المطلب الأول: الإمام كالنبي ذكرنا من قبل قول الجعفرية بأن الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه، ولذلك فهم يشيرون إلى القرآن الكريم والإمام بقولهم: ذلك القرآن الصامت وهذا القرآن الناطق، فالإمام هو ـ في رأيهم ـ القرآن الناطق (١)، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي ﷺ سواء بسواء.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥١
стр. 2312
المطلب الثاني: مذهب الإخباريين وما دام القرآن الكريم صامتاً فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالى، ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية (١): لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم!! وقال جمهور الجعفرية ـ وهم الأصوليون ـ بحجية الظواهر ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن الأئمة. (٢)
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس- ص٤٥١
стр. 2313
المطلب الثالث: قول الأصوليين
وناقش الأصوليون الإخباريين فيما ذهبوا إليه: قال صاحب (فوائد الأصول) بعد أن بين حجية الظواهر:
" نسب إلى الإخباريين عدم جواز العمل بظاهر الكتاب العزيز، واستدلوا على ذلك بوجهين، الأول: العلم الإجمالى بتقييد وتخصيص كثير من المطلقات والعمومات الكتابية، والعلم الإجمالى كما يمنع عن جريان الأصول العملية، يمنع عن جريان الأصول اللفظية من أصالة العموم والإطلاق التي عليها مبنى الظهورات. الثاني: الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب. ولا يخفى ما في كلا الوجهين، أما الأول فلأن العلم الإجمالى ينحل بالفحص عن تلك المقيدات والمخصصات، والعثور على مقدار منها يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها ... وأما الثاني فلأن الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب وإن كانت مستفيضة، بل متواترة، إلا أنها على كثرتها بين طائفتين: طائفة تدل على المنع عن تفسير القرآن بالرأي والاستحسانات الظنية، وطائفة تدل على المنع عن الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب من دون مراجعة أهل البيت الذين نزل الكتاب في بيتهم صلوات الله عليهم، ولا يخفى أن مفاد كل من الطائفتين أجنبي عما يدعيه الإخباريون " (١).
فالإخباريون يمنعون العمل بظاهر الكتاب، والأصوليون يمنعونه كذلك إلا بعد الرجوع إلى أقوال الأئمة، ويندرج تحت هذا الظاهر مثل العام والمطلق وغيرهما مما هو ظاهر في معنى, ومحتمل لمعنى آخر، فالعام ظاهر في العموم مع احتمال التخصيص، والمطلق ظاهر في الإطلاق مع احتمال التقييد فيرون إذن وجوب الرجوع إلى الأئمة وما روي عنهم بمعرفة مراد الله عزوجل. قال أحد علمائهم المعاصرين (٢): " لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص "، ويوضح هذا بقوله: " لا شك في أن بعض عمومات القرآن الكريم والسنة الشريفة لها مخصصات منفصلة شرحت المقصود من تلك العمومات، وهذا معلوم من طريقة صاحب الشريعة، والأئمة الأطهار ـ عليهم الصلاة والسلام. حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص. ولذا ورد عن أئمتنا ذم من استبدوا برأيهم في الأحكام، لأن في الكتاب المجيد والسنة عاماً وخاصاً، ومطلقاً ومقيداً، وهذه الأمور لا تعرف إلا من طريق آل البيت، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
وهذا ما أوجب التوقف في التسرع بالأخذ بعموم العام قبل الفحص، واليأس من وجود المخصص، لجواز أن يكون هذا العام من العمومات التي لها مخصص موجود في السنة أو الكتاب لم يطلع عليه من وصل إليه العام. وقد نقل عدم الخلاف بل الإجماع على عدم جواز الأخذ بالعام قبل الفحص واليأس ". اهـ. والسنة ـ عند الجعفرية تتسع لتشمل أقوال أئمتهم، وهم مجمعون على الأخذ بما ورد من كلام الأئمة مخصصا لكثير من عمومات القرآن الكريم، ومقيداً لكثير من مطلقاته، وما قام قرينة على صرف جملة من ظواهره، ويعتبرون هذا من الأمور القطعية التي لا يشك فيها أحد (٣)
ولكن المخصصات التي ترد عن الأئمة أتعتبر من باب النسخ أم التخصيص؟ خلاف وقع بين الجعفرية!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٢
стр. 2314
المطلب الرابع: النسخ بعد عصر النبوة
فمنهم من ذهب إلى أن المخصصات ناسخة لحكم العمومات، لأن العام لما ورد وصل وقت العمل به بحسب الغرض، فتأخير الخاص عن وقت العمل لو كان مخصصاً ومبيناً لعموم العام يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهو قبيح من الحكيم، لأن فيه إضاعة للأحكام ولمصالح العباد بلا مبرر. فوجب أن يكون ناسخا للعام، والعام باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاص، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاص.
وكيف يمكن النسخ بعد عصر النبوة وانقطاع الوحي؟ قيل " إن انقطاع الوحي لا يلازم عدم تحقق النسخ بعده ﷺ لأنه يمكن أن يكون النبي ﷺ قد أودع الحكم الناسخ إلى الوصي، وأودع الوصي إلى وصي آخر إلى أن يصل زمان ظهوره وتبليغه. وقد وردت أخبار عديدة في تفويض دين الله تعالى إلى الأئمة، وعقد في الكافي باب في ذلك، وبعد هذا لا يصغى إلى شبهة عدم إمكان تحقق النسخ بعد النبي ﷺ " (١).
ومن المعلوم أن حلال محمد ﷺ حلال إلى يوم القيامة، وحرامه ﷺ حرام إلى يوم القيامة، وهم يروون هذا أيضا عن أئمتهم، فأنى يتحقق النسخ؟ يقول السيد أبو القاسم الخوئي ـ مرجعهم السابق بالعراق: " الظاهر منه ـ أي من الخبر ـ عرفاً بيان استمرار الشريعة المقدسة، وأنها لا تنسخ بشريعة أخرى، فالمراد منه أن كل ما يكون إلى يوم القيامة متصفاً بالحلية أو الحرمة فهو حلال محمد ﷺ أو حرامه، فأحكامه ﷺ مستمرة إلى يوم القيامة، ولا تنسخ بشريعة أخرى " (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٤
стр. 2315
المطلب الخامس: التخصيص
ومن الجعفرية من جعل هذه المخصصات كاشفة عن اتصال كل عام بمخصصه، فهي ليست تخصيصاً طارئاً بعد عصر النبوة، وإنما اختفت تلك المخصصات المتصلة ووصلت إليهم المخصصات المنفصلة. وقال الشيخ الطوسي: " لكثرة الدواعي إلى ضبط القرائن والمخصصات المتصلة، واهتمام الرواة إلى حفظها ونقلها، فمن المستحيل عادة أن تكون مخصصات متصلة بعد المخصصات المنفصلة وقد خفيت كلها علينا. وأجيب عن هذا بأنه لا وجه لهذه الاستحالة، فإنا نرى أن كثيراً من المخصصات المنفصلة المروية من طرقنا عن الأئمة مروية عن العامة ـ أي جمهور المسلمين - بطرقهم عن النبي ﷺ فيكشف ذلك عن اختفاء المخصصات المتصلة علينا " (١).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٥٦
стр. 2316
المطلب السادس: كتمان الحكم تقية أو للتدرج ومن الجعفرية من ذهب إلى التخصيص كذلك، ولكن على أساس أن هذه المخصصات " هي المخصصات حقيقة، ولا يضر تأخرها عن وقت العمل بالعام، لأن العمومات المتقدمة لم يكن مفادها الحكم الواقعي، بل الحكم هو الذي تكفل المخصص المنفصل ببيانه. وإنما تأخر بيانه لمصلحة كانت هناك في التأخير، وإنما تقدم العموم ليعمل به ظاهراً إلى أن يرد المخصص، فيكون مفاد العموم حكماً ظاهرياً، ولا محذور في ذلك، فإن المحذور إنما هو تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام إذا كان مفاد العام حكماً واقعياً لا حكماً ظاهرياً " (١).ويوضح عالم آخر هذا الرأي فيقول: " العام يجوز أن يكون وارداً لبيان حكم ظاهري صوري لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعي، ولو لمصلحة التقية، أو لمصلحة التدرج في بيان الأحكام كما هو معلوم من طريقة النبي ﷺ في بيان أحكام الشريعة، مع أن الحكم الواقعي التابع للمصالح الواقعية الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية إنما هو على طبق الخاص. فإذا جاء الخاص يكون كاشفاً عن الحكم الواقعي، فيكون مبيناً للعام ومخصصاً له، وأما الحكم العام الذي ثبت أولاً، ظاهراً وصورة، إن كان قد ارتفع وانتهى أمره، فإنه إنما ارتفع لارتفاع موضوعه، وليس هو من باب النسخ " (٢).ثم يعقب على هذا بقوله: " وإذا جاز أن يكون العام وارداً على هذا النحو من بيان الحكم ظاهراً وصورة: فإن ثبت ذلك كان الخاص مخصصاً، أي كان كاشفاً عن الواقع قطعاً. وإن ثبت أنه في حدود بيان الحكم الواقعي للمصالح الواقعية الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية، فلا شك في أنه يتعين كون الخاص ناسخاً له. وأما لو دار الأمر بينهما، إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فأيهما أرجح في الحمل؟ فنقول الأقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص " (٣).ومع هذا الترجيح فقد رأى غيره أن هذه الحالة لا يجوز حملها إلا على النسخ (٤).
стр. 2317
وكتمان الحكم الواقعي تقية, هذا أمر غير معروف عن النبي ﷺ , وما أظن الشيعة يقولون به، فما يجوز لمسلم أن يعتقده، فلعلهم أرادوا التقية بالنسبة للأئمة؛ بمعنى أن الإمام يكتم هذا الحكم، لأنه لو أظهره خشي على نفسه وعلى شيعته، ومن هنا تكون التقية. وهذا الرأي وإن كان غير مقبول أصلاً، إلا أنه يتمشى مع عقيدة الجعفرية. أما التدرج في بيان الأحكام الذي يعتقده الجعفرية فيوضحه عالمهم المشهور محمد الحسين آل كاشف الغطاء بقوله: " يعتقد الإمامية أن لله بحسب الشريعة الإسلامية من كل واقعة حكما حتى أرش الخدش، وما من عمل من أعمال المكلفين من حركة أو سكون إلا ولله فيه حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة. وما من معاملة على مال، أو عقد نكاح، ونحوها إلا وللشرع فيه حكم صحة أو فساد. وقد أودع الله سبحانه جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء، وعرفها النبي بالوحي من الله أو الإلهام، ثم إنه ـ سلام الله عليه ـ حسب وقوع الحوادث أو حدوث الوقائع أو حصول الابتلاء، وتجدد الآثار والأطوار، بين كثيرا منها للناس، وبالأخص لأصحابه الحافين به، الطائفين كل يوم بعرش حضوره، ليكونوا هم المبلغين لسائر المسلمين في الآفاق وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣] وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعي والبواعث لبيانها، إما لعدم الابتلاء بها في عصر النبوة، أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها ... والحاصل أن حكمة التدرج اقتضت بيان جملة من الأحكام، وكتمان جملة، ولكنه ـ سلام الله عليه ـ أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد به إلى الآخر لينشره في الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص، أو مطلق مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلا، بل يودعه عند وصيه إلى وقته " (١)
من الواضح البين بعد هذا أن ما ذكره الجعفرية بالنسبة للقرآن الناطق- أي الإمام ـ أثر من آثار عقيدتهم في الإمامة، فأقوالهم هنا لا تصح إلا بصحة عقيدتهم, حتى يكون للإمام ما للنبي ﷺ من البيان والتخصيص والتقييد، بل النسخ، وحتى لا ينتهي التدرج بانقطاع الوحي وانتقال صاحب الرسالة ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وإنما يبقى دور لمن جعلوهم شركاءه ﷺ في الرسالة.
وما ذكره الشيعة هنا ليس مسألة نظرية، وإنما يبين أصول التفسير، والتشريع أيضاً، وسنرى تطبيقاً عملياً لها في كتبهم التي تناولت بالدراسة كتاب الله تعالى، وعند الحديث عن كتبهم سنرى ثلاثة كتب في التفسير ظهرت في القرن الثالث الهجري، وأن هذه الكتب جعلت كتاب الله تعالى أشبه بكتاب من كتب الشيعة، فأكثر الآيات خاصة بالأئمة وولايتهم، وكفر من ينكر هذه الولاية، إلى غير ذلك من الغلو والضلال كما سيتضح، وسنرى هذا في عشرات من كتب التفسير الشيعي الأخرى. والجعفرية لم يبدأوا التفكير في علم الأصول إلا في القرن الرابع الهجري، ولم يدخل هذا العلم دور التصنيف والتأليف إلا في القرن الخامس (٢). إذا عرفنا هذا أمكن القول بأن ما ذكره الشيعة هنا من علم الأصول إنما كان استنتاجاً من تلك الكتب الثلاثة، أو تبريراً لها، حيث إنها كانت تعتمد على روايات تزعم نسبتها للأئمة.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس- ص٤٥٦
стр. 2318
المطلب الأول: حجية الظواهر
ذكرنا آنفاً موقف الإخباريين من ظاهر القرآن الكريم، ورد جمهور الجعفرية عليهم. فهم يرون حجية الظهور. قال مرجعهم السابق بالعراق عن حجية ظواهر القرآن: " لاشك أن النبي ﷺ لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وأنه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم، وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته، فيأتمروا بأوامره ويزدجروا بزواجره، وقد تكرر في الآيات الكريمة ما يدل على ذلك، كقوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤] (١) وقوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر: ٢٧].
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢].
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].
بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]. وقوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]. وقوله تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الدخان: ٥٨]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: ١٧]. وقوله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]. إلى غير ذلك من الآيات الداله على وجوب العمل بما في القرآن، ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره. ومما يدل على حجية ظواهر الكتاب، وفهم العرب لمعانيه، أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي ﷺ قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا أن العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لأنهم ليسوا ممن يستطيعون فهمه، وهذا ينافي الغرض من إنزال القرآن، ودعوة البشر إلى الإيمان به ... إلخ " (٢). وقال عالم آخر عن حجية الظواهر (٣):
"هي أوضح من أن يطال فيها الحديث مادام البشر في جميع لغاته قد جرى على الأخذ بظواهر الكلام، وترتيب آثارها ولوازمها عليها، بل لو أمكن أن يتخلى عنها لما استقام له التفاهم بحال، لأن ما كان نصاً في مدلوله مما ينتظم في كلامه لا يشكل إلا أقل القليل.
وبالضرورة أن عصر النبي ﷺ ما كان بدعاً من العصور، لينفرد به الناس في أساليب تفاهمهم بنوع خاص من التفاهم لا يعتمد الظهور ركيزة من ركائزه، وما كان للنبي ﷺ طريقة خاصة في التفاهم انفرد بها عن معاصريه، وإلا لكانت أحدوثة التاريخ، فالقطع بإقرار النبي ﷺ لطريقتهم في التفاهم كاف في إثبات حجية الظواهر. وقد نزل القرآن بلغة العرب، وتبنى طريقتهم في عرض أفكاره، وكان لكلامه ظاهر يفهمونه ويسيرون على وفقه " (٤)
اللجوء للتأويل تأييداً للعقيدة:
ومع القول بحجية الظاهر، إلا أنهم ـ كما رأينا من قبل ـ جعلوا للإمام ما للنبي ﷺ من بيان المراد من قول الله تعالى، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه. وفي الجزء الأول وجدنا أنهم لما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجأوا إلى التأويل، وناقشناهم فيما ذهبوا إليه فلم نجد لهم دليلا يمكن الاحتجاج به. وإذا كانت العقيدة من أساسها ليس لها ما يؤيدها من كتاب الله تعالى فكيف بما يتبعها من عقائد وتفريعات؟
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٠
стр. 2319
المطلب الثاني: الباطن والشيعة الاثنا عشرية لم يقفوا عند حد التأويل الذي أشرنا إليه، فهم ينسبون للنبي ﷺ وللأئمة أنهم قالوا: إن للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن، أو إلى سبعين بطناً! (١) وهم لا ينفردون بالقول بأن للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا، فقد قيل به قديماً وحديثاً. قال أستاذنا الجليل المرحوم علي حسب الله تحت عنوان ظاهر القرآن وباطنه: " إذا سمع المرء كلاماً عربياً تبادر إلى ذهنه ما يدل عليه الكلام بحسب وضعه العربي، فإذا تدبره فقد يفهم منه مقاصد مطوية وأغراضاً خفية، فالمتبادر الأول: هو ظاهر الكلام، ويكاد يدركه كل عارف باللغة. والمفهوم الثاني: هو باطنه وهو لا يدرك إلا بشيء من التدبر. وللقرآن ظاهر وباطن بهذا المعنى، وكلاهما مراد، غير أن الثاني لا يعتد به إلا إذا لم يكن مناقضاً للأول، وكان له شاهد من مقاصد الدين ومراميه " (٢).
والإمام الغزالي من قبل أفاض في الحديث عن الظاهر والباطن، وقسم الباطن إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه، فيختص بدركه الخواص.
القسم الثاني: من الخفيات التي يمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها، ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين.
القسم الثالث: أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحاً لفهم ولم يكن فيه ضرر، ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز.
القسم الرابع: أن يدرك الإنسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلاً بالتحقيق والذوق.
القسم الخامس: أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال، فالقاصرالفهم يقف على الظاهر ويعتقده نطقاً، والبصير بالحقائق يدرك السر فيه.
ثلث القرآن في الأئمة!! وثلثه في عدوهم!!:
فالجعفرية إذن لم ينفردوا بالقول بالباطن جملة، ولكن أثر عقيدتهم في الإمامة ـ إلى جانب ما سبق ـ ظهر في التوسع في القول بالباطن إلى غير حد، حتى أن بعضهم ـ كما سيأتي ـ اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبعضهم جعل الربع لا الثلث، وهؤلاء وأولئك نسبوا هذا الضلال للأئمة الأطهار افتراء عليهم، حتى يضلوا غيرهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله تعالى لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيراً عن الإسماعيلية الباطنية.
وعند تناولنا لكتبهم سنرى أنهم مختلفون، فمن ناشد للاعتدال نسبيا مقترب منه، إلى راغب في الضلال هابط إلى الغلو. وقبل الحديث عن هذه الكتب نتحدث عن موضوع جد خطير، حيث يتعلق بصيانة القرآن الكريم من النقص والتحريف.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٢
стр. 2320
المطلب الأول: لماذا قالوا بالتحريف ؟
بالرجوع إلى كتب الجعفرية نجد جدلاً حول التحريف بين معتدليهم نسبيا وغلاتهم، ونتعرض لهذا الأمر بإيجاز قدر المستطاع قبل الحديث عن كتبهم بشيء من التفصيل:
فمن المقطوع به عند جمهور المسلمين أنه لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ [يونس:٦٤] وأن الله تعالى هو الذي تعهد بحفظ القرآن الكريم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]، ولذا هيأ له، وسيهيئ له من يحفظه إلى يوم القيامة. وقد كتب على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وجمع ما كتب عند الصديق ثم الفاروق، ثم كان المصحف الإمام الذي كتب في خلافة ذي النورين كما هو معلوم، فحفظ في السطور والصدور على مر القرون، وكلما أصاب المسلمون تقدماً وجهوه قدر استطاعتهم لحفظ كتاب الله تعالى، هذا ما نلمسه جميعا بغير خلاف.
والذين حاولوا هدم الإسلام وجهوا مردة شياطينهم للطعن في القرآن المجيد، لكن هيهات، فباءوا بمرارة الفشل، وبغضب ممن علم القرآن. ولا عجب في مسلك هؤلاء الكفار، ولكن العجب كل العجب أن نجد ممن ينتمي إلى الإسلام من يضل ضلال هؤلاء الكفار! فغلاة الاثني عشرية عز عليهم أن يخلو القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة كما سنرى، بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين، وعلى الأخص الخلفاء الراشدون الذين سبقوا الإمام علياً، وأرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله العزيز، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق علي في الخلافة والأئمة من بعده!!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٥
стр. 2321
المطلب الثاني: أشهر كتب الغلاة ومن أشهر كتب هؤلاء الغلاة كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) قال مؤلفه حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (١) في ص (٢) هذا كتاب لطيف وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضايح أهل الجور والعدوان ".وذكر روايات كثيرة تفيد التحريف, منها: " لما انتقل سيد البشر محمد بن عبد الله ﷺ من دار الفناء، وفعلا صنما قريش ما فعلا من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين ﵇ القرآن كله ووضعه في إزار، وأتى به إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه، أمرنى رسول الله ﷺ أن أعرضه عليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى. فقال فرعون هذه الأمة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك .. فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح, وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدرى، وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين، وجمعوا هذا القرآن، أسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت عنهم بعد وفاة سيد المرسلين ﷺ ، فلذا ترى الآيات غير مرتبطة!! والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين ﵇ بخطه محفوظ عند صاحب الأمر عجل الله فرجه، فيه كل شيء حتى أرش الخدش " (٢).ومنها ما نسب للإمام الصادق " لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين " (٣).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٦
стр. 2322
المطلب الثالث: سورة الولاية في كتاب دبستان المذاهب ونقل عن صاحب كتاب (دبستان المذاهب) قوله: " بعضهم يقولون: إن عثمان أحرق المصاحف، وأتلف السور التي كانت في فضل علي وأهل بيته، منها هذه السورة: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, وذكر سورة كاملة مفتراة، ثم عقب عليها بقوله: " ظاهر كلامه أنه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجد لها أثراً فيها، غير أن الشيخ محمد بن علي بن شهر أشوب المازندراني ذكر في كتاب (المثالب) على ما حكي عنه، أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ولعلها هذه السورة " (١).
هذه نماذج قليلة ذكرناها بنصها، والكتاب كله يخبط في ظلام هذا الضلال، ثم يفتري هذا على أهل البيت الأطهار، فمن أولئك الغلاة المفترون؟
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٧
стр. 2323
المطلب الرابع: من القائلون بالتحريف ؟ قال مؤلف الكتاب السابق: " وقوع التغيير والنقصان فيه هو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني، في تفسيره صرح بذلك في أوله، وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته. ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني ﵀ على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب (الحجة)، خصوصاً كتاب (النكت والنتف من التنزيل)، وفي (الروضة)، ومن غير تعرض لردها أو تأويلها (١).
واستظهر المحقق السيد محسن الكاظمي في (شرح الوافية) مذهبه من الباب الذي عقده فيه وسماه " باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ﵈ "، فإن الظاهر من طريقته أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه. قلت: وهو كما ذكره، فإن مذاهب القدماء تعلم غالباً من عناوين أبوابهم، وبه صرح أيضاً العلامة المجلسي في مرآة العقول. وبهذا يعلم مذهب الثقة الجليل محمد بن الحسن الصفار في كتاب (البصائر) من الباب الذي له أيضاً فيه، وعنوانه هكذا " باب في الأئمة أن عندهم لجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله ﷺ "، وهو أصرح في الدلالة مما في الكافي، ومن باب " أن الأئمة محدثون ". وهذا المذهب صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعماني، تلميذ الكليني صاحب كتاب (الغيبة) المشهور، في تفسيره الصغير الذي اقتصر فيه على ذكر الآيات وأقسامها، وهو بمنزلة الشرح لمقدمة (تفسير علي بن إبراهيم)، وصريح الثقة الجليل سعيد بن عبد الله القمي في كتاب (ناسخ القرآن ومنسوخه) كما في المجلد التاسع عشر من البحار، فإنه عقد فيه باباً ترجمته " باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عزوجل مما رواه مشايخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد " (٢).واستمر المؤلف في ذكر القائلين بالتحريف (٣) إلى أن قال: " ومن جميع ما ذكرناه ونقلناه بتتبعى القاصر، يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين، وانحصار المخالف فيهم بأشخاص معينين يأتي ذكرهم. قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً والتصديق بها " (٤). ثم قال: " ومن جميع ذلك ظهر فساد ما ذكره المحقق الكاظمي من انحصار القائل به في علي بن إبراهيم والكليني، أو مع المفيد وبعض متأخري المتأخرين " (٥).ثم اتهم الصحابة ـ خير أمة أخرجت للناس ـ بالكفر والعناد والجبروت والغباء، ليصل إلى أنهم ليسوا أهلاً لجمعه كما أنزل (٦).
стр. 2324
وأكثر من ذكر الروايات كرواية الكليني عن الإمام الصادق: " إن القرآن الذي جاء به جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ سبعة عشرألف آية " (١).وقال: " إن الأخبار الدالة على ذلك ـ أي التحريف ـ تزيد على ألفي حديث، وادعى لاستفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق والداماد والعلامة المجلسي وغيرهم (٢).ثم قال: " واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية، إلا كتاب (القراءات) لأحمد بن محمد السياري، فقد ضعفه أئمة الرجال، فالواجب علينا ذكر بعض القرائن الدالة على جواز الاستناد لهذا الكتاب " (٣).وقال أحد مفسري الجعفرية (٤): " أما اعتقاد مشايخنا ﵏ في ذلك, فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ـ طاب ثراه ـ أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روي روايات في هذا المعنى في كتابه (الكافي) ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي، فإن تفسيره مملوء منه، وله علو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدس سره، فإنه أيضاً نسج على منوالهما في كتاب (الاحتجاج).وقال أحد كتابهم المعاصرين في مقدمة كتبها لـ (تفسير القمي): " هذا التفسير، كغيره من التفاسير القديمة، يشتمل على روايات مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا لم يسلم من التحريف والتغيير، وجوابه أنه لم ينفرد المصنف بذكرها، بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة وخاصة " (٥).
ثم ذكر القائلين بالتحريف فقال بأنهم " الكليني, والبرقي، والعياشي, والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب (الاحتجاج)، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها. والذي يهون الخطب أن التحريف اللازم على قولهم يسير جداً مخصوص بآيات الولاية، فهو غير مغير للأحكام ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن، فهو ليس بتحريف في الحقيقة، فلا ينال لغير الشيعة أن يشنع عليهم من هذه الجهة " (٦).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٦٧
стр. 2325
المطلب الخامس: معتدلو الشيعة يتصدون لحركة الغلاة هذه حركة من حركات التشكيك والتضليل قام بها غلاة الشيعة الاثني عشرية، وسنعود للحديث عن بعض هؤلاء الغلاة عند تناولنا لكتبهم، ولكن المهم هنا هو أن المعتدلين – إلى حد ما - من إخواننا الجعفرية قد تصدوا لهذه الحركة قديماً وحديثاً، وكشفوا القناع عن هذا الباطل، وفندوا مزاعم القائلين بالتحريف، وبينوا أن ما ذكر من روايات منسوبة لأهل البيت ـ تمسك بها القائلون بالتحريف ـ منها ما يحتمل التأويل ولا يفيد وقوع التحريف، والباقي يضرب به عرض الحائط. وأشهر من تصدى منهم لحركة التضليل في القديم محمد بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه)، أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية، والسيد الشريف المرتضى، وتلميذه الشيخ الطوسي: صاحب (تفسير التبيان)، وصاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة السابقة، وشيخ مفسري الجعفرية أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (١).ومما ذكره السيد المرتضى قوله: " القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد " (٢).وقال: " إن القرآن كان على عهد رسول الله ﷺ مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأن كان يعرض على النبي ﷺ ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي ﷺ عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث، وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته " (٣).وقال الشيخ الطوسي: " أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات. غير أنه رويت روايات كثيرة، من جهة الخاصة والعامة، بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملا، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها. ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته، لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه " (٤).وقال الصدوق: " اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ هو ما بين الدفتين: وهو ما في أيدى الناس، وليس بأكثر من ذلك ... ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب " (٥).
стр. 2326
هذا موقف المعتدلين نسبيا في القديم، أما في الحديث فأكثر شيعة اليوم يتفقون في الظاهر مع جمهور المسلمين في أن القرآن الكريم هو ما بين الدفتين بلا زيادة أو نقصان، ومن شذ برأيه منهم، حتى كاد يخرج عن الإسلام، فلا يعتد به، ولذا قال محمد الحسين آل كاشف الغطاء: يعتقد الشيعة الإمامية " أن الكتاب الموجود في أيدى المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه ـ أي إلى محمد ﷺ للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ بنص الكتاب العظيم إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة، وأخبار آحاد، لا تفيد علماً ولا عملاً، فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار، أو يضرب بها الجدار " (١).وعندما خرج صاحب (فصل الخطاب) بكتابه تصدى له كثير من علماء الشيعة وسفهوا رأيه، وبينوا خطأ ما جاء به جملة وتفصيلاً. منهم ـ على سبيل المثال ـ السيد أبو القاسم الخوئي مرجعهم السابق بالعراق (٢) والشيخ محمد جواد البلاغي النجفي (٣) والشيخ محمد تقي الحكيم (٤). فلسنا في حاجة إذن إلى ذكر شبهات الضالين، وبيان بطلانها، فقد تكفل إخواننا الجعفرية بهذا، بل إن الإخباريين الذين يرون صحة جميع الأخبار الواردة عن أهل البيت، ولذا ذهبوا إلى القول بالتحريف، وجدنا منهم من ينكر هذا التحريف. قال مرجعهم السابق بالكويت: " مذهبنا ـ ومذهب كل مسلم ـ بأن القرآن الكريم المتداول بين أيدينا ليس فيه أي تحريف بزيادة أو نقصان، وما ذكر في بعض الأحاديث بأن فيه تحريفاً ونقصاناً فهو مخالف لعقيدتنا في القرآن الذي هو الذكر المحفوظ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " (٥).
هذا اتجاه طيب، وهداية مرجوة، فلعل الله عزوجل يهدي باقي إخواننا الجعفرية الصراط المستقيم، وإن كان هؤلاء الذين يمثلون جانب الاعتدال إلى حد ما في المذهب الجعفري عز عليهم أن يكون الغلاة الضالون القائلون بالتحريف جعفريين، ولذا حاولوا إبعاد هذه التهمة عمن له مكانة عالية بينهم، وإلصاقها بجمهور المسلمين! ومن المقطوع به أن جمهور المسلمين ليس منهم من يقول بالتحريف.
فلا نعرف أحداً من جمهور المسلمين يقول بأن الصحابة الكرام أسقطوا شيئاً من القرآن الكريم كما قال غلاة الجعفرية، والجعفرية يدركون هذا تماماً ولذا حاولوا نسبة هذا الجرم الشنيع لغيرهم بقولهم بأن القول بنسخ التلاوة قول بالتحريف، ليصلوا من هذا إلى أن أكثر أهل السنة قائلون بالتحريف!
стр. 2327
ونسخ التلاوة يعني أن آيات نزلت، ثم أمر الله تعالى برفعها، وقد أتى الله تعالى بمثلها أو بخير منها مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:١٠٦] أي أن الشارع الحكيم هو الذي أمر بهذا الرفع. فهذا النسخ لو سلمنا بوجوده فإنه كما يقول أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور مصطفى زيد: " لا يعتبر مطعناً ولا شبه مطعن في القرآن الكريم الذي تكفل الله ـ عزوجل ـ بحفظه من التغيير والتبديل، وهو الذي جمع بين دفتي المصحف، ولا يعتبر مطعناً ولا شبه مطعن كذلك في الوحي الذي تنزل به جبريل على قلب محمد، ما دام المرفوع منه قد رفع في عهد التنزيل، ولم ترفع منه كلمة واحدة بعد أن انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. (النسخ في القرآن الكريم ١/ ٢٨٢: ٢٨٣).
فما بين الدفتين هو القرآن الكريم الذي أمرنا بتلاوته وتدبره، وتنفيذ أحكامه، بغير زيادة أو نقصان، فكيف يقال بأن النسخ تحريف؟
على أن الجعفرية الذين تصدوا لحركة التضليل في الماضى قائلون بهذا النسخ، بل مدافعون عنه، فكيف غاب هذا عن شيعة اليوم وهم يخلطون بين النسخ والتحريف ليصلوا إلى مأربهم!
ولنذكر مثلاً شيخ الطائفة الطوسي، قال في تفسيره (التبيان) (١/ ١٣): لا يخلو النسخ في القرآن الكريم من أقسام ثلاثة، أحدها: نسخ حكمه دون لفظه , الثاني: ما نسخ لفظه دون حكمه كآية الرجم، فإن وجوب الرجم على المحصنة لا خلاف فيه، والآية التي كانت متضمنة له منسوخة بلا خلاف وهي قوله (والشيخ والشيخة إذا زنيا) , والثالث: ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون عن عائشة أنه كان فيما أنزل الله عشر رضعات ".
وقال في موضع آخر (١/ ٣٩٤): " وقد أنكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وجاءت أخبار متظافرة بأنه كانت أشياء في القرآن نسخت تلاوتها ".
والنوع الثالث لأن روايته عن المخالفين ـ أي غير الجعفرية ـ قال عنه الطوسي بأنه:" مجوز وإن لم يقطع بأنه كان "، أما النوع الثاني فإنه يؤيده برواية الشيخ والشيخة، ويقول: بأنها رواية مشهورة، فهذه الرواية من روايات الجعفرية كذلك، ورواها أيضا علي بن إبراهيم القمي الذي ينسب رواياته إلى الإمامين الباقر والصادق انظر (تفسيره) (٢/ ٩٥)، وانظر كذلك (مجمع البيان) (١/ ١٨٠ ـ ١٨١) لترى اتفاق الطبرسي مع الطوسي في النسخ ".
ولسنا بهذا نؤيد إمكان وقوع هذا النسخ أو عدم إمكانه، ولكنا نبين لإخواننا الجعفرية أن شيخ طائفتهم الذي دافع عن القول بعدم التحريف، دافع عن القول بنسخ التلاوة، لأن النسخ من الشارع الحكيم والتحريف من البشر بعد عصر التنزيل، فالنسخ والتحريف مختلفان تماماً، فكيف إذن يغيب هذا عن مرجع الجعفرية السابق بالعراق فيقول: " غير خفي أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط " " (البيان) ص (٢٤٤) ثم يستمر ليقول: " وعلى ذلك فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة! لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة " ثم يقول في ص (٢٢٥): " قد عرفت أن القول بعدم التحريف هو المشهور، بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم! " ويشير إلى ما ذكره الطبرسي في (مجمع البيان) (١/ ١٥) من الاستدلال على بطلان القول بالتحريف. ولو استمر مرجع الجعفرية إلى ص (١٨٠) لوجد استدلال الطبرسي كذلك على نسخ التلاوة! وما الرأي عند السيد فيمن ذكروا من الضالين القائلين بالتحريف؟ أليسوا من علماء الشيعة؟ أولا يعد أكثرهم عند الشيعة من المحققين؟ كالقمي، والعياشي، والكليني، والنعماني، والمجلسي وغيرهم.
أفلا يذكر السيد الخوئي ما ذهب إليه في كتابه (معجم رجال الحديث) (١/ ٣ - ٦٤) من صحة تفسير علي بن إبراهيم القمي، شيخ الكليني، وأن روايات كتاب (التفسير) هذا " ثابتة وصادرة من المعصومين ﵈، وأنها انتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة "؟ أو لم يقرأ السيد تلك الروايات ليرى فيها النص على القول بتحريف القرآن الكريم؟ وقد حكم هو بصحتها! وإذا صدر هذا منه فماذا تنتظر من غيره؟! وبعد: فقد أوجزت هنا سائلاً الله تعالى ألا أكون تركت ما يجب ذكره، أو ذكرت ما يجب تركه.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٧١
стр. 2328
المطلب السادس: كتب التفسير الشيعي في القرن الثالث
• الكتاب الأول: تفسير الحسن العسكري.
• الكتاب الثاني: تفسير القمي.
• الكتاب الثالث: تفسير العياشي.
стр. 2329
الكتاب الأول: تفسير الحسن العسكري
قصة إملاء الكتاب:
التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري يرويه أبو يعقوب يوسف بن محمد ابن زياد، وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، ويقولان: إن الإمام أملى عليهما هذا التفسير، ويذكران قصة لهذا الإملاء. وهو تفسير لم يكمل، وإنما يتناول الفاتحة وسورة البقرة إلى قبيل خاتمتها بأربع آيات.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٧٨
غلو وضلال:
وهو كتاب يبين عقيدة الإمامة، وما يتصل بها عند غلاة الجعفرية، ويخضع الآيات الكريمة لهذه العقيدة الفاسدة، ذاكراً ما يأباه ديننا الحنيف، وكل عقل سليم لم يمرضه الهوى والضلال. والكتاب مملوء بالافتراء على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ وعلى أهل البيت الأطهار. فالكتاب إذن ليس تفسيراً بالمعنى الصحيح، وإنما هو كتاب من كتب الفرق الضالة، ولنضرب لذلك الأمثال حتى يحكم القارئ بنفسه.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٧٩
كفر من أنكر ولاية علي:
جاء في تفسير قوله تعالى: والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:٤].
قال الإمام: " قال الحسن بن علي: من دفع فضل أمير المؤمنين على جميع من بعد النبي فقد كذب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة، فإنه ما نزل شيء منها إلا وأهم ما فيه ـ بعد الأمر بتوحيد الله تعالى والإقرار بالنبوة ـ الاعتراف بولاية علي والطيبين من آله. ولقد حضر رجل عند علي بن الحسين فقال له: ما تقول في رجل يؤمن بما أنزل الله على محمد، وما أنزل على من قبله، ويؤمن بالآخرة، ويصلي ويزكي، ويصل الرحم، ويعمل الصالحات، ولكنه مع ذلك يقول ما أدري الحق لعلي أو لفلان، فقال له علي بن الحسين: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلا أنه يقول: لا أدري: النبي محمد أو مسيلمة؟ هل ينتفع بشيء من هذه الأفعال؟ فقال: لا. فقال: وكذلك قال صاحبك هذا، كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب من لا يدري: أمحمد النبي أم مسيلمة الكذاب؟ وكذلك كيف يكون مؤمناً بهذه الكتب، أو منتفعا به، من لا يدري أعلي محق أم فلان " (١).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٧٩
شهادة البساط والسوط والحمار للوصي:
стр. 2330
وفي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة:٦] قال الإمام: " فلما ذكر هؤلاء المؤمنين، ومدحهم بتوحيد الله وبنبوة محمد رسول الله، ووصيه علي ولي الله، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم فقال: إن الذين كفروا بما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد الله تعالى، وبنبوة محمد رسول الله، وبوصيه علي ولي الله، وبالأئمة الطاهرين الطيبين، خيار عباده الميامين، القوامين بمصالح خلق الله تعالى، سواء عليهم ءأنذرتهم وخوفتهم أم لم تنذرهم ولو تخوفهم فهم لا يؤمنون. قال محمد بن علي الباقر: إن رسول الله لما قدم المدينة، وظهرت آثار صدقه، وآيات حقه، وبينات نبوته، كادته اليهود أشد كيد: وقصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، وحججه ليبطلوها، وكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه مالك بن الصيف، وكعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب، وأبو ياسر بن الأخطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر، وشيبة. فقال مالك لرسول الله: يا محمد تزعم أنك رسول الله؟ قال رسول الله: كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين. قال: يا محمد لن نؤمن أنك رسوله حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، ولن نشهد لك أنك من الله جئتنا حتى يشهد لك هذا البساط. وقال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمد أنك رسول الله، ولا نشهد لك به، حتى يؤمن ويشهد لك به هذا السوط الذي في يدي. وقال كعب الأشرف: لن نؤمن لك أنك رسول الله ولن نصدقك به حتى يؤمن لك هذا الحمار الذي أركبه، فقال رسول الله: إنه ليس للعباد الاقتراح على الله تعالى، بل عليهم التسليم لله، والانقياد لأمره، والاكتفاء بما جعله كافيا. أما كفاكم أن أنطق التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم بنبوتي، ودل على صدقي، وبين فيها ذكر أخي ووصيي وخليفتي في أمتي، وخير ما أتركه على الخلائق من بعدي، علي بن أبي طالب؟ فلما فرغ رسول الله من كلامه هذا أنطق الله البساط فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً صمداً قيوماً أبداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يشرك في حكمه أحداً. وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركون. وأشهد أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك ووصيك، وخليفتك في أمتك وخير من تركته على الخلائق بعدك، إن من والاه فقد والاك، ومن عاداه فقد عاداك، ومن أطاعه فقد أطاعك، ومن عصاه فقد عصاك " (١).وتستمر القصة لتبين أن البساط تحرك وأوقع من عليه، وأنه نطق ثانياً ليبين أن الله تعالى أنطقه ليشهد هذه الشهادة، وأنه لا يجلس عليه إلا المؤمنون. فقال رسول الله ﷺ لسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار: قوموا فاجلسوا عليه، فإنكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون، فجلسوا عليه. وبمثل هذا شهد السوط، ثم الحمار، ثم قال: فلما انصرف القوم من عند رسول الله ولم يؤمنوا أنزل الله يا محمد: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:٦] (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٠
قصص خرافية: وفي الحديث عن قوله تعالى: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ [البقرة: ٧] قصص خرافية عن علي: كسائل طلب منه مساعدته لقضاء دينه فنادته الملائكة من السماء ليخبر السائل بأن يضع يده على ما يشاء لتكون ذهباً، ففعل وقضى دينه، وبقي له كذا وكذا إلخ (٣).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨١
стр. 2331
يوم الغدير ومابعده: وفي تفسير: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] يقول: قال الإمام: قال العالم موسى بن جعفر: "إن رسول الله لما أوقف أمير المؤمنين في يوم الغدير موقفه المشهور " وذكر صاحب (التفسير) هنا أخذ البيعة من الصحابة وأولهم أبو بكر وبعده عمر، ثم قال: "ثم إن قوماً من متمرديهم وجبابرتهم تواطؤوا بينهم لئن كانت لمحمد كائنة ليدفعن هذا الأمر من علي، ولا يتركونه له، فعرف الله ذلك من قبلهم، وكانوا يأتون رسول الله ويقولون: لقد أقمت علينا أحب خلق الله إلى الله وإليك وإلينا، فكفيتنا به مؤنة الظلمة لنا والجبارين في سياستنا، وعلم الله من قلوبهم خلاف ذلك من مواطأة بعضهم لبعض، أنهم على العداوة مقيمون، ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون، فأخبر الله محمداً عنهم فقال: يا محمد، ومن الناس من يقول آمنا بالله الذي أمرك بنصب علي إماماً وسايساً لأمتك ومدبراً، وماهم بمؤمنين بذلك، ولكنهم تواطؤوا على إهلاكك وإهلاكه، يوطنون أنفسهم على التمرد على علي إن كانت بك كائنة " (١).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٢
اتهام الشيخين والصحابة بالنفاق والكذب والكفر!! ثم يستمر الكتاب بعد ذلك في جعل الآيات متصلة ببيعة الصحابة للإمام علي، واتهام الصحابة الأكرمين ـ وفي مقدمتهم الصديق والفاروق ـ بالنفاق والكذب والكفر!! فعند الحديث عن قوله تعالى: يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: ٩] يقول: " قال الإمام: قال موسى بن جعفر: لما اتصل ذلك من مواطأتهم، وقيلهم في علي، وسوء تدبيرهم عليه، برسول الله فدعاهم وعاقبهم، فاجتهدوا في الإيمان، وقال أولهم: يا رسول الله، والله ما اعتددت بشيء كاعتدادي بهذه البيعة، ولقد رجوت أن يفتح الله بها لي في قصور الجنان، ويجعلني فيها من أفضل النزال والسكان. وقال ثانيهم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار إلا بهذه البيعة، والله ما يسرني إن نقضتها أو نكثت بعد ما أعطيت من نفسي ما أعطيت، وأن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش. وقال ثالثهم: يا رسول الله، لقد صرت من الفرح والسرور بهذه البيعة والفتح من الآمال في رضوان الله، وأيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الأرض كلها علي لمحصت عني بهذه البيعة. ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار من بعدهم من الجبابرة والمتمردين. فقال الله عزوجل لمحمد: يخادعون الله: يعني يخادعون رسول الله بائتمان خلاف ما في جوانحهم، والذين آمنوا كذلك أيضاً، الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب. ثم قال: وما يخادعون ما يضرون من تلك الخديعة إلا أنفسهم، فإن الله غني عنهم وعن نصرتهم، ولولا إمهاله لهم لما قدروا على شيء من فجورهم وطغيانهم، وما يشعرون أن الأمر كذلك، وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم، ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين، وذلك اللعن لا يفارقهم في الدنيا، ويلعنهم خيار عباد الله، وفي الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله " (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٢
стр. 2332
زعمه بأن الصحابة لا يؤمنون بأي دين!! وهو يرى بأن هؤلاء الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ لا يؤمنون بأي دين!! فمثلاً عند الحديث عن قوله تعالى: وَإِذَا قيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:١١ - ١٢] يقول: " قال العالم موسى بن جعفر: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير، لا تفسدوا في الأرض بإظهار نكث البيعة بعباد الله المستضعفين، فتشوشون عليهم دينهم، وتحيرونهم في مذاهبهم، قالوا: إنما نحن مصلحون، لأنا لا نعتقد دين محمد ولا غير دين محمد ... إلخ (١)
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٢
دعوة موسى لولاية علي!!
والكتاب كله تقريباً يدور حول الإمامة وما يتصل بها، وكأن القرآن الكريم ما نزل إلا لدعوة الناس إلى إمامة الإمام علي! ثم إن هذه الدعوة ليست قاصرة على أمة محمد ـ صلوات الله عليه ـ فعند قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: ٥٣] يقول: " لما أكرمهم الله بالكتاب والإيمان به والانقياد له، أوحى الله بعد ذلك إلى موسى ... يا موسى: تأخذ على بني إسرائيل أن محمداً خير النبيين وسيد المرسلين، وأن أخاه ووصيه علياً خير الوصيين، لعلكم تهتدون: أي لعلكم تعلمون أن الذي شرف العبد عند الله ـ عزوجل ـ هو اعتقاد الولاية كما شرف به أسلافكم " (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٤
قصص خرافية: والكتاب لا يكتفي بهذا الضلال في تحريف القرآن الكريم ليتفق مع هواه وغيه، وإنما يذكر من الخرافات ما يذكرنا بالقصص الخرافية للأطفال! فمثلاً عندما يتحدث عن سبب نزول قوله تعالى: في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة: ١٠] يقول: " قال الإمام: قال موسى بن جعفر: إن رسول الله لما اعتذر هؤلاء المنافقون إليه بما اعتذروا، وتكرم عليهم بأن قبل ظواهرهم، ووكل بواطنهم إلى ربهم، لكن جبريل أتاه فقال: يا محمد، إن العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول: أخرج بهؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في علي نكثهم لبيعته، وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم علياً، ليظهر من عجايب ما أكرمه الله به من طواعية الأرض والجبال والسماء له، وسائر ما خلق الله، لما أوقفه موقفك وأقامه مقامك، ليعلموا أن ولي الله علياً غني عنهم، وأنه لا يكف عنهم انتقامه منهم إلا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه " (٣).
وذكر أنه خرج ﷺ ، وهؤلاء وعلي، حيث استقر عند سفح بعض جبال المدينة، فسأل ربه فانقلبت ذهباً، ثم فضة، ثم انقلبت الأشجار إلى رجال شاكي السلاح، وأسود ونمور وثعابين، وكلها ناجت وصي رسول الله بأنها تحت أمره ... إلخ. فمرضت قلوب القوم لما شاهدوا من ذلك. مضافاً إلى ما كان من مرض حسدهم لعلي بن أبي طالب، فقال الله عند ذلك: فِي قلُوبِهِم مَّرَضٌ [البقرة:١٠] (٤).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٤
معجزات الإمام علي:
стр. 2333
وعند تفسير قوله تعالى: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:٢٣] يتحدث عن المعنى ـ وهو متصل بالولاية كسائر الآيات ـ ثم يتحدث عن معجزات الرسول ﷺ ، ومعجزات الإمام علي، ومن هذه المعجزات التي ذكرها: الغمامة التي أظلت الرسول الكريم في تجارته للشام، وكان مكتوباً عليها " لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي سيد الوصيين، وشرفته بأصحابه الموالين له ولعلي ولأوليائهما، والمعادين لأعدائهما " (١).ومنها: تسليم الجبال والصخور والأحجار على الرسول ﷺ ، وتبشيره بوصيه وباب مدينة علمه علي بن أبي طالب (٢).ومنها: أن شجرتين تلاصقتا ليقضي الرسول حاجته، وأن نظير هذا كان لعلي بن أبي طالب لما رجع من صفين، حيث تلاصقت شجرتان كان بينهما أكثر من فرسخ (٣).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٥
стр. 2334
صكوك الغفران: وحتى يغرر بضعاف العقول، وجهلة القوم، ليؤمنوا بهذه الخرافات، ويسيروا في ظلمات هذا الضلال، يصدر صكوك الغفران! وقد بين أن جهنم أعدت للكافرين بولاية علي، المنافقين في اظهار الرضا عن البيعة كما أشرنا من قبل. ثم يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ ليكون للصك قيمته حتى يمكن التأثير على هذا الصنف من الناس. اقرأ مثلاً ما كتب عن قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الذِينَ اشْتَرُوُاْ الضلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] فإنك تجد الحديث عن البيعة، والافتراء على الرسول ﷺ بأنه قال: " أما إن من شيعة علي لمن يأتي يوم القيامة وقد وضع له في كفة ميزانه من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي، والبحار الثبار، يقول الخلائق: هلك هذا العبد، فلا يشكون أنه من الهالكين، وفي عذاب الله من الخالدين. فيأتيه النداء من قبل الله عزوجل: يأيها العبد الخاطئ الجاني هذه الذنوب الموبقات، فهل بإزائها حسنات تكافئها، فتدخل جنة الله برحمة الله؟ أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله؟ يقول العبد: لا أدري، فيقول منادي ربنا عزوجل: فإن ربي يقول: ناد في عرصات القيامة: ألا إني فلان بن فلان، من أهل بلد كذا وكذا، وقرية كذا وكذا، قد رهنت بسيئات كأمثال الجبال والبحار، ولا حسنات لي بإزائها، فأي أهل هذا المكان لي عنده يد أو عارفة فليغثني بمجازاتى عنها، فهذا أوان أشد حاجتى إليها. فينادي الرجل بذلك، فأول من يجيبه علي بن أبي طالب: لبيك لبيك، أيها الممتحن في محبتي، المظلوم بعداوتي، ثم يأتي هو ومعه عدد كثير وجمع غفير، وإن كانوا أقل عدداً من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات، فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين، نحن إخوانه المؤمنون، كان بنا باراً ولنا مكرماً، وفي معاشرته إيانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعاً، وقد بذلنا له جميع طاعاتنا، وبذلناها له. فيقول على: فبماذا تدخلون جنة ربكم؟ فيقولون: برحمته الواسعة التي لا يعدمها من والاك يا أخا رسول الله، فيأتي النداء من قبل الله عزوجل: يا أخا رسول الله، هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له، فأنت ماذا تبذل له؟ فإني أنا الحاكم ما بيني وبينه من الذنوب، قد غفرتها له بموالاته إياك، وما بينه وبين عبادي من الظلامات فلابد من فصل الحكم بينه وبينهم. فيقول علي: يا رب أفعل ما تأمرني. فيقول الله عزوجل: يا علي، اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله، فيضمن لهم علي ذلك، ويقول لهم: اقترحوا على ما شئتم اعطيكموه عوضاً عن ظلاماتكم قبله. فيقولون: يا أخا رسول الله تجعل لنا ... ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيوتك على فراش محمد رسول الله. فيقول علي: قد وهبت ذلك لكم. فيقول الله عزوجل: فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من علي بن أبي طالب فدى لصاحبه من ظلاماته، ويظهر لكم ثواب نفس واحد في الجنان من عجايب قصورها وخيراتها: ثم قال رسول الله: أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم المعدة لمخالفي أخي ووصيي علي بن أبي طالب " (١).
بعد هذا العرض أظن أن القارئ قد تأكد بنفسه مما قلته من أن هذا الكتاب ليس تفسيراً بالمعنى الصحيح، وإنما هو كتاب من كتب الفرق الضالة التي رزئ بها الإسلام، وأنه أثر من آثار الغلو في عقيدة الإمامة.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٦
لمن هذا الكتاب؟
يبقى هنا أن نتساءل: لمن هذا الكتاب؟ أهو فعلاً للإمام الحسن العسكري؟ أظن لا، بل أكاد أقطع بهذا؛ فهذا الرجل الطاهر الصالح ليس كافراً وليس ضالاً، وإنما كفر وضل أولئك الذين غالوا فيه، وفي آبائه الكرام البررة.
ومن الشيعة أنفسهم من يرى عدم صحة نسبة الكتاب للإمام، ويطعن في السند، ويرى أنه مشتمل على المناكير. وأشار إلى هذا صاحب كتاب (الذريعة) عند حديثه عن هذا التفسير، غير أنه أطال في محاولة إثبات أن هذا الكتاب من إملاء الإمام، وسود بهذا تسع صفحات في الجزء الرابع " ص (٢٨٥ - ٢٩٣)، وقال عن المناكير التي ذكرنا شيئاً منها: ليس فيه إلا بعض غرائب المعجزات مما لا يوجد في غيره!
والكتب التي اطلعت عليها لغير غلاة الشيعة لا تشير إلى هذا التفسير، ولا تنقل عنه، فلو كان عندهم كتاب إمام يرونه القرآن الناطق، لالتزموا بما جاء فيه. ولكن هذا في رأيي لا يكفي، فكان الواجب الإشارة إلى الكتاب وما به من كفر وضلال.
ويبقى أن بعض شيعة الأمس واليوم من المتطرفين الغلاة يعتقدون صحة نسبة هذا التفسير للإمام العسكرى، وبعض مفسريهم نقله كاملاً.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٨
стр. 2335
الكتاب الثاني: تفسير القمي
منزلة الكتاب وصاحبه عند الشيعة:
ثاني هذه الكتب الثلاثة (تفسير القمي): لأبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، وهو يشمل القرآن الكريم كله. وصاحب الكتاب كان في عصر الإمام العسكري، وعاش إلى سنة (٣٠٧) هـ، وهو ثقة عند الشيعة، يعتبر من أجل الرواة عندهم، وقد أكثر من النقل عنه تلميذه محمد بن يعقوب الكليني في كتابه (الكافي)، الكتاب الأول في الحديث عند الجعفرية الاثني عشرية. وقال آقابزرك الطهراني ـ صاحب (الذريعة) ـ عن الكتاب بأنه أثر نفيس وسفر خالد مأثور عن الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق (١).وقال السيد طيب الموسوي الجزائري في مقدمته عنه (٢) بأنه " تحفة عصرية، ونخبة أثرية لأنها مشتملة على خصائص شتى قلما تجدها في غيرها، فمنها:
١ - أن هذا التفسير أصل أصوله للتفاسير الكثيرة.
٢ - أن رواياته مروية عن الصادقين ﵉ مع قلة الوسائط والإسناد، ولهذا قال في الذريعة: " إنه في الحقيقة تفسير الصادقين ﵉ ".
٣ - مؤلفه كان في زمن الإمام العسكري.
٤ - أبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابياً للإمام الرضا.
٥ - أن فيه علماً جماً من فضائل أهل البيت ﵈ التي سعى أعداؤهم لإخراجها من القرآن.٦ - أنه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التي لم يفهم مرادها تماماً إلا بمعونة إرشاد أهل البيت التالين للقرآن (٣).
وبادئ ذي بدء أحب أن أسجل الدهشة والعجب! فكيف يحتل الكتاب وصاحبه هذه المكانة عند إخواننا الجعفرية وهو من أوائل الغلاة الضالين الذين قادوا حركة القول بتحريف القرآن الكريم؟! ونقلنا هذا من قبل، ونقلنا كذلك ما ذكره الجزائري في مقدمته للكتاب من ذهاب القمي إلى القول بتحريف القرآن الكريم ودفاع الجزائري عنه وعن هذا التحريف (٤)!! والقمي في مقدمته لتفسيره يذكر هذا الذي يذهب إليه، ويضرب له أمثلة ببعض آيات يرى أنها محرفة (٥) والكتاب كله بعد ذلك مملوء بالضلال المضل من ذكر التحريف، والجدل لتخطئة بعض آيات الله تعالى، أو الزعم بفساد الترتيب والنظم (٦).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٨٩
مظاهر الغلو والضلال:
أثر عقيدة الإمامة في الكتاب يظهر فيما يأتي:
أولاً: القول بتحريف القرآن الكريم:
стр. 2336
ما ذكرناه آنفاً من القول بالتحريف، وبينا من قبل أن عقيدة أولئك الغلاة هي التي دفعتهم إلى ما ذهبوا إليه ونزيد ذلك بياناً بقليل من الأمثلة التي ما أكثرها في هذا التفسير!! نسب للإمام أبي جعفر أنه قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ يا على فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًاً [النساء:٦٤] هكذا نزلت. ثم قال: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:٦٥] (١) وفي سورة الزخرف قال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩] (٢). وواضح أن الآيات تتحدث عن المسيح، ولكنه يذكر الآية الأخيرة هكذا " إن علي إلا عبد ... " ثم يقول: " فمحي اسمه من هذا الموضع " (٣).وفي سورة محمد يري أن اسم علي أسقط في موضعين ذكرهما في كتابه (٤).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٩١
ثانياً: الطعن في الصحابة:
نتيجة لما ذكرته من التلازم بين القول بالتحريف والطعن في خير أمة أخرجت للناس صحابة رسول الله ﷺ الذين تحملوا معه أعباء الرسالة ونشرها، والدفاع عنها والتضحية من أجلها بالنفس والأهل والمال والوطن، نتيجة هذا التلازم نرى القمي يقدم على هذا الجرم، فيطعن في الصحابة الأكرمين، ويتهمهم بالكفر والنفاق والإشراك ليصل إلى القول بالتحريف، وإسقاط أسماء الأئمة، واغتصاب الخلافة! ولنذكر بعض الأمثلة:
стр. 2337
في سورة المائدة " الآية السابعة ": وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ [المائدة: ٧] يقول القمي: " لما أخذ رسول الله ﷺ الميثاق عليهم بالولايه قالوا سمعنا وأطعنا، ثم نقضوا ميثاقهم ". ثم يقول عن قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ [المائدة:١٣] يعني نقض عهد أمير المؤمنين (١).وسورة القصص: طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:١ - ٦] (٢) وهذه الآيات الكريمة بالنص تتحدث عن موسى وفرعون نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ [القصص:٣] ولكن القمي يقول عن فرعون وهامان وجنودهما: " هم الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله " منهم " أي من آل محمد " ما كانوا يحذرون " أي من القتل والعذاب، ولو كانت هذه الآية نزلت في موسى وفرعون لقال: ونرى فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون أي من موسى، ولم يقل منهم " (٣).وفي سورة الزمر: وَقَالَ لَهمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [الزمر: ٧٣] يقول: " أي طابت مواليدكم لأنه لا يدخل الجنة إلا طيب المولد: قال أمير المؤمنين: إن فلاناً وفلاناً غصبوا حقنا واشتروا به الإماء، وتزوجوا به النساء، ألا وإنا قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم" (٤).
стр. 2338
وفي سورة الزخرف يقول: نزلت هاتان الآيتان هكذا قول الله تعإلى: حَتَّى إِذَا جَاءنَا [الزخرف:٣٨]- يعني فلاناً وفلاناً ـ يقول أحدهما لصاحبه حين يراه – يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:٣٨] فقال الله لنبيه: قل لفلان وفلان وأتباعهما (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ آل محمد حقهم أَنَّكمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ثم قال الله لنبيه: أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الزخرف:٤٠]، فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ [الزخرف:٤١] يعني من فلان وفلان، ثم أوحى الله إلى نبيه ﷺ : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ في علي إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) يعني إنك على ولاية علي، وعلى هو الصراط المستقيم (١). وسورة محمد كلها تقريباً تدور حول الطعن والتحريف فأولها: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:١] يقول القمي: " نزلت في الذين ارتدوا بعد رسول الله ﷺ وغصبوا أهل بيته حقهم، وصدوا عن أمير المؤمنين وعن ولاية الأئمة، أضل أعمالهم: أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله ﷺ من الجهاد والنصرة " (٢).ثم يقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ في علي وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) هكذا نزلت. " ثم يقول: نزل جبريل على محمد ﷺ بهذه الآية هكذا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ في علي فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ). (٣) وهكذا يستمر في ضلاله. وسورة الرحمن كلها تقريباً تسير على هذا النمط، وإن ركز فيها على اتهام الشيخين بالكفر ودخول النار (٤).
هذه نماذج كافية لبيان ما أردنا حتى لا يطول بنا الحديث، نذكره مضطرين، ونسأله تعالى أن يحفظ العقل والدين.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٩٢
ثالثاً: جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:
стр. 2339
إلى جانب التحريف نجده يؤول كلمات بأن المراد منها الأئمة ـ كلهم أو بعضهم ـ مع أنه لا ذكر لهم ولا إشارة إليهم من قريب أو بعيد في تلك المواضع، بل إن بعضها مختص بالله تعالى: كقوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] أي بنور الله عزوجل، ولكن الكتاب يقول: " قال أبو عبد الله: رب الأرض يعني إمام الأرض، فقلت فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر، ويجتزون بنور الإمام! " (١).
وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ... [الرعد: ٢٨] يقول القمي: " الذين آمنوا: الشيعة، وذكر الله: أمير المؤمنين والأئمة " (١/ ٣٦٥).
وفي موضع آخر يفسر الذكر بولاية علي في قوله تعالى: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي [الكهف:١٠١] (٢/ ٤٧).
ويفسر الشرك بأنه " من أشرك بولاية علي " في قوله تعالى في سورة الشورى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] ولذا يفسر ما تدعوهم إليه بقوله: " من ولاية علي " (٢/ ١٠٥).
وفي آخر الرحمن: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:٧٨] يروي عن أئمتهم " نحن جلال الله وكرامته " (٢/ ٣٤٦).
وبعض الآيات تختص بالقرآن الكريم كمفتتح سورة البقرة ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:١ - ٢] فيقول القمي بأن المراد بالكتاب هنا علي بن أبي طالب! (١/ ٣٠).
وفي سورة يونس: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:١٥] يقول القمي: أو بدله يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ يعنى في علي بن أبي طالب. (١/ ٣١٠).
وفيها أيضاً: لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ [يونس:٦٤] فيقول: " أي لا يغير الإمامة " (١/ ٣١٤).
وقوله تعالى: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ [الإسراء: ٧٣] قال القمي: " يعنى أمير المؤمنين " (٢/ ٢٤).
وفي سورة الحج: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ [الحج:٥٥] أي من القرآن الكريم، فيقول القمي: " أي في شك من أمير المؤمنين ". ويقول كذلك عن (الآية): وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الحج:٥٧] بأن معناها " ولم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين والأئمة " (٢).وفي سورة الطور: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ [الطور:٣٣] يتحدث عنها القمي فيقول: أم يقولون ـ يا محمد تقوله: يعنى أمير المؤمنين، بل لا يؤمنون أنه لم يتقوله ولم يقمه برأيه، ثم قال: فليأتوا بحديث مثله: أي برجل مثله من عند الله (٣).
وقد رأينا من قبل أن آيات كريمة خاصة بالرسول وبالمسيح صلوات الله عليهما، حرفها القمي ليجعلها للإمام على.
стр. 2340
وهناك كذلك ما هو متصل بيوم القيامة فجعل للإمام، جاء في تفسيره (٢/ ١١٢) ما يأتي: " إن الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة، وإن علي بن أبي طالب، أشرف ساعة من اثنتى عشرة ساعة، وهو قول الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان:١١] وهو لا يكتفي بهذا، وإنما يحاول أن يجعل الإمام هو المراد من كثير من آيات الله تعالى دون نظر إلى ما هو مختص بالله تعالى ورسله وكتبه واليوم الآخر كما رأينا، وما هو مختص بالحيوان أو الجماد حتى يكاد يحط من قدر الإمام وهو يحاول أن يرفعه! انظر مثلاً إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: ٢٦]، فإنك تعجب وقد حاول القمي من قبل أن يرفع الإمام علي إلى مرتبة الألوهية، ينزل به هنا إلى مرتبة الحشرات الضارة حيث يجعله المراد من كلمة " بعوضة " (١).بعد هذا لا يستبعد منه أن يجعل الإمام المراد من أي آية يظن أنها تدل على الاهتمام والرفع من قيمة الإمام. ويوضح الجزائري في مقدمته للكتاب سر هذا التأويل فيقول: " الله تعالى كان عالماً بأعمال أمة نبيه ﷺ بعد وفاته ﷺ ، بأنهم يلعبون بالدين، ويهتكون بنواميس حماته في كل حين ... فحينئذ لم يؤمن منهم أن لا يبقوا أسامي الأئمة أو فضائلهم في القرآن، فلذا لم يكن بد إلا أن يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن وأسلوبه في أكثر آياته، فإن له ظاهراً يتعلق بشيء وباطناً بشيء آخر " (٢).ثم يقول: " ومن هنا قال أبو جعفر: إن القرآن نزل أثلاثاً: ثلث فينا وفي أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا، وثلث سنة ومثل " (٣).ثم عقب على هذا بقوله: " فانكشف مما ذكرنا أن كل ما ورد في القرآن من المدح كناية وصراحة فهو راجع إلى محمد وآله الطاهرين، وكل ما ورد فيه من القدح كذلك فهو لأعدائهم أجمعين، السابقين منهم واللاحقين، ويحمل عليه جميع الآيات من هذا القبيل وإن كان خلافاً للظاهر " (٤). فهذا التأويل الفاسد إذن نتيجة للقول بالتحريف، والطعن في الصحابة الكرام.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٩٥
رابعا: ما يتصل بعقيدة الإمامة
١ ـ الرجعة:
стр. 2341
القمي يرى أشياء تتصل بعقيدته في الإمامة، ولذا يضمنها تفسيره. فهو مثلا يؤمن بالرجعة، أي رجعة الأئمة قبل يوم القيامة، ورجعة من غصبوهم حقهم ـ على حد زعمه ـ ليقتص الأئمة من أعدائهم. وعلى هذا جعل من الأمور الأساسية التي اشتمل عليها القرآن الكريم الرد على من أنكروا الرجعة. واستدل بقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا [النمل:٨٣] فقال: " أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجاً ويدع الباقين "؟ ثم قال: ومثله كثير نذكره في مواضعه (١). ومن هذا الذي ذكره قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:٨٥]. قال: يعني الرجعة. يرجع إليكم نبيكم ﷺ وأمير المؤمنين والأئمة (٢).وفي سورة " ق " يقول: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمنَادِ [ق:٤١] باسم القائم واسم أبيه ... والصيحة ـ صيحة القائم من السماء .. والخروج الرجعة (٣).وفي سورة النحل: فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [النحل:٢٢] قال القمي: يعني أنهم لا يؤمنون بالرجعة أنها حق قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ يعني أنها كافرة وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ يعني أنهم عن ولاية علي مستكبرون (٤). ويستمر في تفسيره للسورة الكريمة فيقول: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ [النحل:٣٤] من العذاب في الرجعة ... وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل:٣٨] قال القمي: الكفار كانوا لا يحلفون بالله، وإنما أنزلت في قوم من أمة محمد ﷺ قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة فحلفوا أنهم لا يرجعون (٥).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٤٩٩
٢ ـ نزول الوحي على الأئمة:
والقمي ممن ذهب إلى أن الوحي لم ينقطع بانتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، لأن الإمام يقوم مقامه! فعند تفسيره لسورة القدر يقول: معنى ليلة القدر أن الله يقدر فيها الآجال والأرزاق، وكل ما يحدث من موت أو حياة، أو خصب أو جدب، أو خير أو شر، كما قال الله فيها فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:٤] إلى سنة. وقال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:٤] تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور (٦).ونسب للإمام أبي جعفر أنه سئل: " تعرفون ليلة القدر؟ فقال: وكيف لا نعرف ليلة القدر والملائكة يطوفون بنا فيها " (٧).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠١
٣ ـ الأئمة يعلمون الغيب: وهو يرى أن الأئمة يعلمون الغيب، ولهذا نراه عند تفسير قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. يقول: يعني علياً المرتضى من الرسول ﷺ وهو منه (٨).
стр. 2342
فعلم الغيب ليس خاصاً بالله تعالى والمصطفين من الرسل الكرام، وإنما هوـ حسب افترائه ـ خاص بالإمام علي مع الله !
وحتى يظهر أن علم الأئمة يحيط بكل شىء يأتي بأشياء لا سبيل إلى العلم بها في ذلك الوقت، وإن اكتشف بعضها في عصر الكشوف العلمية للكون ومظاهره.
وإذا كان كثير من الكشف العلمي يأتي بوجوه جديدة من وجوه الإعجاز القرآني، ويستحيل التناقض بين نظرية علمية صحيحة وبين القرآن الكريم، إلا أن هذه الكشوف كشفت عن كذب القمي ومفترياته. فهو ينسب للإمام علي أنه قال: " الأرض مسيرة خمسمائة عام، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً، والقمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً، بطونهما يضيئان لأهل السماء، وظهورهما يضيئان لأهل الأرض، والكواكب كأعظم جبل على الأرض " (١)! ويزعم أن الإمام علي بن الحسين بين علة كسوف الشمسين بوجود بحر بين السماء والأرض، إذا كثرت ذنوب العباد، وأراد الله أن يستعتبهم بآية، أمر الملائكة الموكلين فجعلوا الشمس أو القمر في ذاك البحر (٢).وفي موضع آخر ينسب للأئمة أن الأرض على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور أملس، والثور على الثرى (٣).وفي أول سورة الشورى حم عسق [الشورى:١ - ٢] يقول: " قاف جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل " (٤).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٢
٤ ـ نفى العلم عمن اشتهروا به من غيرهم:
والقمي لا يكتفي بمثل هذه المفتريات ليبين إحاطة الأئمة بكل شيء علماً، ولكن تحدث عن غيرهم ممن لهم مكانتهم العلمية لينفي عنهم ما اشتهروا به من العلم، حتى لا يبقى في المجال العلمي إلا أئمة الجعفرية!
فمثلا ابن عباس اشتهر بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن، انظر إلى هذا القمي وهو يتحدث عن ابن عباس، بل عن أبيه عم الرسول ﷺ : نسب للإمام أبي جعفر الباقر أنه قال: جاء رجل إلى أبي علي بن الحسين فقال: إن ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت، وفيمن نزلت، فقال أبي: سله فيمن نزلت: وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:٧٢] وفيمن نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وتستمر الرواية لتذكر بأن الرجل ذهب إلى ابن عباس فسأله، فلم يجبه، بل أورد أسئلة أخرى، فبين الإمام سبب النزول بقوله: بأن الآية الأولى نزلت في ابن عباس وفي أبيه، والثانية نزلت في أبيه (٥)!!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٣
стр. 2343
٥ ـ أحكامهم الفقهية كالمتعة والخمس: ثم لا ينسى القمي ما ارتبط بعقيدته من الأحكام الفقهية، فيعرضها بطريقة يأباها كتاب الله تعالى، ففي سورة مريم: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم:٨٣] قال: نزلت في مانعى الخمس والزكاة (١).وفي سورة ق " الآية ٢٦ ": الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ق: ٢٦] قال: "هو ما قالوا نحن كافرون بمن جعل لكم الإمامة والخمس " (٢).وفي سورة النساء يحرف الآية الرابعة والعشرين فيقول: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء:٢٤] ويعقب بقوله: فهذه الآية دليل على المتعة (٣).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٤
خامساً: أسباب النزول:
في ذكر القمي لأسباب النزول نرى أثر الإمامة واضحاً، ولنضرب بعض الأمثلة:
١ ـ تحالف الصحابة مع إبليس: في سورة سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:٢٠] قال: لما أمر الله نبيه أن ينصب أمير المؤمنين للناس في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في على [المائدة:٦٧] (٤) بغدير خم فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر، وحثوا التراب على رءوسهم، فقال لهم إبليس: ما لكم؟ فقالوا: إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شيء إلى يوم القيامة. فقال لهم إبليس: كلا، إن الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني، فأنزل الله على رسوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:٢٠] (٥).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٥
٢ ـ البيعة يوم الغدير: وعن البيعة أيضاً عند قوله تعالى: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى [القيامة:٣١] (٦) يقول: كان سبب نزولها أن رسول الله ﷺ دعا إلى بيعة علي يوم غدير خم، فلما بلغ الناس وأخبرهم في علي ما أراد الله أن يخبره، رجعوا الناس فاتكأ معاوية على المغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري، ثم أقبل يتمطى نحو أهله ويقول: ما نقر لعلي بالولاية أبداً، ولا نصدق محمداً مقالته ... فصعد رسول الله المنبر وهو يريد البراءة منه، فأنزل الله: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:١٦] (٧) فسكت رسول الله ﷺ ولم يسمه (٨).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٦
стр. 2344
٣ ـ مصير من غصبوا الولاية: وفي قوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨]، قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الذين غصبوا آل محمد حقهم، فيعرض عليهم أعمالهم، فيحلفون به أنهم لم يعملوا فيها شيئاً كما حلفوا لرسول الله ﷺ في الدنيا أن لا يردوا الولاية في بني هاشم، وحين هموا بقتل رسول الله ﷺ في العقبة!! فلما أطلع الله نبيه وأخبره، حلفوا له أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يهموا به، حتى أنزل الله على رسوله: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [التوبة:٧٤] (١).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٦
٤ ـ القائم يطالب بدم الحسين: وفي سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] ... قال: إن العامة ـ أي جمهور المسلمين ـ يقولون نزلت في رسول الله ﷺ لما أخرجته قريش من مكة، وإنما هي للقائم إذا خرج يطلب بدم الحسين (٢).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٧
٥ ـ حادث الإفك اتهام لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها!!
стр. 2345
حادث الإفك معروف مشهور، ونزل القرآن الكريم بتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة، فعز على القمي أن يبرئ الله تعالى صاحبه الجمل، وابنة أبي بكر أول من اغتصب الخلافة في رأيه! ولهذا قام القمي بإفك جديد، فجعل من الحديث عن الإفك اتهاماً للسيدة عائشة لا تبرئة لها!! فعند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ [النور: ١١] قال: فإن العامة رووا أنها نزلت في عائشة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به بعض النساء المنافقات ".ثم ذكر رواية عن الإمام أبي جعفر أنه قال: " لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، حزن عليه حزناً شديداً، فقالت منافقة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج! فبعث رسول الله ﷺ علياً وأمره بقتله " (١) وفي سورة الحجرات ذكر قصة اتهام فلانة لمارية، وأمر الرسول ﷺ علياً بأن يقتل جريجاً، وأن هذا كان سبب نزول قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:٦] (٢) وفي سورة التحريم قال عن كلمة أبكاراً التي جاءت في ختام الآية الخامسة " عرض عائشة لأنه لم يتزوج ببكر غير عائشة " (٣) وبعد هذا في نفس الصفحة ورد ما يأتي: " ثم ضرب الله مثلا فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم:١٠] فقال: والله ما عنى بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق ... وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى ... قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان " (٤) وإذا كان القمي ذكر بأن الخاصة ـ أي الشيعة ـ رووا أن فلانة، وهي إحدى المنافقات، جاءت بالإفك، ولم يصرح باسمها، فإن غيره من الجعفرية قد صرح باسمها وقال بأنها عائشة (٥). وضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط يعتبره الجعفرية تعريضاً بالسيدتين عائشة وحفصة من أمهات المؤمنين (٦)، والقمي هنا يؤكد أن الخيانة المرادة هي الفاحشة، ثم مهد لإلصاقها بمن برأها الله تعالى!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٧
سادساً: القرآن كتاب (تاريخ اثني عشري)!!
عندما آلت الخلافة إلى الإمام علي كرم الله وجهه ـ لم تسلم له، وخاض عدة معارك، ولاقى الشيعة بعد ذلك ما لاقوا في ظل الحكم الأموي. وقد تحدثت كتب التاريخ عن ذلك مفصلاً، ولكن القمي يحاول أن يغير من طبيعة القرآن الكريم ليصله بكتب التاريخ عند الجعفرية، فتسمع عن البصرة والجمل وبني أمية من وجهة النظر الجعفري، ولنضرب لذلك الأمثال:
стр. 2346
١ ـ أصحاب الجمل والبصرة: في سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:٤٠] ولن يلج الجمل في سم الخياط، فالكفار إذن لن يدخلوا الجنة، ولكن القمي إذا به يقول: " نزلت هذه الآية في طلحة والزبير والجمل جملهم " (١)! ويقول أيضا: إن أصحاب الجمل نزلت فيهم من سورة التوبة: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ [التوبة: ١٢] (٢).وفي سورة النجم يقول بأن المؤتفكة هي البصرة، وقال: ائتفكت بأهلها مرتين، وعلى الله تمام الثالثة، وتمام الثالثة في الرجعة (٣).وفي سورة الحاقة يقول بأن البصرة أيضاً هي المؤتفكات (٤).
٢ ـ بنو أمية:
أما بنو أمية فإنا نصادفهم كثيراً ونحن نقرأ هذا التفسير العجيب، وما دام ثلث القرآن في أعداء الجعفرية ـ كما زعموا ـ فلابد إذن أن يكون للأمويين نصيب كبير! انظر مثلا تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنفال:٥٥]. يقول: نزلت في بنى أمية، فهم أشر خلق الله، هم الذين كفروا في باطن القرآن، فهم لا يؤمنون (٥).ولهذا نجد كثيرا من الآيات التي تتناول الكفار يجعلها لبني أمية (٦).
٣ ـ بنو السباع: والقمي عاش في العصر العباسي الأول، والعلويون رأوا الحكم يذهب لغيرهم، ثم لم يسلموا من ظلم ذوي القربى، فالعباسيون ـ من وجهة النظر الجعفرية ـ لا يفترقون كثيراً عن الأمويين، ولكن القمي لا يستطيع أن يصرح بهم عند الحديث عن كفرهم فيسميهم بني السباع بدلاً من بني العباس (٧).
٤ ـ الاتفاق على قتل علي! وعندما تناول بعض الأحداث التاريخية الأخرى وضع قصصاً خيالية غريبة، فمثلا عند قوله تعالى: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الروم:٣٨] نراه يتحدث عن ذلك في خمس صفحات، ويأتي بقصيدة يقول بأن السيدة فاطمة الزهراء ـ رضي الله تعالى عنها ـ احتجت بها على الصديق، وكذلك احتج الإمام علي، وخاف الصديق من ضياع الحكم نتيجة هذا الموقف، فبعث إلى الفاروق الذي أشار بقتل علي! وأمر خالد بن الوليد بقتله فوافق خالد، إلى آخر تلك الخرافة (٨).
стр. 2347
٥ ـ كفر أصحاب بيعة الرضوان: وعندما تحدث عن صلح الحديبية قال: " فلما أجابهم رسول الله ﷺ إلى الصلح أنكر عامة أصحابه، وأشد ما كان إنكاراً فلان، فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال: بلى! قال: فنعطي الذلة في ديننا؟ قال: إن الله وعدني ولن يخلفني. قال لو أن معي أربعين رجلاً لخالفته " (١). والمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ صاحب الجزء الأول من هذه المناقشة، فافترى القمي هذه الزيادة المنكرة " لو أن معي أربعين رجلا لخالفته "، وقال: بأن عامة أصحابه الذين أنكروا الصلح أكثروا القول على رسول الله ﷺ فقال لهم: إن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم. ويزيد فريته بأنهم حاربوا فعلاً، وهزموا هزيمة قبيحة، إلى أن قام علي بسيفه فتراجعت قريش (٢).ثم يستمر ليقول: بأن عامة الصحابة هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح:٦] (٣).وهكذا يستمر هذا القمي ليجعل عامة أصحاب بيعة الرضوان من أصحاب النار، وهم الذين ﵃ بنص القرآن الكريم، ويطعن في ترتيب آيات سورة الفتح ليصل إلى ضلاله (٤)!
٦ ـ الفرق الأخرى: ونراه كذلك يخضع القرآن الكريم للحديث عن الفرق الأخرى، فمثلا عند قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وجوههم مُّسودةٌ [الزمر:٦٠] يقول: " من ادعى أنه إمام وليس بإمام يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ... وإن كان علوياً فاطمياً " (٥).
٧ ـ القائم وجيش السفياني:
وكثير من فرق الشيعة قالت بعودة بعض الأئمة قبل يوم القيامة، ومنهم من وقف عند إمام معين، وقال: بأنه لم يمت وإنما أظهر موته تقية، إلى غير ذلك مما تذكره كتب التاريخ. وكان من صدى هذا أن بعض الأمويين قالوا بعودة رجل منهم أسموه السفياني: فزاد بعض الجعفرية خرافة أخرى وهي أن المهدي عندما يرجع سيقابل جيش السفياني ويهزمه! وإذا بنا نجد هذا في تفسير القمي! فعند قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [هود:٨] قال: هم والله أصحاب القائم، يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني، فيأمر الله الأرض فتأخذ أقدامهم، وهو قوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ [سبأ:٥١ - ٥٢] يعني بالقائم (٦).وفي قوله تعالى: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:١١٣] قال يعني ما يحدث من أمر القائم والسفياني (٧).
وبهذا يصبح تفسير القمي مرجعاً من مراجع التاريخ لغلاة الجعفرية!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٩
سابعا: طرق التغرير والتضليل:
والقمي قد خالف ظاهر القرآن الكريم، وحرف معانيه إلى جانب القول بتحريف نصه، وأتى بما لا يحتمله كتاب الله تعالى بل يعارضه، وخالف ما أجمعت عليه الأمة في أكثر الآيات وما يتعلق بها، وجعل أكثرها ـ مكية ومدنية ـ متعلقة ببيعة غدير خم التي قال الجعفرية أنفسهم بأنها بعد حجة الوداع. وزعم أن صفوة هذه الأمة كفار ومشركون ومنافقون، إلى غير ذلك مما يبرأ منه الإسلام والعقل السليم.
стр. 2348
ورأينا من قبل كيف حاول صاحب (التفسير) المنسوب للإمام العسكري أن يغرر بضعاف العقول، وجهلة القوم، ليؤمنوا بخرافاته، ويسيروا في ظلمات ضلاله. والقمي هو الآخر قد حاول القيام بنفس الدور فسلك لذلك عدة طرق:
١ ـ جل آرائه نسبها للأئمة وعلى الأخص الإمامان الباقر والصادق. كما أشرنا في مقدمة الحديث عن الكتاب.
٢ ـ ذهب إلى أن القرآن الكريم لا يفهم معناه ولا يدرك مراده إلا عن طريق الرسول ﷺ وهؤلاء الأئمة. نسب للإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: " ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، أخبركم عنه، إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه مختلفين، فلو سألتموني عنه لأخبرتكم عنه لأني أعلمكم " (١) ونسب للإمام الصادق أنه قال: إن الكتاب لم ينطق، ولن ينطق، ولكن رسول الله ﷺ . هو الناطق بالكتاب، قال الله: هَذَا بكتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ [الجاثية:٢٩] فقال أحدهم: إنا لا نقرؤها هكذا، فقال الإمام: هكذا والله نزل بها جبريل على محمد، ولكنه فيما حرف من كتاب الله تعالى (٢).ونسب للإمام الباقر أنه قال: " القرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا " (٣).وذهب إلى أن من لا يقبل تأويل الكتاب فهو مشرك كافر (٤).٣ - وضع أسساً غريبة للتفسير، فإلى جانب القول بأن القرآن أصابه التحريف، ولا يؤخذ تأويله إلا عن طريقهم، نراه يذهب إلى أن هناك آيات لا يعرف تأويلها إلا بعد وقت نزولها! ويتحدث عن هذا النوع فيقول: " وأما ما تأويله بعد تنزيله فالأمور التي حدثت في عصر النبي ﷺ وبعده من غصب آل محمد حقهم، وما وعدهم الله به من النصر على أعدائهم، وما أخبر الله به من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة والساعة " (٥).ويذهب إلى أن هناك آيات " مما خاطب الله به نبيه ﷺ والمعنى لأمته، وهو قول الصادق: إن الله بعث نبيه ﷺ بإياك أعني واسمعي يا جارة " (٦).وذهب إلى ما هو أبعد من هذا، فقال بأن هناك " ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين! فقوله (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ (أنتم يا معشر أمة محمد) فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)، فالمخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى لأمة محمد ﷺ (٧) ".
وبهذه الأسس استطاع أن يحرف القرآن الكريم نصاً ومعنى ليصل إلى ضلاله.
стр. 2349
٤ - وقد ذهب إلى تكفير غير المعتنقين عقيدته في الإمامة، الرافضين لتحريفه، لم ينس ـ من وقت لآخر في تفسيره ـ بيان أن الشيعة سيدخلون الجنة حتى فساقهم العصاة! فمثلاً في قوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج:٤٠]، يقول: بأن الله يدفع بمن يعمل كل فريضة من الشيعة عمن لا يعملها، ولو أجمعوا على الترك لهلكوا (١). وفي سورة طه وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨] يذكر أن النبي ﷺ يشفع لعصاة الشيعة، فكلهم يدخل الجنة (٢).وفي سورة المؤمنون: وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠] " يقول: البرزخ هو أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة .. وهو قول الصادق: والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ، فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم (٣).وفي سورة غافر: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:٣] قال: ذلك خاصة لشيعة أمير المؤمنين (٤).وفي سورة "ق ": أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] يقول: بأن الآية الكريمة مخاطبة للنبي ﷺ وعلي، ويبين أنهما في منزلة خاصة دون الخلق جميعا؛ وأن رضوان يأتي بمفاتيح الجنة فيأخذها الرسول ﷺ ويعطيها علياً وكذلك يفعل مالك بمفاتيح جهنم، فيأخذ علي المفاتيح ويقعد إلى شفير جهنم، فتنادي: ياعلي جزني، قد أطفأ نورك لهيبي! فيقول لها علي: ذري هذا وليي، وخذي هذا عدوي! فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه (٥).وفي سورة الرحمن: فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ [الرحمن: ٣٩] قال: " منكم "، يعني من الشيعة. معناه أنه من تولى أمير المؤمنين، وتبرأ من أعدائه عليهم لعائن الله، وأحل حلاله، وحرم حرامه، ثم دخل في الذنوب ولم يتب في الدنيا، عذب لها في البرزخ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه يوم القيامة (٦).وفي سورة الحاقة " الآية ١٩ ": فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة: ١٩] قال: كل أمة يحاسبها إمام زمانها، ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم، وهو قوله تعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ [الأعراف:٤٦] وهم الأئمة يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ [الأعراف:٤٦] فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم فيمرون إلى الجنة بلا حساب، ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم فيمرون إلى النار بلا حساب " (٧).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥١٤
стр. 2350
الكتاب الثالث: تفسير العياشي
منزلة العياشي كالقمي
تلك أهم آثار الإمامة في تفسير القمي الذي يمثل جانب الغلو والتطرف في هذه العقيدة كتفسير العسكري.
والتفسير الثالث الذي طالعنا به القرن الثالث هو تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، المتوفي في حدود سنة (٣٢٠) هـ، والذي يعد من الثقات عند الشيعة الاثني عشرية.
وفي صدر التفسير كتب محمد حسين الطباطبائي مقدمة حول الكتاب ومؤلفه، قال فيها:
" وقد بعث الله رجالاً من أولي النهى والبصيرة، وذوي العلم والفضلة، على الاقتباس من مشكاة أنوارهم – أي الأئمة – والأخذ والضبط لعلومهم وآثارها، وإبداع ذخائرها في كتبهم، وتنظيم شتاتها في تأليفهم، ليذوق بذلك الغائب من منهل الشاهد، ويرد به اللاحق مورد السابق.
وإن من أحسن ما ورثناه من ذلك كتاب التفسير المنسوب إلى شيخنا العياشي ﵀، وهو الكتاب القيم الذي يقدمه الناشر اليوم إلى القراء الكرام.
فهو لعمري أحسن كتاب ألف قديماً في بابه، وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور.
أما الكتاب فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألّف إلى يومنا هذا – ويقرب من أحد عشر قرناً – بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف.
وأما مؤلفه الشيخ الجليل أبو النضر محمد بن مسعود بن العياش التميمي الكوفي السمرقندي، من أعيان علماء الشيعة، وأساطين الحديث والتفسير بالرواية، من عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية.
أجمع كل من جاء بعده من أهل العلم على جلالة قدره وعلو منزلته وسعة فضله، وإطراء علماء الرجال متسالمين على أنه ثقة, عين صدوق في حديثه، ومن مشايخ الرواية، يروي عنه أعيان المحدثين: كشيخنا الكشي صاحب (الرجال) وهو من تلامذته، وشيخنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشي وهو ولده إلخ ".
منهج العياشي وأهدافه كالقمي:
من هذا نرى أن العياشي وتفسيره عند الشيعة في منزلة تشبه منزلة القمي وتفسيره.
بدراسة تفسير العياشي يظهر لنا أنه كان يسير مع القمي في طريق واحد، فلا فرق بينهما في المنهج والأهداف، والغلو والتطرف والضلال، وما أخذناه على تفسير القمي يتسم به أيضاً تفسير العياشي، وإليك البيان:
أولاً: القول بتحريف القرآن الكريم يشترك العياشي مع القمي في محاولة التشكيك في كتاب الله العزيز، والدعوة إلى القول بتحريفه. ولذلك وجدنا صاحب كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) يذكر العياشي مع القائلين بالتحريف، ويقول بأنه روى في أول تفسيره أخباراً عامة صريحة في التحريف، وأن نسبة القول بالتحريف إلى العياشي كنسبة القول به إلى علي بن إبراهيم القمي، بل صرح بنسبته إلى العياشي جماعة كثيرة (١).
وينقل عن العياشي بعض الأخبار التي استدل بها على التحريف. منها ما رواه عن الإمام الصادق أنه قال: " لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين " (٢). ومنها ما رواه عن الإمام الباقر أنه قال: تنزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ في علي بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللهُ) (٣)
وفي تفسير العياشي نجد كثيراً من مثل هذا الضلال:
فتحت عنوان: " ما عنى به الأئمة من القرآن " (١/ ١٣) يذكر عدة أخبار، منها الخبر السابق عن الإمام الصادق، ويرويه أيضاً عن الإمام الباقر، كما يروي عن الإمام الباقر أنه قال: " لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن ".