، وأمثالها (٦)، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة"، ثم قال:"وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي، وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: الإيمان هو ما في القلب، وإن القول شرط لثبوت أحكام الدنيا" (٧).والخلاصة أن الأشاعرة "ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان مجرد التصديق الذي في القلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب، ولا الجوارح" (٨).
стр. 1178
الطريق الثاني: الأقوال التي نقلها شيخ الإسلام عن علماء الأشاعرة في مسمى الإيمان، أو أشار إليها.
نقل شيخ الإسلام كلام عدد من علماء الأشاعرة حول مذهبهم في الإيمان، وأكثر من النقل عن أبي القاسم الأنصاري، وقد تخلل هذه النقول تعقبات مهمة من شيخ الإسلام لكلام الأشاعرة كشف فيها عما حواه من اضطراب وتناقضِ، وهذا عرض لهذه النقول على النحو التالي:
أولاً: قال أبو القاسم الأنصاري: "وأما مذاهب أصحابنا - يعني الأشاعرة -، فصار أهل التحقيق من أهل الحديث والنظار منهم إلى: أن الإيمان هو: التصديق، وبه قال شيخنا أبو الحسن.
واختلف جوابه في معنى التصديق:
فقال مرة: التصديق هو: المعرفة بوجود الله، وقدمه، وإلهيته. وقال مرة: التصديق قول في النفس، غير أنه يتضمن المعرفة، ولا يصح أن يوجد بدونها؛ وهذا ما ارتضاه القاضي (١).
فإن التصدق والكذب، والتصديق والتكذيب، بالأقوال أجدر، فالتصديق إذا: قول في النفس، ويعبر عنه باللسان، فتوصف العبارة بأنها تصديق؛ لأنها عبارة عن التصديق. هذا ما حكاه شيخنا الإمام" (٢).
قال شيخ الإسلام معلقا على كلام الأنصاري: "فقد ذكر عن أبي الحسن الأشعري قولين: أحدهما: أن التصديق هو المعرفة، وهذا قول جهم (٣).
والثاني: أن التصديق قول في النفس يتضمن المعرفة، وهو اختيار ابن الباقلاني، وابن الجويني. وهؤلاء قد صرحوا بأنه يتضمن المعرفة، ولا يتصور أن يقوم في النفس تصديق مخالف لمعرفة كما ذكروه، ولو جاز أن يصدق بنفسه بخلاف علمه واعتقاده لانتقض أصلهم في الإيمان، إذا كان التصديق لا ينافي اعتقاد خلاف ما صدق به، فلا يجب أن يكون مؤمنا بمجرد تصديق النفس على هذا التقدير، وكل من القولين ينقض ما استدل به على أن التصديق غير العلم" (٤).
ثانياً: قال الأنصاري: "وحكى الإمام أبو القاسم الإسفراييني اختلافا عن أصحاب أبي الحسن في التصديق، ثم قال:
والصحيح من الأقاويل في معنى التصديق ما يوافق اللغة؛ لأن التكليف بالإيمان ورد بما يوافق اللغة.
والإيمان بالله ورسوله على موافقة اللغة هو: العلم بأن الله ورسوله صادقان في جميع ما أخبرا به. والإيمان في اللغة مطلقا هو: اعتقاد صدق المخبر في خبره؛ إلا أن الشرع جعل هذا التصديق علما، ولا يكفي أن يكون اعتقادا من غير أن يكون علما؛ لأن من صدق الكاذب واعتقد صدقه فقد آمن به، ولهذا قال في صفة اليهود: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: ٥١]، يعني: يعتقدون صدقهما" (٥).
ثالثا: قال الجويني: "والمرضي عندنا: أن حقيقة الإيمان: التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه.
стр. 1179
ثم التصديق على الحقيقة: كلام النفس، ولا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد. والدليل على أن الإيمان هو التصديق صريح اللغة، وأصل العربية، وهو لا ينكر فيحتاج إلى إثباته، ومن التنزيل: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧]، معناه: ما أنت بمصدق لنا" (١).قال شيخ الإسلام: "فقد صرح - يعني الجويني - بأن كلام النفس لا يثبت إلا مع العلم، وأنه إنما يثبت على حسب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، وأنه إنما يثبت على سحب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النفس، وادعوا أنه مغاير للعلم" (٢).
وقال: "قلت: ليس الغرض هنا ذكر تناقضهم في مسمى الإيمان، وفي التصديق:
هل هو تصديق بوجود الله وقدمه وإلاهيته، كما قاله الأشعري؟ أو هو تصديق فيما أخبر به، كما ذكره غيره؟ أو التناقض، كما في كلام صاحب (الإرشاد)، حيث قال: الإيمان هو التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه؟ فجعل التصديق بوجوده هو تصديقه في خبره، مع تباين الحقيقتين، فإنه فرق بين التصديق بوجود الشيء وتصديقه، ولهذا يفرق القرآن بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإيمان للرسول، إذ الأول هو الإقرار بذلك، والثاني هو الإقرار له، كما في قوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧]، معناه: ما أنت بمصدق لنا" (٣).قال شيخ الإسلام: "فقد صرح - يعني الجويني - بأن كلام النفس لا يثبت إلا مع العلم، وأنه إنما يثبت على حسب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النفس، وادعوا أنه مغاير للعلم" (٤).
وقال: "قلت: ليس الغرض هنا ذكر تناقضهم في مسمى الإيمان، وفي التصديق:
هل هو تصديق بوجود الله وقدمه وإلاهيته، كما قاله الأشعري؟ أو هو تصديق فيما أخبر به، كما ذكره غيره؟ أو التناقض، كما في كلام صاحب (الإرشاد)، حيث قال: الإيمان هو التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه؟
فجعل التصديق بوجوده هو تصديقه في خبره، مع تباين الحقيقتين، فإنه فرق بين التصديق بوجود الشيء وتصديقه، ولهذا يفرق القرآن بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإيمان للرسول، إذ الأول هو الإقرار بذلك، والثاني هو الإقرار له، كما في قوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]، وفي قوله: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]، وفي قوله: لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ [التوبة: ٩٤] وقد قال: فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ [الأعراف: ١٥٨]، فميز بين الإيمان به من الإيمان بكلماته، وكذلك قوله: آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: ١٣٦]، وقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
стр. 1180
فليس الغرض أنهم لم يهتدوا لمثل هذا، في مثل هذا الأصل، الذي لم يعرفوا فيه لا الإيمان ولا القرآن، وهما نور الله الذي بعث به رسوله، كما قال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].وإنما الغرض أن التصديق قد صرح هؤلاء بأنه هو العلم (١)، أو هو الاعتقاد إذا لم يكن علما، وأنهم مضطرون إلى أن يقولوا ذلك، وهو أبلغ من قول بعضهم: مستلزم للعلم، في تمام ما ذكره عن أبي القاسم الاسفراييني" (٢).
رابعاً: قال الأنصاري: "ومنهم - يعني الأشاعرة - من اكتفى بترك العناد، فلم يجعل الإقرار أحد ركني الإيمان، فيقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وأوجب ترك العناد بالشرع.
وعلى هذا الأصل يجوز أن يعرف الكافر الله، وإنما يكفر بالعناد، لا لأنه ترك ما هو الأهم في الإيمان.
وعلى هذا الأصل يقال: إن اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد ﷺ ، إلا أنهم كفروا عنادا وبغيا وحسدا.
قال: وعلى قول شيخنا أبي الحسن: كل من حكمنا بكفره، فنقول: إنه لا يعرف الله أصلا، ولا عرف رسوله، ولا دينه. قال أبو القاسم الأنصاري: كأن المعنى: لا حكم لإيمانه، ولا لمعرفته شرعا" (٣).
قال شيخ الإسلام معلقا:
"وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصاري هذا، ولكن على قولهم المعاند كافر شرعا، فيجعل الكفر تارة بانتفاء الإيمان الذي في القلب، وتارة بالعناد، ويجعل هذا كافرا في الشرع، وإن كان معه حقيقة الإيمان الذي هو التصديق.
ويلزمه أن يكون كافرا في الشرع في أن معه الإيمان الذي هو مثل إيمان الأنبياء والملائكة. والحذاق في المذهب، كأبي الحسن، والقاضي (٤)، ومن قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون واحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق.
والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره، فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله، ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا هذا مكابرة وسفسطة.
وقد احتجوا على قولهم بقوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] إلى قوله: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢].
قالوا: ومفهوم هذا أن من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب في قلوبهم الإيمان.
قالوا: فإن قيل: معناه، لا يؤمنون إيمانا مجزئا معتدا به، أو يكون المعنى: لا يؤدون حقوق الإيمان، ولا يعملون بمقتضاه، قلنا: هذا عام لا يخصص إلا بدليل.
فيقال لهم: هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين لله ورسوله، وفيها أن من لا يود المحادين لله ورسوله، فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهذا يدل على مذهب السلف أنه لابد في الإيمان من محبة القلب لله ورسوله، ومن بغض من يحاد الله ورسوله، ثم لم تدل الآية على أن العلم الذي في قلوبهم بأن محمدا رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء.
стр. 1181
والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، بل هو تصدق القلب وعمل القلب، ولهذا قال وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢]، فقد وعدهم بالجنة، وقد اتفق الجميع على أن الوعد بالجنة لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور، فعلم أن هؤلاء الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه قد أدوا الواجبات التي بها يستحقون ما وعد الله به الأبرار المتقين، ودل على أن الفساق لم يدخلوا في هذا الوعد. ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار، ومعلوم أن خلقا كثيرا من الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه، لم يكذب الرسول، وهو مع هذا يواد بعض الكفار، فالسلف يقولون ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب الذي هو حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك، لا يلزم أن لا يكون في القلب من التصديق شيء، وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطه عند جماهير العقلاء" (١).
خامسا: قال الأنصاري: "حكى الإمام أبو بكر ابن فورك عن أبي الحسن أنه قال:
الإيمان هو: اعتقاد صدق المخبر فيما يخبر به، ثم من الاعتقاد ما هو علم، ومنه ما هو ليس بعلم.
والإيمان بالله، وهو اعتقاد صدقه، إنما يصح إذا كان عالما بصدقه في إخباره".
ثم شرح الأشعري كيف يكون عالما بصدقه في إخباره، ثم قال:
"ثم السمع قد ورد بضم شرائط أخر إليه - يعني الإيمان -، وهو أن لا يقترن به ما يدل على كفر من يأتيه فعلا، وتركا.
وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود للصنم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك لو قتل نبيا أو استخف به دل على كفره، وكذلك لو ترك تعظيم المصحف، أو الكعبة دل على كفره، وكذلك لو خالف إجماع الخاص والعام في شيء أجمعوا عليه دل خلافه إياهم على كفره. فأي واحد مما استدللنا به على كفره مما منع الشرع أن يقرنه بالإيمان، إذا وجب ضمه إلى الإيمان لو وجد، دلنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه (٢).وكذلك كل ما كفرنا به المخالف من طريق التأويل، فإنما كفرناه به؛ لدلالته على فقد ما هو إيمان من قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه" (٣).
قال شيخ الإسلام: "فيقال: لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه، لكن دعواكم أن الإيمان هو التصديق وإن تجرد عن جميع أعمال القلب غلط.
ولهذا قالوا: أعمال التصديق والمعرفة من قلبه، ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره، والشريعة لا تحكم بكفر المؤمن المصدق.
لها نقول: إن كفر إبليس لعنه الله كان أشد من كفر كل كافر، وإنه لم يعرف الله بصفاته قطعا، ولا آمن به إيمانا حقيقيا باطنا، وإن وجد منه القول والعبادة.
стр. 1182
وكذلك اليهود، والنصارى، والمجوس، وغيرهم من الكفرة، لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في حال حكمنا لهم بالكفر، قال الله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥]، فجعل الله هذه الأمور شرطا في ثبوت حكم الإيمان، فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط أن يكون معتدا به دونها.
فيقال: إن قلتم إنه ضم إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم، لم يكن هذا قول جهم، بل يكون هذا قول من جعل الإيمان كالصلاة والحج، وهو وإن كان في اللغة بمعنى القصد والدعاء، لكن الشارع ضم إليه أمورا، إما في الحكم، وإما في الحكم والاسم. وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب، بل لابد من تلك الشرائط (١).
وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمنا إلا بدليل يدل على ذلك، لا بمجرد قوله إن معه تصديق القلب.
ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب، يقول: كل كافر في النار ليس معه من التصديق بالله شيء، لا مع إبليس، ولا مع غيره.
وقد قال الله تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ [غافر: ٤٨] ".
ثم ساق شيخ الإسلام عددا من الآيات، ثم قال:
"إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم، فإن كان مجرد المعرفة إيمانا كانوا مؤمنين في الآخرة.
فإن قالوا: الإيمان في الآخرة لا ينفع، وإنما الثواب على الإيمان في الدنيا.
قيل: هذا صحيح، لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم، فهذه الحقيقة لا تختلف، فإن لم يكن العمل من الإيمان، فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من الإيمان.
لكن أكثر ما يدعونه إنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب شيء. ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب" (٢).
سادسا: قال أبو القاسم الإسفراييني فيما نقله عنه الأنصاري:
"وهل يشترط في الإيمان الإقرار؟ اختلفوا - يعني أصحابه الأشاعرة - فيه بعد أن لم يختلفوا في أن ترك العناد شرط، وهو أن يعتقد أنه متى طولب بالإقرار أتى به (٣)، فأما قبل أن يطالب به:
منهم من قال: لابد من الإتيان به حتى يكون مؤمنا، وهذا القائل يقول: التصديق هو المعرفة والإقرار جميعا.
وهذا قول الحسين بن الفضل البجلي، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وبقريب من هذا كان يقول الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد القطان من متقدمي أصحابنا.
ونحن نقول: من أتى بالتصديق بالقلب واللسان، فهو المؤمن باطنا وظاهرا.
ومن صدق بقلبه، وامتنع من الإقرار، فهو معاند كافر، يكفر كفر عناد.
ومن أقر بلسانه، وجحد بقلبه، فهو كافر عند الله وعند نفسه، ويجري عليه أحكام الإيمان؛ لما أظهر من علامات الإيمان.
стр. 1183
ومن أصحابنا من جعل المعارف مجموعة تصديقا واحدا، وهي المعرفة بالله تعالى وصفاته ورسوله، وبأن دين الإسلام حق. قال: وهذه الجملة تصديق واحد، هذا ما ذكره أبو القاسم الاسفراييني" (١).
قال شيخ الإسلام: "قلت: ليس المقصود هنا بيان ما ذكروه من قول الجهمية والمرجئة في الإيمان، وما في ذلك من التناقض، حيث جعله التصديق الذي في القلب، ثم سلبه عمن ترك النطق عنادا.
وأن عنده كل ما سمي كفرا؛ فلأنه مستلزم لعدم هذا التصديق.
ولكن دلالته على العدم تعلم تارة بالعقل، وتارة بالشرع؛ لأن ما يقول بالقلب من الاستكبار على الله، والبغض له ولرسوله، ونحو ذلك يكون هو في نفسه كفرا.
وما ذكروه من التصديق الخاص الذي وصفوه، وهو تصديق بأصول الكلام الذي وضعوه. وإنما الغرض أنهم يجعلون التصديق هو نفس المعرفة، كما في كلام هذا وغيره، وكما ذكروه عن أبي الحسن، وغايتهم إذا لم يجعلوه مستلزما للمعرفة أن يجعلوه مستلزما لها" (٢).
سابعاً: قال الأنصاري شارحا رأي أبي إسحاق الاسفراييني:
"رأيت في تصانيفه - يعني أبا إسحاق الاسفراييني - أن المؤمن إنما يكون مؤمنا حقا إذا حقق إيمانه بالأعمال الصالحة، كما أن العالم إنما يكون عالما حقا إذا عمل بما علم.
واستشهد بقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا إلى قوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الأستاذ أبو إسحاق في المختصر له: حقيقة الإيمان في اللغة العبارة.
قال - يعني أبا إسحاق -: وتحقيق المعرفة تحصيل ما قدمناه من المسائل في هذا الكتاب وتحقيقه.
قلت - القائل الأنصاري -: أراد بالكتاب هو المختصر، وأشار بما قدمه فيه إلى جملة ما قدمه من قواعد العقائد.
وقال في هذا الكتاب: الإيمان هو: المعرفة، واعتقاد الإقرار عند الحاجة، أو مام يقوم مقام الإقرار.
وقال في كتاب الأسماء والصفات: واتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة، وعقائد مختلفة، وإن اختلفوا فيها على تفصيل ذكرناه.
واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها: ترك قتل الرسول، وترك تعظيمه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك.
ومن الأفعال: نصرة الرسول، والذب عنه.
فقالوا: إن جميعه مضاف إلى التصديق شرعا. وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان" (٣).
يقول شيخ الإسلام معلقا على هذا:"قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك، فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه، وهذا يهدم أصلهم، ولهذا كان حذاق هؤلاء، كجهم، والصالحي، وأبي الحسن, والقاضي أبي بكر، على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه" (٤).
стр. 1184
وقال شيخ الإسلام أيضا: "وإنما الغرض بيان ما ذكره الاسفراييني من أن التصديق لا يتحقق إلا بالمعرفة والإقرار، وإن كان أراد المعرفة كما قرره هو من قواعده، ولم يحل ذلك على ما جاء به الرسول من أصول الإيمان. فإذا كان التصديق لا يتحقق إلا بالمعرفة وبالإقرار أيضا باللسان كان هذا من كلامهم دليلا على امتناع وجود التصديق بالقلب وتحققه إلا مع الإقرار باللسان، وهذا يناقض قولهم إن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس، فهذه مناقضة ثابتة، فإن التصديق الذي في القلب إن تحقق بدون لفظ بطل هذا، وإن لم يتحقق إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه بطل ذاك" (١)، ثم استمر ﵀ في شرح ذلك.
ثامناً: قال الرازي: "قد نقلنا عن الشافعي ﵁ أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
وقال المتكلمون: الإيمان ليس إلا التصديق بالقلب، واحتجوا بوجوه"، ثم ذكرها، ثم قال:
"واعلم أن قول الشافعي لا يمكن جعله من المعايب، فإن الذي ذهب إليه مذهب قوي في الاستدلال والاحتجاج، إلا أن الذي اختاره علماء الأول من أصحابنا هو هذا القول الثاني.
واعلم أن القوم قد يقررون العيب من وجه آخر، فيقولون: قد تقرر في بدائه العقول أن مسمى الشيء إذ كان مجموع أشياء، فعند فوات تلك الأشياء لابد أن يفوت المسمى، فلو كان العمل جزء مسمى الإيمان، لكان عند فوات العمل وجب أن لا يبقى الإيمان، لكن الشافعي ﵁ يقول: العمل داخل في مسمى الإيمان، ثم يقول: الإيمان باق مع فوات العمل، فكان هذا مناقضة"، ثم ذكر قول المعتزلة، ثم قال:
"وللشافعي أن يجيب، فيقول: الأصل في الإيمان هو الإقرار والاعتقاد، فأما الأعمال فإنها من ثمرات الإيمان وتوابعه، وتوابع الشيء قد يطلق عليها اسم الأصل على سبيل المجاز، وإن كان يبقى الاسم مع فوات تلك التوابع، كما أن أغصان الشجرة قد يقال: إنها من الشجرة، مع أن اسم الشجرة باق بعد فناء الأغصان، فكذلك ها هنا. واعلم أن هذا التقدير يكون اسم الإيمان حقيقة في الإقرار والاعتقاد، ويكون إلطاق اسم الإيمان على الأعمال ليس إلا على سبيل المجاز، وفيه ترك لذلك المذهب" (٢).
هذه الجملة التي أوردها الرازي أشار إليها شيخ الإسلام ﵀، وعلق عليها بقوله: "والرازي لما صنف مناقب الشافعي ذكر قوله في الإيمان - وقول الشافعي قول الصحابة والتابعين، وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن لقيه - استشكل قول الشافعي جدا؛ لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة، وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله، لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم، والجواب عما ذكروه سهل، فإنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء. والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، فذلك المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب، لكن يقولون: بقي بعضه، إما أصله، وإما أكثره، وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه" (٣).
стр. 1185
وهذا الجواب سيأتي بعون الله عرضه مفصلا في نقض هذه الشبهة الإرجائية، والمقصود هنا تبيان مبلغ موافقة الأشاعرة للجهمية في مسمى الإيمان، وأنه لم يخرجهم من هذه الموافقة ما جاء عنهم من اضطراب في تفسير التصديق، أو ما أضافوه من شروط إلى التصديق.
فأما ما أضافوه من شروط، فمرده يعود إلى قول الجهمية، وأنه لا كفر إلا بزوال التصديق من القلب.
وأما ما فسروا به التصديق، وأنه المعرفة، أو هو قول النفس المتضمن للمعرفة، أو هو العلم، أو كلام النفس، ولا يثبت إلا بالعلم.
فالذي اشتهر عنهم هو دعوى التفريق بين المعرفة والتصديق، ومع ذلك فإنهم لا يسلمون من النقد الكاشف لفساد مقالتهم. يقول شيخ الإسلام: "والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب، فإن تصديق القلب قوله، وقول القلب عندهم ليس هو العلم، بل نوعا آخر" (١)، ثم قال في نقد ذلك:
"فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد - الذي يجعل قول القلب - أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما.
وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق. وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب، قالوا: ففي قلبه خبر بخلاف علمه، فدل على الفرق (٢).
فقال لهم الناس: ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علما حقيقيا، ولا خبرا حقيقيا، ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة، إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات، لا إلى جنس آخر يخالفها.
ولهذا قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه، وإنما يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أن يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه، فهذا غير ممكن"، ثم أطال شيخ الإسلام في شرح ذلك، وختم ذلك بقوله:"والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع على نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق" (٣).
وبعد هذا التحقيق، وبيان ضعف ما اعتمده الأشاعرة في كون الإيمان هو التصديق، يرد عليهم وجه آخر يزيد قولهم ضعفا، وهو أن الإيمان إن صح أنه التصديق، فهو في كونه دليلا على قول الكرامية وفقهاء المرجئة أولى من أن يكون دليلا على قولهم الذي وافقوا فيه الجهمية.
يقول شيخ الإسلام ﵀ شارحا ذلك: "ومما يعارضون به أن يقال:
هذا الذي ذكرتموه إن كان صحيحا، فهو أدل على قول المرجئة، بل على قول الكرامية منه على قولكم.
وذلك أن الإيمان إن كان كما ذكرتم، فالتصديق نوع من أنواع الكلام، فاستعمال لفظ الكلام والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ، بل في اللفظ الدال على المعنى أكثر في اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ، بل لا يوجد قط إطلاق اسم الكلام ولا أنواعه، كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهي على مجرد المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا إشارة ولا غيرهما، وإنما يستعمل مقيدا.
وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب، فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرهما من الأقوال، إلا ما كان معنى ولفظا، أو لفظا يدل على معنى.
ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل، بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم حتى يصدقوهم بألسنتهم.
стр. 1186
ولا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلان صدق فلانا أو كذبه، إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب، ولم يتكلم بذلك.
كما لا يقال: أمهر أو نهاه، إذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من لفظ أو إشارة أو نحوهما. ولما قال النبي ﷺ : ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)) (١).، وقال: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) (٢) , اتفق العلماء على أنه إذا تكلم في الصلاة ما عدا لغير مصلحتها بطلت صلاته.
واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق أمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام"، ثم استمر في سرد الأدلة على ذلك، ثم قال:
"وفي الجملة حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو أتباعهم، أو مكذبيهم أنهم قالوا، ويقولون، وذلك قولهم، وأمثال ذلك، فإنما يعني به المعني مع اللفظ.
فهذا اللفظ، وما تصرف منه من فعل ماض، ومضارع، وأمر، ومصدر، واسم فاعل، من لفظ القول والكلام ونحوهما، إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى، وكذلك أنواعه كالتصديق والتكذيب والأمر والنهي وغير ذلك، وهذا مما لا يمكن أحدا جحده فإنه أكثر من أن يحصى".
ثم بسط شيخ الإسلام القول في رد غلط المبتدعة في مفهوم الكلام، ثم قال:"فتبين أنه إن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، والقرآن إنما أراد به مجرد التصديق الذي هو قول ولم يسم العمل تصديقا فليس الصواب إلا قول المرجئة إنه اللفظ والمعنى، أو قول الكرامية إنه قول باللسان فقط، فإن تسمية قول اللسان قولا أشهر في اللغة من تسمية معنى القلب قولا، كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١]، وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، وأمثال ذلك، بخلاف ما في النفس، فإنه إنما يسمى حديثا" (٣).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٢٣١
стр. 1187
المطلب الخامس: حجج المرجئة
ذكر شيخ الإسلام أن للمرجئة حججا بسببها اشتبه الأمر عليهم، فوقعوا في الغلط في باب الإيمان.
يقول ﵀: "والمرجئة الذين قالوا الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، ... ، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم:
فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧].
ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: ٦]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: ٩].
وقالوا: لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمنا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان"، ثم قال شيخ الإسلام:
"والمرجئة - المتكلمون منهم، والفقهاء منهم - يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه. ويقولون: قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)): مجاز" (١).
فهذه أربع حجج ساقها شيخ الإسلام في هذا الموضع، وهي حجج مشتركة بين فقهاء المرجئة وغيرهم من المرجئة، وثمة حجج أخرى مشتركة بينهم أيضا، ومنها:
- توهمهم أن الإيمان لو كان مركبا للزم منه ذهابه كله بذهاب بعضه، ولخرج العصاة من الإيمان، وهذا قول الخوارج، وللزم منه اجتماع الإيمان والكفر في الشخص، وهذا مخالف للإجماع عندهم.
- دعواهم أن الإيمان في اللغة مجرد التصديق.
- الاحتجاج بنصوص الوعد.
- الاحتجاج بحديث الجارية.
فهذه هي حجج المرجئة فيما ذهبوا إليه اشتركوا بالقول بها، وقد بلغت سبع حجج، سيقت على وجه الإجمال، وتحتجا إلى تفصيل يبين وجه الاستدلال، وجواب يزيل الإشكال، وهذا أوان ذلك بعون الله تعالى:
الحجة الأولى
ما جاء في النصوص من العطف بين الإيمان والعمل
استدل المرجئة بالنصوص التي فيها عطف العمل على الإيمان، إذ فهموا من هذا العطف المغايرة بين المعطوفين، ومن ثم خروج المعطوف من المعطوف عليه.
قال شيخ الإسلام موردا هذه الحجة، ومجيبا عنها:"قالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه (٢).
ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق القلب، وقول اللسان.
وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان، ومن وافقه، كأبي حنيفة، وغيره.
وقال جهم، والصالحي، ومن وافقهما من أهل الكلام، كأبي الحسن، وغيره: إنه مجرد تصديق القلب.
стр. 1188
وفصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجردا، وقد يذكر مقرونا بالعمل الصالح، أو بالإسلام. فإذا ذكر مجردا: تناول الأعمال، كما في الصحيحين: ((الإيمان بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (١)، وفيهما: أنه قال لوفد عبد القيس: ((آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله , وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا من المغنم الخمس)) (٢).وإذا ذكر مع الإسلام، كما في حديث جبريل أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، ففرق بينهما، فقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله)) إلى آخره، (٣). وفي المسند عن النبي ﷺ : ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب)) (٤). فلما ذكرهما جميعا: ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر منه الأعمال" (٥).
وفي شرح مطول لمعنى الإيمان حال الإفراد، وحال اقترانه بغيره يقول ﵀:
"وأما إذا قيد الإيمان، فقرن بالإسلام، أو بالعمل الصالح، فإنه قد يراد به ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس.
وهل يراد به أيضا المعطوف عليه، ويكون من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه، بل يكون لازما له على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضا ولا لازما؟ هذا فيه ثلاثة أقوال الناس، ... ، وهذا موجود في عامة الأسماء، يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد" (٦).
ثم ذكر أمثلة على هذا التنوع، ثم قال:
"وهذه الأسماء تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران، تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعلم من الآخر، كاسم الإيمان والمعروف مع العمل والصدق، وكالمنكر مع الفحشاء ومع البغي، ونحو ذلك. وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص، كلفظ الإيمان والبر والتقوى، ولفظ الفقير والمسكين، فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر" (٧).
ثم قال شيخ الإسلام بعد شرحه بعض الأمثلة:"وهذا باب واسع يطول استقصاؤه، وهو من أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا، وخصوصا ألفاظ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة، كثر فيها نزاع الناس، من جملتها مسألة الإيمان والإسلام" (٨).
وبعد هذا التأصيل شرع شيخ الإسلام في تحرير أنواع العطف في القرآن، وسائر الكلام؛ ليصل من بعده إلى نوعه بين الإيمان والعمل، فقال:
"وعطف الشيء على الشيء في القرآن، وسائر الكلام، يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما.
والمغايرة على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزؤه، ولا يعرف لزومه له (٩).
стр. 1189
كقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الفرقان: ٥٩]، ونحو ذلك، وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: ٩٨]، وقوله: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [عمران: ٣ - ٤]، وهذا هو الغالب.
ويليه: أن يكون بينهما لزوم.
كقوله: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ [البقرة: ٤٢]، وقوله: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، وقوله: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [النساء: ١٣٦] "، ثم أورد جملة من الأمثلة على هذا النوع، معلقا عليها، ثم قال:
"والثالث: عطف بعض الشيء عليه.
كقوله: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧]، وقوله: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، وقوله: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا [الأحزاب: ٢٧].
والرابع: عطف الشيء على الشيء؛ لاختلاف الصفتين. كقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤]، وقوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٣ - ٤] " (١).
وبعد هذا التحقيق قال شيخ الإسلام:
"وأما قولهم إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع، فهذا صحيح.
وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق: أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن بالأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة، كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب، بل لابد معه من الأعمال الصالحة.
ثم للناس في مثل هذا قولان:
منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أو لا، ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصا له؛ لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، وقالوا هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام.
стр. 1190
كقوله: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧]، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد: ٢]، فخص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله وَالَّذِينَ آمَنُوا، وهذه نزلت في الصحابة وغيرهم من المؤمنين، وقوله: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة: ٥]، فإنه قصد أو لا تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة دونهما.
وكذلك يذكر الإيمان أولا؛ لأنه الأصل الذي لابد منه، ثم يذكر العمل الصالح، فإنه أيضا من تمام الدين، لابد منه، فلا يظن الظان اكتفاء بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح، ... ،.
فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في الإيمان، وعطفت عليه عطف الخاص على العام؛ إما لذكره خصوصا بعد عموم، وإما لكونه إذا عطف كان دليلا على أنه لم يدخل في العام.
وقيل: بل الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، ولكن هي لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيا؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان إذا أطلق، كما تقدم في كلام النبي ﷺ .
فإذا عطفت عليه ذكرت؛ لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، فكان ذكرها تخصيصا وتنصيصا؛ ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة، وهو الجنة بلا عذاب، لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحا، لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل. وقد بين سبحانه في غير موضع أن الصادق في قوله: آمنت، لابد أن يقوم بالواجب، وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على انتفائه عمن سواهم" (١).
ويقول شيخ الإسلام: "إذا تبين هذا، وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت الشبهة العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم، أو هو لازم للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟
وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا، كما قد تقدم.
стр. 1191
فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان ذلك دالا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان، فقط يتناول الباطن والظهر، وبهذا تأتلف النصوص. فقوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١).، أفرد لفظ الإيمان فدلخ فيه الباطن والظاهر. وقوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر - ذكره مع قوله ﷺ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت)) (٢)، فما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن الاقتران، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام".
ثم ذكر شيخ الإسلام تنوع دلالة اسم الإسلام حال إفراده، وحال اقترانه باسم الإيمان، ثم قال:"ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر الأمم، عربها وعجمها، زاحت عنه الشبهة في هذا الباب" (٣).
وقال: "فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، مثل التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله.
وتارة على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا في مسماه.
وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما، فإنها تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة.
وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه"، ثم قال:"والأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة موجب الأعمال الباطنة ولازمها، وإذا أفرد الإيمان، فقد يتناول هذا وهذا، كما في قوله ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (٤).وحينئذ فيكون الإسلام داخلا في مسمى الإيمان، وجزءا منه، فيقال حينئذ: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطنة والظاهرة" (٥).
وقال ﵀: "وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصا له بالذكر؛ لكونه مطلوبا بالمعنى العام والمعنى الخاص.
وتارة تتنوع دلالة الاسم بحال الإفراد والاقتران، فإذا أفرد عم، وإذا قرن بغيره خص.
كاسم الفقير والمسكين، لما أفرد أحدهما في مثل قوله: لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ [البقرة: ٢٧٣]، وقوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة: ٨٩] دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] صارا نوعين.
وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب.
والتحقيق أن هذا ليس لازما.
стр. 1192
قال تعالى: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: ٩٨]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧]، وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة:
تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى.
وتارة لكون العام في إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [البقرة: ٢ - ٤]، فقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يتناول كل الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ومن هذا الباب قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله تعالى وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ [الأعراف: ١٧٠]، وتلاوة الكتاب هي أتباعه والعمل به" (١).وكلام شيخ الإسلام في تقرير هذا الجواب كثير (٢)، وكان من المهم إيراد هذا العدد من النقول عنه ﵀ في رد هذه الشبهة الإرجائية، ويمكن تلخيص ما تقدم بأن يقال:
إن مجيء لفظ الإيمان في النصوص له حالان:
الحال الأولى: أن يذكر الإيمان مفردا، مجردا، مطلقا.
فهنا يكون معنى الإيمان متناولا للباطن والظاهر، من القول والعمل.
الحال الثانية: أن يذكر مقيدا ومقرونا بغيره.
وهنا يكون معنى الإيمان هو ما في القلب، ثم إن المقترن به والمعطوف عليه، وهو العمل، لا يخلو من احتمالين:
أحدهما: أن يكون جزءاً من الإيمان، داخلا في مسماه، وإنما عطف عليه تخصيصا له بالذكر، من باب عطف الخاص على العام.
والثاني: أن يكون غير داخل في مسماه، لكنه من لوازمه وموجباته ومقتضياته ودلائله، فالإيمان ما دام موجودا لزم ضرورة حصول العمل، ولا يمكن وجود الإيمان بدون العمل.
وتتميما لفقه المسألة أبان شيخ الإسلام عن أن مجيء اسم الإيمان في النصوص أكثره مقيدا، وأنه إن جاء مطلقا فهو مفسر بما يبينه. يقول رحمه الله تعالى: "ولفظ الإيمان أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا، فلا يكون ذلك اللفظ متنا ولا لجميع ما أمر الله به، بل يجعل موجبا للوازمه، وتمام ما أمر به، وحينئذ يتناوله الاسم المطلق" (٣).
ويقول: "القرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد، وإما مطلق مفسر.
стр. 1193
فالمقيد كقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، وقوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣]، والمطلق المفسر كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]، ونحو ذلك، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
وكل إيمان مطلق في القرآن، فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمن إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين القرآن أن الإيمان لابد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج".
ثم قال: "بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرج لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق. وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة، والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف" (١).
وقال: "اسم الإيمان يستعمل مطلقا، ويستعمل مقيدا، وإذا استعمل مطلقا، فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات فرضها ونفلها في مسماه. وهذا مذهب الجماهير من أهل الحديث والتصوف والكلام والفقه، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم" (٢).
الحجة الثانية
أنهم رأوا أن الله تعالى خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى [المائدة: ٦]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: ٩].
стр. 1194
وأجاب شيخ الإسلام عن ذلك بقوله:"أنهم خوطبوا به قبل أن يجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين" (١).ومثل على ذلك بالحج، فإنه لم يأت ذكره في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وفد عبد القيس حيث قال فيه ﷺ : ((آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، أو خمسا من المغنم)) (٢)، وحديث ضمام بن ثعلبة ﵁ ((أنه سأل النبي ﷺ ، فقال له: آلله أرسلك إلى الناس كلهم فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا قال: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخويني سعد بن بكر)) (٣).وإنما جاء ذكره في حديث جبريل، وفيه قوله ﷺ : ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت)) (٤).وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الأركان الخمسة، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد (٥).الحجة الثالثة (٦)
قالوا: لو أن رجلا آمن بالله تعالى ورسوله ﷺ ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال مات مؤمنا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان.
قال شيخ الإسلام مجيبا عن ذلك:"وكذلك قولهم من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا، فصحيح؛ لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد" (٧).
فالأمر ليس مرده لكون العمل ليس من الإيمان، بل لأن العمل لم يكن واجبا عليه في تلك الحال. يقول شيخ الإسلام: "فإن الله تعالى لما بعث محمدا رسولا إلى الخلق كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حنيئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين، وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرا" (٨).
стр. 1195
ويقول: "بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان مستحقا للثواب إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله، وإن كان لم يقع من التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن، ولم يصم رمضان، ولم يحج البيت، كما أن من آمن في زمننا هذا إيمانا تاما ومات قبل مات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملا للإيمان الذي وجب عليه، كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك. وأما بعد نزول ما نزل من القرآن وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله من الواجبات وتمكن من فعل ذلك، فإنه لا يكون مستحقا للثواب بمجرد ما كان يستحق به الثواب قبل ذلك" (١).
الحجة الرابعة
أن الأعمال تدخل في الإيمان مجازاً لا حقيقة
قال شيخ الإسلام: "والمرجئة - المتكلمون منهم، والفقهاء - يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه. ويقولون: قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (٢) مجاز" (٣).وإذا قالوا إن الأعمال من الإيمان من باب المجاز أمكنهم نفيها عنه؛ لأن علامة المجاز صحة نفية (٤).
وقال شيخ الإسلام: "فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلام كل أحد بين ظاهر لا يمكن دفعه، لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان على الأعمال مجاز. فقوله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (٥) , مجاز. وقوله: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله)) (٦). إلى آخره: حقيقة. وهذا عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان" (٧).
هذه هي حجتهم الرابعة، وفي نقضها يقول شيخ الإسلام: "ونحن نجيب بجوابين:
أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز. والثاني: ما يختص بهذا الموضع" (٨).
ثم شرع ﵀ في تحرير هذين الجوابين:
فأما الجواب الأول: ففي إبطال تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في اللغة، بله النصوص الشرعية، وأن الحق أن الكلام يختلف معناه بحسب دلالة الإطلاق والتقييد.
وفي إبطال هذا التقسيم منع لإبطال معاني النصوص بدعوى المجاز، كما صنع المبتدعة في نصوص الصفات، وفي مسمى الإيمان.