المطلب العاشر: أئمة الزيدية ودورهم في نشر القبورية في اليمن
رغم أن الغلو لدى الزيدية الأولى لم يكن خارجاً عن الحدّ، ورغم أن اتجاهها هو اتجاه المعتزلة المعتمدين على العقل النافين للخوارق والكرامات كما هو معلوم، إلا أننا نجد أئمة الزيدية في اليمن - وبعد قرون من إنشاء دولتهم وتتابع العشرات من أئمتهم- نجدهم ينحرفون انحرافاً شديداً في هذه المسألة، والذي يظهر - والله أعلم- أن باعث الأئمة لذلك كان باعثاً سياسياً أكثر منه باعثاً عقديا، ولكن وجود المشاهد والقباب ووجود سدنةٍ يتأكلون منها ويبنون بها مجداً وجاهاً على أنقاض عقائد الأمة حوّلها إلى مزارات مقدسة يعتقد فيها العوام وأشباههم مالا يجوز اعتقاده إلا في الله تعالى، ومن أجل السياسة أيضاً يتغاضى الأئمة عن ذلك ويتركون العامة يغرقون في بحر الخرافة والشرك وهم ينظرون. وأئمة الزيدية يبنون المشاهد للسياسة ويهدمونها للسياسة كذلك؛ فالدليل على أنهم يبنونها للسياسة ما بدر من الإمام عبدالله بن حمزة وذلك أنه عاش في آخر القرن السادس وبداية القرن السابع (١)، وهو أول من سن لأئمة الزيدية سنة البناء على المشاهد حيث لم يُسجَّل لأحد من الأئمة قبل عصره شيء من ذلك. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنه إنما فعل ذلك مضاهاة لمعاصريه من الأيوبيين الذين عُرِف عنهم أنهم يبنون على قبور سلاطينهم البنايات الضخمة في مصر والشام، وفي اليمن كذلك (٢)،فلعله أراد أن يُظْهِر بذلك شيئاً من أبهة الملك للأئمة وهم أموات كما هي لهم وهم أحياء، وقد لاحظ ذلك الأستاذ محمد محمود الزييري في كتيِّبه"الإمامة وخطرها على وحدة اليمن" حيث قال: (بهذه النفسية يمارس الإمام أعباء منصبه، وتكاد هذه الأعباء تنحصر في استصفاء ثروة الشعب باسم الزكاة وقمع الانتفاضات الشعبية باسم الجهاد وقتال البغاة، ثم بناء مسجد باسم الأمام تضاف إلى جواره غالباً قبة الضريح لهذا الإمام تمدّ نفوذه الروحي حتى وهو في القبر) (٣).
وهذا الذي نسبه الزبيري إلى الإئمة يجب أن يحدَّد بأئمة القرن السابع فَمَنْ بعدهم، وأن أولئك الأئمة قد عمَّروا على معظم قبور الأئمة السابقين مشاهد وقباباً.
وقد خَطَا هذا الإمام بالقبورية في الديار الزيدية خطوات كبيرة جداً، إذ لم يكتف بأن يبني لنفسه مشهداً في حياته أو يوصِي أن يبُنى له ذلك بعد وفاته، وإنما سن ذلك عملياً في حياته بأمر إمامي وتهديد شديد اللهجة لأهل قرية "لصف" حيث قتِل عندهم أخوه إبراهيم بن حمزة وهو يقاتل الأيوبيين، فلما حصل ذلك كتب لهم الإمام عبدالله بن حمزة هذه الرسالة يهدِّدهم فيها إذا لم يبنوا عليه مشهداً أنه سينقل جثمانه عنهم، وهذا نص الرسالة:
стр. 2207
(بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور بالله أمير المؤمنين إلى كافة الساكنين بلصف من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، ونسأله لنا ولكم التوفيق لما يحب ويرضى٠أما بعد: فقد بلغنا جفوتكم للشهيد الذي توفي بين أظهركم، وحطَّ رحله بين أفنيتكم، وجاد بنفسه دون بلادكم، واستقبل بوجهه العدوّ صبراً واحتساباً حين زاغت الأبصار فشلاً، وبلغت القلوب الحناجر وجلاً، وظن قوم بالله الظنونا جزعاً، وابتلي المؤمنون بالهزيمة امتحاناً، وزلزلوا بالحادثة اختباراً، فرخص عنده من الموت ما غلا عند غيره، وغلا عنده من الفرار ما رخص عند سواه, وعلم القصد فتم العزم، ومضى على البصيرة على مناهج السلف الصالح مستقبلاً لكثرة العدو وعزمه، ومستصغراً لعظيمة نجده، فبلغنا أنكم هاجرون لقبره، قالون لمصرعه، قد صغّرتم منه ما عظّم الله سبحانه جهلاً، وجهلتم ما علم الصالحون حيرة وشكاً، كأنكم لم تسمعوا أقوال محمد صلى الله عليه وآله فينا - أهل البيت خاصة - ((أقرب الناس مني موقفاً يوم القيامة بعد حمزة وجعفر رجلٌ منا أهل البيت خرج بسيفه فقاتل إماماً ظالماً فقُتِل))، فهلا - رحمكم الله - استشفيتم بتراب مصرعه من الأدواء، وسألتم بتربة مضجعه رفع الأسواء، واستمطرتم ببركة قبره من رحمة ربكم طوالع الأنواء, وعظَّمتم حاله كما يُعَظَّم حال الشهداء، وأوجبتم من حقه ما ضّيع الأعداء، وعمَّرتم على قبره مشهداً، وجعلتموه للاستغفار مثابة ومقصداً، ونذرتم له النذر تقرباً، وزرتموه تودداً إلى الله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وإلينا تحبُّباً، فقد رُوِّينا عن أبينا صلى الله عليه في حديث فيه بعض الطول (أنه نظر إلى الحسن والحسين ﵉ وهما يلعبان بين يديه فبكى فهابه أهل المنزل أن يسألوه، فوثب عليه الحسين ﵇ فقال: ما يبكيك يا أبتي؟ فقال: إني سررت بكما اليوم سروراً لم أسرّ به قبله مثله، فجاءني جبريل فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، قال: يا أبتي فمن يزورنا على تباين قبورنا؟ قال: قوم من أمتي يريدون بذلك برّي وصلتي إذا كان يوم القيامة أتيت حتى آخذ بأعضادهم فأنجيهم من أهوالها وشدائدها) (١) ألا فاعلموا بعد الذي بلغنا عنكم أنا قد قَلَيْنا له جواركم، ورغبنا به عن داركم، وعزمنا بعد الخيرة لله على نقله من أوطانكم إلى من يعرف حقه، ويتيقن فضله وسبقه، فلو رعيتم له حرمه القرابة وفضل وراثة النبوة (تأمل)! لعلمتم حرمة ذلك الدم الزكي، وكثر عليه منكم الباكون، والبواكي، فإن كان ذلك من غرضكم فإنا نفعله إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن من إرادتكم فلسنا بتاركيه بتوفيق الله سبحانه، والسلام) (٢).والرسالة لم تقتصر على بناء المشهد عليه بل تعدت إلى طلب الاستشفاء بتراب مصرعه، والسؤال بتربته، والاستمطار بقبره، فهل كان الإمام فعلاً- وهو من هو في العلم والعقل والدهاء - هل كان يعتقد ذلك؟! أظنه لم يكن كذلك وإنما كما قلت سابقاً يريد إسباغ الهيبة وإضفاء المكانة على مشهد وقبر أخيه، ولذلك فإنه حينما لم يتم الإصغاء إليه فأنه نقل جثمانه إلى قرية الزاهر بالجوف حيث قُبِر هناك (٣).
стр. 2208
والإمام الثاني الذي كرر نفس الأسلوب هو الإمام يحيى بن محمد حميد الدين الذي أمر في رسالة أخرى قبيلة أرحب ببناء تابوت وقبة على قبر الإمام أحمد بن هاشم الويسي المتوفي سنة (١٢٦٩هـ) والمدفون في "دار أعلا" من أرحب للتبرك به، وهدَّدهم إن لم يفعلوا ذلك بأنه سينقل رفاته إلى مكان آخر، فما كان من أهل أرحب إلا أن بنوا له قبة ووضعوا على قبره تابوتاً (١).، والذي جعلني أدَّعي أن الباعث على ذلك هو السياسة أن الإمام يحيى كذلك كان عالماً وعاقلاً ولم يكن من السذاجة بحيث يعتقد أن ذلك مما يحبه الله ويرضاه، ثم إنه في نفس الوقت أو بعده بقليل كان ابنه وولي عهده الإمام أحمد بن يحيى يهدم قبور أولياء الصوفية في الديار الشافعية. تلك هي الحوادث والتصرفات التي تدل على أن أئمة الزيدية يبنون المشاهد لأجل السياسة وإن كان قد ترتب على ذلك خلل كبير في عقيدة الكثير من العوام وأشباههم، كما صور ذلك الإمام الشوكاني ﵀ حين ذكر ما يجري عند مشهد الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين (٢). وبعد أن ألِفَ علماءُ تلك البلاد هذه المشاهد -وكان القائمون وراءها أئمة مجتهدين - ركنوا إلى ذلك الواقع، وأحسنوا الظن بمن سن تلك السنة وتابعوهم عليها، ليس بالفعل فقط ولكن بالإفتاء أيضاً، وهذه نقلة خطيرة جداً، وتحول كبير في هذا المسار عند الزيدية، والذي أفتى بذلك هو الإمام الجليل يحيى بن حمزة الذي أثنى عليه الإمام الشوكاني ﵀ في البدر الطالع ثناءً عاطراً (٣)، رغم رده عليه في هذه الفتوى، والفتوى المقصودة هي مانقلها عنه الإمام المهدي في البحر الزخار حيث قال: (مسألة (ي) ولابأس بالقباب والمشاهد على الفضلاء لاستعمال المسلمين ولم ينكر) (٤).ثم تبع الإمام المهدي على ذلك الإمام يحيى فقال في الأزهار وهو يتكلم عما يندب في القبر ومنه رفعه قدر شبر (وكره ضد ذلك والإنافة بقبر غير فاضل) (٥).
ومن المعلوم أن الإمام الشوكاني قد ردّ على هذه الفتوى بكتابه المشهور "شرح الصدور في تحريم رفع القبور ".
هذا ما يتعلق ببناء المشاهد والقباب وأما هدم تلك المشاهد وكونه للسياسة كذلك فهو أظهر، وإليك هاتين الواقعتين: أما الواقعة الأولى فهي ما حدث من هدم للقبور المشرفة والمشاهد المقامة عليها أيام الإمام المتوكل على الله المعاصر للشوكاني، حيث إنه أجاب أئمة الدعوة النجدية إلى هدم بعض المشاهد في صنعاء وما حولها، وكتب بذلك إلى سائر الجهات، ذكر ذلك الإمام الشوكاني في "البدر الطالع" وصاحب كتاب (حوليات يمانية) (٦).وقد جزمت بأن الأمر كان سياسة لا تديناً؛ لأن ذلك الإمام بينما كان يرضخ للنجديين ويداهنهم كما عبر بذلك صاحب الحوليات كان في نفس الوقت يكاتب الأتراك والمصريين للقدوم إلى الجزيرة والقضاء على الدولة النجدية (٧).
стр. 2209
والواقعة الثانية التي تدل على أن من أئمة الزيدية من يهدم القبور لأجل السياسة هي حادثة هدم بعض القبور في الديار الشافعية من اليمن، والتي قام بها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين حيث أزال القبة التي على قبر الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل عام (١٣٤٨هـ)، حينما كان والياً للعهد بعد أن تغلب على معارضة قبيلة الزرانيق - التي كانت تعرف من قبل بالمعازبة- لامتداد نفوذ الإمام يحيى إلى بلادها ودخولها تحت حكمه، كما أزال الإمام أحمد كذلك التابوت من على قبر أحمد بن علوان في يفرس من ناحية جبل حبشى عام (١٣٦٢هـ) (١).، قد يقول قائل لم لا تحمل هذا العمل على المحمل الحسن وتجريه على أفضل تقدير وتجعله من باب إزالة المنكر؟ فأقول: إن الذي يمنع من حمله على ذلك هو عدم إقدام الإمام أحمد عندما كان ولياً للعهد، أو بعد أن أصبح إماماً على إزالة شيء من مشاهد البلاد الزيدية، فلو كان الأمر لوجه الله لما فعله في ناحية وتركه في ناحية أخرى، قد يكون بعض مشاهدها أشد من تلك التي هدمها، كما قال القاضي إسماعيل الأكوع حفظه الله (٢)، ومما يؤكد صلة المشاهد الزيدية بالسياسة أن معظم المشاهد المعظمة في الديار الزيدية هي للأئمة وحواشيهم، وقلّ أن تجد مشهداً لرجل فقير أوضعيف، وإليك قائمة بأهم المشاهد الزيدية وستكون إن شاء الله على حسب التسلسل الزمني لإنشائها:
١) مشهد الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة من منطقة ظفار ذيبين.
٢) مشهد الأمير عماد الدين يحي بن حمزة (أخو عبدالله بن حمزة) بمدينة كحلان.
٣) مشهد الإمام أحمد بن الحسين المعروف بأبي طير في مدينة ذيبين.٤) مشهد الإمام يحيى بن حمزة (وليس أخو عبدالله بن حمزة بل هو من ذرية الحسين وليس من ذرية الحسن (٣). (٢) ومشهده بمدينة ذمار.٥) مشهد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بصعدة (٤).ومعه عدد من أبنائه وأحفاده ومشهد الإمام المهدي باني تلك المشاهد.
٦) مشهد الإمام صلاح الدين بصنعاء.
٧) مشهد الإمام المهدي لدين الله أحمد بن المرتضى حصن الظفير حجة.
٨) مشهد الإمام المهدي صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم بصعدة.
٩) مشهد الإمام الناصر محمد بن يوسف بن صلاح بن المرتضى بمدينة ثلا.
١٠) مشهد الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين أحمد بن يحيى المرتضى بظفير حجة.
١١) مشهد مدرسة الإمام شرف الدين بثلا، وفيه عدد من أبنائه وبناته وذويه.
١٢) مشهد الأمير صلاح الدين بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين بمدينة ثلا.
هذه بعض المشاهد وقد تركت الكثير سواها وهي كلها موجودة مشاهدة للعيان، وقد كتب عنها كتابة تاريخية أثرية الدكتور علي سعيد سيف في رسالته المقدمة للدكتوراه من جامعة صنعاء باسم "الأضرحة في اليمن من القرن الرابع إلى القرن العاشر"، فيمكن لمن أراد معرفتها بدقة أن يرجع إلى هناك.
مع العلم أن أكثر هذه المشاهد تضم إلى جوار من هي باسمه عدداً من أبنائه وأحفاده وزوجاته، وهذا يثبت أن أئمة الزيدية قد ساهموا في نشر مظاهر القبورية في جهاتهم كسائر حكام اليمن.
المصدر: القبورية في اليمن لأحمد بن حسن المعلم - ص ٢٦٤ - ٢٧٠
стр. 2210
المطلب الحادي عشر: الانتشار ومواقع النفوذ
• قامت دولة للزيدية أسسها الحسن بن زيد سنة ٢٥٠هـ في أرض الديلم وطبرستان.
• كما أن الهادي إلى الحق أقام دولة ثانية لها في اليمن في القرن الثالث الهجري.
• انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقاً، وامتدت إلى الحجاز ومصر غرباً وتركزت في أرض اليمن.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2211
المطلب الأول: معنى الرافضة لغة واصطلاحاً
الرفض في اللغة يأتي بمعنى الترك. يقال: رفض يرفض رفضاً، أي ترك. وعرفهم أهل اللغة بقولهم: والروافض كل جند تركوا قائدهم (١) هذا هو معنى الرفض في اللغة.
وأما في الاصطلاح: فإنه يطلق على تلك الطائفة ذات الأفكار والآراء الاعتقادية الذين رفضوا خلافة الشيخين وأكثر الصحابة، وزعموا أن الخلافة في علي وذريته من بعده بنص من النبي ﷺ ، وأن خلافة غيرهم باطلة.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٤
стр. 2212
المطلب الثاني: سبب تسميتهم بالرافضة
أطلقت هذه التسمية على الرافضة لأسباب كثيرة:
١ - لأنهم رفضوا مناصرة زيد بن علي –كما تقدم -.
٢ - أو لرفضهم أئمتهم وغدرهم بهم.
٣ - أو لرفضهم الصحابة وإمامة الشيخين.
٤ - أو لرفضهم الدين.
٥ - وهناك تعليل لبعض الشيعة وهو أنهم سموا بهذه التسمية من قبل خصومهم للتشفي منهم.
ولكن توجد رواية في الكافي عن جعفر بن محمد أن الله هو الذي سماهم رافضة، وهذا ينقص ما زعموه أنهم لا يستحقون هذه التسمية. وكل تلك التعليلات غير الخامس تصدق عليهم. جاء في الكافي عن محمد بن سليمان عن أبيه أنه قال: قلت لأبي –عبيد الله – جعفر_: جعلت فداك إنّا قد نبزنا نبزاً أثقل ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت به الولاة دماءنا قال: فقال أبو عبد الله –ع- الرافضة؟ قلت: نعم. قال: لا والله ما هم سموكم به ولكن الله سماكم به (١).
ولعل الراجح هو (الأول) ولا منافاة بينه وبين الأول، لأنهم كانوا رافضة يرفضون الشيخين وقد رفضوا زيداً كذلك إذ لم يرض مذهبهم.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٤
стр. 2213
المطلب الثالث: وقت وجودهم قبل اتصالهم بزيد
وجدت هذه الطائفة قبل انضمامهم لزيد بن علي، وكانت عقيدتهم هي الرفض، ولهذا طلبوا من زيد أن يوافقهم على أهوائهم ويتبرأ من الشيخين فخيب آمالهم وانفصلوا عنه. وسبب ذلك يعود إلى تشبعهم بأفكار اليهودي ابن سبأ، وانحرافهم التام عن التشيع لأهل البيت الذي كان عبارة عن الحب والمناصرة.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٥
стр. 2214
المطلب الرابع: أسماؤهم قبل اتصالهم بزيد
ومن أسمائهم في تلك الفترة:
١ - الخشبية.٢ - الإمامية (١).
وسبب تسميتهم بالخشبية: أنهم – كما قيل- كانوا يقاتلون بالخشب ولا يجيزون القتال بالسيف إلا تحت راية إمام معصوم من آل البيت.
وسبب تسميتهم بالإمامية: لزعمهم أن النبي ﷺ نص على إمامة علي ﵁ نصاً ظاهراً ويقيناً صادقاً، ولم يكتف فيه بالوصف بل صرح بالاسم لعلي ولأولاده من بعده – كما يدعي هؤلاء.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٥
стр. 2215
المطلب الخامس: فرق الروافض
لقد تفرقت الشيعة الروافض إلى أقسام كثيرة لم يتفق العلماء على عددها، ولا على اعتبار من هم الأصول ومن هم الفروع منهم. ولا حاجة إلى التطويل بذكر جميع تلك الفرق الأصول والفروع؛ إذ الكل يجمعهم معتقد واحد حول الإمامة وأحقية علي بها، وأولاده من بعده، ورفض من عداهم.
وأشهر فرق الروافض: الشيعة الاثنا عشرية -كما سندرسهم بالتفصيل-، وفرقة أخرى منهم تسمى المحمدية. وسنقتصر على دراسة هاتين الطائفتين ليتضح من خلالهما مدى تناقض الشيعة في عقائدهم الهامة مثل الإيمان بالمهدي (١) والرجعة (٢) وغير ذلك من عقائدهم، إضافة إلى أن هذه الفرقة لا تزال طائفة منهم – وهم الذين صدقوا بقتل زعيمهم الذي ينتسبون إليه- النفس الزكية- يأتون إلى قبره- الذي ظنوا بأنه دفن في مكانه ذلك –يأتون إليه ويتمسحون به ويدعون عنده إلى اليوم.
أولاً: المحمدية:
خلاصة أمر هذه المحمدية أنهم طائفة يعتقدون أن الإمام والمهدي المنتظر هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي، ويعرف بالنفس الزكية. ولد محمد سنة ٩٣هـ (٣)، ويوصف بأنه كان فاضلاً صاحب عبادة وورع، ولذا أطلق عليه لقب النفس الزكية. خرج بالمدينة المنورة سنة ١٤٥هـ على أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى الهاشمي، فدارت المعركة على محمد فسقط قتيلاً بعد مدة قليلة من إعلان خروجه، وقد احتز عيسى رأس محمد وأرسله إلى أبي جعفر المنصور (٤) جرياً على العادة التي سنها الأمويون من قبل لإرهاب المخالفين.
ومما يجدر ذكره أن شخصاً ماكراً اسمه المغيرة بن سعيد العجلي كانت له آراء ضالة استغل توجه الناس إلى محمد بن علي بن الحسن فأخذ يدعو الناس إلى البيعة لمحمد، وجدَّ في ذلك، وزعم للناس أن المهدي المنتظر قد خرج، وأنه محمد بن الحسن، وبشر الناس بأن ملكه سيمتد طويلاً ويعيد الأمور إلى نصابها ويملأ الأرض عدلاً، وأن على الجميع أن يبادروا بالطاعة والانطواء تحت لوائه للقيام بواجبهم نحو المهدي.
وحينما قتل محمد في أول لقاء مع عيسى بن موسى أسقط في يد أتباعه من هؤلاء الحمقى الذين صدقوا أقواله وانقسموا فيما بينهم، فطائفة تبرأت من المغيرة وقالوا: لا يجوز لنا متابعته بعد أن ظهر كذبه، فإن محمد بن عبد الله بن الحسن مات مقتولاً ولم يملك ولا يملأ الأرض عدلاً، ولو كان هو المهدي لتكفل الله بظهوره. وطائفة أخرى –لأغراض في أنفسهم ولبقاء شوكتهم- استمروا على الولاء للمغيرة ولمحمد بن عبد الله بن الحسن، ولجأوا إلى أقوال السبئية، فقالوا: إن محمداً لم يقتل، وإنما المقتول كان شيطاناً تصور للناس في صورة محمد بن عبد الله بن الحسن، وأن محمداً لا يزال حياً في جبل حاجر بنجد، ولا بد أن يظهر مرة أخرى، ويملأ الأرض عدلاً، وأن البيعة ستعقد له بين الركن والمقام في بيت الله الحرام بمكة (٥).
وقد ذكر لي بعض أهل المعرفة أن جماعة من الشيعة يأتون إلى مكان في المدينة المنورة خلف مسجد ثنية الوداع لزيارته لاعتقادهم أنه قبر محمد بن عبد الله بن الحسن، وقد أزيل هذا المكان في مشروع. ويظهر أن هؤلاء الشيعة هم من القسم الذين صدقوا بموته وفارقوا المغيرة.
وقد استمر المغيرة على ضلالاته حتى قتله خالد بن عبد الله القسري.
ثانياً: الاثنا عشرية:
هذه هي الواجهة الرئيسية والوجه البارز للتشيع في عصرنا الحاضر وهم القائمون على نشر هذا المذهب الرافضي والممول له بشتى الطرق والأساليب، وقد تحقق لهم الكثير مما أرادوه في العالم الإسلامي وذلك لما يبذلونه من مساعدات مادية ومعنوية.
فتعتبر هذه الطائفة أشهر فرق الشيعة، وأكثرها انتشاراً في العالم، وإليها ينتمي أكثر الشيعة في إيران والعراق وباكستان وغيرها من البلدان التي وصلت إليها العقيدة الشيعية، ولهم نشاط ملموس في كثير من البلدان في الآونة الأخيرة؛ حيث توغلوا إلى أماكن من بلدان المسلمين ما كان لهم فيها ذكر. وهم مجموعة من الطوائف المختلفة الآراء بعضها معلن وبعضها مستتر، ويجمعهم هدف عام واحد وهو علو المذهب الاثنا عشري الجعفري الذي زعم الخميني أن أتباعه يبلغون ٢٠٠ مليون شيعي، كان النواة الأولى فيها لمذهب التشيع هو الرسول وعلي بن أبي طالب وخديحة، حيث بدأ الرسول – حسب زعمه- يدعو للتشيع من نقطة الصفر (٦).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٥
стр. 2216
المطلب السادس: أسماء الاثنا عشرية وسبب تلك التسميات
للاثني عشرية أسماء تطلق عليهم، بعضها من قبل مخالفيهم وبعضها من قبلهم هم، وهذه الأسماء هي: أولاً: الاثنا عشرية (١).
وسبب تسميتهم بها لاعتقادهم وقولهم بإمامة اثني عشر رجلاً من آل البيت، ثبتت إمامتهم –حسب زعمهم- بنص من النبي ﷺ ، وكل واحد منهم يوصي بها لمن يليه. وأولهم: علي – ﵁ وآخرهم محمد بن الحسن العسكري المزعوم الذي اختفى في حدود سنة ٢٦٠هـ، وسيعود بزعمهم ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويسير الخير بين الناس وافراً إلى آخر مزاعمهم الكثيرة، وفيه قال الشيرازي: (كما تسمى الشيعة بالاثني عشرية لأنهم يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشرية) (٢).
وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر هم:
علي بن أبي طالب –﵁.
الحسن بن علي –﵁.
الحسين بن علي –﵁.
علي بن الحسين.
محمد بن علي بن الحسين الباقر.
جعفر بن محمد بن الحسين –أبو عبد الله- الصادق-.
موسى بن جعفر الكاظم.
علي بن موسى –الرضي-.
محمد بن علي –الجواد-.
علي بن محمد الهادي.
الحسن بن علي العسكري.
محمد بن الحسن العسكري الغائب الموهوم، كما يسميه الشيخ إحسان إلهي –رحمه الله تعالى-.
ومن الملاحظ أن الشيعة الاثني عشرية حصروا الإمامة في أولاد الحسين بن علي دون أولاد الحسن –﵄، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تزوج الحسين بن علي بنت ملك فارس يزدجرد، ومجيء علي بن الحسين منها.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٤٩
ولكل إمام من هؤلاء الأئمة الاثني عشر لقب عرف به، وهذه الألقاب هي على الترتيب: عليٌ المرتضى، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلى زين العابدين السجاد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد التقي، وعلي الهادي النقي، والحسن العسكري الزكي، ومحمد المهدي القائم بالحجة.
المصدر: إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص ١٩٠
ثانياً: الجعفرية:
نسبة إلى جعفر بن محمد الصادق الذي بنوا مذهبهم في الفروع على أقواله وآرائه –كما يزعمون- وهو بريء من أكاذيب الشيعة هذه، فإنهم يسندون إليه أقوالاً واعتقادات لا يقول بها من له أدنى بصيرة في الإسلام، فكيف به؟ وهذا الاسم من أحب الأسماء إليهم بخلاف تسميتهم بالرافضة، فإنهم يتأذون منه، وهم أحق بتسميتهم بالرافضة لا الجعفرية؛ لأنهم لا يعرفون مذهب جعفر الصادق، وإنما هي تخرصات جمعوها، وتلفيقات استحسنوها ثم نسبوها إليه (٣)، وأكثرها مما لا يرضي الله ورسوله، بل ولا يقوله عاقل ولا طالب علم يعرف الشريعة الإسلامية، ومع ذلك يتبجح الشيعة بانتسابهم إليه ظلماً وزوراً. يقول الخميني مفتخراً: نحن نفخر بأن مذهبنا جعفري ففقهنا هذا البحر المعطاء بلا حد، وهو من آثار جعفر الصادق (٤).
ويقول الشيرازي: كما تسمى الشيعة بالجعفرية لأن الإمام جعفر بن محمد الصادق –ع- تمكن أن يوسع نشر الإسلام أصولاً وفروعاً وآداباً وأخلاقاً، وأما سائر الأئمة فلم يتمكنوا من ذلك لما كانوا يلاقونه من الاضطراب، كما في زمان علي والحسن والحسين. –ع-؛ والكبت والإرهاب من أيدي الخلفاء الأمويين والعباسيين. لكن الإمام الصادق –ع- حيث كان في زمن التصادم بين بني أمية وبني العباس اغتنم الموقف فرصة لنشر حقائق الإسلام بصورة واسعة، والشيعة أخذوا منه أكثر معالم الدين، ولذا نسبوا إليه (٥).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٥٠
стр. 2217
وإذا كانت قد سميت بالجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، ... فإنها سميت بذلك لأمر أهم، وهو أنها تستمد أمور دينها من فقه الإمام جعفر الصادق، فلقد كان إماماً لجميع المسلمين بالمعنى العام، كأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي ومالك وابن حنبل، وكان من ذوي الرأي الصائب والفتوى الصالحة في أمور الدين، فضلاً عن أنه كان إماماًَ لدى الإمامية، له ما لبقية أئمتهم من الولاية والوصاية.
لقد كان جعفر الذي تنتسب إليه الجعفرية غزير العلم في الدين، وافر الحكمة، كامل الأدب، زاهدًا ورعًا متسامحاً بعيدًا عن الغلو، ولم يكن يؤمن بالغيبة أو الرجعة أو التناسخ، كما أنه كان بعيدًا عن الاعتزال. وكان السيد الإمام ينتسب من ناحية الأب إلى العترة النبوية المباركة، ومن ناحية الأم إلى أبي بكر الصديق، وله أقوال بالغة حد الجمال في الإيمان والصلة بالله والبعد عن التطرف. فمن أقواله: "إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا"؟ وكان يقول في القدر: "هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض". ومن أقواله في الدعاء: "اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان، ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة" (١).
المصدر: إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص ١٩٠
رابعاً: الإمامية:
إما نسبة إلى الإمام (الخليفة) لأنهم أكثروا من الاهتمام بالإمامة في تعاليمهم كما هو واقع بحوثهم.
أو لزعمهم أن الرسول ﷺ نص على إمامة علي وأولاده. واختار هذا التعريف الشهرستاني (٢)، وهو التعريف الذي ذكره الشيرازي منهم حيث قال: وتسمى الشيعة بالإمامية لأنهم يعتقدون بإمامة علي – أمير المؤمنين- وأولاده الأحد عشر (٣).أو لانتظارهم إمام آخر الزمان الغائب المنتظر – كما يزعمون- (٤).
خامساً: الخاصة:
وهذه التسمية هم أطلقوها على أنفسهم وأهل مذهبهم. وقد ذكر العلماء كثيراً من الأمور التي شابه الشيعة اليهود فيها (٥)، ومن ذلك تسميتهم لأنفسهم الخاصة، ومن عداهم العامة كما فعلت اليهود حينما سموا أنفسهم –شعب الله المختار-، وسموا من عداهم- الجوييم أو الأمميين-وتوجد بينهم وبين اليهود مشابهات في أشياء كثيرة سنذكر بعضها بعد قليل.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٥٢
стр. 2218
المطلب السابع: سبب انتشار مذهب الرافضة (الاثنا عشرية) وأماكن انتشارهم
لقد انتشر هذا المذهب الرديء انتشاراً واسعاً، وسبب ذلك يعود –فيما يظهر لي- إلى أمور من أهمها:
جهل كثير من المسلمين بحقيقة دينهم الإسلامي.
وإلى جهلهم بحقيقة مذهب الرافضة.
وإلى نشاط هؤلاء الروافض في نشره بشتى الوسائل.
وقد اغتر بهم كثير من المسلمين متناسين أو جاهلين أنه لا فائدة للإسلام أو للمسلمين من شخص يدعي الإسلام ثم يلعن الصحابة ويكفرهم ويحكم عليهم بالردة، ويرى بأن القرآن فيه تحريف وزيادة ونقص، ثم ينتظر المهدي الذي يأتي ويسفك دماء أهل السنة بدون رحمة، كما قرروه في كتبهم تنفيساً عن أحقادهم عليهم.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٥٣
стр. 2219
المطلب الثامن: أهم الأماكن التي انتشر فيها هذا المذهب
١ - إيران: وهو المذهب الرسمي للدولة، وقد أعلن الخميني في دستورهم أن دين الدولة يقوم على المذهب الجعفري.
٢ - العراق.
٣ - الهند.
٤ - باكستان.
وفي هذه البلدان أعداد منهم، وقد انبثوا في بقاع من سوريا ولبنان ودول الخليج، وكثير من البلدان الإسلامية مستغلين غفلة أهل السنة.
ولم أثبت هنا أعدادهم في تلك البلدان لعدم اقتناعي بصحة تلك الأعداد التي تذكر عنهم؛ لما يحصل في الغالب من مغالطات في ذكر عدد نسبة السنة أو الشيعة في أي بلد لأغراض سياسية ودعائية.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٥٤
стр. 2220
المطلب التاسع: فرق الاثني عشرية وانقسامها انقسمت الشيعة الاثنا عشرية إلى فرق كثيرة (١)، من أهمها وأشدها خطراً وأكثرها نفوذاً وشوكة وتأثيراً في المجتمع الشيعي، ومن أشدها نشاطاً في دعوى ظهور المهدي: الشيخية والرشتية، بغض النظر عن الخلاف بينهم وبين الاثني عشرية.
أولاً: الشيخية: قال الألوسي: وقد يقال لهم الأحمدية (٢)، وهي طائفة تنتسب إلى رجل يقال له الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي البحراني، المولود سنة ١١٦٦هـ، والمتوفي سنة ١٢٤٣هـ، وهو شيخ ضال ملحد، له آراء كفرية وزندقة ظاهرة، ومهد السبيل بآرائه لظهور ملاحدة جاءوا بعده.
وأما بالنسبة للشيعة فقد مجدوه، وذكروا له ألقاباً هائلة من التبجيل والتعظيم، فأطلقوا عليه –كذباً وزوراً- ترجمان الحكماء، لسان العرفاء، غرة الدهر، فيلسوف العصر ... إلخ.
وقد عاش الإحسائي كاتباً ومدرساً في مدن الشيعة الهامة، مثل كربلاء وطوس وغيرهما من البلدان، ونشر أفكاره ومعتقداته الضالة، وكون له أتباعاً كان لهم أثر في قيام حركات أخرى كالبابية والبهائية.
أهم معتقدات الإحسائي:
زعم أن الله –تعالى عن قوله- تجلى في علي وفي أولاده الأحد عشر، وأنهم مظاهر الله، وأصحاب الصفات الإلهية، وهي عقيدة حلولية مستمدة من عقائد البراهمة وغلاة الصوفية. أرجع وجود هذا الكون وما فيه إلى وجود الأئمة، وأنهم هم العلة المؤثرة في وجوده إذ لولاهم ما خلق الله شيئاً، وبمثل هذا قال الغلاة عبارتهم المشهورة في مدح النبي ﷺ – بما لا يرضاه-: ((لولاك لولاك ... لما خلقت الأفلاك)) (٣) وهو غلو فاحش يجب التوبة منه.
وزعم في محمد بن الحسن العسكري المهدي المزعوم عند الشيعة مزاعم غريبة، منها أن المهدي المذكور يتجلى ويظهر في كل مكان في صورة رجل يكون هو المؤمن الكامل، أو الباب إلى المهدي، وتحل فيه روح المهدي، ثم ادعى لنفسه وجود هذه الصفة فيه، وضلل كثيراً ممن سار على شاكلته إلى أن هلك.
ثانياً: الرشتية: وبعد هلاك الشيخ أحمد الإحسائي قام بأمر الشيخية أحد تلامذته وخريجيه، ويسمى كاظم الحسني الرشتي (٤) سنة ١٢٤٢هـ .. ونهج نفس المنهج والطريق التي عليها سلفه في كثير من المسائل، وخالفه في أخرى، إلا أنه زاد الطين بلة حين: إنه حل فيه روح الأبواب كما حل في الإحسائي، ولكن آن الأوان لانقطاع الأبواب ومجيء المهدي نفسه.
ومن هنا بدأ يلتمس ظهور المهدي، وهو في الحقيقة إنما بحث عن صيد فوجده، حيث وقع اختياره على شخصية من تلاميذه ليجعل منه المهدي المنتظر بعد أن لمس أن هذه الدعوى يمكن أن تجد لها أتباعاً.
وقد نشر الرشتي مذهبه الفاسد حتى صارت له أماكن كثيرة وأتباع كثيرون من شيعة إيران وعربستان وأذربيجان والكويت، وانتشرت أفكاره أيضاً في الهند وباكستان، وافتتحت فيهما مراكز كثيرة، وتأتيهم المساعدات من تلك الأماكن التي وصل انتشار الشيخية إليها. وهناك فرقة أخرى هي محل نظر في إلحاقها بالشيعة الاثني عشرية أو الصوفية، وتسمى النوربخشية نسبة إلى رجل يسمى محمد نور بخش القوهستاني المولود سنة ٧٩٥ هـ (٥).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٥٥
стр. 2221
هناك اختلاف حدث بين الاثني عشرية في القرون المتأخرة وهو اختلاف ما يسمى باختلاف الأخباريين والأصوليين، فافترقت الاثني عشرية إلى فرقتين متحاربتين متعاديتين حملت إحداهما على الأخرى وشنعت الأخرى على الأولى وكثر التنازع حتى اتهم الإخباريون الأصوليين بالخروج عن التشيع الحقيقي الأصلي وكتبت الكتب وألفت الرسائل وتحزبت الأحزاب فقال الأخباريون: نعتقد بظاهر ما وردت به الأخبار متشابهة كانت أم غير متشابهة، فنجري المتشابهات على ظواهرها ونقول فيها ما قاله سلفنا
وبعبارة صريحة أكثر: أن الإخباريين هم الذين يتمسكون بظواهر الحديث مقابل الأصوليين الذين يرون الأدلة العقلية: من الأدلة الشرعية ومن المعروف أن الحديث عند الشيعة: ما نقل عن أحد أئمتهم المعصومين حسب زعمهم الاثني عشري، ومن رسول الله أيضا، فكل ما نقل عن هؤلاء فهو حديث عندهم وهو حجة لأنه منقول عن معصوم وحجة, فما دام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة فإنها لا تحتاج إلى النظر والتحقيق, لا عن السند لأنه من صاحب الإمام، ولا عن المتن لأنه من الإمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقول الإمام,
هذا هو مذهب الإخبارية، أي العمل بالأخبار المنقولة عن المعصومين - بزعمهم - أو المنسوبة إليهم بدون النظر إلى شيء آخر, وأما الأصوليون فرأوا أن هناك دليل العقل ومنه البراءة الأصلية والاستصحاب وغيرها, واتهم الأخباريون الأصوليين: إن الباعث لهم على اختراع هذه القواعد الأصولية هو أنسهم بكتب المخالفين للإمامية بلا ضرورة داعية إليه وبدون قيام حجة حاكمة
ويعد من أعيان الطائفة الإخبارية: الحرالعاملي صاحب (وسائل الشيعة)، والنوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل) ومحمد حسين كاشف الغطاء، ونعمة الله الجزائري، وغيرهم.
ومن أعيان الطائفة الثانية في الآونة الأخيرة: السيد دلدار علي، والطبطبائي، ومحسن الحكيم، والخوئي وشريعت مداري، والخميني، وغيرهم.
المصدر: بحث تفصيلي عن رافضة المدينة النخاولة لأبي عبد الله الأثري
стр. 2222
الفصل السابع: دول الشيعة والتأثير في المذهب
تميزت بعض الفترات بسيطرة الشيعة على مناطق واسعة، حيث قامت لهم ممالك ودول، فالدولة البويهية حكمت العراق وفارس والري والكرج والأهواز والدولة العبيدية (الفاطمية) دانت لها المغرب ثم مصر وأجزاء من الشام والدولة الحمدانية في الموصل والشام، والقرامطة حكموا البحرين والحجاز، والدولة السامنانية قامت في بلاد ما وراء النهر.
في هذه الفترة وضعت أسس ومبادئ التشيع، ووضع عن آل البيت أقوال وأفعال لم تصدر عنهم ألبتة نتيجة هيمنة الدول الشيعية، وكثر القتال وزادت الفتن بين السنة والشيعة ثم جاءت الدولة الصفوية فزاد الغلو في المذهب، والمجاهرة بطاماته، وبعد أن كانت إيران أكثرية سنية أصبحت بعدهم أكثرية شيعية وبعد ذلك جاءت الثورة الخمينية في إيران وأعادت آثارهم.
المصدر: بحث تفصيلي عن رافضة المدينة النخاولة لأبي عبد الله الأثري
стр. 2223
الفصل الثامن: أثر الفلسفة القديمة في الشيعة
لا شك أن الشيعة فرقة إسلامية إذا استبعدنا مثل "السبئية" الذين ألهوا علياً ونحوهم؛ لا شك أنها في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي ﷺ ، ولكن مع ذلك اشتملت آراؤها على أفكار فلسفية أرجعها علماء العراق والغرب إلى مصادرها من المذاهب الفلسفية والدينية السابقة على الإسلام، والحضارة الفارسية التي انتهت بظهور الإسلام. فبعض العلماء الأوروبيين، منهم الأستاذ دروزي؛ يقرون أن (أصل "المذهب الشيعي" نزعة فارسية، إذ إن العرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك وبالوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى الانتخاب للخليفة، وقد انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولم يترك ولداً، فأولى الناس بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة كأبي بكر وعمر وعثمان، فقد اغتصب الخلافة من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى التقديس، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته، وقالوا: إن طاعة الإمام واجب، وطاعته طاعة لله سبحانه تعالى) (١).وقرر بعض العلماء الأوروبيين أن (الشيعة) أخذت من اليهودية أكثر مما أخذت من الفارسية، مستدلاً بأن عبد الله بن سبأ، أول من أظهر الدعوة إلى تقديس علي كان يهودياً، وقرر هؤلاء أنه مع تلك الآثار اليهودية في المذهب الشيعي فالمذهب الشيعي كان مباءة للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها (٢).ولعل هذا القول الذي قرر أن هذا المذهب الشيعي استقى من اليهودية بعض مبادئه، قد استفاده الأوروبيون من أقوال للشعبي وكلام لابن حزم الأندلسي، فقد كان الشعبي يقول عن الشيعة: "إنهم يهود هذه الأمة"، وقال ابن حزم في (الفصل): "سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين: إن إلياس ﵇، وفنحاس ابن العازار بن هارون ﵇ أحياء إلى اليوم، وسلك هذا بعض الصوفية، فزعموا أن الخضر وإلياس ﵉ حيان إلى الآن" (٣).
وفي الحق، أنا نعتقد أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك والوراثة، والتشابه بين مذهبهم ونظام الملك الفارسي واضح. ويزكي هذا أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة، وأن الشيعة الأولين كانوا من فارس.
وأما اليهودية فإذا كانت توافق بعض آرائهم، فلأن الفلسفة الشيعية اقتبست من نواح مختلفة، وكان المنزع فارسياً في جملته وإن استندوا إلى أقوال إسلامية.
والشيعة الحاضرون وأكثر المعتدلين ينكرون أن يكون مثل عبد الله بن سبأ منهم، لأنه ليس مسلماً في نظرهم فضلاً عن أن يكون شيعياً، ونحن نوافقهم كل الموافقة.
المصدر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة
стр. 2224
المبحث الأول: معنى نزعة التشيع
يقابل الباحث في الشيعة والتشيع مصطلحات تحتاج إلى تحرير وتمييز، ذلك أن مصطلح الشيعة مرّ بعدة مراحل، تطور المفهوم خلالها من مسمى لم يكن يعد قصد أصحابه تفضيل بعض الصحابة على بعض مع الاحتفاظ لهم بالمحبة وسلامة الصدر، إلى مفهوم عقدي ومذهبي لم يكتف منتحلوه بمسألة الاختلاف بالتفضيل بين عثمان وعلي ﵄، بل إلى اعتبار علي وصي رسول الله وهو الأجدر والأحق بالخلافة من أبي بكر وعمر فضلا عن عثمان، بل غالى بعض أصحاب هذه النزعة إلى اعتبار الخلفاء قبله مغتصبين للخلافة، ومن لم ير ذلك من الأصحاب فهو متهم في دينه مختل في عقيدته، ومن هنا انتحلت الروايات في انتقاص الصحابة، والتجني عليهم، في الوقت الذي انتحلت فيه روايات أخرى مبالغة في وصف علي ووصفه بما لا يرضى أن يوصف هو به (١). وعلى ذلك فالشيعة الأولى مصطلح لا يدخل فيما نحن بصدده وحتى نميزه عن غيره نعرف به ونحدد المقصود منه.
الشيعة الأولى:
جاء في (صحيح البخاري) – في كتاب الجهاد – " عن أبي عبد الرحمن وكان عثمانياً، فقال لابن عطية وكان علوياً: إني لأعلم ما الذي جرّأ صاحبك- يعني علياً – على الدماء إلخ" (٢).
قال الحافظ في الفتح معلقاً: وقوله " وكان عثمانياً " أي يقدم عثمان على علي في الفضل، وقوله " وكان علوياً " أي يقدم علياً في الفضل على عثمان وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة (٣).وقال ابن عبد البر – ﵀ –: " وقف جماعة من أئمة أهل السنة والسلف في علي وعثمان – ﵄ – فلم يفضلوا أحداً منهما على صاحبه منهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وأما اختلاف السلف في تفضيل علي فقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه من ذلك ما فيه كفاية، - ثم نقل ابن عبد البر إجماع عامة أهل السنة على تفضيل عثمان فقال: وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل إلا خواص من جلّة الفقهاء وأئمة العلماء فإنهم على ما ذكرنا عن مالك ويحيى القطان وابن معين، فهذا ما بين أهل الفقه والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة، وأما اختلاف سائر المسلمين في ذلك فيطول ذكره، وقد جمعه القوم (٤)
وهذا الذي ذكره ابن عبد البر عن مالك في تقديم علي على عثمان ذكر ابن تيمية ﵀ رواية أخرى عنه تخالفه، حين نقل ما استقر عليه أهل الحديث وأئمة الفقه في ذلك فقال: " وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة، وهو مذهب أهل الحديث، ومشايخ الزهد والتصوف، وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، قال مالك: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها، وقال الشافعي وغيره إنه بهذا قصد والي المدينة الهاشمي، ضرب مالك، وجعل طلاق المكره سببا ظاهراُ (٥)
стр. 2225
كما نقل عن " مالك " – ﵀ – رأياً ثالثاً يفيد توقفه وعدم تفضيل أحدهما على صاحبه وهو الذي حكاه ابن القاسم عن مالك عمن أدركه من المدنيين (١).
ويحدد ابن تيمية مصطلح الشيعة الأولى ورأيهم في تقديم الصحابة فيقول: وكانت الشيعة الأولى لا يشكون في تقديم أبي بكر وعمر، وأما عثمان فكثير من الناس- يقصد من هؤلاء- يفضل عليه علياً، وهذا قول كثير من الكوفيين وغيرهم، وهذا القول الأول للثورى ثم رجع عنه ... وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة قال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار " (٢).
وبعد أن ينقل ابن تيمية في الفتاوى استقرار أمر أهل السنة على تقديم عثمان يشير إلى أن هذه المسألة الخلافية ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة (٣).
وهو بهذا يؤكد الفرق الذي أشرنا إليه آنفاً، ويحدد مصطلح التشيع الذي نريد أن نتحدّث عنه كنزعة مذهبية كان لها أثرها في الكتابة التاريخية، فمتى نشأت هذه النزعة وما هو أثرها؟
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2226
المبحث الثاني: نشأة التشيع
لا أريد هنا استعراض مختلف الآراء في نشأة التشيع والترجيح بينها- قلت أمر يطول، وليس هو المقصود بهذه الدراسة- بل الهدف الإشارة إلى تاريخ النشأة وأصولها.
ولئن كان الناس في الفتنة صاروا شيعتين – كما يقول ابن تيمية – شيعة عثمانية وشيعة علوية، فهذا يؤكد أن زمن الفتنة بين الصحابة بداية الاختلاف لكن ذلك لا يعني استواء التشيع بالمفهوم المذهبي والانتحال العقدي الذي كان له أثره فيما بعد، وابن تيمية يؤكد هذا وهو يشير- في النص نفسه – إلى أنه ليس كل من قاتل مع علي كان يفضله على عثمان، بل كان كثير منهم يفضل عثمان عليه كما هو قول سائر أهل السنة (١).
ولكن ذلك كذلك لا يعني عدم القول بظهور بذور التشيع في تلك الفترة، وخاصة بعد ظهور عبد الله بن سبأ اليهودي – أواخر أيام عثمان – وإعلانه أفكاراً غريبة لم يقل بها أحد من قبله كالقول بالوصية لعلي، والرجعة للأئمة، وسب الصحابة وغيرها من الأفكار التي أصبحت بعد من أصول ومنطلقات التشيع، ولهذا نقل الأئمة عن سواهم اعتبار عبد الله بن سبأ مبدأ الرفض والتشيع (٢).
ونقلوا أن علياً " طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه " (٣).
وهذا ليس قصراً على أهل السنة وحدهم، بل لم يستطع الشيعة أنفسهم إنكار هذه الحقيقة، ومدونات الشيعة المتقدمة تثبت أهل أصل الرفض إنما كان من عبد الله بن سبأ.
ومع التسليم بكون المصطلح لم يتبلور، والشيعة- الرافضة- لم تجتمع وتصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين، بل لم يظهر اسم الرفض – كما يقول ابن تيمية – إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر ﵄ رفضته الرافضة فسمّوا " رافضة " اعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسمّوا " زيدية " نسبة إليه (٤).
أقول مع التسليم بذلك فتبقى عقائد السبئية وأفكار عبد الله بن سبأ التي طرحها لأول مرّة، ومازالت الشيعة تتشبث بها في المنطلقات الأساسية والبذور الأولى لنزعة التشيع، ومن أبرزها: الوصية، والرجعة، وسب الصحابة.
ومعنى الوصية- كما وضعها ابن سبأ – " أنه كان ألفُ نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصي رسول الله " (٥).
وينشأ عن القول بالوصية القول بفرض إمامة الموصى له- وهذا هو المقصود – وكان ابن سبأ – كما يقول القمي أول من قال بفرض إمامة علي (٦).
وأول من أظهر القول بالنص بإمامة علي كما يقول الشهرستاني (٧).
أما الرجعة فتعني رجعة الأموات إلى الدنيا، وابن سبأ أول من قال ذلك (٨).
وكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع, ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥].
فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها (٩).
ومن لوازم هذه العقيدة عندهم الاعتقاد بأن علياً حي لم يمت، ولهذا فالشيعة يقولون: بأن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض، ويسوق العرب بعصاه (١٠).
أما سب الصحابة فيؤكد علمان من أعلام الشيعة – القمي، والنوبختي – بأن عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم (١١).
ويقول الهيتمي: أن السبئية – وهم أصل التشيع كما سبق- كانوا يسبون أصحاب رسول الله إلا قليلا منهم، وينسبونهم إلى الكفر والزندقة ويتبرأون منهم (١٢).
أكتفي بإيراد هذه النماذج من معتقدات الشيعة. لأنها ستبدوا لنا أكثر من غيرها وضوحا حين الحديث عن نماذج من أثر نزعة التشيع في الكتابة التاريخية.
والآن لنحدد أثر النزعة المذهبية – بشكل عام- في الكتابة
التاريخية ثم نتوقف بشيء من البيان والتفصيل عن أثر نزعة التشيع بشكل خاص.
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2227
المبحث الثالث: أثر النزعة المذهبية
تشكل النزعة المذهبية – أيّاً كانت – مورداً من موارد الزلل والتحريف وتعد واحدة من أبرز أسباب الكذب في التاريخ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وصاحب النزعة إنما يحاول بشكل إرادي أو لا إرادي أن يفسر الحدث وفق مشربه، ويصور الأمور كما يشتهي ويعتقد.
ولقد تطرق ابن خلدون ﵀ في مقدمته للكذب في الأخبار والأسباب المقتضية، فذكر – أول ما ذكر من ذلك – النزعة للمذهب والتشيع للآراء فقال: " ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، وإنما التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهله، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها من الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله (١).
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2228
المبحث الرابع: نزعة التشيع وإذا كان هذا في عموم النزعات المذهبية، فلنزعة التشيع – وهي موضع البحث – من ذلك نصيب وافر، ويشخص لنا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – داء المذهبية عند الرافضة، وعمق الكذب عن الشيعة حين يقول: ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة، فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبا ولا أكثر تصديقا للكذب وتكذيبا للصدق منهم، وسيما النفاق فيهم أظهر من في سائر الناس، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)) (١) وفي رواية: ((أربع من كن فيه كان منافقا خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٢) وكل من جربهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال، ولهذا يستعملون " التقية " التي هي سيما للمنافقين واليهود ويستعملونها مع المسلمين يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١]. ويحلفون ما قالوا وقد قالوا، ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين والله ورسوله أحق أن يرضوه ... (٣).
وينتهي – ابن تيمية – إلى أنهم شرّ من عامة أهل الأهواء، وأحق بالقتال من الخوارج، وهذا – كما يقول – هو السبب فيما شاع في العرف العام أن أهل البدع هم الرافضة (٤).
وأنهم إن لم يكونوا شراً من " الخوارج " المنصوصين فليسوا دونهم (٥) , ثم يعرض للمقارنة بين النحلتين، ومؤكداً أن الخوارج أقل ضلالا من الروافض مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله ومخالفة لصحابته وقرابته، ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته (٦).
وينقل لنا في كتابه (منهاج السنة) اتفاق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، وأن الكذب فيهم قديم (٧).
ثم يقول: ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم مثل كتب يحيى من معين، والبخاري، وأبي أحمد بن عدي، والدارقطني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأحمد بن صالح العجلي، والعقيلي، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والحاكم النيسابوري، والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وأمثال هؤلاء الذين هم جهابذة ونقاد وأهل معرفة بأحوال الإسناد رأي المعروف عندهم الكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف (٨).
ثم ينقل – ابن تيمية – تحرج أصحاب الصحيح عن النقل عن خيارهم فضلا عن من دونهم فيقول: حتى أن أصحاب الصحيح كالبخاري لم يرو عن أحد من قدماء الشيعة مثل: عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور, وعبد الله بن سلمة, وأمثالهم، مع أن هؤلاء من خيار الشيعة (٩).
ثم يوثق ابن تيمية نقولاً عن الأئمة الأعلام في كذب الرافضة، فيروي عن " مالك " قوله: وقد سئل عن الرافضة: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون (١٠).
стр. 2229
وكان يقول: نزّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم (١).
ولما اشتهرت الكوفة اختصت بالكذب فقد شبّهها " مالك" ﵀ بدار الضرب، فقد قال له عبد الرحمن ابن مهدي: يا أبا عبد الله سمعنا في بلدكم أربعمائة حديث في أربعين يوماً، ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله. فقال له عبد الرحمن: ومن أين لنا دار الضرب، أنتم عندكم دار الضرب تضربون بالليل وتنفقون بالنهار (٢).
وعن الشافعي قوله: لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة (٣)، وعن الأعمش أنه قال: أدركت الناس وما يسمّونهم إلا الكذابين يعني أصحاب المغيرة بن سعيد, (٤) وهم من الرافضة.
كما نقل ابن تيمية عن يزيد بن هارون قوله: نكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون (٥).
وعن شريك– مع أن فيه تشيعاً – قوله–: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً.
ويعلق ابن تيمية على كلام شريك هذا بقوله: وشريك هذا هو ابن عبد الله القاضي قاضي الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة، وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة، وهذه شهادته فيهم (٦).
وفوق ذلك ينقل الذهبي عن ابن المبارك قوله: الدين لأهل الحديث, والكلام والحيل لأهل الرأي، والكذب للرافضة (٧).
وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية (٨) لو كانوا من الطير لكانوا رخماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، والله لو طلبت منهم أن يملؤا هذا البيت ذهباً على أن أكذب على علي أعطوني، ووالله ما أكذب عليه أبداً (٩).
وهو القائل: أحذركم أهل هذه الأهواء المضلّة وشرّها (١٠).
ولم تكن الشيعة تتورع عن الكذب البتة، وفي هذا يقول حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم قال: كنا إذا اجتمعنا استحسنا شيئا جعلنا حديثاً (١١).
ولفرط كذبهم وتزويرهم امتنع بعض الأئمة الأعلام عن الحديث في فضائل علي، حتى قال سفيان الثوري: منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي (١٢).
وكان يقول: إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر (١٣).
وقال الشعبي – قد ذكرت الرافضة يوماً عنده –: " لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب (١٤).
وقد أكد ابن أبي الحديد – مع تشيعه – تأصل الكذب في الرافضة فقال: " إن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم، وحملهم على وضعها عداوة خصومهم (١٥).
أكتفي بإيراد هذه النصوص ولعل فيها كفاية لبيان المقصود، وإلا فهناك غيرها لمن تأمل.
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2230
تمهيد
ولعل آن الأوان لأن ننتقل من التوصيف النظري إلى التطبيق العملي لنتبين من خلاله كذب الشيعة وافتراؤهم من خلال المرويات التاريخية التي رووها، والمصنفات التي ألفوها.
ومن هنا سوف يكون الحديث عن نزعة التشيع جامعا بين الرواة والمصنفات.
ولئن لم يكن بالإمكان تقصي كل راو، والإحاطة بكل مصنف شيعي فحسبنا الوقوف على نماذج من هذا وذاك.
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2231
المطلب الأول: الرواة الشيعة:
سأكتفي بإيراد نموذجين لرواة الشيعة، ونموذجين آخرين للمصنفات الشيعية، لا بقصد الحصر لأثر نزعة التشيع في الكتابة التاريخية بقدر ما أقصد منها إبراز نموذج لأثر هذه النزعة في مروياتنا ومصنفات أسلافنا.
(أ) لوط بن يحيى (أبو مخنف) وهو من رواة المتقدمين (ت ١٥٧ هـ) والمكثرين حتى بلغت مروياته في تاريخ الطبري (١) رواية، وفي فترة مهمة من فترات التاريخ الإسلامي ابتدأت من وفاة الرسول حتى سقوط الدولة الأموية سنة ١٣٢هـ (٢).
وهذا الراوي غارق في التشيع من أخمص قدميه حتى شحمة أذنيه ولهذا قال عنه ابن عدي: شيعي محترق (٣).
ولئن كان أمره مكشوفا لعلماء الجرح والتعديل وأرباب التاريخ المتقدمين، فليس الأمر كذلك لبعض المؤرخين المتأخرين الذين تناقلوا مروياته دون نظر أو تمحيص، ويكشف لنا المتقدمين حقيقته فيقول ابن معين: ليس بشيء (٤).
وقال ابن حيان: رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات (٥).
وقال فيه الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به (٦) ومثله قال ابن حجر (٧).
أما ابن عدي فقد فضل القول فيه فقال: حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم، وإنما وصفته للاستغناء عن ذكر حديثه فإني لا أعلم من الأحاديث المسندة ما أذكره، وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستجيز ذكره (٨).
وقد ذكره العقيلي في الضعفاء مشيراً إلى تضعيف ابن معين له (٩).
تلك نصوص تكفي لإدانة أبي مخنف وتعرف بها وإليكم ما يثبت إدانته من خلال بعض مروياته وسأقتصر كذلك على نموذجين.
الرواية الأولى في سقيفة بني ساعدة:
ذكر الطبري ضمن أحداث سنة (١١) للهجرة خبر ما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمامة في سقيفة بني ساعدة- بسنده عن أبي مخنف قال:
اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد ﵇ سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً وهو مريض، فلما اجتمعوا تكلم فيهم بصوت ضعيف كان يبلغ القوم عنه ابن له أو بعض بني عمه، وكان مما قاله – بعد أن ذكره سابقة الأنصار وجهادهم وأن لهم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب!! وأن العرب دانت لرسول الله بأسيافهم وتوفي الله رسوله وهو راض الناس " (١٠).
ثم إن القوم أجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدوا ما رأيت ونوليك هذا الأمر، ثم ترادوا الكلام بينهم فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ونحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده!
فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا الأمر أبداً، فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن (١١).
وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار، وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز رسول الله وبعد مجيئه تكلم أبو بكر، ثم عمر، ثم قام الحباب بن المنذر فتكلم، ومما قال:
стр. 2232
" يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد .. فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ... إلى أن قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أما والله لئن شئتم لتقيدنها جذعة، فقال عمر: إذاً يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل ... (١).
وعن أبي مخنف قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد، اتقوا سعداً لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله! ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك، فأخذ يعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق ها هنا أبلغ، فأعرض عنه عمر، وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك ... الخ (٢).
هذه مقتطفات من رواية أبي مخنف الطويلة في حادثة السقيفة ويظهر منها التعدي على الصحابة وتصويرهم بصورة لا تليق بمن هو أقل منهم من صالحي المسلمين فكيف بخيار الأمة وأصحاب رسول الله؟
فهو يصوّر القضية صراعا على السلطة يتناسى معه الأصحاب كل فضيلة وسابقة في الدين لمن سواهم، وهل يليق بالأنصار أن ينسبوا لأنفسهم فضلا دون المهاجرين فيعتبروا أنفسهم أصحاب سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب! وهو يعلمون تقديم المهاجرين عليهم في القرآن، أو أن يستبدوا لهذا الأمر دون الناس؟
وهل يعقل أن يعتبر زعماء الأنصار أن اختيار أمير من المهاجرين وآخر من الأنصار أول الوهن!
كما يلاحظ رائحة التشيع التي تفوح من الرواية وأبو مخنف يبرز عليا وحده مهتما بجهاز رسول الله، وغيره من أمثال أبي بكر في داره وعمر لا يعلم حتى يأتيه الخبر؟
وليت شعري أيليق بنبلاء الرجال الذين جمع الله قلوبهم على التقى، وآخى الرسول بينهم حتى كان الرجل منهم يرث أخاه بعد موته – حتى نسخ ذلك – هل يليق بهؤلاء أن تصدر منهم لإخوانهم عبارات الجلاء عن بلادهم؟ " فإن أبو عليكم ما سألتم فأجلوهم عن هذه البلاد ".
أما إعادة نعرات الجاهلية، فتلك قد اندثرت في نفوس أولئك الأخيار، لكنها حية في نفوس الشعوبيين وأصحاب النزعات المذهبية المنحرفة، وبالتالي يحاولون إسقاطها على أولئك القرون الظاهرة وهم منها براء.
وهكذا تمتلئ الرواية بألفاظ المهاترة والكلمات البذيئة، بل ربما وصلت إلى الاعتداء والضرب بين الصحابة! وتلك آفة الروايات المختلقة، وهي أثر من آثار معتقد الشيعة في سب الصحابة والنيل منهم، فهل ينتبه قرّاء التاريخ لمثل هذه المرويات الساقطة، وهل يستتبع ذلك همم عالية لنقدها سنداً ومتناً؟!
خاصة إذا علم أن هناك مرويات أخرى في مصادر أخرى، وعن طريق رواة موثقين في هذه الحادثة أو غيرها (٣).
الرواية الثانية: في قصة الشورى:
وقد ساقها الطبري في تاريخه بسند فيه" أبو مخنف " وبمتن طويل أقتبس منه الفقرات التالية:
стр. 2233
قال العباس لعلي ﵄ – بعد أن حدّد عمر الستة النفر الذين تكون فيهم – لا تدخل معهم، قال علي: أكره الخلاف، فقال له العباس: إذاً ترى ما تكره (١).
وهكذا يبدأ أبو مخنف الرواية بامتعاض العباس من دخول علي ويحذره مما يكره إن قبل، وكأنه بذلك يصوّر العباس مدركاً لأمر غاب عن علي، وأن الأمر مبيت على غير ما يأملون؟! قال علي للعباس – حين تلقاه – عدلت عنّا، فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو إلا أحدهما فرد عليه العباس مذكرا بما قاله له حين سمي في الستة ثم أوصاه قائلا: احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنابه غيرنا ... فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون (٢).
وأعتقد أن ما ورد في الرواية من عبارات نابية غريبة، واتهام مشين بين الصحابة كاف لسقوطها متناً، فضلا عن سقوطها سنداً!!
كما ورد في الرواية أن عبد الرحمن بن عوف دعا علياً فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: نعم فبايعه، فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن (٣).
وهذا الجزء من الرواية لا يختلف في غرابته عما قبله، وقد كفانا الحافظ ابن كثير مؤنة الرد عليه، حيث أبان في تاريخه بكلام جزل تفرد الرواة الشيعة وغيرهم من القصاص برواية هذه الأخبار الساقطة حيث قال ما نصه:
" وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن علياً قال لعبد الرحمن: خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه
إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وناقليها، والله أعلم. والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها والله الموفق للصواب (٤).
وهكذا تمتلئ الرواية بكثير من الأخطاء والتجاوزات والمغالطات ويكشف عورها غيرها من الروايات الصحيحة (٥).
(ب) هشام بن محمد بن السائب الكلبي:
стр. 2234
وهذا راو آخر من رواة الشيعة، وممن أكثر الرواية عنهم إمام المؤرخين ابن جرير الطبري، إذ بلغت رواياته في تاريخ الطبري ما يقرب من ثلاثمائة رواية شملت تاريخ الأنبياء والسيرة النبوية وتاريخ الخلفاء وطرفا من أخبار الدولة الأموية (١).
وقد تحدث أئمة الجرح والتعديل عن تشيعه وغرابة مروياته قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: هشام بن محمد بن السائب الكلبي من يحدّث عنه؟! إنما هو صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدّث عنه (٢).
وقال عنه ابن حبان: من أهل الكوفة، يروي عن أبيه ومعروف مولى سليمان والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها، وكان غالياً في التشيع، وأخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها (٣).
وقال الذهبي: هشام لا يوثق به، ونقل عن ابن عساكر قوله: رافضي ليس بثقة، مات سنة أربع ومائتين، وقيل: أن مصنفاته أزيد من مائة وخمسين مصنفاً؟! (٤).
وهاك نموذجين من مروياته:
النموذج الأول: اتهام معاوية باختلاق الكتب:
روى الطبري من حديث هشام عن أبي مخنف: أن معاوية لما أيس من قيس أن يتابعه على أمره شق عليه ذلك لما يعرف من حزمه وبأسه وأظهر للناس قيله أن قيس بن سعد قد تابعهم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه، قال: واختلق معاوية كتابا من قيس بن سعد فقرأه على أهل الشام.
ثم أورد الطبري نص الخطاب، وموقف علي بن أبي طالب واستنكاره لذلك، ثم رد قيس بن سعد عليه، وما جرى بينهما من محاورة في كلام يطول (٥).
هكذا يقتفي هشام أثر شيخه أبي مخنف في النيل من الصحابة وتشويه صورتهم، مستخدما في ذلك تزوير الحقائق، وهل بعد اتهام معاوية باختلاق الكتب لتدعيم موقفه شيء؟!
النموذج الآخر: وصف معاوية بأوصاف مشينة
وفي مقابل الصورة الأخرى يختلق هشام رواية أخرى، يتهم فيها معاوية – على لسان قيس بن سعد – بالزيغ والضلال، وقول الزور، بل وفوق ذلك بكونه طاغوتا من طواغيت إبليس؟! وإليك قطعة من نص هذه الرسالة:
" ... من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد: فإن العجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلا وأبعدهم من الله ورسوله، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس!! ... (٦).
أكتفي بهذين النموذجين من رواة الشيعة، وأكتفي بهذه النماذج الواقعية من مروياتهم، لأن الدراسة لا تهدف إلى حصر النماذج والمرويات قدر ما تهدف إلى إبراز النزعة وأثرها في المرويات التاريخية، لأنتقل بعد ذلك إلى نماذج المصادر الشيعية وما تفصح به من غثاء المرويات السقيمة والأخبار الواهية والتشويه المتعمد خير قرون الأمة!
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2235
المطلب الثاني: المصنفات الشيعية
(أ) وقعة صفين: وهو أحد كتب نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفي سنة ٢١٢هـ، وله كتب أخرى أمثال: (الغارات) كتاب (الجمل) (مقتل حجر ابن عدي)، (مقتل الحسين بن علي (١).
ونصر بن مزاحم هذا من أعلام الشيعة الغالين، قال فيه العقيلي: كان يذهب إلى التشيع وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير، ثم ساق له نموذجا يمثل انحرافه في المرويات في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣].
قال نصر: الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به علي، ثم علق العقيلي على ذلك بقوله: وهذا لا يتابع عليه (٢).
كما ترجم له الخطيب في تاريخه، ونقل طرفا من أقوال العلماء فيه، فعن الجوزجاني قوله: كان نصر زائغاً عن الحق مائلاً، ثم علق الخطيب بقوله: أراد بذلك غلوه في الرفض، كما أنه نقل عن صالح بن محمد قوله: نصر بن مزاحم روى عن الضعفاء أحاديث مناكير، وعن الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين قوله: نصر بن مزاحم غال في مذهبه (٣) ,
وقال عنه الذهبي: رافضي جلد تركوه، ثم نقل عن أبي خيثمة: كان كذّاباً.
وعن أبي حاتم: واهي الحديث متروك، وقال الدارقطني: ضعيف (٤).
كما ذكره ابن عدي في الضعفاء وساق عدداً من أحاديث رواها، ثم علق ابن عدي بقوله: " وهذه الأحاديث لنصر بن مزاحم مع غيرها مما لم أذكرها عمن رواها عامتها غير محفوظة " (٥).
نماذج من وقعة صفّين:
ومن مروياته أسوق النماذج التالية:
نقل أو اختلق صاحب (وقعة صفين) خطبة علي حين عزم على الخروج إلى صفين، وكان مما جاء فيها:" سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار .. " (٦).
وفي خطبة أخرى لا تقل سوءا عن سابقتها ينسب نصر بن مزاحم إلى علي أن سبب امتناع معاوية عن البيعة إنما كان ثأراً لدماء في الجاهلية إذ يقول: " ثم التفت – يعني علياً – إلى الناس فقال: فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجدّه عتبة في موقف واحد، والله ما أظن أن يفعلوا، ولن يستقيموا لكم دون أن نقصد فيه المرّان، وتقطع على هامتهم السيوف وتشرحوا حواجبهم بعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين (٧).
وحاشا علياً أن يقول مثل ذلك، وقاتل الله داء النزعة المذهبية وتلك آثارها.
وفي رواية ثالثة يصوّر – صاحب (وقعة صفين) – معاوية رجلا محتالاً يبحث عن رجال يتحدثوا له في مسبّة علي ويقول: " لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: إن الله قد أحيا لك " عمر " بالشام بقدوم " عبيد الله " وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان وينال منه، فقال: الرأي ما رأيت، فبعث إلى عبيد الله فأتاه فقال له معاوية: يا ابن أخي إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك وتكلم بكل فيك فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنه قتل عثمان ".
فاقتنع بذلك، ولكنه حينما صعد المنبر وبدا له غير ذلك، وأحجم عن الحديث عن علي هجره معاوية واستخف بحقه وفسقه!! (٨).
ولنصر في وقعة صفين مرويات غير هذه، وهي تخرج من مشكاته.
стр. 2236
وفوق ذلك نقل عنه الطبري في تاريخه روايات لا تقف عند سب معاوية واتهامه وحده، بل تشمل أم المؤمنين عائشة ﵂، وطلحة، وأبا موسى الأشعري, وغيرهم من الصحابة أجمعين، وحتى علي لم يسلم من أذاه.
فهو يرى – في إحدى رواياته – أن دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلث على صاحبة الهودج – يعني عائشة – وثلث على صاحب الجمل الأحمر – يعني طلحة - وثلث على علي بن أبي طالب (١).
بل ينسب إلى عائشة ما هو أكبر من ذلك فقد روى أنها قالت: اقتلوا نعثلا – تعني عثمان – فقد كفر؟! (٢).
أما أبو موسى فعداده في المنافقين في مرويات " نصر" حيث ينقل على لسان " الأشتر ": أنه قال له: فوالله إنك لمن المنافقين قديما، ثم أمره الأشتر بالخروج من القصر، وأن الناس دخلوا ينتهبون متاع أبي موسى حتى منعهم الأشتر فكفوا عنه!! (٣).
(ب) تاريخ المسعودي (مروج الذهب)
وهو نموذج آخر للمصنفات الشيعية التي مزخر بالمرويات الواهية، وتشيع المسعودي وانحرافه في الكتابة التاريخية وبخاصة تاريخ الصحابة غير خاف على العلماء قديما وحديثا.
فابن العربي المتوفي سنة ٥٤٣هـ حذر منه في كتابه القيّم: (العواصم من القواصم) في عاصمة: " الاحتراز من المفسرين والمؤرخين وأهل الآداب حيث نسبهم إلى الجهالة بحرمات الدين، أوهم على البدعة مصرين (٤) إلى أن قال: ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل أو مبتدع محتال (٥) إلى أن قال:
" وأما المبتدع المحتال فالمسعودي، فإنه يأتي منه متاخمة الإلحاد فيما روى من ذلك، وأما البدعة فلا شك فيه " (٦).
وكثيرا ما ينعي ابن العربي على بعض أرباب التاريخ ويصفهم ب " الطائفة التاريخية الركيكة " (٧).
وهم الذين يصفون بعض الصحابة بالبلاهة والضعف والخداع، ولعل "المسعودي " في عداد هؤلاء عند " ابن العربي ".
وكيف لا يكون كذلك وابن العربي يتحدث عن الذين ينشئون أحاديث فيها استحقار الصحابة والسلف، والاستخفاف بهم واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، وخروج مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا، وعن الحق إلى الهوى (٨) ثم يتحدث بعد ذلك عن المسعودي.
أما بن تيمية فقد قال: " وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى (٩).
كما تعرض الحافظ ابن حجر لنقد المسعودي وكتبه فقال:
" وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً حتى أنه قال في حق ابن عمر أنه امتنع من بيعة علي بن أبي طالب ثم بايع بعد ذلك يزيد بن معاوية والحجاج لعبد الملك بن مروان، وله من ذلك أشياء كثيرة " (١٠).
أما ابن خلدون فقد ترددت عباراته عن المسعودي بين القدح والمدح، والإعجاب والذم، ففي بداية حديثه في " المقدمة" ذكر وهو يتحدث عن مشاهير المؤرخين ما في كتب المسعودي من المطاعن والمغامز فقال:
стр. 2237
" وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من الطعن والغمز ما هو معروف عند الأثبات ومشهور بين الحفظة الثقات " (١).
ثم ذكر ابن خلدون نماذج من الوهم والخطأ في تاريخ المسعودي (٢).
وفي موطن آخر يشير " ابن خلدون " إلى نوع من أنواع التأليف في التاريخ، هو ذكر الأحوال العامة للآفاق والأخبار والأعصار، ثم قال: فذلك أسّ للمؤرخ، ومثل ذلك بمروج الذهب للمسعودي، قال: إن المسعودي بذلك صار إماماً للمؤرخين يرجعون إليه، وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه (٣).
والذي يظهر أن مدح ابن خلدون للمسعودي لعموم منهجه، وشموله في كتابه لأحداث المشرق والمغرب، والعرب والعجم، ووصفه الجبال والبلدان والبحار، والممالك والدول، وهذا حق، لكن فرق بين هذا وبين تحقيق الروايات والبعد عن السواقط والمنكرات، وهو ما نحن بصدده (٤).
ومن الباحثين المحدثين يؤكد الدكتور السويكت على الميول الشيعية القوية عند المسعودي (٥)، وعلى تعاطفه العلوي في معالجته التاريخ الإسلامي وأثرها على أحكامه على الرغم من محاولته الظهور بالمؤرخ الحيادي المصنف! (٦).
وأنه خدم التشيع جيداً وبطريقة تخفى على كثير من الناس (٧).
وأن ما دونه في مؤلفاته من معلومات عن التاريخ الإسلامي الأول لم يكن محل رضا من العلماء المسلمين المحققين، بسبب عدم التزامه في بالمنهج الإسلامي القويم الذي يحفظ لصحابة رسول الله مكانتهم في النفوس (٨).
كما يلاحظ أن نزعة المسعودي الشيعية قد أثرت على كتابته في تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين، ولم يستطع أن يكتب تاريخا مجردا من الهوى (٩).
وبعد: فقد آن الأوان لنقل بعض مرويات المسعودي التي لم تكن ولن تكون محل رضا العلماء المسلمين والباحثين المنصفين.
نماذج لروايات في كتاب المسعودي (مروج الذهب)
إذا كان للمسعودي عدد من المصنفات في التاريخ (١٠) فحسبنا في هذه الدراسة أن نقف على واحد من أشهر كتبه وأكثرها رواجا وهو " مروج الذهب ".
وقبل نقل المرويات يسجل على المسعودي في " مروج الذهب" الملاحظات التالية:١) اختصر الحديث في خلافة أبي بكر الصديق اختصارا مخلا، حيث لم يتجاوز حديثه ثماني صفحات قال في نهايتها معللا ذلك: وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب للاختصار والإيجاز (١١).
ولا أدري لماذا يكون الاختصار هنا، بينما في خلافة علي تبلغ ثمانين صفحة، ومع ذلك يعتذر في النهاية عن حصر مناقب علي وفضائله معللا ذلك بعرضه في كتب أخرى (١٢).٢) ليس ذلك فحسب بل الأدعى من ذلك أن المتأمل بالتمرد الندم على قبول الخلافة (١٣).
وهو لم يقبلها إلا خشية الفتنة (١٤).
стр. 2238
وإشارة المسعودي – في معرض حديثه عن خلافة أبي بكر – إلى إمامة المفضول (١) يؤكد ذلك كله؟! ٣) يصف المسعودي نهاية عمر وعثمان بالقتل (٢) ونهاية علي بالاستشهاد (٣).٤) تعدى المسعودي وتجاوز في حديثه على كثير من الصحابة الذين كانت لهم مواقف مع علي، ووصفهم بما لا يليق بمكانتهم، كطلحة والزبير، وعائشة، ومعاوية أجمعين (٤).
نماذج من كتابة المسعودي في (المروج)
النموذج الأول: التهكم بمعاوية ومن معه؟
يقول المسعودي (٥): وبلغ – يعني معاوية- من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعير فدفع إليه ضعفه، وبرّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل.
ثم يتمادى المسعودي – في بقية ورايته – بالتهكم والسخرية بمعاوية واستغفال من معه إلى درجة يقول معها:
وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء؟! إلى أن يقول: ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير! (٦).
ثم يقول السمعودي: وذكر بعض الإخباريين أن قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن (٧).
النموذج التالي: بين معاوية والحسن ﵄ ومع أن الحسن بن علي ﵄ صالح معاوية، وتنازل له عن الخلافة، وحقق بذلك نبوءة النبي حيث قال: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) (٨).
وباركت الأمة هذه الخطوة، وأكبرت للحسن صنيعه، وخرج المعتزلون للفتنة من الصحابة وبايعوا معاوية وسمي العام عام الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب (٩). إلا أن الرافضة لم ترض بذلك، وبات علماؤهم يسردون روايات ساقطة في الوقيعة بين الحسن ومعاوية.
فالمسعودي يذكر– مثلا– أن معاوية وراء قتل الحسن بن علي وأنه دسّ إلى زوجته " جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي " إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمّه (١٠)
стр. 2239
وثمة رواية أخرى ينقلها المسعودي وعزوها إلى ابن جرير الطبري ويسندها إلى محمد بن حميد الرازي وفيها سرور معاوية حين بلغه موت الحسن، وأنه كبرتكبيرة كبر معه أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبيرهم، وأن ابن عباس حين بلغه ذلك دخل على معاوية فقال: علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به فلقد أصبنا قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العترة، فقال: ويحك يا ابن عباس ما كلمتك قط إلا وجدتك معداً (١).
وهكذا يبدو النفس الشيعي واضحاً في هذه الرواية، فالحسن وابن عباس في جانب، ومعاوية في جانب آخر، وفوق ذلك فعلي يحشر في الرواية حشراً، ويوصف بسيد الأوصياء!!
ومعاوية لا يسر فحسب بموت الحسن ويخفي ذلك في نفسه، بل يعلنه على الملأ، وتتلاقى تكبيرات أهل الخضراء وأهل المسجد مع تكبيراته، أذلك لانتصار المسلمين في معركة، أم تراه لهلاك طاغية؟! كلا وإنما فرحاً بموت سبط رسول الله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!
وبعد فهذه نماذج مختصرة أكتفي بإيرادها، وأقتصر بها عما سواها من نماذج، لأن هذه الدراسة لا تهدف إلى حصر الرواة الشيعة وليس القصد منها جمع المرويات الشيعية وإنما القصد الإبانة عن هذه النزعة وأثرها في الكتابة التاريخية، والتمثيل لها القدر الذي يكشف للقارئ وجودها وخطرها، ويهديه بعد إلى تتبع نظائرها، ورصد مثيلاتها، والتعرف على أصحابها، وأرجو أن تكون حلقة في سلسلة لدراسات أوسع، وبداية لبحوث أعمق في هذا الميدان، فليس ينقصنا في الدراسات التاريخية جمع النصوص والتأليف بينها. وإنما الذي نحتاج إليه كشف مخبئ النصوص ومعرفة من وراءها، وتتبع عورات بعض الرواة والكشف عن مناهجهم ونزعاتهم وأثر ذلك على مروياتهم، وهذا وذاك من الوسائل الناجعة لإعادة كتابة تاريخنا، وهو المنهج الأقوم والأسلوب الأمثل لرسم الصورة الحقيقية لحضارتنا وتاريخ أسلافنا.
والله من وراء القصد وصلى الله على نبينا محمد.
المصدر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة
стр. 2240
المبحث السادس: تناقض كتب الشيعة الإمامية الاثني عشرية
إن الكتب الرئيسة التي تعتبر مصادر الأخبار عند الاثني عشرية هي ثمانية يسمونها: "الجوامع الثمانية"، كما في (مفتاح الكتب الأربعة: ١/ ٥).
ويقولون: بأنها هي المصادر المهمة للأحاديث المروية عن الأئمة، كما في (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٨) (مفتاح الكتب الأربعة): (١/ ٥).
قال عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: "وأما صحاح الإمامية فهي ثمانية، أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل، وثلاثة بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لحسين - المعاصر - النوري" (الحائري/ "منهاج عملي للتقريب "مقال نشر في مجلة رسالة الإسلام في القاهرة، كما نشر مع مقالات أخرى منتخبة من المجلة باسم "الوحدة الإسلامية" (ص: ٢٣٣).
أول هذه المصادر وأصحها عندهم (الكافي) انظر في التعريف بالكافي: (الذريعة): (١٧/ ٢٤٥) النوري/ (مستدرك الوسائل): (٣/ ٤٣٢) (مقدمة الكافي) (الحر العاملي) / (وسائل الشيعة): (٢٠/ ٧١) وقد أشارت هذه المصادر إلى أن هذا الكتاب أصح الكتب الأربعة المعتمدة عندهم، وأنه كتبه في فترة الغيبة الصغرى التي بواسطتها يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته ... ، مع أنه الكتاب الوحيد من بين الكتب الأربعة الذي ورد فيه أساطير الطعن في كتاب الله، وبلغت أحاديث الكافي كما يقول العاملي: (١٦٠٩٩) حديثاً (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٠) وقد طبع عدة طبعات، وشرحه عدد من شيوخهم، وقد رأيت من شروحه: مرآة العقول للمجلسي، وقد اعتنى بالحكم على أحاديث (الكافي) من ناحية الصحة والضعف ... وقد صحح روايات هي كفر بإجماع المسلمين كروايات تحريف القرآن.
كما اطلعت أيضاً على شرح المازندراني للكافي المسمى (شرح جامع) وكذلك (الشافي شرح أصول الكافي).
لمحمد بن يعقوب الكليني، ثم كتاب: (من لا يحضره الفقيه) انظر في التعريف بهذا الكتاب: الخوانساري/ (روضات الجنات): (٦/ ٢٣٠ - ٢٣٧) و (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٠) مقدمة (من لا يحضره الفقيه) وقد اشتمل على (١٧٦) باباً أولها باب الطهارة وآخرها باب النوادر، وبلغت أحاديثه (٩٠٤٤) وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه ألفه بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه، وأنه استخرجه من كتب مشهورة عندهم وعليها المعول، ولم يورد فيه إلا ما يؤمن بصحته).
لشيخهم المشهور عندهم بالصدوق محمد بن بابويه القمي (المتوفي سنة ٣٨١هـ). ثم (تهذيب الأحكام) انظر في التعريف به: النوري الطبرسي/ (مستدرك الوسائل) (٤/ ٧١٩) (الذريعة): (٤/ ٥٠٤) مقدمة (تهذيب الأحكام). وقد ألفه لمعالجة التناقض والاختلاف الواقع في رواياتهم، وبلغت أبوابه (٣٩٣) باباً، أما عدد أحاديثه فسيأتي الحديث عنها، و (الاستبصار) ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، جزآن منه في العبادات، والثالث في بقية أبواب الفقه، وبلغت أبوابه (٣٩٣) باباً، وحصر المؤلف أحاديثه بـ (٥٥١١) وقال: حصرتها لئلا يقع زيادة أو نقصان، وقد جاء في الذريعة أن أحاديثه (٦٥٣١) وهو خلاف ما قاله المؤلف. (انظر: (الذريعة): (٢/ ١٤) (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٠) حسن الخرسان، في تقديمه للاستبصار) كلاهما لشيخهم المعروف بـ"شيخ الطائفة" أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفي سنة ٣٦٠هـ).
قال شيخهم الفيض الكاشاني (المتوفي سنة ١٠٩١هـ): "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها" (الوافي): (١/ ١١).
وقال أغا بزرك الطهراني - من مجتهديهم المعاصرين - وهي: "الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها استنباط الأحكام الشرعية حتى اليوم" (الذريعة): (٢/ ١٤).
стр. 2241
هذه هي المصادر الأربعة المتقدمة عندهم، ثم ألف شيوخهم في القرن الحادي عشر وما بعده مجموعة من المدونات ارتضى المعاصرون منها أربعة سموها بالمجاميع الأربعة المتأخرة وهي: (الوافي) ويقع في ٣ مجلدات كبار، وطبع في إيران، وبلغت أبوابه (٢٧٣) باباً، وقال شيخهم محمد بحر العلوم - من المعاصرين - بأنه يحتوي على نحو خمسين ألف حديث. (لؤلؤة البحرين) "الهامش" (ص١٢٢) بينما يذكر محسن الأمين بأن مجموع ما في الكتب (٤٤٢٤٤) حديثاً (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٠) لشيخهم محمد بن مرتضى المعروف بملا محسن الفيض الكاشاني (المتوفي سنة ١٠٩١هـ) و (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار) , قالوا: بأنه أجمع كتاب في الحديث، جمعه مؤلفه من الكتب المعتمدة عندهم. انظر في التعريف به: (الذريعة): (٣/ ٢٧) (أعيان الشيعة): (١/ ٢٩٣) لشيخهم محمد باقر المجلسي (المتوفي سنة ١١١٠ أو ١١١١هـ)، و (وسائل الشيعة) هو أجمع كتاب لأحاديث الأحكام عندهم، جمع فيه مؤلفه رواياتهم عن الأئمة من كتبهم الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار - كما يقولون - وزاد عليها روايات أخذها من كتب الأصحاب المعتبرة تزيد على ٧٠ كتاباً، كما ذكر صاحب الذريعة، ولكن ذكر الشيرازي في مقدمة الوسائل بأنها تزيد على (١٨٠) ولا نسبة بين القولين، وقد ذكر الحر العاملي أسماء الكتب التي نقل عنها فبلغت - كما حسبتها - أكثر من ثمانين كتاباً، وأشار إلى أنه رجع إلى كتب غيرها كثيرة، إلا أنه أخذ منها بواسطة من نقل عنها (طبع في ثلاثة مجلدات عدة مرات، ثم طبع أخيراً بتصحيح وتعليق بعض شيوخهم في عشرين مجلداً).
الشيرازي (مقدمة الوسائل) (أعيان الشيعة): (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) (الذريعة): (٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣) الحر العاملي (وسائل الشيعة): (١/ ٤ - ٨)، (٢٠/ ٣٦ - ٤٩) إلى تحصيل مسائل الشريعة تأليف شيخهم محمد بن الحسن الحر العاملي (المتوفي سنة ١١٠٤هـ)، و (مستدرك الوسائل) قال أغا بزرك الطهراني: "أصبح كتاب (المستدرك) كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة في أنه يجب على المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا إليها في استنباط الأحكام، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين" (الذريعة): (٢/ ١١٠ - ١١١) ثم استشهد ببعض أقوال شيوخهم المعاصرين باعتماد المستدرك من مصادرهم الأساسية (الذريعة): (٢/ ١١١).
ولكن يبدو أن بعض شيوخهم لم يوافق على ذلك فنجد صاحب (أحسن الوديعة) ينتقد بشدة هذا الكتاب ويقول بأنه: "نقل منه عن الكتب الضعيفة الغير معتبرة ... والأصول الغير ثابتة صحة نسخها، حيث إنها وجدت مختلفة النسخ أشد الاختلاف"، ثم قال بأن: أخباره مقصورة على ما في البحار، وزعها على الأبواب المناسبة للوسائل، كما قابلته حرفاً بحرف محمد مهدي الكاظمي (أحسن الوديعة) (ص ٧٤) لحسين النوري الطبرسي (المتوفي سنة ١٣٢٠هـ).
إثبات زيف الكتب الثمانية:
هناك كتب كثيرة عندهم قالوا: إنها في الاعتبار والاحتجاج كالكتب الأربعة، كما ذكر ذلك المجلسي في مقدمة (بحاره) انظر: (١/ ٢٦) قال المجلسي بأن: كتب الصدوق ما عدا خمسة فيها لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة (نفس الموضع من المرجع السابق).
стр. 2242
وقال: "وكتاب (بصائر الدرجات) من الأصول المعتبرة التي روى عنها الكليني وغيره". (المرجع السابق) (١/ ٢٧) وهكذا قال في عدد كبير من كتبهم. والحر العاملي في الوسائل انظر: (وسائل الشيعة): (ج٢٠, الخاتمة) وكما نجد ذلك في مقدمات تلك الكتب. ويبدو أن تخصيص ما سلف بالذكر، إما لأنها مجاميع كبيرة، أو قد يكون لمجرد محاكاة أهل السنة وللدعاية المذهبية، ومما يوضح ذلك أنهم اعتبروا مثلاً من المجاميع الثمانية المتقدمة كتاب (الوافي) وعدوه أصلاً مستقلاً، مع أنه عبارة عن جمع لأحاديث الكتب الأربعة المتقدمة (الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه) فكيف يعد أصلاً خامساً، ومستقلاً، وهو تكرار لأحاديث الكتب الأربعة؟!
وكذلك اعتبروا (الاستبصار) للطوسي مصدراً مستقلاً من المصادر الأربعة المتقدمة، وهو لا يعدو أن يكون اختصاراً لكتاب (تهذيب الأحكام) للطوسي، كما صرح بذلك الطوسي في مقدمة (الاستبصار): (١/ ٢ - ٣) وكما يبدو واضحاً لمن شاء المقارنة بين الكتابين، فالدعاية المذهبية واضحة في صنيعهم هذا ...
وتجد أن (بحار الأنوار) وضعه مؤلفه في خمس وعشرين مجلداً، ولما كبر المجلد الخامس والعشرين جعل شطراً منه في مجلد آخر فصار المجموع (٢٦) مجلداً، انظر: (الذريعة): (٣/ ٢٧) فقام المعاصرون وزادوا فيه كتباً ليست من وضع المؤلف كـ (جنة المأوى) للنوري الطبرسي، و (هداية الأخبار) للمسترحمي، ومجلدات في الإجازات ليبلغوا به في طبعة جديدة مائة وعشرة مجلدات تبدأ من الصفر, حيث إن المجلد الأول يحمل رقم صفر!. كلون من المظاهر الثقافية الشكلية، والدعاية المذهبية.
وهم مغرمون بهذا الاتجاه الدعائي, وتجد أن مجموعة كبيرة منهم تكلف بالكتابة في موضع "ما"، ويصرف لها المرتبات من الحوزات العلمية، فإذا انتهى العمل نسب لواحد منهم أو لأحد شيوخهم كأنه هو الذي قام بهذا العمل الذي لا يقوم به إلا جمع من الناس، كما يلاحظ ذلك في كتاب (الغدير) وغيره، ولهم هوس في ادعاء السبق، حيث تجد في كتاب (الشيعة وفنون الإسلام) بأن للشيعة السبق في كل علم، مع أن الروافض لم يعرف عنهم شيء من هذا إلا ما أخذوه عن أهل السنة، ولهم مفردات تفضح أمرهم، وترى في أعيان الشيعة للعاملي احتسابه لكثير من أئمة أهل السنة من طائفته لمجرد ما يذكر في تراجمهم من وجود ميل للتشيع عندهم، وهو أمر لا يدخلهم في مسلك الروافض، إذ محبة أهل البيت الحقيقية هي في أهل السنة أكثر من الرافضة.
أما موضوع هذه المدونات فإن (التهذيب) و (الاستبصار) و (من لا يحضره الفقيه) و (وسائل الشيعة) و (مستدرك الوسائل) كلها في الفقه، وكذلك (الكافي) فإن المجلدين الأول والثاني في الأصول وسائر المجلدات الباقية في الفقه وهو مما يسمى (فروع الكافي).
ويلاحظ التشابه في كثير من مسائلهم الفقهية مع أهل السنة؛ مما يؤكد ما يقول بعض أهل العلم من أخذهم لذلك من أهل السنة انظر: (منهاج السنة النبوية): (٣/ ٢٤٦) ولهم مفردات غريبة، ومسائل منكرة لا تخطر على البال تستحق أن يكتب فيها تأليف خاص، وقد جمع جزءاً منها شيخهم المرتضى في كتاب سماه (الانتصار) وقد وقفت عليه في طبعته الأخيرة (١٤٠٥هـ، دار الأضواء، بيروت) وقد طبع قبل ذلك ضمن الجوامع الفقهية بطهران سنة (١٢٦٧هـ) ومستقلاً سنة (١٣١٥هـ) ويسمى: (مسائل الانفرادات في الفقه) (لؤلؤة البحرين) (ص ٣٢٠).
стр. 2243
وقد نقل ابن عقيل الحنبلي بعض هذه المسائل، وهو يتعجب منها، وقد سجلها ابن الجوزي في المنتظم (المنتظم): (٨/ ١٢٠) من خط ابن عقيل، كما أشار إليها في الموضوعات بقوله: "ولقد وضعت الرافضة كتاباً في الفقه وسموه (مذهب الإمامية) وذكروا فيه ما يخرق إجماع المسلمين بلا دليل أصلاً (الموضوعات): (١/ ٣٣٨).
أما بالنسبة للقسم الباقي من هذه المدونات وهي (أصول الكافي) و (بحار الأنوار) فهي تتعلق بمسائل: التوحيد، والعدل، والإمامة ... وأكثر ما فيها يدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة والأئمة الاثني عشر والنص عليهم، وصفاتهم، وأحوالهم، وزيارة قبوهم، والحديث عن أعدائهم، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ ، ونلحظ أن كل شيء - في الغالب - يدور في فلك الإمامة والأئمة.
والقارئ لهذه الأحاديث في هذه المدونات وغيرها من كتب الرواية عندهم يجد أن هناك فرقاً واضحاً وكبيراً بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنة ويطلق عليها الحديث، وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها اللفظ نفسه، فكتب السنة الستة وغيرها إذا روت حديثاً فهو منسوب إلى النبي ﷺ وهي أحاديثه هو. أما كتب الحديث عند الشيعة فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الاثني عشر ويعتقدون - كما مر - أن لا فرق بين ما يروونه عن النبي ﷺ أو عن أحد أئمتهم.
كما أن القارئ لكتب الحديث عندهم لا يجد إلا القليل النادر منها هو المسند إلى النبي ﷺ ، وأكثر ما يروونه في (الكافي) واقف عند جعفر الصادق، وقليل منها يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلوا إلى أمير المؤمنين علي ﵁ ونادراً ما يصل إلى النبي ﷺ .
كما يلحظ أن مدوناتهم الأربع المتأخرة ألفت في القرن الحادي عشر وما بعده، وآخرها ألفه النوري الطبرسي (المتوفي سنة ١٣٢٠هـ) وهو من معاصري الشيخ محمد عبده.
وقد جمع فيه ثلاثة وعشرين ألف حديث عن الأئمة (الذريعة): (٢١/ ٧). لم تعرف من قبل، فهي متأخرة عن عصور الأئمة بمئات السنين، فإذا كان هؤلاء قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يثق عاقل برواية لم تسجل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً!! وإذا كانت مدونة في كتب فلم يعثر على هذه الكتب إلا في القرون المتأخرة؟!!
صرح بعض أصحاب هذه المدونات بأنه عثر على كتب لم تدون في كتبهم المعتمدة من قبل. يقول المجلسي: "اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة نحو مائتي كتاب، ولقد جمعتها في (بحار الأنوار) (اعتقادات المجلسي) (ص ٢٤) مصطفى الشيبي/ (الفكر الشيعي) (ص٦١) وذكر شيخهم الحر العاملي بأنه توفر عنده أكثر من ثمانين كتاباً عدا الكتب الأربعة، وقد جمع ذلك في وسائل الشيعة" انظر: (الوسائل) ج١، المقدمة، و (الذريعة): (٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
стр. 2244
أما شيخهم المعاصر النوري الطبرسي فهو أيضاً قد عثر على كتب لم تدون من قبل رغم أنه من المعاصرين، يقول أغا بزرك الطهراني: "والدافع لتأليفه عثور المؤلف على بعض الكتب المهمة التي لم تسجل في جوامع الشيعة من قبل (الذريعة): (٢١/ ٧) وجعلوا هذه الأحاديث المكتشفة والتي جمعها مستدرك الوسائل مما لا يستغنى عنه، قال آيتهم الخراساني - كما ينقل صاحب (الذريعة) - بأن الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لا تتم قبل الرجوع إلى المستدرك، والاطلاع على ما فيه من الأحاديث" (الذريعة) (٢/ ١١١) فهل يعني هذا أنه قبل تأليف (المستدرك) لا حجة عندهم في قول شيخهم؟! فانظر وتعجب ... وقد تستمر مسيرة الاكتشاف للكتب والروايات، ولم يجمع تلك الروايات متقدموهم، ولم لم تذكر تلك الكتب وتسجل في كتبهم القديمة؟! كيف لم يسجلها الكليني وهو بحضرة السفراء الأربعة سفراء المهدي؟! وقد سماه الكافي لأنه كاف للشيعة، وقد عرضه على مهديهم - بواسطة السفراء - فقال: كاف لشيعتنا – كما سلف، انظر: (مقدمة الرسالة) - بل إن الطوسي قال بأنه جمع في كتابه (تهذيب الأحكام) جميع ما يتعلق بالفقه من أحاديث أصحابهم وكتبهم وأصولهم، لم يتخلف عن ذلك إلا نادر قليل وشاذ يسير (الاستبصار): (١/ ٢).
فهل هذه الكتب وضعت فيما بعد في أيام الدولة الصفوية، ونسبت لشيوخهم الأوائل؟ هذا ليس ببعيد.
بل إن كتبهم الأربعة الأولى لم تخل من دس وزيادة، وآية ذلك أن كتاب (تهذيب الأحكام) للطوسي بلغت أحاديثه (١٣٩٥٠) حديثاً كما ذكر ذكر أغا بزرك الطهراني في الذريعة (الذريعة): (٤/ ٥٠٤) ومحسن العاملي في (أعيان الشيعة) (أعيان الشيعة): (١/ ٢٨٨) وغيرهما من شيوخهم المعاصرين، في حين أن الشيخ الطوسي نفسه صرح في كتابه (عدة الأصول) بأن أحاديث (التهذيب) وأخباره تزيد على (٥٠٠٠) ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (٦٠٠٠) في أقصى الأحوال، انظر: (الإمام الصادق): (ص٤٨٥).
فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟! الدليل المادي الملموس أمامنا يؤكد ذلك.
وأيضا تراهم اختلفوا هل كتاب (الروضة) - وهو أحد كتب (الكافي) التي تضم مجموعة من الأبواب، وكل باب يتضمن عدداً كبيراً من الأحاديث - هل هو من تأليف الكليني أم مزيد فيما بعد على كتابه (الكافي)؟ (روضات الجنات): (٦/ ١٨٨ - ١٧٦) فكأن أمر الزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال.
بل الأمر أخطر من ذلك فإن شيخهم الثقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي (المتوفي سنة ١٠٧٦هـ) قال: إن كتاب (الكافي) خمسون كتاباً بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالأئمة (المصدر السابق: ٦/ ١١٤) بينما نرى شيخهم الطوسي (المتوفي سنة ٣٦٠هـ) يقول: كتاب (الكافي) مشتمل على ثلاثين كتاباً، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ ... " (الفهرست): (ص١٦١).
فهل زيد على الكافي للكليني فيما بين القرن الخامس، والحادي عشر عشرون كتاباً؟ مع أن كل كتاب يضم عشرات الأبواب، وكل باب يشمل مجموعة من الأحاديث!! لعل هذا أمر طبيعي، فمن كذب على رسول الله والصحابة والقرابة فمن باب أولى أن يكذب على شيوخه ... ، وشواهد هذا الباب كثيرة .... نكتفي بهذا لمن كان له عقل .... ونتعرض في الدراسة التالية لمدى صحة الروايات في تلك الكتب.
المصدر: مختصر من أصول مذهب الشيعة - د/ ناصر بن عبد الله القفاري
стр. 2245
المبحث الأول: أقسام أخبار الشيعة
أما أقسام أخبارهم فاعلم أن أصولهم عندهم أربعة: صحيح وحسن وموثق وضعيف.
أما الصحيح: فكل ما اتصل رواته بالمعصوم بواسطة عدل إمامي. وعلى هذا فلا يكون المرسل والمنقطع داخلاً في الصحيح لعدم اتصالهما وهو ظاهر، مع أنهم يطلقون عليهما لفظ الصحيح، كما قالوا: روى ابن أبي عمير في الصحيح كذا وكذا. ولا يعتبرون العدالة في إطلاق الصحيح، فإنهم يقولون: رواية المجهول الحال صحيحة كالحسين بن الحسن بن أبان فإنه مجهول الحال نص عليه الحلي في "المنتهى" مع أنها مأخوذة في تعريفه. وكذا لا يعتبر عندهم كون الراوي إمامياً في إطلاق الصحيح فقد أهملوا قيود التعريف كلها.
وأيضاً قد حكموا بصحة حديث من دعا عليه المعصوم بقول: أخزاه الله وقاتله الله، أو لعنه, أو حكم بفساد عقيدته, أو أظهر البراءة منه.
وحكموا أيضًا بصحة روايات المشبّهة والمجسّمة ومن جوّز البداء عليه تعالى، مع أن هذه الأمور كلها مكفرة، ورواية الكافر غير مقبولة فضلاً عن صحتها، فالعدالة غير معتبرة عندهم وإن ذكروها في تعريف الصحيح، لأن الكافر لا يكون عدلاً البتة.
وحكموا أيضاً بصحة الحديث الذي وجدوه في الرقاع التي أظهرها ابن بابويه مدعياً أنها من الأئمة. ورووا عن الخطوط التي يزعمون أنها خطوط الأئمة، ويرجحون هذا النوع على الروايات الصحيحة الإسناد عندهم.
هذا حال حديثهم الصحيح الذي هو أقوى الأقسام الأخرى وأعلاها.
وأما "الحسن" فهو عندهم ما اتصل رواته بالمعصوم بواسطة إمامي ممدوح من غير نص على عدالته. وعلى هذا فلا يكون المرسل والمنقطع داخلين في تعريف الحسن أيضاً. من أن إطلاقه عليهما شائع عندهم حيث صرح فقهاؤهم أن رواية زرارة في مفسد الحج إذا قضاه في عام آخر حسن، مع أنها منقطعة.
ويطلقون لفظ الحسن على غير الممدوح حيث قال ابن المطهر الحلي طريق الفقيه إلى منذر بن جيفر حسن, مع أنه لم يمدحه أحد من هذه الفرقة.
وأما (الموثق) ويُقال له: (القوي) أيضاً, فكل ما دخل في طريقه من نص الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته وسلامة باقي الطريق عن الضعف، مع أنهم أطلقوا الموثق أيضاً على طريق الضعيف، كالخبر الذي رواه السكوني عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين، وكذا أطلقوا القوي على رواية نوح بن دراج وناجية بن أبي عمارة الصيداوي وأحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري مع أنهم إمامية ولكنهم ليسوا بممدوحين ولا مذمومين. وأما (الضعيف) فكل ما اشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه أو مجهول الحال (١).واعلم أن العمل بالصحيح واجب عندهم اتفاقاً، مع أنهم يروون بعض الأخبار الصحيحة ولا يعملون بموجبها، كما روى زرارة عن أبي جعفر قال: إن رسول الله ﷺ قال: أطعموا الجدّة السُّدس ولم يفرض الله له شيئاً (٢). وهذا خبر موثق. وروى سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الكاظم قال: سألته عن بنات الابن والجدة. فقال: للجدة السدس، والباقي لبنات الابن وهذا خبر صحيح عندهم، فهم يقولون ما لا يفعلون. ثم اعلم أن أكثر علماء الشيعة كانوا يعملون سابقاً بروايات أصحابهم بدون تحقيق وتفتيش، ولم يكن فيهم من يميز رجال الإسناد، ولا من ألّف كتاباً في الجرح والتعديل، حتى صنّف الكشي سنة أربعمائة تقريباً كتاباً في (أسماء الرجال وأحوال الرواة) وكان مختصراً جداً لم يزد الناظر فيه إلا تحيراً. لأنه أورد فيه أخباراً متعارضة في الجرح والتعديل ولم يمكنه ترجيح أحدها على الآخر (٣).
ثم تكلم الغضائري في الضعفاء والنجاشي وأبو جعفر الطوسي في الجرح والتعديل وصنفوا فيه كتباً طويلة. ولكنهم أهملوا فيها توجيه التعارض بالمدح والقدح ولم يتيسر لهم ترجيح أحد الطرفين، ولهذا منع صاحب (الدراية) تقليدهم في باب الجرح والتعديل.
المصدر: أخبار الشيعة وأحوال رواتها لمحمود شكري الألوسي تحقيق وتعليق محمد مال الله