← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه، لكن لا يلزم منه أن يكون القسم الأول منه غير قابل للزيادة والنقصان؛ لأنه لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكته وكتبه ورسوله وفي غير ذلك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي ﷺ بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم. ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء. ومما يبين تناقضه أيضاً وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قول الإيمان للزيادة والنقصان. يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول المتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصاً، وهو وإن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن التعبير غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي" (١). فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان" "زيادة الإيمان وأعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ"الكامل" لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحاً في نفس الأمر، والله المستعان. ٣ - ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال. وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت (٢).قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض (٣). والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو: فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده على موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو به (٤). بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.

стр. 1262

ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سواداً أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكوناً أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق. قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك .... فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر" (١).أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته" (٢). فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علماً واعتقاداً وعملاً، كما في قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤]. أي زادتهم تصديقاً وإقراراً بما فيها ثم عملاً بذلك التصديق. قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقاً وإقراراً قيل: زادتهم إيماناً حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم ﷺ من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ... " (٣). ..... ثم أيضاً قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي ﷺ إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد. قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي ﷺ غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى" (٤).٤ - ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته (٥). قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.

стр. 1263

وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة عليها هو الطاعة نفسها، بل كان عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها. ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان" (١).وقال أيضاً: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافاً للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافاً للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله تعالى وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقوله تعالى لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] .... " (٢). وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص. وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتفضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه" (٣)، وكفى بذلك بياناً لقبح التأويل، ثم إنه ﵀ قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور آنفاً ولا سيما في المجلد الأول منه. ٥ - ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاً إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرام منه أدنى شيء بطل الإيمان ... والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضاً أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضاً في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعاً إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في التصديق من حيث الصورة (٤). والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطئ وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكاً أو كفراً كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقاً دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفاً بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟

стр. 1264

أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه التي قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.٦ - ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهراً وباطناً، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن بجميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [الرعد: ٢٥]، وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق (١). قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره. وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) الحديث. ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله ﷺ ((يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان)) (٢) الحديث ..... وكذلك قوله: " ... فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان".فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو ما لا أجزاء له (٣)، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها. وقائل هذا الكلام بني قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها. وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق". فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 1265

فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيماناً، وارتقى إلى أن يصبح إيماناً حقاً. فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد رداً على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص، وبالله التوفيق. وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثالث، وقد كان الحديث فيه عمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر شبههم ومواقفهم من نصوص الشرع المخالفة لقولهم مع الرد عليهم في ذلك. والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن هذه الأفكار الباطلة، والأقوال الخاطئة، والتي منها الإرجاء وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تزال موروثة إلى يومنا هذا، فالأمر كما قيل: لكل قوم وارث، ولكل أرض حارث. فليس الأمر كما يزعمه بعض الناس أنها أفكار ماتت بموت أهلها، وانقرضت بانقراضهم، ثم يجعل ذلك مدخلاً له ليتعرض على البحث فيها، وفي تخطئة من قال بها. فالأمر ليس كما يزعمه هذا الزعم، والمهون بقوله هذا من شأن العقيدة ونشرها، والدفاع عنها، وتنقيتها من الأفكار الدخيلة، فإنه يوجد من المعاصرين من يقول بتلك الأقوال، ويدافع عنها، وينتصر لها، ويسعى على قدم وساق في بثها ونشرها في الأمة. ولعلي أشير هنا إشارة سريعة إلى بعض من تأثر بهذه الأقوال من أهل عصرنا وانتصر لها، مع التنبيه على من رد عليهم إن وجد. ١ - فمن هؤلاء محمد أنور الكشميري الديوبندي المتوفى سنة ١٣٥٢هـ، صاحب كتاب (فيض الباري على صحيح البخاري)، وليت (صحيح البخاري) سلم من فيض هذا الكشميري، فقد شحن كتابه بالمغالطات المكشوفة، والإفتراءات الواضحة، والتأويلات البغيضة، والسباب لبعض أهل العلم، كل ذلك بعبارات مفككة، وأسلوب غث ضعيف. ومن مفضوح أكاذيبه وأوضح مغالطاته قوله عن الإمام المصلح، والداعية المجدد الشيخ محمد عبدالوهاب رحمه الله تعالى: "أما محمد بن عبدالوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه" (١). قلت: ولا يقول هذا من يدري ما يقول، بل لا يقوله إلا حانق حاقد مريض القلب بالهوى.

стр. 1266

أما من عرف الشيخ وخبر سيرته وطالع مؤلفاته وتجنب الأهواء المضلة والدعايات الكاذبة لا يجد إلا سيرة عالم فذ، وإمام مجدد، ومصلح غيور، ولا تزال دعوته تؤتي أكلها - وإن رغمت أنوف - بحمد الله تعالى. وقول الكشميري عن الشيخ إنه يتسارع في التكفير كذب على الشيخ افتراء عليه تبرأ منه الشيخ نفسه، قال ﵀: "وأما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة. فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (١).ويقول حفيده الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن: "والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها" (٢).وقد أطال الكشميري في كتابه المتقدم الكلام على مسألة الإيمان على طريقة المرجئة، وقد قام بنقده والرد عليه الشيخ محمد أمين المصري في كتابه من هدي سورة الأنفال (٣)، والشيخ ابن عبدالحق النورفوري في كتابه إرشاد القارئ في الرد على كتاب فيض الباري، والكتاب لا يزال مخطوطاً، وهو مشتمل على ردود جيدة وتتبعات دقيقة، إلا أن مؤلفة لم يكمله بعد يسر الله له إكماله وطبعه. ٢ - ومنهم جهمي هذا العصر وحامل لواء التعطيل فيه محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١هـ في كتابه تأنيب الخطيب وفي غيره من كتبه، وأكاذيب هذا الرجل لم تعد تخفى على أحد، وسوآته الفكرية تمتلئ بها كتب السنة التي قام بإخراجها وتحقيقها. وقد شفى وكفى في الرد عليه وبيان كذبه ومغالطاته الشيخ العلامة ذهبي هذا العصر عبدالرحمن المعلمي في كتابه الفذ "التنكيل بما في كتاب الكوثري من الأباطيل" (٤). ٣ - ومنهم مريد الكوثري والمتهالك في حبه عبدالفتاح أبو غدة، ودور هذا المريد ظاهر في حرثه لأفكار شيخه والإشادة بها، ووصف كلام شيخه بأنه تحقيق متين، وإطارئه دائماً بالعلامة والمحقق والإمام وغير ذلك. ولنشر هنا إلى بعض كلام أبي غدة فيما يتعلق بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه ورأيه فيه. فقد نقل كعادته كلام شيخه محتفياً به رغم ما في كلام شيخه من ثلب للسلف بعامة، ولإمام المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبدالله البخاري بخاصة. واسمع ماذا نقل عن شيخه في الطعن بالإمام البخاري ﵀. قال - أي الكوثري -: "ومن الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عن النقاد، ولا التفات على المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين ... ".ومن شدة احتفاء هذا المريد بكلام شيخه المتقدم، رغم ما فيه من إساءات ومغالطات، فقد نقله في موضعين من مؤلفاته (٥) ثم وصفه بأنه بيان شافي!! قلت: ولننبه على بعض ما في هذا البيان الشافي من مغالطات:

стр. 1267

أولاً: في وصفه للإمام البخاري بأنه "يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث" إشارة إلى أنه ليس معدوداً عندهم كذلك ولا يقول هذا إلا مكابر ممرض، والبخاري ﵀ أمير المؤمنين في الحديث وإمامهم رغم بغض شانئيه، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ثانياً: وصفه للبخاري ﵀ بأنه "يتبجح" وقد جاء في تهذيب اللغة للأزهري في مادة "بجح" عن الليث وغيره: فلان يتبجح بفلان ويتمجح إذا كان يهذي به إعجاباً (١). قلت: فاختيار هذه الكلمة دون غيرها في وصف أمير المؤمنين في الحديث وقدوة الموحدين والمقدم على أضرابه وأقرانه يدل على قلة ورع قائله وسوء أدبه وبذائه أسلوبه وسلاطة لسانه مع العلماء وخاصة مع الأكابر منهم، وليس هذا بغريب من الكوثري فله قصب سبق في هذا المضمار، بل هو فارس هذا الميدان وحامل لوائه، وسبابه وشتائمه لأئمة الدين وهداة الإسلام لا تحصى إلا بكلفه، ومن ألقى نظرة عاجلة في بعض مؤلفاته أو تعليقاته علم ذلك. ثالثاً: اعتراضه على البخاري في قوله بأنه لم يخرج من صحيحه عمن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أنه أخرج فيه عن غلاة الخوارج ونحوهم. قلت: روى قول البخاري المتقدم عنه وراقه محمد بن أبي حاتم قال سمعته - أي البخاري - يقول دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثاً، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم. قال: وسمعته قبل موته بشهر يقول: كتبت عن ألف وثمانين رجلاً ليس فيهم غلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص (٢). قلت: وهذا الذي سماه الكوثري: "تبجحاً" يعد في معيار العدل والإنصاف ميزة ومنقبة لكتاب البخاري الصحيح؛ لأن عدم الرواية عن مثل هؤلاء وإن كانوا حفاظاً فيه إخماد لبدعتهم وإطفاء لنارها. قال بن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخماداً لبدعته وإطفاءاً لناره، وغن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره" (٣). إذن فماذا يضير البخاري ﵀ إن ترك الرواية عن مثل هؤلاء وتمدح بفعله هذا ليكون في عمله هذا إخماداً لهذه البدعة وعدم نشر لها ولا سيما وأن تخرج البخاري لأي راو في صحيحه مقتض لعدالته عنده، فإن ترك البخاري ﵀ الرواية عن مثل هؤلاء - على بحث عند أهل العلم في جواز الرواية عنهم أو عدم جوازها - سائغ لتيسر الرواية عنده عن غيرهم ممن شاركوهم في الرواية لتلك الأحاديث، وفارقوهم في عدم الابتداع، ولما في عمله هذا من مصلحة إخماد البدعة وعدم تقديم أهلها وإبرازهم. ولأمر آخر وهو أن أهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب أهواء" وأتباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، فلربما يكذب ويتجرأ على الكذب لينتصر لهواه - كما سبق أن مر معنا عن بعض هؤلاء - ولهذا المعنى قال علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي" قال المعلمي معلقاً عليه "يريد والله أعلم أنهم مظنه ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته" (٤).وأمر آخر أيضاً وهو أن البخاري ﵀ لم يخرج في صحيحه عمن كان داعية إلى بدعته، وإنما خرج عمن كان مستتراً بها غير مظهر لها، كما قال شيخ الإسلام ﵀: ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة" (٥).

стр. 1268

فترك البخاري الرواية عن أهل هذه البدعة لمثل هذه الأسباب المتقدمة يعد منقبة لصحيحه ﵀، وميزة له، وحق له أن يذكرها وإن كان في ذكره لها يقصد التأكيد على الحذر من أهل هذه الأهواء ومجانبتهم وعدم التلقي عنهم ليسلم للمرء دينه ومعتقده، فرحم الله البخاري على شدة تحريه وقوة حرصه على سلامة التوحيد والسنة، ولكن هذا كله يعد في ميزان الغوغانية مذمة له والله المستعان. رابعاً: قوله: "وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين ... ". قلت: وصنيع الكوثر هنا خداع عجيب ومكر مفضوح فهو يوهم القارئ أن البخاري ﵀ إنما اعتمد بقوله في زيادة الإيمان ونقصانه على هذا الحديث الضعيف الذي لا يثبت عند نقاد الحديث لكن البخاري - كما يرى هذا الزاعم - احتج به على قوله بل ولم يجد له حجة على قوله غيره. فيقال لهذا الكوثري المخادع: إنما أنت مفتر، فقد قرأت أدلة البخاري في كتابه الصحيح على هذه المسألة، نصوص بينة من كتاب الله، وأحاديث نيرة من كلام رسول الله ﷺ ساقها ﵀ مستدلاً بها على زيادة الإيمان ونقصانه قال ﵀: باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] وقال: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] وقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص. ثم ساق بسنده حديث أنس عن النبي ﷺ قال: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير - الحديث)) (١) ثم أشار إلى لفظة أخرى للحديث فيها "من إيمان" مكان "من خير". فهل البخاري ﵀ احتج على قوله بأن الإيمان يزيد وينقص بذلك الحديث كما يزعمه الكوثري، أو أنه استدل على قوله بهذه الآيات البينات والحديث الواضح. أقول: لا شك أن الكوثري كان يعلم بماذا احتج البخاري على مذهبه، وبماذا استدل على قوله، ولكن من دأب على المكر والتدليس والتلبيس على الأغمار من شانه أن يتجاهل تلك الاستدلالات، ويتغافل ويتعامى عنها، لينفذ بعد ذلك إلى ما يريد. وعلى كل فهذه التلبيسات المفضوحة والمغالطات المكشوفة سماها مريده أبو غدة بياناً شافياً، والأمر في الحقيقة لا يعدو كونه حباً مفرطاً في الشيخ وتعلقاً بأقواله وتعظيماً لها، لا أقل ولا أكثر، رغم أن تلك الأقوال لا تحمل علماً يذكر، فضلاً عما فيها من مغالطات وأكاذيب. ٤ - ومنهم الشيخ حسن أيوب وذلك في كتابه "تبسيط العقائد الإسلامية" فقد سلك فيه طريقة المرجئة في مسائل الإيمان، بالإضافة إلى ما فيه من انحرافات عقدية أخرى. وقد كتب الشيخ أبو تراب الظاهري في الرد عليه مقالاً نشر في جريدة المدينة (٢) بعنوان: "التحذير مما كتب الشيخ حسن أيوب في تبسيط العقائد الإسلامية". ذكر في أوله أنه اطلع على هذا الكتاب الذي شاع وانتشر بين الناس ثم قال: "فراعني فيه أشياء تمس العقيدة الصحيحة فتنحرف بها عن جادة الصواب والحق، وأشفقت أن يعتنقها الشباب في هذا العصر غضبة عقولهم فترسخ في أذهانهم فيتنكبوا السبيل الأقوم فبادرت إلى كتابه هذا الرد على ما كتبه الشيخ حسن أيوب ليتنبه له قراؤه ويلتزموا المسلك الصحيح وأول المآخذ على كتابه المذكور: أنه قرر مذهب المرجئة والجهمية في الإيمان، وصحح هذا المذهب ونسبه إلى الجمهور ... " ثم شرع في نقده والرد عليه. ٥ - ومنهم محمد إدريس الكاندهلوي كما في كتابه: "تحفة القارئ بحل مشكلات البخاري" وهو في كثير من المواضع فيه ينقل عن شيخه محمد أنور الكشميري، وقد تقدم الكلام على شيخه قريباً. هذا ولم أشأ الاستطراد بذكر جميع من وقفت على أنه قال بهذا القول من أهل عصرنا ولم أشأ كذلك تسمية المؤسسات العلمية القائمة عليه وإنما أردت فقط الإشارة إلى بعض الأفراد من القائلين بهذا القول، لأدل بهم على غيرهم، ولأنبه بهم على من سواهم، ولأبين كذب دعوى من قال إن هذه الأفكار قد ماتت ولم يبق منها شيء في زماننا. ثم إن هؤلاء الخالفين الذين أشرت إلى بعضهم لم يأتوا بجديد في مجال الاستدلال غير تكرار شبه من سبقهم، وإعادة ترديدها، وهذا يفيدنا أن الردود التي ذكرت سابقاً في الرد على أسلافهم كافية في الرد عليهم. المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٣٩٧

стр. 1269

المبحث التاسع: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألة بعد طول العرض لأقوال الناس في هذه المسألة من قائل بزيادة الإيمان ونقصانه إلى قائل بالزيادة دون النقصان على قائل بعدم الزيادة والنقصان قد ينقدح في ذهن القارئ تساؤل يطلب جوابه، وهو ما الذي أثار هذه القضية بين المسلمين، وجعلها تبحث هذا البحث، ويدور حولها هذا الجدل الطويل العريض بين متجاذبين منهم المحق ومنهم المبطل؟ أما كان الناس زمن الصحابة ﵃ يقرأون القرآن الكريم ويسمعون السنة النبوية ويعلمون منهما أن الإيمان يزيد وينقص، ويحس بذلك كل واحد منهم في نفسه وفي إخوانه وجلسائه، ولأجله كانوا يجلسون مجالس ذكر وإيمان يطلبون فيها زيادة الإيمان ويجانبون مجالس اللغو واللهو، ويحذرون منها خشية نقصان الإيمان، ولا يعرف في أزمانهم مخالف لهم في ذلك، بل إن ذلك يعد بمثابة الإجماع منهم. فما الذي جعل بعض من جاء بعدهم يتشكك في هذا الأمر، ويستريب منه، ويضع دونه شبهاً وأستفهامات؟ وما الذي جعل البعض يدعي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص رغم وضوح الأمر وبيانه وعدم خفائه حتى إنه ليقال فيه إنه أمر معلوم من الدين بالضرورة؟ وما الذي كان وراء نشوء هذه المسألة وحدوثها بعد أن لم تكن معروفة قبل؟ فهذا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون -، والجواب عنه أن يقال: الأمر كما ذكر لم يكن بين الصحابة ﵃ أي خلاف في هذا الأمر بل ولا في غيره من مسائل أصول الدين وأساسياته، وإنما الخلاف في ذلك نجم بعدهم، وذر قرنه في أواخر زمانهم، "والصحابة ﵃ كانوا أقل فتناً من سائر من بعدهم فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف، ولهذا لم تحدث في خلافه عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان بدعة الخوارج المكفرين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته أو نبوته أو إلاهيته. ثم لما كان في آخر عصر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبدالملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة، والمشبهة الممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك" (١).وهكذا بدأت الفتن تتابع، ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق ﷺ : ((وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة)) (٢). ولا شك أن وراء تلك الفتن أناس حاقدون على الإسلام وأهله يسوؤهم انتشار هذا الدين ويغيظهم كثرة أهله فجهدوا في إضرام تلك النار وتفانوا في إشعالها أمثال عبدالله بن سبأ اليهودي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان وغيرهم من رؤوس الضلال.

стр. 1270

فهذا سبب نشوء البدع بعموم، أما بدعة القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه خاصة فسبب نشأتها يرجع إلى بدعة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة والحكم بخلوده يوم القيامة في نار جهنم، فإن هذه البدعة جرت وراءها بدعاً، وبيان ذلك أن الخوارج لما قالوا ببدعتهم احتجوا لها بنصوص الوعيد والتهديد، وأهملوا ما يقابلها من نصوص الرجاء والثواب والمغفرة، فقابلتهم طائفة ببدعة أخرى فقالت: عن المعاصي ليس لها تأثير في الإيمان فالإيمان لا يضر معه ذنب كما أن الكفر لا ينفع معه طاعة، واحتجوا لقولهم هذا بنصوص الوعد والرجاء، وأهملوا نصوص الوعيد كلها فقابلوا بدعة الخوارج ببدعة مثلها. فجاءت المعتزلة وتوسطوا في الأمر حسب ظنهم فقالوا: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان لكنه لا يدخل في الكفر بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الكفر ومنزلة الإيمان في الدنيا فأحدثوا بذلك بدعة ثالثة مع موافقتهم للخوارج في الحكم عليه بالخلود في النار. فالمرجئة جعلوه في منزلة الإيمان الكامل، والخوارج جعلوه في منزلة الكفر الكامل والمعتزلة لم يجعلوه لا في الكفر ولا في الإيمان، فهذه ثلاث بدع. والحقيقة أن هذه البدع الثلاث عائدة إلى اعتقاد الجميع أي الخوارج والمعتزلة والمرجئة أنه لا يجتمع مع الإيمان شيء من شعب الكفر أو شعب النفاق فإن وجد شيء من ذلك انتفى الإيمان كله عند الجميع. قال شيخ الإسلام: "والأصل الذي منه نشأ النزاع اعتقاد من اعتقد أن من كان مؤماً لم يكن معه شيء من الكفر والنفاق، وظن بعضهم أن هذا إجماع كما ذكر الأشعري أن هذا إجماع فهذا كان أصل الإرجاء ... فلما كان هذا أصلهم صاروا حزبين. قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقيناً أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه لأن الإيمان لا يتبعض، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء .. إلى أن قال: فقالت الجهمية والمرجئة، قد علمنا أنه ليس يخلد في النار أي مرتكب الكبيرة - وأنه ليس كافراً مرتداً بل هو من المسلمين، وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤناً تام الإيمان، ليس معه بضع الإيمان لأن الإيمان عندهم لا يتبعض فاحتاجوا أن يجعلوا الإيمان شيئاً واحداً يشترك فيه جميع أهل القبلة" (١). أما كون الإيمان لا يجتمع معه شيء من شعب الكفر أو النفاق، فقد سبق أن أبطلته مستدلاً على إبطاله بنصوص كثيرة، وكذلك جعل بطلانه. وأما عن موقف أهل السنة والجماعة من هذه المواقف الثلاثة أي من موقف الخوارج والمعتزلة، والمرجئة فيتلخص في: "أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام.

стр. 1271

ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إلى أن قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨]، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بينهما. على أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠]. ومتفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة، من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة. وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة، تبين لك فساد القولين. ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى" (١). وكذلك نستفيد منه فائدة أخرى، وهي وضوح وسطية أهل السنة والجماعة الحقة بين الإفراط والتفريط، وذلك في جمعهم بين النصوص وتأليفهم بينها. وخلاصة قول أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة أنه يعد مؤمناً ناقص الإيمان، أو مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم بكيرته (٢). ثم إن المرجئة والخوارج والمعتزلة يستدلون بنصوص ظاهرها أن المؤمنين لا يعذبون، ويستدل المعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمناً، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرها أن ارتكاب بعض الكبائر كفر. وأهل السنة يجيبون عن الأولين، بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي الإيمان لا زواله، ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من الإيمان (٣). فهذا تلخيص موجز لأصل نشوء الخلاف في هذه المسألة، وسبب حدوثه، ومن المعلوم أن البدع تتوالد، وأن بعضها ينشأ من بعض، ومن يطالع كتب المقالات والفرق يعلم ذلك. ولنشوء البدع عموماً ثلاثة أسباب بها أختم هذا المبحث: أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم، فيفتي بغير علم فيضل ويضل. والثاني: أتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الإفتقار إليها والتعويل عليها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم. ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك. والثالث: التصميم على أتباع العوائد، وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق. ذكر هذه الأسباب الشاطبي في كتابه "الاعتصام" مفصلة ثم قال: "وهذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد وهو: الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم، ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله ﷺ وصفهم بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يعني - والله أعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم" (٤). فالجهل بدين الله، وعدم البصيرة فيهن وترك التفقه في الكتاب والسنة، وعدم التعويل عليهما، والرجوع إليهما في مسائل الدين، أصل كل ضلال، وجميع ما مر بنا من بدع وأخطاء ومخالفات في مسائل الإيمان، وكذلك ما لم يمر فيه وفي غيره، مرجعه الرئيس وأساسه الأول، هو هذا. وما أجمل ما كان يردده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مناسبات عديدة إذ يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" (٥). وفقنا الله للتمسك بكتاب والاعتصام بسنة نبيه محمد ﷺ ، وحمانا بمنه وكرمه من البدع والأهواء المضلة. المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٤٢٧

стр. 1272

المبحث العاشر: في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أم لا ؟ ذهب جماعة من المتكلمين منهم الرازي والجويني وغيرهما إلى أن الخلاف في مسالة زيادة الإيمان ونقصانه عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان، أي أن من قال إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل فالإيمان عنده يزيد وينقص باعتبار زيادة الأعمال ونقصانها، ومن أخرج العمل من مسمى الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص لعدم إمكان حصول الزيادة والنقصان في التصديق لما يقتضيه في رأيهم من الشك والريب (١).قال الجويني: "فمن أطلق اسم الإيمان على الطاعات كلها يقول على مساق أصله يزيد الإيمان بزيادة الطاعات وينقص بنقصها، ومن قال الإيمان هو التصديق فمن علم وعرف حقاً فلم يتفاوت التصديق بالأعمال زادت أو نقصت" (٢).وقال البيهقي في باب "القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم" من شعبه: "وهذا يتفرع على قولنا في الطاعات أنها إيمان، وهو أنها إذا كانت إيماناً كان تكاملها تكامل الإيمان وتناقصها تناقص الإيمان، وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم كما هم يتفاضلون في أعمالهم" (٣).وقال الإيجي: "قال الإمام الرازي وكثير من المتكلمين: هو فرع تفسير الإيمان، فإن قلنا هو التصديق فلا يقبلها لأن الواجب هو اليقين وأنه لا يقبل التفاوت لأن التفاوت إنما هو لإحتمال النقيض وهو لو بأبعد وجه ينافي اليقين، وإن قلنا هو الأعمال فيقبلهما وهو ظاهر" (٤). وجميع هؤلاء بنوا قولهم المذكور على أصل فاسد عندهم وهو أن التصديق لا يقبل الزيادة أو النقصان، وقد سبق أن رددت هذا القول وبينت فساده بالنقل عن العلماء المحققين في ذلك، بما لا يدع مجالاً للتردد في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يقتضي ذلك شكاً أو ريباً في الإيمان. لكن أضيف إلى ما تقدم أمرين: الأول: ما ذكره السفاريني حول هذه المسألة على الخصوص حيث قال:"هل قبول الإيمان للزيادة والنقص مختص بقول السلف ومن تبعهم إن الإيمان تدخل فيه الأعمال .. أو يعم القول بأن الإيمان التصديق أيضاً؟ الحق كما قاله النووي وجماعة محققون من علماء الكلام أن الزيادة والنقصان تدخل الإيمان ولو قلنا: إنه التصديق والإذعان لأن التصديق القلبي يزيد وينقص أيضاً بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك ... وما اعترض عليه به من أنه متى قبل ذلك كان شكاً، فمدفوع بأن مراتب اليقين متفاوته إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، مع أنها لا شك معها ... " (٥). ثم ذكر بعض النصوص المؤيدة لذلك. الثاني: ما ذكره الألوسي بعد أن أشار إلى القول المتقدم حيث قال:

стр. 1273

"واعترض على هذا بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده، أما أولاً فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً، وأما ثانياً فلأن أحداً لا يستكمل الإيمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتقاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، ونحن إنما نقول: إنها شرط كمال فيه، فلا يلزم عند الانتفاء الكمال، وهو غير قادح في أصل الإيمان" (١). قلت: وإنما سقت الاعتراض مع الجواب عنه ليعلم فقط، لا لكونه متوجهاً. ثم قال الألوسي: "والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه فما المانع من تفاوته قوة وضعفاً كما في التصديق بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثير ... " (٢). وقال: "قال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام: إن التصديق القلبي يزيد وينقص أيضاً بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل واحد يعلم أ، ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. واعترض بأنه متى قبل ذلك كان شكاً، ودفع بأن مراتب اليقين متفاوته إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين، مع أنها لا شك معها، وممن وافق النووي على ما جزم به السعد في القسم الثاني من تهذيبه" (٣). قلت: وبهذا يعلم فساد حمل القول بزيادة الإيمان ونقصانه على القول بإدخال العمل في مسمى الإيمان، لكن أزيد الأمر بياناً وتأكيداً فأقول: إن القول بأن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه عائد إلى تعريف الإيمان متعقب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: هو أن السلف وقد قالوا بدخول العمل في مسمى الإيمان لا يرون أن الزيادة والنقصان فيه متعلقة بالأعمال فقط، وإنما هو يزيد وينقص عندهم باعتبارات معتددة وبأوجه مختلفة سبق ذكرها والتدليل عليها في مبحث مستقل. فعلى هذا فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه عند السلف ليس مبنياً على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان. الثاني: أن بعض من اعتبر أن الإيمان هو التصديق فقط والعمل خارج من مسماه، يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه لكونهم يرون أن التصديق يزيد وينقص، وقد سبقت الإشارة إلى بعضهم. وعليه أيضاً فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تعلق له عندهم في دخول العمل في مسمى الإيمان. الثالث: أن الخوارج والمعتزلة وقد قالوا بدخول العمل في مسمى الإيمان يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أن الأعمال داخلة فيه، كما سبق ذكر مذهبهم. فلا تأثير إذن لدخول الأعمال في مسمى الإيمان عندهم على زيادة الإيمان ونقصانه. بقي أن يقال إن المرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق وحده، أو هو التصديق والقول، والعمل خارج من مسماه، والقائلين بأن التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان مطلقاً، قد رأوا أن الأعمال تزيد وتنقص وتتفاضل لكنها خارجة عن مسماه عندهم، فتوهموا أن من أدخل العمل في مسماه قال بزيادة الإيمان ونقصانه لذلك، وأن من أخرج العمل من مسماه قال بأنه لا يزيد ولا ينقص، وعليه رأوا أن الخلاف في المسألة يرجع إلى الخلاف في تعريف الإيمان ومن ثم أيضاً رأوا أن الخلاف في المسألة لفظي، فكل ذلك نتج بسبب ذاك التوهم ولقد انطبق عليهم في هذا قول القائل: "أناس مضوا تحت التوهم ظنوا أن الحق معهم وكان الحق وراءهم" (٤)!!. المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٤٣٥

стр. 1274

المبحث الحادي عشر: في الكلام عن الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو حقيقي ؟ كأن معالم هذا الموضوع والقول الفصل فيه بان واتضح في عطف المبحث السابق، لكن ذلك لا يمنع من أن نفرده هنا ليأخذ نصيبه من البحث والتجلية، وبخاصة أنني قد وقفت على كم هائل من أقوال للمتكلمين يزعمون فيها أن الخلاف في هذه المسألة لفظي وليس حقيقياً، وصوري وليس جوهرياً (١). وهذا القول منهم مبني على وهمهم السابق الذي تقدم التنبيه عليه وعلى غلطه. ولا أطيل بالنقل عن كل من وقفت على أنه قال بذلك، وإنما اكتفي بالإشارة على بعضهم فقط ولا سيما وأن دعوى الجميع واحدة وشبهتهم متكررة وهي: إعادتهم الخلاف في المسألة إلى الخلاف في تعريف الإيمان. قال الكستلي في حاشيته على النسفية: "ولهذا ذهب الإمام الرازي وكثير من المتكلمين إلى أن هذا النزاع لفظي، راجع على تفسير الإيمان وهو التحقيق الذي يجب أن يعول عليه" (٢).وقال الفرهاري في النبراس شرح العقائد: "وملخص كلامهم أن النزاع لفظي لأنه فرع تفسير الإيمان، فإن قلنا الإيمان هو التصديق فلا يقبل التفاوت إنما هو في الظن، وإن قلنا الأعمال داخلة فيه فهو يقبله" (٣).وقال كمال بن أبي شريف: "فلا خلاف في المعنى بين القائلين بقبوله الزيادة والنقصان والنافين لذلك" (٤).وقال الزبيدي في الإتحاف: "وجدت بخط بعض المحصلين ما نصه: قال الإمام البحث في زيادة الإيمان ونقصانه لفظي لأنه إن كان المراد بالإيمان التصديق فلا يقبلهما، وغن كان الطاعات فيقبلهما، فالطاعات مكملة للتصديق، فكلما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل وهو المقرون بالعمل" (٥). فهكذا يزعم جميع هؤلاء وغيرهم أن الخلاف في المسألة لفظي، وإنني لأستاءل كيف يكون لفظياً وهو يناقض القرآن والسنة، ويخالفهما تماماً، وهو على الضد تماماً لما جاء فيهما، حتى أوقع أهله في مصادمات صريحة ومعارضات واضحة لنصوص الوحي المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه، مما أداهم إلى التكلف في تأويلها وصرفها عن ظاهرها، وعدم التسليم لها، كما سبق تفصيله وبيان ما ترتب عليه من فساد وشر في مبحث مستقل، فلو كان كما يقولون إنه لفظي فما الداعي إلى تلك التأويلات المتكلفة والتعسفات الواضحة في حمل النصوص على غير ظواهرها، أفلا أراحوا المسلمين من ذاك الغثاء إن كان الخلاف لفظياً؟ بل كيف يكون لفيظاً والقولان متضادان تماماً ومتغايران، أحدهما ينفي، والآخر يثبت في شيء واحد فهل من جمع بين ضدين أو تأليف بين نقيضين، فلو قال أحد - على سبيل المثال - عن شيء هو موجود، وقال غيره هو غير موجود، هل يمكن أن يقال إن خلافهما لفظي، إلا بتفلسفات متعسفة أو منطقيات متكلفة، ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 1275

وكيف يكون الخلاف لفظياً وقولهم هذا يؤدي إلى إضعاف الإيمان، وعدم الاكتراث بأموره، والتهوين من شأن زيادته وقوته، فإن العلماء إذا قالوا للناس إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأهله متساوون فيه، وإيمان جبريل والأنبياء وإيمان أفجر الناس واحد، ولا تفاضل بين الناس في الإيمان فهل ينتظر بعد ذلك من الناس الإقبال على أمور الإيمان ومتطلباته علماً وعملاً، لا إخال ذلك يحصل البتة. ولهذا يقول المعلمي رحمه الله تعالى في رده على الكوثري: "وهذا القول - أي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من الإيمان - قد كان أبو حنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري إنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان عمل، ولا غرض في النظر في هذا وتتبع الروايات. بل أقول: تلك الموافقة التي يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة، أما من لم يعرف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح، وأما من عرف يكفي لإنكار القول أنه مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يتقدي بأبي حنيفة ولا يعلم قوله أن أهل المعاصي يعذبون فيغتر بذلك، وقد يبلغ بعضهم قولاه معاً فلا يلتفتون إلى الثاني بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب، وقد دلت النصوص على أن المؤمنين لا يعذبون؟! ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، يقول أحدهم لم أعذب نفسي في الدنيا بما لا يزيد في إيماني شيئاً، حسبي أن إيماني مساو لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين، قائلين: أعظم ما عندهم الإيمان، وأفجر الفجار مساو لهم فيه! وإذا كان أبو حنيفة كما يقول الكوثري يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعض الناس فيقول: إذا كنت لا أصير مؤمناً إلا بأن يكون يقيني مساوياً ليقين جبريل ومحمد ﵉ فهذا ما لا يكون، ففيم إذا أعذب نفسي بالأعمال فأجمع عليها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟! وبعد فيكفي مبرراً لإنكار ذاك القول مخالفته للنصوص الشرعية" (١). قلت: وليتأمل كلامه ﵀ فهو يدل على علم جم، وفهم ثاقب، ومعالجات حكيمة، أسكن الله قائله فراديس جناته. ولهذا صرح بعض محققي هؤلاء بأن الخلاف في المسألة جوهري وليس لفظياً، كما سبق النقل عن بعضهم في ذلك، مثل النووي والألوسي وغيرهما، حتى إن الألوسي ﵀ قال: "والحق أن الخلاف حقيقي، وأن التصديق يقبل التفاوت ... وما على إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه، للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالإتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام" (٢). ثم كيف يكون الخلاف لفظياً وقد كفر بعض هؤلاء من قال إن الإيمان يزيد وينقص وبدعوه، وحرموا تزويجه، وتجرأوا بذلك على صدر هذه الأمة من صحابة وتابعين الخيار العدول، فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه قولهم، والكتاب والسنة هو مستندهم فيه، فهل يجرؤ على تبديع هؤلاء فضلاً عن تكفيرهم إلا من سفه نفسه وحكم بغيهاظ؟! ولئن عد الخلاف مع بعض هؤلاء لفظياً - تجوزاص - لخفه غلطهم عن غيرهم ممن زاد في الغلو وأوغل في الضلال، فإنه لا يعد كذلك بأي حال من الأحوال ولا أي وجه من الوجوه مع أولئك الذين أوغلوا في الضلال فكفروا من قال إن الإيمان يزيد وينقص وبدعوه، وكذبوا في ذلك أحاديث على رسول الله ﷺ ، وتقحموا أموراً عظاماً، ورزاياً جساماً، وهم كثر.

стр. 1276

فإن البون بين هؤلاء وبين أهل السنة شاسع، والهوة عميقة، ولا مهاودة في الأمر، إلا أن يخوضوا في حديث غيره، ويعيدوا الأمر على نصابه. وتأكيداً لما أقرره هنا من أن الخلاف في المسالة جوهري حقيقي وليس لفظياً صورياً، أذكر نقلين مهمين عن عالمين جليلين، من فحول علماء عصرنا، هما سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، حفظهما الله وأمد في عمرهما على طاعته. قال الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله معلقاً على قول الطحاوي: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان"."هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت، وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظياً، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان" (١). وقال الشيخ الألباني حفظه الله معلقاً على الموضع نفسه: "قلت: هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأئمة كمالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالإركان وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياً كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى, بحجة أنهم جميعاً اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء الله عفا عنه، فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحاً، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلكن وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها، ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراص، بل باطلاً، ذكر الشارح نموذجاً منها.

стр. 1277

بل حكى عن أبي المعين النفسي أنه طعن في صحة حديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة" .. مع احتجاج كل أئمة الحديث به ومنهم البخاري ومسلم في "صحيحهما"! وهو مخرج في "الصحيحة" "١٧٦٩" وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم! ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صورياً، وهم يجيزون لأفجر واحد نهم ان يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام! كيف وهم بناءاً على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاسقاً فاجراً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول أنا مؤمن حقاً! والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤]. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً [النساء: ١٢٢] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبي قائلاً ... لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ " (١). وبهذا التحقيق الجيد، يعلم أن الخلاف في المسألة حقيقي جوهري، وبخاصة أنه قد أدى إلى ما أدى إليه ما انحراف ظاهر وضلال بين، وصار ذريعة إلى بدع أهل الكلام وإلى ظهور الفسق والغلط، في جوانب عديدة. قال شيخ الإسلام: "فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله ولا سيما وقد صار ذلك الخلاف ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق" (٢).ولهذا فإن سلفنا الصالح اشتد نكيرهم على هذا القول من أول حدوثه، رغم خفته عما هو عليه الآن، فلما قال به حماد بن أبي سليمان وهو أول من قال به، ثم تبعه عليه من تبعه من أهل الكوفة وغيرهم، أنكر عليهم السلف أشد الإنكار وأغلظوا القول فيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: "ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحداً منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيراً لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطاً عظيماً والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء" (٣).ومرادي من هذا النقل التدليل على أن السلف الصالح اشتد نكيرهم وأغلظوا القول فيمن قال بالإرجاء، ولهذا سمى أبو عبيد القاسم بن سلام من قال بأن الإيمان يزيد وينقص - وعدد الذين ذكرهم جاوز المائة والثلاثين رجلاً - ومرادهم بذلك إظهار المخالفة لمن قال بعدم الزيادة والنقصان "ذكر من الكوفيين من ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم؛ لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولاً فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان، فاحتاج علماؤها أن يظهروا انكار ذلك، فكثر منهم من قال ذلك" (٤).

стр. 1278

ومثل هذا ما رواه اللالكائي بإسناده عن يعقوب بن سفيان: أنه قال: "الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة". ثم سمى اثنين وثلاثين رجلاً منهم ثم قال: "كلهم يقولون: الإيمان القول والعمل، ويطعنون على المرجئة وينكرون قولهم". فإذا كان إنكار السلف لهذا الأمر بهذه الشدة والكثرة، فهل يقال بعد ذلك إن هذا القول من بدع الألفاظ ومن المخالفات اللفظية فحسب، مع العلم أن النزاع في الأمور اللفظية ليس من دأب المحصلين فضلاً عن هؤلاء الجهابذة والأئمة من السلف الأولين. وهل يكون هذا القول من بدع الألفاظ، رغم أن السلف أنكروه بتلك الشدة وامتلأت كتب السنة بالنقول الكثيرة عنهم وهم يصرحون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، حتى إنه ليحصى عدد من قال ذلك بالألوف، مظهرين بذلك النكير على من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فهل كل ذلك الإنكار، وكل تلك الشدة لأمر يعد من بدع الألفاظ. وعليه فإني أقطع بلا تردد بأن هذا القول بدعة محدثة، والبدع كلها ضلال، وأقطع بأن من خالف في ذلك فقد خالف في أمر جوهري أساسي، ينكر عليه، ولا يتهاود معه، حتى يعود إلى الحق والصواب، وهذا من النصيحة له، حتى تبقى رابطة الأخوة الإيمانية وعلائق المحبة الصادقة، المبنية على طاعة الله تعالى، وأتباع رسوله ﷺ . وبهذه المناسبة أقول: إني لأعجب كثيراً من الناس في زماننا هذا تصدوا للدعوة إلى الله، وبذلوا جهودهم وأوقاتهم لها، يقفون من أمور العقيدة ومسائلها مواقف مخذولة، فيميعون مسائلها ويهونون من شأن المخالفة فيها، ويعدون المخالفين لأهل السنة في أمور من صلب الاعتقاد وجوهره، مخالفين في أمور شكلية لفظية، طالما أنهم يشهدون بكلمة التوحيد ويقرون بالرسالة في الجملة بغض النظر عن التفاصيل. وليس هذا فحسب بل يقررون في ذلك قواعد كلية يبنون عليها مناهجهم ويحتكمون إليها في أمورهم، وأيم الله إنها لقواعد جائزة ما أنزل الله بها من سلطان، ومن هذه القواعد تلك القاعدة المشهورة، والتي تبنتها جماعة كبيرة متصدية للدعوة في عصرنا الحاضر، تلكم القاعدة هي قولهم: "نجتمع فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلف فيه". والحق يقال: إن هذه القاعدة تحمل في طياتها خطراً عظيماً، وضرراً جسماً ينبغي الحذر والتحذير منه، حيث أنها تعني السكوت عن أهل البدع والأهواء، وعدم مصارمتهم ومعاداتهم وبغضهم، بل تعني أنهم يحبون ويوالون ويجالسون ويعاملون معاملة أهل السنة سواء، فمواضع الخلاف بيننا وبينهم نعذرهم فيها على حد تعبير هذه القاعدة، ومن ثم لا نعلن النكير عليهم ولا ننبه المسلمين على خطرهم وضررهم. وعندئذ لا تسأل عن نشاط أهل البدع في نشر بدعهم وترويج باطلهم، إذ الطريق أمامهم سالكة، فليس هناك من ينكر أو يعكر عليهم نشاطهم، فينشرون باطلهم ويسعون في الأرض بالفساد، بكل راحة نفس وطمأنينة قلب، ونفوس أهل هذه القاعدة المنشرحة لهم فيقابلون هؤلاء بطلاقة الوجه، ورحابة الصدر، وحسن المعاملة، ثم يزعمون أن فعلهم هذا من الحكمة في الدعوة إلى الله!! "ومعاذ الله أن تكون الدعوة على سنن الإسلام مظلة يدخل تحتها أي من أهل البدع والأهواء، فيغض النظر عن بدعهم وأهوائهم على حساب الدعوة" (١). والحق أن هؤلاء مكر الشيطان بهم بخفاء، ودبر أمرهم بدهاء، فأوقعهم في الإساءة من حيث أرادوا الإحسان، قال ابن القيم ﵀ بعد أن بين أن هذا مدخل من مداخل الشيطان على أهل السنة والإيمان:" .... ومن ههنا وصى أطباء القلوب الإعراض عن أهل البدع، وأن لا يسلم عليهم، ولا يريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض" (٢). ثم إنه نتيجة لحكمة هؤلاء المزعومة، أطل أهل الأهواء برؤوسهم، وشمخوا بأنوفهم، وصاروا يمكرون بالسنة وأهلها علناً وجهراً، من بعد ما كانوا يكيدون لها في السر والخفاء، مع الخوف والوجل، فكل هذا وغيره إنما حصل بسبب مثل هذه المواقف المخذولة، والآراء المهزوزة والله وحده المستعان. المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص ٤٤١

стр. 1279

المبحث الأول: الاستثناء في الإيمان عند مرجئة الفقهاء اختلفت مذاهب الناس في الاستثناء في الإيمان، وقد حكاها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: "وصار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال: قول: أنه يجب الاستثناء، ومن لم يستثن كان مبتدعا. وقول: أن الاستثناء محظور، فإنه يتقضي الشك في الإيمان. والقول الثالث - أوسطها وأعدلها -: أنه يجوز الاستثناء باعتبار، وتركه باعتبار" (١). ومرجئة الفقهاء من القائلين بتحريم الاستثناء في الإيمان، فلا يجوز عندهم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وما شابه ذلك من الألفاظ الدالة على تعليق الإيمان بالمشيئة. يقول شيخ الإسلام: "وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه، تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء" (٢).ويقول: "وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء في الإيمان" (٣). وأما حجتهم على ما ذهبوا إليه في الاستثناء، فذكرها شيخ الإسلام متبعا لها بالجواب والرد، وهذا عرض لذلك: أولاً: قالوا: إن الإيمان هو الإيمان الموجود فينا، ونحن نقطع بأنا مصدقون، فالاستثناء شك (٤).وهذه حجة مشتركة بين المانعين للاستثناء من المرجئة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله يقينا، وهذا مستند من قال: أنا مؤمن حقا، فإنه أراد بذلك ما يعلمه من نفسه من التصديق الجازم" (٥).ويقول: "وقالت المرجئة، والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه - يعني الإيمان -، بل هو شك" (٦). والجواب عن هذا بأن المستثنى لم يرد وقوعه على أصل الإيمان، ولا على ما يجب الجزم به، ثم لو أراد وقوعه على ما يجب الجزم به لجاز له ذلك، وقد تقدم بحمد الله تحرير ذلك. وقد نبه شيخ الإسلام على أن جزم المرجئة في الإيمان مبني على كونهم يرون أن الإيمان شيء متماثل في جميع أهله، مثل كون كل إنسان له رأس، فيقول: أحدهم: أنا مؤمن حقا، وأنا مؤمن عند الله، ونحو ذلك. ومن جزم بالإيمان على هذا الوجه، فقد أخرج الأعمال الباطنة والظاهرة عن الإيمان، وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة والتابعين، ومن اتبعهم من سائر المسلمين (٧). ثانيا: قالوا إن الإيمان إذا علق بالشرط فإنه كسائر المعلقات لا يحصل إلا عند حصول الشرط، والإيمان قد حصل، فلا حاجة لتعليقه بشرط المشيئة. وقالوا: لأن الاستثناء عقب الكلام يرفع الكلام، فكذلك الاستثناء عقب الإيمان يرفع الإيمان (٨). وهذه الشبهة تكلم عليها شيخ الإسلام ﵀ بكلام مطول هذا ملخصه: قال ﵀: "وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء في الإيمان، بكون الأعمال منه، ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم، بل يكتفون بالإيمان. وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على الشرط؛ لأن المعلق على الشرط لا يوجد إلا عند وجوده، كما قالوا في قوله: أنت طالق إن شاء الله. فإذا علق الإيمان بالشرط، كسائر المعلقات بالشرط، لا يحصل إلا عند حصول الشرط.

стр. 1280

قالوا: وشرط المشيئة الذي يترجاه القائل لا يتحقق حصوله إلى يوم القيامة، فإذا علق العزم بالفعل على التصديق والإقرار، فقد ظهرت المشيئة، وصح العقد، فلا معنى للاستثناء. ولأن الاستثناء عقيب الكلام يرفع الكلام، فلا يبقى الإقرار بالإيمان والعقد مؤمنا، وربما يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على الإيمان بقاء التصديق، وذلك يزيله. قلت: فتعليلهم في المسألة إنما يتوجه فيمن يعلق إنشاء الإيمان على المشيئة، كالذي يريد الدخول في الإسلام، فيقال له: آمن، فيقول: أنا أؤمن إن شاء الله، أو: آمنت إن شاء الله، أو: أسلمت إن شاء الله، أو: أشهد إن شاء الله أن لا إله إلا الله، وأشهد إن شاء الله أن محمدا رسول الله. والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء، وإنما كان استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان"، ثم ذكر ﵀ دوافع الاستثناء عند من استثنى، وتقدم بيانها، ثم قال: "وأما الإنشاء فلم يستثن فيه أحد، ولا شرع الاستثناء فيه، بل كل من آمن وأسلم، آمن وأسلم جزما بلا تعليق. فتبين أن النزاع في المسألة قد يكون لفظيا، فإن الذي حرمه هؤلاء، غير الذي استحسنه وأمر به أولئك"، ثم قال شيخ الإسلام: "وما أعرف أحدا أنشأ الإيمان، فعلقه على المشيئة، فإذا علقه: فإن كان مقصوده أنا مؤمن إن شاء الله: أنا أؤمن بعد ذلك، فهذا لم يصر مؤمنا. مثل الذي يقال له: هل تصير من أهل دين الإسلام؟ فقال: أصير إن شاء الله، فهذا لم يسلم، بل هو باق على الكفر. وإن كان قصده: أني قد آمنت، وإيماني بمشيئة الله، صار مؤمنا. لكن إطلاق اللفظ يحتمل هذا وهذا، فلا يجوز إطلاق مثل هذا اللفظ في الإنشاء. وأيضا، فإن الأصل أنه إنما يعلق بالمشيئة ما كان مستقبلا، فأما الماضي، والحاضر، فلا يعلق بالمشيئة. والذين استثنوا لم يستثنوا في الإنشاء كما تقدم، كيف، وقد أمروا أن يقولوا: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]، فأخبر أنهم آمنوا، فوقع الإيمان منهم قطعا بلا استثناء. وعلى كل أحد أن يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا، كما أمر الله بلا استثناء، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ما استثنى قط أحد من السلف في مثل هذا. وإنما الكلام إذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن، كما يخبر عن نفسه بأنه بر، تقي". ثم ذكر ﵀ أن هذا أحد مآخذ السلف في الاستثناء، وذكر المآخذ الأخرى لهم، ثم ختم جوابه بقوله:"والمقصود هنا أن النزاع في هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس المنازعة في كثير من الأحكام، وكلهم من أهل الإيمان والقرآن" (١).

стр. 1281

ثالثاً: مما احتج به مانعوا الاستثناء حديث الحارث بن مالك، وحديث الوفد، وما روي عن صاحب معاذ بن جبل. فأما حديث الحارث بن مالك ﵁، ففيه أن النبي ﷺ قال له: ((كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال ﷺ : انظر ما تقول، إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك، قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزا، أو كأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها. قال ﷺ : أبصرت، فالزم، عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه)) (١).وأما حديث الوفد الذين قاموا على النبي ﷺ ، ففيه أنهم قالوا: نحن المؤمنون، قال ﷺ : ((فما علامة إيمانكم)) (٢)، ثم ذكر الحديث. وأما أثر صاحب معاذ، وهو ابن عميرة الزبيدي، فملخصه أنه لما حضرت معاذا ﵁ الوفاة أوصى صاحبه هذا بالأخذ عن ابن مسعود، وبالحذر من زلة العالم، فلما مات معاذ ذهب صاحبه إلى ابن مسعود، فنودي بالصلاة فقال صاحب معاذ: قوموا إلى هذه الدعوة، حق لكل مؤمن سمعه أن يجيبه، فقال له أصحاب عبدالله: وإنك لمؤمن؟ قال: نعم، إني لمؤمن، فتغامزوا به، فلما خرج ابن مسعود، قيل له ذلك، فقال لابن عميرة مثل قولهم، فنكس ابن عميرة رأسه وبكى، وقال: رحم الله معاذا. فأخبر به ابن مسعود، فقال له: إنك لمؤمن؟ قال: نعم، قال: فتقول: إنك من أهل الجنة؟ قال ابن عميرة: رحم الله معاذا، فإنه أوصاني أن أحذر زلة العالم، والأخذ بحكم المنافق، قال: فهل من زلة رأيت؟ قال: نشدتك بالله، أليس النبي ﷺ كان والناس يومئذ على ثلاث فرق: مؤمن في السر والعلانية، وكافر في السر والعلانية، ومنافق في السر ومؤمن في العلانية، فمن أي الثلاث أنت؟ قال: أما أنا فإذا ناشدتني بالله، فإني مؤمن في السر والعلانية، قال: فلم لمتني حيث قلت إني مؤمن؟ قال: أجل هذه زلتي، فادفنوها علي، فرحم الله معاذا. فالمانعون للاستثناء ظنوا أن هذه الأخبار تدل على ما ذهبوا إليه (٣)، وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك وجهين: الوجه الأول: عدم ثبوت الأخبار. الوجه الثاني: أنها لو صحت، فيحمل القطع بالإيمان فيها على أصله لا كماله، ونحو ذلك من الآخذ المسوغة للقطع بالإيمان. يقول شيخ الإسلام مبينا هذين الوجهين: "وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن، فيصح إذا عني أصل الإيمان دون كماله، والدخول فيه دون تمامه. كما يقول: أنا حاج وصائم لمن شرع في ذلك، وكما يطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا. فإن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة. وعلى هذا يخرج ما روي عن صاحب معاذ بن جبل، وما روي في حديث الحارث الذي قال: أنا مؤمن حقا، وفي حديث الوفد الذي قالوا: نحن المؤمنون حقا. وإن كان في الإسنادين نظرا" (٤). وبخصوص أثر معاذ، فإن الإمام أحمد ضعفه، وأنكر رجوع ابن مسعود ﵁ عن الاستثناء. فإن عبدالله بن مسعود وأصحابه كانوا يستثنون، ولما قيل لابن مسعود (إن قوما يقولون: إنا مؤمنون؟ قال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة؟ وفي رواية: قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن؟ قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم. فقال له عبدالله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية)؟ (٥) المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٥٩

стр. 1282

المبحث الثاني: الاستثناء في الإيمان عند الجهمية منعت الجهمية الاستثناء في الإيمان، بحجة أن الاستثناء شك، والواجب في الإيمان القطع، وأن من يستثني هم الشكاكة. يقول شيخ الإسلام: "وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين - وهذا أصح الأقوال -. فالذين يحرمونه هم: المرجئة: والجهمية، ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، ونحو ذلك مما في قلبه. فيقول أحدهم: أنا أعمل أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب رسول الله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن، كقولي أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلم بها، وأقطع بها. وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك، فيقول: فعلته إن شاء الله. قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فهو، وسموهم الشكاكة" (١). وما تقدم يبين أن مأخذ المانعين للاستثناء من الجهمية وغيرهم هو وقع الاستثناء على جهة معينة، وهي ما يتيقنه الإنسان في قلبه من الإيمان، وطروء الشك على اليقين ينافيه، فيكون كفرا، فيحرم حينئذ الاستثناء. وقد مر في كلام شيخ الإسلام أهمية معرفة مآخذ الاستثناء في الإيمان؛ إذ بها تنجلي حقيقة الخلاف في هذه المسألة، وأنه يكاد يكون لفظيا؛ فالذي حرمه فريق، غير الذي استحسنه الفريق الآخر. وقد نبه شيخ الإسلام قد الله روحه إلى ما وراء ذلك، مما يتخذه أهل البدع وسيلة لمقاصدهم الفاسدة. فمثلا هنا عند المانعين للاستثناء في الإيمان؛ لعلة أنه شك فيما يجب فيه اليقين بزعمهم، صاروا يوردون هذا السؤال: أمؤمن أنت؟ فيظن الظان أن مقصدهم دفع الشك، وحقيقة الأمر أنه لتقرير مذهبهم في أن الاستثناء في الإيمان شك، والواجب فيه القطع، وتجاهلوا المآخذ الأخرى المجبرة للاستثناء. ولذا نجد أن أئمة السلف منعوا هذا السؤال، وعدوه بدعة (٢)، وكرهوا الجواب عليه، أو فصلوا في الجواب. يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه: "وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟، ويكرهون الجواب. لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة؛ ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق؛ لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به. فلما علم السلف مقصدهم صاروا يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب" (٣). المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٦٩

стр. 1283

المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان عند الكرامية يقول شيخ الإسلام عن مذهب الكرامية في الاستثناء في الإيمان:"والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون: هو مؤمن حقا لمن أظهر الإيمان" (١). وهذا إنما هو في الإيمان الحال، وأما في المستقبل، فإنهم يستثون فيه، فقد نقل شيخ الإسلام عن أبي القاسم الأنصاري الأشعري قوله: "ومن أصحابنا من لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمان حقيقيا في الحال، وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه. وهذا مذهب المعتزلة، والكرامية" (٢). وعلى هذا، فمقالة الكرامية في الاستثناء هي أنهم يمنعونه في الحال، ويبيحونه في المآل. وهم بهذا يوافقون الفريق الثاني من الأشاعرة، الذين يوقعون الاستثناء على المستقبل لا الحال، وهو مذهب سيأتي شرحه في المبحث القادم بإذن الله تعالى. وهذا كله امتداد لما قرره شيخ الإسلام من أن الكرامية ليس لهم مذهب انفردوا به في مسائل الإيمان سوى مذهبهم في حقيقته ومسماه. المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٧٣

стр. 1284

المبحث الرابع: الاستثناء في الإيمان عند الأشاعرة الأشاعرة في مسألة الاستثناء في الإيمان موافقون أهل السنة من جهة، ومخالفون لهم من جهة أخرى. أما جهة الموافقة فهي أنهم يقولون بالاستثناء، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله".ثم علق على هذا الموقف من الأشعري بقوله: "وهو دائما ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم، فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم، فيقع في التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء" (١).وهذا هو وجه مخالفة الأشاعرة لأهل السنة في مسألة الاستثناء، وهي أنهم بنوه على مأخذ مخالف لمآخذ السلف، إذ بنوه على مسألة الموافاة، وهي ما مات عليه العبد، ووافى ربه به (٢).يقول شيخ الإسلام: "وأما الأشعري، فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنهم يوافقون جهما في قوله في الإيمان، وأنه مجرد تصديق القلب أو معرفة القلب، لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة" (٣).ويقول: "فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم؛ لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل" (٤).والأشاعرة لما قالوا بالموافاة (٥) انقسموا إلى فريقين: الفريق الأول: جعلوا الموافاة شرطا في صحة الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدا به عند الله تعالى، ومن ثم يوجبون الاستثناء في الحال. وإلى هذا ذهب الأشعري، وهو اختيار ابن فورك (٦)، ونسبه الأنصاري إلى سلف أصحاب الحديث، والأكثرين (٧). وقد نقل شيخ الإسلام عن الأنصاري قوله: "وقد ذكرنا اختلافهم - يعني أصحابه الأشاعرة - في الموافاة، وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدا عند الله به وفي حكمه. فمن قال إن ذلك شرط فيه يستثنون في الإطلاق في الحال، لا أنهم يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة، لكنهم يقولون لا يدري أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال هل هو معتد به عند الله، على معنى أنا ننتفع به في العاقبة، ونجتني من ثماره. فإذا قيل لهم: أمؤمنون أنتم حقا؟ أو تقولون: إن شاء الله؟ أو تقولون: نرجو؟

стр. 1285

فيقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، يعنون بهذا الاستثناء تفويض الأمر في (المستقبل) والعاقبة إلى الله ، وإنما يكون الإيمان إيمانا معتدا به في حكم الله إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة، وإذا كان صاحبه والعياذ بالله في حكم الله من الأشقياء، يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال عارية. قال - يعني الأنصاري -: ولا فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب بين أن يقول: أنا مؤمن من أهل الجنة قطعا، وبين أن يقول: أنا مؤمن حقا" (١). ثم ذكر الأنصاري أن من ذهب إلى هذا القول "يتمسك بأشياء منها أن يقال: إن الإيمان عبادة العمر، وهو كطاعة واحدة، فيتوقف صحة أولها على سلامة آخرها، كما تقول في الصلاة والصيام والحج. (وقد قال ابن مسعود: لو قلت إني مؤمن حقا، لقلت إني من أهل الجنة حقا). قالوا: ولا شك أنه لا يسمى في الحال وليا، ولا سعيدا، ولا مرضيا عند الله. وكذلك الكافر لا يسمى في الحال عدوا لله، ولا شقيا، إلا على معنى أنه تجري عليه أحكام الأعداء في الحال؛ لإظهاره من نفسه علامتهم" (٢). وقال شيخ الإسلام: "والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب. وصاحب هذا هو عند الله كافر؛ لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر. وهذا المأخذ هو مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود، وإنما يشك في المستقبل" (٣). الفريق الثاني من الأشاعرة: لم يجعل الموافاة شرطا في كون الإيمان إيمانا حقيقيا في الحال، بل شرطا في استحقاق الثواب عليه، وعلى هذا فهم يستثنون في المآل لا الحال. وإلى هذا ذهب كثير من الأشاعرة، وخالفوا شيخهم الأشعري في هذه المسألة (٤)، وممن قال بهذا القول الباقلاني، والجويني، وأبو إسحاق الاسفراييني، يقول الأنصاري: "ومن أصحابنا من لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمانا حقيقيا في الحال، وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه. وهذا مذهب المعتزلة، والكرامية، وهو اختيار أبي إسحاق الاسفراييني، وكلام القاضي يدل عليه. قال: وهو اختيار شيخنا أبي المعالي، فإنه قال: الإيمان ثابت في الحال قطعا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، وقرنوه بالاستثناء، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز (٥).

стр. 1286

قال - أي الأنصاري -: ومن صار إلى هذا يقول: الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن، وهو المعرفة والتصديق، كما أن العالم يشتق من العلم، فإذا عرفت ذلك من نفسي قطعت به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق. فإن ورد في المستقبل ما يزيله خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف، ولا يقال: تبينا أنه لم يكن إيمانا مأمورا به، بل كان إيمانا مجزئا، فتغير وبطل، وليس كذلك قوله: أنا من أهل الجنة، فإن ذلك مغيب عنه، وهو مرجو" (١). فهذا الفريق من الأشاعرة لا يستثني في الحال، وإنما يستثني في المستقبل؛ لأن مذهبه أن الإيمان الحاضر لا يحتاج لربطه بالمشيئة؛ لصحته، بخلاف الإيمان في المستقبل، فإنه لا يدري بم يختم له به. وما تقدم يكشف أن الأشاعرة اشتركوا في أصل، وافترقوا في تفاصيله، فهم يقولون بالاستثناء؛ تعليلا بالموافاة، ونسبوا ذلك إلى السلف، محتجين بقول ابن مسعود ﵁ لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال له عبدالله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ وكذلك روي عن عمر ﵁ قوله: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار. قالوا: فلو جاز القطع على أنا مؤمنون لكان ذلك قطعا على أنا في الجنة؛ لأن الله وعد المؤمنين الجنة، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا الله، وذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة ولا يعلم ذلك إلا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة (٢).وقالوا: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر، وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك (٣). هذه هي شبهتهم في مذهبهم في الموافاة، وربط الاستثناء بها، ومن ثم فستكون مناقشة هذه المسألة تدور فيما يلي: أولاً: دعواهم أن القول بالموافاة قول السلف. والجواب عن ذلك أن يقال: إن السلف لما قالوا بالاستثناء لم يكن مقصودهم الموافاة، وإنما مقصودهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام: "وأما الموافاة، فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم، كأبي الحسن، وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث" (٤).ويقول: "وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه، وهذا قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله" (٥).

стр. 1287

فالغلط هنا الزعم بأن السلف يعللون الاستثناء بالموافاة، وأما كون خوف العاقبة من مآخذ الاستثناء التي قال بها السلف فهذا حق، وإنما الباطل أن يدعي أن الموافاة هي مأخذ السلف في ذلك، وفرق بين المأخذين كبير، فخوف العاقبة أمر محمود، والقول بالموافاة بدعة وضلالة، إذ هي مبنية على أصل فاسد، وهو أن الإيمان الذي يتعقبه كفر يموت صاحبه عليه ليس بإيمان. وهذا الأصل المبتدع قاله "ابن كلاب، والأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. وأما أكثر الناس فيقولون: بل هو إذا كان كافرا فهو عدو لله، ثم إذا آمن واتقى صار وليا لله. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله: عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة: ١ – ٧]، وكذلك كان، فإن هؤلاء أهل مكة الذين كانوا يعادون الله ورسوله قبل الفتح، آمن أكثرهم، وصاروا من أولياء الله ورسوله. وابن كلاب وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله، وهي الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك، فمعناها إرادة ثابتة بعد الموت، وهذا المعنى تابع لعلم الله، فمن علم أنه يموت مؤمنا لم يزل وليا لله؛ لأنه لم يزل الله مريدا لإدخاله الجنة، وكذلك العداوة. وأما الجمهور فيقولون: الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه وسخطه، فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه بعد أن يؤمن ويعمل صالحا، وإنما يسخط عليه ويغضب بعد أن يكفر. كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد: ٢٨]، فأخبر أن الأعمال أسخطته، وكذلك قال: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]، قال المفسرون: أغضبونا (١)، وكذلك قال الله تعالى: وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]. وفي الحديث الصحيح الذي في البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله تعالى: ((من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن اسعتاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه)).فأخبر أنه لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه، ثم قال: فإذا أحببته كنت كذا، كنت كذا، وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه، والقرآن دل على مثل ذلك" (٢). ثانياً: احتجاجهم بما جاء عن ابن مسعود، وبما روي عن عمر ﵁. والجواب عن ذلك أن "ابن مسعود ﵁ لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا، وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت، فإن ابن مسعود أجل قدرا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟

стр. 1288

فلما قال: الله ورسوله أعمل، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات، فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك" (١).ولذلك كان الإمام أحمد يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثنى في الإيمان، بقول: أنا مؤمن إن شاء الله (٢).فهذا هو الفهم الصحيح لما جاء عن ابن مسعود ﵁، ومثله ما جاء عن عمر إن صح عنه، فإنه يروى عن عمر بن الخطاب مرسلا (٣). ثالثا: قولهم إن القطع بالإيمان قطع بالجنة. فيقال: هذا إنما يجيء على قول من يجعل الإيمان متناولا لأداء الواجبات وترك المحرمات، فمن مات على هذا كان من أهل الجنة، وأما على قول المرجئة والجهيمة، وهو القول الذي نصره هؤلاء الأشاعرة، فإنه يموت على الإيمان قطعا، ويكون كامل الإيمان عندهم، وهو مع هذا عندهم من أهل الكبائر الذين يدخلون النار، فلا يلزم إذا وافي بالإيمان أن يكون من أهل الجنة، وهذا اللازم لقولهم يدل على فساده (٤). رابعا: أنه يلزمهم على مأخذهم هذا أن يستثنوا في الكفر أيضا. لأن ما ذكروه يطرد في الإيمان والكفر سواء، ولذلك صاروا أمام هذا اللازم فتبين (٥): الأولى: أخذت به وقررته على الكفر، كما فعله بعض محققيهم، مثل أبي منصور الماتريدي. الثانية: منعت الاستثناء في الكفر، وفرقت بين الاستثناء فيه والاستثناء في الإيمان، فقالوا: نستثني في الإيمان رغبة إلى الله في أن يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد. قال شيخ الإسلام ردا على دعوى التفريق بين الاستثناء في الإيمان والاستثناء في الكفر: "ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم"، ثم قال:"لكن يقال: إذا كان قولك: مؤمن، كقولك في الجنة، فأنت تقول عن الكافر هو كافر، ولا تقول هو في النار إلا معلقا بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعا، وإن جاز أن يصير مؤمنا، كذلك المؤمن، وساء أخبر عن نفسه أو عن غيره، فلو قيل عن يهودي أو نصراني هذا كافر، قال إن شاء الله إذا لم يعلم أنه يموت كافرا، وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه" (٦). خامسا: ترتب على مأخذهم هذا عدم القطع بتوبة التائب. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا صار الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحاضر، بل للموافاة، لا يقطعون بأن الله يقبل توبة التائب، كما لا يقطعون بأن الله يعاقب مذنبا، فإنهم لو قطعوا بقبول توبته لزمهم أن يقطعوا له بالجنة، وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ولا بنار إلا من قطع له النص. وإذا قيل: الجنة لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات؟

стр. 1289

قالوا: ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة، وهم لا يستثنون في الأحوال، بل يجزمون بأن المؤمن مؤن تام الإيمان، ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما يوافى به، فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنا لا ذنب له قطعوا له بالجنة، فلهذا لا يقطعون بقبول التوبة؛ لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة. وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا بالجنة؛ لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور، ولا أنه أتى بالتوبة النصوح، وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحاً قبل الله توبته" (١). سادسا: أنه ترتب على مأخذهم أيضا أن غلا بعض أتباعهم حتى طردوا الاستثناء في كل شيء، وأنكروا القطع في أي شيء. قال شيخ الإسلام: "ومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان أتباعا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف". ثم قال: "ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء، فيقول: هذا ثوبي إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله. فإذا قيل لأحدهم: هذا لا شك فيه؟، قال: نعم لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره، فيريدون بقولهم: إن شاء الله: جواز تغييره في المستقبل، وإن كان في الحال لا شك فيه، كأن الحقيقة عندهم التي لا يستثنى فيها ما لم تتبدل" (٢). وقال: "وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: "قطعا" في شيء من الأشياء، مع غلوهم في الاستثناء، حتى صار هذا اللفظ منكرا عندهم، وإن قطعوا بالمعنى، فيجزمون بأن محمد رسول الله، وأن الله ربهم، ولا يقولون: قطعا"، ثم قال:"والمقصود هنا أن الاستثناء في الإيمان لما علل مثل تلك العلة طرد أقوام تلك العلة في الأشياء التي لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين" (٣). وفي حكم هؤلاء يقول شيخ الإسلام: "وإذا قال القائل: هذا حجر، ولا أقطع بأن هذا حجر، فهذا مخطئ، لكن إن كان مراده أني إذا قطعت بأنه حجر، فقد جعلت الله عاجزا عن تغييره. فإنه يقال له: بل هو الآن حجر قطعا، والله قادر على تغييره. وإن كان مراده بقوله: إن شاء الله: أن الله قدرا على تغييره، فهذا المعنى صحيح. وإن كان شاكا في كونه حجرا، فهذا متجاهل، يعزر على ذلك" (٤). ويقول: "أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله، وأن ذلك حق يجزم به المؤمنون، ويقطعون به، ولا يرتابون. وكل ما علمه المسلم وجزم به، فهو يقطع به، وإن كان الله قادرا على تغييره، فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه، ويقطع بأن الله قادر على ما يشاء. وإذا قال المسلم: أنا أقطع بذلك، فليس مراده أن الله لا يقدر على تغييره، بل من قال إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق، وإحيائهم من قبورهم، وعلى تسيير الجبال، وتبديل الأرض غير الأرض، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (٥). سابعا: أنهم بقولهم هذا كشفوا عن تناقضهم في باب الإيمان. إذ تراهم لما تكلموا عن مسألة مسمى الإيمان وأن العمل ليس منه عرفوا الإيمان بأنه التصديق؛ محتجين باللغة، تأييدا لمذهبهم. ولما تكلموا عن الاستثناء، وأنه يجب الإتيان به في الإيمان، جعلوا الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، ولم يلتفتوا إلى اللغة. فهنا تناقضوا، إذ جعلا في مسألة الاستثناء: مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا في الأعمال (٦)؟ المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٧٥

стр. 1290

المبحث الأول: حكم مرتكب الكبيرة عند مرجئة الفقهاء شرح شيخ الإسلام ﵀ قول فقهاء المرجئة من مرتكب الكبيرة، فقال: "ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء، كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة، وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة على: أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضا: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة"، ثم قال:"فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه: أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل الجنة منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء" (١). ويقول أيضا رحمه الله تعالى: "وتنازع الناس في الأسماء والأحكام، أي في أسماء الدين، مثل: مسلم، ومؤمن، وكافر، وفاسق، وفي أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة". ثم قال مبينا موقف المرجئة من هذا النزاع: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة - ولم يكن أصحا عبدالله من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي وأمثاله - فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة، فقالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان. وكانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول، مثل حماد ابن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وغيرهما، هم مع سائر أهل السنة متفقين على: أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك. وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه. وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان في الأعمال: هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء، ونحو ذلك، عامته نزاع لفظي"، ثم قال شيخ الإسلام:"وقد ذكر بعض من صنف في هذا الباب من أصحاب أبي حنيفة، قال: وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد كرهوا أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، قال محمد: لأنهم أفضل يقينا، أو إيماني كإيمان جبريل، أو إيماني كإيماني أبي بكر، أو كإيمان هذان ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبريل وأبو بكر (٢) " (٣). ويقول: "والمرجئة تقول: هو - أي مرتكب الكبيرة -: مؤمن تام الإيمان، لا نقص في إيمانه، بل إيمانه كإيمان الأنبياء والأولياء، وهذا نزاع في الاسم. ثم تقول فقهاؤهم ما تقوله الجماعة في أهل الكبائر: فيهم من يدخل النار، وفيهم من لا يدخل، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، واتفق عليه الصحابة، والتابعون لهم بإحسان. فهؤلاء لا ينازعون أهل السنة والحديث في حكمه في الآخرة، وإنما ينازعونهم في الاسم" (٤). ويقول: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث.

стр. 1291

قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (١). ويقول: "وقد يجتمع في العبد نفاق وإيمان، وكفر وإيمان، فالإيمان المطلق عند هؤلاء ما كان صاحبه مستحقا للوعد بالجنة. وطوائف أهل الأهواء من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كراميهم وغير كراميهم، يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق. ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك، وقد ذكر أبو الحسن في بعض كتبه الإجماع على ذلك. ومن هنا غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، مع مخالفة صريح المعقول. بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب. ولا يكون الشخص الواحد محمودا من وجه مذموم من وجه، ولا محبوبا مدعوا له من وجه، مسخوطا ملعونا من وجه. ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار. وحكي عنه غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك. وأما أهل السنة والجماعة، والصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين، من أهل الحديث، والفقهاء، وأهل الكلام، من مرجئة الفقهاء، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة. وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة، باتفاق هؤلاء الطوائف، لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه: فقالت المرجئة - جهميتهم، وغير جهميتهم - هو: مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على: أنه ناقص الإيمان؛ ولولا ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين" (٢). ومن النقول السابقة تتحرر مقالة فقهاء المرجئة في مرتكب الكبيرة، وأنهم يرون فيه ما يلي: ١ - أنه مؤمن كامل الإيمان، كإيمان جبريل، وإيمان الأنبياء والأولياء. وبعض أصحاب أبي حنيفة نسب إلى إمامه وصاحبيه أبي يوسف وأبي محمد كراهة أن يقول الرجل: إيماني كإيمان الملائكة أو أبي بكر، وتقدم الكلام على ذلك. ٢ - أن الإيمان شيء واحد، وعليه فإيمان الفاسق كإيمان البر، فهما سواء في الإيمان. ٣ - أنه داخل تحت الذم والوعيد، ومستحق للذم والعقاب. ٤ - أن من أهل الكبائر من يدخل النار، لكنه لا يخلد فيها، ومنهم من لا يدخلها. ٥ - أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، ولا يباح دمه لكبيرته. ٦ - أنه يجتمع في العبد طاعة ومعصية، ولا يجتمع فيه إيمان ونفاق. وهذا بسبب الشبهة التي دخلت عليهم كما دخلت على سائر الفرق المخالفة، وهي أن الإيمان شيء واحد، لا يتبعض، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله. وأما اجتماع الطاعات والمعاصي فلا يمتنع على أصلهم؛ لأنها عندهم مرتبطة بالأعمال، وهي ليست من الإيمان. ولذلك تراهم يعدون العاصي مؤمنا كامل الإيمان؛ لمجيئه بالإيمان عندهم.

стр. 1292

والخلاصة أن نزاعهم في مرتكب الكبيرة إنما هو في اسمه، لا في حكمه في الآخرة. وهذه المعالم التي جاءت في كلام شيخ الإسلام دلت عليها أيضا بعض الآثار الواردة في بيان مذهب فقهاء المرجئة، ومنها: ما جاء عن مبارك بن حسان أنه قال لسالم الأفطس: "رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا" (١). فهذا الأثر يفيد تساوي الإيمان عند البر والفاجر على رأي فقهاء المرجئة. ومن الأسئلة التي وجهها معقل العبسي إلى نافع مولى ابن عمر قوله: "قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح؟ فنر يده من يدي، وقال: من فعل هذا فهو كافر. قال معقل: فرأيت الزهري، فأخبرته بقولهم. فقال: سبحان الله، فقد أخذ الناس في هذه الخصومات!، قال رسول الله ﷺ ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (١).". ثم قال معقل: "ثم جلست إلى ميمون بن مهران، فقلت: يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها. قال: فقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، حتى إذا بلغ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١ - ٢١]، قال: ذاكم جبريل، والخيبة لمن يقول إن إيمانه كإيمان جبريل" (٢). ولما سئل عطاء بن أبي رباح عمن يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل؟ قال: ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله (٣). وابن أبي مليكة ﵀ يقول "لقد أتى عليَّ برهة من الدهر وما أراني أدرك قوما يقول أحدهم: إني مؤمن مستكمل الإيمان. ثم ما رضي حتى قال: إيماني كإيمان جبريل، وميكائيل. وما زال بهم الشيطان حتى قال أحدهم: إني مؤمن، وإن نكح أخته، وأمه، وبنته. والله لقد أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي ﷺ ما مات أحد منهم إلى وهو يخشى النفاق على نفسه (٤). وقد ذكر هذا المعنى عنه البخاري في صحيحه قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم يقول: إيمانه كإيمان جبريل" (٥). فهذه الآثار تدل على أن المؤمنين عند مرجئة الفقهاء سواء في الإيمان، ما دام أنهم أتوا بالتصديق والقول. المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٤٩٩

стр. 1293

المبحث الثاني: حكم مرتكب الكبيرة عند الجهمية ذهبت الجهمية إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه لا يكفر بكبيرته ولا يرتد، وأنه يجتمع فيه الثواب والعقاب، والحمد والذم، وأن من أهل الكبائر من يدخل النار، ولا يخلد فيها. هذه هي مقالة الجهمية في متركب الكبيرة، ومنه يتبين أن نزاعهم فيه نزاع في الاسم لا الحكم، وبالتالي فهم موافقون لسائر المرجئة في هذه المسألة. يقول شيخ الإسلام في تقرير ذلك. "وكل أهل السنة متفقون على أنه - يعني مرتكب الكبيرة - قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد. وإنما ينازعون في ذلك من يقول: الإيمان لا يتبعض، من الجهمية، والمرجئة، فيقولون: إنه كامل الإيمان" (١). ويقول: "الناس في الفاسق من أهل الملة - مثل: الزاني، والسارق، والشارب، ونحوهم - ثلاثة أقسام: طرفين، ووسط"، ثم ذكر الطرف الأول، وهم الخوارج والمعتزلة ومقالتهم في مرتكب الكبيرة، ثم قال: "الطرف الثاني: قول من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص؛ بناء على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير، وإنما نقصت شرائع الإسلام. وهذا قول المرجئة، والجهمية، ومن سلك سبيلهم" (٢). ويقول: "وقالت المرجئة، مقتصدتهم، وغلاتهم، كالجهمية: قد علمنا أن أهل الذنوب من أهل القبلة لا يخلدون في النار، بل يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث. وعلمنا بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة أنهم ليسوا كفار مرتدين، فإن الكتاب قد أمر بقطع السارق لا بقتله، وجاءت السنة بجلد الشارب لا بقتله، فلو كان هؤلاء كفارا مرتدين لوجب قتلهم" (٣). ويقول: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم - يعني المرجئة - ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم: أن الإيمان لا يتبعض، بل إذا اذهب بعضه ذهب كله. ومذهب أهل السنة والجماعة: أنه يتبعض، وأنه ينقص، ولا يزول جميعه، كما قال النبي ﷺ : ((يخرج من النار من كان في قلبه مثال ذرة من الإيمان)) (٤). فالأقوال في ذلك ثلاثة: الخوارج والمعتزلة: نازعوا في الاسم والحكم، فلم يقولوا بالتبعيض، لا في الاسم ولا في الحكم، فرفعوا عن صاحب الكبيرة اسم الإيمان بالكلية، وأوجبوا له الخلود في النار. وأما الجهمية، والمرجئة: فنازعوا في الاسم لا في الحكم، فقالوا: يجوز أن يكون مثابا معاقبا، محمودا مذموما، لكن لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض" (٥). ويقول: "وقول المعتزلة، والخوارج، والكرامية، في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم. والجهمية وإن كانوا في قولهم بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم" (٦). هذه هي مقالة الجهمية في مرتكب الكبيرة حسبما جاء عند شيخ الإسلام ﵀، وقد ذكر شيخ الإسلام أن بعضهم يتوقف في حصول الوعيد في مرتكب الكبيرة.

стр. 1294

يقول ﵀: "وكثير من المرجئة، والجهمية من يقف في الوعيد، فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر. كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة، والأشعرية، كالقاضي أبي بكر، وغيره" (١).والتوقف في نفوذ الوعيد قول لفريق من المرجئة يسمون الواقفة وقد ذكر شيخ الإسلام أنهم سلكوا في الإيمان والوعيد مسلك الجهمية الغلاة، كجهم وأتباعه (٢)، ومن أشهر من يمثل هذا المذهب القاضي الباقلاني الأشعري، وسيأتي شرح قولهم في المبحث الخاص عن الأشاعرة في مرتكب الكبيرة بعون الله تعالى. وما مضى فيه تصحيح لما اشتهر عن عامة الجهمية، بل وعامة المرجئة، أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد. ولشيخ الإسلام ﵀ كلام مهم حول هذه المقولة، فقد أفاد أنها تنسب للمرجئة في كلام الرادين عليها، مع أنه لا يعرف معينا يحكيها عنه. يقول ﵀: "والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خال عن عمل، فإذا عرف أنه الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعا لفظيا، مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة. وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل، فهذا كفر صريح. وبعض الناس يحكي هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها (٣).وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب، ولا يعنون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له من الفساق والمنافقين، يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا" (٤).ويقول: "وقد حكي عن بعض غلاة المرجئة أن أحدا من أهل التوحيد لا يدخل النار، ولكن هذا لا أعرف به قائلا معينا فأحكيه عنه، ومن الناس من يحكيه عن مقاتل بن سليمان، والظاهر أنه غلط عليه" (٥). ويقول: "ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله. وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام" (٦).وقال: "وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، فهذا لا تعرفه قولا لأحد" (٧). وقال: "وغالية المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة. ومن صرح بالكفر: أنكر الوعيد في الآخرة رأسا، كما يفعله طوائف من الاتحادية، والمتفلسفة، والقرامطة، والباطنية" (٨).

стр. 1295

ومما تقدم يعلم أن مقولة "لا يضر مع الإيمان أو مع التوحيد ذنب، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد"، إن صحت نسبتها لأحد، فهي لغلاة المرجئة، كما قال شيخ الإسلام. وهذا الوصف "غلاة المرجئة" يطلقه شيخ الإسلام على الجهمية، وعلى الواقفة الذين يتوقفون في نفوذ الوعيد، وعلى الغلاة الذين يجزمون ينفيه (١). فأما الجهمية، فتقدم أنهم يعدون مرتكب الكبيرة مؤمنا كامل الإيمان، ويقرون بخروجه من النار، وأنه لا يخلد فيها، وأن نزاعهم فيه في الاسم لا في الحكم كما قال شيخ الإسلام. وأما الواقفة، فسيأتي تحرير مذهبهم في المبحث الخامس من هذا الفصل بعون الله تعالى. فلم يبق حينئذ سوى غلاة المرجئة الذين تنسب إليهم تلك المقولة، وقد ذكر الأشعري عن فرقة من المرجئة لم يسمها أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان عمل، ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة (٢).وذكر الشهرستاني عن فرقة اليونسية أنهم يقولون: إن ما سوى المعرفة من الطاعة ليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان، ولا يعذب على ذلك (٣).وعامة الكتب المقالات لم يذكروا هذه المقالة عن اليونسية، وإنما ذكرها بعض من جاء بعد الشهرستاني (٤)، فقد يكون نقلها عنه، والله أعلم. وكذلك نسب الشهرستاني إلى فرقة العبيدية أنهم يقولون: إن العبد إذا مات على توحيده لم يضره ما اقترف من الآثام، واجترج من السيئات (٥).وهذه الفرقة لم يسبق الشهرستاني أحد بذكرها، وتابعه بعض من جاء بعده (٦)، فيبقى في نسبة المقالة إليهم وقفه. المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٥٠٧

стр. 1296

المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة عند الكرامية وافقت الكرامية في مسألة مرتكب الكبيرة مقالة المرجئة، إذ جعلوا الفاسق مؤمنا كامل الإيمان، ويثاب ويعاقب، وأنه إن دخل النار فإنه يخرج منها. وقد تكرر القول إن مخالفة الكرامية إنما هي في مسمى الإيمان، فحسب، وما عداه فهم موافقون لما عليه فرق المرجئة. يقول شيخ الإسلام في بيان قولهم في مرتكب الكبيرة. "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قال الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث. قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (١). ويقول معلقا على مسألة إثابة الله تعالى للطائع، وعفوه عن العاصي، أو معاقبته: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة، وغيرهم. والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار" (٢).ولما ذكر مخالفة الكرامية في مسمى الإيمان قال: "وأما في الصفات، والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة" (٣). المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٥١٥

стр. 1297

المبحث الرابع: حكم مرتكب الكبيرة عند الأشاعرة حديث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن قول الأشاعرة في مرتكب الكبيرة يفيد أنهم في ذلك فريقان: الفريق الأول: موافق لما عليه عامة المرجئة في مرتكب الكبيرة. وهذه هي المقالة التي نسبها شيخ الإسلام إلى الأشاعرة، وإلى إمامهم أبي الحسن الأشعري. فقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا الحسن الأشعري" نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة، ونحو ذلك" (١).وأنه "رجع إلى مذهب أهل الإثبات الذين يثبتون الصفات، والقدر، ويثبتون خروج أهل الكبائر من النار، ولا يخرجون أحدا من الإيمان" (٢). وعن موقف الأشاعرة عامة يقول: "وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء، وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة. وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه: فقالت المرجئة - جهميتهم، وغير جهميتهم -: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه ناقص الإيمان" (٣). ولما قال ابن المطهر الرافضي: "إن الله يثيب المطيع، ويعفو عن العاصي، أو يعذبه".علق شيخ الإسلام على ذلك بقوله: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة (٤)، وغيرهم، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار" (٥). وأما أصل الضلال في هذه المسألة، فقد سبق قول شيخ الإسلام: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء، ثم ذكر رأي الخوارج والمعتزلة، ثم قال:"وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (٦). ومما تقدم يعلم أن المشهور عن الأشاعرة هو موافقة سائر المرجئة في مرتكب الكبيرة. الفريق الثاني: الواقفة، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني. ومذهبهم يشرحه شيخ الإسلام بقوله: "وكثير من متكلمة المرجئة تقول: لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدا منهم لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم.

стр. 1298

ويقولون: من أذنب وتاب، لا يقطع بقبول توبته، بل يجوز أن يدخل النار أيضا. فهم يقفون في هذا كله؛ ولهذا سموا الواقفة، وهذا قول القاضي أبي بكر، وغيره من الأشعرية، وغيرهم" (١). ويقول ﵀: "وكثير من المرجئة، والجهمية من يقف في الوعيد، فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر. كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة، والأشعرية، كالقاضي أبي بكر، وغيره" (٢). فخلاصة مذهب الواقفة هو التوقف في أحكام الفساق: فهم متوقفون في قبول توبة الفاسق، فعندهم قد تقبل توبته من ذنبه، وقد يعذب عليه، وهم متوقفون في دخول الفساق النار، فعندهم قد يدخلون كلهم النار، وقد يدخل بعضهم، وقد لا يدخل أحد منهم فيها، فلم يجزموا بنفوذ الوعيد في حق أحد من الفساق.

стр. 1299

وهذا المذهب جاء مقابلا لمذهب الوعيدية في مرتكب الكبيرة، فإن الوعيدية يرون خلود من دخل النار فيها حتى لو كان موحدا، ويوجبون العذاب في حق أهل الكبائر؛ لشمول نصوص الوعيد فيهم. ويرون أن نصوص الوعد لا تتناول إلا مؤمنا، والفساق ليسوا بمؤمنين، فلا يدخلون في الوعد؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ لأنهم لم يكونوا من المتقين، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، وقال: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٨]، فهذه النصوص وغيرها تدل على أن العمل لا يقبل إلا مع التقوى، والوعد إنما هو للمؤمن، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين، وأن فعل السيئات يحبط الأعمال (١).وأولوا قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢] على أن السابقين هم الذين يدخلونها، وأن المقتصد، أو الظالم لنفسه لا يدخلها (٢).فهنا عارضهم واقفة المرجئة وغلاتهم بنصوص الوعد، فإنها قد تتناول كثيرا من أهل الكبائر (٣).وأمام دعوى الوعيدية أن نصوص الوعيد عامة، فتشمل أهل الكبائر، قابلهم غلاة المرجئة، فأنكروا العموم، وقالوا: ليس في اللغة عموم، وإنما التزموا ذلك؛ لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد (٤).وأولوا قوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، بأن المراد به: من اتقى الشرك والكفر، وقالوا: الأعمال لا تحبط بمجرد السيئات، وإنما تحبط بالكفر فحسب، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، وقال: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥] (٥).وقالوا: إن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، إخبار من الله تعالى أن الثلاثة يدخلون الجنة، لا السابق فقط كما زعمت الوعيدية (٦).واستدل بعض من أنكر دخول أحد من المحدين النار بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٤ - ١٦]، فقالوا: إن النار لا يدخلها إلا الكافر، والموحد ليس كذلك (٧).

стр. 1300

فهذا ملخص مذهب الفريقين في الوعد والوعيد، ويهمنا هنا مناقشة مذهب هؤلاء غلاة المرجئة، ويمكن ترتيب ذلك فيما يلي: أولاص: بينما الوعيدية غلوا، فأدخلوا العصاة في نصوص الوعيد، وأخرجوهم من نصوص الوعد، عارضتهم غلاة المرجئة، فقصروا حين أدخلوهم في نصوص الوعد، وأخرجوهم من نصوص الوعيد، فهما مذهبان متقابلان يدوران بين الإفراط والتفريط، ورحم الله شيخ الإسلام عندما قال: "ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ونصوص الكتاب والسنة، مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثالة ذرة من إيمان" (١). ثانياً: في إنكار غلاة المرجئة للعموم يقول شيخ الإسلام:"ومن أهل المرجئة من ضاق عظمته لما ناظره الوعيدية بعموم آيات الوعيد وأحاديثه؛ فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع، فكانوا فيما فروا منه إلى من هذا الجحد، كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولو اهتدوا للجواب السديد للوعيدية: من أن الوعيد في آية، وإن كان عاما مطلقا، فقد خصص وقيد في آية أخرى، جريا على السنن المستقيمة أولى بجواز العفو عن المتوعد وإن كان متعينا، تقييدا للوعيد المطلق" (٢).وقد تقدم تفصيل مطول لمعنى هذه الجملة، وأنه لا يحتاج الأمر في رد مقالة الوعيدية إنكار العموم كما وقعت فيه هذه الشرذمة (٣)، فإن ذلك يستلزم تعطيل نصوص الوعد والوعيد، فلا تبقى خاصة ولا عامة (٤). والوجه الحق في فقه الجمع بين هذه النصوص هو أنها نصوص مطلقة عامة، وأنها أسباب لحصول مقتضاها على المعين، لكن هذا العموم مخصص بنصوص أخرى بينت أن المعين لا يلحقه عموم هذه النصوص وإطلاقها إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع. ثالثاً: توقف هؤلاء في عصاة الموحدين، منقوض بتظافر النصوص على خلافه، إذا إنها دلت على قبول الله تعالى توبة من تاب من عباده، وكذلك دلت على أن من العصاة من سيدخل النار قطعا، ومنهم من يغفر له. يقول شيخ الإسلام: "في قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قد ذكرنا في غير هذا الموضع أن هذه الآية في حق التائبين، وأما آية النساء، وهي قوله: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، فلا يجوز أن تكون في حق التائبين، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضا بنصوص القرآن، واتفاق المسلمين. وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد، وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق. هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره، وما عداه لم يجزم بمغفرته، بل علقه بالمشيئة، فقال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]. وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية - يعني آية النساء - كما ترد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة. فهي ترد أيضا على المرجئة الواقفية الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد، ويجوز أن يغفر للجميع.
следующие страницы →