و (مستدرك الحاكم) معروف مشهور، وسبق الإشارة إليه، غير أنه جمع الصحيح والحسن والضعيف والموضوع.
وممن عرف بالتشيع كذلك النسائي، صاحب (السنن)، أحد الكتب الستة المعتمدة عند جمهور المسلمين، وعبدالرزاق صاحب (المصنف)، وابن عبدالبر، صاحب الكتب الكثيرة النافعة. انظر (منهاج السنة) لابن تيمية (٧/ ١٣، ٣٧٣)، ومنهج هؤلاء في الجرح والتعديل يعتبر من منهج الجمهور.
أما أسلاف عبدالحسين فإن منهجهم تأثر بعقيدتهم في الإمامة، فكما رفضوا الخلافة الراشدة للشيخين وذي النورين، رفضوا ما ثبت عنهم من أخبار، وطعنوا فيهم وفيمن لم يقل بقول عبدالله بن سبأ في الوصي بعد النبي، ولذلك طعنوا وجرحوا من شهد لهم ربهم والرسول المصطفى ﷺ . وفي ظلمات هذه الجهالة ألفت كتبهم.
نماذج من الجرح والتعديل
الجرح والتعديل عند هؤلاء القوم – كما رأينا – يرتبط بعقيدتهم الباطلة في الإمامة، ووضعت كتبهم – كما سنرى – لتأييد هذه العقيدة. وكتب الرجال عندهم طعنت في خير جيل عرفته البشرية وجرحت صحابة الرسول ﷺ ، ورضي عن الصحابة الكرام البررة. ولم يسلم من الطعن إلا من اشتهر في التاريخ بولائه لعلي بن أبي طالب. وقولهم بعصمة الأئمة جعلهم لا ينظرون إليهم على أنهم رواة ثقات بل جعلوهم مصدرا للتشريع، فأقوالهم سنة واجبة الاتباع كسنة رسول الله ﷺ ، دون أدنى فرق، وأشرت إلى هذا من قبل. وسأكتفي هنا ببيان بعض النماذج مما جاء في كتب الرجال عندهم. وأصول هذه الكتب الرجالية خمسة هي: (رجال البرقي)، و (رجال الكشي)، و (رجال الشيخ الطوسي)، و (فهرسته)، و (رجال النجاشي). وقد رجع إلى هذه الأصول وغيرها عبدالله الماماقانى في كتابه (تنقيح المقال في علم الرجال). والمؤلف يلقبونه بالعلامة الثاني آية الله، أما علامتهم الأول فهو ابن المطهر الحلي الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية. كما أشرت من قبل، وكتاب (تنقيح المقال) من أكبر الكتب حجماً ومكانة عندهم.
وإليك بعض النماذج مما جاء في هذا الكتاب.
ـ علي بن أبي طالب:
أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، مناقبه وفضائله لا يسع البشر عدها وإحصاءها، قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي. وقد ورد أنه لو كان البحر مداداً، والأشجار أقلاماً وأوراق الأشجار قرطاساً، والجن والإنس كتاباً، لما أحصوا مناقبه!! (جـ ٢ ص ٢٦٤).
ـ محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة:
جليل القدر عظيم المنزلة من خواص علي ﵁ وحوارييه. أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس لا من قبل أبيه. من أنجب النجباء، من أهل بيت سوء. بايع أمير المؤمنين على البراءة من أبيه، ومن الخليفة الثاني، وقال له: أشهد أنك إمام مفترض الطاعة، وأن أبي في النار ... إلخ.
(انظر ترجمته في ملحق الجزء الثاني (ص ٥٧، ٥٨) وينسب الرافضة هذه الأقوال للإمامين الباقر والصادق، وحاشاهما - رضي الله تعالى عنهما - أن ينطقا بمثل هذا الكفر الذي لا يقوله إلا عبدالله بن سبأ وأمثاله وأتباعه)
ـ عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي خليفة العامة:
بالغت العامة في مدحه، ومن لاحظ ترجمته المتفرقة وأمعن النظر فيها لم يعتمد على خبره ... إلخ (٢/ ٢٠١)
ـ عبدالله بن عمرو بن العاص:
كان كأبيه في الرأي والنفاق، والكذب على الله ورسوله، والخروج مع معاوية بصفين، وكفى بذلك جرحا ... إلخ (٢/ ٢٠٠)، وفي ترجمته أخذ الرافضي يلعنه ويلعن أباه!).
ـ عبدالرحمن بن عوف:
في ترجمته اتهام له ولذي النورين عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنهما، وفي نهاية الترجمة قال: لا أعتمد على روايته، لأن من خان في الأصول لا يوثق به في الفروع (٢/ ١٤٦: ١٤٧)
стр. 2277
ـ خالد بن الوليد:
تعاقد مع أبي بكر على قتل علي ﵁، ثم ندم أبو بكر خوفاً من الفتنة، سماه العامة سيف الله، والأحق بتسميته سيف الشيطان ... زنديق، أشهر من كفر إبليس في العداوة لأهل البيت .. إلخ. (اقرأ ترجمته (١/ ٣٩٤) تجد هذا الكفر والضلال والمفتريات وغيرها).
ـ أنس بن مالك:
جاء في ترجمته أنه كان من المنحرفين عن علي ﵁، الكاتمين لمناقبه حباً للدنيا، فدعا عليه بالعمى فكف بصره، وأنه كان يكذب على رسول الله ﷺ !. (انظر أكاذيب وأباطيل هؤلاء الرافضة في ترجمته (١/ ١٥٤: ١٥٥).
ـ النعمان بن بشير:
كان منحرفا عن علي ﵁، وعدواً له، فزندقته لا شك فيها .. إلخ (٣/ ٢٧٢)، وفي الترجمة غير هذا من التكفير واللعن لهذا الصحابي الجليل ولغيره من الكرام البررة).
ـ معاذ بن جبل:
في ترجمته أنه مالأ عدو الله أبا بكر وعمر، على ولي الله علي بن أبي طالب، والبشرى بالنار له ولأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم، وأن الصحابة هلكوا بعد رسول الله ﷺ إلا أربعة .. إلى غير ذلك مما لا يصدر إلا عن الكفار والضالين. (انظر هذا الضلال في ترجمته (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).
ـ سفيان الثورى:
إذا كان هؤلاء القوم قد طعنوا وكفروا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، وهم الصحابة الكرام، وخيرهم جميعا الشيخان الصديق والفاروق، رضي الله تعالى عنهم جميعاً، إذا كان الأمر قد انحط إلى هذا الدرك الأسفل، فلا نعجب بعد هذا إذا طعنوا في أئمة المسلمين بعد الصحابة.
ففى ترجمة الإمام سفيان الثوري يذكرون أكاذيب ينسبونها إلى الإمام الصادق افتراء على الله تعالى وعلى الصادق ﵁، ثم يعقبون عليها بما يأتي:
يتبين أمران:-
أحدهما: أن سفيان الثوري كذاب خبيث مدلس معاند يهودي، قد آثر دنياه على آخرته على علم منه بذلك بنص الصادق.
والآخر: أن مذهب العامة ـ أي جمهور المسلمين ـ مبني على الأكاذيب!! من بدايته إلى نهايته، أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولا جمع الله بيننا وبينهم في الدنيا ولا الآخرة. انظر (٢/ ٣٧: ٣٨).
وبعد ....
فلعل هذه التراجم ـ مع قلتها ـ كافية لبيان منهج الرافضة في الجرح والتعديل، واجترائهم على الله ، وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الصحابة الكرام، وعلى أئمة المسلمين سواء أكانوا من أهل البيت الأطهار أم من غيرهم. وإذا جئنا إلى التطبيق العملي فإنا نرى هذا المنهج مطبقا في كتبهم التي قال عنها الرافضي عبدالحسين إنها مقدسة، متواترة صحيحة، وما هي إلا هدم للإسلام أصوله وفروعه، وامتداد لمآرب عبدالله بن سبأ.
وفي الجزء الرابع في خاتمة الكتاب سنجد مثل هذه التراجم عندما نتحدث عن أبي القاسم الخوئي المرجع الأعلى للشيعة في العراق، وعن كتابه (معجم رجال الحديث)، مما يبين استمرار غلو الرافضة وزندقتهم حتى عصرنا إلا من عصم ربي من معتدلي الشيعة غير الرافضة.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص ٦٩٦
стр. 2278
المبحث الرابع: مفهوم السنة عندهم
قال أحد علمائهم المعاصرين:-
" السنة في اصطلاح الفقهاء: قول النبي أو فعله أو تقريره " ثم قال: " أما فقهاء الإمامية بالخصوص - فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرى قول النبي، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع - فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فكانت السنة باصطلاحهم: قول المعصوم أو فعله أو تقريره. والسر في ذلك أن الأئمة من آل البيت ﵈ ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي أو من طريق التلقي من المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين ﵁: (علمني رسول الله ﷺ ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب) (١).
وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع, بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم: (سنة) لا حكاية السنة. وأما ما يجيء على لسانهم أحياناً من روايات وأحاديث عن نفس النبي ﷺ ، فهي إما لأجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه، وإما لأجل إقامة الحجة على الغير، وإما لغير ذلك من الدواعي. وأما إثبات إمامتهم، وأن قولهم يجري مجرى قول الرسول ﷺ ، فهو بحث يتكفل به علم الكلام " (٢).
وما أظننا بحاجة إلى بيان أثر الإمامة هنا، فهي أوضح من أن يطال فيها الحديث، فجعلوا الإمام كالنبي المرسل: العصمة لهم جميعاً، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره يستوي في هذا أن يكون المعصوم هو الرسول الكريم وأن يكون أحد أئمة الجعفرية. ولذلك رأينا من قبل أنهم جعلوا للإمام ما للنبي المصطفى من بيان القرآن الكريم وتقييد مطلقة، وتخصيص عامة. ورأينا كذلك أن الإخباريين منعوا العمل بظاهر القرآن الكريم لأنهم لا يستمدون شريعتهم إلا مما ورد عن أئمتهم. وحتى يكون الإمام مصدراً للتشريع قائماً بذاته جعل له الإلهام مقابلاً للوحي بالنسبة للرسول ﷺ .
وهذا العالم الجعفري ـ مع شططه ـ يمثل جانب الاعتدال النسبي، فقد رأينا غيره يذهب إلى بقاء الوحي مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد. وما ذكره هذا العالم لا يصح إلا بما أشار إليه في الفقرة الأخيرة من إثبات إمامة الأئمة ... .
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٧٠٣
стр. 2279
المبحث الخامس: مراتب الحديث الإخباريون من الجعفرية ـ وهم قلة قليلة ـ لا علم لهم بمصطلح الحديث، فهم يتلقون بالقبول كل ما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث المعتمدة عندهم، بل يرون تواتر " كل حديث وكلمة بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية وترتيب الكلمات والحروف " (١) وكتب الحديث هذه أربعة ظهرت في القرنين الرابع والخامس، وأصحابها يرون صحة ما أثبتوا في كتبهم. والجعفرية الاثنا عشرية ظلوا قرابة ثلاثة قرون بعد ظهور هذه الكتب لا يفترقون كثيراً عن النزعة الإخبارية، فأول من وضع مصطلح الحديث وبين مراتبه عندهم هو الحسن بن المطهر الحلي الملقب بالعلامة الذي توفي سنة ٧٢٦ هـ (٢). والحديث عند جمهور الجعفرية ينقسم إلى متواتر وأخبار آحاد. وأثر عقيدتهم الباطلة يظهر في المتواتر باشتراطهم " أن لا يكون ذهن السامع مشوباً بشبهة أو تقليد يوجب نفي الخبر ومدلوله " (٣) وندرك الأثر هنا عندما نراهم يقولون: " بهذا الشرط يندفع احتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين ﵁ بالإمامة " فإذا ما نقل بالتواتر أن الرسول ﷺ لم ينص على إمامة أحد من بعده فالاتهام يوجه إلى السامعين، وبذلك يصلون إلى هدفهم بعدم حجية هذا النقل. وعلى العكس من هذا نراهم يذهبون إلى تواتر حديث الثقلين والغدير (٤).
فعقيدة الإمامة توجههم في رفض الأخذ بالتواتر أو رفع غيره إلى مرتبته، ما دام الخبر متعلقاً بهذه العقيدة. وأخبار الآحاد عندهم تنقسم إلى أربع مراتب، هي أصول الأقسام وإليها يرجع كل تقسيم آخر، وهذه المراتب هي: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف. فأما الصحيح عندهم فهو: " ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة " (٥).
وزاد بعضهم في التعريف أن يكون العدل ضابطاً، ورأى صاحب (مقباس الهداية) أن قيد العدل يغني عن ذلك، فمن ليس ضابطا فليس بعدل أي أنهم متفقون على أن شروط الصحة هي:-
١. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.
٠٢ أن يكون الرواة إماميين في جميع الطبقات.
٠٣ وأن يكونوا كذلك عدولا ضابطين.
стр. 2280
وأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوي، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثني عشرية في جميع الطبقات. وأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله: " لا تقبل رواية الكافر، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب، لوجوب التثبت عند الفاسق، والمخالف من المسلمين، إن كفرناه فكذلك، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافاً لأبي الحسن لاندراجه تحت الآية، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم، ولأن قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين، فلا يقبل كالكافر الذي ليس من أهل القبلة. احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصري وقتادة وعمر بن عبيد، مع علمهم بمذهبهم، وإنكارهم على من يقول بقولهم، والجواب المنع من المقدمتين، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة. والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضاً لاندراجه تحت اسم الفاسق " (١).ويقول الماماقاني (٢): " الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوي ". ويقول أيضاً: " وهو الذي اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقاً للأكثر لقوله تعالى:- إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:٦] ولا فسق أعظم من عدم الإيمان، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة ".
يستفاد مما سبق: أن الإيمان شرط في الراوي، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته، وغير الجعفري كافر أو فاسق، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحاً، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة. ويأتي بعد الصحيح: الحسن:، وهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح مدحاً مقبولا معتداً به، غير معارض بذم، من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة، أو في بعضها. (٣)
ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن:
اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.
أن يكون جميع الرواة إماميين.
وأن يكون ممدوحين مدحاً مقبولاً معتداً به، دون معارضة بذم، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به.
ألا ينص على عدالة الراوي، فلو كان الرواة عدولاً لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح.
تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه، أو في بعضها. يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتي العدالة، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسناً.
ويقول صاحب (ضياء الدراية) (ص ٢٤):
" ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام ":
ما له دخل في قوة السند، مثل صالح وخير.
ما له دخل في قوة المتن لا في السند، مثل فهيم وحافظ.
ما ليس له دخل فيهما، مثل شاعر وقارئ.
فالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا، والثاني ينفع في مقام الترجيح، والثالث لا عبرة له في المقامين، بل هو من المكملات ".
ويقول عن الجمع بين القدح والمدح (الصفحة ذاتها):
" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحاً من جهة، ومقدوحاً من جهة أخرى ".
وأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتي:
اشتراط إمامية الراوي.
стр. 2281
قبول رواية الإمامي غير ثابت العدالة، ورفض رواية غير الإمامي كائناً من كان، وبالغاً ما بلغ من العدالة والتقوى والورع. قبول رواية الإمامي الممدوح المقدوح أحياناً بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعني الخروج عن الخط الجعفري: فهذا قدح لا يغتفر (١). ويأتي بعد الحسن الموثق، وهو: " ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه، مع فساد عقيدته، بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامية، وإن كان من الشيعة، مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح " (٢).
وهذا التعريف يفيد اشتراط ما يأتي:
اتصال السند إلى المعصوم.
أن يكون الرواة غير إماميين، ولكنهم موثقون من الجعفرية على وجه الخصوص.
أو يكون بعضهم كذلك، والآخرون من رجال الصحيح، حتى لا يدخله ضعف آخر، فيكفي أن دخل في الطريق من ليس بإمامي.
وأثر عقيدة الإمامة هنا يبدو فيما يأتي:-
جعل الموثق بعد الصحيح والحسن لوجود غير الجعفرية في السند.
التوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم، ولذلك قال صاحب (ضياء الدراية): " توثيق المخالف لا يكفينا، بل الموثق عندهم ضعيف عندنا، والمدار في الموثق إنما هو توثيق أصحابنا ".
ويوضح الماماقاني توثيق أصحابه بقوله: " يمكن معرفة غير الإمامي الموثق بأن يكون الإمام قد اختاره لتحمل الشهادة أو أدائها، في وصية، أو وقف، أو طلاق، أو محاكمة، أو نحوها، أو ترحم عليه أو ترضاه، أو أرسله رسولاً إلى خصم له أو غير خصمه، أو ولاه على وقف أو على بلدة، أو اتخذه وكيلاً، أو خادماً ملازماً، أو كاتباً، أو أذن له في الفتيا والحكم أو أن يكون من مشايخ الإجازة أو تشرف برؤية الإمام الثاني عشر الحجة المنتظر أو نحو هذا " (٣).
فالتوثيق إذن لا يخرج عن النطاق الجعفري الاثني عشري.
مع هذا النوع من التوثيق لا يدخل السند مع الموثقين إلا رجال الصحيح، وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا القسم في المرتبة الثالثة. وبعد الموثق يأتي: الضعيف، وهو " ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة، بأن اشتمل طريقة على مجروح بالفسق ونحوه، أو على مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضاع " (٤).
وفي الحديث عن الصحيح رأينا كيف أنهم اعتبروا غير الجعفري كافراً أو فاسقاً فروايته ضعيفة غير مقبولة. ولا تقبل من غير الجعفري إلا من نال توثيق الجعفرية.
وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من أجلاء الصحابة، والتابعين، وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثني عشرية. فالروايات التي يدخل في سندها أي من هؤلاء الصديقين الصالحين الأئمة الأعلام الأمناء، تعتبر روايات ضعيفة في نظر هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٧٠٥
стр. 2282
المبحث السادس: التعارض والترجيح
روى الكليني في أصول الكافي عن عمر بن حنظلة قال:
" سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ [النساء:٦٠] قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى ما كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله.
قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا، فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما: اختلفا في حديثكم؟
قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.
قال: قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟
قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيأخذ به من حكمنا. ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك. قلت: فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.
قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟
قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك، ويؤخذ بالآخر.
قلت: فإن وافق حكامهم الخبران جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (٢) هذه الرواية يسميها الجعفرية الرافضة مقبولة ابن حنظلة، وفي باب الترجيح عندهم هي " العمدة في الباب، المقبولة التي قبلها العلماء بأن راويها صفوان بن يحيى الذي هو من أصحاب الإجماع، أي الذين أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم: كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم " (٣) ويقول المظفر: " من الواضح أن موردها التعارض بين الحاكمين، لا بين الراويين، ولكن لما كان الحكم والفتوى في الصدر الأول يقعان بنص الأحاديث، لا أنهما يقعان بتعبير من المحاكم أو المفتى كالعصور المتأخرة استنباطاً من الأحاديث تعرضت هذه المقبولة للرواية والراوي، لارتباط الرواية بالحكم. ومن هنا استدل بها على الترجيح للرواية المتعارضة " (٤). ثم يقول بعد بيان انحصار دليل مخالفة العامة في هذه المقبولة: والنتيجة أن المستفاد من الأخبار أن المرجحات المنصوصة ثلاثة: الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة. وهذا ما استفاده الشيخ الكليني في مقدمة الكافي (٥).
وهذه المقبولة التي اعتبرت العمدة في باب الترجيح بصفة عامة، والدليل الوحيد على مخالفة العامة –أي جمهور المسلمين – بصفة خاصة، أقول: هذه المقبولة مرفوضة من وجهة نظرنا لما يأتي:
стр. 2283
أنها اعتبرت كل حاكم أو قاض غير جعفري اثني عشري طاغوتاً أمرنا أن نكفر به بنص القرآن الكريم.
أنها اعتبرت أخذ الحق الثابت سحتاً ما دام أخذه عن طريق هؤلاء الحكام والقضاة.
أنها جعلت حكم الحكم الجعفري الرافضي كحكم الله تعالى، ومن لم يقبله فكأنما أشرك بالله سبحانه.
أنها تدعو إلى مخالفة جمهور المسلمين حتى عند ظهور موافقتهم للكتاب والسنة.
فالإمام الصادق أعمق إيماناً، وأرفع شأنا من أن يصدر منه هذه الجهالة، وإنما تصدر هذه الرواية عن غال، يفتري على الأئمة، يريد لأمة الإسلام أن تفترق ولا تتحد.
وبعد هذا نرى أثر عقيدة الإمامة في باب الترجيح عند الجعفرية يظهر فيما يأتي:
١. جعلوا المشهور عندهم مقدما على غيره، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة، فالمشهور الجعفري المخالف للكتاب والسنة مقدم على غيره الموافق للكتاب والسنة. ثم " إنهم لا يزالون يقدمون المشهور على غيره ولو كان راوي الغير أعدل وأصدق " (١) وهذا مما جعل غلاة الجعفرية يسيرون إلى أهدافهم من طريق ممهد، ولنضرب لهذا مثلا لعله كاف لما أردنا توضيحه.
صاحب كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) قال عن الروايات التي يرى أنها تثبت - على حد افترائه - تحريف القرآن الكريم:" الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق والداماد، والعلامة المجلسي وغيرهم " فهذه روايات جعفرية مشهورة مستفيضة، فلما تعارضت مع كتاب الله تعالى: حيث أخبر سبحانه بأنه الحافظ لكتابه العزيز ولا تبديل لكلماته، حرفوا معناه كما رأينا من قبل في الجزء الثاني، فهؤلاء القوم لم يناقضوا أنفسهم هنا، فهم غلاة في المبدأ وغلاة في التطبيق. ولكن الذين يمثلون جانب الاعتدال النسبي عند الجعفرية أبوا أن يهدم الإسلام من أساسه فرفضوا الأخذ بهذه الروايات، وكان عليهم إذن أن يغيروا المبدأ حتى لا يناقضوا أنفسهم عند التطبيق. فهم يتفقون مع الغلاة في تقديم المشهور، واختلفوا معهم عندما جاء المشهور الجعفري لتقويض البناء الإسلامي.
٢. جعلوا من المرجحات مخالفة العامة، أي عامة المسلمين، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقهم، استناداً إلى المقبولة المرفوضة فهي مستندهم الوحيد، وهي التي تزعم أن الإمام الصادق قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة – سحيقة عميقة – فابتعد الجعفرية كثيراً عن الخط الإسلامي الصحيح، لأنهم استقروا " على تقديم مخالف العامة على موافقهم، من غير ملاحظة المرجحات السندية وجوداً وعدماً، حتى لو كان الخبر مستفيضاً يحملونه على التقية عند التعارض " (٢). والحمل على التقية هنا يعني أن الخبر في ذاته لا يحمل قرائن التقية لأنهم يقولون: " الذي يكون من الشرائط لحجية الخبر هو أن لا يكون في الخبر قرائن التقية بحيث يستفاد من نفس الخبر أنه صدر تقية، والذي يكون مرجحاً، مجرد المخالفة والموافقة للعامة من دون أن يكون في الخبر الموافق قرائن التقية " (٣).وهم يعودون بهذا المبدأ الهدام إلى عصر الصحابة الكرام: فيقولون: " بأن الرشد في خلافهم، وأن قولهم في المسائل مبني على مخالفة أمير المؤمنين ﵁ فيما يسمعونه منه " (٤).
стр. 2284
ثم يقولون: " التعليل بأن الرشد في خلافهم محتمل لوجوه:
الأول - أن يكون إصابة الواقع غالباً في مخالفتهم، فهم غالباً في ضلالة وبعد عن الواقع.
والثاني - أن يكون نفس مخالفتهم رشداً، فالمخالفة لهم حسن ذاتاً. والثالث - أن يكون ذلك من جهة صدور الخبر الموافق تقية، فيكون الأخذ بالخبر المخالف رشداً من باب تمامية وجه صدوره بخلاف الموافق " (١).
وبعد: فإنا لا نعجب عندما ينفث غلاة الجعفرية الرافضة وزنادقتهم سمومهم بمثل هذه الأقوال، ولكن لا ندري كيف يصبح هذا المبدأ مقبولا عند الجعفرية جميعاً؟ وكنا ننتظر، من معتدليهم نسبياً ودعاة التقريب منهم، أن يقفوا موقفاً يتفق مع اعتدالهم الظاهري، ودعوتهم للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
ونضرب مثلا هنا - والأمثلة جد كثيرة - يبين كيف تمكن واضعو هذا المبدأ من توجيه المذهب الجعفري وجهة بعيدة عن أمة الإسلام في كثير من الأحكام، وبالطبع على غير أساس من الحق، والمثل هو ما رواه الكليني:
" عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه، فقال: يا زرارة: إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم ".
فهنا إذن ثلاث فتاوى تعطي أحكاماً مختلفة لمسألة واحدة، ولا أساس لهذا الاختلاف سوى عدم اجتماع الشيعة على حكم واحد، حتى لا يكشف أمرهم، فيصبحوا عرضة للقتل. ولكن هذه الفتاوى عند الجعفرية الاثني عشرية سنة ومصدر تشريع، فعند الترجيح يؤخذ بما خالف الأمة الإسلامية، ويترك ما وافقها، حتى إذا كان المتروك موافقاً للكتاب والسنة: على أن هذا ما حضره زرارة ويمكن أن يأتي آخرون، فتكثر الروايات، وتختلف الأحكام بغير دليل شرعي، والترجيح لما خالف جمهور المسلمين.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٧١٢
стр. 2285
المبحث السابع: الكتب الأربعة
للجعفرية الاثني عشرية كتب كثيرة تروي عن الرسول ﷺ وكذلك عن أئمتهم، ولكن الذي يعنينا هنا الكتب المعتمدة لديهم، فغير المعتد ليس بحجة لهم أو عليهم.
وهذه الكتب المعتمدة أربعة:
أولها (الكافي) لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، الملقب بحجة الإسلام وثقته، المتوفي سنة ٣٢٩هـ.
والثاني (من لا يحضره الفقيه) لمحمد بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق، المتوفي سنة ٣٨١ هـ.
والآخران هما (التهذيب) و (الاستبصار)، وكلاهما لمحمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة، المتوفي سنة ٤٦٠ هـ.
والكافي له المقام الأعلى عند الجعفرية، يقول عبدالحسين المظفر في مقدمته لأصول الكافي: " ولما كان البحث يدور حول كتابنا هذا، فقد عرفت ما سجله على صفحاته مؤلفه من الأحاديث التي يبلغ عددها زهاء سبعة عشر ألف حديث، وهي أول موسوعة إسلامية استطاع مؤلفها أن يرسم بين دفتيها مثل هذا العدد من الأحاديث، وقد كلفته هذه المجموعة أن يضحي من عمره عشرين سنة قضاها في رحلاته متنقلا من بلدة إلى أخرى، لا يبلغه عن أحد مؤلف، أو يروي حديثا، إلا وشد الرحال إليه، ومهما كلفه الأمر فلا يبرح حتى يجتمع به، ويأخذ عنه، ولذلك تمكن من جمع الأحاديث الصحيحة. وهذه الأحاديث التي جاءت في (الكافي) جميعها ذهب المؤلف إلى صحتها، ولذلك عبر عنها بالصحيحة ". ويقول: "ويعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم ﵁ (يعنى الإمام الثاني عشر) فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا " (١)." وقد اتفق أهل الإمامة، وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب، والأخذ به والثقة بخبره، والاكتفاء بأحكامه. وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره، على أنه القطب الذي عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم، وعندهم أجل وأفضل من جميع أصول الأحاديث " (٢)
فلا خلاف إذن بين الجعفرية حول مكانة الكافي، ولكنا ذكرنا من قبل أن مراتب الحديث المعروفة عند متأخري الجعفرية ظهرت على يد علامتهم الحلي، أي بعد الكليني بقرابة أربعة قرون، والكليني يذهب إلى أن كل ما جمعه في الكافي صحيح، فماذا يعنى بالصحيح هنا؟ يوضح هذا أحد كتابهم فيقول: "إن الصحيح عند المتقدمين هو الذي يصح العمل به والاعتماد عليه، ولو لم يكن من حيث سنده مستوفياً للشروط التي ذكرناها، والصحيح في عرف المتأخرين هو الجامع لتلك الشروط " (٣)
стр. 2286
ثم يقول بعد حديث عن الكليني وكتابه: " المتحصل من ذلك أن الذين اعتمدوا على (الكافي)، واعتبروا جميع مروياته حجة عليهم فيما بينهم وبين الله سبحانه، هؤلاء لم يعتمدوا عليها إلا من حيث الوثوق والاطمئنان بالكليني الذي اعتمد عليها، وكما ذكرنا فإن وثوق الكليني بها لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة، بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها نظراً لقرب عهده بالأئمة ﵈، ووجود الأصول المختارة في عصره. هذا بالاضافة إلى عنصر الاجتهاد والذي يرافق هذه البحوث في الغالب. يؤيد ذلك أن الكليني نفسه لم يدع بأن مرويات كتابه كلها من الصحيح المتصل سنده بالمعصوم بواسطة العدول، فإنه قال في جواب من سأله تأليف كتاب جامع يصح العمل به، والاعتماد عليه، قال: وقد يسر لي الله تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت. وهذا الكلام منه كالصريح في أنه قد بذل جهده في جمعه وإتقانه، معتمدا على اجتهاده وثقته بتلك المجاميع والأصول الأربعمائة التي كانت مرجعاً لأكثر المتقدمين عليه، ومصدراً لأكثر مرويات كتابه " (١).
стр. 2287
ويقول الحسني أيضا: " والشيء الطبيعى أن تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافي - على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الأئمة ﵈ وبين الطبقات التي توالت مع الزمن بمجيء دور العلامة الحلي: انفتح باب التشكيك في تلك الروايات على مصراعيه بعد أن صنف الحديث إلى الأصناف الأربعة، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود إلى الحديث، وعرضوا مرويات الكافي وغيره على أصول علم الدراية وقواعده، فما كان منها مستوفياً للشروط المقررة أقروا العمل به والاعتماد عليه، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة. وعلى هذا الأساس، توزعت أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً على النحو التالي: الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً، الموثق ألف ومائة وثمانية وعشرون حديثاً، القوي (١) ثلاثمائة وحديثان, والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثاً (٢). ومما تجدر الإشارة إليه أن اتصاف هذا المقدار من روايات الكافي بالضعف لا يعني سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار، وعدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها، وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، أو بعض الكتب المعتبرة، أو موافقتها للكتاب والسنة، أو لكونها معمولاً بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة وربما تترجح عليها في مقام التعارض (٣).والكافي يقع في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع: فالأصول وهي التي تتصل بالعقائد، تقع في الجزأين الأول والثاني. والفروع في الفقه تقع في خمسة أجزاء، أما الجزء الأخير وهو الروضة، فيقول عنه الدكتور حسين علي محفوظ: لما أكمل الكليني كتابه هذا، وأتم رد مواده إلى فصولها، بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت، ورسائل الأئمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وألوان العلم مما لاينبغي تركه، فألف هذا المجموع الأنف، وسماه (الروضة) لأن الروضة منبت أنواع الثمر، ومعدن ألوان الزهر. والروضة على كل حال مرجع قيم وأصل شريف ... إلخ (٤).
هذا هو الكافي، الكتاب الأول عند الجعفرية، أما الكتب الثلاثة الأخرى فإنها تقتصر على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية، أي أنها تلتقي مع الفروع من (الكافي). ولذلك عندما نبحث عن أثر عقيدة الإمامة في الكتب الأربعة سندرس أولاً الأصول مع الروضة، ثم نجعل (الفروع) من (الكافي) مع بقية الكتب الأربعة ... فالكافي مملوء بهذا الضلال المضل، وعلى الأخص في الأصول والروضة، وهي الأجزاء التي نبدأ الآن الحديث عنها، وبيان ما بها من ضلال وزيغ تأثراً بعقيدة الرفض الباطلة، وبما نادى به ابن سبأ اللعين.
أولاً: الجزء الأول من أصول الكافي:
стр. 2288
عندما ننظر في الجزء الأول من (أصول الكافي) نجد أن أكثر من ثلثيه يقع تحت عنوان كتاب (الحجة)، قال الكليني في خطبة (الكافي): " ووسعنا قليلاً كتاب (الحجة)، وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها، وأرجو أن يسهل الله ـ جل وعز ـ إمضاء ما قدمنا من النية، إن تأخر الأجل صنفنا كتاباً أوسع وأكمل منه، نوفيه حقوقه كلها " (ص ٩).
والكتاب كما يبدو من عنوانه يتعلق بالحجة أي الإمام، فالكتاب نفسه إذن أثر من آثار عقيدة الإمامة الباطلة! وننظر في أبواب كتاب (الحجة) هذا فنرى " باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث " (ص ١٦٧).
والرواية الأولى: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله وكان " رسولاً نبياً " ما الرسول وما النبي؟ قال النبي الذي يرى في منامه، ويسمع الصوت ولا يعاين الملك. والرسول الذي يسمع الصوت، ويرى في المنام ويعاين الملك. قلت: " الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى، ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [الحج:٥٢] ولا محدث).وضم الباب ثلاث روايات أخرى (١).
وذكر الكليني بعد هذا ثلاث روايات بأن " الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف ".
وفي " باب أن الأرض لا تخلو من حجة " (ص ١٧٨ –١٧٩) ذكر الكليني ثلاث عشرة رواية منها: عن أبي عبدالله: أن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم (٢).
وعنه: أن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل.
وعنه أيضاً: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت.
وعن أبي جعفر: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله.
وفي " باب أنه لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة " (١٧٩ - ١٨٠) ذكر خمس روايات منها: " عن أبي عبدالله: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام وقال: إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله – أنه تركه بغير حجة لله عليه ". وذكر الكليني أربع عشرة رواية في " باب معرفة الإمام والرد إليه " (ص ١٨٠ - ١٨٥) منها: " عن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لايعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً. قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله ، وتصديق رسوله ﷺ ، وموالاة علي والائتمام به وأئمة الهدى والبراءة إلى الله من عدوهم، هكذا يعرف الله " (٣).وعن أبي عبدالله: " كان أمير المؤمنين إماماً ثم كان الحسن إماما ثم كان الحسين إماماً، ثم كان علي بن الحسين إماماً ثم كان محمد بن علي إماماً، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله ﵎: ومعرفة الرسول ﷺ " (٤).
وترى الكليني بعد هذا يحرف معانى بعض آي القرآن الكريم ليؤيد ما سبق وليصل إلى الافتراء بأن أصحاب الثلاثة ضلوا أي أصحاب الخلفاء الراشدين الثلاثة. وفي " باب فرض طاعة الأئمة " يذكر سبع عشرة رواية، منها ما نسبه للإمام الصادق: " نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً " (٥).
وفي " باب في أن الأئمة شهداء الله على خلقه " (ص ١٩٠ - ١٩١) يذكر خمس روايات ويحرف معاني بعض آيات القرآن الكريم، ليجعل أئمة الجعفرية الرافضة هم الشهداء على الناس.
стр. 2289
وفي " باب أن الأئمة هم الهداة " (١٩١ - ١٩٢) يذكر أربع روايات، ويحرف معنى الآية السابعة من سورة الرعد إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:٧] فيؤول كلمة هاد بأنها الإمام علي، ثم أئمة الشيعة الجعفرية من بعده.
وفي " باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه " (ص ١٩٢ - ١٩٣) يذكر ست روايات منها:
عن أبي جعفر عن الرسول ﷺ قال ﵎: " استكمال حجتي على الأشقياء من أمتك من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك، فإن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك، وهم خزاني على علمي من بعدك ". ثم قال الرسول: " لقد أنبأني جبريل ﵁ بأسمائهم وأسماء آبائهم ".
وفيها: " عن أبي عبدالله إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه في سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة، وبعبادتنا عبدالله ، ولولانا ما عبدالله ".
وفي " باب أن الأئمة خلفاء الله في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى " (ص ١٩٣ - ١٩٤) يذكر الكليني ثلاث روايات ويذكر أن الأئمة المراد من قول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [النور:٥٥].
وفي " باب أن الأئمة نور الله " (ص ١٩٤ - ١٩٦) يذكر هذه الروايات: عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:٨].
قال: يا أبا خالد، النور والله نور الأئمة من آل محمد ﷺ إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل، وهم نور الله في السموات والأرض. والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين، ويحجب الله نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا، فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر ".
وعن أبي عبدالله في تفسير النور في (الآية ١٥٧) من الأعراف " النور في هذا الموضع على أمير المؤمنين والأئمة ".
وعن أبي جعفر في نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [الحديد: ٢٨] يعني إماماً تأتمون به.
стр. 2290
وعن صالح بن سهل الهمداني قال: قال أبو عبدالله في قول الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور:٣٥]. فاطمة ﵍ فِيهَا مِصْبَاحٌ النورالحسن الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الحسين الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ إبراهيم ﵁ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ لا يهودية ولا نصرانية يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ يكاد العلم ينفجر بها وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ إمام منها بعد إمام يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء يهدي الله للأئمة من يشاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [النور:٣٥].قلت: أَوْ كَظُلُمَاتٍ قال: الأول وصاحبه يَغْشَاهُ مَوْجٌ الثالث مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ الثاني بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ معاوية لعنه الله وفتن بني أمية إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ المؤمن في ظلمه فتنتهم لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا إماماً من ولد فاطمة ﵍ فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ إمام يوم القيامة (١).
وقال في قوله تعالى: يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم أئمة المؤمنين يوم القيامة تسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة. وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى مثله.
وعن أبي الحسن يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم ... " والله متم نوره: والله متم الإمامة، والإمامة هي النور وذلك قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:٨] قال: النور هو الإمام.
стр. 2291
وفي " باب أن الأئمة هم أركان الأرض " (١٩٦ - ١٩٨) يروي الكليني: عن أبي عبدالله: ما جاء به علي آخذ به، وما نهى عنه انتهى عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﷺ ، ولمحمد ﷺ الفضل على جميع من خلق الله ، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله. كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجرى لأئمة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد ﵁، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله ﷺ يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق وأستنطق فأنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي: علمت المنايا والبلايا والأنساب، وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشر بإذن الله وأؤدي عنه، كل ذلك من الله مكنني فيه بعلمه.
وذكر الرواية السابقة أيضاً بطريق آخر، وذكر مضمونها بطريق ثالث، وفيها أن الأئمة " جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى ".ثم ذكر رواية مماثلة عن أبي جعفر، وفيها أن الإمام علياً قال: " وإني لصاحب الكرات (١) ودولة الدول، وإني لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس ".
وفي " باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته " (ص ١٩٨ - ٢٠٥) يذكر الكليني فيما يرويه: إن الإمامة خص الله بها إبراهيم الخليل ﵁ بعد النبوة ... فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبي ﷺ فقال جل وتعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:٦٨] فكانت له خاصة فقلدها ﷺ علياً بأمر الله تعالى على رسم مما فرض الله. فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [الروم:٥٦] فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد، فمن أين يختار هؤلاء الجهال الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين. الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره .. راموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعداً، قاتلهم الله أنى يؤفكون، ولقد راموا صعباً، وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.
стр. 2292
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله ﷺ ، وأهل بيته إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:٦٨] وقال : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:٣٦] وقال: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ القلم أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ "إلى" إِن كَانُوا صَادِقِينَ [القلم:٣٦ - ٤١].
وأن العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار.
وفي " باب أن الأئمة ولاة الأمر وهم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله " (ص ٢٠٥ - ٢٠٦) يذكر الكليني خمس روايات منها:
إن الإمام الباقر سئل عن قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:٥٩] فكان جوابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [النساء:٥١]، يقولون لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:٥٢] يعنى الإمامة والخلافة. فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [النساء:٥٣] نحن الناس الذين عنى الله. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ [النساء:٥٤] نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين.
وفي " باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله في كتابه " (ص ٢٠٦ - ٢٠٧) يذكر ثلاث روايات.
وفي " باب أن الآيات التي ذكرها الله في كتابه هم الأئمة " (ص ٢٠٧) يذكر ثلاث روايات، يحرف بها معاني بعض آي القرآن الكريم كما فعل في الباب السابق.
وفي " باب ما فرض الله ، ورسوله ﷺ . من الكون مع الأئمة" (ص ٢٠٨ - ٢١٠)، يذكر سبع روايات، روايتين أن الأئمة هم مراد الله تعالى من قوله: اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:١١٩].
وينسب خمساً من الروايات للرسول ﷺ ، فيزعم أنه قال: ((من سره أن يحيا حياتي، ويموت ميتتى، ويدخل الجنة. فليتول علي بن أبي طالب وأوصياءه من بعده)). وفي بعضها: ((لقد أتاني جبرائيل بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وأحبائهم والمسلمين لفضلهم)).
وفي رواية أخرى: ((إلى الله أشكو أمر أمتي، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلن ابني، لا أنالهم الله شفاعتي)).
ونجد تحريف الكليني لمعاني بعض آيات القرآن المجيد في الأبواب التالية " باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة " (ص ٢١٠ - ٢١٢) ثلاث روايات.
" باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هو الأئمة " (ص ٢١٢) روايتان.
" باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة " (ص ٢١٣) ثلاث روايات.
" باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم " (ص ٢١٣ - ٢١٤) خمس روايات.
" باب في أن من اصطفاه الله من عباده، وأورثهم كتابه هم الأئمة " (ص ٢١٤ - ٢١٥، أربع روايات).
" باب أن القرآن يهدي للإمام " (ص ٢١٦، روايتان).
стр. 2293
" باب أن النعمة التي ذكرها الله في كتابه الأئمة " (ص ٢١٧، أربع روايات).
" باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة والسبيل فيهم مقيم " (ص ٢١٨ - ٢١٩، خمس روايات).
ويذكر الكليني روايتين في " باب أن الأئمة في كتاب الله إمامان: إمام يدعو إلى الله، وإمام يدعو إلى النار " (ص ٢١٥ - ٢١٦) وأولى الروايتين هي:
عن أبي جعفر: لما نزلت هذه الآية: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:٧١] قال المسلمون: يا رسول الله، ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟ قال:: فقال رسول الله ﷺ : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي، يقدمون في الناس فيكذبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي، وأنا منه بريء.
وفي" باب عرض الأعمال على النبي ﷺ والأئمة " (ص ٢١٩ - ٢٢٠) يذكر ست روايات منها:
عن عبدالله بن أبان الزيات، وكان مكينا عند الرضا قال: قلت للرضا: ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرأ كتاب الله : وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥] قال: هو والله علي بن أبي طالب.
وفي " باب أن الطريقة التي حث على الاستقامة عليها ولاية علي " (ص ٢٢٠)، يذكر روايتين.
وفي " باب أن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة " (ص ٢٢١) يذكر ثلاث روايات.
وفي " باب أن الأئمة ورثة العلم، يرث بعضهم بعضاً العلم " (ص ٢٢١ ـ ٢٢٣) يذكر ثماني روايات. وفي " باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء، الذين قبلهم " (ص ٢٢٣ - ٢٢٦) يذكر سبع روايات، منها: كتب الرضا: أما بعد، فإن محمداً ﷺ كان أمين الله في خلقه، فلما قبض ﷺ كنا أهل البيت ورثته، فنحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب، ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان، وحقيقة النفاق. وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا، ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم ... كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (من أشرك بولاية علي) مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (من ولاية علي) إن الله (يا محمد) وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى:١٣] (١). من يجيبك إلى ولاية علي.
عن أبي الحسن الأول أن الله يقول: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل:٧٥]، ثم قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:٣٢] فنحن الذين اصطفانا الله ، أورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شىء.
وفي " باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها " (ص ٢٢٧ - ٢٢٨) يذكر روايتين تفيدان معنى الباب.
ويذكر الكليني ست روايات في " باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله " (ص ٢٢٨ - ٢٢٩). والجزء الأول من الباب يتفق مع ما ذكرناه من ذهاب الكليني إلى وقوع النقص في كتاب الله تعالى، والجزء الأخير يذكرنا بما قلنا عن القرآن الناطق
стр. 2294
وفي " باب ما أعطى الأئمة من اسم الله الأعظم " (ص ٢٣٠) يذكر ثلاث روايات تفيد أن الذي أحضر عرش بلقيس كان عنده حرف واحد من اسم الله الأعظم، وهو ثلاثة وسبعون حرفا، على حين أن أئمة الجعفرية عندهم اثنان وسبعون، واستأثر الله سبحانه بحرف واحد.
وفي " باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء " (ص ٢٣١ - ٢٣٢) يذكر خمس روايات هي: عن أبي جعفر: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لعندنا، وإن عهدي بها آنفا وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا يصنع بها ما كان يصنع موسى، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون، وتصنع ما تؤمر به، إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون. يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعا، تلقف ما يأفكون بلسانها.
وعن أبي عبدالله: ألواح موسى عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيين.
وعن أبي عبدالله: قال أبو جعفر: إن القائم إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظامئا روي، فهو زادهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة.
وعن أبي جعفر: خرج أمير المؤمنين ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول: همهمة همهمة وليلة مظلمة، خرج عليكم الإمام وعليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى.
والرواية الأخيرة تبين أن قميص يوسف جاء إبراهيم من الجنة، فحماه من النار، وأن هذا القميص عندهم من الرسول ﷺ .
وفي " باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله ﷺ ومتاعه " (ص٢٣٢ - ٢٣٧) يذكر تسع روايات تفيد أن الأئمة عندهم كل ما ترك الرسول ﷺ . وفي بعض الروايات أن من هذا المتاع ما هو من الجنة، وفي رواية عن أمير المؤمنين أن رسول ﷺ كلمه حماره قائلاً: " بأبي أنت وأمي: إن أبي حدثني، عن أبيه عن جده، عن أبيه، أنه كان مع نوح في السفينة، فقام إليه نوح فمسح على كفله، ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم. فالحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار "
وفي " باب أن مثل سلاح رسول الله مثل التابوت في بني إسرائيل " (ص ٢٣٨) ذكر أربع روايات، وهي تفيد أن أي أهل بيت وجد التابوت على بابهم أوتوا النبوة، ومثلهم من صار إليه السلاح، فإنه يؤتى الإمامة.
وفي " باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة " (ص ٢٣٨ ـ ٢٤٢) ذكر الكليني ثماني روايات هي:
١ - عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله ﵁ فقلت له: جعلت فداك إنني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبدالله ﵁ سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك. قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله ﷺ علم عليا ﵁ باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال يا أبا محمد، علم رسول ﷺ عليا ﵁ ألف باب يفتح من كل باب ألف باب. قال: قلت هذا والله العلم. قال: فنكث ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
стр. 2295
قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله ﷺ وإملائه من فلق فيه، وخط على بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم، فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵁؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا والله العلم. قال: إنه لعلم وليس بذاك.
قال: قلت: جعلت فداك فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من عبد الأسر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة.
٢ - عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله ﵁ يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، ذلك أنني نظرت في مصحف فاطمة ﵍ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه ﵊ دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لايعلمه إلا الله ، فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ﵁ فقال: إذ أحسست بذلك وسمعت الصوت، فقولي لي. فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين ﵁ يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا. قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون.
٣ - عن الحسن بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: إن عندي الجفر الأبيض: قلت: فأي شيء فيه؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، ومصحف إبراهيم ﵁، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش.
وعندى الجفرالأحمر، قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟ قال السلاح، وبذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل. فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟ فقال: أي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهارأنه نهار، ولكنهم يحملهم الحسد على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم.٤ - عن سليمان بن خالد قال: قال أبوعبدالله: إن في الجفرالذين يذكرونه لما يسوؤهم، لأنهم لا يقولون الحق (١) والحق فيه، فليخرجوا قضايا علي وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة ﵍، فإن فيه وصية فاطمة ﵍، ومعه سلاح رسول الله ﷺ ?وإن الله يقول: (فأتوا بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (٢).
стр. 2296
٥ - عن أبي عبد الله: هو (آي الجفر) جلد ثور مملوء علما، قال له فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها، حتى أرش الخدش.
إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ﷺ خمسة وسبعين يوما، وكان داخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل ﵇ يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.
٦ - عن أبي عبدالله قال: إن عندنا كتابا إملاء رسول الله ﷺ وخط علي صحيفة فيها كل حلال وحرام.
٧ - عبدالملك بن أعين قال لأبي عبدالله: إن الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبدالله فهل له سلطان؟ فقال: والله إن عندى لكتابين فيهما تسمية كل نبي وكل ملك يملك الأرض، لا والله ما محمد بن عبدالله في واحد منهما.
٨ - كتاب فاطمة: ليس من ملك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا.
وفي" باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة يوم الجمعة " (ص ٢٥٣ - ٢٥٤) يذكر ثلاث روايات عن أبي عبدالله منها:
إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله ﷺ العرش ووافى الأئمة معه ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأفقدنا.
وفي " باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم " (ص٢٥٤ - ٢٥٥) يذكرأربع روايات. ويذكر أربع روايات كذلك تحت " باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التى خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل " (ص ٢٥٥ - ٢٥٦)
وفي "باب نادر فيه ذكر الغيب " (٢٥٦ –٢٥٧) يذكر أربع روايات، منها رواية تعجب لوجودها في هذا الكافي، وهي:
عن أبي عبدالله: " يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله . لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي ".
كلمة حق جرى بها قلم لا يعرف الحق، لذا كان عجيبا، ولكن سرعان ما زال هذا العجب، فالرواية التالية عن نفس الإمام أنه سئل " الإمام يعلم الغيب؟ فقال: لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك "
فالكليني إذن لم يذكر الرواية الأولى للأخذ بها، ولكن ليهدم هذا المعنى المستقر في أخلاد المؤمنين ببيان أن الأئمة لا يعلمون الغيب إلا بإرادتهم عن طريق الله سبحانه، فما أهون أن يعلم مكان الجارية إذا أراد! والأبواب التالية توضح ما أراده الكليني:
" باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا " (ص ١٥٨) فيه ثلاث روايات.
" باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم " (ص ٢٥٨ –٢٦٠) فيه ثماني روايات.
" باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء " (ص ٢٦٠ - ٢٦٢) فيه ست روايات.
" باب جهات علوم الأئمة " (ص٢٦٤) فيه ثلاث روايات تفيد أن هذه الجهات هي الوارثة والإلهام.
" باب أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه " (ص ٢٦٤ - ٢٦٥) فيه روايتان.
وفي " باب أن الله لم يعلم نبيه علما إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم " (ص٣٦٢) يذكر ثلاث روايات.
وفي " باب التفويض إلى رسول الله ﷺ ، وإلى الأئمة في أمر الدين (ص ٢٦٥ - ٢٦٨) يذكر عشر روايات.
وفي " باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى، وكراهية القول فيهم بالنبوة " (ص ٢٦٨ - ٢٧٠)، يذكر سبع روايات.
وفي " باب أن الأئمة محدثون مفهمون " (ص ٢٧٠ - ٢٧١) يذكر خمس روايات.
стр. 2297
وفي " باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة " (ص ٢٧١ - ٢٧٢) يذكر ثلاث روايات تفيد أن هذه الأرواح خمس: روح الإيمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح الحياة، والخامسة روح القدس وهي خاصة بالأنبياء " فإذا قبض النبي ﷺ انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو وروح القدس كان يرى به ".
وفي " باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة " (ص ٢٧٣ - ٢٧٤) يذكر ست روايات، منها أن الإمام الصادق قال عن قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى:٥٢]
قال: "خلق من خلق الله أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله ﷺ يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده "
ومنها أن الإمام الصادق قال: ما سبق أيضاً عن قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:٨٥] وأنه كذلك قال: منذ أنزل الله ذلك الروح على محمد ﷺ ما صعد إلى السماء وأنه لفينا.
وفي " باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله " (ص٢٧٤ - ٢٧٥) يذكر ثلاث روايات.
وفي " باب أن الأئمة في العلم والشجاعة والطاعة سواء" (ص٢٧٥) يذكر ثلاث روايات ويحرف معنى آية كريمة.
وفي " باب أن الإمام يعرف الإمام الذي يكون من بعده، وأن قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:٥٨] فيهم عليهم الصلاة والسلام نزلت " (ص ٢٧٦ ـ ٢٧٧) يذكر سبع روايات، ويحرف معنى آيات أخريات:
وفي " باب أن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود من واحد إلى واحد " (ص ٢٧٧ ـ ٢٧٩)، يذكر أربع روايات منها: عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله فذكر الأوصياء وذكرت إسماعيل فقال: لا والله يا أبا محمد، ما ذاك إلينا، وما هو إلا إلى الله ، ينزل واحد بعد واحد (١).
وفي " باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله ، وأمر منه لا يتجاوزونه " (ص٢٧٩ - ٢٨٤) يذكر أربع روايات مطولة، والكليني هنا يخرج لنا بطريقة جديدة في الافتراء على الله ، فالروايات تفيد أن جبرئيل – ﵁ نزل على محمد- ﷺ بكتاب كل إمام يفك خاتما، وينفذ ما بالجزء الذي يخصه من الكتاب.
стр. 2298
ومن هذه الروايات: عن أبي عبد الله: (أن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابا (١) لم ينزل على محمد كتاب مختوم إلا الوصية، فقال جبرئيل: يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك فقال رسول الله ﷺ : أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم ﵁، وميراثه لعلي وذريتك من صلبه. قال: وكان عليها خواتيم، قال ففتح علي الخاتم الأول ومضى لما فيها، ثم فتح الحسن الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن فتح الحسين الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة، لا شهادة لهم إلا معك، قال: ففعل) إلخ.
ومنها ... (وأن الحسين قرأ صحيفته التي أعطيها، وفسر له ما يأتي بنعي وبقي فيها أشياء لم تقض، فخرج للقتال ... وكانت تلك الأمور التي بقيت أن الملائكة سألت الله تعالى في نصرته فأذن لها، ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى قتل، فنزلت وقد انقضت مدته وقتل، فقالت الملائكة: يارب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته، فأوحى الله إليهم: أن الزموا قبره حتى تروه قد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه، فبكت الملائكة تعزيا وحزنا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج يكونون أنصاره).
وفي " باب الأمور التى توجب حجة الإمام (ص٢٨٤ - ٢٨٥) يذكر ست روايات تفيد أن الأمور هي: الفضل، والوصية والسلاح وأن يكون الإمام أكبر ولد أبيه ما لم يكن فيه عاهة كإسماعيل بن جعفر. ومن هذه الروايات: الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس، ولا طير ولا بهيمة، ولا شيء فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام. وفي " باب ثبات الأمانة في الأعقاب، وأنها لاتعود في أخ ولا عم ولا غيرهما من القرابات (ص٢٨٥ - ٢٨٦) يذكر خمس روايات، ويستثنى الحسين من عدم العودة في الأخ.
وفي " باب ما نص الله ورسوله ﷺ على الأئمة واحدا فواحدا " (ص ٢٨٦ - ٢٩٢) يذكر سبع روايات وفي إحداها إبطال إمامة محمد بن الحنفية.
وفي " باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين " (ص٢٩٢ - ٢٩٧) يذكر تسع روايات، وفيها تحريف لبعض آي القرآن الكريم نصا ومعنى، وفيها تخطئة وإنكار لنص آيه كريمة، وتعريض بالشيخين: الصديق والفاروق رضي الله تعالى عنهما، وبأنهما ارتدا .. إلخ.
ويعقد الكليني بعد هذا أحد عشر بابا كل باب للإشارة والنص على أحد الأئمة بحسب الترتيب الزمني إلى أن يصل إلي الإمام الثاني عشر في باب الإشارة والنص إلى صاحب الدار في (ص٣٢٩) ويضمن هذه الأبواب ثلاثة وتسعين رواية؟!
وبعد الباب الأخير يأتي " باب في تسمية من رآه " (ص٣٢٩ - ٣٣٢) يذكر خمس عشرة رواية لتسمية من رأى إمامهم الأخير.
وباب في النهي عن الاسم (ص٣٣٢ - ٣٣٣) يذكر أربع روايات وفيها: لا يرى جسمه ولا يسمي اسمه.
" وباب نادر في حال الغيبة " (ص٣٣٣ - ٣٣٥) فيه ثلاث روايات. " وباب في الغيبة " (ص٣٣٥ - ٣٤٣) يذكر الكليني فيه إحدى وثلاثين رواية يستفاد منها أن إمامهم الثاني عشر يشهد المواسم ويرى الناس ولا يرونه. وأن له غيبتين إلخ. وفي بعض الروايات تحريف لمعاني آيات من القرآن الكريم، وفي بعض التحريف تحديد لزمن الغيبة، ففي قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:١٦] يروي روايتين أن المراد هو " إمام يخنس سنة ستين ومائتين " (٢).
стр. 2299
وفي" باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة " (ص٣٤٣ – ٣٦٧) يذكر تسع عشرة رواية منها: رواية بطريقين عن أبي جعفر: أن محمد بن علي المسمى بابن الحنفية طلب من علي بن الحسين بعد استشهاد أبيه الحسين ألا ينازعه في الإمامة لأنه أحق بها. ولكن عليا خوف عمه من عقاب الله تعالى، وطلب الاحتكام للحجر الأسود، فسأل ابن الحنفية الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين لو كنت إماما لأجابك، ثم سأل علي الحجر فتحرك حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، وشهد بأن الوصية لعلي (١).وفي رواية عن موسى بن جعفر أنه أثبت إمامته لمن طلب الإثبات بأن أمر شجرة لتأتيه، فجاءت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت (٢).وعن محمد بن علي الرضا: أن عصا في يده نطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة (٣).
وفي " باب كراهية التوقيت " (ص ٣٦٨ - ٣٦٩) يذكر سبع روايات، الأولى هي:-
عن أبي جعفر: (إن الله ﵎ قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
وفي رواية: (إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حد ثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين).
وفي " باب التمحيص والامتحان " (ص٣٦٩ - ٣٧١) يذكر ست روايات.
وفي " باب من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر" (ص٣٧١ - ٣٧٢) يذكر سبع روايات وفي" باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل " (ص٣٧٢ - ٣٧٤) يذكر اثنتي عشرة رواية، وهذه الروايات يستفاد منها أن غير أئمة الجعفرية الرافضة كفار وإن كانوا فاطميين علويين، ومن تبعهم كان مشركا بالله. وفي الروايات تحريف لمعاني آيات ذكرت، وتكفير لفلان وفلان، أي الصديق والفاروق – ومن والاهما، وقاعدة عامة لظاهر القرآن وباطنه " وأن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق ".
وفي " باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى " (ص٣٧٦ - ٣٧٧) يذكر أربع روايات تفيد أنه يموت ميتة جاهلية.
وفي " باب فيمن عرف الحق من أهل البيت ومن أنكر " (ص٣٧٧ - ٣٧٨) يذكر أربع روايات منها:
عن الرضا: الجاحد منا له ذنبان، والمحسن له حسنتان.
وفي " باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام (ص ٣٧٨ - ٣٨٠) يذكر ثلاث روايات.
وفي " باب أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه " (ص٣٨٠ - ٣٨٢) يذكر ست روايات.
стр. 2300
وفي " باب حالات الأئمة في السن " (ص٣٨٢ - ٣٨٤) يذكر ثماني روايات. وفي " باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة " (١) (ص٣٨٤ - ٣٨٥) يذكر ثلاث روايات. وفي " باب مواليد الأئمة (ص٣٨٥ - ٣٨٩) يذكر ثماني روايات منها: عن أبي عبد الله: إن الله ﵎ إذا أحب أن يخلق الإمام أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش فيسقيها أباه، فمن ذلك يخلق الإمام، فيمكث أربعين يوما وليلة في بطن أمه لا يسمع الصوت. ثم يسمع بعد ذلك الكلام، فإذا ولد بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " (١١٥: الأنعام) فإذا مضى الإمام الذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق فبهذا يحتج الله على خلقه (٢)
وفي الباب أكثر من رواية تفيد هذا المعنى باختلاف في مكان الكتابة.
وفي " باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم " (ص٣٨٩ - ٣٩٠) يذكر أربع روايات منها:
عن أبي جعفر: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا، وخلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا لأنها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الآية: كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون [المطففين:١٨ - ٢١] وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ [المطففين:٧ - ٩].
وفي " باب التسليم وفضل المسلمين " أي للأئمة (ص٣٩٠ - ٣٩٢)، يذكر ثماني روايات.
وفي " باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم، أن يأتوا الإمام فيسألون عن معالم دينهم، ويعلمونه ولا يتهم ومودتهم له " (ص٣٩٢ - ٣٩٣) يذكر ثلاث روايات منها:
نظر أبو جعفر إلى الناس يطوفون حول الكعبة فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما أمروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا يعلمونا ولا يتهم ومودتهم، ويعرضوا علينا نصرتهم.
ومنها أنه نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم، فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله ﵎، وعن رسوله ﷺ حتى يأتونا فنخبرهم عن الله ﵎، وعن رسوله ﷺ .
وفي " باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار " (ص٣٩٣ - ٣٩٤)، يذكر أربع روايات.
وفي " باب أن الجن يأتيهم: فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم " (ص٣٩٤ - ٣٩٧) يذكر سبع روايات تفيد معنى الباب، وأن بعض الناس رأوا الجن يخرجون من عند الأئمة، وفي رواية: إن ثعبانا جاء وأمير المؤمنين يخطب، فأمر بعدم قتله، وصعد الثعبان إليه فقال أمير المؤمنين: من أنت؟ فقال الثعبان: عمرو بن عثمان خليفتك على الجن، وإن أبي مات، وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك .. إلخ. وفي " باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود (٣) ولا يسألون البينة " ص (٣٩٧ - ٣٩٨) يذكر خمس روايات.
وفي " باب أن مستقى العلم من بيت آل محمد ﷺ " (ص٣٩٨ - ٣٩٩) يذكر روايتين
стр. 2301
وفي " باب أنه ليس شيء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل " (ص٣٩٩ - ٤٠٠).
يذكر ست روايات.
وفي " باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستعصب " (ص٤٠١ - ٤٠٢) يذكر خمس روايات.
وفي " باب ما أمر النبي ﷺ بالنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم ومن هم؟ " (ص٤٠٣ - ٤٠٥) يذكر خمس روايات تؤيد فرقته الرافضة.
وفي " باب ما يجب من حق الإمام على الرعيه وحق الرعيه على الإمام " (ص٤٠٥ - ٤٠٧) يذكر سبع روايات.
وفي " باب أن الأرض كلها للإمام " (٤٠٧ - ٤١٠) يذكر ثماني روايات تفيد معنى الباب، وأن الله تعالى أورث أئمة الجعفرية الأرض كلها، فأداءالخراج يجب أن يكون لهم.
ومما جاء في " باب نادر" (ص٤١١ - ٤١٢): عن جابر عن أبي جعفر قال: قلت له: لم سمي أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه وهكذا أنزل في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وأن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين؟ (١)
وفي " باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " (ص٤١٢ - ٤٣٦)، يذكر الكليني اثنتين وتسعين رواية: ويبدو من العنوان أن الكليني أراد هنا أن يخضع كتاب الله لهواه، فيحرف معناه ليؤيد عقيدته في الإمامة، أراد إذا أن يجعل آيات الله تعالى تتحدث عن أئمة الجعفرية. ولكن الكليني لم يكتف بهذا فسلك مسلك شيخه علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير الضال المضل الذي تحدثنا عنه، ولذا ترى الكليني هنا يحرف نصوص آيات قرآنية، ويطعن في الصحابة الكرام بصفة عامه، فيصمهم بالكفروالردة والنفاق، ويطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة بصفة خاصة باعتبار أنهم – كما يفتري - اغتصبوا الولاية من أمير المؤمنين، ويطعن في الشيخين بصفة أخص.
والروايات التي تحمل تحريف نصوص الآيات الكريمة هي الروايات أرقام (٨، ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣١، ٣٢، ٤٣، ٤٧، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٢، ٦٣، ٦٤، ٩١).
والطعن في الصحابة الكرام البررة في أكثر الروايات، أما الروايات التي تطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة فهي أرقام:١٧، ٤٢، ٧٣، ٨٣.
والروايات التى تطعن في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما –هي:٣، ١٤، ٤٣، ٧٩.
ونكتفي هنا بذكر رواية واحدة من روايات الباب، وهي الرواية رقم ٩١ (ص٤٤٢ - ٤٣٥) وهي:
عن محمد بن الفضيل عن إمامهم الحادي عشر:
قال: سألته عن قول الله : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:٨] قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم. قلت وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف:٨] قال: والله متم الإمامه لقوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن: ٨] فالنور هو الإمام: قلت: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ كُلِّهِ [الصف:٩] قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق، قلت: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال: يظهر على جميع الأديان عند قيام القائم، قال الله: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولاية القائم وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ بولاية علي، قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم أما هذا الحرف فتنزيل وأما غيره فتأويل.
стр. 2302
قلت: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قال: إن الله ﵎ سمى من لم يتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين، وجعل من جحد وصية إمامته كمن جحد محمدا، وأنزل بذلك قرآنا: يا محمد إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ (بولاية وصيك) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ [المنافقون: ١] (بولاية علي لكافرون) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] (والسبيل هو الوصي) إنهم ساء ما كانوا يعملون. ذلك بأنهم آمنوا (برسالتك) ثم كفروا (بولاية وصيك) فطبع (الله) على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله قال: وإذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية علي يستغفر لكم النبي من ذنوبكم لووا رءوسهم " قال الله ورأيتهم يصدون: (عن ولاية علي) وهم مستكبرون عليه. ثم عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون:٦] يقول الظالمين لوصيك.
قلت: أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الملك:٢٢] قال: إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، والصراط المستقيم أمير المؤمنين.
قال: قلت: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠] قال: يعنى جبرئيل عن الله في ولاية علي قال: قلت: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:٤١] قال: قالوا: إن محمدا كذاب على ربه وما أمره الله بهذا في علي, فأنزل الله بذلك قرآنا فقال: (إن ولاية علي) (تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا (محمد) بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) ثم عطف القول فقال: إن (ولاية علي) ُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [الحاقة:٤٨] (العالمين) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ [الحاقة:٤٩] وإن (عليا) (لحسرة على الكافرين). وإن (ولايته) (لحق اليقين. فسبح (يا محمد) باسم ربك العظيم) يقول اشكر ربك العظيم الذي أعطاك هذا الفضل.
قلت: قوله: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [الجن:١٣] قال الهدى الولاية، آمنا بمولانا فمن أمن بولاية مولاه فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا قلت: تنزيل قال: لا تأويل قلت: قوله قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن:٢١] قال: إن رسول الله دعا الناس إلى ولاية علي فاجتمعت إليه قريش فقالوا: يا محمد اعفنا من هذا، فقال لهم رسول الله ﷺ :
стр. 2303
هذا إلى الله ليس إلي، فاتهموه، وخرجوا من عنده فأنزل الله (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ (إن عصيته) أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ) (في علي) قلت: هذا تنزيل قال: نعم ثم قال توكيدا: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (في ولاية على) فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) قلت: حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا يعني بذلك القائم وأنصاره، قلت: (واصبر على ما يقولون) قال: يقولون فيك وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (وَذَرْنِي (يا محمد) وَالْمُكذِّبِينَ (بوصيك) أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) قلت: إن هذا تنزيل؟ قال: نعم .. إلخ (١).
وفي " باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية " (٤٣٦ ـ ٤٣٨)، يذكر تسع روايات يستفاد منها أن ولاية أئمة الجعفرية الإمامية الرافضة ولاية الله تعالى جاء بها كل الأنبياء، وكتبت في جميع صحفهم، ويؤمن بها ما لا يحصى من الملائكة، منكرها كافر، وجاهلها ضال، ومن اتخذ معهم أئمة آخرين كان مشركاً، ومن جاء بهذه الولاية دخل الجنة.
وفي " باب في معلافتهم أولياءهم والتفويض إليهم " (ص ٤٣٨ ـ ٤٣٩)، يذكر ثلاث روايات هي:
١ - عن أبي عبد الله: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين وقال له: إني أحبك وأتولاك، فكذبه. فكرر ثلاثا فقال له: كذبت ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه".
وفي رواية أخرى قال أبو عبد الله: كان في النار.٢ - عن أبي جعفر: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق. ٣ - عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله قال: سألته عن الإمام فوض الله إليه كما فوض إلى سليمان بن داود؟ فقال نعم. وذلك أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين ثم قال: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ (أعط) بِغَيْرِ حِسَابٍ) (٢) وهكذا هي في قراءة على ... إلخ. وفي أبواب التاريخ " يذكر الكليني روايات نرى في الحاشية رفضا لبعضها وطعنا في سندها، ولكن أثر الإمامة يبدو كذلك فيما لم يطعن فيه، مثال هذا ما رواه أن أبا جعفر المنصور أمر بإحراق دار الإمام جعفر الصادق، فخرج يتخطى النار، ويمشي فيها، ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله (٣).
وفي " باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم (ص٢٥٢ - ٥٣٥) يذكر الكليني عشرين رواية، نذكر هنا نص إحدى الروايات:
стр. 2304
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أي الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ ، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح المكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة ﵍ في حياة رسول الله ﷺ فهنيتها بولادة الحسن ورأيت في يديها لوحا أخضر، ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ﷺ ما هذا اللوح؟
فقالت هذا لوح أهداه الله إلى رسوله ﷺ فيه اسم أبي واسم بَعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة ﵍ فقرأته واستنسخته. فقال له أبي: فهل لك ياجابر أن تعرضه علي؟ فقال: نعم فمشى معه أبي إلى منزله فأخرج صحيفة من رق فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك. فنظر جابر في نسخته فقرأه فما خالف حرف حرفا فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا.
ونص الكتاب هو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2305
هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا. وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة. جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم علي سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود: محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتى، سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد على، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لاينقطع، وحجتي لا تخفى، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفي، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي، وخيرتي في علي، وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة، وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي ـ حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري، وحجتي علي خلقي. لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن وأكمل ذلك بابنه "محمد" رحمة للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فيذل أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله.
وفي " باب صلة الإمام " (ص٥٣٧ - ٥٣٨) يذكر سبع روايات منها: عن أبي عبدالله: ما من شيء أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وأن الله ليجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل أحد، ثم قال: إن الله يقول في كتابه: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (١).
قال: هو والله في صلة الإمام خاصة.
وعنه: درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفي درهم فيما سواه من وجوه البر.
стр. 2306
وفي " باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه " (٥٣٨ - ٥٤٩) يكتب الكليني صفحة عن الباب، ثم يذكر ثمانياً وعشرين رواية منها: عن الإمام الصادق " نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال " (١). ويفسر ابنه موسى الكاظم ـ كما يزعم الكليني ـ صفو المال بقوله: " للإمام صفو المال: أن يأخذ من هذه الأموال صفوها، الجارية الفارهة، والدابة الفارهة، والثوب والمتاع بما يحب أو يشتهي، فذاك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس " (٢). وعن الإمام الصادق أيضاً: " من أين دخل على الناس الزنى؟ .. من قبل خمسنا أهل البيت إلا شيعتنا الأطيبين، فإنه محلل لهم لميلادهم " (٣).
وبانتهاء هذا الباب ينتهي كتاب (الحجة).
وإذا نظرنا في بقية الجزء الأول فإنا نراه لا يخلو من التأثر بعقيدة الإمامة. مثال هذا: ما يطالعنا في خطبة الكتاب: " دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم " (٤)، وفي كتاب (فضل العلم) "يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء " (٥)، والرواية عن الإمام الصادق. وعن ابنه موسى " لعن الله أبا حنيفة، وكان يقول: قال علي، وقلت: (٦)، وعن الإمام علي: " ذلك القرآن فاستنطقوه .. ولن ينطق لكم، أخبركم عنه .. إلخ " (٧).
وعن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لأميرالمؤمنين: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله ﷺ غير ما في أيدى الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله ﷺ أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله ﷺ متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم، قال: فأقبل علي فقال: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله ﷺ على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، كمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، وإنما آتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثر ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله ﷺ متعمداً، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ﷺ ورآه وسمع منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره، ووصفهم بما وصفهم، فقال : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: ٤]، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله ﷺ شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذباً.
стр. 2307
ورجل ثالث سمع من رسول الله ﷺ شيئا أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم - أو سمعه ينهى عن شيء، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ. وآخر رابع لم يكذب على رسول الله ﷺ ، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله ﷺ ، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ ... وقد كنت أدخل على رسول الله ﷺ كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخلينى فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري (١).
وتنظر مثلا في باب النوادر من كتاب (التوحيد) (ص ١٤٣ - ١٤٦) تجد ما يأتي: عن الحارث بن المغيرة النصري قال: سئل أبو عبدالله عن قول الله ﵎: كُلُّ شيء هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:٨٨] فقال: ما يقولون فيه؟ قلت: يقولون يهلك كل شىء إلا وجه الله، فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيماً، إنما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه.
وعن أبي جعفر: " نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا محمداً ﷺ ، ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا وإمامة المتقين ".
وعن أبي عبدالله في قول الله : وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا.
وعنه: إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدل عليه وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا نزل غيث السماء وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبدالله، ولولا نحن ما عبدالله.
وعن أسود بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر فأنشأ يقول ابتداء منه من غير أن أسأله: نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله, ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة الله في عباده.
وعن أمير المؤمنين: أنا عين الله وأنا يد الله، وأنا جنب الله, وأنا باب الله.
وعن أبي الحسن موسى: يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر:٥٦] قال: جنب الله أمير المؤمنين، وكذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهي الأمر إلى آخرهم.
وعن أبي جعفر: بنا عبدالله وبنا عرف الله وبنا وحد الله ﵎ ومحمد حجاب الله ﵎.
وعن أبي جعفر: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:٥٧، الأعراف: ١٦٠] قال: إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [المائدة: ٥٥] يعنى الأئمة منا.
ثانياً: الجزء الثاني من (أصول الكافي):
стр. 2308
بعد عرضنا للجزء الأول أعتقد أننا لسنا في حاجة إلى أن نطيل الحديث عن الجزء الثاني، ذلك أن هذا الجزء يتحدث في جملته عن الإيمان والكفر، والجزء السابق بين مفهوم الإيمان والكفر عند الكليني، وأمثاله من غلاة الفرقة الضالة وزنادقتهم. كما رأينا في كثير من رواياته، فقد ربط الإيمان والكفر بإمامة الجعفرية الإمامية فالمؤمن بها هو المؤمن، ومنكرها كافر، إلى غير ذلك مما رأينا. فهذا الجزء إذن يعتبر امتدادا للجزء الأول، فيكفي أن نورد بعض الأمثلة لنرى أن الكليني ظل سائرا في نفس الطريق الذي رسمه لنفسه تأثراً بعقيدته في الإمامة. من هذه الأمثلة ما رواه عن أبي جعفر قال: " إن الله ﵎ حيث خلق ماء عذبا وماء أجاجا فامتزج الماءان، فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديداً، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبون: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، ثم أخذ الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم وأن هذا محمد رسولي، وأن هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى فثبت لهم النبوة. وأخذ الميثاق على أولي العزم أنني ربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي – ﵈، وأن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وانتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعا وكرها. قالوا: أقررنا يارب وشهدنا. ولم يجحد آدم ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:١١٥] قال: إنما هو فترك (١). ثم أمر نارا فأججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها. وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما. فقال أصحاب الشمال: يارب أقلنا فقال قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها، ثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية (٢).
وعنه أيضاً قال: " إن الله خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار. ثم بعثهم في الظلال. فقلت: وأي شيء الظلال؟ فقال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشيء. ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض.
ثم دعوهم إلى ولايتنا، فأقر بها والله من أحب وأنكر من أبغض وهو قوله: فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ [يونس:٧٤]. ثم قال أبو جعفر ﵁: كان التكذيب ثم (٣).وعنه كذلك قال: " بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية " (٤).وفي رواية أخرى زاد: فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه، يعنى الولاية (٥).وعن عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبدالله ﵁: أوقفني على حدود الإيمان. فقال الخمس وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وولاية ولينا، وعداوة عدونا، والدخول مع الصادقين " (٦).
وعن زرارة عن أبي جعفر قال: " بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية. قال زرارة: قلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن. أما لو أن رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان" (٧).والكليني لا يكتفي بربط الإيمان والكفر بالإمامة ولكن يربطهما كذلك بمبادئ الجعفرية، استمع إليه مثلا وهو يروي عن الإمام الصادق: " إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له ", " التقية من دين الله "، " والله ما عبدالله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء
стр. 2309
الفصل الثاني عشر: التفسير وأصوله عند الشيعة الاثني عشرية
• المبحث الأول: القرآن الصامت والقرآن الناطق.
• المبحث الثاني: الظاهر والباطن.
• المبحث الثالث: القرآن الكريم والتحريف.
• المبحث الرابع: التبيان للطوسي وتفاسير الطبرسي.
• المبحث الخامس: التفسير بعد الطوسي والطبرسي.
• المبحث السادس: نظرة عامة لباقي كتب التفسير.
стр. 2310
المبحث الأول: القرآن الصامت والقرآن الناطق
• المطلب الأول: الإمام كالنبي.
• المطلب الثاني: مذهب الإخباريين.
• المطلب الثالث: قول الأصوليين.
• المطلب الرابع: النسخ بعد عصر النبوة.
• المطلب الخامس: التخصيص.
• المطلب السادس: كتمان الحكم تقية أو للتدرج.
стр. 2311
المطلب الأول: الإمام كالنبي ذكرنا من قبل قول الجعفرية بأن الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه، ولذلك فهم يشيرون إلى القرآن الكريم والإمام بقولهم: ذلك القرآن الصامت وهذا القرآن الناطق، فالإمام هو ـ في رأيهم ـ القرآن الناطق (١)، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي ﷺ سواء بسواء.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥١
стр. 2312
المطلب الثاني: مذهب الإخباريين وما دام القرآن الكريم صامتاً فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالى، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية (١): لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم!! وقال جمهور الجعفرية ـ وهم الأصوليون ـ بحجية الظواهر ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن الأئمة. (٢)
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس- ص٤٥١
стр. 2313
المطلب الثالث: قول الأصوليين
وناقش الأصوليون الإخباريين فيما ذهبوا إليه: قال صاحب (فوائد الأصول) بعد أن بين حجية الظواهر:
" نسب إلى الإخباريين عدم جواز العمل بظاهر الكتاب العزيز، واستدلوا على ذلك بوجهين، الأول: العلم الإجمالى بتقييد وتخصيص كثير من المطلقات والعمومات الكتابية، والعلم الإجمالى كما يمنع عن جريان الأصول العملية، يمنع عن جريان الأصول اللفظية من أصالة العموم والإطلاق التي عليها مبنى الظهورات. الثاني: الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب. ولا يخفى ما في كلا الوجهين، أما الأول فلأن العلم الإجمالى ينحل بالفحص عن تلك المقيدات والمخصصات، والعثور على مقدار منها يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها ... وأما الثاني فلأن الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب وإن كانت مستفيضة، بل متواترة، إلا أنها على كثرتها بين طائفتين: طائفة تدل على المنع عن تفسير القرآن بالرأي والاستحسانات الظنية، وطائفة تدل على المنع عن الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب من دون مراجعة أهل البيت الذين نزل الكتاب في بيتهم صلوات الله عليهم، ولا يخفى أن مفاد كل من الطائفتين أجنبي عما يدعيه الإخباريون " (١).
فالإخباريون يمنعون العمل بظاهر الكتاب، والأصوليون يمنعونه كذلك إلا بعد الرجوع إلى أقوال الأئمة، ويندرج تحت هذا الظاهر مثل العام والمطلق وغيرهما مما هو ظاهر في معنى, ومحتمل لمعنى آخر، فالعام ظاهر في العموم مع احتمال التخصيص، والمطلق ظاهر في الإطلاق مع احتمال التقييد فيرون إذن وجوب الرجوع إلى الأئمة وما روي عنهم بمعرفة مراد الله عزوجل. قال أحد علمائهم المعاصرين (٢): " لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص "، ويوضح هذا بقوله: " لا شك في أن بعض عمومات القرآن الكريم والسنة الشريفة لها مخصصات منفصلة شرحت المقصود من تلك العمومات، وهذا معلوم من طريقة صاحب الشريعة، والأئمة الأطهار ـ عليهم الصلاة والسلام. حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص. ولذا ورد عن أئمتنا ذم من استبدوا برأيهم في الأحكام، لأن في الكتاب المجيد والسنة عاماً وخاصاً، ومطلقاً ومقيداً، وهذه الأمور لا تعرف إلا من طريق آل البيت، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
وهذا ما أوجب التوقف في التسرع بالأخذ بعموم العام قبل الفحص، واليأس من وجود المخصص، لجواز أن يكون هذا العام من العمومات التي لها مخصص موجود في السنة أو الكتاب لم يطلع عليه من وصل إليه العام. وقد نقل عدم الخلاف بل الإجماع على عدم جواز الأخذ بالعام قبل الفحص واليأس ". اهـ. والسنة ـ عند الجعفرية تتسع لتشمل أقوال أئمتهم، وهم مجمعون على الأخذ بما ورد من كلام الأئمة مخصصا لكثير من عمومات القرآن الكريم، ومقيداً لكثير من مطلقاته، وما قام قرينة على صرف جملة من ظواهره، ويعتبرون هذا من الأمور القطعية التي لا يشك فيها أحد (٣)
ولكن المخصصات التي ترد عن الأئمة أتعتبر من باب النسخ أم التخصيص؟ خلاف وقع بين الجعفرية!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٢
стр. 2314
المطلب الرابع: النسخ بعد عصر النبوة
فمنهم من ذهب إلى أن المخصصات ناسخة لحكم العمومات، لأن العام لما ورد وصل وقت العمل به بحسب الغرض، فتأخير الخاص عن وقت العمل لو كان مخصصاً ومبيناً لعموم العام يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهو قبيح من الحكيم، لأن فيه إضاعة للأحكام ولمصالح العباد بلا مبرر. فوجب أن يكون ناسخا للعام، والعام باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاص، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاص.
وكيف يمكن النسخ بعد عصر النبوة وانقطاع الوحي؟ قيل " إن انقطاع الوحي لا يلازم عدم تحقق النسخ بعده ﷺ لأنه يمكن أن يكون النبي ﷺ قد أودع الحكم الناسخ إلى الوصي، وأودع الوصي إلى وصي آخر إلى أن يصل زمان ظهوره وتبليغه. وقد وردت أخبار عديدة في تفويض دين الله تعالى إلى الأئمة، وعقد في الكافي باب في ذلك، وبعد هذا لا يصغى إلى شبهة عدم إمكان تحقق النسخ بعد النبي ﷺ " (١).
ومن المعلوم أن حلال محمد ﷺ حلال إلى يوم القيامة، وحرامه ﷺ حرام إلى يوم القيامة، وهم يروون هذا أيضا عن أئمتهم، فأنى يتحقق النسخ؟ يقول السيد أبو القاسم الخوئي ـ مرجعهم السابق بالعراق: " الظاهر منه ـ أي من الخبر ـ عرفاً بيان استمرار الشريعة المقدسة، وأنها لا تنسخ بشريعة أخرى، فالمراد منه أن كل ما يكون إلى يوم القيامة متصفاً بالحلية أو الحرمة فهو حلال محمد ﷺ أو حرامه، فأحكامه ﷺ مستمرة إلى يوم القيامة، ولا تنسخ بشريعة أخرى " (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٤
стр. 2315
المطلب الخامس: التخصيص
ومن الجعفرية من جعل هذه المخصصات كاشفة عن اتصال كل عام بمخصصه، فهي ليست تخصيصاً طارئاً بعد عصر النبوة، وإنما اختفت تلك المخصصات المتصلة ووصلت إليهم المخصصات المنفصلة. وقال الشيخ الطوسي: " لكثرة الدواعي إلى ضبط القرائن والمخصصات المتصلة، واهتمام الرواة إلى حفظها ونقلها، فمن المستحيل عادة أن تكون مخصصات متصلة بعد المخصصات المنفصلة وقد خفيت كلها علينا. وأجيب عن هذا بأنه لا وجه لهذه الاستحالة، فإنا نرى أن كثيراً من المخصصات المنفصلة المروية من طرقنا عن الأئمة مروية عن العامة ـ أي جمهور المسلمين - بطرقهم عن النبي ﷺ فيكشف ذلك عن اختفاء المخصصات المتصلة علينا " (١).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٦