← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الثالث: منزلة توحيد الربوبية عند الأشاعرة أما الأشاعرة فقد اختلفت عباراتهم في أول واجب على المكلف بعد أن اتفقوا على أن الأمر بعبادته ليس أول واجب. فحكى الاشاعرة عن الأشعري القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة. والمعرفة عندهم معناها معرفة وجود الله وتفرده بخلق العالم. فحكى الاشاعرة عن الأشعري القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة (١). والمعرفة عندهم معناها معرفة وجود الله وتفرده بخلق العالم. وعند الباقلاني أول واجب: النظر (٢) فقال: "أول ما فرض الله على جميع العباد النظر في آياته ... والثاني من فرائض الله على جميع العباد الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله" .. الخ (٣).وأول واجب على المكلف عند الجويني القصد إلى النظر فقال: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح ... " (٤).وقال شارح الجوهرة محاولاً الجمع بين هذه الأقوال: "والأصح أن أول واجب قصداً: المعرفة، وأول واجب وسيلةً قريبةً: النظر، ووسيلةً بعيدة: القصد إلى النظر" (٥)، فظهر من هذا أن النزاع بينهم لفظي. والمراد بالنظر عندهم: "ترتيب أمرين معلومين ليتوصل بترتيبهما على علم مجهول" (٦). وواضح أن هذا من المقاييس العقلية، وليس المراد مجرد النظر في آيات الله المستلزم معرفة المراد دون توسط أي حد وسط، كما هو في القياس، وسيأتي بحث إثبات وجود الله تعالى وبيان صعوبته والإشكالات الواردة عليه، وما فيه من لوازم باطلة – إن شاء الله -.ولما عدد شارح الجوهرة المطالب السبعة التي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى قال: "وهذه المطالب السبعة لا يعرفها إلا الراسخون في العلم! " ثم قال:"قال السنوسي: وبها ينجو المكلف من أبواب جنهم السبعة! " (٧) اهـ ولم يتعقبه بشيء!، كأنه يقره على مقالته. فانظر كيف جعل السنوسي عاقبة ترك هذه المطالب على المكلف سواء كان من العوام أو من العلماء الراسخين في العلم!، وانظر اعتراف الباجوري بأنه لا يعلمها إلا الراسخون في العلم!، فيكونون على هذا هم الناجين فقط دون سواهم!، ويكون العوام، وهم أكثر المسلمين ليسوا بناجين من النار، بل حتى العلماء الذين ليسوا براسخين في العلم!. وفي هذا تحجير لواسع وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه. المناقشة: ١ - قولهم إن أول واجب على المكلف هو النظر الصحيح المفضي إلى معرفة الله يناقض أمرين: أولهما: أن الإقرار بمعرفة الله أمر مركوز في الفطر. وثانيهما: الأمر بعبادة الله أولاً. أما كون الإقرار بالله مركوزاً في الفطر فقد تقدم دليله في الفصل السابق.

стр. 247

وتقدمت الإجابة عن اعتراضاتهم كذلك. وهنا لابد من الإشارة إلى اعتراف بعض حذاق علماء الأشاعرة بهذا الإقرار الفطري وهو: الشهرستاني حيث قال في كتابه (نهاية الإقدام في علم الكلام): "وأنا أقول: ما شهد به الحدوث أو دل عليه دليل الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغني به ولا يستغني عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب، والحادث إلى المحدث" (١). فاعتراف الشهرستاني بدليل الفطرة وأن منزلته في الاستدلال فوق الاستدلال بدليل الحدوث والإمكان، وعلل ذلك بأن أصل دليل الفطرة مركوز في النفس لذلك كان أقوى من الدليل الذي يطلب من خارج – وهو واضح – وسيأتي ذكر اعترافات أخرى من غيره في الباب الرابع إن شاء الله. وأما الأمر الثاني الذي ناقضوه بقولهم هذا فهو أن المعروف بالكتاب السنة والإجماع أن أول ما يجب على المكلفين هو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقد مضى تحقيق هذه المسألة في الباب الأول – ولكن لا بأس من الإشارة هنا إلى بعض الأدلة: فمن الكتاب قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وهذا صريح في أن الرسل ما بعثوا إلا لعبادة الله وحده، وأفاد هذا الحصر الآية الثانية. وأما من السنة فقول الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى أهل اليمن: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) (٢). وقوله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) (٣).وقد وردت في حديث معاذ جملة وهي: ((فإذا عرفوا الله)) فتمسك بها من قال إن أول واجب هو المعرفة (٤)، والجواب كما قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إن الأكثر رووه بلفظ: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك)) (٥). ومنهم من رواه بلفظ: ((فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك)) (٦)، ومنهم من رواه بلفظ: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله)) (٧)، .... ووجه الجمع بينهما أن المراد بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين، والإشارة بقوله "ذلك" إلى التوحيد: وقوله ((فإذا عرفوا الله)) أي عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة: الإقرار والطواعية (٨)، فبذلك يجمع بين الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة .. " (٩). اهـ.

стр. 248

وعلى هذا فإن دلالة هذا الحديث على المطلوب واضحة، فلو كانت المعرفة هي أول واجب على المكلف لأمر النبي ﷺ بالدعوة إليها أولاً، ولما أمر بتوحيد الله في عبادته أولاً، لأنه لا يعقل أن يؤمر بعبادة الله من لا يقر به، وقد تقدم أن الإقرار به ومعرفته فطرية. وأما الحديث الثاني فدلالته أيضاً واضحة، ولكن أنقل هنا كلاماً لأبي المظفر السمعاني ﵀ فقال بعد ذكره لهذا الحديث: "ومثل هذا كثير، ولم يرد أن دعائهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يدعى إلى الإسلام، فإن أبي وسأل النظرة والإمهال لا يجاب إلى ذلك، ولكنه إما أن يسلم أو يعطى الجزية أو يقتل، وفي المرتد إما أن يسلم وإما أن يقتل، وفي مشركي العرب على ما عرف. وإذا جعلنا الأمر على ما قاله أهل الكلام لم يكن الأمر على هذا الوجه، ولكن ينبغي أن يقال له - أعني الكافر – عليك النظر والاستدلال لتعرف الصانع بهذا الطريق، ثم تعرف الصفات بدلائلها، وطرقها، ثم مسائل كثيرة إلى أن يصل الأمر إلى النبوات، ولا يجوز على طريقهم الإقدام على هذا الكافر بالقتل والسبي إلا بعد أن يذكر له هذا ويمهل، لأن النظر لا يكون إلا بمهلة، خصوصاً إذا طلب الكافر ذلك، وربما لا يتفق النظر والاستدلال في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكافر مدة طويلة تأتي على سنين ليتمكنوا من النظر على التمام والكمال، وهو خلاف إجماع المسلمين" (١). ٢ - ويقال للأشعرية ثانياً: قولكم إن النظر أول ما يجب على المكلف فيه مناقشة أيضاً من جهتين أخريين: أولاهما: في نوع هذا النظر. وثانيتهما: في إيجابه على كل المكلفين.

стр. 249

أما الجهة الأولى: فقد تقدم مرادهم بهذا النظر – وسيأتي إيضاح طريقه إن شاء الله، وقد صرحوا هم بأن طريقة النظر طريقة معتاصة على الفهم حيث لا يعلمها إلا الراسخون في العلم! وهنا لابد من وقفات: الأولى: إن هذه الطريقة لم تنقل عن السلف مع اشتمالها على طرق محرمة كما قال الإمام أبو المظفر السمعاني: "وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام فيما أسسوا فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري . وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين." اهـ (١)، فتراه أنكر عليهم طريقتهم لاشتمالها على ما لم ينقل عن السلف من أن أول واجب على المكلف النظر، وهي كذلك تستلزم لوازم باطلة كنفي صفات الباري الاختيارية – وقد التزموا ذلك – بدعوى أنها لو ثبتت للزم قيام الحوادث به، وهذا يؤدي إلى تعطيل إثبات وجوده، الذي تم بإثبات أن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث! الثانية: وطريقتهم هذه في الأصل قد أخذوها من المعتزلة كما قال أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة: "إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك. (٢) " فإنهم قد أخذوها عنهم وحاولوا أن يخالفوهم في أصول أخرى كإثبات صفات المعاني فتناقضوا وحاولوا أن يخرجوا من هذا المضيق فأثبتوها كلها أو جلها – بطريقة لا تخلوا من مخالفة لأهل السنة كما سيأتي إن شاء الله. الثالثة: إن النظر الذي ذكر في القرآن ليس هو النظر الذي تواضع عليه هؤلاء المتكلمون، وإنما النظر فيه بذكر الآيات التي هي العلامات الدالة على ما هي آيات له، من غير حاجة إلى توسط حد كما هو في المقاييس العقلية، وقد تخلص بعضهم فقال إنه يصح الاستدلال بالدليل الإجمالي، "وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه" (٣)، ومرادهم أن يعجز الإنسان بذكره على الوجه المعتبر عند المنطقيين (٤). وقد ترتب على إيجابهم النظر على جميع المكلفين اختلافهم في حكم التقليد في معرفة العقائد على ستة أقوال:- أولها: الحكم بكفر المقلد مطلقاً. وثانيها: الحكم بعصيانه مطلقاً. وثالثهما: الحكم بعصيان من قلد وفيه أهلية للنظر. ورابعها: صحة إيمان من قلد القرآن والسنة القطعية!! - فيما عدا الصفات النقلية. وخامسها: صحة إيمان المقلد مطلقاً، لأن النظر شرط كمال. وسادسها: صحة إيمان المقلد مع تحريم النظر، وحملوه على المخلوط بالفلسفة. وأقوى هذه الأقوال عند المتأخرين القول الثالث (٥). ويلاحظ أن كل تلك الأقوال مبنية على أساس منهار وهو أن المعرفة نظرية لا فطرية!. وزعمهم بأن من تابع القرآن والسنة في المعرفة يكون مقلداً ناشئ من ظنهم أنهما دليلان لفظيان خبريان لا يتضمنان براهين عقلية وهذا ظن باطل – والتحقيق هو أن النظر يجب على من لم يحصل العلم والإيمان إلا به، على أن يكون هذا النظر صحيحاً غير ملتزم لباطلً. الجهة الثانية من المناقشة: في إيجابهم النظر على كل مكلف من ذكر وأنثى:

стр. 250

١ - فإنا نسلم بأن النظر الوارد الأمر به في الآيات القرآنية واجب، فأما إيجابه على كل أحد فلا نسلم به بل ولا نسلم بأنه أول الواجبات، مع التفريق بين النظر الصحيح – فهو المأمور به -، وبين النظر المفضي إلى الباطل – فلا تدل عليه الآية. فالذي يلاحظ من القرآن هو أن النظر يجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، فمثال ذلك قول الله تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٥]، فهذه الآية والتي قبلها جاءت بعد قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]. ومثل هذه الآية قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم: ٨]، فهذه جاءت بعد قوله: وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: ٥ - ٦].فمن آيتي الأعراف والروم السابقتين يعلم أن النظر واجب على المكذبين والذين لا يعلمون وكل من كان لا يقوم بالواجب عليه من عبادة الله إلا بعد النظر، فظهر من هذا أن هذا الوجوب جاء من جهة أنه واجب على كل من لا يؤدي واجباً إلا به، وعلق شيخ الإسلام على هذا القول بأنه: "أصح الأقوال" (١).٢ - وقولهم عن أول واجب على المكلف هو النظر يشمل كل المكلفين، وبما أنه واجب فيلزم أن الشخص حال الاشتغال به يكون مقيماً على الطاعة ولو كان على غير ملة الإسلام! ولهذا ألزمهم أبو المظفر السمعاني قوله: "وينبغي على قولهم: إذا مات في مدة النظرة والمهلة قبل قبول الإسلام أنه ما مطيعاً له مقيماً على أمره، لابد من إدخاله الجنة كما يدخل المسلمين، وقد جعلوا غير المسلم مطيعاً لله مؤتمراً بأمره في باب الدين وأوجبوا إدخاله الجنة، وقد قال تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [عمران: ٨٥]." اهـ (٢). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣١٤

стр. 251

المبحث الأول: التوحيد عند الأشاعرة هذا من أهم الأبواب التي غلط فيها أهل الكلام – وفيهم الأشاعرة – وصار كلامهم فيه مشتملا على قليل من الحق وكثير من الباطل، ولاشك أن أسس الإسلام وقاعدته توحيد الله وحده لا شريك له. والتوحيد والواحد والأحد عند الأشاعرة يشمل ثلاثة أمور: ١ - أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. ٢ - وأنه واحد في صفاته لا شبيه له.٣ - وأنه واحد في أفعاله لا شريك له (١).وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية – عندهم – هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله (٢) ...... فسر الأشاعرة معنى التوحيد والواحد بهذه الأصول الثلاثة، وقد بين شيخ الإسلام ما في قولهم من الحق والباطل كما يلي:

стр. 252

١ - قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له: ويفسرونه بأن معناه أنه لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب، وهذا الكلام مجمل، فإن قصد به أن الله تعالى أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأنه يمتنع أن يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء فهذا حق، لكن إن قصد به نفي علوه ومباينته لخلقه، وأنه لا يشار إليه ولا ينزل كما يشاء فهذا باطل (١)، فأي الأمرين يقصد هؤلاء، يقول شيخ الإسلام عنهم: "ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئاً دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلاً، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان مجسما منقسما مركبا، والبارئ منزه عندهم عن هذه المعاني" (٢)، وجماع المعاني التي قصدوها بقولهم هذا أنه تعالى عن قولهم ليس قائماً بنفسه، ولا بائنا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يشار إليه في جهة العلو. وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية، والتحيز، والجهة، والرازي صرح بأن كل متحيز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد (٣)، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفي صفات الله الخبرية، ونفي علوه على عرشه.٢ - أما قولهم في تفسير التوحيد بأن معناه – أيضاً – أنه واحد في صفاته لا شبيه له، فيرى شيخ الإسلام أن هذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكنهم أجملوها، حيث جعلوا في مسمى التشبيه، وهذا من بدع أهل الكلام، إذ لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا أقوال السلف أن يجعل نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (٤)، مع أن أهل الكلام مضطربون في هذا، لأن كل طائفة تجعل ما تنفيه من الأسماء أو الصفات من التشبيه الذي يجب تنزيه الله عنه، فالأشاعرة أدخلوا في مسمى التوحيد هذا نفي كثير من الصفات – أي ما عدا فالأشاعرة أدخلوا في مسمى التوحيد هذا نفي كثير من الصفات – أي ما عدا الصفات السبع التي لم يثبت غيرها متأخروهم – والمعتزلة أدرجوا في ذلك نفي جميع الصفات، والجهمية نفوا الأسماء والصفات جميعا، وزاد الغلاة من القرامطة والباطنية فقالوا لا يوصف بالنفي والإثبات، لأن القول بأحدهما يقتضي تشبيها، وهكذا (٥).

стр. 253

٣ - أما الثالث فقولهم: إن من معاني التوحيد أنه تعالى: واحد في أفعاله لا شريك له، وأن الله رب كل شيء وخالقه، ويقول شيخ الإسلام عن هذا المعنى: "وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره" (١)، والخطأ الذي وقع فيه الأشاعرة هنا هو أنهم فهموا أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأنه المقصود بشهادة أن لا إله إلا الله، ومن المعلوم أن هذا التوحيد أقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم "ولكن غاية ما يقال: إن المعتزلة وغيرهم جعلوا بعض الموجودات خلقاً لغير الله، كأفعال العباد، ولكنهم يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم" (٢). هذه معاني التوحيد عند الأشاعرة، ومما سبق يتبين ما في ظاهر العبارات من الحق، وما قصدوه من الباطل، مع ما وقعوا فيه من التقصير.

стр. 254

ب- أتباعهم لمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة في تعريف التوحيد: وهذا من منهج شيخ الإسلام العام في ردوده على الأشاعرة، حيث إنه كثيرا ما يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية، ولذلك فهو هنا حين رد على الرازي الذي نفى الصفات بناء على أن الله أحد، واحد، أرجع أقواله إلى أقوال المعتزلة فقال: "هذا الاستدلال هو معروف قديماً من استدلال الجهمية النافية، فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد ويزعمون أنهم هم الموحدون، فإن من أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد، وأنه يثبت تعدد القدماء، ولا يجعل القديم واحدا، فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا، وقد يسمون أنفسهم الموحدين، ويجعلون نفي الصفات داخلا في مسمى التوحيد" (١)، ثم ذكر شيخ الإسلام أن أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره ردوا على هؤلاء، وبينوا ما في أقوالهم من التلبيس والباطل، يقول الإمام أحمد – ﵀: "فقالت الجهمية لنا لما وصفنا هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته؟ قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء، قلنا نحن نقول: قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم مثلا في ذلك قولنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم، والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادراً مالكا، لا متى ولا كيف. قال: وسمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١]، وقد كان الذي سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيدا بجميع صفاته وكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته واحد" (٢).فهؤلاء الذين واجههم الإمام أحمد – ﵀ – هم شيوخ لمن جاء بعدهم، من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة الذين يزعمون أن الواحد هو الذي لا صفة له ولا قدرة، وابن سينا الفيلسوف يعبر عن ذلك بقوله "إن واجب الوجود واحد من كل وجه، ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم، أو يقال: ليس فيه كثرة حد ولا كثرة كم، ويقال ليس فيه تركيب المحدود من الجن والفصل، ولا تركيب الأجسام، ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة" (٣)، والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وجعلوا التوحيد أحد أصولهم الخمسة، ويبنون ذلك على أن القديم ليس معه في القدم غيره، فلو كان له صفات، للزم تعدد القدماء مع الله تعالى. فجعلوا حقيقة التوحيد نفي الصفات (٤). فلما جاءت الأشعرية تلقفوا هذا الأصل عن هؤلاء، وجعلوا من مقتضيات التوحيد نفي ما ينفونه من الصفات كالعلو والاستواء، والوجه واليدين وغيرها.

стр. 255

وكل طائفة تجعل ما تنفيه من الصفات من مقتضيات التوحيد، وهذا اضطراب وتناقض ظاهر. ج- الرد على الأشاعرة في قولهم في مسمى التوحيد: وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك كما يلي: ١ - بيان ما في أقوالهم من الحق والباطل – وقد تقدم بيان ذلك قريبا -.٢ - أن هؤلاء الأشاعرة اتبعوا المعتزلة والجهمية في ذلك، مع أن شيخهم ابن كلاب ينكر قول من يقول: إن الواحد لا صفة له، فإنه قال بعد بيانه: أن الله بائن من خلقه، ليس داخلا في خلقه، ولا خلقه داخلون فيه: "فإن قالوا: فيعتقبه الطول والعرض؟ قيل لهم: هذا محال، لأنه واحد لا كالآحاد، عظيم لا تقاس عظمته بالمخلوقات، كما أنه كبير عليم، لا كالعلماء، كذلك هو واحد عظيم لا كآحاد العظماء، فإن قلت: العظيم لا يكون إلا متحيزا؟ قيل لك: والعليم لا يكون إلا متحيزا، وكذلك السميع والبصير، لأنك تقيس على المخلوقات" (١)، يقول شيخ الإسلام معقبا: "وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك" (٢). ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو والاستواء والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيها، كما أن إثباتها لا يعارض ما يقولون به من التوحيد لله تعالى.٣ - أن قولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفا في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل "لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١]، وقوله تعالى: وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء: ١١]، وقوله وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف: ٣٢] – إلى قوله - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف: ٣٧]، وقوله: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ [البقرة: ٢٦٦]، وقوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩] ... والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد ... فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسما منقسما لأن ما لا يسمونه هم جسما منقسما ليس هو شيئا يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه" (٣)، وفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصا عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: ١]: "ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفسا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة" (٤).

стр. 256

ويقول معلقا على استدلال الإمام أحمد – وقد سبق نقله قريبا -: "وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام" (١)، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوص عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبي – ﷺ ((سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان)) (٢)، وحديث نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (٣)، وحديث أن النبي – ﷺ كان يصلي في واحد (٤)، وحديث مروره- ﷺ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) (٥) وغيرها من الأحاديث كثير (٦)، وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء. وإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم "لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: ١٦٣] وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]، ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد – على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدا مما ليس معروفا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديما بنفسه، متصفا بالصفات، مباينا لغيره، مشارا إليه. وما لم يكن مشارا إليه أصلا، ولا مباينا لغيره، ولا مداخلا له، فالعرب لا تسميه واحدا ولا أحدا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم" (٧).وشيخ الإسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص – في الصفات وغيرها – إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعي أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو على أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التي تلقوها عن غير المسلمين.

стр. 257

أما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى من الكتاب والسنة التي تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعون إلى لغة العرب وفهم الصحابة والسلف من خير القرون، وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الإسلام – في معرض رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: "إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص – بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما (أخص) من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي – ﷺ يخاطب بها أمته، وهي لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا"، ثم يطبق هذا على المثال المطروح فيقول: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائرة ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟ " (١).فهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس أو أرباب العلوم المختلفة في كل عصر، هي اصطلاحات لهم – ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليه – ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت وتلاها الناس وفسروها وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضا حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز أو المشترك اللفظي أو غيره وقد أجاب بقوله: "هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم (أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن) لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى" (٢)، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة (٣) قال في آخرها: "فتبين أن لفظ التوحيد والواحد والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته ... " (٤).

стр. 258

وهذا ينطبق على مسألة الواحد والتوحيد وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته.٤ - أن لفظ "الأحد" لم يجئ اسما في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم يستعمل إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كالنفي والشرط والاستفهام، فاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]، أما استخدامه في حق غير الله مضافا فكقوله تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦]، وفي النفي كقوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، والشرط كقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ [التوبة: ٦]، والاستفهام كما تقدم قريبا في حديث: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟، ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناه – ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء – لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الإثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفي كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤] لم يكن ما ليس بجسم كفوا له، ومعنى قوله تعالى: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦]: لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله: لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن: ٢٢] أي لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكون مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسما كفوا له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل (١).٥ - أن قولهم باطل من جهة العقل أيضا، يقول شيخ الإسلام: "أما العقل فهذا الواحد الذي وصوفه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة: إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسما، وأيضا فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدا" (٢)، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام والتصوف والفلسفة ونبه شيخ الإسلام عليها كثيرا، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة بالجواهر والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان والفرس مكونة من المادة الكلية والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الزهن، لأن الموجود لا يوجد إلا معينا، فيقال وجود الواجب وهو الله ووجود الممكن كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس إلا الموجودات بأعيانها (٣).

стр. 259

٦ - كما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقول شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة وعقلا وشرعا: "وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين" (١). وبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصا للدارمي في نقضه على المريسي يقول: "وهذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله "الواحد" وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد إليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير" (٢)، فمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة – مع أنه أيضا لا يقوم على دليل صحيح – دليل على فساد قولهم. ٧ - تأصيل القول في مسألة الفرق بين التشبيه والتمثيل ومدلولهما عند الإطلاق، يقول شيخ الإسلام: "وقد تنازع الناس هل لفظ "الشبه" و"المثل" بمعنى واحد أو معنيين، على قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقا ومقيدا يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار.

стр. 260

والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة وشرعا وعقلا، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر وهذا قول أكثر الناس. وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية (وهي) (١): أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان، فمن منع أن يشبه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد، ومن قال: إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، فرق بينهما عند الإطلاق" (٢)، وقد رجح شيخ الإسلام الثاني بقوله: "وهذا قول جمهور الناس؛ فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان، تشتبه في كونها ألوانا مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة، فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار مماثلة لحقيقة الماء، وإن اشتركا في أن كلا منهما جوهر وجسم وقائم بنفسه، وأيضا فمعلوم في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبهه من بعض الوجود وإن كان مخالفا له في الحقيقة. قال الله تعالى: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة: ٢٥]، وقوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء [آل عمران: ٧]، وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: ١١٨] فوصف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل؛ فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي – ﷺ ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) (٣)، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام، وبعضها حلال" (٤). وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام من أن هناك فرقا بين التشبيه والتمثيل، وأنه يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه كثيرا ما يقرره في كتبه، ويذكر له بعض الأدلة (٥)، ويذكر أن لفظ التماثل أخص من لفظ التشابه وذلك في معرض رده على الرازي حول تعريف المتشابه (٦)، ويرى أن سبب اضطراب أهل الكلام في مسألة الصفات ما يثبت منها وما ينفي، مرجعه إلى أنهم جعلوا مسمى التشبيه والتمثيل واحدا (٧).٨ - أن التشبيه على قول بعض المتكلمين: إن التشبيه هو التمثيل، ثم تعريفهم للمتماثلين بأنهما: "ما سد أحدهما مسد صاحبه، وقام مقامه، وناب منابه" (٨)، وقد يفسرونه بأنه "يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له" (٩)، التشبيه بهذا المعنى لا يقول به عاقل، لأنه يعلم بضرورة العقل امتناعه (١٠)، ولأن "كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة، ولو من بعض الوجوه البعيدة، ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود" (١١).

стр. 261

وفي موضع آخر يعلل شيخ الإسلام الفرق بقوله: "التشابه الذي هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات، بل الموافقة في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، وأما التشابه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصروة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين، ولهذا كان أئمة أهل السنة ومحققوا أهل الكلام يمنعون من أن يقال: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه؛ فإن مقتضى هذا كونه معدوما" (١)، "وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" (٢). ومع تقرير شيخ الإسلام لهذه المسألة، إلا أنه يبين أن المتكلمين الذي يصرحون بنفي التشبيه مطلقا طائفتان: طائفة: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون أن الله لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه – وهذا الذي صرح به النفاة من الجهمية – فهؤلاء يقتضي قولهم أن يكون معدوما لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز. وطائفة أخرى: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون به التمثيل، فهؤلاء متفقون على نفي التماثل بوجه من الوجوه، وهو قول صحيح قد دل عليه القرآن، والعقل أيضاً، فالخلاف مع هؤلاء لفظي حيث سموا التمثيل تشبيها (٣).

стр. 262

وعلى قول هاتين الطائفتين يكون لفظ "التشبيه" من الألفاظ المجملة، التي قد تحتمل أكثر من معنى، ومن ثم فقبل الإثبات والنفي لابد من الاستفصال عن المعنى الذي يقصده القائل. ولكن "لفظ" "الشبه" فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو في كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما، فإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه، ولا يواطئه بوجه من الوجوه، كان هذا ممتنعا، وكذلك إذا أريد بقول القائل: "لا يشبهه بوجه من الوجوه" هذا المعنى، بخلاف ما إذا أراد المماثلة والمساواة والمكافأة، أو أراد ذلك بلفظ المشاركة والموافقة والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه، ولا شريك له بوجه من الوجوه" (١). ويقول أيضاً: "إن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي (٢) ذلك القدر المشترك ليس هو نفس (٣) التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ، إذ هو سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (٤)، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة ما بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم من الاتفاق: هل هو من قبيل المشترك اللفظي أو المتواطئ؟ وهي مسألة اهتم بها شيخ الإسلام كثيرا. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لها في المبحث التالي عند الكلام على الأسماء والصفات.٩ - أن القرآن الكريم ورد بنفي التمثيل وما في معناه كالند والشريك والكفو، أما التشبيه فلم يرد نفيه ولا ذمه في الكتاب والسنة، ويرى شيخ الإسلام أن السبب ما في لفظ التشبيه من الإجمال والاشتراك والإبهام بخلاف لفظ التمثيل (٥)، ويشرح ذلك بشكل مفصل فيقول: "إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو الأنداد لرب العالمين، لكن من الناس من لا يفهم هذا ولا يعتقد أن لفظ التشبيه يدل على التمثيل المنفي عن الله؛ إذ لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص ... ومن هنا ضل فيه أكثر الناس؛ إذ ليس له حد محدود. وما هو (٦) منتف بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل، ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء (المقرين) (٧) بالصانع، فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقا، لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمي، ... و ... الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفي عنه المثل مطلقا ومقيدا، وكذلك الند والكفو والشريك، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها، و ...

стр. 263

من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفي المثل عن نفسه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، والسمي بقوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، والند بقوله فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً [البقرة: ٢٢]، والكفو بقوله وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، والشريك والعديل والمساوي بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: ١٨]، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١]، إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، فلا يخلو أما أن يكون النفي من ذلك مختصا بالمماثل من كل وجه، وهو المكافئ له من كل وجه فقط والمساوي والمعادل والمكافئ له من كل وجه، أو يكون النفي عاما في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافئ ولو من بعض الوجوه، ولا يجوز أن يكون النفي مختصا بالقسم الأول لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر، ولأن النبي – ﷺ ((قال له رجل ما شاء وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده)) (١)، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الوجود والحي والعليم والقدير، فليس مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافئة، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له ولغيره، ولما ينفي عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله، التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها ما لا يعلمه إلا الله مما لا نسبة إلى ما علموه من الأمر المشتبه المشترك، إليه. والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفا ثبوتيا كما قررنا هذا في غير هذا الموضع (٢)، ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية، له فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضا إلا هو، بخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، ومما يجب القول به شرعا وعقلا بالاتفاق، ولهذا (لما) عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع وجحوده، كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل" (٣). ومع أن التشبيه لم يرد نفيه في الكتاب والسنة إلا أن السلف ﵏ كانوا ينظرون إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولذلك لما وجدت بعض الفئات التي بالغت في الإثبات فشبهت الله بخلقه، - وسموا مشبهة – بادر السلف على ذم المشبهة وقرنوا الذم لهم بذم المعطلة، ولم يمنع السلف من هذا ما وصفهم به أعداؤهم النفاة من أن إثباتهم للصفات يجعلهم مشبهة، لأن مذهبهم في الصفات وسط بين تعطيل هؤلاء وتشبيه أولئك.

стр. 264

وشيخ الإسلام لما قرر أن لفظ التشبيه لم يرد نفيه في القرآن والسنة وإنما قصد بيان أن ما ادعاه هؤلاء – في تعريفهم للتوحيد من أن من معانيه أن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وأدخلوا في ذلك نفي علوه واستوائه وصفاته الخبرية – غير صحيح، لأن القرآن والسنة وردا بإثبات ذلك، والقول بأن إثبات هذه الصفات يقتضي تشبيها ينسحب إلى غيرها من الصفات التي يثبتها هؤلاء، كالعالم والقدرة والحياة والسمع والبصر، بل ينسحب إلى الأسماء الثابتة لله ، فالأخذ بظاهر هذه العبارة – أنه واحد في صفاته لا شبيه له – يؤدي إلى نفي جميع الصفات والأسماء عن الله تعالى، لأن ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز، وأقرب مثال على ذلك الوجود، فالله موجود والمخلوق موجود، والوجود له معنى مشترك يصدق على وجود الله ووجود المخلوق، وإن كان وجود المخلوق ليس كوجود الله لأن المخلوق ممكن، حادث، قابل للعدم. فهل يمكن القول بأن الله موجود بدون فهم معنى الوجود؟ إلا أن يقال بأننا خوطبنا بألغاز لها معاني أخر لا نفهمها، ولم يدل عليها الخطاب، وهو ما آل إليه أمر غلاة الصوفية والباطنية والقرامطة وغيرهم من الملاحدة.

стр. 265

فما قرره شيخ الإسلام في هذا الباب من أن لفظ الشبه والتشبيه لفظ مجمل، ولذلك لم يرد نفيه في الكتاب والسنة، إنما هو دفاع عن الصفاتية – من هؤلاء الأشاعرة وغيرهم – في مقابل المعتزلة والجهمية والقرامطة وغيرهم.١٠ - ومذهب السلف – رحمهم الله تعالى – مشهور في الرد على نفاة الصفات أو بعضها، يقول شيخ الإسلام عن الأشاعرة بعد كلامه عن المعتزلة الذين جعلوا نفي الصفات كالعلم والقدرة من التوحيد والتنزيه عن التشبيه والتجسيم-: "ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيما هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم، وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول الله – ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله – ﷺ والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك" (١)، ثم ساق شيخ الإسلام عددا من الروايات المشهورة عند أئمة السلف في ذمهم لأهل الكلام وأهل البدع الذين يخوضون في أسماء الله وصفاته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون (٢).أما مسألة نفي التشبيه بإطلاق، فإمام أهل السنة أحمد بن حنبل – ﵀ – بين ذلك في الرد على الزنادقة – كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه معلقا على بعض أقواله، قال شيخ الإسلام: "ولهذا قال الإمام أحمد: "فقلنا إن الشيء لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا" (٣)، فبين الإمام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء، كما نقل الناس أن جهما يقوله، ولهذا قال: فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئان أي لجميع العقلاء، فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب، بل يشترك فيه العقلاء كلهم. فهذا سؤال عن كونه موجودا، ثم سألهم عن كونه معبودا فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله، وهم المسلمون قديما وحديثا، قال: "فإذا قيل له: فمن تعبدون؟ قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فقلنا: هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون" (٤)، فهنا جعل الكلام من المسلمين الذين يعبدون الله تعالى, والعبادة متضمنة لقصد المعبود وإرادته، والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به.

стр. 266

فلما قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا: هو مجهول لا يعرف بصفة، كان قولهم هو مجهول لا يعرف بصفة تبين للمسلمين الذين يعبدون، أنهم لا يثبتون شيئا يعبدونه، وإنما هم منافقون في ذلك، لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد، فعرف المسلمون بطلان قولهم: يعبدون الله ويثبتونه، كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه، وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة، فأنكروا صفاته مطلقا وأنكروا أن يشبه بالأشياء بوجه من الوجوه، فأنكروا بذلك وجوده" (١). وكلام الإمام أحمد يدل على مبلغ علم ووعي أئمة السلف ﵏، ومعرفتهم بمداخل أئمة البدع الذين يزخرفون أقوالهم بعبارات التنزيه، وهم يقصدون من وراء ذلك أن يصلوا إلى ما يهدفون إليه من نشر البدع والتعطيل. والإمام أحمد لما قرئ عليه كتاب (المحنة) – زمن المأمون – وبلغ قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وهو خالق كل شيء، قال الإمام أحمد عند قوله ليس كمثله شيء: وهو السميع البصير. فقال إسحاق ابن إبراهيم – عامل الخليفة – ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب الله ولم أزد في كتابه شيئا كما قال ووصف ﵎ (٢). قال أحد مترجمي الإمام أحمد معلقا: "قلت: انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجته في إثبات الصفات من الآية التي احتجوا عليها بها، فكان الذي استدلوا به دليلا له لا عليه ﵁" (٣).فالإمام أحمد كان يحذر من التعطيل ومن التشبيه معا، وقد نقل شيخ الإسلام عن الطبري أنه ذكر في تاريخه – قال شيخ الإسلام: لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته (٤) – ("أنه لما قرأ على علماء بغداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم، فيه: (لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه). أقر بذلك من أقر به، وأما أحمد فقال: لا أقول: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه (٥)، وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام، واحترازه منها، مع أن كثيرا من الناس يطلق هذه العبارة، ويريد بذلك نفي المماثلة، ومقصوده صحيح، وقد يريد ما يجمع الحق والباطل، أو يريد تنزيها مطلقا لا يحصل معناه" (٦).وقد أعاد شيخ الإسلام في (درء التعارض) ذكر رواية الطبري حول المحنة – ولم يذكر أنها مرسلة – وقال معلقا: "والمقصود أنه ذكر في كتابه: (لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه)، فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة، وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء، وليس كمثله شيء، ونحو ذلك، أو كما قال، وأما قوله: "بوجه من الوجوه" فامتنع منها، وذلك لأنه عرف أنه مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ولا شيء ولا حي ولا عليم، ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى، وهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره وله المثل الأعلى" (٧).

стр. 267

فهذه الملاحظات الدقيقة التي يبديها أئمة السلف معلقين على مثل هذه العبارات لأجل ما فيها من الإيهام – تدل على حرصهم الشديد على تصفية العقيدة من أكدار التعطيل والتشبيه، وهذا يدل على ما في مثل عبارة الأشاعرة – حين يقولون: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وخاصة إذا أبانوا عن مقصودهم بها وأنه إنكار علو الله واستوائه وتأويل بقية صفاته عدا الصفات السبع التي أثبتوها – من الإجمال والإيهام والضلال.١١ - وأئمة الأشاعرة أقروا بأن إطلاق مثل هذه العبارات غير دقيق، وأن القول بنفي التشبيه مطلقا يؤدي إلى إنكار صفات الله تعالى، يقول الجويني في نفي أن الله يشبه الحوادث أو يشبهه شيء منها: "والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلطت طائفة في النفي فعطلت، وغلت طائفة في الإثبات فشبهت، فأما الغلاة في النفي فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه، وقالوا عن هذا: القديم سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال: ليس بمعدوم، وكذلك لا يوصف بأنه قادر، عالم، حي، بل يقال: ليس بعاجز، ولا جاهل، ولا ميت، قال: وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية، فأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث" (١)، ثم قال الجويني: "فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه: أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود، والعرضية، واللونية، ثم هما مختلفان، وكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات، ويقال لهم: أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه؟، فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت" (٢).فالجويني مع أنه يقول بتماثل الأجسام، وأن الاختلاف إنما هو في الأعراض، ومع ما في القول بتماثل الأجسام وأن الثلج مماثل للنار من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، من مخالفة الحس والعقل (٣)، إلا أن قوله بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، ورده على الغلاة الذين قالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه: "تصريح بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا: إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟ ... " (٤).

стр. 268

فالجويني هنا يرد على نفسه وعلى إخوانه الأشاعرة الذين قالوا: إن القول بإثبات علو الله واستوائه على العرش يقتضي أن يكون جسما والأجسام متماثلة. ومن ثم فسروا التوحيد بنفي التشبيه عن الله وفسروه بتلك التفسيرات الباطلة، فهم بين أمرين، إما أن يقولوا بأن إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة لله تعالى يقتضي تشبيها مثل العلو واليدين، أو يقولوا بأن إثبات العلو والاستواء واليدين والوجه لله لا يقتضي تشبيها مثل السمع والبصر والحياة. ويقول الرازي عن هذا الموضوع: "فإن قيل المشاركة في صفات الكمال يقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الإلهية. قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، وقال – ﷺ ((تخلقوا بأخلاق الله)) (١) (٢)، قال شيخ الإسلام معلقا على هذا الكلام: "ومن المعلوم أن المشابهة هي المشاركة في صفات الكمال – التي هي العلم والقدرة – أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه" (٣).ثم ينقل شيخ الإسلام عن الرازي أنه قال في نهاية العقول، في مسألة تكفير المخالفين من أهل القبلة في حجة من كفر المشبهة، قال: "ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر ثم (إن) المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي يذهب إلى كون الله مشبها بخلقه من كل الوجوه، أو ليس (كذلك). والأول باطل؛ لأن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك (٤)، ولا يجوز أن يجمعوا على تكفير من لا وجود له، بل المشبه الذي يثبت الإله على صفة بشر بها معها بخلقه (٥)، والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسما (بحيز) معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالإجماع، فالمجسم كافر" (٦)، ثم قال الرازي في الجواب عن ذلك لأنه – أي الرازي – نصر عدم تكفير أهل القبلة: "قوله: المجسم مشبه، والمشبه كافر، قلنا: إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلا بكون الله تشبهيا بخلقه من كل الوجوه، فلا شك في كفره، لكن المجسمة لا يقولون بذلك، فلا يلزم قولهم بالتجسيم قولهم بذلك، ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام، ولا يلزمنا اعترافنا باشتراكهما في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر والنمل والبق، وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أنه موجود وشيء وعالم وقادر، والحيوانات أيضا كذلك، وذلك لا يوجب الكفر، وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان، فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول بذلك، بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه" (٧).قال شيخ الإسلام معلقا على كلام الرازي السابق بعد نقله: "وهذا تصريح منه بأن القول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه داخل في قول كل المسلمين، ولا ريب أن كل موجودين فلابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى به من الآخر، وإلا فإذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلا ولا يشتركان فيه لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" (٨). فهؤلاء أئمة الأشاعرة يعترفون بهذه الحقيقة البدهية، والعجب أنهم ينسون ذلك حين يتعرضون لبعض مسلماتهم الأخرى – كنفي العلو، أو بعض الصفات – فيصمون من يقول بها ويثبتها بالتشبيه والتجسيم، ويجعلون مذهبهم النافي لها هو التوحيد!. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ٩٤٦

стр. 269

المبحث الثاني: عدم وضوح المنهج الأشعري في توحيد الألوهية وأسباب ذلك أن منهج الأشاعرة في توحيد الألوهية غير واضح المعالم وذلك لأسباب خمسة وهي: السبب الأول: تعريف كلمة (إله) عند الأشعرية: فإنه قد عرف كثير من الأشعرية كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الألهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري" (١)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق! وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يسمي قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣]: قال موسى في الجواب: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشعراء: ٢٤] فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال" (٢). والجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن فرعون كان متظاهراً بإنكار وجود رب العالمين – بل كان يدعي أنه رب العالمين بقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢] وقال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف: ٥٤] وقال: فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: ٣٧]، ولذلك كان سؤاله بقوله: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ سؤالاً عن وصف الرب تعالى وليس سؤالاً عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، - وهو لا يقر بالله متظاهراً – فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته (٣)، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوه، وكذلك هنا (٤). ولذلك فإن فرعون لم يكن قد سأل عن حقيقة الإلهية إنما سأل عن وصف الرب الذي يتظاهر بإنكاره. ويوضح هذا آية أخرى وهي: قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه: ٤٩]، ومعلوم أن "مَنْ" لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، وقد دلت الأدلة على ذلك. الوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] أي تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نقل ذلك عن جمع من المفسرين (٥).فلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء. وإنما كان شركهم في الألوهية (٦).الوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة (٧). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٥٤

стр. 270

وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو المصدر: الرسالة التدمرية - مجمل اعتقاد السلف لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية - ص١٠٨ التوحيد عند المتكلمين: يقولون: إن معنى إله: آله، والآله: القادر على الاختراع؛ فيكون معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع إلا الله والتوحيد عندهم: أن توحد الله، فتقول: هو واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي ﷺ دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشاً تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيراً من فهم هؤلاء المتكلمين والمنتسبين للإسلام؛ فالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، ويجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكاراً حقيقياً، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم، فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء ويعبد هواه، حتى جعل النبي ﷺ الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما عابداً، وقال الله أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣] المصدر: القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٠ ما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلا الثاني: على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الحق فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرا على الاختراع ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حق وإن سمي إلها وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام فإن هذا لا يقوله أحد لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية المصدر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبدالله آل الشيخ - ص٦٠ وهذا التفسير الذي ذكره أولئك الأشعرية له مفاسد كثيرة، منها أن هذا التفسير يصير توحيد الربوبية هو أول الواجبات، مما يؤدي إلى عدم الاعتناء بتوحيد الألوهية اعتناءاً جيداً، بل يؤدي إلى عدم معرفته حق المعرفة، إذ يتصور كثير من عوامهم بل من نسب إلى العلم من المتأخرين منهم أن شرك المتقدمين كان لاعتقادهم بعض صفات الربوبية في الأصنام والأوثان، فغفل كثير منهم عن حقيقة الشرك وبعض مظاهره، فوقعوا في الشرك بالله من الاستغاثة بغير الله والذبح لغيره وغير ذلك. أما على قولهم الثاني وهو أن اسم الله غير مشتق فإنه يزيد المسألة غموضاً أكثر وعدم وضوح للمنهج

стр. 271

السبب الثاني: من الأسباب الداعية إلى القول بأن توحيد الألوهية غير واضح في المنهج الأشعري، هو أن كتبهم المصنفة في العقائد – على كثرتها – لم تفرد هذا الموضوع بالبحث، وهذا إن عذر فيه المتقدمون فلا يعذر المتأخرون في تركه إذ الحاجة إلى البيان فيه والتحذير مما يضاده قائمة. والحقيقة غير المرضية هي أن كثيراً ممن يقع في الشرك بل ومن يبرر للعوام فعلهم الشركي معدود في علماء الأشعرية – كما سيأتي بيانه إن شاء الله السبب الثالث: ومما يؤكد عدم وضوح هذا المنهج: أنهم قد يردون على أهل الملل ردوداً قاصرة عن بيان الحقيقة وإبرازها وإبطال الباطل في بعض المسائل، فمن ذلك ردهم على الصابئة المشركين الذين يعبدون الروحانيات الطاهرة لتقربهم إلى الله – بزعمهم – إذ هم لا يمكنهم التقرب إلى الله لكثرة ذنوبهم وعيوبهم، وهم كذلك لا يقرون بوجود واسطة بين الخالق والخلق لتبليغ الرسالة وهم الرسل (١).فأقام الشهرستاني مناظرة بينهم وبين الحنفاء أتباع الرسل ليثبت أن اتخاذ الأنبياء واسطة أولى من اتخاذ تلك الروحانيات العلوية واسطة! (٢) وهذه المحاولة خطأ كبير، إذ تبين مدى عدم معرفة ما بعث الله به رسوله من التوحيد والتحذير من الشرك وذلك: أن الحنفاء لم يتخذوا الرسل وسائط في الخلق والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وسماع الدعاء وإجابة الداعي، فهم إنما يثبتون هذه الأمور لله ويعبدونه ولا يعبدون أحداًَ سواه، بخلاف الصابئة الذين يعبدون تلك الروحانيات العليا لتقربهم إلى الله، وفرق بين من يزعم أنه يتوصل إلى الحق دون حاجة للرسل ثم يعبد غير الله، وبين من يأخذ الحق عن طريق الرسل الذين هم واسطة بين الله تعالى وخلقه في تبليغ الرسالة، ثم يقوم لله بالعبادة ويفرده بها. السبب الرابع: ومن الأسباب الداعية إلى القول بأن المنهج الأشعري غير واضح في توحيد الألوهية هو زعمهم أن أول واجب على المكلف: المعرفة، أو النظر، أو القصد إلى النظر المؤدي إلى إثبات وجود الله تعالى، ومن ثم إثبات وحدانيته في الذات والأفعال. وهذا أطبق عليه المتقدمون والمتأخرون منهم، فلذلك اشتغلوا بتحقيق ما زعموه أول واجب على المكلف برد الشبهات والشكوك وتفنيدها وإيراد الاعتراضات ودفعها بطرق منطقية صعبة، لذلك لا يجد الباحث لهم تصنيفاً مستقلاً يوضح منهجهم في هذا التوحيد. وهذا لا يعني الطعن فيهم كلهم – وإنما هم على مراتب: المرتبة الأولى: وهم المتقدمون، فإنه لا يمكن أن يقال عنهم إنهم خالفوا في توحيد الألوهية. والأدلة على هذا الأمر إجمالاً هي: ١ - لم ينقل عن الأئمة الأعلام من أهل السنة الرد على الأشاعرة في مسائل توحيد الألوهية، مما يدل على عدم وجود مخالفة منهم، إذ لو وجدت لما تأخر الأئمة في الرد عليهم. ٢ - وجود تعريفات لبعض علماء الأشاعرة للتوحيد تفيد دخول توحيد الألوهية فيه صراحة. ٣ - إيراد الأئمة لمقدمات يسلم بها المخالف خاصة في مسألة كلام الله أنه غير مخلوق، حيث وردت الاستعاذة بكلمات الله – ومعلوم أنه لا يستعاذ بمخلوق – فلا شك أن الأشاعرة يسلمون بهذه الطريقة كما هو ظاهر من صنيع البيهقي. ٤ - تنصيص بعض علماء الأشاعرة على أنواع من العبادات كالدعاء والرجاء والخوف والخشية، وبينوا أنها لا تكون إلا لله. وتنصيص بعضهم على صور اتخاذ المشركين للأصنام شفعاء، مما يدل على فهمهم للشرك في الألوهية. ٥ - إنكار بعض علماء الأشاعرة ما وقع فيه الناس في أزمنتهم من التعلق بالخلق والتبرك بالحيطان والأعمدة وتعظيم قبور الأكابر وبيانهم أن ذلك من الشرك.

стр. 272

المرتبة الثانية: وهم الذين أثر عنهم الوقوف في بعض مظاهر الشرك. وهؤلاء وإن لم ينص الرازي على أعيانهم في عصره، إلا أنه في عصر السبكي والهيتمي يمكن نسبة هذا الأمر إلى الأشاعرة، حيث إنهما دافعا عن بعض الشرك ووسائله التي وقع فيها العوام ويظهر هذا الأمر بجلاء ووضح في عصر دحلان وقبله بقليل إلى يومنا هذا حيث الشرك الصريح والله المستعان. المرتبة الثالثة: وهم الذين لم يؤثر عنهم الوقوع في ذلك لكن مع بقاء نسبتهم إلى التصوف – فهؤلاء يؤخذ عليهم سكونهم عن بيان الحق لأتباعهم وانتسابهم إلى التصوف. وينبغي أن يعلم أن أهل المرتبة الأولى يؤخذ عليهم كذلك طريقة استدلالهم بالآيات الواردة لتقرير الألوهية على أنها للربوبية ... وتفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع من جهة أنه مخالف للحق، ولما يخشى أن يكون فعلهم هذا سبباً في جهل كثير من المتأخرين لحقيقة توحيد الألوهية ووقوعهم فيما يناقضه. السبب الخامس: ومن الأسباب الداعية إلى القول بعدم وضوح المنهج الأشعري في توحيد الألوهية: حملهم الآيات الواردة في توحيد الألوهية على أنها في توحيد الربوبية، ويتضح هذا الخطأ بالآتي: ١ - إن الذين نزلت فيهم الآيات ما كانوا ينكرون ربوبية الله – كما تقدم. ٢ - قد صرح أهل العلم بأن الآيات نزلت فيمن كانوا يعبدون غير الله، وسيأتي ذكر قول الرازي – إن شاء الله- في أن الذاهبين إلى عبادة غير الله كثرة وأنه لا يعرف من قال بوجود خالقين متساويين للعالم. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٥٤

стр. 273

المبحث الثالث: اعتراضات المتأخرين من الأشاعرة على إدخال توحيد الألوهية ضمن أنواع التوحيد اعترض المتأخرون من الأشاعرة على تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وسبب هذا الاعتراض يرجع إلى الأشاعرة ألفوا القول بأن أول واجب على المكلف هو توحيد الربوبية، ثم إنهم رتبوا على هذا القول أمراً وهو: أنه لا يتصور وقوع الشرك إلا إذا اعتقد الإنسان ربوبية غير الله تعالى، كما سيأتي في عرض شبههم إجمالاً – إن شاء الله. وقد اعترض كثير منهم في كتبهم على هذا التقسيم، وسأكتفي بنقل عبارات أحدهم مع الرد عليها – إن شاء الله – فمن هؤلاء: أحمد زيني دحلان ويمكن تقسيم ما أورده من شبهات إلى أربعة أنواع، فإنه قد قال: "وأما جعلهم التوحيد نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فباطل أيضاً" (١) ثم ساق شبهه. الشبهة الأولى: قال: "فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢] ولم يقل: ألست بإلهكم!، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية" (٢).

стр. 274

الجواب، والرد عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول (١): إن هذه الآية غاية ما تفيده أنه عند إفراد الربوبية تدخل فيها الألوهية، باعتبار أن الاسم يدل على المعنى إما مطابقة أو تضمناً أو التزاماً (٢)، فيلزم من كونه رباً أن يكون إلهاً معبوداً مطاعاً، فالدلالة لزومية هنا، ولهذا كان يحتج الله على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليثبتوا توحيد الألوهية، ولذلك فهذه الآية لا تفيد حصر التوحيد في الربوبية، وإذا سُلم أنها دالة على توحيد الربوبية فقط فإنها لا تنفي غيره، وقد وردت أدلة أخرى دالة على الألوهية فيجب الأخذ بها، كقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٣] فتضمنت الآيتان توحيدي الألوهية والربوبية أما الألوهية ففي جانبي الإثبات والنفي المذكورين وهما: اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ وفَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً، وأما الربوبية ففي تقرير الله تعالى أنه خالقهم وخالق كل الناس، والمنعم عليهم بأنواع النعم – ثم قررهم بقوله: وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ أي وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم غير الله تعالى فكيف تشركون به في العبادة؟! (٣).ومن الآيات الدالة كذلك على نوعي التوحيد: قول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] قال مجاهد في تفسير الآية "إيمانهم: قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره" (٤) – وقال قتادة: "إنك لست تلقى أحداً إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته (٥). وقال ابن زيد: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به. ألا ترى كيف قال إبراهيم ﵇: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٥، ٧٦، ٧٧]، وقد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون، قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به. ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا" اهـ (٦).الوجه الثاني: إن الآية وهي قوله: أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ يحتمل أن تكون كنظائرها التي تقدمت في إلزام الله تعالى للناس باعترافهم بالربوبية ليفردوه بالعبادة – ولذلك قال الشيخ محمد بشير السهسواني: "إن الإقرار بتوحيد الربوبية مع لحاظ قضية بدهية، وهي: أن غير الرب لا يستحق العبادة يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار ... على وحدانية الألوهية" (٧).الوجه الثالث: (٨)

стр. 275

أن يكون المراد بالرب في الآية: المعبود – كما في قول الله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة: ٣١]، ومن المعلوم أن أهل الكتابين ما كانوا يقولون إن أحبارهم ورهبانهم يخلقون ويرزقون ونحو ذلك، ولذلك نبه الله عليهم في آخر الآية نفسها بالذي أمرهم به وهو: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:٣١]. نعم إن الشرك في الألوهية الذي وقعوا فيه باتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك متضمن للشرك في بعض مسائل الربوبية – لا أصل الربوبية كله – وذلك كالطاعة المطلقة للأحبار والرهبان التي هي شرك في التشريع كما قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] ولذلك فالآية دالة على نوعي التوحيد بالمفهوم لا على نوع واحد فضلاً عن حصره فيه. الوجه الرابع: قال الشيخ السهسواني: "الاحتمال الثاني: أن في الآية اختصاراً والمقصود: ألست بربكم وإلهكم، يدل عليه أثر ابن عباس ﵄: "إن الله لما مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالأرزاق" (١) وفي أثر أبي بن كعب ﵁ – (فذكره وفي آخره): "اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئاً، فإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يؤمئذ بالطاعة"." (٢) اهـ. وإذا كان كذلك فإنه لا يفهم أن الآية دالة على الربوبية فقط وأنه يكتفي بالتوحيد فيها فقط. كيف والأدلة دالة على أن الإقرار بالربوبية فقط لا يكفي وإنما لابد من الإقرار بتوحيد الألوهية مع توحيد الربوبية. الشبهة الثانية: قال أحمد دحلان: "ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله، بل هو الإله بعينه، وفي الحديث: إن الملكين يسألان العبد في قبره فيقولان له من ربك؟ ولم يقولا له: من إلهك؟ فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية" (٣). الجواب: كلامه غير مستقيم في قوله: "من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية" إذ يناقض ما حكاه الله عن المشركين بقوله: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] فهم قد أقروا بنص القرآن لله بأنه ربهم ثم أشركوا به في ألوهيته. وقد تقدم ذكر قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] ونقل أقوال الأئمة الذي يفيد أن المشركين كانوا يقرون لله تعالى بالربوبية ويشركون به في الألوهية أي العبادة. فلو قال دحلان: من أقر لله بالربوبية يلزمه أن يقر له بالألوهية، لاستقام كلامه، ولكن كلامه لا يصدق إلا على المؤمنين فلا يعتبر قضية عامة، إذ الواقع بخلافها. ثم إن قوله "ليس الرب غير الإله بل هو الإله بعينه" فكلام صحيح في واقع الأمر وفي اعتقاد الموحدين، ولكن فيه تلبيس، ولكشفه فإنه لابد من بيان ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن الإله هو الرب نفسه في واقع الأمر – فهذه القضية صحيحة لا شك فيها.

стр. 276

الحالة الثانية: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد الموحدين المؤمنين كما عليه في نفس الأمر – وهذه قضية صحيحة لا شك فيها أيضاً. الحالة الثالثة: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد المشركين، وهذا هو محل النزاع، فإن الإله الحق في نفس الأمر واعتقاد الموحدين هو الرب نفسه، إلا أن المشركين كانوا يتخذون غير الله آلهة مع اعترافهم بأن الله هو الرب الخالق المالك المدبر، فلذلك لا يصح كلام دحلان ولا ينطبق على هذه الحالة، وبه يتبين وجه تلبيسه، ثم إن كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام ممن وقع في الشرك يقر لله تعالى بالربوبية والألوهية، ولكنه يأتي بما يخالف إقراره فيقع في بعض أنواع الشرك ويسميها بغير اسمها، وهذا لا يغير من الحقيقة شيئاً كالذي يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها (١). وأما احتجاجه بحديث سؤال الملكين: "من ربك؟ " وقوله بعده: "فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية"، فجوابه كما تقدم أن الرب المقصود به الإله، ويقويه رواية البخاري: "إذا أقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ "من ربك"، إذ المقصود توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية لا توحيد الربوبية فقط. ويقويه كذلك أنه قد علم بأدلة قطعية أنه ليس كل من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية – إذ قد خالف في هذا المشركون بالله غيره في العبادة. الشبهة الثالثة: قال دحلان بعد كلام مليء بالتهم الباطلة: "وهل للكافر توحيد صحيح؟ فإنه لو كان للكافر توحيد صحيح لأخرجه من النار، إذ لا يبقى فيها موحد" (٢) الجواب: ما قال أحد من أهل السنة إن من أشرك في الألوهية وأقر لله بالربوبية يكون وتوحيده صحيحاً ويوجب له دخول الجنة، كيف وقد قال الله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢] فالآية فيها الإطلاق، أي من يشرك بالله شركاً أكبر في الألوهية أو الربوبية يدخل النار. وأما أن يفهم دحلان أن من أقر لله تعالى بالربوبية يكون توحيده صحيحاً فهذا إنما يلزمه هو بناءً على أصله من أن توحيد الربوبية هو الغاية العظمى، وهي التي بالغ فيها سلفه الأشاعرة في تحقيقها (٣)، ولذلك ظن دحلان أن من أقر لله بالربوبية يكون له توحيد صحيح، وأما أهل السنة فلا يقولون بهذا القول، ومستندهم في ذلك قول الله تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] فسماهم الله تعالى مشركين وإن كانوا قد آمنوا بأنه ربهم وخالقهم! الشبهة الرابعة: قال دحلان: "فهل سمع المسلمون في الأحاديث والسير أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب ليسلموا على يده يفصل لهم توحيد الربوبية والألوهية ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم في دين الإسلام أو يكتفي منهم بمجرد الشهادتين وظاهر اللفظ ويحكم بإسلامهم؟، فما هذا الافتراء والزور على الله ورسوله، فإن من وحد الرب فقد وحد الإله، ومن أشرك بالرب أشرك بالله، فليس للمسلمين إله غير الرب، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، إنما يعتقدون أنه هو ربهم فينفون الإلهية عن غيره كما ينفون الربوبية عن غيره أيضاً، ويثبتون له الوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله" (٤). الجواب من وجهين:

стр. 277

الوجه الأول: يقال له من باب المعارضة، وهل قال رسول الله ﷺ : إن الوحدانية تكون في الذات والصفات والأفعال، كما نص الأشاعرة على أن هذه هي أنواع التوحيد، وكما نص دحلان نفسه عليها في كلمته المنقولة سابقاً؟! الوجه الثاني: إن دعواه – كما يفهم من سؤاله الإنكاري – أن الرسول ﷺ ما كان يفصل لأجلاف العرب نوعي التوحيد – لا تخلو من أحد احتمالين:- الاحتمال الأول: إما أن يريد أن الرسول ﷺ ما بين لهم معنى التوحيد، فهذا باطل، يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام. ويمكن أن يعلم بيان الرسول ﷺ للتوحيد، بنهيه عن الشرك وتحذيره منه وبيان خطره وقبحه، وبإقامة الأدلة والحجج على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة بأنواع من الأدلة، كبيان ربوبية الله تعالى وإنعامه وتقرير المشركين بذلك، وبيان ضعف وعجز من يعبد من دون الله ... إلخ وبيانه وسائل الشرك وذرائعه ونهيه وتحذيره منها فكيف بعد هذا كله يقال إن الرسول ﷺ ما بين نوعي التوحيد معنى؟!. الاحتمال الثاني: أو يريد أن الرسول ﷺ ما نص لفظاً أن التوحيد ينقسم إلى الربوبية والألوهية. فهذا أحق، ولكن لا يلزم منه ألا يكون قد بين معنى التوحيد، وإذا كان اعتراضه مجرد اعتراض على تقسيم التوحيد فيعترض كذلك على الأشاعرة في تفسيمهم القاصر للتوحيد إلى وحدانية في الذات والصفات والأفعال! كيف والأدلة دالة على شمول تقسيم أهل السنة للتوحيد. وبهذا يعلم أنه ما افترى أهل السنة على الله ورسوله كذباً في تقسيمهم للتوحيد، وأما دعوه أنه يكفينا ظاهر التلفظ بالشهادتين للحكم بإسلام الشخص، فكلام صحيح، ولكن ماذا يقال: لو قالها وأتى بما يناقضها أفلا يبين له ذلك! فهذا أمر لاخفاء فيه، كيف وقد قال الرسول ﷺ لبعض حدثاء الإسلام عندما طلبوا شجرة ليعلقوا فيها أسلحتهم – ذات أنواط – قال لهم: "الله أكبر، إنها السنن، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]. ولذلك فقوله: "ليس للمسلمين إله غير الرب ... " فكلام صحيح، ولكن المشكلة هي وقوعهم في بعض أنواع الشرك – وإن سموها بغير اسمها، إذ تغيير الأسماء لا يغير من الحقائق الشرعية شيئاً – فقيامهم ببعض التعبد لغير الله يعد تأليهاً لغير الله. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٧٤

стр. 278

المبحث الرابع: الشبهات الرئيسة للمتأخرين من الأشاعرة في بعض مظاهر الشرك ويمكن تقسيمها إلى شبهتين رئيستين: الشبهة الأولى: محاولة تغيير بعض الحقائق الشرعية، وهذه تظهر في أمرين: الأول: تسميتهم الاستغاثة بغير الله توسلاً به! الثاني: تفسيرهم للآيات الواردة بالدعاء في القرآن بالعبادة لا الطلب، وفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة. الأمر الأول: مما فيه قلب الحقائق الشرعية: قال دحلان: "فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد" (١) - ونقل عن ابن حجر الهيتمي قوله: "ولا فرق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل أو التشفع أو الاستغاثة أو التوجه!. (٢) " اهـ. الجواب: لا شك في وجود فرق بين التوسل والاستغاثة لغة وشرعاً - فالتوسل من الوسيلة، وهي تتضمن: التوصل، والرغبة، والقربة (٣). وهي في الشرع لابد من تقييدها بالكتاب والسنة - شأن كل الحقائق الشرعية - وفي مسألتنا هذه: وهي التوسل إلى الله بالأشخاص: يجب أن يكون وفق الشرع، وهو أن يتوسل إلى الله تعالى بدعاء الشخص فيكون شفيعاً له في مسألته، ويدل له حديث الأعمى الذي جاء إلى الرسول ﷺ فقال: ((يا رسول الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال لا: بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى، اللهم فشفعني فيه وشفعه فيَّ)) (٤).وهو ظاهر في الدعاء لأمور: (٥) ١ - إنه لو لم يكن توسلاً بالدعاء لما احتاج الرجل أن يأتيه ويطلب منه الدعاء، بل كان يمكنه أن يفعل ذلك دون أن يأتيه. ٢ - إن الحديث من أوله إلى آخره في الدعاء، فالرجل جاء طالباً الدعاء وخيره الرسول ﷺ بين الصبر وبين أن يدعو له فاختار الدعاء، والراوي وإن اختصر الحديث فلم يذكر دعوة النبي ﷺ له إلا أنه هو المفهوم من الحديث لأمرين: الأول: وعده ﷺ بالدعاء له إن اختاره وهو أوفى الناس بوعده. الثاني: آخر الحديث وفيه: ((اللهم فشفعني فيه وشفعه فيَّ)) فقوله: ((فشفعه فيَّ)) أي بدعائه ﷺ لي، وقوله: ((فشفعني فيه)) أي: أسألك اللهم أن تستجيب دعوة النبي ﷺ لي، فهذا هو وجه كونه شفيعاً له. وهذا يوضح التقدير في الحديث: ((أتوجه إليك بنبيك)) أي: بدعائه، وكذا قوله: ((أتوجه بك)) أي بدعائك.٣ - عدول الصحابة عن التوسل بالرسول ﷺ بعد وفاته إلى التوسل بالعباس ﵁ كما قال عمر ﵁ ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا)) (٦)

стр. 279

, فلو كان التوسل بالمكانة أو الجاه مشروعاً لما عدلوا عن التوسل به ﷺ ومن ادعى جواز التوسل بذاته رده سياق الحديث، وعلى فرض صحة دعواه فإن ذلك لا يمكن إثباته حال الغيبة أو الموت للفرق الواضح بينهما - على فرض مشروعيته - وبين الاستغاثة بذلك الشخص. يوضحه: أن الاستغاثة هي طلب الغوث (١)، فالمستغيث طالب للغوث من المستغاث به، والاستغاثة تكون على ضربين: (١) أن يكون المستغاث منه ممكناً للخلق أن يغيثوا منه. (٢) أن لا يكون ذلك في قدرة أحد إلا الله تعالى. فالأول: واضح لا إشكال فيه ولا خلاف في جوازه. وأما الثاني فإنّ الإنسان إذا استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يكون قد أشرك بالله تعالى، إذ إجابة المضطرين على هذا النحو من خصائص ربوبية الله تعالى كما قال: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل: ٦٢]، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٤ - ٥]، وقال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤].فقد حكم الله بضلال من يدعو من لا يستجيب له، ثم بين أن له الملك وحده، وأن غيره لا يملك شيئاً فوجب إذاً أن يدعى الله وحده، ثم حكم أن المدعوين من دونه لا يسمعون إما لموتهم أو نحو ذلك، ولو سمعوا ما استجابوا وقد سمى الله ذلك شركاً (٢).فعلى هذا تكون الاستغاثة المنفية عن غير الله نوعين (٣): الأولى: الاستغاثة بالميت مطلقاً في كل شيء. والثانية: الاستغاثة بالمخلوق الحي فيما لا يقدر عليه إلا الخالق. ومما تقدم يعرف الفرق بين التوسل بدعاء الشخص وبين الاستغاثة به، فالمستغاث به مطلوب مدعو، وأما المتوسل به فهو غير مطلوب ولا مدعو، وإنما يطلب به، والمستغيث كذلك طالب من المستغاث به، بخلاف توسله بالشخص فإنه طالب به لا منه، وإنما يطلب من الله تعالى وحده ويفرده بالدعاء والمسألة في أن يقبل شفاعة المتوسل به (٤). الأمر الثاني: مما فيه قلب الحقائق: فإنهم ذكروا أن الدعاء الوارد في الآيات إنما هو عبادة لا طلب ومسألة، وفرق بين العبادة والمسألة (٥) ومقصودهم من هذا التفريق: أن دعاء المسألة لا شرك فيه، ولو كان السائل ينادي ميتاً أو غائباً أو جماداً، إذ الدعاء - الذي هو الطلب - ليس من العبادة! والجواب من وجهين: الوجه الأول: لا شك أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة - والإضافة هنا بيانية أي الدعاء الذي هو عبادة، والدعاء الذي هو السؤال والطلب، والفرق بينهما هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ...

стр. 280

دعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد، ودعاء المسألة يكون (الله هو) المراد منه، كما في قول المصلي: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة، (فإرادة العبادة): إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة: إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدم قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وإن كانت لا تحصل إلا بالاستعانة، فإن العلة الغائية مقدمة في التصور والقصد، وإن كانت مؤخرة في الوجود والحصول، وهذا إنما يكون لكونه هو المحبوب لذاته" (١). ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، وذلك يتضح بالآتي: وهو أن دعاء المسألة: طلب الداعي ما ينفعه، وطلبه كشف ما يضره أو دفعه عنه قبل وقوعه، والضر والنفع مالكهما هو الله سبحانه، ومالك الضر والنفع هو المعبود لا غيره، ولهذا عاب الله تعالى من يعبد ما لا يملك ضراً ولا نفعاً وبهذا يظهر أن العابد لابد أن يكون راجياً من معبوده نفعاً وطالباً منه كشف الضر أو دفعه ويفزع إليه في ذلك - وهذا من تمام عبوديته - فإذاً إن عبوديته لله تستلزم أن يسأل الله تعالى ويدعوه، وفي سؤاله لله تعالى قد جمع أنواعاً من العبادة: منها: إسلام الوجه له تعالى ورغبته إليه والاعتماد عليه والخضوع والتذلل له وحده، لهذا كان دعاء المسألة متضمناً لدعاء العبادة (٢). وعليه بطل قولهم في أن دعاء المسألة ليس بعبادة. الوجه الثاني: هذا الذي ذكروه من أن الدعاء ليس بعبادة قول مخالف لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ ولقول الأئمة ولقول المتقدمين من الأشاعرة ومنهم الرازي الذي صرح بأن الدعاء هو أعظم العبادات. ثم إن الله نص على أن دعوة المشركين لشركائهم دعاء مسألة من الشرك به، وذلك بعد بيانه أنه مالك كل شيء وأن من دونه لا يملكون شيئاً فقال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر ١٣ - ١٤]- قول: لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ صريح في أن الدعاء كان دعاء مسألة، ثم وصفه بكونه شركاً بقوله: يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وهذا رد على زعم من يقول إن دعاء المسألة ليس بعبادة (٣). الشبهة الثانية: دعوهم أن الإنسان إذا دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يكون مشركاً إلا إذا اعتقد أن لغير الله تأثيراً أو اعتقد الألوهية لغير الله. فمن أقوالهم في هذه المسألة: "فالذي يقدح في التوحيد هو اعتقاد التأثير لغير الله أو اعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله، وأما مجرد النداء من غير اعتقاد شيء من ذلك فلا ضرر فيه" (٤). والجواب: هذه الشبهة تدور حول مسألتين: الأولى: أن ذلك الدعاء لا يكون شركاً إلا إذا صاحبه اعتقاد التأثير لغير الله. الثانية: أو إذا صاحبه اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله.

стр. 281

أما الأولى: فالجواب عليها من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن من لجأ إلى غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله أنه لم يعتقد فيه التأثير - وإلا فما الذي ألجأه إلى أن يستغيث به ويدعوه؟ وقد تقدمت أدلة وافية تفيد أن من أسباب الشرك: الغلو في الصالحين - وإساءة الظن برب العالمين، (١) فبمجموع الأمرين يقع الشرك فالذي دعا غير الله تعالى رائده في ذلك: اعتقاده في مدعوه التأثير وظنه أن الله لا يستجيب له لكثرة ذنوبه ومعاصيه. وخير من قول دحلان قول الشيخ محمد عبده: "فالإشراك اعتقاد أن لغير الله أثراً فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وأن لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى الله مستعيناً به فيما لا يقدر العبد عليه كلاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله إليها، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا، هذا هو الشرك الذي كان عليه الوثنيون ومن ماثلهم، فجاءت الشريعة الإسلامية بمحوه ورد الأمر فيما فوق القدرة البشرية والأسباب الكونية إلى الله وحده" (٢)، فهذا إثبات واضح للتلازم الذي ذكرناه. الوجه الثاني: إنه لو سلم - جدلاً - أن المستغيث بغير الله تعالى قصده أن يتخذ مدعوه واسطة بينه وبين الله دون أن يعتقد تأثيره - فهذا باطل أيضاً، إذ هذا هو قصد المشركين الأوائل الذين أقروا لله تعالى بالوحدانية في الربوبية واتخذوا وسطاء بينهم وبين الله تعالى (٣) كما قال الله عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]. وقال: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨].وقد تقدم قول الرازي في صور اتخاذ الشفعاء عند الله، وإنكاره ما رآه من أهل زمانه من تعظيم قبور الأكابر، وعده له نظير ما فعل عباد الأصنام، ويضاف إليه كذلك قول التفتازاني - فإنه بعدما ذكر التوحيد بدأ يعدد أصناف المشركين الذين يعتقدون وجود تأثير للكواكب ونحوها - فذكر منهم عباد الأصنام وأن عبادها لا يعتقدون فيها كونها مؤثرة مدبرة فقال: "وأما الأصنام فلا خفاء في أن العاقل لا يعتقد فيها شيئاً من ذلك - (قال) فلهم في ذلك تأويلات باطلة" فذكر خمسة تأويلات، فقال عن التأويل الخامس: "الخامس: أنه لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً" (٤). وأما المسألة الثانية من الشبهة وهي: أن الإنسان يعتبر مشركاً كذلك إذا اعتقد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله. فالجواب: قد تقدم معنى الألوهية، ومعنى العبادة - وبه يظهر أن من صرف شيئاً منها لغير الله يعتبر مشركاً. ومن كلامهم يظهر مدى تقصيرهم في معرفة العبادة - فهم لا يعدون الدعاء من العبادة، وهذا قد وقع فيه المتأخرون، وإلا فقد تقدم النقل عن بعض كبار الأشاعرة في أن الدعاء هو أعظم أنواع العبادة. وعليه فإنه يقال: إن من دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله يكون قد اعتقد الألوهية لغير الله تعالى فعلاً وإن لم يسمها بذلك لفظاً. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف - ١/ ١٨٥

стр. 282

المبحث الخامس: الدليل المعتمد في إثبات استحقاق الله تعالى للعبودية دون ما سواه يرى الأشاعرة أن الدليل المعتمد في هذه المسألة هو الدليل النقلي فقط، بمعنى أن العقل لا يعلم به حسن توحيد العبادة، ومن أقوالهم في ذلك: قال التفتازاني بعد حكاية مقالات المشركين ومذاهبهم: "وبالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت: عقلاً وشرعاً، وفي استحقاق العبادة: شرعاً وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ." اهـ (١). ويعني بنفي الشركة في الألوهية عدم وجود رب آخر، أي أن صانع العالم واحد، كما هو معروف في مباحثهم – وهو الظاهر من صنيعه إذ أورد قوله هذا بعد مبحث إثبات أن صانع العالم واحد. أما توحيد العبادة فلا يثبت إلا بالنص كما قال: "وبالجملة فنفي الشركة .... ثابت ... في استحقاق العبادة: شرعاً". ومقصوده نفي تحسين العقل له. ويرجع السبب في اختيار الأشاعرة لهذه الطريقة في إثبات استحقاق الله للعبادة ونفي الشرك عنه فيها لأمرين: الأول: أن العقل ليس له مدخل في التحسين والتقبيح. الثاني: وهو أن العذاب على مخالفة التوحيد في العبادة لا يثبت إلا بعد إقامة الحجة الرسالية. والجواب: ١ - إن للعقل مدخلاً في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك – وذلك للأدلة التي تقدمت في تقرير الله تعالى للمشركين بإثباتهم الربوبية ليثبتوا له الألوهية، فلو لم يكن ذلك يعلم بالعقل لما قررهم، ولاكتفى بأمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك. ٢ - وأما مسألة ترتب العقاب والعذاب على ترك التوحيد فهذا حقاً لا يثبت إلا بعد قيام الحجة الرسالية لعموم قوله الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] – وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما أغنى عن الإطالة فيها في هذا الموضوع. وقد يفهم من صنيع التفتازاني بإيراده الآية: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:٣١]. أن الدليل منحصر في الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك دون أن يكون للعقل مدخل في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك. وجوابه: إن الآية لا تدل على ذلك بأي نوع من أنواع الدلالات، كيف وقد قام الدليل على خلافه، فمن ذلك قول الله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨]. فالمثل المضروب قياس عقلي – وهو قياس الأولى – ثم ختمه بقوله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فهذا يؤكد أن للعقل مدخلاً في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك. ويبدو أن موقف الرازي أفضل من هذا بكثير إذ هو يرى أن العقل يشهد بأن العبادة وهي غاية التعظيم لا تليق إلا بمن له غاية الإنعام والإحسان، وهذا هو تحسين العقل فقال: "ولما كان الباري هو المعبود في الحقيقة لا جرم سمي إلهاً، وكيف لا يقول: إنه مستحق للعبادة، وقد بين أنه تعالى هو المنعم على جميع خلقه بوجوده الإنعامات، والعبادة غاية التعظيم، والعقل يشهد بأن غاية التعظيم لا يليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام والإحسان، وإليه الإشارة بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [البقرة: ٢٨] .... (إلى أن قال): "إنه تعالى إنما استحق أن يكون معبوداً للخلق لأنه خالقهم ومالكهم، وللمالك أن يأمر وينهى، وأيضاً أصناف نعمه على العبد خارجة عن الحد والإحصاء كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، وشكر النعمة واجب" (٢).وهذا الكلام أحسن من كلام التفتازاني إذ هو أقرب إلى ما تدل عليه الأدلة والله أعلم (٣). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٩٧

стр. 283

المبحث السادس: منع المتأخرين من الأشاعرة حمل الآيات التي نزلت في المشركين على من عمل عملهم ممن انتسب إلى الإسلام فمن أقوالهم قول دحلان: "وتمسك (١) في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين" (٢). والجواب: هذه الشبهة مبناها على أن الشرك لا يتم إلا إذا اعتقد الإنسان التأثير لغير الله تعالى، ويعنون به الشرك في الربوبية، وقد تقدم الرد على هذا الزعم سابقاً بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذا ألزموا بعبارات صريحة مفادها أن المستغيث بغير الله يعتقد تأثير من استغاث به حملوا ذلك على المجاز. وقالوا إنه لا يتصور من مسلم ذلك، وجعلوا القرينة الصارفة للمجاز هي: إقرار من فعل ذلك الفعل بالشهادتين (٣). فالكلام معهم إذاً في مسألتين: الأولى: الأدلة على تعميم الآيات. الثانية: رد شبهة المجاز العقلي. المسألة الأولى: الأدلة على تنزيل الآيات التي نزلت في المشركين على من أشبه حالتهم اليوم:

стр. 284

والأدلة في هذا المجال كثيرة جداً – فمنها: قول الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذكرم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩] والخطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله قد أوحى إلي هذا القرآن لأنذكرم به وأنذر من بلغه غيركم من المشركين فقوله: وَمَن بَلَغَ يشمل من كان في عصره ومن جاء بعد ذلك. ومن قال بخلاف ذلك فقد عطل الرسالة. ومنها قول الرسول ﷺ ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما صنعوا)) (١). فتحذير الرسول ﷺ أمته من فعل اليهود والنصارى يدل على أن من عمل عملهم فقد شابههم ويعمه الحكم الذي ورد فيهم من اللعن. والأدلة في هذه المسألة كثيرة جداً، والمتتبع لآيات الكتاب يجدها وردت بألفاظ عامة، فوجب حملها على عمومها، كيف وإذا كان جماهير أهل العلم – بمن فيهم الأشعرية – يرون أن اللفظ العام إذا ورد بسبب خاص أنه يعم حكمه (٢)، فكيف بهذه المسألة التي عم بها البلاد ووقع فيها طوائف من الخلق! وقد قال الرسول ﷺ لمن طلب منه أن يجعل لهم ذات أنواط: ((قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)) (٣). فهذا واضح في تعميم الحكم على من أشبه عمله عمل المشركين. فقصر الآيات على من نزلت فيهم يعد جهلاً بحقيقة الرسالة ومقصودها وبحكمة التكليف (٤). المسألة الثانية: شبهة المجاز العقلي: ومقصودهم أن من دعا غير الله تعالى فإنه لا يعتقد تأثيره، فإذا ورد لفظ صريح وصفوه بأنه موهم فقالوا: "فإن قال قائل: إن شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياءً جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى ... (إلى أن قال) مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز ... " (٥). الجواب: ١ - إن الألفاظ التي يقولها هؤلاء المشار إليهم ليست موهمة بل هي صريحة، يعرف ذلك كل من خالطهم ورأى عملهم وسمع قولهم، وإنما عبر بقوله موهمة ليتسنى له القول بالمجاز العقلي! ٢ - لقد تقدمت الإجابة عن مسألة اعتقاد التأثير – مع أنه لا يتصور فيمن رأيناه يعمل هذه الأعمال الشركية عدم اعتقاد التأثير! ثم إنه على فرض عدم وجوده فخضوعه وتذلله ورجاؤه وغير ذلك من أنواع العبودية التي لا ينبغي إلا لله يصرفها للذي يدعوه من دون الله، وذلك وحده كاف في إثبات الشرك.٣ - قد تقدم أن أقوال المشار إليهم صريحة ونص في مسائل الشرك، ومعلوم أن المجاز لا يدخل على النص، فإن أدخل ترتبت مفاسد كثيرة منها: عدم التمكن من الحكم بالردة على أحد ممن يفعل ما يرتد به (٦)! ٤ - ثم على فرض أن أقوالهم ليست نصاً فهي ظاهر، ويجب حمل الشيء على ظاهره إلا أن يدل على حمله خلاف ظاهره – ومعلوم أن الاطلاع على بواطن الناس ومقاصدهم مما لا سبيل لنا إلى العلم به فيبقى إجراء أقوالهم على ظاهرها هو المتعين – خاصة وقد ثبت التلازم بين اعتقاد التأثير والعبودية – وقد قال عمر ﵁ قولة مشهورة في هذا الأمر فقال: ((إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقريناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة!)) (٧).٥ - إن المدافع عن أقوال هؤلاء العوام لا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم، فإذا سلم له الدفاع عن أقوالهم فلا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم كالذبح لغير الله والنذر لغيره ونحو ذلك فالأعمال لا يدخلها مجاز (٨). وقد وقع ذلك كله من كثير من العوام. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٢٠٢

стр. 285

المبحث السابع: تبرير متأخري الأشاعرة بعض صور الشرك بأدلة عقلية وهذه الأدلة العقلية أقيسة .. القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!: القياس الثاني: قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في الرسالة! القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!:عقد النبهاني في كتابه (شواهد الحق) عدة فصول لإثبات دعوته في جواز الاستغاثة برسول الله ﷺ – مطلقاً حياً وميتاً وفي أي أمر من الأمور! – فعقد الفصل الأول، وسرد أدلةً فيه طلب الصحابة منه أن يدعو الله لهم بالسقيا (١) وسماه هو استغاثة (٢)، ثم إنه في الفصل الثاني سرد أحاديث الشفاعة ليثبت جواز الاستغاثة به في الآخرة (٣)، ثم قال مستدلاً على جوازها مطلقاً:" ... ودلالة ذلك على جواز الاستغاثة به وحسنها ونفعها بعد مماته أيضاً لوقوعها في حياته الدنيوية والأخروية" (٤)، ثم أكد هو وغيره هذه المسألة بذكر حياة الأنبياء في قبورهم (٥). والجواب: ١ - قد تقدم سابقاً أن الميت لا يسأل مطلقاً ولا يستغاث به، وأما الحي فيستغاث به فيما يقدر عليه، وعليه فلو سلم لهم قياسهم هذا لما صح لهم الاستدلال به على سؤال الموتى كل شيء – فإن كان المخلوق حياً لا يستطيعه فقياسهم يقتضي ألا يستطيعه ميتاً.٢ - ثم إن الصواب هو عدم صحة قياس حياة البرازخ على الحياة الدنيا لاختلافهما، ولو استقام ذلك فليتخذوا الرسول ﷺ إماماً يقتدي به في الصلاة! أوليستفتوه في المسائل وهكذا ... (٦)! ٣ - ثم إن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم: لا يسوغ للناس أن يستغيثوا بهم حتى على فرض سماعهم كل شيء، - مع أنه لا سبيل إلى إثباته -. وإن سمى القائمون بهذا الفعل عملهم توسلاً، أي أنهم يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ويتوسلوا لهم – فيجعلون عملهم نوعاً من الأسباب التي يقبل بها الدعاء، فهذا خطأ لإنه لا يوجد دليل في الشرع لإثبات أن هذا النوع من العمل سبب في إجابة الدعاء (٧)، ثم على فرض أن ما ذكره هؤلاء هو مقصود عباد القبور فإنهم يطالبون الفرق بينهم وبين شرك الأوائل تقدم نقل صور شركهم عن الرازي والتفتازاني وغيرهما من الأئمة، ولن يجدوا فرقاً. القياس الثاني: وهو قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في تبليغ الرسالة: قالوا: "إن مراعاة جانب الله تعالى والمحافظة على توحيده إنما تكون بتعظيم من عظمه الله تعالى وتحقير من حقره الله تعالى، وقد جعلهم الله وسائط لنا في تبليغ شرائع دينه، فوسطناهم له لقضاء حوائجنا تبعاً له في توسيطهم لنا في تبليغ شرائعه، والاحتفاظ لأنفسنا عن أن تكون أهلاً لطلب حوائجنا منه بلا وساطة لكثرة ذنوبنا ووفرة عيوبنا" (٨).
следующие страницы →