٢ - احتجوا بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص: قال الكشميري "وروي عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وكأنه مأخوذ مما روي عند أبي داود في تاب الفرائض عن معاذ بن جبل: "أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من السلم وقال الإسلام يزيد ولا ينقص" قيل في شرحه أي يعلو ولا يعلى" (١).
٣ - واحتجوا بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يحلق الإيمان:
قال الحليمي: "ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول أصله يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يحلق الإيمان. والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأيدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها، وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيماناً، فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفراً" (٢).
فهذا ما وقفت عليه من أدلة لهؤلاء، ولهم شبه أخرى يوافقون فيها من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيأتي ذكرها ونقضها هناك.
والرد على هذه الأدلة من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل:
١ - فيقال: إن زيادة الإيمان ثابتة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهم يقولون بها، فإذا ثبتت الزيادة، فالنقصان ثابت باللزوم، لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن قبول الشيء للزيادة يستدعي قبوله للنقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص، وسبق أن نقلت عن أهل العلم الإمام أحمد وابن حزم وابن بطال والبيهقي وابن حجر وغيرهم ما يؤيد هذا، فأغنى عن إعادته هنا.
فالزيادة إن كانت ثابتة من نص القرآن منطوقاً فهي ثابتة من نصه مفهوماً، بل إن بعض أهل العلم يرى أنها ثابتة من نصه منطوقاً. ولهذا لما قال الكشميري "وليعلم أن القرآن لا يدل بمنطوقه إلا على زيادة الإيمان، أما على نقصانه فلا، إلا أن يؤخذ عنه بالزوم، ويقال إن الإيمان إذا ثبتت فيه الزيادة أمكن فيه النقصان أيضاً" (٣).
تعقبه الشيخ ابن عبدالحق النورفوري بقوله: "إن دلالة اللفظ على ما وضع له، أو جزئه، أو لازمه المتأخر عبارة إن سبق له، وإلا فإشارة، وعلى لازمه المتقدم اقتضاء، ولا ريب أن هذه الثلاث من المنطوق.
قال في إرشاد الفحول في الباب الثامن من المقصد الرابع منه: "والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحاً، وتارة من جهته تلويحاً، فالأول المنطوق، والثاني المفهوم، والمنطوق ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص.
стр. 1227
والثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر. والأول أيضاً ينقسم إلى قسمين، صريح إن دلل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام، وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة، فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود التكلم ... إلخ؟ " (١).والاستثناء في قوله - أي الكشميري -: "أما على نقصانه فلا إلا أن يؤخذ عنه باللزوم" متصل، فظهر أن القرآن يدل على النقصان بمنطوقه، كما يدل على الزيادة بمنطوقه، إلا أن دلالته على الزيادة من قبيل العبارة، وعلى النقصان من باب الاقتضاء أو الإشارة، فالحق أن الإيمان إذا ثبت فيه الزيادة ثبت فيه النقصان البتة لا كمال قال: أمكن فيه النقصان" (٢).قلت: وهذا تعقب محرر جداً، ووجه آخر في الرد وهو ما جاء عن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: "نطق القرآن بزيادة الإيمان ونقصانه، قوله تعالى: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا فهذه زيادة الإيمان، وقوله تعالى: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥] فهذا نقصان الإيمان" (٣).
والمقصود أن القرآن الكريم كما أنه دل على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصه، ومن أخذ بدلالته على الزيادة وترك دلالته على النقص فقد عطل القرآن عن دلالاته، وتناقض فيما يأتي ويذر. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد أن ذكر جملة من الآيات المصرحة بزيادة الإيمان: "وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد مفهوم منها أن ينقصه أيضاً، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لاشك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله" (٤).٢ - ويقال أيضاً إن النقص مصرح به في السنة، كما في الحديث الصحيح الثابت عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للنساء ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) (٥).فهذا الحديث نص في نقصان الإيمان، فالحديث حجة قاصمة لظهر كل من قال إنه لا ينقص وشجاً في حلقه إلا أن يدع قوله، قال ابن حزم: "وقد جاء النص بذكر النقص، وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقول الكواف أنه قال للنساء: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن)) (٦) " (٧).وأيضاً: ثبت عنه ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: ((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٨).
فقوله ﷺ : ((وذلك أضعف الإيمان)) صريح أن الإيمان يضعف نقصان بلا ريب؛ ولذا احتج به أهل العلم على زيادة الإيمان ونقصانه كما سبق بيانه.
قلت: فلا مجال بعد قوله ﷺ لعقل ولا رأي إلا القبول والتسليم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ﷺ يخبر بصريح العبارة أن الإيمان يضعف وينقص، فلا يجوز لمن كان يؤمن به أن يقول لا ينقص، معارضاً برأيه قول رسول الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
стр. 1228
٣ - وأيضاً يقال: إن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو قول أهل السنة والجماعة الصحابة وتابعيهم بإحسان، وقد نقلت فيما سبق عن غير واحد منهم التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، فمن الصحابة عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن رواحة وأبي الدرداء وأبي هريرة وجندب بن عبدالله البجلي وعمير بن حبيب الخطمي وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن السلف عموماً عن علقمة بن قيس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد بن جبر والأوزاعي والثوري وحماد بن زيد ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم خلق كثير لا يحصون، وهذا هو الثابت عنهم لا قول لهم غيره، وهذا هو السبيل الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، والله يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى .... [النساء: ١١٥].وكان شيخ الإسلام ﵀ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" (١).
بل لقد جاء عن بعض السلف عد هذا القول من أقوال المرجئة المذمومة، كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عمن قال الإيمان قول بلا عمل وهو يزيد ولا ينقص قال هذا قول المرجئة.
وسئل ما المرجئة؟ قال الذين يقولون الإيمان قول، قيل: فالذي يقول الإيمان يزيد ولا ينقص! قال ما أدري ما هذا. قلت: أي أنه قول منكر لم يعهد عن أحد من علماء السنة. وهذان الأثران عن الإمام ﵀ رواهما عنه الخلال في السنة في باب الرد على المرجئة قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص (٢).
فعلم من جميع ما تقدم أن القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص قول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة ولم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، فمن قال به وترك قول أهل السنة فقد فارق السبيل وترك الجادة التي عليها أئمة الهدى ومصابيح الدجي الذين هم أعلم وأحكم بمسائل العلم والدين. ويحسن أن أنقل هنا ما نقله شيخ الإسلام عن الشافعي ﵀ في سياق آخر قال: "وما أحسن ما قاله الشافعي ﵁ في رسالته "هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"" (٣).
فإن كانوا بهذه المثابة والمنزلة وهم كذلك، وقد اتفقوا على أن الإيمان يزيد وينقص، ومستندهم في ذلك الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يعدل عن قولهم لشبه عقلية وخيالات وهمية، ما هي إلا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور: ٣٩] هذا على سبيل الإجمال.
أما التفصيل، فهو في نقد حججهم السالفة الذكر، ونقضها شبهة شبهة.
أولاً - قولهم: إن الإيمان لا ينقص:
لأنه هو التصديق، والتصديق إذا نقص صار شكاً، لكنه يزيد.
قلت: وهذا قول باطل مناقض للحق والواقع، أما الحق: فقد بينت في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أن الحق الذي لا ريب فيه في التصديق أنه يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ولا يلزم من ضعفه أن يكون شكاً أو كفراً حاشا وكلا، بل يضعف تصديق الشخص عن درجة اليقين الكامل إلى درجة أضعف دون أن يكون ذاهب التصديق كلية، أو مرتاباً في الأمر شركاً فيه.
стр. 1229
وإبراهيم الخليل ﵇ لما قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة: ٢٦٠] وأراه الله، زاد تصديقه وإيمانه، وبلغ درجة الإطمئنان ولم يكن شاكاً قبل ذلك حاشاه ﵇ فلا تلازم بين شك والنقص، فقد يوجد أحدهما دون أن يلزم من ذلك وجود الآخر، .....
وأما مناقضته للواقع: فإن الواقع يشهد لبطلان ذلك، فإن من الناس من يكون تصديقه قوياً معتمداً على الحجج والبراهين، بالغاً أعلى درجات اليقين، لا تزعزعه الشبهات ولا تصرفه، ومنهم من يكون تصديقه ضعيفاً بحيث تزعزعه الشبه وتصرفه، فإن سلم منها بقيي على تصديقه الضعيف ولا يعد شاكاً، فشتان بين هذا وذاك.
ثم إن هذا أمر يحسه كل أحد من نفسه، فإن المرء أحياناً يكون تصديقه، قوياً، وأحياناً يكون ضعيفاً، وهو في كلا الحالين مصدق، وما ذاك إلا لأن التصديق يقبل التفاضل والزيادة والنقصان في الشخص الواحد، وكذلك يتفاضل من شخص لآخر، فمن كان تصديقه أكمل فهو أفضل من الآخر الذي تصديقه أنقص، والمقصود أن التصديق كما أنه يزيد فهو ينقص بلا ريب.
أقول ما تقدم جدلاً على فرض أن الإيمان هو التصديق، أما الإيمان فهو وراء ذلك، بل هو التصديق والقول والعمل كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان ينقص بنقص العمل وبفعل المعاصي وبغير ذلك، ولا يلزم من نقصه في ذلك أن يكون شكاً أو كفراًن بل بحسب المعصية فإن كانت المعصية المرتكبة كفراً كفر، وإن كانت كبيرة نقص كمال إيمانه الواجب، وإن كان مستحباً تزكها نقص كمال إيمانه المستحب، فلا يلزم من ارتكاب المعصية كفر المرتكب، إلا على مذهب الخوارج.
ثم يقال لهؤلاء إن كان التصديق على قولكم يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أخبرونا عن حاله قبل حصول الزيادة أكان ناقصاً أو كاملاً؟
فإن كان كاملاً فما وجه الزيادة فيه وهو كامل، وإن كان ناقصاً وهو كذلك خصمتم، وبهذا يظهر تناقضهم، وتهافت قولهم، وبالله التوفيق.
ثانياً - أما إحتجاجهم بحديث الإسلام يزيد ولا ينقص:
فمنتقض من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف لا يحتج به، فقد أخرجه أو داود (١) وأحمد (٢) والطيالسي (٣) والحاكم في المستدرك (٤) والبيهقي في السنن (٥)، والجورقاني في الأباطيل (٦) كلهم من طريق عمرو بن حكيم عن عبدالله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عن معاذ بن جبل أنه أتي في ميراث يهودي وارثه مسلم، فقال سمعت النبي ﷺ يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) فورثه منهم.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال الألباني حفظه الله: "لكنه معلول بالانقطاع، فقد أخرجه أبو داود من طريق عبدالوارث عن عمرو بن أبي حكيم الواسطي: ثنا عبدالله بن بريدة أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر: يهودي ومسلم، فورث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلاً حدثه أن معاذاً حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، فورث المسلم.
стр. 1230
فهذا يدل على أنا أبا الأسود لم يسمعه من معاذ، بينهما رجل لم يسم، فهو مجهول، فهو علة الحديث، وبه أعله البيهقي، فقال بعد أن ساقه من طريق أبي داود: "وهذا رجل مجهول، فهو منقطع"، وقال الحافظ في الفتح ١٢/ ٤٣ بعد ما ذكر تصحيح الحاكم له: "وتعقب بالانقطاع بين الأسود ومعاذ، لكن سماعه منه ممكن، وزعم الجورقاني أنه باطل، وهي مجازفة".قلت: الذي يبدو لي أن حكم الجورقاني عليه بأنه باطل، إنما هو باعتبار ما فيه من توريث المسلم من اليهودي الكافر، فإن الأحاديث الصحيحة على خلاف ذلك كقوله ﷺ : ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) (١) , وهو مخرج مع غيره مما في معناه في كتابي إرواء الغليل" اهـ (٢).والحديث أعله المناوي بالانقطاع (٣).وأخرجه الجورقاني في الأباطيل (٤) من طريق أخرى عن محمد بن المهاجر البغدادي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عمرو بن كردي عن يحيي بن يعمر عن معاذ بن جبل: فذكره.
قال الجورقاني: هذا باطل. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٥)، واتهم بوضعه محمد بن المهاجر، وقال: قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقد رواه فغير إسناده ولفظه. ونازعه في ذلك السيوطي في اللآلئ (٦)، وذكر طريقه المتقدمة وطريقاً أخرى وليس فيهما محمد بن المهاجر. وعلى كل فالحديث ضعيف لا يحتج به.
الوجه الثاني:
وعلى فرض صحته، فإن الحديث معناه على غير ما فهمه هؤلاء من أنه يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وإنما هو في باب آخر غير هذا، كما هو واضح من بيان أهل العلم للحديث. فقد قيل في معناه: "أي: أن حكم الإسلام يغلب ومن تغليبه أن يحكم للولد بالإسلام بإسلام أحد أبويه" (٧) قاله عبدالوارث بن سعيد. وقال البيهقي: "وإن صح الخبر فتأويله غير ما ذهب إليه - يعني: معاذ في توريثه للمسلم من الكافر محتجاً لذلك بهذا الحديث - إنما أراد أن الإسلام في زيادة ولا ينقص بالردة" (٨).وقيل: "أي: يزيد بما يفتح من البلاد، ولا ينقص بما غلب عليه الكفرة منها" (٩).
أما ما فهمه معاذ ﵁ من الحديث على فرض صحته من أنه يدل على أن المسلم يرث من الكافر من غير عكس فهو معارض بالأحاديث الصحيحة الثابتة في أنه لا يتوارث أهل ملتين فلا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله قال: ((لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم)) (١٠).
وما ذهب إليه بعض أهل العلم: أنا نرث أهل الكتاب ولايرثونا، ما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق.
فمردود بأنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، بهذا أجاب الجمهور. وعلى كل فالحديث ليس نصاً في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث (١١).
стр. 1231
فالحديث لا يدل على توريث المسلم من الكافر، ولا يدل على أن الإيمان يزيد ولا ينقص على المعنى الذي فهمه هؤلاء، بل المراد به أن الإسلام له الغلبة دائماً وأنه يعلو ولا يعلى. وهذه اللفظة "الإسلام يعلو ولا يعلى" ثابتة عن النبي ﷺ كما بين ذلك الألباني في الإرواء فقد استوفى طرق الحديث ثم قال: "وجملة القول أن الحديث حسن مرفوعاً بمجموع طريقي عائد ومعاذ، وصحيح موقوفاً، والله أعلم" (١).
قلت: فعلى هذا المعنى يحمل حديث معاذ إن صح، والله اعلم.
وبهذا ينتقض احتجاجهم به، ولله الحمد.
ثالثا: احتجاجهم بأن المعاصي لا تحبط الطاعات وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان ... إلخ.
وقولهم هذا باطل، فهو في جملته يعارض الحق الثابت في الكتاب والسنة في الإيمان وأنه يقبل النقصان كما يقبل الزيادة، ومفاد هذه التعليلات إبطال ذلك وتقرير أن الإيمان يقبل الزيادة فقط دون النقصان.
وهذا تحكم في نصوص الشرع، وإدلاء بالعقل في مقابل النص!
فهل تكفي مثل هذه التعليلات العقلية حجة في أمر يناقض الكتاب والسنة ويخالفهما؟؟
ثم إن قولهم هذا متضمن في ثناياه أموراً باطلة عدة منها:
قولهم: "المعاصي لا تحبط الطاعات" فهذا القول هكذا ليس على إطلاقه فإن من المعاصي الشرك الأكبر وهو يحبط الطاعات بيقين، والمعصية إذا أطلقت تشمل الكفر وغيره، والله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، فكان ينبغي أن يستثنى الشرك الأكبر من هذا الإطلاق.
ثم أمر آخر وهو أن هناك من المعاصي ما هو دون الشرك إلا أنه يبطل بعض الطاعات كالذي يتبع صدقاته بالمن والأذى كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... [البقرة: ٢٦٤].قال ابن كثير: "فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى كما تبطل صدقه من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله ... " (٢).
فالصدقة طاعة والمن والأذى معصية، والذي يتبع صدقاته بالمن والأذى تبطل طاعته، فالمعصية إذن قد تبطل بعض الطاعات، ولهذا فإن قولهم المتقدم ليس على إطلاقه وتحريره أن قال: "المعاصي التي دون الشرك لا تحبط جميع الطاعات" فإذا تبين لك فساد مقدمتهم علمت فساد نتيجتها.
وكذلك قولهم: "إذا لم تحبطها لا نقصان يلحق الإيمان".
قلت: فهذه نتيجة باطلة مبنية على مقدمة فاسدة، ثم إنه لا تلازم بين الأمرين فإن المعاصي وإن لم تحبط الطاعات فقد تؤثر على الإيمان بالنقص كما هو معلوم.
وعلى كل فنقصان الإيمان ثابت شرعاً واقع عرفاً ولا سبل إلى رده بمثل هذه التخرصات والشبه التي لا تغني من الحق شيئاً.
المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٢٩٣
стр. 1232
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه عند مرجئة الفقهاء
لم تختلف كلمة المرجئة، فقهائهم ومتكلميهم، في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ووافقهم - يعني الخوارج والمعتزلة - المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض، ولا يتفاضل، فلا يزيد ولا ينقص، وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (١).ويقول أيضا: "لكن بعض الناس قال: إن إيمان الخلق مستو، فلا يتفاضل إيمان أبو بكر وعمر وإيمان الفساق؛ بناء على أن التصديق بالقلب واللسان، أو بالقلب، وذلك لا يتفاضل" (٢).
وعن فقهاء المرجئة خاصة يقول رحمه الله تعالى:"وأنكر حماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء" (٣).
وهذا المذهب لمرجئة الفقهاء في زيادة الإيمان ونقصانه دل عليه أيضا أثر معقل العبسي، وقد تقدم بعضه، ومما جاء فيه قول معقل لعطاء:
"فقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة. فقال - أي عطاء -: أوليس قد قال الله فيما أنزل: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، فما هذا الإيمان الذي زادهم؟ " (٤).
ونقل شيخ الإسلام ما أورده الإمام أحمد عليهم في إنكارهم زيادة الإيمان، حيث يقول ﵀:
"قال الإمام أحمد: فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة الإيمان من أجل أنهم لا يدرون ما زيادته، وأنها غير محدودة.
فما يقولون في أنبياء الله، وكتبه، ورسله؟ هل يقرون بهم في الجملة؟ ويزعمون أنه من الإيمان؟
فإذا قالوا: نعم.
قيل لهم: هل تجدونهم، وتعرفون عددهم؟ أليس إنما يصيرون في ذلك إلى الإقرار بهم في الجملة، ثم يكفون عن عددهم؟ فكذلك زيادة الإيمان. وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى زيادته - يعني الإيمان - لا يمنعهم من الإقرار بها في الجملة، كما أنهم يؤمنون بالأنبياء والكتب، وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل" (٥).
стр. 1233
ثم إن فقهاء المرجئة انفردوا عن المرجئة في هذه المسألة بإثبات الزيادة في الإيمان حال نزول الآيات، فلما اكتمل الدين لم تعد هناك زيادة. يقول شيخ الإسلام عنهم: "قالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما" (١).وهذا الذي فهمه فقهاء المرجئة مردود بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد أثبتوا زيادة الإيمان ونقصانه بعد موت النبي ﷺ ونزول القرآن كله، فأثبتوا الزيادة بعد كمال الدين (٢).وكمال الدين في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] لا يعني أن الإيمان لا يتفاضل، بل المراد بالإكمال هنا كما قال شيخ الإسلام: "أي في التشريع بالأمر والنهي، ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، ونقصان دينها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس هو نقصا مما أمرت به، فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين" (٣).
وبعد هذا، فإن منشأ الغلط في هذه المسألة كما مر في أول كلام شيخ الإسلام عائد إلى أصلهم البدعي المشهور أن الإيمان شيء واحد، لا يتبعض، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، فلما جعلوا الإيمان شيئا واحدا جعلوا الناس فيه متساوين من حيث ما يجب عليهم، ومن حيث ما يقع منهن، فلا يمكن أن يأتي أحد بإيمان لا يأت به الآخر، فالإيمان في حق الجميع واحد، وكل من آمن فقد أتى به. وقالوا إن هذا مثل ما لو تلفظ الفاسق بالشهادتين، أو قرأ فاتحة الكتاب، كان لفظه كلفظ غيره من الناس (٤).
يقول شيخ الإسلام: "وأصل هؤلاء - يعني المرجئة - أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل، بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع العباد فيما أوجبه الرب من الإيمان، وفيما يفعله العبد من الأعمال.
فغلطوا في هذا وهذا، ثم تفرقوا كما تقدم، وصار المرجئة على ثلاثة أقوال:
стр. 1234
فعلماؤهم وأئمتهم أحسنهم قولا، وهو أن قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان. وقالت الجهمية: هو تصديق القلب فقط، وقالت الكرامية: هو القول فقط" (١).ويقول: "ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة؛ لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم" (٢).فبناء على هذا الأصل منع المرجئة زيادة الإيمان ونقصانه، وفسروا الزيادة والنقصان بأن المراد زيادة الأعمال الظاهرة ونقصانها، وهي عندهم ليست من الإيمان، فتكون زيادة الإيمان ونقصانه عندهم زيادة ثمراته ونتائجه (٣).
وأما عند أهل السنة، فإن الزيادة والنقصان تدخل فيما يؤمر به المكلف من أمر ونهى، وفيما يقع منه من قول وعمل، ظاهر وباطن.
يقول شيخ الإسلام بعد حكاية قول الجهمية والمرجئة الفقهاء في مسمى الإيمان:
"وأنكر كل هذه الطوائف أنه ينقض، والصحابة قد ثبت عنهم أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول أئمة السنة، ... ،
وذلك أن أصل أهل السنة أن الإيمان يتفاضل مع وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد" (٤).
ثم شرع ﵀ في شرح التفاضل في هاتين الجهتين على النحو التالي:
الجهة الأولى: وقوع التفاضل من جهة أمر الرب.
يقول شيخ الإسلام شارحا التفاضل في هذا الوجه:
"فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص.
فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به، كالقبلة، فكان من الإيمان في الأمر الأول الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة.
وأيضا من وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل.
وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة وجب عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها.
فلم يتساوى الناس فيما أمروا به من الإيمان، وهذا من أصول غلط المرجئة، فإنهم ظنوا أنه شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين، فقالوا:
إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، كما أنه تلفظ الفاسق بالشهادتين أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس.
فيقال لهم: قد تبين أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، ويتباينون فيه تباينا عظيما.
فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر، ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم.
وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق، والإقرار، فإن الناس وإن كان عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول، فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلا، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به.
стр. 1235
فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر به من الزكاة، ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فجيب عليه من العلم والإيمان والعمل ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلا على غيره"، ثم قال:"وبالجملة فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ في النساء: ((ناقصات عقل، ودين)) (١)، وقال في نقصان عقلها ودينها: ((أنها إذا حاضت لا تصوم، ولا تصلي)) "، ثم ختم هذا الوجه بقوله:"فهذا يبين تفاضل الإيمان في نفس الأمر به، وفي نفس الأخبار التي يجب التصديق بها" (٢).
ويقول ﵀: "وهؤلاء - يعني المرجئة - غلطوا من وجوه:
أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.
وليس الأمر كذلك، فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمه محمد، وأوجب على أمة محمد من الأيمان ما لم يوجبه على غيرهم.
والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن.
والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلا ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر مجملا، فإنه لابد من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول أو مات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث، وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة، فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر، ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
وأيضا لو قدر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول، وكل ما نهى عنه، وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل في الحج، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة. فصار ما يجب من الإيمان تصديقا وعملا على أشخاص ما لا يجب على آخرين" (٣).
وحاصل هذا الوجه أن تفاضل الناس فيما أمروا به يتنوع بحسب الأحوال التالية:
الأول: أن الإيمان الواجب على أتباع الأنبياء المتقدمين، ليس كالواجب على أمة محمد ﷺ .
الثاني: الإيمان الواجب قبل نزول القرآن، ليس كالإيمان الواجب بعد نزوله.
الثالث: الإيمان الواجب على من عرف الدين مفصلا، ليس كالإيمان الواجب على من عرفه مجملا.
الرابع: الإيمان الواجب على الملائكة، ليس كالإيمان الواجب على غيرهم، وما يجب على العلماء ليس كالذي يجب على غيرهم، وكذلك الأمراء، وكذا من وجبت عليه بعض الواجبات يلزمه معرفة أحكامها.
стр. 1236
الجهة الثانية: وقوع التفاضل من جهة فعل العبد. وكلام شيخ الإسلام في تقرير التفاضل في هذه الجهة كثير، حيث ذكر أن التفاضل في الإيمان من هذه الجهة يكون من وجوه متعددة، ذكر منها ثمانية وجوه (١)، وهذا تلخيص لها:
الوجه الأول: زيادة الأعمال الظاهرة ونقصانها. فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان (٢).
الوجه الثاني: زيادة أعمال القلوب ونقصها. فأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله ﷺ ، وخشية الله تعالى، وخوفه، ورجائه، وإخلاص الدين له، والتصديق بأخباره، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وسلامة القلوب من الرياء، والكبر، والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، كلها من الإيمان وهي مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلا عظيما (٣).ويقوى كذلك كلما ازداد العبد تدبر للقرآن، وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغالا به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب (٤).وقد جاء في الصحيحين عن النبي ص أنه قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوهله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) (٥).
وقال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ إلى قوله: َحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ [التوبة: ٢٤].وقال رسول الله ﷺ : ((والله إني لأخشاكم لله)) (٦)، وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده. ووالده، والناس أجمعين)) (٧)، وقال له عمر ((يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فلأنت أحب إلى من نفسي، قال: الآن يا عمر)) (٨).
وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية، وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥].
وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة.
стр. 1237
ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه؛ لما يجدون من ذلك في أنفسهم. ومن هذا قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]، وإنما زادهم طمأنينة وسكونا، وقال ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا)) (١).
الوجه الثالث: أن نفس التصديق والعلم الذي في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل.
فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار، والأمم، وصدقه في ذلك كله. وليس من التزم طاعته مجملا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به، كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه (٢).الوجه الرابع: أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، كما يتفاضل سائر صفات الحي، من القدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة، والسواد، والبياض، ونحو ذلك، وعامة الصفات التي يتصف بها الموصوفون تقبل التفاضل (٣).فالعلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه (٤).
وما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر. والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، ورضاه بمرضيه، وسخطه لمسخوطه، وإرادته لمراده، وكراهيته لمكروهه، ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا (٥).وأيضا فإن التصديق المستلزم عمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله وخشيته، والرغبة في الجنة والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول أكمل (٦).والمعرفة نفسها تختلف بالإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور، ومع الغفلة، فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، كالمجملة التي غفل عنها، وإذا حصل ما يريبه فيها ذكرها في قلبه ثم رغب إلى الله في كشف الريب (٧).
الوجه الخامس: أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها.
стр. 1238
فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، وتبين فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، بل من حصل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة منن تعارضه الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث. ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها، ليس كالعلم الذي هو حاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبه المعارضة له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت كان أوجب لكماله وقوته وتمامه (١).
الوجه السادس: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته، وذكره واستحضاره، كما يحصل النقص من جهة الغفلة عنه، والإعراض.
والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب هي صفات وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها.
والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحقيقه، والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون حال العالم بالشيء في ذكره له. قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: الإيمان يزيد وينقص، قالوا: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه (٢).
الوجه السابع: أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلا وتفاوتا من الإيمان. فكل ما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله، فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك (٣).الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه (٤).
وبمعرفة وقوع التفاضل من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد من خلال الوجوه السابقة يبطل بحمد الله أصل المرجئة أن الإيمان لا يتفاضل، والله تعالى أعلم.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٢٥
стр. 1239
المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه عند الجهمية
أن المرجئة على اختلاف فرقهم يمنعون الزيادة والنقصان في الإيمان، ولم تخرج الجهمية عن الضلال في هذه المسألة، سواء في منعهم تفاضل الإيمان، أو في منشأ الغلط. يقول شيخ الإسلام ﵀: "ووافقتهم - يعني الخوارج والمعتزلة -: المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض، ولا يتفاضل، فلا يزيد ولا ينقص، وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (١).
ويقول بعد كلام له عن المعرفة: "هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل، وأن الشيء لا يكون معلوما من وجه، مجهولا من وجه. وهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة، وهو قول الطائفة من أهل الحديث والفقهاء، من أصحاب أحمد وغيرهم، وقول كثير من أصحاب الأشعري، أو أكثرهم، وهو قول جهم بن صفوان، وكثير من المرجئة" (٢).فقول الجهمية كقول سائر المرجئة في منع الزيادة والنقصان في الإيمان، وأن وقوع التفاضل إنما هو في الأعمال فحسب، والأعمال ليست من الإيمان (٣).وشبهة الجهمية مبنية "على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم، وهو لم يتغير، وإنما نقصت شرائع الإسلام" (٤).
وهذا بناء على ظنهم أن الإيمان نوع واحد لا يقبل التعدد، ولا التفاضل.
وقد تقدم بحمد الله نقص دعوى أن الإيمان نوع واحد، وتقرير وقوع التفاضل من جهة أمر الرب تعالى، ومن جهة فعل العبد.
ويضاف هنا ما أورده شيخ الإسلام عما توهمه بعضهم من أن الإيمان من حيث هو نوع واحد لا يقبل التفاضل. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأما الجهمية فهو - يعني الإيمان - واحد عندهم، لا يقبل التعدد، فيثبتون واحدا لا حقيقة له" (٥).
ثم قال في إبطال ذلك:
"وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد، صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل.
فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان؟
فقلت له: قولك من حيث هو، كما يقول: الإنسان من حيث هو إنسان، والحيوان من حيث هو حيوان، والوجود من حيث هو وجود، والسواد من حيث هو سواد، وأمثال ذلك، لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات، فيثبت لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردا عن جميع القيود والصفات، وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما قائما بنفسه ولا بغيره، ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما، ويقول الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج، وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة، مثل تقدير صدور العالم عن صانعين، ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن.
فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد، وتقدير إنسان لا يكون موجودا ولا معدوما، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين، ولا ثم إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان، فكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له إيمان يخصه، فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو، ليست هي هي، وإذا اشتركوا في نوع الإنسانية، فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج، ويتشركان في أمر كلي مطلق يكون في الذهن.
стр. 1240
وكذلك إذا قيل إيمان زيد مثل إيمان عمرو، فإيمان كل واحد يخصه، فلو قدر أن الإيمان يتماثل، لكان لكل مؤمن إيمان يخصه، وذلك الإيمان مختص معين، ليس هو الإيمان من حيث هو هو، بل هو إيمان معين، وذلك الإيمان يقبل الزيادة.
والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقا، أو إنسانا مطلقا، أو وجودا مطلقا مجردا عن جميع الصفات المعينة له، ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس، وذلك لا يقبل التفاضل، ولا يقبل في نفسه التعدد، إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره.
ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص والعين"، ثم قال:"وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد، وأنه متماثل في بني آدم، غلطوا في كونه واحدا، وفي كونه متماثلا، كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل التوحيد والصفات والقرآن وغير ذلك" (١).
وخلاصة هذا الجواب أن تصور إيمان مطلق مجرد عن جميع القيود والصفات أمر ذهني لا حقيقة له في الخارج، والموجود في الخارج إنما هو إيمان مضاف للمؤمنين، فهو إيمان معين يقبل التفاضل.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٤١
стр. 1241
المبحث الخامس: زيادة الإيمان ونقصانه عند الكرامية
مما نبه شيخ الإسلام عليه حول مقالة الكرامية أنه ليس لهم قول انفردوا فيه في مسائل الإيمان إلا مذهبهم في مسماه.
يقول - رحمه الله تعالى -: "فلم يكن حدث في زمنهم - يعني السلف المتقدمين - من المرجئة من يقول: الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفة في القلب، فإن هذا إنما أحدثه ابن كرام. وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام، وأما سائر ما قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري ولا غيره ممن يحكي مقالات الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا، وأما سائر أقواله، فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه" (١).
وعلى هذا، فمذهب الكرامية في زيادة الإيمان ونقصانه هو مذهب المرجئة والجهمية، وهو منع وقوع الزيادة والنقصان فيه، وهذا جاء منصوصا عليه في قول شيخ الإسلام:"والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء" (٢).
وقوله: "وقابلتهم - يعني الخوارج والمعتزلة -: المرجئة، والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية، والكرامية، فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية.
والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد، يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة، والنبيين، والمقربين، والمقتصدين، والظالمين.
ثم قال فقهاء المرجئة، هو التصديق بالقلب، واللسان.
وقال أكثر متكلميهم: هو التصديق بالقلب.
وقال بعضهم: التصديق باللسان.
قالوا: لأنه لو دخلت فيه الواجبات العملية؛ لخرج منه من لم يأت بها، كما قالت الخوارج. ونكتة هؤلاء جميعهم: توهمهم أن من ترك بعض الإيمان، فقد تركه كله" (٣).
وفي معرض بيان وقوع التفاضل في الإيمان، وفي عامة الصفات التي يتصف بها الموصوفون، قال شيخ الإسلام بعد ذلك:
"وفي هذا كله نزاع:
فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل في هذه كله، كما يختار ذلك القاضي أبو بكر"، ثم قال:"وهؤلاء يقولون: التفاضل إنما هو في الأعمال، وأما الإيمان الذي في القلوب فلا يتفاضل" (٤).
وتقدم قوله بعد كلام له عن المعرفة: "هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل، وأن الشيء لا يكون معلوما من وجه، مجهولا من وجه. وهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة، وهو قول طائفة من أهل الحديث والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقول كثير من أصحاب الأشعري، أو أكثرهم، وهو قول جهم بن صفوان، وكثير من المرجئة" (٥).
فكما هو ظاهر مما تقدم مبلغ موافقة الأشاعرة لعامة المرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، والأصل الموجب لمنعهم ذلك، والقول بأن التفاضل إنما هو في الأعمال فقط.
وقد لاحظ بعض الأشاعرة أن من لوازم هذه المقالة الباطلة أن يكون إيمان الفاسقين كإيمان الطائعين، وعلى رأسهم الرسول ﷺ .
فأجاب بعضهم بأن فضل إيمان الرسول ﷺ على غيره إنما هو في دوام تصديقه واستمراره، وهذا لا يوجد لغيره.
قال شيخ الإسلام: "وعندهم - يعني الأشاعرة - الإيمان لا يتفاضل إلا بالدوام فقط.
قال أبو المعالي: (فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟
قلنا: إذا حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقا، كما لا يفضل علم علما.
стр. 1242
ومن حمله على الطاعة سرا وعلنا، وقد مال إليه القلانسي، فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا مما لا نؤثره).
فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه، كإيمان النبي ﷺ ؟
قلنا: النبي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاف الريب.
والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى، وهو متوال للنبي ﷺ ، ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي ﷺ أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل. قال: ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك كان مستقيما" (١).فالجويني أجاز الزيادة والنقصان في الإيمان، مؤولا ذلك باستمرار التصديق ودوامه للنبي ﷺ ، وبهذا فحسب فضل النبي ﷺ على غيره، فيكون التصديق في حق النبي ﷺ يتوالى ويتعاقب ولا يكون له فترة ولا شك، وأما التصديق في حق غير النبي ﷺ فإنه لا يتعاقب عليه مثل ما يتعاقب في حقه ﷺ ، بل يقع فيه فترة وغفلة (٢).
وقد علق شيخ الإسلام على مقالة الجويني بقوله:"قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة" (٣).
ومما ينبه عليه قبل ختم هذا المبحث أن إمام الفرقة أبا الحسن الأشعري قد رجع في مسألة تفاضل الإيمان إلى قول أهل الحق، فقال بزيادة الإيمان ونقصانه. فقد صرح ﵀ بأن "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" (٤).
وفي أثناء حكايته لمذهب أهل السنة والحديث في الاعتقاد ذكر مذهبهم في هذه المسألة، وأنهم يقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. قال بعد ذلك: "وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب" (٥).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٤٥
стр. 1243
المبحث السادس: زيادة الإيمان ونقصانه عند الخوارج والمعتزلة
لقد ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث أنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض. ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجاً من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافراً، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمناً ولا كافراً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعاً أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (١).قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقيناً أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء" (٢).وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقاً للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (٣).فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم - أي المرجئة بأقسامهم - ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه" (٤).وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجببين، قالوا فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها" (٥).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: أن الحقيقة الجامعة لأمور سواء كانت في الأعيان والأعراض. إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها.
الثاني: أن ما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابقة لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكثر ما يقولون زالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب كما يزوال اسم العشرة والسكنجبين.
стр. 1244
الثالث: أن كون الشيء المركب لم يبق على تركيبه بعد زوال شيء من أجزائه منه لا نزاع فيه بين العقلاء، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور والمشتملة على أجزاء أنه إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد أن الشجرة المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد أن الشجرة أو الدار إذا بعضها بقيت مجتمعة كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعاً، كما قال النبي ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ميجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء))، فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء، فدعواهم ِأنه إذا زال بعض المركب زال بعضه الآخر ليس بصواب، وإن كان يسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.
الرابع: أن المركبات في ذلك على وجهين:
أحدهما: ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الاسم عليه.
ثانيهما: ما لا يكون التركيب شرطاً في إطلاق الاسم عليه.
ومثال الأول: السكنجبين والعشرة، فإن هذا النوع يزول عنه اسمه عند زوال بعض أجزائه منه، ولا يطلق الاسم إلا على الهيئة المركبة مجتمعة.
ومثال الثاني: جميع المركبات المتشابهة الأجزاء، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك.
وكذلك لفظ العبادة والطاعة والخير والحسنة والإحسان والصدقة والعلم ونحو ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة يطلق الاسم على قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض الأجزاء، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمى قرآناً، وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال للقليل والكثير وكذلك لفظ الجبل والنهر والبحر والدار والقرية ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم بقا.
فإذا كانت المركبات على نوعين، بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم، أنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم.
الخامس: أن هذا القول مخالف لنصوص الوحي الدالة على أن للإيمان أجزاء وأبعاضاً. مثل قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١) ومن المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان، ومثل قوله ﷺ : ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان)) (٢) , فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة.
стр. 1245
السادس: أن ما يجب على العباد من شرائع وأحكام يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضاً. ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر. فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع كالإقرار بالخالق، وإخلاص الدين له والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال. فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى به من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات.
لكن بقي أن يقال: إن هذا البعض الآخر الزائل إما أن يكون شرطاً في ذلك البعض وقد لا يكون شرطاً فيه، فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو ببعض الرسل وكفر ببعضهم كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً في وجود الآخر ولا قبوله كفعل بعض الكبائر وترك بعض الواجبات فيما دون الكفر. وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر.
السابع: أن كون الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق وإيمان وبعض شعب الكفر دلت عليه نصوص صحيحة صريحة. كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (١).وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق)) (٢).وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (٣).وفي صحيح مسلم عن أبي هيريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)) (٤).وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ((ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)) (٥).
وغيرها من النصوص مما قد يطول ذكره.
الثامن: أن أجزاء الإيمان مختلفة متفاوتة، فمنها ما يزول الإيمان كلية بزوالها كفعل أمر كفري ناقض للإيمان، ومنها ما يزول كمال الإيمان الواجب بزوالها كفعل كبيرة من الكبائر، ومنها ما يزول كمال الإيمان المستحب بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق.
مثل الصلاة فإن فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمل الاستحباب، وفيه أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ماله أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو، وأمور ليست كذلك، فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعاً وطبعاً.
стр. 1246
التاسع: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف فإذا قوى ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله كما قال تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، وقال: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ [المجادلة: ٢٢].
وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فيكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ وأنزل الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم [الممتحنة: ١].وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك. فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، قالت عائشة وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، ولهذا الشبهة سمى عمر حاطباً منافقاً فقال: ((دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: إنه شهد بدراً)) (١) , فكان عمر متأولاً في تسميته منافقاً للشبهة التي فعلها.
وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق، تجادل عن المنافقين هو من هذا الباب، وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم: منافق، وغن كان قال ذلك لما ر أي فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين.
ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق. وبهذا يعلم فساد شبهتهم وزعمهم أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه كرقم عشرة إذا زال بعض أجزائه زال الاسم عنه، وأنه لا يجتمع في القلب إيمان ونفاق وإيمان وبعض شعب الكفر (٢).
ثم إنه مما تقدم تبين لنا أن قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان هو أنه لا يزيد ولا ينقص، فإما أن يوجد كاملاً أو يذهب كاملاً للأصل الفاسد الذي سبق مناقشته.
ولذا فإنهم يتأولون النصوص الواردة المصرحة بزيادة الإيمان على أن المراد بالزيادة فيها زيادة الألطاف أو الأدلة أو الثواب أو غير ذلك من التأويلات. ومن الأمثلة على هذا قول القاضي عبدالجبار المعتزلي عند قوله تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣]: "والمراد عندنا بذلك أنه زادهم لطفاً وأدلة على جهة التأكيد لكي يكونوا إلى الثبات على الإيمان أقرب" (٣).وقوله أيضاً "فأما قوله تعالى من قبل: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦] فقد بينا أنه لا ظاهر له، وأنه يتأول على زيادة الألطاف والأدلة والبيان، أو على الثواب العظيم" (٤).
стр. 1247
فمن هذين النقلين يظهر أن قولهم في الإيمان هو عدم قبوله للزيادة والنقصان، وما ورد من النصوص دالاً على ذلك متأول عندهم على الألطاف أو الأدلة أو الثواب أو غير ذلك. فهذا هو قول الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة كما هو ظاهر ولهذا لما ذكر القاضي أبو يعلى قول أهل السنة والجماعة في الإيمان وهو أنه يقبل الزيادة والنقصان قال: "وهو خلاف قول المعتزلة" (١).أما قول ابن حزم: "وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح، وأن كل طاعة وعمل خير فرضاً كان أو نافلة فهي إيمان، وكلما ازداد الإنسان خيراً زاد إيمانه، وكلما عصى نقص إيمانه" (٢).
فغير محرر، لما تقدم.
نعم قد جاء في بعض كتب المعتزلة التصريح بزيادة الإيمان ونقصانه، كما في متشابه القرآن للقاضي عبدالجبار عند كلامه على قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].قال: "يدل على أشياء .... ومنها: أنه يدل على أن الإيمان يزيد وينقص على ما نقوله؛ لأنه إذا كان عبارة عن هذه الأمور التي يختلف التعبد فيها على المكلفين فيكون اللازم لبعضهم أكثر مما يلزم الغير، فتجب صحة الزيادة والنقصان، وإنما كان يمتنع ذلك لو كان الإيمان خصلة واحدة، وهو القول باللسان، أو اعتقادات مخصوصة بالقلب" (٣).
وكما في كتابه المختص في أصول الدين، قال: (فإن قال أفتقولون في الإيمان إنه يزيد وينقص؟) قيل: نعم لأن الإيمان كل واجب يلزم المكلف القيام به، والواجب على بعض من المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه" (٤).
فتصريح هذا بزيادة الإيمان ونقصانه على هذا المعنى لا يعد في الحقيقة قولاً بزيادة الإيمان ونقصانه. وإنما هو من جنس تأويلاتهم المتقدمة، لحملهم الزيادة والنقصان هنا على الأمور التي يختلف التعبد فيها على المكلفين بأن يكون لازماً على بعض المكلفين من العبادات لا يكون لازماً على غيره، فلا عبرة إذن بالتصريح إذا كان المخبر هو التأويل والتعطيل.
ثم إنا قد علمنا في مبحث أوجه زيادة الإيمان أن الإيمان عند أهل السنة يزيد من جهتين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.
وكلام المعتزلة هنا الذي فيه التصريح بزيادة الإيمان هو من جهة أمر الرب، أما جهة فعل العبد فهي لا تقبل الزيادة والنقصان عندهم قطعاً لمناقضتها لأصلهم الفاسد.
المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٣١٧
стр. 1248
المبحث السابع: في ذكر أدلتهم وشبههم وبيان بطلانها
لقد تعلق أهل هذا القول بشبه نظرية وحجج عقلية، احتكموا إليها في هذه المسألة وردوا النزاع إليها، وهي في الحقيقة حجج إذا تدبرها العاقل بحق وجدها دعاوى لا تقوم على دليل، وحججاً لا تعتمد على برهان، وإنما تعتمد أولاً وآخراً على رأيهم القاصر، وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة العرب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم" (١).
قلت: ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام السالف يجد أنه ﵀ يحكي ترجمة حرفية لواقع أهل البدع في مجال الحجج والبراهين، ويكشف حال هؤلاء كشفاً دقيقاً، وهو واقع يشمل عامة أهل البدع بدون استثناء؛ لأن من جاء بباطل فليس في القرآن أو السنة ما يدل على باطله أو يؤيده، إذاً فلا حجة له رأيه السقيم وفهمه القاصر للغة.
وجميع ما وقفت عليه من حجج لهؤلاء في هذه المسألة لا يخرج عما ذكره شيخ الإسلام ﵀ غير أن بعضهم تكايس فأضاف في الاستدلال بعض ما وقف عليه من أحاديث موضوعة ترفع إلى النبي ﷺ كذباً وزوراً.
أما كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة فلا حجة لهم فيهما؛ لأنهما يدلان صراحة على زيادة الإيمان ونقصانه، فهم على هذا بين خيارين:
إما أن يدعوا قولهم ويتركوا رأيهم أتباعاً لما جاء في الكتاب والسنة، فيصيبوا الحق بهذا ويوافقوه، أو أن يعتمدوا على عقولهم ويستمسكوا برأيهم، فيفارقوا الحق ويجانبوه، ويكون بعدهم عن الحق بقدر بعدهم عما جاء في الكتاب والسنة.
وبهذا تعتبر في قلة أخطاء السلف الصالح وكثرة موافقتهم للحق والصواب في مسائل الشرع والدين، وكثرة أخطاء من بعدهم ممن لم يكن على نهجهم، لاعتصام السلف بالكتاب والسنة وتمسكهم بهما، ولاعتماد الخلف على العقول الكاسدة والآراء الفاسدة ولجوئهم إليها، وشتان بين الفريقين.
وبعد هذا التمهيد الذي لا بد منه، أعرض أهم شبه هؤلاء وأبرز دلائلهم في هذه المسألة، ثم أتبع كل شبهة بما يبين بطلانها ويكشف زيفها، مستمداً العون والتوفيق من الله وحده.
الشبهة الأولي:
وهي عمدة جميع من قال بهذا القول من مرجئة وخوارج ومعتزلة وغيرهم، وهي: قولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن الفرق بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة مع اتفاق الجميع على القول بهذه الشبهة، هو أن الخوارج والمعتزلة قالوا إن فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله، فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلاً بحال، ويكون يوم القيامة مخلداً في النار. وأما المرجئة، فقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان، لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال (٢).
стр. 1249
قلت: وقد سبق ذكر هذه الشبهة عند حكاية قول المعتزلة والخوارج، لاقتضاء المقام ذلك، وقد ذكر هناك أوجه عديدة وردود سديدة تكشف زيف هذه الشبهة وتبين بطلانها وفيه كفاية إن شاء الله.
الشبهة الثانية: قولهم إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان حتى إن من حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات وارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغيير فيه أصلاً (١).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أحدها: جعلهم الإيمان الشرعي هو التصديق القلبي فقط والعمل خارج عن مسماه قول باطل، وقد تقدم الكلام في بيان بطلانه ونقضه من خلال اللغة، والشرع في صرد هذه الرسالة. ثانيها: لو فرض أن الإيمان هو التصديق وحده، فإنه يكون تصديقاً مخصوصاً، بمعنى أنه يشمل تصديق القلب واللسان والجوارح، إذ إن أفعال الجوارح تسمى تصديقاً كما دل على ذلك الشرع، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ومدرك ذلك لا محالو، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)) (٢).وجاء عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال" (٣).فالعمل يصدق أن في القلب إيماناً، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيماناً؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وقد ذكر شيخ الإسلام أنه قال بهذا القول أي: أن أفعال الجوارح تسمى تصديقاً أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، وأطال في شرح ذلك وبيانه (٤).قال شيخ الإسلام: "واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق في القلب، والعمل يصدق القول ... " (٥).
فإذا علم هذا، وعلم معه أنه لا خلاف بين أهل السنة والمرجئة في أن الأعمال تتفاضل وتزيد وتنقص، تبين من ذلك وجه هذا الرد ووجاهته.
ثالثها: قولهم: "وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان" غير صحيح، بل باطل؛ لأن الزيادة والنقصان فيه متصورة عقلاً ثابتة شرعاً واقعة عرقاً؛ لأن كل مصدق بشيء يجد في نفسه تفاوتاً في التصديق من وقت لآخر بحسب تعدد الأدلة وقوة البراهين، وقد سبق الكلام على هذا والاحتجاج له في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه وبين هناك أن الإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة من جهة التصديق، وذكر ما يدل على ذلك من نصوص الشرع ومن أقوال أهل العلم. رابعها: أن محققي هؤلاء تعقبوا هذا القول، ونبهوا على غلطه وذلك للقطع عندهم بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ أو كتصديق جبريل ﵇ أو كتصديق الخلفاء الأربعة ﵃، وقد اختار هذا القول النووي (٦)، وعزاه التفتازاني لبعض المحققين (٧)، وقال الإيجي في المواقف إنه الحق وذكر أن ذلك يتبين من وجهين:
стр. 1250
الأول: القوة والضعف وعدم القول بالتفاوت يتقضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء، وهذا باطل إجماعاً. الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثبا عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص دالة على قبوله لهما (١).خامسها: أن يقال ما المانع من تفاوت التصديق وقبوله للزيادة والنقصان كما هو الشأن في تفاوت الناس في الأمور الأخرى غير التصديق، وقد نظر أهل العلم له بقوة البصر وضعفه، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الأخفش والأعشى ومن يرى الخط الثخين دون الرفيع إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة وآخر بضده" (٢).ومثل هذا التفاوت في الإبصار بين الناس التفاوت في التصديق بينهم، بل إن تفاوتهم في التصديق أعظم من تفاوتهم في أي شيء آخر (٣).سادسها: أن يقال لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة ﵈. واللازم باطل فكذا الملزوم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول عند ذكر قول محققي هؤلاء في هذه المسألة (٤).سابعها: أن يقال إن تفاوت التصديق في القلوب أمر يعلمه كل إنسان من نفسه فكل أحد يعلم أن ما قام في قلبه من التصديق واليقين في حين أقوى منه في بعض الأحيان، ومن ثم كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة وما قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس (٥).
وفي هذه الأوجه كفاية، وليطالع معها ما سبق ذكره في مبحث أوجه زيادة الإيمان ونقصانه من تدليل ونقول عن السلف في ذلك.
الشبهة الثالثة: قولهم إن الزيادة والنقصان لا يدخلان إلا في شيء مخلوق، فمن قال إن الإيمان يزيد وينقص فالإيمان إذاً عنده مخلوق (٦).والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: سبق بيان أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتفاضل من جهتين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، وسبق التدليل على ذلك (٧). ولم يقل أحد ممن يعتد بكلامه أو يعتبر بقوله إنه يلزم من إثبات الزيادة والنقصان أن يكون الإيمان مخلوقاً ولم يقل أحد إنه يلزم من ذلك أن يكون غير مخلوق، وإنما طرح هذا من ابتلي ببعض الأهواء وأشرب ببعض البدع، ومن السؤالات التي طرحها أهل البدع قديماً على السنة والجماعة قولهم هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ وأشفى جواب في ذلك وأوفاه هو ما نقل عن الإيمان أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك فأجاب بقوله: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق" (٨).
стр. 1251
فبالتفصيل يستبين السبيل، فإن الإيمان يقصد به أمران: أمر الرب وفعل العبد، فما كان منه من أمر الرب فهو غير مخلوق بل صفة من صفات الخالق اللائقة بجلاله وكماله سحبانه، وأما ما كان منه من فعل العبد كالحركات فهو مخلوق. قال شيخ الإسلام: "وإذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قي له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئاً من صفات الله وكلامه كقوله: "لا إله إلا الله" وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد وصفاتهم مخلوقة ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل" (١).وقال الذهبي: "لا يجوز أن يقال الإيمان والإقرار والقراءة والتلفظ بالقرآن غير مخلوق فإن الله خلق العباد وأعمالهم والإيمان قول وعمل والقراءة والتلفظ من كسب القاري، والمقروء الملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله داخلة في القرآن وما كان في القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا وأفعالنا مخلوقة" (٢).
وعليه من قال إن الإيمان مخلوق أو قال غير مخلوق فهو مبتدع في كلا الحالين، إلا أن يفصل القول، ويعطي كل ذي حق حقه.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "من قال الإيمان مخلوق فهو كافر ومن قال قديم فهو مبتدع".قال الحافظ عبدالغني المقدسي ﵀ موضحاً هذا القول: "وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تستمل على قراءة وتسبيح وذكر الله ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع" (٣).
قلت: وبهذا البيان والتفصيل تزول شبهة هذا الملبس والله المستعان.
الشبهة الرابعة: قولهم إن الإيمان إنما يزيد وبغلبته على ضده وينقص بغلبة ضده عليه، قولوا والإيمان لا يحصل إلا بعد الغلبة على الكفر فلا يضامه حتى يقال إنه يغلب عليه (٤).
قلت: وهذه الشبهة مبنية على أن الإيمان عندهم لا يجتمع مع شيء من الكفر أو النفاق في القلب الواحد، فإن وجد الإيمان فلا وجد لشيء من الكفر في القلب، وكذلك لا وجود لشيء من النفاق، ولهذا قالوا: هنا: إنه إنما يزيد بغلبته على ضده وهو الكفر وينقص بغلبة ضده - وهو الكفر - عليه، أما أن يضامه ويجتمعان فمحال. قال شيخ الإسلام: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم - أي المرجئة - في هذا إعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين، كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة" (٥).
يقصد بذلك إجماع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص ويقبل التفاضل ويتبعض كما هو ظاهر من دلالات النصوص.
стр. 1252
ولكن هؤلاء لما قالوا هذا القول المخالف للنص والإجماع، وتوهموا أن قولهم هذا مجمع عليه بين أهل العلم، وقعوا فيما وقعوا فيه من مخالفات لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا لغلط الذي وقعوا فيه هو في الحقيقة سبب غلطهم في كثير من مسائل الشرع والدين، "يقول الإنسان قولاً مخالفاً للنص والإجماع القديم حقيقة، ويكون معتقداً أنه متمسك بالنص والإجماع".
فإذا تبينت مخالفة هذا القول للنص والإجماع علم بطلانه، ثم إن قولهم إن الإيمان لا يجتمع معه شيء من الكفر أو شيء من النفاق غلط بين، ومخالف لكثير من النصوص الدالة على إمكان اجتماع شيء من الكفر أو النفاق مع الإيمان. قال شيخ الإسلام في كلام له: "وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذبك وإذا أئتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (١). وفي الصحيح عنه ﷺ قال: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق)) (٢) وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) (٣) وفي الصحيح عنه ﷺ قال: ((أربع من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة، والاستسقاء بالنجوم)) (٤) وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (٥) ... " (٦).
ثم أطال شيخ الإسلام ﵀ في الاحتجاج لذلك، بما لا يدع مجالاً لمنصف وناشد حق أن يتردد في إمكان اجتماع شيء من الكفر والنفاق مع الإيمان، فيكون بذلك مؤمناً ناقص الإيمان أو مؤمناً ضعيف الإيمان، فلا يقال إنه ذاهب الإيمان لوقوعه في بعض هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، ومن قال بخلاف ذلك فقد حكم على جميع الأمة إلا النزر القليل بالكفر لكثرة الكذب وإخلاف الوعد وضعف الأمانة ووجود السباب والفجور، والطعن في الأنساب والنياحة على الميت وغير ذلك من الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال المنصوص في الشرع على أنها كفر، فدل ذلك على أن هذه الأعمال وإن سماها المشارع كفراً فهي كفر عملي لا تخرج صاحبها من الملة، ودل أيضاً على إمكان وجود هذه الأمور المنصوص على أنها كفر في المسلمين، وبهذا تنتقض شبهة هؤلاء، والله أعلم.
ومما تنقض به هذه الشبهة قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦].
стр. 1253
فهؤلاء ليسوا مؤمنين كما أنهم ليسوا كفاراً، فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وبهذه الآية احتج أيوب السختياني لنقض قول المرجئة هذا. فقد روى ابن بطة بإسناده إلى سلام بن أبي مطيع قال شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان قال: وأيوب ساكت، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦]. أمؤمنون أم كفار؟ فسكت الرجلن فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي (١).
الشبهة الخامسة:
احتجاج بعضهم ببعض الأحاديث المذكوبة على رسول الله ﷺ والمحتجون بهذه الأحاديث صنفان:
الأول: واضعوا هذه الأحاديث فجميعهم من المرجئة كما سيأتي بيان ذلك، وقد وضعوها للاحتجاج بها على مذهبهم الباطل. الثاني: أناس آخرون من المرجئة ليس عندهم تمييز بين الصحيح والسقيم رأوا هذه الأحاديث واغتروا بها لموافقتها أهواءهم (٢).
وجملة ما وقفت عليه في هذا من أحاديث ستة أحاديث، ويفرغ من أمرها بمعرفة كذبها على النبي ﷺ واختلاقها عليه، وقد قمت بدراسة هذه الأحاديث ونقدها، وبينت أنها جميعها مكذوبة مفتراة على النبي ﷺ وذلك بالنقل عن أئمة هذا الشأن من علماء الجرح والتعديل.
ثم إني وجت أن جميع واضعي هذه الروايات والذين تولوا كبرها وتحملوا وزرها من المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد نص أهل العلم على أنهم من الكذبة، وستأتي تراجمهم وأقوال علماء الجرح والتعديل فيهم عند ذكر روايتهم، وقد أوغل هؤلاء في الضلال حينما تجرأوا على الكذب على رسول الله ﷺ دعماً لمذهبهم الباطل وتأييداً له، وتعرضوا بذلك لوعيد الله وأليم عقابه.
وقد قال تعالى عن الكذبة بعامة: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل: ١٠٥].وقال ﷺ عن عاقبة الكذب عليه بخاصة، وأنه ليس ككذب على أي أحد: ((إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار)) (٣).
ولا نقول إلا قاتل الله الهوى فكم فعل بأهله من الأفاعيل، وكم أدخلهم في مزالق ومعاطب مردية، حتى بلغ بهم على الكذب على خير الخلق ﵊ نصرة لباطلهم وترويجاً له. ثم إليك تلك الروايات مسوقة مع كلام أهل العلم عليها:
١ - حديث مأمون بن أحمد السلمي، قال حدثنا أحمد بن عبدالله الجويباري، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).
موضوع مأمون والجويباري كذابان.
стр. 1254
فمأمون: قال عنه أبو نعيم: "خبيث وضاع يأتي عن الثقات مثل هشام بن عمار ودحيم بالموضوعات، مثله يستحق من الله ومن الرسول ﷺ ومن المسلمين اللعنة".وقال ابن حبان: "كان دجالاً من الدجاجلة، ظاهر أحواله مذهب الكرامية ... " وقال الذهبي: "له طامات وفضائح" (١).وأحمد بن عبدالله الجويباري: قال عنه النسائي والدارقطني: "كذاب"، وقال الجوزجاني: "كان يضع الحديث، ما أدري حسب إيمانه"، وقال أبو حاتك: "دجال من الدجالين، كذاب يضع على الذين يروي عنهم ما لم يحدثوا به، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه"، وقال ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده"، وقال أبو سعيد النقاش: "لا نعرف أحداً أكثر وضعاً منه"، وقال الحاكم: "هذا كذاب خبيث لا تحلرواية حديثه بوجه"، وقال البيهقي: "أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله ﷺ ، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث"، وقال الذهبي: "كذاب ممن يضرب المثل بكذبه" (٢).فحديثهما موضوع بيقين، قال ابن الجوزي: "هذا من موضعات الجويباري والذي رواه عنه وهو مأمون فقد اسمه، وإنه احد الوضاعين، ذكر أنه وضع مائة ألف حديث" (٣).
وقد وضع مأمون هذا حديثاً في الإيمان فروى عن عبدالله بن مالك بن سليمان عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان قول والعمل شرائعه)).قال ابن حبان: "فمما وضع على الثقات أنه روى عن عبدالله بن مالك ... " فذكره (٤).وقال ابن الجوزي: "وهذا من موضوعات مأمون بلا شك، وقد ذكرنا أنه من الكذابين" (٥).
٢ - حديث محمد بن كرام، قال حدثنا أحمد بن عبدالله الشيباني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).
موضوع. محمد بن كرام: ساقط الحديث، وأحمد بن عبدالله الشيباني هو الجويباري كذاب خبيث تقدم ذكره. قال الحافظ بن عدي: "كان يضع الأحاديث لابن كرام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبدالله الشيباني" (٦).
стр. 1255
وقال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ ورفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)).فكتب محمد بن إسماعيل البخاري على ظهر كتابه: "من حدث هذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل" (١).وقال الجورقاني بعد أن ساق الحديث بإسناده: "هذا حديث موضوع باطل، وليس له أصل، وهو من موضوعات أحمد بن عبدالله الجويباري، وأحمد بن عبدالله هذا كان خبيثاً دجالاً من الدجاجلة، كذاباً، يوري عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف حديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه" (٢).
٣ - حديث أبي مطيع البلخي، قال حدثناه حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة: ((أن وفد ثقيف جاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه عن الإيمان هل يزيد وينقص؟ قال: لا، زيادته كفر ونقصانه شرك)).
موضوع. فيه أبو مطيع البلخي وأبو المهزم وكلاهما متروك والمتهم فيه هو أبو مطيع. أما الأول وهو أبو مطيع الحكم بن عبدالله البلخي فقد قال عنه أحمد: "لا ينبغي أن يروى عنه شيء"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه"، وقال البخاري: "ضعيف صاحب رأي"، وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها"، وقال أبو حاتم: "كان مرجئاً كذاباً"، وقال الفلاس والدراقطني: "ضعيف"، وقال الجورقاني: "كان أبو مطيع من رؤساء المرجئة ممن يضع الحديث" (٣).وأما الأخر: وهو أبو المهزم بتشديد الزاي المسكورة التميمي البصري فقد قال عنه ابن معين: "ضعيف"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال أبو زرعة: "ليس بقوي شعبة يوهنه"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث"، وقال النسائي: "متروك"، وقال مسلم بن إبراهيم عن شعبة: "رأيت أبا المهزم ولو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً"، وفي رواية عنه: "لوضع"، وقال علي بن الجنيد: "شبه المتروك"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه ينكر عندهم"، وقال ابن حجر: "متروك" (٤).
стр. 1256
وواضع الحديث هو أبو مطيع كما تقدم. قال الحاكم: "إسناده فيه ظلمات، والحديث باطل، والذي تولى كبره أبو مطيع" (١).وقال الجورقاني: "هذا حديث موضوع باطل لا أصل له، وهو من موضوعات أبي مطيع البلخي" (٢).وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع باطل بلا شك، وهو من وضع أبي مطيع" (٣).وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد" (٤).
٤ - حديث عثمان بن عبدالله الأموي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال:
((قدم وفد من ثقيف على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله جئناك نسألك عن الإيمان، أيزيد أو ينقص قال: الإيمان مثبت في القلوب كالجبال الرواسي وزيادته ونقصانه كفر)).
موضوع. فيه عثمان الأموي، وأبو المهزم.
أما أبو المهزم فتقدم ذكره. وأما عثمان بن عبدالله الأموي فقال عنه الأزدي: "لا يحتج بحديثه"، وقال ابن عدي: "حدث بمناكير عن الثقات وله أحاديث موضوعات"، وقال ابن حبان: "يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً"، وقال الدارقطني: "متروك الحديث"، وقال مرة: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات" (٥).
قلت: أما واضع هذا الحديث فهو أبو مطيع البلخي المتقدم في الحديث الذي قبله، فسرقه عثمان بن عبدالله هذا منه فحدث به. قال ابن حبان: "هذا شيء وضعه أبو مطيع البخي فسرقه هذا الشيخ وحدث عنه" (٦) وقال الجورقاني بعد أن روى الحديث: "هذا حدث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس هذا الحديث أصل من حديث رسول الله ﷺ ، وعثمان بن عبدالله هذا كذاب، فسرق هذا الحديث عن أبي مطيع البلخي، فواه عن حماد ابن سلمة، وهذا شيء وضعه أبو مطيع البلخي عن حماد بن سلمة" (٧).وقال ابن الجوزي: "وقد سرق هذا الحديث من أبي مطيع، أبو عمرو عثمان بن عبدالله بن عمرو ... وغير لفظه، فرواه عن حماد بن أبي المهزم عن أبي هريرة ... " ثم ساق لفظه (٨).وقال الذهبي: "فهذا وضعه أبو مطيع على حماد، فسرقه هذا الشيخ منه" (٩).
٥ - حديث محمد بن القاسم الطايكاني: عن عبدالعزيز بن خالد عن سفيان الثوري عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن، فارقوا دين الله، وانتحلوا الكفر، وخاصموا في الله، طهر الله الأرض منهم ألا ولا صلاة لهم، ألا ولا صوم لهم، ألا ولا زكاة لهم، ألا ولا حج لهم، ألا ولا بر لهم، هم براء من رسول الله ﷺ ، ورسول الله برئ منهم)).
стр. 1257
موضوع. فيه محمد بن القاسم الطايكاني كذاب وهو واضعه. قال ابن حبان: "روي عن أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب"، وقال الحاكم: "من رؤوس المرجئة يضع الحديث على مذهبهم"، وقال: "حدث بأحاديث موضوعة"، وكذا قال أبو نعيم، وقال الجورقاني: "كان يضع الحديث ويكذب"، وقال الذهبي: "كان يضع الحديث" (١).قال الجورقاني وقد روي الحديث: "هذا حديث موضوع، وهو من موضوعات محمدبن القاسم الطايكاني، ومحمد بن القاسم هذا كان كذاباً خبيثاً" (٢).وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضو، وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطايكاني" (٣).وقال السيوطي: "موضوع آفته الطايكاني، كذاب خبيث من المرجئة، كان يضع الحديث لمذهبه" (٤).
٦ - حديث محمد بن تميم السعدي الفريابي، من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .
((من قال الإيمان يزيد وينقص قد خرج من أمر الله، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب)).
موضوع. وآفته محمد بن تميم، وهو واضعه. قال فيه ابن حبان: "كان يضع الحديث"ن وقال الحاكم: "كذاب خبيث"، وقال النقاش: "وضع غير حديث"، وقال أبو نعيم: "كذاب وضاع" (٥).قال ابن الجوزي: "وضعه ابن تميم" (٦).وقال ابن عراق: "وهو من وضع محمد بن تميم" (٧).
قلت: فجميع الأحاديث المروية في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص باطلة موضوعة بلا ريب. ولهذا قعد ذلك ابن القيم في مناره المنيف، فقال: "وكل حديث فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق" (٨).
ويكفي في بطلان تلك الروايات مصادمتها الصريحة لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، فهي باطلة لا وجه لها من الصحة. ومع هذا فقد قال ملا علي القارئ بعد أن نقل هذه القاعدة عن ابن القيم: "ومعنى اللفظ الأول - أي: الإيمان لا يزيد ولا ينقص - صحيح عند المحققين من المتأخرين" (٩)!!
قلت: وأي صحة لما خالف وصادم نصوص الكتاب والسنة، فنصوص الكتاب والسنة صريحة بأنه يزيد وينقص، وهذه الأباطيل صريحة بأنه لا يزيد ولا ينقص، فهل من توفيق بين ضدين أو جمع بين نقيضين، لا ريب أن ذلك محال.
شتان بين الحالتين فإن ترد ... جمعاً فما الضدان يجتمعان
ثم إن من العجب حقاً أن يلتمس لتلك الأحاديث الأباطيل معنى من الصحة وقد افتراها أناس سمتهم الكذب وديدنهم الوضع على رسول الله ﷺ والإفتراء ليه، أو من كان كذلك يتطلب لأقواله وأحاديثه المفتراة معنى من الصحة!.
وقد أحسن عندما قيد تصحيح معناه بالمتأخرين، إذ إن المتقدمين من سلفنا الصالح أهل السنة والجماعة لا ريب عندهم في بطلان مثل هذا، ولهذا ضمنوا مؤلفاتهم في السنة باب زيادة الإيمان ونقصانه وأوردوا تحته الأدلة الكثيرة عليه، المبطلة لما خالفه، أما المتأخرون فلا عبرة بأقوالهم ولا اعتداد بها ما خالفت النص، وهؤلاء الذين وصفهم القارئ بالمحققين جاءوا بما ناقض التحقيق، بل والعقول الرزينة والفطر السليمة، وكيف يوصف ما جاء على الضدين تماماً لما في القرآن والسنة بأنه تحقيق؟ أما السلف الصالح أهل العلم والإيمان فعندهم أن هذا القول بدعة محدثة وليس من التحقيق في شيء كما سبق أن مر معنا في أقوال السلف، بل هو عندهم من الكذب والتلفيق؛ ولهذا يقول عبدالله بن إدريس: "كذاب من زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص" (١٠).
المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٣٧١
стр. 1258
المبحث الثامن: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، والرد عليهم
.... القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وجدوا أن هذه النصوص (النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه) تتعارض مع نتاج فكرهم وما توصلوا إليه بآرائهم فلم يجدوا بداً من تأويلها وصرفها عن ظاهرها الصريح إلى صنوف من التأويلات، وألوان عجيبة من التحريفات، حتى إن قارئ كتبهم والمطلع عليها ليلمس فيهم عند إيرادهم لنصوص الشرع أنهم إنما أوردوها ليشرعوا في ردها وتأويلها شروع من قصد ذلك أصلاً وابتداء وكيفما اتفق له ذلك الرد أو التأويل.
ولا ريب في فساد هذا المنهج وبطلانه وانحرافه وبعده عن الجادة السوية المرضية، بل إن معظم الفساد العقدي والإنحراف الديني الذي منيت به أكثر الفرق الإسلامية إنما كان بسبب ذلك وثمرة من ثمراته.
وما من شك أن هذا الباب لو فتح - أعني باب التأويل - لولج كل مبطل بباطله، وادعى أن نصوص الوحي تدل عليه، ثم تأول النصوص لتتفق مع هواه وباطله، وليس هذا مجرد تصور، بل إن هذا هو ما حصل فعلاً من عامة أهل العلم.
قال شيخ الإسلام: "وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولاً تناقض الحق. فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولاً تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به رسول الله ﷺ ، فقدموها على ما جاء به الرسول. ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل، وتارة يقولون: جاء بالتأويل، وتارة يقولون: جاء بالتجهيل" (١).
فهم لا يقبلون من نصوص الوحي ما خالف آرائهم وأصولهم وقواعدهم، بل ينصرفون إلى رده بأي وجه.
خلافاً لمنهج أهل الحق والسلامة والسنة والجماعة ﵏ ورضي عنهم أجمعين فإنهم كلهم متفقون على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة على كل حال، فكلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرفوها عن موضوعها تبديلاً، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدعفوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عضين.
فالواجب لزوم منهج أهل السنة والجماعة، والبعد عن هذه المناهج المنحرفة، وأن يكون الرد في موضع النزاع والخلاف إلى الكتاب والسنة، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيئاً من تلك التأويلات الفاسدة والآراء الباطلة، التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونخالات الأفكار وعصارات الآراء ووساوس الصدور. ومما يبين لنا فساد هذا المنهج أن نعلم أن كل فساد وخراب حل بالعالم إنما نشأ بسبب ذلك، بسبب تقديم الرأي على الوحي، والهوى على النقل، وما استحكم هذا الأمر في قلب أحد إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد (٢).
كل ذلك وغيره يقتضي فساد التأويل الذي هو مطية أهل البدع، والذي هو خلاله يتوصلون إلى تحقيق أهوائهم موهمين الأغمار والبسطاء أنهم يحتكمون إلى الكتاب والسنة، وما أبعدهم عنهما، وفيهم أناس مغرر بهم، غرهم بهرجة التأويل وحسن تزويقه، وهم قريبون إن وقفوا على الحق وصلحت النية، وفيهم آخرون دخلوا فيه عن حسن قصد وصلاح نية ولكن ليس كل من أراد الخير أصابه، والموفق من وفقه الله.
стр. 1259
وبعد، فإني ذاكر ما وقفت عليه من تأويلات للقائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص للنصوص المخالفة لقولهم، وهي عندهم تعد أجوبة على ما احتج به أهل السنة والجماعة على قولهم إن الإيمان يزيد وينقص، ثم اتبع ذكر ذلك بما يبين فساد تلك التأويلات، وإن كان فسادها معلوماً من خلال ما ذكر آنفاً في بيان فساد التأويل إجمالاً.١ - فمن أجوبتهم عن الآيات الدالة على زيادة الإيمان إدعاؤهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم كانت تأتيهم الفروض فرض بعد فرضاً، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص إلى أن تكاملت الفروض وكمل الدين، فكان الإيمان يزيد بزيادة المؤمن به. ثم لما كمل الشرع فلا مجال بعد ذلك لزيادة الإيمان إذ إن هذا لا يتصور في غير عصره ﷺ (١).
والجواب عن هذا أن يقال:
لا ريب في أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده وأمرهم به كان يزيد شيئا فشيئاً كما أن القرآن الكريم كان يزيد شيئاً فشيئاً إلى أن أتم الله الدين وأكمله وأنزل في بيان ذلك قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].
والإكمال الذي نص عليه في الآية عائد إلى الإيمان الذي هو أمر الرب حيث إنه سبحانه أمر عباده بالتوحيد ثم الصلاة ثم الصيام ثم الحج، فلم يكن سبحانه قد أنزل تشريعه على عباده جملة واحدة، وإنما أنزله عليهم شيئاً فشيئاً حتى تكامل التشريع.
وليس عائداً على أفعال المكلفين وقيامهم به إذ إن الآية ليس المراد بها أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك وقام به، وإنما المراد أن الله أكمل التشريع، فالإكمال المشار إليه في الآية عائد إلى المؤمن به.
ولا يلزم من كمال الدين وتمامه من جهة المؤمن به أن يكون الناس متساوين فيما أمروا به من الإيمان، كما فهمه هؤلاء، فإن هذا من أصول غلطهم، فإنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين. وغلطهم في هذا ظاهر، لأن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، وهم يتباينون فيه تبايناً عظيماً، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر. ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق والإقرار فإن الناس وإن كان يجب عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به، وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلاً، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به، فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فجيب عليه من العمل والإيمان ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلاً في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره (٢).
стр. 1260
فكيف يقال بعد هذا إن زيادة الإيمان غير متصورة ولا مجال لها بعد عصر رسول الله ﷺ ، فه الإيمان المأمور به من وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة كالإيمان المأمور به من لم يجب عليه الحج لعدم وجودها؟ وهل الإيمان المأمور به من وجبت عليه الزكاة لاكتمال النصاب، كالإيمان المأمور به من لم يكن عنده مال يبلغ النصاب؟ وهل الإيمان الواجب على من علم بتفاصيل الشريعة ودقائق مسائلها كإيمان من لم يبلغه من الأمر والنهي إلا الشيء اليسير؟ وهل إيمان من آمن بالرسول باطناً وظاهراً ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين كإيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها؟ لذا يقول شيخ الإسلام: "فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك" (١).
ولهذا فإن قولهم إن الزيادة غير ممكنة بعد اكتمال الشرع وغير متصورة بعد عصر النبي ﷺ متعقب بما تقدم، بل إن الفرهاري شارح العقائد مع أنه من القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه قد تعقب هذا القول ونبه على غلطه، حيث قال بعد أن حكاه:"وفيه نظر لأن الإطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي ﷺ فإن أحدنا لا يطلع على جميع الفرائض دفعة بل يطلع على بعضها فيؤمن به ثم على بعض آخر فيؤمن به، والإيمان يجب إجمالاً وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً" (٢).
٢ - ومن أجوبتهم قولهم: إن الإيمان له معنيان:
أحدهما: تصديق الجنان بما لابد من تصديقه وهو قوله ﷺ في جواب جبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ... " الحديث فمن أتى بهذا التصديق صدقاً من قلبه حرمه الله تعالى عن النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن زني وإن سرق وغن وإن أي: إن عمل الكبائر.
والمعنى الثاني: السكينة والطمأنينة التي تحصل للمقربين وهو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: ٩].وخلاصة هذا: أن الإيمان قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة وقد يطلق على الكامل المنجي بلا خلاف، فمن قال: لا يزيد ولا ينقص فمراده القدر الذي هو الأصل في النجاة، ومن قال يزيد وينقص أراد به الكامل (٣).قلت: لقد سأل رجل الحسن البصري ﵀ عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢] فوالله ما أدري أنا منهم أم لا" (٤).
فبين ﵀ أن للإيمان إطلاقين: أحدهما: أصل الإيمان الذي لا نجاة إلا بتحقيقه، والثاني كمال الإيمان الذي يحصل به النجاة المطلقة من نار جنهم والفوز بالدرجات العالية في الجنة.
стр. 1261
فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه، لكن لا يلزم منه أن يكون القسم الأول منه غير قابل للزيادة والنقصان؛ لأنه لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكته وكتبه ورسوله وفي غير ذلك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي ﷺ بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم.
ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء.
ومما يبين تناقضه أيضاً وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قول الإيمان للزيادة والنقصان. يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول المتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصاً، وهو وإن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن التعبير غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي" (١).
فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان" "زيادة الإيمان وأعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ"الكامل" لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحاً في نفس الأمر، والله المستعان.
٣ - ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال. وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت (٢).قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض (٣).
والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو: فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده على موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو به (٤).
بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.
стр. 1262
ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سواداً أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكوناً أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق. قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك .... فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر" (١).أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته" (٢).
فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علماً واعتقاداً وعملاً، كما في قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤].
أي زادتهم تصديقاً وإقراراً بما فيها ثم عملاً بذلك التصديق. قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقاً وإقراراً قيل: زادتهم إيماناً حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم ﷺ من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ... " (٣).
..... ثم أيضاً قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي ﷺ إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد. قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي ﷺ غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى" (٤).٤ - ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته (٥).
قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.
стр. 1263
وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة عليها هو الطاعة نفسها، بل كان عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها. ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان" (١).وقال أيضاً: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافاً للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافاً للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله تعالى وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقوله تعالى لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] .... " (٢).
وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص. وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتفضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه" (٣)، وكفى بذلك بياناً لقبح التأويل، ثم إنه ﵀ قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور آنفاً ولا سيما في المجلد الأول منه.
٥ - ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاً إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرام منه أدنى شيء بطل الإيمان ... والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضاً أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضاً في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعاً إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في التصديق من حيث الصورة (٤).
والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطئ وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكاً أو كفراً كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقاً دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفاً بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟
стр. 1264
أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه التي قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.٦ - ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهراً وباطناً، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن بجميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [الرعد: ٢٥]، وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق (١).
قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره.
وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) الحديث. ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله ﷺ ((يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان)) (٢) الحديث .....
وكذلك قوله: " ... فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان".فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو ما لا أجزاء له (٣)، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها.
وقائل هذا الكلام بني قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها.
وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق".
فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 1265
فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيماناً، وارتقى إلى أن يصبح إيماناً حقاً.
فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد رداً على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص، وبالله التوفيق.
وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثالث، وقد كان الحديث فيه عمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر شبههم ومواقفهم من نصوص الشرع المخالفة لقولهم مع الرد عليهم في ذلك.
والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن هذه الأفكار الباطلة، والأقوال الخاطئة، والتي منها الإرجاء وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تزال موروثة إلى يومنا هذا، فالأمر كما قيل: لكل قوم وارث، ولكل أرض حارث.
فليس الأمر كما يزعمه بعض الناس أنها أفكار ماتت بموت أهلها، وانقرضت بانقراضهم، ثم يجعل ذلك مدخلاً له ليتعرض على البحث فيها، وفي تخطئة من قال بها.
فالأمر ليس كما يزعمه هذا الزعم، والمهون بقوله هذا من شأن العقيدة ونشرها، والدفاع عنها، وتنقيتها من الأفكار الدخيلة، فإنه يوجد من المعاصرين من يقول بتلك الأقوال، ويدافع عنها، وينتصر لها، ويسعى على قدم وساق في بثها ونشرها في الأمة.
ولعلي أشير هنا إشارة سريعة إلى بعض من تأثر بهذه الأقوال من أهل عصرنا وانتصر لها، مع التنبيه على من رد عليهم إن وجد.
١ - فمن هؤلاء محمد أنور الكشميري الديوبندي المتوفى سنة ١٣٥٢هـ، صاحب كتاب (فيض الباري على صحيح البخاري)، وليت (صحيح البخاري) سلم من فيض هذا الكشميري، فقد شحن كتابه بالمغالطات المكشوفة، والإفتراءات الواضحة، والتأويلات البغيضة، والسباب لبعض أهل العلم، كل ذلك بعبارات مفككة، وأسلوب غث ضعيف. ومن مفضوح أكاذيبه وأوضح مغالطاته قوله عن الإمام المصلح، والداعية المجدد الشيخ محمد عبدالوهاب رحمه الله تعالى: "أما محمد بن عبدالوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه" (١).
قلت: ولا يقول هذا من يدري ما يقول، بل لا يقوله إلا حانق حاقد مريض القلب بالهوى.