وفي الجزء الثالث, من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء الله وإن عصيته خشيته أن يعذبني, فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك, فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال:
إني رأيت أمراً منكراً ... أو قدت ناري ودعوت قنبرا
وقال ابن حجر: هذا سند حسن (١).إضافة إلى هذه الروايات، فقد روى الكليني في كتابه (الكافي) –الذي هو بمنزلة صحيح البخاري عند القوم، روى في كتاب الحدود في باب المرتد بسنده من طريقين عن أبي عبد الله أنه قال: أتى قوم أمير المؤمنين ﵇ فقالوا: السلام عليك يا ربنا فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها ناراً وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى ما بينهما فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الأخرى ناراً حتى ماتوا (٢).
ونقل الماماقاني وهو فوق الثقة عند القوم بعض النصوص في ذم الغلاة ومنهم السبئية ما رواه محمد بن الحسن وعثمان بن حامد قالا: حدثنا محمد بن يزداد عن محمد بن الحسين عن موسى بن بشار عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال: بينا علي ﵁ عند امرأته عن عترة وهي أم عمر إذ أتاه قنبر فقال: إن عشرة نفر بالباب يزعمون إنك ربهم فقال: أدخلهم قال: فدخلوا عليه فقال: ما تقولون. فقالوا: نقول إنك ربّنا وأنت الذي خلقتنا وأنت الذي رزقتنا فقال لهم: ويلكم لا تفعلوا إنما أنا مخلوق مثلكم، فأبوا فقال لهم: ويلكم ربي وربكم الله ويلكم توبوا وارجعوا، فقالوا: لا نرجع عن مقالتنا أنت ربنا ترزقنا وأنت خلقتنا، فقال: قنبر ائتني بالفعلة، فخرج قنبر فأتاه بعشرة رجال مع الزيل والمرور فأمرهم أن يحفروا لهم في الأرض فلما حفروا أخدوداً أمر بالحطب والنار فطرح فيه حتى صار ناراً تتوقد قال لهم: توبوا قالوا: لا نرجع فقذف عليّ بعضهم ثم قذف بقيتهم في النار قال عليّ:
إني إذا بصرت شيئاً منكراً ... أوقدت ناراً ودعوت قنبراً (٣)
ويبدو أن علياً ﵁ قد كرر عقابه لغير هؤلاء أيضاً، وهم الزط. فقد روى النسائي في سننه (المجتبى) عن أنس أن علياً أتي بناس من الزط يعبدون وثناً فأحرقهم، قال ابن عباس إنما قال رسول الله ﷺ : ((من بّدل دينه فاقتلوه)) (٤).وأخرج ابن أبي شيبة من طريق قتادة: "أن علياً أتي بناس من الزط يعبدون وثناً فأحرقهم" (٥) وحكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بالانقطاع ثم قال: فإن ثبت حُمل على قصة أخرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أيوب عن النعمان أنه قال: شهدت علياً في الرحبة، فجاءه رجل فقال إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا إليه تمثال رجل قال فألهب عليهم الدار (٦).
стр. 2172
وروى الكشي في كتابه (معرفة أخبار الرجال) بعد ترجمة عبد الله بن سبأ تحت عنوان (في سبعين رجلاً من الزط الذين ادعوا الربوبية في أمير المؤمنين ﵇ بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: إن علياً ﵇ لما فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزط فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم، وقال لهم: إني لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق، قال: فأبوا عليه, وقالوا له: أنت أنت هو, فقال لهم: لئن لم ترجعوا عما قلتم فِيِّ وتتوبوا إلى الله تعالى لأقتلنكم. قال: فأبوا أن يرجعوا أو يتوبوا. فأمر أن يحفر لهم آباراً فحُفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم طم رؤوسها ثم ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا" وفي بحار الأنوار نقلاً عن مناقب آل أبي طالب فخدّ ﵇ لهم أخاديد وأوقد ناراً فكان قنبر يحمل الرجل بعد الرجل على منكبه فيقذفه في النار ثم قال:
إني إذا أبصرت أمراً منكراً ... أوقدت ناراً ودعوت قنبراً
ثم احتفرت حفراً فحفراً ... وقنبر يحطم حطماً منكراً
وعقّب على هذا الخبر ابن شهر آشوب بقوله: "ثم أحيا ذلك رجل اسمه محمد بن نصير النميري البصري زعم أن الله تعالى لم يظهره إلا في هذا العصر وإنه عليّ وحده، فالشرذمة النصيرية ينتمون إليه: وهم قوم إباحية تركوا العبادات والشرعيات واستحلت المنهيّات والمحرّمات، ومن مقالهم: أن اليهود على الحق ولسنا منهم، وإن النصارى على الحق ولسنا منهم" (١).
ومن المناسب ما دمنا نتكلم عن تحريق علي بن أبي طالب لأصحاب ابن سبأ والزنادقة أن نذكر حادثة أخرى ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة يقول ابن أبي الحديد: "وروى أبو العباس أحمد بن عبيد بن عمار الثقفي عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بنوين: وروى أيضاً عن علي بن محمد النوفلي عن مشيخته: "أن علياً ﵇ مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً فقال أسفر أم مرضى قالوا: لا، ولا، واحدة منها، قال: فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية قالوا: لا، أنت أنت، يومئون إلى ربوبيته، فنزل ﵇ عن فرسه فألصق خده بالأرض، وقال: ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام، فأبوا فدعاهم مراراً فأقاموا على كفرهم، فنهض إليهم وقال: شدوهم وثاقاً وعليّ بالفعلة والنار والحطب ثم أمر بحفر بئرين فحفرنا فجعل إحداهما سرباً والأخرى مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحاً وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام، فأبوا فأمرهم بالحطب والنار فألقى عليهم فأحرقوا فقال الشاعر:
لترم في المنية حيث شاءت ... إذا لم ترمني في الحفرتين
إذا ما حشنا حطباً بنار .. ... فذاك الموت نقداً غير دين
فلم يبرح ﵇ حتى صاروا حمماً (٢).
هذه هي الروايات التي وقفنا عليها في الأحاديث الصحيحة والحسنة والروايات التاريخية وكذلك من كتب القوم المتعلقة بالأصول والفقه والرجال والتاريخ التي تدل بكل وضوح على أن علياً ﵁ قد حرق الزنادقة ومن اعتقد فيه الربوبية ومنهم أصحاب ابن سبأ الملعون.
стр. 2173
أما هو فكما تذكر الروايات – سواء روايات أهل السنة الجماعة وروايات الشيعة – أن علياً ﵁ اكتفى بنفيه إلى المدائن بعد أن شفع له الرافضة. قال النوبختي في كتابه (الشيعة في ترجمة ابن سبأ): وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وقال: إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس عليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن (١).
ابن سبأ يدعو في المدائن لدعوته
إن عبد الله بن سبأ وجد بعد نفيه مكاناً مناسباً لبث أفكاره وضلالاته بعد أن ابتعد من سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخذ ينظم أتباعه وينشر أفكاره بين جيش الإمام المرابط في المدائن، ولما جاءهم خبر استشهاد علي ﵁ كذبه هو وأصحابه، ولنستمع للخبر كما يرويه الخطيب البغدادي بسنده إلى زحر بن قيس الجعفي الذي قال عنه علي ﵁: من سره أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا – يقول زحر: بعثني عليّ على أربعمائة من أهل العراق وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة قال: فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذ جاءنا رجل قد أعرق دابته قال فقلنا: من أين أقبلت؟ فقال من الكوفة فقلنا متى خرجت؟ قال: اليوم، قلنا فما الخبر؟ قال خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة, صلاة الفجر فابتدره ابن بجرة وابن ملجم فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها، ويموت مما هو أهون منها، قال ثم ذهب. فقال عبد الله بن وهب السبئي – ورفع يده إلى السماء-: الله أكبر، الله أكبر، قال: قلت له ما شأنك؟ قال: لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه. وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين (لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه" (٢).نعود لرواية الخطيب قال: – أي زحر- فو الله ما مكثنا إلا تلك الليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي: من عبد الله حسن أمير المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد: فخذ البيعة على من قبلك، قال: فقلنا أين ما قلت؟ قال: ما كنت أراه يموت" (٣).وقال الحسن بن موسى النوبختي: "ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض" (٤).
رواية عبد الجبار الهمداني في موقف ابن سبأ
قال عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفي سنة ٤١٥هـ عند كلامه عن موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من ابن سبأ والسبئية: "واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفراً يسيراً، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قُتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ: قد قُتل ومات ودُفِن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق فأهدم مسجدها حجراً حجراً وأفعل وأفعل فلو جئتمونا بدماغه مسروداً لما صدقنا أنه قد مات، ولما افتضح بهت، وادعى على أمير المؤمنين ما لم يقله. والشيعة الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها والعراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضياً بقوله وبقول الذين حرقهم، وإنما أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذلك قالوا: وإلا فقولوا لنا لمَ لم يحرق عبد الله بن سبأ؟ قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه لما نفع ذلك معكم شيئاً، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر" (٥).
المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي
стр. 2174
المطلب السادس: موقف أتباع عبد الله بن سبأ لما سمعوا بمقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أما أتباع ابن سبأ فلم يكتفوا بالتكذيب بل ذهبوا إلى الكوفة معلنين ضلالات معلمهم وقائدهم ابن سبأ. فقد روى سعد بن عبد الله القمي صاحب (المقالات والفرق) وهو ثقة عند القوم "أن السبئية قالوا للذي نعاه: كذبت يا عدو الله لو جئتنا –والله- بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يُقتل وإنه لا يموت حتى يسوق العربَ بعصاه ويملك الأرض ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب عليّ فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا لنعلم أنه لم يُقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام" (١).وكان من هؤلاء رجل يقال له رشيد الهجري الذي صرح بمعتقده أمام عامر الشعبي، قال الشعبي: "دخلت عليه يوماً فقال: خرجت حاجاً فقلت: لأعهدن بأمير المؤمنين عهداً فأتيت بيت علي ﵇ فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين قال: أو ليس قد مات؟ قلت: قد مات فيكم والله إنه ليتنفس الآن تنفس الحي، فقال: أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل، قال فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشياء تكون، فقال له الشعبي: إن كنت كاذباً فلعنك الله، وبلغ الخبر زياداً –فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث" (٢).ذكر الحافظ الذهبي هذا الخبر في تذكرة الحفاظ وفيه: فقلت: لإنسان استأذن لي على سيد المرسلين. فقال هو نائم، وهو يظن أني أعنى الحسن، فقلت: لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجّلين. قال أو ليس قد مات؟ فقلت: أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حيّ ويعرف من الدثار الثقيل (٣)؛ ولذلك كان عامر الشعبي يقول: ما كُذب على أحدٍ في هذه الأمة ما كذب على علي (٤). ورشيد هذا قال عنه ابن حبان: كان يؤمن بالرجعة (٥).وذكره الطوسي في ضمن أصحاب علي ﵁ وسماه رشيد الهجري الرياش بن عدي الطائي (٦).ويعتبر رشيد من أبواب الأئمة، كان باباً للحسين بن علي ﵄ (٧).
المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي
стр. 2175
المطلب السابع: موقف أهل بيت النبي الكريم من ابن سبأ
وتصدى أهل بيت النبي الكريم لعبد الله بن سبأ كما تصدى له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكذّبوه وتبرؤوا من مقالاته وضلاله. فقد روى الكشي بسنده عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين وكان والله طائعاً، الويل لمن كذب علينا وإن قومنا يقولون فينا مالا نقول في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم" (١).وروى الكشي بسنده أيضاً عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ﵁: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله, كان عليّ عبداً لله صالحاً أخاً لرسول الله ﷺ , وما نال الكرامة من الله إلا بطاعته ولرسوله، وما نال رسول الله ﷺ الكرامة إلا بطاعة الله" (٢).وروى أيضاً الكشي بسنده عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ﵁: "إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله ﷺ أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها, وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين أصدق من برأ الله بعد رسول الله ﷺ وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله" (٣).
هذه روايات الكشي عن أئمة أهل البيت.
ومن المعلوم أن كتاب الكشي المسمى بـ (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) عمد إليه إمام الشيعة الثقة الثبت عندهم (الطوسي) الذي يلقبونه بشيخ الطائفة المتوفي سنة ٤٦٠هـ عمد إلى كتاب الكشي فهذبه وجرده من الزيادات والأغلاط وسماه بـ (اختيار الرجل) وأملاه على تلاميذه في المشهد في الغروي، وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء ٢٦ صفر سنة ٤٥٦هـ نص على ذلك السيد رضي الدين علي بن طاووس في (فرج المهموم) نقلاً عن نسخة بخط الشيخ الطوسي المصرح فيها بأنها اختصار رجال كتاب (الرجال) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واختياره. فالموجود في هذه الأزمنة من المخطوط منه والمطبوع سنة ١٣١٧هـ في بمبئي بل وفي زمان العلامة الحلي إنما هو اختيار الشيخ الطوسي لا رجال الكشي الأصل فإنه لم يوجد له أي أثر حتى اليوم (٤).
وبهذه النقول والنصوص الواضحة المنقولة من كتب القوم تتضح لنا حقيقة شخصية ابن سبأ اليهودي ومن طعن من الشيعة في ذلك فقد طعن في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم على هذا اليهودي (ابن سبأ) , ولا يجوز ولا يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول، وكذلك لا يجوز في معتقد القوم تكذيب المعصوم.
هذا ما تيسر لنا في إثبات هذه الشخصية، أما الكلام عن دوره في مقتل عثمان ﵁، ودوره في عهد علي ﵁، وأثره في فرق الشيعة، ورواة الأخبار فيحتاج إلى كتابة أخرى.
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:٨] رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:٥٣]
المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي
стр. 2176
المبحث الثاني: الكيسانية بدأ ظهور هذه الفرقة بعد قتل الخليفة الراشد علي ﵁، وعرفوا بهذه التسمية واشتهروا بموالاتهم لمحمد بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وظهر تكونهم بعد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية ﵄ (١).
فحينما تم الصلح مالوا عن الحسن والحسين وقالوا بإمامة محمد بن الحنفية، وقالوا: إنه أولى بالخلافة بعد علي، وهو وصي علي بن أبي طالب، وليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه أو يخرج بغير إذنه.
وقالوا: إن الحسن خرج لقتال معاوية بأمر محمد بن الحنفية، وإن الحسين خرج لقتال يزيد بإذن ابن الحنفية، بل وقالوا: بأن من خالف ابن الحنفية فهو مشرك كافر. وفرقة من هؤلاء الكيسانية قالوا: إن الإمامة لعلي ثم الحسن ثم الحسين ثم لابن الحنفية لأنه أولى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بها بعد الحسن (٢).
وقد اختلف في كيسان زعيم الكيسانية:
فقيل: إن كيسان رجل كان مولى لعلي بن أبي طالب. وقيل: بل كان تلميذاً لمحمد بن الحنفية (٣).وقيل: بل هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، وقد كان يلقب بكيسان (٤). وهذا غير صحيح, لأن قيام الكيسانية كان قبل ظهور أمر المختار كما تقدم.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢٨
стр. 2177
المطلب الأول: كيف صارت الكيسانية مختارية ؟ حينما تقرأ بعض كلام علماء الفرق تجد أن فيه مشكلة خفية وخلطاً في التسمية، إذ يجعل بعضهم الكيسانية هي نفسها فرقة المختارية التي تزعمها المختار ابن أبي عبيد كما فعل القمي وغيره (١).
وبعضهم يجعل الكيسانية فرقة مستقلة، تزعمها رجل يقال له كيسان كما فعل الشهرستاني وغيره.
والذي يتضح لي أن الكيسانية عندما نشأت كانت فرقة مستقلة، تزعمهم رجل يسمى كيسان الذي هو تلميذ لمحمد بن الحنفية أو مولى لعلي، وحينما جاء المختار بن أبي عبيد انضم إليه هؤلاء وكونوا بعد ذلك فرقة المختارية ...
ولقد كان لفرقة المختارية أحداث هامة في التاريخ بقيادة المختار. فمن هو المختار بن أبي عبيد الذي تلقفته الكيسانية للانقضاض به على قتلة الحسين ابن علي ﵁؟
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢٩
стр. 2178
المطلب الثاني: مؤسس المختارية (المختار بن أبي عبيد الثقفي)
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ولد في الطائف في السنة الأولى للهجرة، ووالده صحابي استشهد في معركة الجسر حينما كان قائداً لجيش المسلمين في فتح العراق، وقام بكفالة المختار عمه سعيد بن مسعود الثقفي الذي كان والياً على الكوفة لعلي ﵁. وقد نشأ المختار على جانب من الذكاء والفطنة مراوغاً ماكراً غير صادق في تشيعه، وإنما كان يريد من ورائه تحقيق طموحه السياسي بأي وجه، وله مواقف تشهد بصحة هذا القول عنه ذكرها أهل التاريخ والفرق (١).
وقد لقب بكيسان لأسباب هي: منهم من يقول: إنه نسبة إلى الغدر (٢)، لأن كيسان في اللغة العربية اسم للغدر، وكان المختار كذلك. أنه أطلق عليه هذا اللقب باسم مدير شرطته المسمى بكيسان (٣) والملقب بأبي عمرة الذي أفرط في قتل كل من شارك ولو بالإشارة في قتل الحسين، فكان يهدم البيت على من فيه، حتى قيل في المثل: (دخل أبو عمرة بيته) كناية عن الفقر والخراب. أنه أطلق على المختار هذا اللقب باسم كيسان الذي هو مولى علي بن أبي طالب (٤).وذهب بعض الشيعة ومنهم النوبختي (٥) إلى أن هذا اللقب أطلقه عليه محمد بن الحنفية على سبيل المدح، أي لكيسه، ولما عرف عنه من مذهبه في آل البيت؛ لأن الكيسانية زعموا أن محمد بن الحنفية هو الذي كلف المختار بالثورة في العراق لأخذ الثأر للحسين، وهذا ليس بصحيح كما سيأتي. وقد كان للمختار أدوار مع ابن الزبير، وخاض معارك في العراق خرج منها ظافراً فأعجبته نفسه، وأخذ يسجع كسجع الكهان، ويلمح لأناس ويصرح لآخرين أنه يوحى إليه، فانفض عنه كثير من أصحابه، وقُتل في حربه مع مصعب بن الزبير سنة ٦٧هـ، وتفرق أتباعه (٦)، وصدق عليه الحديث الذي روته أسماء بنت أبي بكر وغيرها أنه كذاب ثقيف (٧).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٣١
стр. 2179
المطلب الثالث: التعريف بمحمد بن الحنفية واختلاف الشيعة بعده
أما ابن الحنفية الذي جعله المختار واجهة له ... فهو محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه خولة، قيل: بنت جعفر، وقيل: بنت أياس الحنفية، وهي من سبي اليمامة في حروب الردة، صارت إلى علي. وقيل: إنها سندية وكانت أمة لبني حنيفة فنسبت إليهم.
ولد ابن الحنفية سنة ١٦هـ في عهد عمر بن الخطاب، ونشأ شجاعاً فاضلاً عالماً، دفع إليه أبوه الراية يوم الجمل وعمره ٢١سنة، وقد تنقل بعد وفاة والده فرجع إلى المدينة ثم انتقل إلى مكة ثم منى في عهد ابن الزبير ثم إلى الطائف، ثم قصد عبد الملك بن مروان بالشام وتوفي سنة ٨١هـ قيل بالطائف، وقيل بأيلة من فلسطين، وقيل لم يمت بل حبسه الله في جبل رضوى القريب من ينبع، وهذا من تحريف الشيعة.
وبعد وفاته اختلف الشيعة فيما بينهم:
فذهب بعضهم إلى أنه مات وسيرجع. وذهب آخرون إلى أنه لا زال حياً بجبل رضوى قرب المدينة عنده عينان نضاختان، إحداهما تفيض عسلاً، والأخرى تفيض ماءً، عن يمينه أسد يحرسه، وعن يساره نمرٌ يحرسه، والملائكة تراجعه الكلام، وأنه المهدي المنتظر، وأن الله حبسه هناك إلى أن يؤذن له في الخروج، فيخرج ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
وفي هذه الخرافات يقول السيد الحميري أو كثيرعزة على رواية في قصيدة له:
ألا حي المقيم بشعب رضوى ... واهد له بمنزله السلاما
وقل ياابن الوصي فدتك نفسي ... أطلتَ بذلك الجبل المقاما
وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بجانب شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما
وإن له لرزقاً كل يوم ... وأشربه يعل بها الطعاما
أضر بمعشر وآلوك منا ... وسموك الخليفة والإماما
وعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مقامك عنهم سبعين عاما
وقد اختلف الكيسانية في سبب حبس ابن الحنفية بجبل رضوى:
ذهب بعضهم - وأراد أن يقطع التساؤل- إلى القول بأن سبب حبسه سر الله، لا يعلمه أحد غيره، وهو تخلص من هذه الكذبة التي زعموها في حبسه.
وبعضهم قال: إنه عقاب من الله له بسبب خروجه بعد قتل الحسين إلى يزيد بن معاوية، وطلبه الأمان له، وأخذه عطاءه. بعضهم قال: إنه بسبب خروجه من مكة قاصداً عبد الملك بن مروان هارباً من ابن الزبير ولم يقاتله (١).
والحقيقة أنك لا تدري كيف تبلدت عقول هؤلاء إلى حد أن يعتقدوا هذا الاعتقاد الغريب في أن الله غضب على ابن الحنفية من مجرد زيارته لهؤلاء الحكام من المسلمين، والذين لهم يد مشكورة في انتشار رقعة الإسلام، فأوصل الله –بزعمهم- عقابه إلى هذا الحد من السنين الطويلة التي شكى منها الحميري سبعين عاماً، وقد بقي الكثير جداً والتي ستمتد إلى أن يغير هؤلاء الحمقى عقيدتهم هذه.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٣٢
стр. 2180
المبحث الرابع: الزيدية
• المطلب الأول: التعريف.
• المطلب الثاني: نشأة الزيدية.
• المطلب الثالث: موقف زيد من حكام بني أمية.
• المطلب الرابع: الأفكار والمعتقدات.
• المطلب الخامس: الجذور الفكرية والعقائدية.
• المطلب السادس: موقفهم من الإمامة.
• المطلب السابع: آراء زيد والزيدية.
• المطلب الثامن: أشهر الفرق الزيدية.
• المطلب التاسع: فرق جارودية اليمن.
• المطلب العاشر: أئمة الزيدية ودورهم في نشر القبورية في اليمن.
• المطلب الحادي عشر: الانتشار ومواقع النفوذ.
стр. 2181
المطلب الأول: التعريف
الزيدية إحدى فرق الشيعة، نسبتها ترجع إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين الذي صاغ نظرية شيعية في السياسة والحكم، وقد جاهد من أجلها وقتل في سبيلها، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعاً، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2182
المطلب الثاني: نشأة الزيدية بعد قتل الحسين بن علي (١) ظهرت معظم الفرق التي تزعم التشيع، بل وأخذت دعوى التشيع تتصاعد في الغلو. وفي أيام علي بن الحسين الملقب بزين العابدين طمع الشيعة في استجلابه إليهم غير أنه كان على ولاء تام ووفاء كامل لحكام بني أمية متجنباً لمن نازعهم (٢)، بل إن يزيد بن معاوية وهو خليفة كان يكرمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا معه (٣).
وقد أنجب أولاداً، منهم:
زيد بن علي بن الحسين.
محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر والد جعفر الصادق. عمر بن علي بن الحسين (٤).
وقد اختلف الشيعة في أمر زيد بن علي، ومحمد بن علي أيهما أولى بالإمامة بعد أبيهما؟ فذهبت طائفة إلى أنها لزيد فسموا زيدية، وهؤلاء يرتبون الأئمة ابتداءً بعلي ﵁، ثم ابنه الحسن، ثم الحسين، ثم هي شورى بعد ذلك بين أولادهما - كما ترى الجارودية منهم (٥) - ثم ابنه علي بن الحسين زين العابدين، ثم ابنه زيد وهو صاحب هذا المذهب، ثم ابنه يحيى بن زيد، ثم ابنه عيسى بن زيد - كما ترى الحصنية منهم فيما يذكره القمي (٦) -، وبعد ذلك يشترطون في الإمام أن يخرج بسيفه سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين. وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإمامة لمحمد بن علي بن الحسين المكنى بأبي جعفر الباقر (٧). ونحن هنا بصدد دراسة الزيدية كيف قامت؟ وما هي مواقف الناس منهم؟ وقد وصف أبو زهرة الزيدية بأنهم (أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية، وأكثر اعتدالا، وتشيعهم نحو الأئمة لم يتسم بالغلو؛ بل اعتبروهم أفضل الناس بعد الرسول ﷺ ، واعتدلوا في مواقفهم تجاه الصحابة، فلم يكفروهم وخصوصاً من بايعهم علي ﵁ واعترف بإمامتهم) (٨).هكذا قال عنهم، والذي يظهر لي أن هذا الحكم غير صحيح على جميع الزيدية- فإن بعض طوائفهم رافضة، وهم الذين خرجوا عن مبادئ زيد وآرائه، سواء كانوا متقدمين أو متأخرين فقد قسم أبو زهرة الزيدية من حيث الاعتقاد إلى قسمين (٩):
المتقدمون منهم؛ المتبعون لأقوال زيد، وهؤلاء لا يعدون من الرافضة، ويعترفون بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 2183
وقسم من المتأخرين منهم، وهؤلاء يعدون من الرافضة، وهم يرفضون إمامة الشيخين ويسبونهما ويكفرون من يرى خلافتهما. وهذا يحتاج من الزيدية إلى إعادة النظر؛ ليتقاربوا من إخوانهم أهل السنة، وإلا أصبحوا في صف الإمامية الرافضة، وعموماً فإن مذهبهم في الإمامة يحصرونه في أولاد فاطمة فقط من غير تحديد بأحد منهم، وإنما يشترطون أن يكون كل فاطمي اجتمعت فيه خصال الولاية من الشجاعة والسخاء والزهد، وخرج ينادي بالإمامة - يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أوالحسين (١)، عكس الاثني عشرية الذين حرصوا على الأئمة في أولاد الحسين فقط.
زيد بن علي وهو الذي تنسب إليه الطائفة الزيدية: وهو زيد بن علي بن الحسين بن علي، ولد سنة ٨٠هـ تقريباً، وتوفي سنة ١٢٢هـ، وأمه أمة أهداها المختار إلى علي زين العابدين فأنجبت زيداً (٢).وكان زيد - كما تذكر الكتب التي تترجم له - شخصية فذة، صاحب علم وفقه وتقوى، واتصل بواصل بن عطاء وأخذ عنه، واتصل بأبي حنيفة وأخذ عنه (٣)، وكان أبو حنيفة يميل إلى زيد ويتعصب له، وقد قال في خروجه لحرب الأمويين: (ضاهى خروجه خروج رسول الله ﷺ يوم بدر) كما يذكر ذلك أبو زهرة (٤).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي - ١/ ٣٣٤
ـ تنقل في البلاد الشامية والعراقية باحثاً عن العلم أولاً وعن حق أهل البيت في الإمامة ثانياً، فقد كان تقيًّا ورعاً عالماً فاضلاً مخلصاً شجاعاً وسيماً مهيباً مُلمًّا بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ . ـ تلقى العلم والرواية عن أخيه الأكبر محمد الباقر الذي يعد أحد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية.
• أما ابنه يحيى بن زيد فقد خاض المعارك مع والده، لكنه تمكن من الفرار إلى خراسان حيث لاحقته سيوف الأمويين فقتل هناك سنة ١٢٥هـ.
• فُوِّض الأمر بعد يحيى إلى محمد وإبراهيم. ـ خرج محمد بن عبد الله الحسن بن علي (المعروف بالنفس الزكية) بالمدينة فقتله عاملها عيسى بن ماهان. ـ وخرج من بعده أخوه إبراهيم بالبصرة فكان مقتله فيها بأمر من المنصور
• أحمد بن عيسى بن زيد ـ حفيد مؤسس الزيدية ـ أقام بالعراق، وأخذ عن تلاميذ أبي حنيفة فكان ممن أثرى هذا المذهب وعمل على تطويره.
• من علماء الزيدية القاسم بن إبراهيم الرسي بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ (١٧٠ـ٢٤٢هـ) تشكلت له طائفة زيدية عرفت باسم القاسمية.
• جاء من بعده حفيده الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (٢٤٥ـ٢٩٨هـ) الذي عقدت له الإمامة باليمن فكان ممن حارب القرامطة فيها، كما تشكلت له فرقة زيدية عرفت باسم الهادوية منتشرة في اليمن والحجاز وما والاها.
• ظهر للزيدية في بلاد الديلم وجيلان إمام حسيني هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي ﵄ والملقب بالناصر الكبير (٢٣٠ ـ ٣٠٤هـ) وعرف باسم الأطروش، فقد هاجر هذا الإمام إلى هناك داعياً إلى الإسلام على مقتضى المذهب الزيدي فدخل فيه خلق كثير صاروا زيديين ابتداء.
• ومنهم الداعي الآخر صاحب طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي ﵄، الذي تكونت له دولة زيدية جنوب بحر الخزر سنة ٢٥٠هـ.
• وقد عرف من أئمتهم محمد بن إبراهيم بن طباطبا، الذي بعث بدعاته إلى الحجاز ومصر واليمن والبصرة. ومن شخصياتهم البارزة كذلك مقاتل بن سليمان، ومحمد بن نصر. ومنهم أبو الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وبعض أمراء بني بويه.
• استطاع الزيدية في اليمن استرداد السلطة من الأتراك إذ قاد الإمام يحيى بن منصور بن حميد الدين ثورة ضد الأتراك عام ١٣٢٢هـ وأسس دولة زيدية استمرت حتى سبتمبر عام ١٩٦٢م حيث قامت الثورة اليمنية وانتهى بذلك حكم الزيود ولكن لا زال اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2184
المطلب الثالث: موقف زيد من حكام بني أمية
خرج زيد على الحكام الأمويين، وأشهر السلاح في وجوههم، فما هو الدافع لزيد على هذا الخروج؟ والجواب هو حسب ما قيل في بعض المصادر أن زيداً خرج على بني أمية منكراً للظلم والجور، وبعضها يذكر أنه لم يكن يريد الخروج، ولا طلب الخلافة، ولكن حدث في تصرف هشام بن عبد الملك وعماله إهانات وإساءة لزيد لم يطق أن يعيش معها مسالماً لهشام بن عبد الملك، وذلك أن زيداً أحس أن والي المدينة من قبل هشام ويسمى خالد بن عبد الملك ابن الحارث ووالي هشام على العراق يوسف بن عمر الثقفي يتعمدان الإساءة له، وربما تصور أن ذلك بإيعاز من الخليفة هشام، فقرر أن يذهب للشام ويشرح أمره لهشام ليزيل ما في نفسه من تخوف أن يثور عليه زيد.
لكن حدث ما لم يكن في حسبانه، فقد قابله الخليفة مقابلة غير لائقة به حاصلها: أن زيداً وقف بباب هشام فلم يؤذن له بالدخول مدة، فكتب له كتاباً يشرح أمره ويطلب الإذن له فكتب هشام في أسفل الكتاب: ارجع إلى أميرك بالمدينة. فعزم زيد على مقابلته وقال: والله لا أرجع إلى خالد أبداً.
وأخيراً أذن له وقد رتب هشام الأمر، فوكل به من يحصي عليه جميع ما يقول، وحينما صعد زيد إلى هشام قال زيد: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل. فلما مثل بين يدي هشام لم ير موضعاً للجلوس فيه حيث انتهى به المجلس، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله.
فقال هشام: اسكت لا أم لك. أنت الذي تنازعك نفسك الخلافة وأنت ابن أمة. فقال له: يا أمير المؤمنين، إن لك جواباً إن أجبتك أحببتك به، وإن أحببت أمسكت- ولو أن هشاماً يريد العافية لقال له أمسك - فقال: بل أجب. فقال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله نبياً، وجعله للعرب أباً، وأخرج من صلبه خير البشر محمداً ﷺ ، ثم تقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي؟
فقال هشام: اخرج.
فقال زيد: أخرج، ولا أكون إلا حيث تكره. ومن هنا قرر أنه بين أمرين أحلاهما مر؛ فاختار الخروج (١).
وكم أسديت له من النصائح للرجوع عن رأيه، ولكنه - وبدفع من الشيعة- واصل سيره إلى أهل الكوفة الذين عاهدوه على نصرته ثم نكسوا على أعقابهم حين تراءى الجمعان، جيش الخلافة وهؤلاء، وفي هذا الموقف الحرج قام هؤلاء وسألوه - ليأخذوا حجة في الهرب ولرداءة معتقدهم- قالوا له: إنا لننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب.
فقال زيد - دون نفاق -: إني لا أقول فيهما إلا خيراً، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً، وقد كانا وزيرا جدي، وإنما خرجت على بني أمية الذي قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بالمنجنيق والنار.
فلما سمعوا هذا الجواب تفرقوا عنه ورفضوه. فقال لهم: رفضتموني؟ فسموا رافضة، وبقي في شرذمة قليلة سرعان ما قضى عليهم يوسف ابن عمر، وقد قتل زيد ودفن في ساقية فاستخرجه يوسف وكتب إلى الخليفة، فأمره هشام أن يصلبه مدة وأن يحرقه، وتم ذلك فيما ذكره علماء الفرق والمؤرخون (٢)
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي - ١/ ٣٣٧
стр. 2185
المطلب الرابع: الأفكار والمعتقدات
• يُجيزون الإمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإمام الحسن أم من نسل الإمام الحسين ﵄. ـ الإمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإمام السابق على الإمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإمامة كان أهلاً لها ـ يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين. ـ تقول الزيدية بالإمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها.
• معظم الزيدية المعاصرين يُقرُّون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، إلا أن الرفض بدأ يغزوهم - بواسطة الدعم الإيراني -، ويحاول جعلهم غلاة مثله.
• يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بذات الله، والاختيار في الأعمال. ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة.
• يخالفون الشيعة في زواج المتعة ويستنكرونه.
• يتفقون مع الشيعة في زكاة الخمس وفي جواز التقية إذا لزم الأمر.
• هم متفقون مع أهل السنة بشكل كامل في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع مثل: ـ قولهم "حي على خير العمل" في الأذان على الطريقة الشيعية. ـ صلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات. ـ يرسلون أيديهم في الصلاة. ـ صلاة العيد تصح فرادى وجماعة. ـ يعدون صلاة التروايح جماعة بدعة. ـ يرفضون الصلاة خلف الفاجر. ـ فروض الوضوء عشرة بدلاً من أربعة عند أهل السنة.
• باب الاجتهاد مفتوح لكل من يريد الاجتهاد، ومن عجز عن ذلك قلد، وتقليد أهل البيت أولى من تقليد غيرهم.
• يقولون بوجوب الخروج على الإمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته.
• لا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ. كما لا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله معظم فرق الشيعة الأخرى. ـ لكن بعض المنتسبين للزيدية قرروا العصمة لأربعة فقط من أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ جميعاً.
• لا يوجد عندهم مهدي منتظر.
• يستنكرون نظرية البداء التي قال بها المختار الثقفي، حيث إن الزيدية تقرر أن علم الله أزلي قديم غير متغير وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ.
• قالوا بوجوب الإيمان بالقضاء والقدر مع اعتبار الإنسان حراً مختاراً في طاعة الله أو عصيانه، ففصلوا بذلك بين الإرادة وبين المحبة أو الرضا وهو رأي أهل البيت من الأئمة.
• مصادر الاستدلال عندهم كتاب الله، ثم سنة رسول الله، ثم القياس ومنه الاستحسان والمصالح المرسلة، ثم يجيء بعد ذلك العقل، فما يقر العقل صحته وحسنه يكون مطلوباً وما يقرر قبحه يكون منهياً عنه. وقد ظهر من بينهم علماء فطاحل أصبحوا من أهل السنة، سلَفِيي المنهج والعقيدة أمثال: ابن الوزير وابن الأمير الشوكاني
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2186
المطلب الخامس: الجذور الفكرية والعقائدية
• يتمسكون بالعديد من القضايا التي يتمسك بها الشيعة كأحقية أهل البيت في الخلافة وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها، وتقليدهم، وزكاة الخمس، فالملامح الشيعية واضحة في مذهبهم على الرغم من اعتدالهم عن بقية فرق الشيعة.
• تأثر الزيدية بالمعتزلة فانعكست اعتزالية واصل بن عطاء عليهم وظهر هذا جلياً في تقديرهم للعقل وإعطائه أهمية كبرى في الاستدلال، إذ يجعلون له نصيباً وافراً في فهم العقائد وفي تطبيق أحكام الشريعة وفي الحكم بحسن الأشياء وقبحها.
• أخذ أبو حنيفة عن زيد، كما أن حفيداً لزيد وهو أحمد بن عيسى بن زيد قد أخذ عن تلاميذ أبي حنيفة في العراق، وقد تلاقي المذهبان الحنفي السُّني والزيدي الشيعي في العراق أولاً، وفي بلاد ما وراء النهر ثانياً مما جعل التأثر والتأثير متبادلاً بين الطرفين.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2187
المطلب السادس: موقفهم من الإمامة
حصر الإمامة في أبناء البطنين: وكما اهتم الإمام الهادي بنشر مذهبه، الذي أخذ في الظهور في عهده في بعض مخاليف نجد اليمن، الذي خضع لنفوذه، فقد اهتم أيضاً هو مَنْ خلفه من الأئمة في اليمن بأمر الإمامة، وحصرها في أبناء البطنين: الحسن والحسين، حتى جعلها أصحاب هذا المذهب أصلاً من أصول الدين الخمسة المتضمنة لعقائدهم، وهي الأصول الخمسة المعروفة عند المعتزلة، إلا أن الزيدية استبدلوا الإمامة بالمنزلة بين المنزلتين المشهورة عند المعتزلة. كما خص الهادوية شروطها بفصلٍ خاص من كتاب السير، وهو آخر أبواب كتب الفقه عندهم، وهي أن يكون الإمام: ذكراً، حراً، علوياً، فاطمياً، سليم الحواس والأطراف، مجتهداً، عدلاً، سخياً، يضع الحقوق في مواضعها، مدبراً، أكثر رأيه الإصابة، مقداماً حيث يجوز السلامة، لم يتقدمه مجاب، وطريقها الدعوة، لا التوريث، ولا يصح إمامان (١).وقد أوجز الإمام يحيى بن حمزة المتوفى سنة (٧٤٩هـ) هذه الشروط في قوله: "أن يكون عالماً بأصول الشريعة، ومتمكناً من الفتوى في أحكام الشرع، أن يكون ذا رأي وسياسة للحرب والسلم، أن يكون شجاعاً مجتمع القلب، لا يضعف عند لقاء عدوه، أن يكون له ورع يحجزه عن الوقوع في المحرمات، ويمنعه عن الإخلال بشيء من الواجبات" (٢).
стр. 2188
على أنه قد ولي الإمامة كثيرٌ من الأئمة العاطلون عن أهم شروطها، وهو العلم والعدل. كما ظهر في اليمن عدد من الأئمة في وقت واحد، وذلك كما حدث - على سبيل المثال- في عصر الإمام يحيى بن حمزة، إذ عارضه ثلاثة أئمة آخرون هم: علي ابن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، والمطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى، وأحمد بن علي الفتحي. وقد استدلت الزيدية على حصر الإمامة في الحسنين وفي أبنائهما إلى آخر أيام الدنيا بشروطها المذكورة، وعدم تجويزها في غيرهم ببعض آيات وأحاديث أولوها تأويلاً على مقتضى مذهبهم، بعيداً عن معنى ظاهر اللفظ وسياق المعنى، وذلك لتطابق عقيدتهم، مخالفين في ذلك الإمامية الذين حصروها في اثنى عشر إماماً، ومخالفين كذلك الإسماعيلية الذين يعتقدون الستر لأئمتهم من بعد زوال الدولة الفاطمية، ومع هذا، فإنهم - أي أئمة الزيدية- لم يحتجوا بحديث ((الأئمة من قريش)) (١). لأنهم لو أثبتوه حديثاً لبطل حصر الإمامة في أبناء البطنينفقد قال الإمام المنصور القاسم بن محمد المتوفى سنة ١٠٢٩هـ/ ١٦٢٠م: "وهذا الحديث غير صحيح، لقول عمر بن الخطاب: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما شككت فيه) (٢). وسالم المذكور ليس من قريش، ولم ينكر من حضر من الصحابة على عمر، ولو كان الحديث صحيحاً لأنكروا عليه، مع أنه آحادي لا يثبت الاحتجاج به في المسألة؛ لأنها من أصول الدين، وإن ثبت، فهو مجمل بينه خبر الوصي ﵇، وهو قوله: (الأئمة من قريش في هذا البطن من هاشم) (٣) " (٤) وقال المقبلي معبقاً على ما ذهب إليه أبو بكر: "وهذا اعتبار منه محض، ولا شك في أنه اعتبار صالح، نظراً إلى تلك الحادثة، والنبي ﷺ أرسل إلى جميع الخلق" (٥). ثم ترى أن في بعضها: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) (٦) وفي بعضها: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) (٧) ولا يأمر ﷺ باتباع الشر، وقد تكلف الناس الاستدلال بتلك الأحاديث على أن الإمارة في قريش، وأنها محصورة عليهم، وكان يلزمهم أن القضاء محصورٌ في الأزد، والأذان في الحبشة" (٨).
على أنه قد تولى الإمامة كثير من الأئمة العاطلين عن أهم شروطها وهو العلم والعدل، كما اجتمع على حكم اليمن عدد من الأئمة في وقت واحد، وذلك على سبيل المثال كما حددت في عصر الإمام يحيى بن حمزة، فقد قام ثلاثة أئمة آخرون معارضون له.
الاحتساب: أما إذا خلت البلاد عند الزيدية من رجل تتحقَّقُ فيه شروط الإمامة كلها أو أكثرها، فإنه كان يقوم رجل على طريق الصلاحية والاحتساب بالنهي عن المنكر بلسانه وسيفه على مراتبه، والأمر بالمعروف بلسانه دون سيفه، وسد الثغور، وتجييش الجيوش للدفع عن المسلمين، وحفظ ضعيفهم، وحفظ الأوقاف، وتفقد المناهل والمساجد والسبل، والمنع من التظالم، ولا يشترط فيه أن يكون علوياً فاطمياً. ويجب على المحتسب أن ينعزل عند ظهور الإمام؛ لأن الإمامة رئاسة عامة لشخص في الدين والدنيا. والفرق بين المحتسب والإمام: أن الإمام يختص بأربع خصال: إقامة الجمع، وأخذ الأموال كرهاً، وتجييش الجيوش لمحاربة الظالمين، وإقامة الحدود على من وجبت عليه، وقتل من امتنع من الانقياد لها. والمحتسب لا ولاية له على شيء من أموال الله ، ولا يجوز له قبضها إلا أن يأذن له أربابها، ويأمرون بذلك (٩).
المصدر: الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع - ص٦٨
стр. 2189
المطلب السابع: آراء زيد والزيدية
للشيعة عموماً آراء متضاربة متناقضة وأفكار تأثرت بجهات شتى من وثنية ومجوسية ويهودية ونصرانية إلا القليل منهم.
وأما بالنسبة لزيد فإن آراءه كما ذكر علماء الفرق والمؤرخين نوجزها فيما يلي:
في السياسة:
- يرى زيد جواز ولاية المفضول، أي أن الإمامة عنده ليست وراثة، فإذا اقتضت المصلحة تقديم المفضول فلا بأس بذلك، وكان مع تفضيله لعلي على أبي بكر يرى أن خلافة الشيخين خلافة صحيحة. ولمّا قيل له في ذلك قال: (كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عرفوا باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ ... ) (١) إلى آخر كلامه.
وفي هذا الجواب بعض الأمور التي فيها نظر، فإن الصحابة ما كانوا ليحقدوا عليه قتل أقربائهم من المشركين، وأما الشدة فإن عمر كان أشهر منه فيها وقد ولاه الصحابة أمرهم.
- القول بعدم عصمة الأئمة أو وصايتهم من النبي ﷺ كما تقول الإمامية وبعض فرق الزيدية، فإن زعمهم عصمة الأئمة أو وصايتهم كان أساسه الاعتقاد الخاطئ أن تولي الأئمة كان من النبي ﷺ . والنبي ما كان يتصرف إلا بوحي، ومن غير المعقول أن يختار الله ورسوله الأئمة ثم يجري عليهم الخطأ في أحكامهم وهم المرجع للدين بعد النبي ﷺ . ولكن زيداً لم يلتفت إلى هذا القول الخاطئ والاعتقاد الباطل فيما قيل عنه (٢)؛ إذ لم تثبت العصمة لأحد غير الأنبياء فيما كلفوا بتبليغه.- لم يقل بالمهدي المنتظر ولا بالغائب المكتوم (٣).
стр. 2190
وهي من عقائد الشيعة الأساسية، فكل طائفة منهم لها مهدي وغائب مكتوم، وتفرقوا في هذه الخرافة طوائف متعارضة: فالمهدي عند الكيسانية هو محمد بن الحنفية، وعند الاثني عشرية محمد بن الحسن العسكري، وعند بقية طوائفهم أئمة مهديون ينتظرون خروجهم بغتة يملأون الأرض عدلاً بزعمهم. وسبب هذه الخرافة أنهم يعتقدون أن لآل البيت مزية عن غيرهم فهم يحيون قروناً، وأن الخلافة لا تخرج من أيديهم سواء كانوا ظاهرين أو مستترين، ولم يلتفت زيد إلى وجود مهدي سيخرج، كما يذكر عنه أبو زهرة (١).والواقع أن أهل السنة يؤمنون بمجيء مهدي في آخر الزمان على ما بينته الأحاديث (٢)، لكن هؤلاء الشيعة استغلوا هذه القضية استغلالاً خاطئاً، وقررها علماؤهم وزعماؤهم لأغراض سياسية أكثر منها دينية.- حكم في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين تبعاً لرأي المعتزلة: وقيل: إنه خالفهم في تخليده في النار، وقال: لا يخلد في النار إلا غير المسلم (٣) هكذا ذكر عنه أبو زهرة.- ولكن الأشعري ينقل عن فرق الزيدية القول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار كما تقول الخوارج (٤) والمعتزلة، وإنهم مجمعون على ذلك.
وأهل الحق يقولون: هم تحت المشيئة، ولا يقولون بحتمية دخولهم النار ولا بتخليدهم فيها.- قال بالإيمان بالقضاء والقدر من الله تعالى، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار بتمكين الله له، وبها يحاسب فيثاب أو يعاقب كما يذكره عنه أبو زهرة (٥) رغم أن الزيدية معتزلة في الأصول بسبب تلمذة زيد لواصل بن عطاء الغزال زعيم المعتزلة.- لم يقل بالبداء على الله، وهو القول بحدوث حوادث جديدة متغيرة في علم الله - على حسب ما يحدث-، وهذا القول تزعمته الكيسانية وكثير من الروافض، واعتقاده كفر. ومذهب زيد أن علم الله تعالى أزلي قديم، وأن كل شيء بتقديره سبحانه، وأن من النقص في علم الله أن يغير إرادته لتغير علمه (٦) ولم يتأثر بعقائد الإمامية في هذا.- لم يقل بالرجعة المزعومة عند الشيعة. وهي بدعة غريبة، وهي أن كثيراً من العصاة سيرجعون إلى الدنيا ويجازون فيها قبل يوم القيامة، وينتصف أهل البيت ممن ظلموهم، كما أنه يرجع أقوام آخرون لا عقاب عليهم لينظروا ما يحل بمن ظلم أهل البيت (٧)، إلى غير ذلك من الآراء التي تهم أهل الاختصاص والتفرغ لدراستها.
ولكن: هل استمر الزيدية على هذه المبادئ التي قيلت عن زيد؟ الجواب: لا، فقد جاءت طوائف حرفت مذهب زيد، ورفضوا خلافة الشيخين (٨)، وقالوا بالرجعة (٩) وعصمة الأئمة وغير ذلك من أقوال فرقهم الأربع التي هي: الجارودية، والسليمانية أو الجريرية، والبترية أو الصالحية، واليعقوبية. وأشهرها الجارودية.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي - ١/ ٣٤٣
стр. 2191
الجارودية: نسبة إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي الهمذاني، وقيل الثقفي، وقيل: الهندي، وقيل: زياد بن منقذ العبدي، وقيل: زياد بن أبي زياد. وصفه ابن النديم بقوله: "من علماء الزيدية، أبو الجارود، ويكنى أبا النجم زياد بن منذر العبدي، يقال: إن جعفر بن محمد بن علي ﵈ سئل عنه، فقال: ما فعل أبو الجارود؟ أرجأ بعدما أولى، أما إنه لا يموت إلا بها. ثم قال: لعنه الله، فإنه أعمى القلب، أعمى البصر. وقال فيه محمد بن سنان: أبو الجارود لم يمت حتى شرب المسكر، وتولى الكافرين (١). توفى سنة ١٥٠هـ، وقيل: سنة ١٦٠هـ.
ومع هذا الاضطراب العجيب في اسمه، وفي كنيته، وفي لقبه، وفي نسبه، وأيضاً في تاريخ وفاته، فقد أطلق عليه الباقر أبو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵀ اسم (سرحوب)، وفسره بأنه شيطان أعمى يسكن البحر.
وكان لأبي الجارود أصحاب وأتباع ذكر منهم: فضل الرسان، وأبو خالد الواسطي. وقد زعموا - أي الجارودية- أن النبي ﷺ نص على علي بالوصف والإشارة دون التسمية والتعيين، وهو الإمام بعده، والناس قصَّرُوا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك" (٢) وهذا هو ما دفع الشيخ المفيد إلى أن يُلحق الجارودية بغلاة الشيعة، ويقرنها بالإمامية (٣).
وذكر الدامغاني أن هذه المقالة مخالفة لمقالة زيد بن علي، إلا أنه استدرك ذلك، وانفرد بقوله: "وقليل من يوجد عليها الآن منهم، وإنما الظاهر الآن من أقوالهم التوقف في أمر الشيخين". (وهذا مخالف للواقع) مع الاعتقاد أن الإمام بعد النبي ﷺ هو علي. وأنهما قد أخطأا في التقدم عليه خطأ لا يقطع بأنه فسق، فلذلك توقفوا في حالهما. قالوا: "وإنما توقفنا فيهما لوجوه:
لما لم يكن النص على علي جلياً، كقوله: هو الخليفة بعدي على أمتي، والقائم عليهم مقامي، ونحو ذلك، وإنما قال: هو وصيي، وقاضي ديني، ومسلمي إلى ربي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، ومن كنت مولاه فعلي مولاه. والحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خيرٌ منهما، ونحو ذلك مما يستنبط منه بالاستدلال أن المراد به الخلافة، فلما لم يفهم ذلك بصريح اللفظ، لم يجز أن يهلك؛ لأنا نجوز أنهم فهموا من هذه الأدلة غير الخلافة، كما فهمه من بعدهم من المخالفين.
وثانيها: أن الذين رووا هذه الأحاديث اعتقدوا الخلافة في أبي بكر وعمر، فدل على أنهم فهموا أن النبي ﷺ لم يرد الخلافة بها.
وثالثها: أن الصحابة كالمجمعين على ذلك. وفي تخطئة جميعهم حرج عظيم؛ لأنه يقطع الثقة بالشريعة، لأنهم الذين نقلوها إلى الأمة.
ورابعها: أنها وردت أحاديث عدة أن أبا بكر وعمر من أهل الجنة، وبأن أهل بدر قد غفر لهم، ولو عملوا ما شاءوا، وخبر النبي ﷺ لا يجوز أن ينقلب، والأحاديث هذه يجوز فيها الصحة، فالتوقف فيهم أمان، والوقيعة فيهم خطر.
стр. 2192
وخامسها: أن علياً صاحب الحق لم ينقُل عنه أحدٌ أنه سبهما، ولا تبرأ منهما، ولا حكى أنهما من الكفار، ولا من أهل النار، ثم قال: وقد روي أنه دعا لهما، وشارك سعيهما في الإسلام، وعاضدهما في أمرهما، وجاهد معهما بنفسه ورأيه ولسانه، وبايعهما ونصرهما. قالت الزيدية: فلذلك نتوقف في حالهما، ونعتقد أنهما من فضلاء الصحابة جرت منهما خطيئة في الإمامة، الله سبحانه أعلم بحالهما فيها، ونقوله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:١٤١] ويزعمون أن هذه الطريقة طريقة جميع العلوية كزين العابدين, وعبدالله بن الحسن وأولادهما، وهي طريقة أتقياء الشيعة (١).
وزعمت طائفة من الجارودية أن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المعروف بالنفس الزكية حي لم يقتل، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وقد انتظروه - كما انتظره قوم من المغيرية- وأنكروا قتله (٢) وزعمت طائفة أخرى منهم أن الموصوف بهذه الصفات هو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي (٣)، بينما زعمت طائفة ثالثة أن المشار إليه بهذه الصفات محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي ابن الحسين (٤) (صاحب الطالقان)، وهم مختلفون في الأحكام والسير، فبعضهم يزعم أنَّ علمَ ولد الحسن والحسين ﵃ كعلم النبي ﷺ ، فيحصل لهم العلم قبل التعلم فطرة وضرورة، وبعضهم يزعم أن العلم مشترك فيهم وفي غيرهم، وجائز أن يؤخذ عنهم وعن غيرهم من العامة (٥).
السليمانية أو الجريرية:
نسبة إلى سليمان بن جرير، ويزعمون أن الإمامة شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول، وإن كان الفاضل أفضل في كل حال، وأن علياً كان الإمام بعد الرسول ﷺ ، ولكنهم أثبتوا بيعة أبي بكر وعمر باختيار الأمة حقاً اجتهادياً، غير أن الأمة أخطأت في البيعة لهما خطأ لا تستحق عليه اسم الكفر، ولا اسم الفسوق، وهي بذلك قد تركت الأصلح. وبرئت هذه الفرقة من عثمان للأحداث التي أحدثها، وأكفروه بذلك وكذلك أكفروا عائشة والزبير وطلحة ﵃ بإقدامهم على قتال علي ﵁، كما طعنوا في الرافضة لقولهم بالبداء، وهو أنهم إذا أظهروا قولاً أنه سيكون لهم قوة وشوكة وظهور، ثم لا يكون الأمر على ما أظهروه، قالوا: بدا لله تعالى في ذلك. ولقولهم أيضاً: بالتقية (٦)، وهي أن يقولوا شيئاً، فإذا قيل لهم: إنه ليس بحق، وظهر لهم البطلان، قالوا: إنما قلناه تقية، وفعلناه تقية.
стр. 2193
البترية:
أصحاب كثير النوا، الملقب بالأبتر، وقد سموا بذلك لتركهم الجهر بالبسملة بين السورتين، وقيل: لما أنكر سليمان بن جرير النص على علي، سماه المغيرة ابن سعيد أبتر، وتدعي الصالحية أيضاً، نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي الهمذاني المتوفى سنة ١٦٩هـ.
وقد ذهبوا إلى أن عليا أفضل الناس بعد الرسول ﷺ وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ؛ لأن عليا ترك ذلك لهما، وسلم لهما الأمر راضياً، وفوّض الأمر طائعاً، وترك حقه راغباً، فنحن راضون، مسلمون لما سلم، لا يحل لنا غير ذلك، كما أنهم لا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع. أما عثمان، فإنهم يقفون فيه وفي قتلته، ولا يقدمون عليه بإكفار، وإن كان قد حكي أن الحسن بن صالح كان يتبرأ من عثمان بعد الأحداث التي نقمت عليه (١).
وقال المهدي أحمد بن يحيى المرتضى: "وخالف متأخروهم هاتين الفرقتين، حيث أثبتوا إمامة علي ﵇ بالنص القطعي الخفي، وخطؤوا المشايخ لمخالفته، وتوقفوا في تفسيقهم، واختلفوا في جواز الترضي عنهم".
هذه هي فرق الزيدية المشهورة التي نشأت في المئة الثانية للهجرة، وأصحابها كلهم متفقون على أفضلية علي بن أبي طالب على من سواه بعد رسوله ﷺ ، ولكنهم مختلفون على تفاوت فيما بينهم في أحكامهم على من تقدمه من الخلفاء الراشدين، مخالفين في ذلك إمامهم زيد بن علي، وإن كانت (الصالحية) أو (البترية) أقرب إلى ما كان عليه زيد بن علي، وكذلك إلى حد ما (الجريرية)، كما أفاد يحيى بن الحسين في "طبقاته" بقوله: "فالذي كان من قبل - أي من قبل المائتين- هم الصالحية والجريرة، وهو الذي كان عليه زيد بن علي. وأما سائر الفرق، فإنما حدثت بعد ذلك، وخالفت زيد بن علي في أصوله وفروعه، ولم يوفقوا إلا في النزر اليسير"، ثم قال: "إلى هنا انتهى ذكر الزيدية الذين كانوا على المذهب الأول، وهو مذهب زيد بن علي" (٢).
стр. 2194
زيدية الجيل والديلم: ثم لم ينتظم للزيدية بعد استشهاد زيد بن علي وابنه يحيى، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية، وأخيه إبراهيم أمر حتى ظهر الناصر الأطروش الحسن بن علي بن عمر ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بخراسان سنة ٢٨٤هـ وقيل سنة ٢٨٧هـ، فطلب مكانه فاختفى، واعتزل الأمر سنة ٣٠٢هـ، ثم صار إلى بلاد الجيل والديلم، فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك، ونشؤوا عليه وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين (١). ولكنها مالت بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية (٢)، وذلك بعد ظهور الدولة البويهية (٣٢ - ٤٤٧هـ/ ٩٣٢ - ١٠٥٥م) التي كانت زيدية، ثم تحولت إلى شيعية غلاة، وابتدعت بدعاً ليس عليها أثارةٌ من علم، لا من كتاب ولا من سنة، ومنها على سبيل المثال الاحتفال بعيد الغدير، وتجريم من تقدم علياً من الخلفاء الراشدين ﵃ جميعاً.
стр. 2195
زيدية اليمن:
كما ظهر في اليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرّسي، الذي قدم إليها من الحجاز سنة (٢٨٤هـ/ ٨٩٧م) فدعا إلى نفسه بالإمامة، وتلقب بالهادي، وكان عالماً مجتهداً كبيراً، أخذ الأصول (علم الكلام) عن شيخه أبي القاسم البلخي المعتزلي، وأقواله في الأصول متابعة له في الغالب. وأما في الفروع استقلَّ فيه باجتهاده فخالف زيد بن علي في ما ذهب إليه من اجتهاد، ولم يتقيد بأقواله التي تضمنها (مجموع الفقه الكبير) لزيد بن علي و (الجامع الكافي) لأقوال زيد بن علي، ولم يبق لمذهب زيد بن علي الأول في الأصول والفروع منه متابع. ومع هذا فقد تغلب اسم المذهب الزيدي على مذهب الإمام الهادي؛ وذلك لأن الهادي وأتباع مذهبه يقولون بإمامة زيد بن علي، ووجوب الخروج على الظلمة، ويعتقدون فضله وزعامته، ويحصرون الإمامة في من قام ودعا من أولاد الحسنين، وهو جامع لشروط الإمامة المدونة في كتبهم، فمن قال بإمامته فهو زيدي، وإن لم يلتزم مذهبه في الفروع، فإن أكثر الزيدية على رأي غيره في المسائل الاجتهادية والمسائل النظرية، وكذلك أئمتهم؛ كالقاسم والهادي والناصر، فهم ينتسبون إلى زيد بن علي، مع أنهم كانوا مثله في الاجتهاد، ويخالفونه في كثير من المسائل (١).
стр. 2196
وهذا هو ما أكده الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: "فالزيديه - أي زيدية اليمن- منسوبةٌ إلي زيد بن علي لقولهم جميعاً بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في مسائل الفروع، وهي تخالف الشافعية والحنفية في ذلك؛ لأنهم إنما نسبوا إلى أبي حنيفة والشافعي، لمتابعتهم لهما في الفروع. قال الحاكم: "والزيدية يجمع مذهبهم تفضيل علي على سائر الصحابة، وأوليته بالإمامة، وقصرها من بعد الحسنين في البطنين، أي في ذريتهما، واستحقاقها إنما يثبت بالفضل والطلب لا بالوراثة كما تقوله العباسية، ويعتقدون وجوب الخروج على الجائرين، ويرون القول بالتوحيد والعدل والوعد والوعيد كالمعتزلة (١).وقد أضاف الإمام يحيى بن حمزة إلى ما تقدم ما يلي: "فمن كان على عقيدته في الديانة والمسائل الإلهية، والقول بالحكمة، والاعتراف بالوعد والوعيد، وحصر الإمامة في الفرقة الفاطمية، والنص في الإمامة على الثلاثة الذين هم علي وولده، وأن طريق الإمامة الدعوة في من عداهم، فمن كان مقراً في هذه الأصول، فهو زيدي" (٢).كذلك فإن الزيدية الهادوية في اليمن جعلوا علياً وفاطمة والحسنين معصومين كالأنبياء، وأن إجماعهم حُجَّة، كما أن إجماع علماء أبنائهم أيضاً حجة لأنهم هم وحدهم آل محمد من بين أمة محمد. وإجماع الآل حجة، وأن علياً بخاصة معصوم، وقوله حجة كحجة الكتاب والسنة (٣).وحينما قدم الإمام الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن كان متأخرو الزيدية في الجيل والديلم قد انقسموا إلى قاسمية وناصرية (٤)، وكان يخطّئ بعضهم بعضاً، حتى خرج المهدي أبو عبدالله الداعي، وألقى إليهم: أن كل مجتهد مصيب (٥)، وكذلك كان زيدية اليمن يعتقدون أن المصيب في الاجتهاديات واحد، والحق معه إلى زمن الإمام المتوكل أحمد بن سليمان. وذكر الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أن الزيدية (زيدية اليمن) فرقة واحدة من الشيعة قد تفرقت إلى مخترعة ومطرفية وجارودية وصالحية وحسينية وفي الفروع مؤيدية وهادوية وناصرية وقاسمية، وأهل الكوفة منهم على مذهب أحمد بن عيسى والحسن بن يحيى ومحمد بن منصور كما ذكره صاحب (الجامع الكافي)، ووقع بينهما تفسيق وتأثيم على الاختلاف في الفروع كما حكاه أبو العباس في تلفيقه ﵀ (دع عنك الأصول)، واشتد خلافهم من بعد الإمام المنصور بالله في الأئمة، فافترقوا على الداعي وعلى الإمام أحمد بن الحسين افتراقاً قبيحاً كفر بعضهم بعضاً (٦).
стр. 2197
وقد اعتمد الإمام الهادي يحيى بن الحسين في استنباط فقهه الذي اجتهد فيه، واختاره مذهباً له على أدلة مروعة عن أسلافه؛ منها ما هو مرسل، ومنها ما هو موقوف، ولم يلتفت إلى الأدلة المروية عند أهل السنة، فيستنبط منها أحكام فقهه، كما فعل أئمة المذاهب الأربعة المشهورون: الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، ولكنه تجاهلها، بل وأنكر صحتها كما بين ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه (الغايات)، ناقلاً عن الهادي يحيى ابن الحسين في ذكر المخالف؛ حيث قال: "ولهم - أي أهل السنة- كتابان يسمونهما بالصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ولعمري عن الصحة لخاليان" وعقب المهدي على كلام الهادي بقوله: ولعمري إنه - أي الهادي- لا يقول ذلك على غير بصيرة) أو كما قال (١). وهذا هو ما جنح إليه الإمام المهدي نفسه، وأكد على ذلك بقوله شعراً:
إذا شئت أن تختار لنفسك مذهباً ... ينجيك يوم الحشر من لهب النار
فدع عنك قول الشافعي ومالك ... وحنبل والمروي عن كعب أحبار
وخذ من أناسٍ قولهم ورواتهم ... روى جدهم عن جبرائيل عن الباري (٢)
كذلك فإن أحمد بن سعد الدين المسوري، المتوفى سنة ١٠٧٩هـ/ ١٦٦٨م قد أعلن في رسالته المسماة (الرسالة المنقذة من الغواية في طريق الرواية) التي صنفها سنة ١٠٥٢هـ "أن كل ما في الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب (٣)؛ وذلك لأن الهادي ومن سار على دربه من الأئمة وأبتاع مذهبه لا يعتدون بها في شيء، لأن رواتها لم يكونوا من الشيعة في اعتقادهم، ولهذا فإنهم يقتصرون على الأحاديث المروية عن أسلافهم وبأسانيدهم، كما أوضح ذلك الإمام عبدالله بن حمزة المتوفى سنة (٦١٤هـ/ ١٢١٧م) في كتابه (المجموع المنصوري) حينما أجاب على الفقيه عبدالرحمن بن المنصور بن أبي القبائل صاحب (الرسالة الخارقة) بقوله:
كم بين قولي عن أبي عن جده ... وأبي أبي فهو النبي الهادي
وفتى يقول: حكى لنا أشياخنا ... ما ذلك الإسناد من إسنادي
ما أحسن النظر البليغ لمنصفٍ ... في مقتضى الإصدار والإيراد
خذ ما دنا ودع البعيد لشأنه ... يغنيك دانيه عن الأبعاد (٤)
وهذا هو ما ذهب إليه الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة (٨٢٢هـ/ ١٤١٩م) حينما أراد أن يقنع أخاه محمداً الذي نبذ التقليد بعد أن ملك زمام الاجتهاد، وعمل بأحكام الكتاب وصحيح السنة، ليعود إلى ما كان عليه من التمسك بالمذهب الهادوي مبيناً له الفرق بين إسناد أسلافه وإسناد أهل السنة، فقال في قصيدته الدالية المشهورة مخاطبا أخاه:
مالي أراك وأنت صفوةُ سادةٍ ... طابت شمائلهم لطيب المحتد
تمتاز عنهم في مأخذ علمهم ... وهم الذين علومهم تروي الصدي
أخذوا مباني علمهم وأصوله ... عن أهلهم من سيد عن سيد
سند عن الهادي وعن آبائه ... لا عن كلام مسدد بن مسرهد
سند عن الآباء والأجداد في ... أحكامهم وفنونهم والمفرد (٥) ... ... وللعلامة عبدالله بن علي الوزير:
في كفة الميزان ميل واضح ... عن مثل ما في سورة الرحمن
فاجزم بخفض النصب وارفع رتبة ... للدين واكسر شركة الميزان (٦)
стр. 2198
فهم لهذا يؤثرون العمل بما قرره علماءُ مذهبهم، ولا سيما في العبادات على ما سواه، حتى لو كان مصادماً لأدلة الكتاب والسنة؛ مثال ذلك: إذا تعارض ما رجحه أهل المذهب في مسألة ما مع النص من الكتاب، أو من السنة، أو منهما معاً، فإنه يقال في هذه الحال: والمذهب بخلافه؛ ضارباً بالدليل عرض الحائط، فمن أمثلة ذلك أن الله تعالى أحل للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب، وكذلك زوج المسلم بالكتابية (١)، وذلك قول قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ [المائدة:٥]، لكن المذهب الهادوي لم يأخذ بما أحله الله للمسلمين، في هذه الآية الكريمة، ولعل هذا هو ما حمل نشوان بن سعيد الحميري المتوفى سنة بضع وسبعين وخمس مئة على إعلان إنكاره لبعض المقلدين من علماء عصره، لإيثاره رأي الإمام الهادي يحيى بن الحسين على قول الله تعال، وذلك في قوله:
إذا جادلت بالقرآن خصمي ... أجاب مجادلاً بكلام يحيى
فقلت: كلامُ ربك عنه وحي ... أتجعل قول يحيى عنه وحيا (٢)
على أن هذا الأمر ليس خاصاً بالمذهب الزيدي، ولكنه شائع في بعض المذاهب الأخرى، وهو ما أشار إليه الإمام الشوكاني في كتابه (أدب الطلب) وهو يتحدث عن المقلدين في جميع المذاهب الإسلامية بقوله: "إنهم اعتقدوا أن إمامهم الذي قلدوه ليس في علماء الأمة من يساويه أو يدانيه، ثم قبلت عقولهم هذا الاعتقاد، وزاد بزيادة الأيام والليالي حتى بلغ إلى حد يتسبب عنه أن جميع أقواله صحيحة، جارية على وفق الشريعة، ليس فيها خطأ ولا ضعف، وأنه أعلم الناس بالأدلة الواردة في الكتاب والسنة على وجه لا يوفق عليه منها شيء، ولا تخفى منها خافية، فإذا أسمعوا دليلاً في كتاب الله أو سنة رسوله، قالوا: لو كان هذا راجحاً على ما ذهب إليه إمامنا، لذهب إليه، ولم يتركه، لكنه تركه لما هو أرجح منه عنده، فلا يرفعون لذلك رأساً، ولا يرون بمخالفته بأساً".
ثم أكد هذا القول بقوله: "وهذا صنيعٌ قد اشتهر عنهم، وكاد يعمهم قرناً بعد قرن، وعصراً بعد عصر، على اختلاف المذاهب، وتباين النحل، فإذا قال لهم القائل: اعملوا بهذه الآية القرآنية، أو بهذا الحديث الصحيح، قالوا: لست أعلم من إمامنا حتى نتبعك، ولو كان هذا كما تقول، لم يخالفه من قلدناه، فهو لم يخالفه إلا على ما هو أرجح منه.
стр. 2199
ثم خلص إلى القول بما هو عليه الحال عند المقلدين من الزيدية في اليمن، فقال: "وأما في ديارنا هذه فقد لقنهم من هو مثلهم في القصور، والبعد عن معرفة الحق ذريعة إبليسية، ولطيفة مشؤومة؛ هي أن دواوين الإسلام: الصحيحان والسنن الأربع، وما يلحق بها من المسندات والمجاميع المشتملة على الستة إنما يشتغل بها، ويكرر درسها، ويأخذ منها ما تدعو حاجته إليه من لم يكن من أتباع أهل البيت؛ لأن المؤلفين لها لم يكونوا من الشيعة، فيدفعون بهذه الذريعة جميع السنة المطهرة، لأن السنة الواردة عن رسول الله ﷺ هي ما في تلك المصنفات، ولا سنة غير ما فيها، هؤلاء وإن كانوا يعدون من أهل العلم، ولا يستحقون أن يذكروا مع أهله، ولا تنبغي الشغلة بنشر جهلهم، وتدوين غباوتهم، لكنهم لما كانوا قد تلبسوا بلباس أهل العلم، وقبلوا ما يلقنونهم من هذه الفواقر، فضلوا وأضلوا وعظمت بهم الفتنة، وحلت بسببهم الرزية، فشاركوا سائر المقلدة في ذلك الاعتقاد في أئمتهم الذين قلدوهم، واختصموا من بينهم بهذه الخصلة الشنيعة، والمقالة الفظيعة، فإن أهل التقليد من سائر المذاهب يعظمون كتب السنة، ويعترفون بشرفها، وأنها أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله، وأنها هي دواوين الإسلام وأمهات الحديث وجوامعه التي عول عليها أهل العلم في سابق الدهر ولاحقه، بخلاف أولئك، فإنها عندهم بالمنزلة التي ذكرنا، فضموا إلى شنيعة التقليد شنيعة أخرى هي أشنع منها، وإلى بدعة التعصب بدعة أخرى هي أفظع منها. ولو كان لهم أقل حظ من علم، وأحقر نصيب من فهم لم يخف عليهم أن هذه الكتب لم يقصد مصنفوها إلا جمع ما بلغ إليهم من السنة بحسب ما بلغت إليه مقدرتهم، وانتهى إليه علمهم، لم يتعصبوا فيها لمذهب، ولا اقتصروا فيها على ما يطابق بعض المذاهب دون بعض، بل جمعوا سنة رسول الله ﷺ لأمته ليأخذوا كل عالم منها بقدر علمه، وبحسب استعداده".ثم قال: "ومن لم يفهم هذا، فهو بهيمة لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به النوع الإنساني، وغاية ما ظفر به من الفائدة بمعاداة كتب السنة التسجيل على نفسه بأنه متبدع أشد ابتداعه، فإن أهل البدع لم ينكروا جميع السنة، ولا عادوا كتبها الموضوعة لجمعها، بل حق عليهم اسم البدعة عند سائر المسلمين لمخالفة بعض مسائل الشرع" (١).
المصدر: الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع - ص٢٥
стр. 2200
المطلب التاسع: فرق جارودية اليمن
• ١ - الحُسَيْنية:.
• ٢ - المُطَّرِّفية:.
• ٣ - المخترعة:.
стр. 2201
١ - الحُسَيْنية:
نسبة إلى الحسين بن القاسم بن علي العياني، الذي دعا إلى نفسه بالإمامة سنة (٣٩٣هـ/ ١٠٠٢)، وتلقب بالمهدي، وقد زعم أنه المهدي المنتظر الذي بشر به النبي ﷺ ، وأنه أفضلُ من النبي، وأن كلامه ومصنفاته أفضلُ من القرآن، وأبهر في ظهور المعنى، وقطع كلام الخصم، وأنه - كما ذكر الحجوري في (روضته) - "فوق الملكوتية ودون الربوبية". وكان يطلب من الناس الأخماس - موافقة للعبيدية- في كل شيء من الحلية والأموال حتى في العبيد والإماء، والثلث في سائر الأشياء من الحبوب وغيره. فمن ساعده في ذلك وإلا حكم عليه بحكم اليهود في فرض الجزية وسلب السلاح، ومن تعذّر عن ذلك قتله وصلبه". وقد انتهى أمره بأن قَتَلَتْه همدان في ذي عرار من حقل اليون شمال صنعاء في صفر سنة (٤٠٤هـ/ ١٠١٣م)، وقد أقام شيعته في موضع مصرعه قبراً يزعمون أنه مدفون فيه، ويجتمع عنده الشيعة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنوياً للاحتفال بيوم الغدير المشهور عندهم، ولا يزال شيعة اليمن يحتفلون بهذه المناسبة حتى اليوم. وزعم أتباعه أنه المهدي المنتظر، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً، ويرون أن من لم يقل بقولهم هذا فيه، فهو في النار. ثم افترق أتباعه وأشياعه إلى فرقتين: فرقة تزعم أنه يأتيهم في السر، ولا ينقطع عن زيارتهم في حال مغيبه، وأنهم لا يفعلون شيئاً إلا بأمره، وفرقة تبطل ذلك، وتقول: إنه لا يُشاهد بعد الغيبة إلى وقت ظهوره وقيامه، وإنما هم يعملون بما وضع في كتبه. ولهم أقوال غريبة كثيرة، منها: صحة التيمم مع وجود الماء (١). وقد استمرت هذه الفرقة إلى المئة الثامنة للهجرة، ثم تلاشت (٢).
стр. 2202
٢ - المُطَّرِّفية: فرقة تنسب إلى مطرف بن شهاب، من أعلام أواخر المئة الرابعة وأوائل المئة الخامسة للهجرة، وكانوا من شيعة الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وأتباع مذهبه في الفروع، ولا يرون جواز الخروج عنه، ويعتقدون الحقَّ في الاجتهادات مع واحد، فلذلك حظروا الخروج عن مذهبه (١) ولما تبين لهم أن الإمام المنصور عبدالله بن حمزة قد خالف الهادي في بعض مسائل الفروع، أنكروا عليه ذلك، فكان هذا الإنكار من أسباب الشقاق بينه وبينهم، ومع أنه القائل: "إننا نهابُ نصوص الهادي كما نهاب نصوص القرآن (٢) وكانت المطرفيهُ على جانب عظيم من الإقبال على العلم والاشتغال به، والإخلاص في الطاعة والعبادة، ولهم زهد زائد على جميع الناس في زمانهم (٣).أما في الأصول، فإنهم كانوا على مذهب المعتزلة، متابعين في ذلك - كالهادي- أبا القاسم البلخي، إلا أنهم أظهروا القول بخلق العناصر الأربعة: الماء والتراب والهواء والنار، وبالانفعال في ما عدا ذلك (٤)، لأنهم يعتقدون أن التأثير لله في أصول الأشياء دون فروعها، كما أنهم أيضاً خالفوا الزيدية في أهم مبادئهم الأصولية، وهي الإمامة، فإنهم لم يشترطوا النسب في من يتولاها كما فعلت الزيدية، ورأيهم في هذا يتفق مع الرأس القائل: "إن الإمامة جائزة في جميع الناس لا يختص بها قومٌ دون قوم آخرين، وإنما تستحق بالفضل والطلب، وإجماع كلمة الشورى، وهذا هو ما ذهب إليه إبراهيم بن سيار النظام ومن قال بقوله من المعتزلة وغيرهم. وذلك كما جاء في قولهم: الإمامة لأكرم الخلق وخيرهم عند الله، واحتجوا بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:١٣]، فنادى جميع خلقه الأحمر والأسود والعربي والعجمي، ولم يخص أحداً منهم دون أحد، فقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:١٣]. فمن كان أتقى لله وأكرمهم عنده، وأعلمهم بالله، وأعلمهم بطاعته كان أولى بالإمامة، والقيام في خلقه، كائناً من كان منهم، عربياً أو أعجمياً (٥). ولكن هذا القول لم يرق للإمام عبدالله بن حمزة، ولم يقبل للمطرفية اجتهادهم في هذه المسألة، فكفرهم بالإلزام (وهو أن تلزم الغير على ما يقال به ما لا يقول به)، وجعل حكمهم حكم الحربيين، واستحل دماءهم وأموالهم، وأخرب ديارهم ومساجدهم، وحكم بأنها مساجد ضرارية (٦) وسماهم روافض (٧) الشيعة، مع أنهم كانوا من شيعته والمتابعين له، والملتزمين جمعته وجماعته بعد أن بايعوه عقب دعوته بالإمامة إلى نفسه (٨).
ولما كان اعتقاد نشوان بن سعيد الحميري يتفق مع اعتقاد المطرفية في جواز صحة الإمامة في غير أبناء البطنين، فإن الإمام عبدالله بن حمزة قد حكم عليه بمثل ما حكم على المطرفية، وذلك حينما أعلن نفسه إماماً، فقال الإمام عبدالله بن حمزة:
أما الذي عند جدودي فيه ... فيقطعون لسنه من فيه
ويتمون ضحوة بنيه ... إذ صار حق الغير يدعيه ...
стр. 2203
٣ - المخترعة: فرقة عرفت بهذا الاسم، لقولهم: باختراع الله الأعراض في الأجسام، وأنها لا تحصل بطبائهها - كما تقول المطرفية- وهم يقولون: بإمامة علي بالنص، وخطأ المشايخ بالتقدم عليه، ومخالفة ذلك النص والتوقف في تفسيقهم (١).وقد جرى بينهم وبين المطرفية نزاع شديد وخلاف مرير، انتهى بزوال المطرفية على يد الإمام عبدالله بن حمزة، وكان رئيس المخترعة علي بن شهر من بيت أكلب من قاع البون شمال صنعاء، وقد تابع أبا هاشم البلخي (٢) وهذه الفرقة هي ما عليها هادوية اليمن حتى اليوم. كذلك فقد أضاف الشريف عبدالصمد بن عبدالله الدامغاني (٣) إلى ما تقدم ذكره أموراً أخرى عن الزيدية، وذلك في قوله: "وأما ما نقم على الزيدية، فأمورٌ كثيرة.
منها: اعتقادهم - ومعهم أكثر المعتزلة- أن النبي ﷺ لا يشفع لعصاة الأمة، وهذا مخالف للعقل والنقل، فالعقل ظاهرٌ بلا مرية؛ لأن العاصي في الآخرة كالغريق في البحر يحتاج إلى استنقاذ، والمطيع كالذي في البر سالماً يريد أن يرتقي إلى منزلة عالية، فالغريق أولى بالاستنقاذ من ترقية السليم، ولا يظهر فضل النبي ﷺ في الآخرة على المورود، وأما النقل فأحاديث كثيرة تقضي بأن الشفاعة ثابتة لعصاة الأمة، ومنه الحديث الذي يتخذه المؤذن في دعائه قبل الإقامة وهو: "اللهم وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وشفعه في أمته، لأنه ﷺ أمر المؤذن بذلك، وما يتعلقون به - أي الزيدية- من قوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨]، وقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨]. فلا يصح التعلق به؛ لأنه وارد في الكفار، إذ لا شفاعة لهم بالإجماع. ومنها: اعتقادهم والمعتزلة أن الإنسان لا يدخل الجنة إلا بعمله، وهذا من أبعد ما يكون، وما يكون عمله في جنب معاصيه لو خلص، وفي جنب نعم الله تعالى عليه. كيف وشوائب الأعمال فائتة للحصر والتعداد، والحديث كله قاضٍ بأن الجنة لا تُستحق إلا بالتجاوز والرحمة، لا بمجرد العمل، ولذلك أراد النبي ﷺ تقرير أمته على ذلك بقوله: ((لا يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بعفوه)) (٤) , وهو ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مع أنه معصوم، لا يجوز عليه ما يستحق به النار، وإنما أراد أن توطن أمتُه أنفسها على ذلك، وإنما يقال: إن الرحمة والتجاوز مع العمل لقوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:٥٦]، لا المتمردين.
ومنها: أنهم وبعض المعتزلة يعتقدون بكفر كثير من المخالف لهم في العقيدة، ويجاهدونهم كما يجاهد المشركون، وهذا مخالف للشريعة النبوية، فإن الأحاديث قضت بأن المقر بالشهادتين يحقن ماله ودمه، ووافقهم في ذلك بعض أهل السنة كالمالكية، فإنهم يكفرون من سب صحابياً ويوجبون قلته. ولا دليل معهم عليه؛ لأنهم وقعوا في بعضهم بعض في الفتنة واليد واللسان، كحال علي ومعاوية؛ لأن العلة في ذلك واحدة، وهي الوقيعة في صحابي، والذنب عظيم لا يزال عظيماً ممن وقع، وغير العظيم لا يبلغ مبلغ العظيم ممن وقع أيضاً، ولا يقول أحد من الأئمة: إن بعض الصحابة قد كفر بوقيعته في صحابي آخر بحال.
стр. 2204
ومنها: أنهم يشترطون في الخلافة شروطاً لم يرد الشرع بأكثرها، وكذا يشترطونها في إمام الصلاة، ولذلك لا يدوم لهم إمام، لعدم كمال الشروط. ومنها: أنهم يجوزون خليفتين في زمان واحد إذا تباعد قطراهما، كما كان ناصر الأطروش بالعجم، وهادي اليمن في اليمن، ويعتقدون أن قول كل واحد منهما نافذ حتى ولو أفتى أحدهما بقتل الآخر نفذت فتواه. وهذا جرم عظيم في الدين، مع مخالفته للدليل الواضح المبين. فإنه قد صح عن النبي ﷺ : ((إذا قام خليفتان فاقتلوا الآخر منهما)) (١)، ولأن ذلك يفرق أمر الأمة، ويشتت كلمتهم، وينثر نظامهم، ويمحق جماعتهم، ويرهن فيهم، ويسطي عليهم العدو، ولذلك قيل في المثل: "سيفان في غمد لا يجتمعان" ... ,
ومنها: أن فيهم الوسواس في وضوئهم وصلاتهم وعقيدتهم، وكل ذلك مخالف للشريعة.
ومنها: أنهم يخالفون زيد بن علي إمامهم في أكثر الفروع، مع انتسابهم إليه، ويزعمون أنهم أخذوا بفروع أتباعه كما أخذت الشافعية بفروع أصحاب الشافعي، والمالكية بفروع أصحاب مالك، والحنفية بفروع محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف وزفر أصحاب أبي حنيفة، وليس بصحيح؛ لأن أصحاب كل فقيه ممن رووا زادوا على فرع إمامهم وفروعها، ونقحوا الصحيح منها. والزيدية لم يفعلوا ذلك في فقه زيد بن علي، بل جعلوه كآحاد المخالفين في مسائل الفقه، وجعلوا عمدتهم في المذهب ثلاثة أئمة: من أولاد الحسن اثنين، ومن أولاد الحسين واحد.
стр. 2205
وكلهم من أتباع زيد في العقيدة والإمامة، وفروعهم توافق الحنفية أكثر من غيرهم من الفقهاء. وبلداتهم اللاتي يظهرون فيها، ويكون لهم الشوكة على أهلها بالعجم جيلان وديلمان وبعض جرجان وأصفهان (أصبهان) والري والعراق الأعلى: الكوفة والأنبار (١) وبالحجاز مكة وجميع بلدان الحجاز، إلا المدينة، فإن الشوكة فيها للاثنى عشرية (٢) وهم في نجد اليمن ظاهرون على منه كصنعاء وصعدة وذمار ونحوها، ولهم في سهولها بلدان أيضاً، كمدينة حلي وما بينها وبين اليمن من بلد المخلاف. ومنهم بالمغرب جماعة كثيرة في جبال يقال لها: أوراس، ولهم أخلاط في أمصار السنية يتسترون بمذهب أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة كان من رجال زيد بن علي ومن أتباعه. وهم أتقى الشيعة لولا ما نُقم عليهم" (٣).
المصدر: الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع - ص٧٣
стр. 2206
المطلب العاشر: أئمة الزيدية ودورهم في نشر القبورية في اليمن
رغم أن الغلو لدى الزيدية الأولى لم يكن خارجاً عن الحدّ، ورغم أن اتجاهها هو اتجاه المعتزلة المعتمدين على العقل النافين للخوارق والكرامات كما هو معلوم، إلا أننا نجد أئمة الزيدية في اليمن - وبعد قرون من إنشاء دولتهم وتتابع العشرات من أئمتهم- نجدهم ينحرفون انحرافاً شديداً في هذه المسألة، والذي يظهر - والله أعلم- أن باعث الأئمة لذلك كان باعثاً سياسياً أكثر منه باعثاً عقديا، ولكن وجود المشاهد والقباب ووجود سدنةٍ يتأكلون منها ويبنون بها مجداً وجاهاً على أنقاض عقائد الأمة حوّلها إلى مزارات مقدسة يعتقد فيها العوام وأشباههم مالا يجوز اعتقاده إلا في الله تعالى، ومن أجل السياسة أيضاً يتغاضى الأئمة عن ذلك ويتركون العامة يغرقون في بحر الخرافة والشرك وهم ينظرون. وأئمة الزيدية يبنون المشاهد للسياسة ويهدمونها للسياسة كذلك؛ فالدليل على أنهم يبنونها للسياسة ما بدر من الإمام عبدالله بن حمزة وذلك أنه عاش في آخر القرن السادس وبداية القرن السابع (١)، وهو أول من سن لأئمة الزيدية سنة البناء على المشاهد حيث لم يُسجَّل لأحد من الأئمة قبل عصره شيء من ذلك. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنه إنما فعل ذلك مضاهاة لمعاصريه من الأيوبيين الذين عُرِف عنهم أنهم يبنون على قبور سلاطينهم البنايات الضخمة في مصر والشام، وفي اليمن كذلك (٢)،فلعله أراد أن يُظْهِر بذلك شيئاً من أبهة الملك للأئمة وهم أموات كما هي لهم وهم أحياء، وقد لاحظ ذلك الأستاذ محمد محمود الزييري في كتيِّبه"الإمامة وخطرها على وحدة اليمن" حيث قال: (بهذه النفسية يمارس الإمام أعباء منصبه، وتكاد هذه الأعباء تنحصر في استصفاء ثروة الشعب باسم الزكاة وقمع الانتفاضات الشعبية باسم الجهاد وقتال البغاة، ثم بناء مسجد باسم الأمام تضاف إلى جواره غالباً قبة الضريح لهذا الإمام تمدّ نفوذه الروحي حتى وهو في القبر) (٣).
وهذا الذي نسبه الزبيري إلى الإئمة يجب أن يحدَّد بأئمة القرن السابع فَمَنْ بعدهم، وأن أولئك الأئمة قد عمَّروا على معظم قبور الأئمة السابقين مشاهد وقباباً.
وقد خَطَا هذا الإمام بالقبورية في الديار الزيدية خطوات كبيرة جداً، إذ لم يكتف بأن يبني لنفسه مشهداً في حياته أو يوصِي أن يبُنى له ذلك بعد وفاته، وإنما سن ذلك عملياً في حياته بأمر إمامي وتهديد شديد اللهجة لأهل قرية "لصف" حيث قتِل عندهم أخوه إبراهيم بن حمزة وهو يقاتل الأيوبيين، فلما حصل ذلك كتب لهم الإمام عبدالله بن حمزة هذه الرسالة يهدِّدهم فيها إذا لم يبنوا عليه مشهداً أنه سينقل جثمانه عنهم، وهذا نص الرسالة:
стр. 2207
(بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور بالله أمير المؤمنين إلى كافة الساكنين بلصف من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، ونسأله لنا ولكم التوفيق لما يحب ويرضى٠أما بعد: فقد بلغنا جفوتكم للشهيد الذي توفي بين أظهركم، وحطَّ رحله بين أفنيتكم، وجاد بنفسه دون بلادكم، واستقبل بوجهه العدوّ صبراً واحتساباً حين زاغت الأبصار فشلاً، وبلغت القلوب الحناجر وجلاً، وظن قوم بالله الظنونا جزعاً، وابتلي المؤمنون بالهزيمة امتحاناً، وزلزلوا بالحادثة اختباراً، فرخص عنده من الموت ما غلا عند غيره، وغلا عنده من الفرار ما رخص عند سواه, وعلم القصد فتم العزم، ومضى على البصيرة على مناهج السلف الصالح مستقبلاً لكثرة العدو وعزمه، ومستصغراً لعظيمة نجده، فبلغنا أنكم هاجرون لقبره، قالون لمصرعه، قد صغّرتم منه ما عظّم الله سبحانه جهلاً، وجهلتم ما علم الصالحون حيرة وشكاً، كأنكم لم تسمعوا أقوال محمد صلى الله عليه وآله فينا - أهل البيت خاصة - ((أقرب الناس مني موقفاً يوم القيامة بعد حمزة وجعفر رجلٌ منا أهل البيت خرج بسيفه فقاتل إماماً ظالماً فقُتِل))، فهلا - رحمكم الله - استشفيتم بتراب مصرعه من الأدواء، وسألتم بتربة مضجعه رفع الأسواء، واستمطرتم ببركة قبره من رحمة ربكم طوالع الأنواء, وعظَّمتم حاله كما يُعَظَّم حال الشهداء، وأوجبتم من حقه ما ضّيع الأعداء، وعمَّرتم على قبره مشهداً، وجعلتموه للاستغفار مثابة ومقصداً، ونذرتم له النذر تقرباً، وزرتموه تودداً إلى الله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وإلينا تحبُّباً، فقد رُوِّينا عن أبينا صلى الله عليه في حديث فيه بعض الطول (أنه نظر إلى الحسن والحسين ﵉ وهما يلعبان بين يديه فبكى فهابه أهل المنزل أن يسألوه، فوثب عليه الحسين ﵇ فقال: ما يبكيك يا أبتي؟ فقال: إني سررت بكما اليوم سروراً لم أسرّ به قبله مثله، فجاءني جبريل فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، قال: يا أبتي فمن يزورنا على تباين قبورنا؟ قال: قوم من أمتي يريدون بذلك برّي وصلتي إذا كان يوم القيامة أتيت حتى آخذ بأعضادهم فأنجيهم من أهوالها وشدائدها) (١) ألا فاعلموا بعد الذي بلغنا عنكم أنا قد قَلَيْنا له جواركم، ورغبنا به عن داركم، وعزمنا بعد الخيرة لله على نقله من أوطانكم إلى من يعرف حقه، ويتيقن فضله وسبقه، فلو رعيتم له حرمه القرابة وفضل وراثة النبوة (تأمل)! لعلمتم حرمة ذلك الدم الزكي، وكثر عليه منكم الباكون، والبواكي، فإن كان ذلك من غرضكم فإنا نفعله إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن من إرادتكم فلسنا بتاركيه بتوفيق الله سبحانه، والسلام) (٢).والرسالة لم تقتصر على بناء المشهد عليه بل تعدت إلى طلب الاستشفاء بتراب مصرعه، والسؤال بتربته، والاستمطار بقبره، فهل كان الإمام فعلاً- وهو من هو في العلم والعقل والدهاء - هل كان يعتقد ذلك؟! أظنه لم يكن كذلك وإنما كما قلت سابقاً يريد إسباغ الهيبة وإضفاء المكانة على مشهد وقبر أخيه، ولذلك فإنه حينما لم يتم الإصغاء إليه فأنه نقل جثمانه إلى قرية الزاهر بالجوف حيث قُبِر هناك (٣).
стр. 2208
والإمام الثاني الذي كرر نفس الأسلوب هو الإمام يحيى بن محمد حميد الدين الذي أمر في رسالة أخرى قبيلة أرحب ببناء تابوت وقبة على قبر الإمام أحمد بن هاشم الويسي المتوفي سنة (١٢٦٩هـ) والمدفون في "دار أعلا" من أرحب للتبرك به، وهدَّدهم إن لم يفعلوا ذلك بأنه سينقل رفاته إلى مكان آخر، فما كان من أهل أرحب إلا أن بنوا له قبة ووضعوا على قبره تابوتاً (١).، والذي جعلني أدَّعي أن الباعث على ذلك هو السياسة أن الإمام يحيى كذلك كان عالماً وعاقلاً ولم يكن من السذاجة بحيث يعتقد أن ذلك مما يحبه الله ويرضاه، ثم إنه في نفس الوقت أو بعده بقليل كان ابنه وولي عهده الإمام أحمد بن يحيى يهدم قبور أولياء الصوفية في الديار الشافعية. تلك هي الحوادث والتصرفات التي تدل على أن أئمة الزيدية يبنون المشاهد لأجل السياسة وإن كان قد ترتب على ذلك خلل كبير في عقيدة الكثير من العوام وأشباههم، كما صور ذلك الإمام الشوكاني ﵀ حين ذكر ما يجري عند مشهد الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين (٢). وبعد أن ألِفَ علماءُ تلك البلاد هذه المشاهد -وكان القائمون وراءها أئمة مجتهدين - ركنوا إلى ذلك الواقع، وأحسنوا الظن بمن سن تلك السنة وتابعوهم عليها، ليس بالفعل فقط ولكن بالإفتاء أيضاً، وهذه نقلة خطيرة جداً، وتحول كبير في هذا المسار عند الزيدية، والذي أفتى بذلك هو الإمام الجليل يحيى بن حمزة الذي أثنى عليه الإمام الشوكاني ﵀ في البدر الطالع ثناءً عاطراً (٣)، رغم رده عليه في هذه الفتوى، والفتوى المقصودة هي مانقلها عنه الإمام المهدي في البحر الزخار حيث قال: (مسألة (ي) ولابأس بالقباب والمشاهد على الفضلاء لاستعمال المسلمين ولم ينكر) (٤).ثم تبع الإمام المهدي على ذلك الإمام يحيى فقال في الأزهار وهو يتكلم عما يندب في القبر ومنه رفعه قدر شبر (وكره ضد ذلك والإنافة بقبر غير فاضل) (٥).
ومن المعلوم أن الإمام الشوكاني قد ردّ على هذه الفتوى بكتابه المشهور "شرح الصدور في تحريم رفع القبور ".
هذا ما يتعلق ببناء المشاهد والقباب وأما هدم تلك المشاهد وكونه للسياسة كذلك فهو أظهر، وإليك هاتين الواقعتين: أما الواقعة الأولى فهي ما حدث من هدم للقبور المشرفة والمشاهد المقامة عليها أيام الإمام المتوكل على الله المعاصر للشوكاني، حيث إنه أجاب أئمة الدعوة النجدية إلى هدم بعض المشاهد في صنعاء وما حولها، وكتب بذلك إلى سائر الجهات، ذكر ذلك الإمام الشوكاني في "البدر الطالع" وصاحب كتاب (حوليات يمانية) (٦).وقد جزمت بأن الأمر كان سياسة لا تديناً؛ لأن ذلك الإمام بينما كان يرضخ للنجديين ويداهنهم كما عبر بذلك صاحب الحوليات كان في نفس الوقت يكاتب الأتراك والمصريين للقدوم إلى الجزيرة والقضاء على الدولة النجدية (٧).
стр. 2209
والواقعة الثانية التي تدل على أن من أئمة الزيدية من يهدم القبور لأجل السياسة هي حادثة هدم بعض القبور في الديار الشافعية من اليمن، والتي قام بها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين حيث أزال القبة التي على قبر الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل عام (١٣٤٨هـ)، حينما كان والياً للعهد بعد أن تغلب على معارضة قبيلة الزرانيق - التي كانت تعرف من قبل بالمعازبة- لامتداد نفوذ الإمام يحيى إلى بلادها ودخولها تحت حكمه، كما أزال الإمام أحمد كذلك التابوت من على قبر أحمد بن علوان في يفرس من ناحية جبل حبشى عام (١٣٦٢هـ) (١).، قد يقول قائل لم لا تحمل هذا العمل على المحمل الحسن وتجريه على أفضل تقدير وتجعله من باب إزالة المنكر؟ فأقول: إن الذي يمنع من حمله على ذلك هو عدم إقدام الإمام أحمد عندما كان ولياً للعهد، أو بعد أن أصبح إماماً على إزالة شيء من مشاهد البلاد الزيدية، فلو كان الأمر لوجه الله لما فعله في ناحية وتركه في ناحية أخرى، قد يكون بعض مشاهدها أشد من تلك التي هدمها، كما قال القاضي إسماعيل الأكوع حفظه الله (٢)، ومما يؤكد صلة المشاهد الزيدية بالسياسة أن معظم المشاهد المعظمة في الديار الزيدية هي للأئمة وحواشيهم، وقلّ أن تجد مشهداً لرجل فقير أوضعيف، وإليك قائمة بأهم المشاهد الزيدية وستكون إن شاء الله على حسب التسلسل الزمني لإنشائها:
١) مشهد الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة من منطقة ظفار ذيبين.
٢) مشهد الأمير عماد الدين يحي بن حمزة (أخو عبدالله بن حمزة) بمدينة كحلان.
٣) مشهد الإمام أحمد بن الحسين المعروف بأبي طير في مدينة ذيبين.٤) مشهد الإمام يحيى بن حمزة (وليس أخو عبدالله بن حمزة بل هو من ذرية الحسين وليس من ذرية الحسن (٣). (٢) ومشهده بمدينة ذمار.٥) مشهد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بصعدة (٤).ومعه عدد من أبنائه وأحفاده ومشهد الإمام المهدي باني تلك المشاهد.
٦) مشهد الإمام صلاح الدين بصنعاء.
٧) مشهد الإمام المهدي لدين الله أحمد بن المرتضى حصن الظفير حجة.
٨) مشهد الإمام المهدي صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم بصعدة.
٩) مشهد الإمام الناصر محمد بن يوسف بن صلاح بن المرتضى بمدينة ثلا.
١٠) مشهد الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين أحمد بن يحيى المرتضى بظفير حجة.
١١) مشهد مدرسة الإمام شرف الدين بثلا، وفيه عدد من أبنائه وبناته وذويه.
١٢) مشهد الأمير صلاح الدين بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين بمدينة ثلا.
هذه بعض المشاهد وقد تركت الكثير سواها وهي كلها موجودة مشاهدة للعيان، وقد كتب عنها كتابة تاريخية أثرية الدكتور علي سعيد سيف في رسالته المقدمة للدكتوراه من جامعة صنعاء باسم "الأضرحة في اليمن من القرن الرابع إلى القرن العاشر"، فيمكن لمن أراد معرفتها بدقة أن يرجع إلى هناك.
مع العلم أن أكثر هذه المشاهد تضم إلى جوار من هي باسمه عدداً من أبنائه وأحفاده وزوجاته، وهذا يثبت أن أئمة الزيدية قد ساهموا في نشر مظاهر القبورية في جهاتهم كسائر حكام اليمن.
المصدر: القبورية في اليمن لأحمد بن حسن المعلم - ص ٢٦٤ - ٢٧٠
стр. 2210
المطلب الحادي عشر: الانتشار ومواقع النفوذ
• قامت دولة للزيدية أسسها الحسن بن زيد سنة ٢٥٠هـ في أرض الديلم وطبرستان.
• كما أن الهادي إلى الحق أقام دولة ثانية لها في اليمن في القرن الثالث الهجري.
• انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقاً، وامتدت إلى الحجاز ومصر غرباً وتركزت في أرض اليمن.
المصدر: الموسوعة الميسرة