← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أما الأولى: فالجواب عليها من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن من لجأ إلى غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله أنه لم يعتقد فيه التأثير - وإلا فما الذي ألجأه إلى أن يستغيث به ويدعوه؟ وقد تقدمت أدلة وافية تفيد أن من أسباب الشرك: الغلو في الصالحين - وإساءة الظن برب العالمين، (١) فبمجموع الأمرين يقع الشرك فالذي دعا غير الله تعالى رائده في ذلك: اعتقاده في مدعوه التأثير وظنه أن الله لا يستجيب له لكثرة ذنوبه ومعاصيه. وخير من قول دحلان قول الشيخ محمد عبده: "فالإشراك اعتقاد أن لغير الله أثراً فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وأن لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى الله مستعيناً به فيما لا يقدر العبد عليه كلاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله إليها، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا، هذا هو الشرك الذي كان عليه الوثنيون ومن ماثلهم، فجاءت الشريعة الإسلامية بمحوه ورد الأمر فيما فوق القدرة البشرية والأسباب الكونية إلى الله وحده" (٢)، فهذا إثبات واضح للتلازم الذي ذكرناه. الوجه الثاني: إنه لو سلم - جدلاً - أن المستغيث بغير الله تعالى قصده أن يتخذ مدعوه واسطة بينه وبين الله دون أن يعتقد تأثيره - فهذا باطل أيضاً، إذ هذا هو قصد المشركين الأوائل الذين أقروا لله تعالى بالوحدانية في الربوبية واتخذوا وسطاء بينهم وبين الله تعالى (٣) كما قال الله عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]. وقال: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨].وقد تقدم قول الرازي في صور اتخاذ الشفعاء عند الله، وإنكاره ما رآه من أهل زمانه من تعظيم قبور الأكابر، وعده له نظير ما فعل عباد الأصنام، ويضاف إليه كذلك قول التفتازاني - فإنه بعدما ذكر التوحيد بدأ يعدد أصناف المشركين الذين يعتقدون وجود تأثير للكواكب ونحوها - فذكر منهم عباد الأصنام وأن عبادها لا يعتقدون فيها كونها مؤثرة مدبرة فقال: "وأما الأصنام فلا خفاء في أن العاقل لا يعتقد فيها شيئاً من ذلك - (قال) فلهم في ذلك تأويلات باطلة" فذكر خمسة تأويلات، فقال عن التأويل الخامس: "الخامس: أنه لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً" (٤). وأما المسألة الثانية من الشبهة وهي: أن الإنسان يعتبر مشركاً كذلك إذا اعتقد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله. فالجواب: قد تقدم معنى الألوهية، ومعنى العبادة - وبه يظهر أن من صرف شيئاً منها لغير الله يعتبر مشركاً. ومن كلامهم يظهر مدى تقصيرهم في معرفة العبادة - فهم لا يعدون الدعاء من العبادة، وهذا قد وقع فيه المتأخرون، وإلا فقد تقدم النقل عن بعض كبار الأشاعرة في أن الدعاء هو أعظم أنواع العبادة. وعليه فإنه يقال: إن من دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله يكون قد اعتقد الألوهية لغير الله تعالى فعلاً وإن لم يسمها بذلك لفظاً. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف - ١/ ١٨٥

стр. 282

المبحث الخامس: الدليل المعتمد في إثبات استحقاق الله تعالى للعبودية دون ما سواه يرى الأشاعرة أن الدليل المعتمد في هذه المسألة هو الدليل النقلي فقط، بمعنى أن العقل لا يعلم به حسن توحيد العبادة، ومن أقوالهم في ذلك: قال التفتازاني بعد حكاية مقالات المشركين ومذاهبهم: "وبالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت: عقلاً وشرعاً، وفي استحقاق العبادة: شرعاً وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ." اهـ (١). ويعني بنفي الشركة في الألوهية عدم وجود رب آخر، أي أن صانع العالم واحد، كما هو معروف في مباحثهم – وهو الظاهر من صنيعه إذ أورد قوله هذا بعد مبحث إثبات أن صانع العالم واحد. أما توحيد العبادة فلا يثبت إلا بالنص كما قال: "وبالجملة فنفي الشركة .... ثابت ... في استحقاق العبادة: شرعاً". ومقصوده نفي تحسين العقل له. ويرجع السبب في اختيار الأشاعرة لهذه الطريقة في إثبات استحقاق الله للعبادة ونفي الشرك عنه فيها لأمرين: الأول: أن العقل ليس له مدخل في التحسين والتقبيح. الثاني: وهو أن العذاب على مخالفة التوحيد في العبادة لا يثبت إلا بعد إقامة الحجة الرسالية. والجواب: ١ - إن للعقل مدخلاً في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك – وذلك للأدلة التي تقدمت في تقرير الله تعالى للمشركين بإثباتهم الربوبية ليثبتوا له الألوهية، فلو لم يكن ذلك يعلم بالعقل لما قررهم، ولاكتفى بأمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك. ٢ - وأما مسألة ترتب العقاب والعذاب على ترك التوحيد فهذا حقاً لا يثبت إلا بعد قيام الحجة الرسالية لعموم قوله الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] – وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما أغنى عن الإطالة فيها في هذا الموضوع. وقد يفهم من صنيع التفتازاني بإيراده الآية: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:٣١]. أن الدليل منحصر في الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك دون أن يكون للعقل مدخل في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك. وجوابه: إن الآية لا تدل على ذلك بأي نوع من أنواع الدلالات، كيف وقد قام الدليل على خلافه، فمن ذلك قول الله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨]. فالمثل المضروب قياس عقلي – وهو قياس الأولى – ثم ختمه بقوله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فهذا يؤكد أن للعقل مدخلاً في معرفة حسن التوحيد وقبح الشرك. ويبدو أن موقف الرازي أفضل من هذا بكثير إذ هو يرى أن العقل يشهد بأن العبادة وهي غاية التعظيم لا تليق إلا بمن له غاية الإنعام والإحسان، وهذا هو تحسين العقل فقال: "ولما كان الباري هو المعبود في الحقيقة لا جرم سمي إلهاً، وكيف لا يقول: إنه مستحق للعبادة، وقد بين أنه تعالى هو المنعم على جميع خلقه بوجوده الإنعامات، والعبادة غاية التعظيم، والعقل يشهد بأن غاية التعظيم لا يليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام والإحسان، وإليه الإشارة بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [البقرة: ٢٨] .... (إلى أن قال): "إنه تعالى إنما استحق أن يكون معبوداً للخلق لأنه خالقهم ومالكهم، وللمالك أن يأمر وينهى، وأيضاً أصناف نعمه على العبد خارجة عن الحد والإحصاء كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، وشكر النعمة واجب" (٢).وهذا الكلام أحسن من كلام التفتازاني إذ هو أقرب إلى ما تدل عليه الأدلة والله أعلم (٣). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٩٧

стр. 283

المبحث السادس: منع المتأخرين من الأشاعرة حمل الآيات التي نزلت في المشركين على من عمل عملهم ممن انتسب إلى الإسلام فمن أقوالهم قول دحلان: "وتمسك (١) في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين" (٢). والجواب: هذه الشبهة مبناها على أن الشرك لا يتم إلا إذا اعتقد الإنسان التأثير لغير الله تعالى، ويعنون به الشرك في الربوبية، وقد تقدم الرد على هذا الزعم سابقاً بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذا ألزموا بعبارات صريحة مفادها أن المستغيث بغير الله يعتقد تأثير من استغاث به حملوا ذلك على المجاز. وقالوا إنه لا يتصور من مسلم ذلك، وجعلوا القرينة الصارفة للمجاز هي: إقرار من فعل ذلك الفعل بالشهادتين (٣). فالكلام معهم إذاً في مسألتين: الأولى: الأدلة على تعميم الآيات. الثانية: رد شبهة المجاز العقلي. المسألة الأولى: الأدلة على تنزيل الآيات التي نزلت في المشركين على من أشبه حالتهم اليوم:

стр. 284

والأدلة في هذا المجال كثيرة جداً – فمنها: قول الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذكرم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩] والخطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله قد أوحى إلي هذا القرآن لأنذكرم به وأنذر من بلغه غيركم من المشركين فقوله: وَمَن بَلَغَ يشمل من كان في عصره ومن جاء بعد ذلك. ومن قال بخلاف ذلك فقد عطل الرسالة. ومنها قول الرسول ﷺ ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما صنعوا)) (١). فتحذير الرسول ﷺ أمته من فعل اليهود والنصارى يدل على أن من عمل عملهم فقد شابههم ويعمه الحكم الذي ورد فيهم من اللعن. والأدلة في هذه المسألة كثيرة جداً، والمتتبع لآيات الكتاب يجدها وردت بألفاظ عامة، فوجب حملها على عمومها، كيف وإذا كان جماهير أهل العلم – بمن فيهم الأشعرية – يرون أن اللفظ العام إذا ورد بسبب خاص أنه يعم حكمه (٢)، فكيف بهذه المسألة التي عم بها البلاد ووقع فيها طوائف من الخلق! وقد قال الرسول ﷺ لمن طلب منه أن يجعل لهم ذات أنواط: ((قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)) (٣). فهذا واضح في تعميم الحكم على من أشبه عمله عمل المشركين. فقصر الآيات على من نزلت فيهم يعد جهلاً بحقيقة الرسالة ومقصودها وبحكمة التكليف (٤). المسألة الثانية: شبهة المجاز العقلي: ومقصودهم أن من دعا غير الله تعالى فإنه لا يعتقد تأثيره، فإذا ورد لفظ صريح وصفوه بأنه موهم فقالوا: "فإن قال قائل: إن شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياءً جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى ... (إلى أن قال) مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز ... " (٥). الجواب: ١ - إن الألفاظ التي يقولها هؤلاء المشار إليهم ليست موهمة بل هي صريحة، يعرف ذلك كل من خالطهم ورأى عملهم وسمع قولهم، وإنما عبر بقوله موهمة ليتسنى له القول بالمجاز العقلي! ٢ - لقد تقدمت الإجابة عن مسألة اعتقاد التأثير – مع أنه لا يتصور فيمن رأيناه يعمل هذه الأعمال الشركية عدم اعتقاد التأثير! ثم إنه على فرض عدم وجوده فخضوعه وتذلله ورجاؤه وغير ذلك من أنواع العبودية التي لا ينبغي إلا لله يصرفها للذي يدعوه من دون الله، وذلك وحده كاف في إثبات الشرك.٣ - قد تقدم أن أقوال المشار إليهم صريحة ونص في مسائل الشرك، ومعلوم أن المجاز لا يدخل على النص، فإن أدخل ترتبت مفاسد كثيرة منها: عدم التمكن من الحكم بالردة على أحد ممن يفعل ما يرتد به (٦)! ٤ - ثم على فرض أن أقوالهم ليست نصاً فهي ظاهر، ويجب حمل الشيء على ظاهره إلا أن يدل على حمله خلاف ظاهره – ومعلوم أن الاطلاع على بواطن الناس ومقاصدهم مما لا سبيل لنا إلى العلم به فيبقى إجراء أقوالهم على ظاهرها هو المتعين – خاصة وقد ثبت التلازم بين اعتقاد التأثير والعبودية – وقد قال عمر ﵁ قولة مشهورة في هذا الأمر فقال: ((إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقريناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة!)) (٧).٥ - إن المدافع عن أقوال هؤلاء العوام لا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم، فإذا سلم له الدفاع عن أقوالهم فلا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم كالذبح لغير الله والنذر لغيره ونحو ذلك فالأعمال لا يدخلها مجاز (٨). وقد وقع ذلك كله من كثير من العوام. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٢٠٢

стр. 285

المبحث السابع: تبرير متأخري الأشاعرة بعض صور الشرك بأدلة عقلية وهذه الأدلة العقلية أقيسة .. القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!: القياس الثاني: قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في الرسالة! القياس الأول: وهو قياس الميت على الحي في الطلب منه والاستغاثة!:عقد النبهاني في كتابه (شواهد الحق) عدة فصول لإثبات دعوته في جواز الاستغاثة برسول الله ﷺ – مطلقاً حياً وميتاً وفي أي أمر من الأمور! – فعقد الفصل الأول، وسرد أدلةً فيه طلب الصحابة منه أن يدعو الله لهم بالسقيا (١) وسماه هو استغاثة (٢)، ثم إنه في الفصل الثاني سرد أحاديث الشفاعة ليثبت جواز الاستغاثة به في الآخرة (٣)، ثم قال مستدلاً على جوازها مطلقاً:" ... ودلالة ذلك على جواز الاستغاثة به وحسنها ونفعها بعد مماته أيضاً لوقوعها في حياته الدنيوية والأخروية" (٤)، ثم أكد هو وغيره هذه المسألة بذكر حياة الأنبياء في قبورهم (٥). والجواب: ١ - قد تقدم سابقاً أن الميت لا يسأل مطلقاً ولا يستغاث به، وأما الحي فيستغاث به فيما يقدر عليه، وعليه فلو سلم لهم قياسهم هذا لما صح لهم الاستدلال به على سؤال الموتى كل شيء – فإن كان المخلوق حياً لا يستطيعه فقياسهم يقتضي ألا يستطيعه ميتاً.٢ - ثم إن الصواب هو عدم صحة قياس حياة البرازخ على الحياة الدنيا لاختلافهما، ولو استقام ذلك فليتخذوا الرسول ﷺ إماماً يقتدي به في الصلاة! أوليستفتوه في المسائل وهكذا ... (٦)! ٣ - ثم إن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم: لا يسوغ للناس أن يستغيثوا بهم حتى على فرض سماعهم كل شيء، - مع أنه لا سبيل إلى إثباته -. وإن سمى القائمون بهذا الفعل عملهم توسلاً، أي أنهم يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ويتوسلوا لهم – فيجعلون عملهم نوعاً من الأسباب التي يقبل بها الدعاء، فهذا خطأ لإنه لا يوجد دليل في الشرع لإثبات أن هذا النوع من العمل سبب في إجابة الدعاء (٧)، ثم على فرض أن ما ذكره هؤلاء هو مقصود عباد القبور فإنهم يطالبون الفرق بينهم وبين شرك الأوائل تقدم نقل صور شركهم عن الرازي والتفتازاني وغيرهما من الأئمة، ولن يجدوا فرقاً. القياس الثاني: وهو قياس الواسطة في العبادة على الواسطة في تبليغ الرسالة: قالوا: "إن مراعاة جانب الله تعالى والمحافظة على توحيده إنما تكون بتعظيم من عظمه الله تعالى وتحقير من حقره الله تعالى، وقد جعلهم الله وسائط لنا في تبليغ شرائع دينه، فوسطناهم له لقضاء حوائجنا تبعاً له في توسيطهم لنا في تبليغ شرائعه، والاحتفاظ لأنفسنا عن أن تكون أهلاً لطلب حوائجنا منه بلا وساطة لكثرة ذنوبنا ووفرة عيوبنا" (٨).

стр. 286

والجواب: إن هذا القياس هو قياس عباد الأصنام والأوثان وغيرها نفسه الذين زعموا أن ذنوبهم كثيرة وأنهم لا يصلون إلى مرادهم إلا بتوسط الأكابر والأعلى منزلة عند الله (١) قال تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]. وقياسهم هذا فاسد الاعتبار إذ هو قياس في مقابلة نصوص كثيرة حرمت هذا العمل وبينت أنه فعل المشركين كقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: ١٨]، فدلت الآية على أن اتخاذ وسطاء في الدعاء والعبادة قدحٌ في علم الله تعالى وأنه شرك يتنزه الله عنه. وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ... [الرعد: ٣٣] فدلت الآية على أن هذا العمل فيه قدح في الربوبية إذ فيه إثبات لقيام غير الله بشئون الخلق، وفيها بيان أنه قدح في علم الله. وقد حسم الله تعالى مادة هذا الشرك بقوله: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقال قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. ولاشك أن واسطة المرسل بين الله وخلقه هي في تبليغ الرسالة من الله لخلقه ليقوموا لله رب العالمين بالعبادة ويتركوا عبادة غيره، لا أن يعبد الرسل أنفسهم، قال الله تعالى مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩].وقد كان رسول الله ﷺ ينهى عن كل ما يؤدي إلى تشريكه بالله كقوله لمن قال له: ((ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده)) (٢)، وكذلك كان ينهى عن اتخاذ قبره عيداً أو وثناً يعبد. فكل ذلك وغيره يدل على الفرق بين الواسطة في الرسالة والواسطة في العبادة (٣). هذا وقد أعرضت عن أدلة أخرى يحتج بها من غرق في التصوف كالاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والمنامات والإلهامات – إذ يكفي أن يقال عنها كلها: إنها مردودة – فأما الأحاديث الموضوعة فمردودة مطلقاً، وأما المنامات والإلهامات فإنه لا يثبت بها شرع مطلقاً، ولا تقبل إلا إذا جاءت موافقة للشرع، والأمر فيها كما قال في مراقي السعود: وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء (٤) قال شارحه عن الإلهام: "وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوماً بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها" (٥) اهـ. وقال: "وكذا من رأى النبي ﷺ في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده ... لعدم ضبط الرائي" (٦) اهـ. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٢٠٢

стр. 287

المبحث الثامن: صلة الأشعرية بالصوفية، وأثر هذه الصلة يظهر من كتب الأشعرية والصوفية أن بينهما صلة قديمة، فقد ذكر أبو المظفر الإسفراييني في كتابه (التبصير في الدين) فصلاً بعنوان: "من فصول المفاخر لأهل الإسلام وبيان فضائل أهل السنة والجماعة وبيان ما اختصوا به من مفاخرهم" (١) فعدد العلوم التي يفضلون بها غيرهم فذكر منها: التصوف فقال: "وسادسها علم التصوف والإشارات وما لهم فيها من الدقائق والحقائق لم يكن قط لأحد من أهل البدعة فيه حظ بل كانوا محرومين مما فيه من الراحة والحلاوة والسكينة والطمأنينة .... " (٢). ثم إن الحافظ ابن عساكر ذكر طبقات الآخذين عن الأشعري والمنتسبين إليه. وهي خمس طبقات، وفي كل طبقة يوجد من ينتسب إلى الصوفية، وسأكتفي بذكر واحد فقط في كل طبقة: فمن جملة من ذكر في الطبقة الأولى الآخذين عن أبي الحسن الأشعري: أبو عبدالله محمد بن خفيف. وفي الطبقة الثانية وهم من تلقى الأشعرية عن أصحاب الأشعري – ذكر أبا علي الدقاق. وفي الطبقة الثالثة: ذكر أبا ذر الهروي. ثم ذكر في الطبقة الرابعة: أبا القاسم القشيري. ثم ذكر في الطبقة الخامسة: أبا حامد الغزالي (٣).ولاشك أن هؤلاء الخمسة الذين ذكرهم ابن عساكر فيهم من كان أكثر إثباتاً للصفات من غيره كابن خفيف وأبي ذر الهروي – وأكثر المذكورين من هؤلاء كان قد قيد علمه بالكتاب والسنة في الجملة فلم يكن كبقية الصوفية – وفي ذلك يقول ابن خفيف: "إني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله من ذلك ... " (٤) إلى أن أتى لموضع أشار فيه ابن جرير الطبري إلى أن الصوفية يقولون برؤية الله في الدنيا والآخرة (٥). قال ابن خفيف معلقاً على قول الطبري: "ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة لم يخص طائفة، فبين أن ذلك على جهالة منه بأقواله المخلصين منهم" ... إلى أن قال بعد أن بين الصواب: "هذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا" (٦).ومع هذا القول – وهو التفريق بين طوائف الصوفية – إلا أن الأمر قد تغير عند أبي حامد الغزالي الذي جمع في كتابه (إحياء علوم الدين) بين قواعد عقائد الأشعرية وبين جمل غامضة آيلة إلى وحدة الوجود، ويرى أن مرتبة الوحدة هي أعلى المراتب وأنه لا يجوز كشفها في كتاب إذ إفشاء سر الربوبية كفر (٧).!!

стр. 288

ثم مع تقدم الزمن كثر الجهل وانتشرت الصوفية وكثرت طوائفها، فتجد الشخص الواحد ينتمي إلى أبي الحسن الأشعري عقيدة وإلى الشافعي – مثلاً – مذهباً وإلى الصوفية طريقة وسلوكاً – وقد يحدد طريقته -، فلما كثر الجهل وفشا في الناس الشرك بالله في الاستغاثة والنذر والذبح وغير ذلك أنكر كبار أهل العلم ذلك وبينوا بطلانه وذرائعه التي أوقعت كثيراً من الناس فيه – ومن أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ثم الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵏ جميعاً، فظهر من علماء الأشاعرة من يدافع عن العوام بحجة أن فعلهم: توسل بالنبي ﷺ أو الولي!! وفيما يلي طائفة من علماء الأشاعرة الذين ارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بالصوفية أو دافعوا عن أفعالهم: ١) السبكي: وقد ألف كتابه: (شفاء السقام في زيارة خير الأنام)، يرد به على شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة شد الرحال، وقد رد عليه الحافظ ابن عبدالهادي في كتابه: (الصارم المنكي). ٢) ابن حجر الهيتمي: وقد ألف كتابه: (الجوهر المنظم في زيارة النبي المعظم) – يرد به على شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك. فهذان العالمان الأشعريان قد تكلما في مسألة هي من أكبر ذرائع الشرك، بل قد ذكرا جواز المجيء إلى القبر النبوي لطلب الاستغفار والتشفع والاستغاثة به (١).٣) ابن عاشر: وقدر أشار في نظمه: المرشد المعين (٢): إلى ارتباط الأشعرية بالصوفية فقال: وبعدُ فالعونُ من اللهِ المجيد ... في نظم أبيات للأمي تفيد في عقد الأشعري وفقه مالك ... وفي طريقة الجنيد السالك ثم قال شارحه: "أخبر أن نظمه هذا جمع مهمات العلوم الثلاثة وهي: العقائد والفقه والتصوف، المتعلقة بأقسام الدين الثلاثة وهي: الإيمان والإسلام والإحسان. (٣) " اهـ.٤) الباجوري، وقد ذكر في آخر شرحه تحفة المريد على جوهرة التوحيد شيئاً من مبادئ التصوف، وقد نقل كلاماً غريباً هو فتح لباب دعاء الموتى والاستغاثة بهم لقضاء الحوائج فقال: "قال الشعراني، ذكر لي بعض المشايخ أن الله تعالى يوكل بقبر الولي ملكاً يقضي الحوائج، وتارة يخرج من قبره ويقضيها بنفسه!!." (٤) اهـ. ولم يتعقبه بشيء – إلا محشي الكتاب فقد تعقبه – فهذا الكلام فتح صريح للشرك.٥) محمد الأمير وهو صاحب الحاشية المشهورة على شرح جوهرة التوحيد، وقد ذكر عن نفسه بعد فراغه من حاشيته على شرح الجوهرة التي هي في عقيدة الأشاعرة أنه مالكي المذهب شاذلي الطريقة فقال: "يقول من لا قول له: محمد الأمير المصري الأزهري المالكي الشاذلي: وافق الكمال ليلة ... " (٥) الخ.

стр. 289

٦) أحمد دحلان وهو شافعي المذهب، أشعري العقيدة، ألف كتابه: (الدرر السنية في الرد على الوهابية) فيه مسائل خطيرة شنيعة في الشرك في الألوهية كما سيأتي عند عرض الشبهات إن شاء الله.٧) النبهاني، وهو شافعي المذهب، شاذلي الطريقة، أشعري العقيدة، ألف كتابه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) ونص فيه على أن الأشعرية والماتريدية مذهبان لأهل السنة! (١):- وقد حشد في كتابه المذكور أقوالاً شنيعة صريحة في الشرك في الألوهية.٨) محمد الطاهر يوسف – وهو صوفي أشعري معاصر – ألف رسائل منها: "رسالة قوة الدفاع والهجوم"، قال في مقدمة رسالته: "رسالة قوة الدفاع عن أولياء الله والنبي المعصوم، والهجوم على أنصار فرق الشيطان المرجوم، وهم أنصار الفرق المعتزلة عن السنة المحمدية (٢) والمستخفة والمستنقصة لقدر سيدنا محمد خير البرية ﷺ والمكفرة لأولياء الله أهل المقامات العلية رضوان الله عليهم بكرة وعشية. تأليف عبيد ربه محمد بن الطاهر بن يوسف الفاني، المالكي الأشعري التجاني" (٣).٩) محمد علوي المالكي – وهو معاصر -، الذي صنف كتاباً سماه: (مفاهيم يجب أن تصحح)، قال في كتابه المذكور: (التصوف ذلك المظلوم المتهم قليل من ينصفه ... ) (٤) وقال: "الأشاعرة هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين" (٥). فما تقدم نماذج من ارتباط الأشعرية بالصوفية – والأمثلة كثيرة، والمقصود التمثيل – وكما تقدم فإن الواقع اليوم شاهد على هذه العلاقة. الأول: ما علاقة الأشعرية الصوفية المتقدمة مع الأشعرية الصوفية المتأخرة؟ والسؤال الثاني: هل ينسب ما وقع فيه الصوفية اليوم في بعض صور الشرك إلى الأشعرية كلها – ولو كان ذلك في بعضهم؟ أما الجواب عن السؤال الأول: فهو كما تقدم أن المتقدمين من هؤلاء الصوفية المنتسبين إلى الأشعرية لم يكن تصوفهم كتصوف الملاحدة والباطنية ودعاة وحدة الوجود والاتحاد والحلول، بل لا يعرف عنهم الوقوع في شرك العبادة كما حصل عند المتأخرين، فالعلاقة إذاً في الاسم العام. ثم حصل التدرج في الضلال كما في مرحلة الغزالي ثم من جاء بعده على أن استقر الأمر على ما هو عليه في العصور المتأخرة التي نعيشها حيث الشرك الصريح في العبادة، فإذا ألف أشعري كتاباً على نهج الأشعرية ذيل كتابه بالتصوف، وقد يوجد منه نقد لبعض الأخطاء الجسيمة في الربوبية والبدع إجمالاً ولا ينبه على الخطأ في الألوهية (٦)، وقد يؤلف آخر مدافعاً عن ما يفعله الناس من الشرك من الألوهية باسم التوسل والتبرك! والبدع كالموالد وغير ذلك، ثم ينص على بعض الفضلاء من الصوفية كالجنيد وعبدالقادر الجيلاني ويفر من ذكر الحلاج وابن الفارض!! وغيرهما دون ذم أو مدح، مع وجود تأثيرها على الصوفية في هذه العصور .. !! وإن كان يوجد قليل ممن رأيتهم – وقد يوجد غيرهم – ممن لا يقع في شرك العبادة، وسيأتي الكلام عليهم في الجواب عن السؤال الثاني إن شاء الله. الجواب عن السؤال الثاني:

стр. 290

وهو أنه لا يمكن نسبة صور الشرك التي ظهر بعضها إلى كل الأشعرية المتقدمين منهم والمتأخرين، إذ المتقدمون على خلاف هذا الأمر ولكن تبقى مسألة التبني العام للصوفية – كما ذكر الإسفراييني – مؤثرة في قبول ما عليه التصوف عند المتأخرين! أما المتأخرون فهم قسمان: قسم صرح بالقول بجواز بعض صور الشرك كالنذر لغير الله والطواف بقبور الصالحين والاستغاثة بغير الله، كما سيأتي النقل عنهم عند عرض شبههم إن شاء الله. وقسم لم يصرح بذلك – وقد رأيت بعضهم – وهم قليل جداً – ولكنهم لم يجاهروا بالإنكار قولاً ولا فعلاً مع سماعهم نسبة التصوف بجميع طوائفه إلى الأشعرية وإخوانهم الماتريدية. ولا شك أن أمثال هؤلاء داخلون في عموم الوعيد المذكور في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران: ١٨٧] – كيف وقد ينتسب بعضهم إلى التصوف فيشتغل ببعض البدع غير المكفرة – فيزداد إيهامه للناس بنسبته إلى التصوف فيغتروا به فيستحسنوا عندئذ ما هم عليه من الشرك. فخلاصة الأمر هو أن المتقدمين من الأشاعرة لم يظهر منهم ما يخالف توحيد الألوهية، بل ثبت أن بعضهم أنكر بعض مظاهر الشرك التي تحدث عند القبور كالرازي وأبي شامة – أما الأشعرية المتأخرة فيمكن نسبة بعض المخالفات إليهم إما وقوعاً منهم فيها أو سكوتاً عنها إذا رأوا غيرهم يقع فيها، ومثل هذا يعد تغيراً وزيادة انحراف في المنهج الأشعري تجب مراعاته إذ تغير الفرق أمر وارد، فيجب الإنكار اليوم على الأشعرية في هذه المسألة كما أنكر عليهم سلفاً ما تكلموا فيه من مسائل الصفات. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ١٦٢

стр. 291

المبحث الأول: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى عند الأشاعرة إثبات أسماء الله تعالى الواردة من مسلمات الأشاعرة، وقد حرصوا على التأليف فيها، وإن كان ذلك – في الغالب – بسبب ما حدث بين الأشاعرة والتصوف من ارتباط، وعناية الصوفية بأسماء الله – وما يزعمون من أسرارها – معروف. وممن كتب في أسماء الله ومعانيها من الأشاعرة:١ - أبو سليمان الخطابي، ضمن كتابه (شأن الدعاء) (١).٢ - الحليمي، ضمن كتابه (المنهج في شعب الإيمان) (٢).٣ - البيهقي، في كتابه (الأسماء والصفات) (٣). وقد اعتمد في شرحه على الكتابين السابقين. ٤ - القشيري في كتابه (شرح أسماء الله الحسنى). ٥ - الغزالي في كتابه (المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحنسى). ٦ - الرازي في كتابه (لوامع البينات، شرح أسماء الله تعالى والصفات).وهذه كلها مطبوعة، وللقرطبي كتاب مشهور في الأسماء والصفات لا يزال مخطوطا، كما أن لكل من أبي بكر بن العربي, والواحدي كتابا في هذا الموضوع. كما أن بعض الأشاعرة قد يشيرون إلى معاني أسماء الله في كتبهم (٤). وليس للأشاعرة أقوال متميزة فيما يتعلق بأسماء الله تعالى في الجملة، وما يقع من خلاف في بعض مسائلها قد يشاركهم فيه غيرهم، ولذلك فلا داعي للاطالة في مباحث هذه المسألة، ويمكن الإشارة إلى أمرين: أحدهما: ما وافق فيه جمهور الأشاعرة جمهور السلف، ومن ذلك قولهم:١ - أن أسماء الله تعالى توقيفية، وقد ذكر ذلك غالب الأشاعرة، وخالف فيه الباقلاني (٥). بل بعض من ذكر أنها توقيفية خالف في ذلك عمليا فذكر بعض الأسماء التي لم ترد في الشرع – كما سيأتي -.٢ - أن أسماء الله تعالى ليست جامدة، ولذلك حرص العلماء على شرحها، وبيان معانيها وذكر ما دلت عليه من صفات الله تعالى، وقد رد شيخ الإسلام وأغلظ على ابن حزم الذي زعم أن أسماء الله بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على معنى (٦).٣ - أن أسماء الله تزيد على التسعة والتسعين، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، خلافا لابن حزم وطائفة. وما ورد من ذكر تعداد التسعة والتسعين فهو من إدراج بعض الرواة (٧). والحديث بأصله، وبزياداته – لو صحت – لا تعارض ذلك، وقوله ((من أحصاها)) المقصود به أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، وليس معناه أنه ليس له اسم إلا هذه، كما هو واضح (٨). وثانيهما: أن بعض الأشاعرة خالفوا جمهور السلف في بعض المسائل، ومن ذلك:١ - أن بعض الأشاعرة أطلقوا بعض الأسماء لله وإن لم ترد بها نص ولا إجماع، وذلك كاسم القديم، والذات وغيرها (٩). وقد ناقش شيخ الإسلام هؤلاء ذاكرا الخلاف في ذلك فقال: إن المسلمين في أسماء الله تعالى على طريقتين: كثير منهم يقول: إن أسماءه سمعية شرعية، فلا يسمى إلا بالأسماء التي جاءت بها الشريعة، فإن هذه عبادة، والعبادات مبناها على التوقف والاتباع.

стр. 292

ومنهم من يقول: ما صح معناه في اللغة، وكان معناه ثابتا له لم يحرم تسميته به، فإن الشارع (لم) يحرم علينا ذلك فيكون عفوا. والصواب القول الثالث: وهو أن يفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه؛ فإذا دعى لم يدع (إلا) بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ [الأعراف: ١٨٠]، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد إلى أن يترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما" (١)، ويقول في موضع آخر بعد ترجيح ما ذكره في القول الثالث قال: "وإما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: "ليس بشيء" فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء ... " (٢). فهذا التفريق الدقيق الذي ذكره شيخ الإسلام بين الدعاء والإخبار هو الذي يفصل في الأمر، والمتكلمون إنما ذكروا بعض الأسماء التي لم ترد بسبب خوضهم في علوم الكلام واصطلاحات الفلاسفة فاضطروا إلى مجاراتهم حتى لا ينفوا عن الله ما هو ثابت له لأجل أنه اصطلاح حادث. ٢ - من المسائل المشهورة في هذا الباب مسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، والمعروف أن الجهمية حرصوا على تقرير أن الاسم غير المسمى ليسلم لهم مذهبهم الفاسد القائل بخلق القرآن. فقابلهم البعض فقالوا: بل الاسم هو المسمى، حتى لا يقال: إن أسماء الله غير الله، وهذا قول بعض المنتسبين إلى السنة. وقد ذكر شيخ الإسلام عدة أقوال في هذه المسألة، وهي:١ - أن الاسم غير المسمى، وهذا قول الجهمية، الذين يقولون: إن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق (٣).٢ - التوقف والإمساك عن إطلاق مثل هذه العبارات نفيا وإثباتا، وأن كلا من الإطلاقين بدعة، وقد ذكر هذا الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وكما ذكره أبو جعفر الطبري في صريح السنة (٤)، وعده من الحماقات.٣ - أن الاسم هو المسمى، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل أبي بكر عبدالعزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالكائي (٥)، وأبي محمد البغوي في شرح السنة (٦). وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري (٧)، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره. ٤ - والقول الثاني – وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري – أن الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمى، كاسم الموجود.

стр. 293

وتارة يكون غير المسمى، كاسم الخالق. وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير (١).٥ - أن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] وقال: أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠]. وهؤلاء إذا قيل لهم: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ "فصلوا فقالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى، وإذا قيل: إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا. فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة منه، فكيف بالخالق، وأسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنا عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنا، مثل أن يسمى الرجل غيره باسم، أو يتكلم باسمه، فهذا الاسم نفسه ليس قائما بالمسمى، لكن المقصود به المسمى، فإن الاسم مقصوده إظهار المسمى وبيانه" (٢).فالأشاعرة لهم قولان ضعيفان (٣) وقد ناقشهما شيخ الإسلام وبين ضعفهما: ومن ردوده على من قال منهم: إن الاسم هو المسمى قوله: "قلت لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات – كما ذكروه في قوله يَا يَحْيَى [مريم: ١٢] ونحو ذلك – لكان ذلك معنى واضحا، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك، ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الأقوال الباطلة، مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو "ا، س، م" معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء – التي هي الأسماء – مثل زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه ... وأيضا فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي المسميات. فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ، ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو "ألف، سين، ميم" معناه إذا أطلق هو الذات المسماة، بل معنى هذا اللفظ هي الأقوال التي هي أسماء الأشياء، مثل زيد وعمرو، وعالم وجاهل، لفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسماة ... (٤) " إلى آخر مناقشته لهم. ثم ذكر أن أهل القول الثاني من الأشاعرة – الذي قسموا الأسماء إلى ثلاثة أقسام – "غلطوا من وجه آخر؛ فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو "ألف، سين، ميم" هو مسمى الأسماء فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه، ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه، واسمه العليم هو الرب العليم، الذي العلم صفة له، فليس العلم هو المسمى، بل المسمى هو العليم، فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا هو المسمى وصفته، وفي الخالق الاسم هو المسمى وفعله، ثم قولهم: إن الخلق هو المخلوق، وليس الخلق فعلا قائما بذاته، قول ضعيف، مخالف لقول جمهور المسلمين" (٥).

стр. 294

وبهذا يتبين أن القول الخامس هو القول الراجح وأن الاسم للمسمى، وأنه لابد من الاستفصال عن المقصود لمن قال: الاسم هو المسمى أو غيره.٣ - يلاحظ على كتب الأشاعرة التي شرحت أسماء الله تعالى أنها مع أنها تثبت هذه الأسماء وما دلت عليه من الصفات، إلا أنها عند تفصيل القول في هذه الصفات تشرحها بما يوافق معتقدها، فإذا كان الاسم دالا على صفة يؤولونها نفوا دلالة الاسم على هذا المعنى الذي ينفونه وإن كان موافقا لمذهب السلف، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أبرزها –مثلا- اسم تعالى: "العلي" فكل من شرح هذا الاسم من الأشاعرة المتأخرين فسروه بعلو الشرف والمكانة، وغيرها، ونفوا دلالته على إثبات علو الله على خلقه، ونصوا على نفي هذا المعنى عند شرحهم له (١).وقد ذكر شيخ الإسلام أن الكلام في تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا الله (٢). ولذلك فقد ناقض الأشاعرة في بعض الأسماء التي أولوها، ومن ذلك: أ- اسمه تعالى "النور" فقد أطال – ﵀ – في مناقشة الأشاعرة الذين نفوا هذا الاسم عن الله، وأولوه بأن المقصود الهادي، أو منور السموات أو غيرها، وبين أن إثبات هذا الاسم لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى نور هو مذهب السلف رحمهم الله تعالى. وقد كانت ردوده على من تأويل هذا الاسم كالرازي (٣) وغيره كما يلي:١ - أن أئمة السلف أثبتوا هذا الاسم لله تعالى، كالإمام أحمد، والدارمي وابن خزيمة وغيرهم (٤).٢ - أن هذا هو قول الصفاتية كابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، وقد أيد شيخ الإسلام ذلك بنصوص من أقوال ابن كلاب (٥)، والأشعري في (الإبانة) (٦).٣ - أن الرازي اتبع في تأويله الجويني، والجويني هو الذي غير المذهب الأشعري وقربه من مذهب المعتزلة (٧)، وقد فسر الجويني النور بالهادي (٨).

стр. 295

٤ - أن زعم هؤلاء أن تفسير النور بالهادي مروي عن ابن عباس ﵄ – جوابه من وجوه-:- أنها من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة معروفة بالانقطاع (١).- أن الثابت عن ابن عباس إثبات النور لله (٢).- ما ورد عن ابن عباس – إن ثبت – فقط يكون رواية بالمعنى، أو ورد عنه، لكنه لم يكن يقصد نفي أن الله نور، وإنما قصد – كعادة السلف في تفسيرهم – ذكر بعض صفات المفسر من الأسماء، أو بعض أنواعه، فهو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد (٣).٥ - بل ذكر شيخ الإسلام أن إثبات أن الله نور هو قول قدماء الجهمية كالمريسي وغيره – الذي هو إمام الرازي في تأويلاته – ولذلك لما سألهم الإمام أحمد عن الله، قالوا: هو نور كله، يقول شيخ الإسلام: "إن كونه نورا أو تسميته نورا مما لم يكن ينازع فيه قدماء الجهمية وأئمتهم الذين ينكرون الصفات (٤) "، ثم نقل كلام الإمام أحمد، ثم قال: فإذا "كان أئمة المؤسس وقدماء أهل مذهبه يقولون: إنه نور، فكيف يدعي الإجماع على خلاف ذلك" (٥).٦ - كما رد على المؤولة بوجوه أخرى، وبأدلة من الكتاب والسنة (٦).ب- اسمه تعالى "الصمد": حيث أنكر الرازي (٧) التفسير المأثور عن السلف من أنه الذي لا جوف له، لأنه – على زعمه – صفة الأجسام الغليظة ثم تأول هذا الاسم، وقد رد عليه شيخ الإسلام من نحو سبعة وثلاثين وجها، ناقلا أقوال السلف وأئمة التفسير في معنى هذا الاسم، كما انتقد تفسير بعض الأشاعرة للصمد بأنه الذي يصمد إليه في الحوائج، ونفيهم للمعنى الثاني الذي هو أشهر من هذا وهو أنه الذي لا جوف له، وذلك مثل الغزالي (٨)، والخطابي (٩)، والقشيري (١٠)، وغيرهم (١١).ج- كما انتقد شيخ الإسلام ما ذكره الأصفهاني في عقيدته من تسمية الله بـ "مريد ومتكلم" (١٢)، كما رد على الباقلاني الذي نفي أن يكون من أسمائه الدليل (١٣)، كما وافق الخطابي على أن الراجح في "الدهر": أنه ليس من أسماء الله، وإن كان في ذلك قولان مشهوران للحنابلة (١٤). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٠٣٩

стр. 296

المبحث الثاني: المسائل المتعلقة بالصفات عند الأشاعرة • المطلب الأول: صفتا السمع والبصر:. • المطلب الثاني: صفة العلم (١):. • المطلب الثالث: كلام الله. • المطلب الرابع: بين اللفظية والأشاعرة. • المطلب الخامس: الحقيقة والمجاز. • المطلب السادس: الصفة النفسية. • المطلب السابع: الصفات السلبية. • المطلب الثامن: أسماء الله وصفاته التي تسمى واتصف بمثلها المخلوقون هل هي من قبيل المشترك أو المتواطئ أو المشكك؟. • المطلب التاسع: هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟. • المطلب العاشر: قاعدة التنزيه في الصفات عند الأشاعرة. • المطلب الحادي عشر: التفصيل في النفي مع الإجمال في الإثبات.

стр. 297

المطلب الأول: صفتا السمع والبصر: قال الأشاعرة في تعريف صفة البصر: "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات الذوات وغيرها" (١). وقالوا في تعريف صفة السمع: "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات والأصوات وغيرها كالذوات" (٢).وهذه الطريقة سلكها السنوسي- فإنه قال: "والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات (٣) ". وللسعد التفتازاني طريقة أخرى، وهي أن متعلق البصر المبصرات، ومتعلق السمع المسموعات (٤).فعلى طريقة السنوسي يكون متعلق سمع الله وبصره واحداً، فهو يسمع ما نسمع جنسه وما نبصر جنسه، ويبصر ما نبصر جنسه وما نسمع جنسه (٥).وحال الباجوري أن يوفق بين الطريقتين فقال موجهاً طريقة السعد: "ويحتمل أن مراده المبصرات في حق الله تعالى، وهي الموجودات الذوات وغيرها" (٦) فتصير طريقته كطريقة السنوسي! ثم إن الأشاعرة أثبتوا للسمع والبصر ثلاثة تعلقات:- (٧) التعلق التنجيزي القديم: وهو التعلق بذات الله تعالى وصفاته. والتعلق الصلوحي القديم: وهو التعلق بالموجودات قبل وجودها. والتعلق التنجيزي الحادث: وهو التعلق بالموجودات بعد وجودها. المناقشة: ظهر من تعريف الأشاعرة لصفتي السمع والبصر الأمران الآتيان:- الأول: اتحاد معلق السمع والبصر على طريقة السنوسي، بل وعلى طريقة السعد بجمع الباجوري. الثاني: إنكار كون السمع والبصر صفتين ذاتيتين فعليتين فهما ذاتيتان فقط. فقولهم باتحاد متعلق الصفتين لازمه اتحاد الصفتين، بل يلزم اندراجهما في صفة العلم إذ أثبتوا للجميع انكشافاً، ولكنهم يجيبون على ذلك بما يأتي:- ١ - إن السمع والبصر ثابتان بالشرع فقط، بخلاف العلم فإنه ثابت بالعقل.٢ - إن المدلول لغة للسمع غير المدلول لغة للبصر، وكذلك يقال في العلم، فإذا ثبت تغايرها لغة كانت متغايرة شرعاً (٨). والجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: التفريق بين الصفات باعتبار الدليل فقط غير مسلم، ذلك لأن الدليل لا يقام إلا إذا تصور المستدل المستدل عليه، وأن الدليل دال عليه، فإذا كان السمع والبصر متحدين تعلقاً ويندرجان في تعلق العلم كانت الأدلة المتنوعة التي ذكروها دليلاً على شيء واحد لا على عدة أشياء، فيعود الإلزام السابق - وهو أن السمع والبصر راجعان إلى معنى العلم فلا تثبت بذلك صفتا السمع والبصر - وقد صرح بعض الأشاعرة بالتزام ذلك، فقال المكلاتي:"وقد تردد جواب أبي الحسن الأشعري ﵁ في ذلك، فتارة قال: إن كونه سميعاً بصيراً هما صفتان زائدتان على كونه عالماً، وإلى هذا المذهب ذهب القاضي. وأبو المعالي وجماعة من الأشعرية، وتارة صرف كونه سميعاً بصيراً إلى كونه عالماً، وإلى هذا ذهب أبو حامد وجماعة من الأشعرية وهذا المختار عندنا" (٩)!

стр. 298

ثم يقال لهم: إذا عادت الصفتان إلى العلم - وقد أثبتم اتحاد متعلق العلم والكلام، عادت الصفات الأربع إلى صفة واحدة فيحصل بهذا زيادة تقارب مع المعتزلة! الوجه الثاني: يقال للأشاعرة: إذا كنتم متبعين للشرع حقاً في إثبات صفتي السمع والبصر فأين الدليل النقلي الذي يدل على اتحاد متعلقهما؟ ولا دليل لهم-. ثم هذه ثلاثة أدلة عامة تثبت التمييز بين صفتي السمع والبصر (١): ١ - ظاهر القرآن يدل على أن متعلق السمع ما من شأنه أن يسمع - وهو القول، قال الله تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: ١٨١]، وقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١].٢ - إن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أن السمع هو إدراك المسموعات، فمن ذلك قول عائشة ﵂: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات)) (٢)، ولم نقل الأصوات والمبصرات .. وهم أعرف الناس بربهم، وأعرف باللغة، مما يؤكد أن الأشاعرة لم يوافقوا اللغة ولا السلف ولا القرآن في ذلك.٣ - قد ورد الجمع بين السمع والبصر في جملة واحدة مما يدل على الفرق، كما في قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، والمعنى: أسمع القول وأرى العمل وإلا لما كانت فائدة من الجمع، قال ابن كثير في معنى الآية: " ... فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه" (٣). ولما ناقش الدارمي بشراً المريسي قال: " .. ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ [الشعراء: ١٥]، وقال: لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٧٧] ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، ولَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: ١٨١]، ولم يقل قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال في موضع الرؤية: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وقال وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ [التوبة: ١٠٥]، ولم يقل: يسمع تقلبك ويسمع الله عملكم، لم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندك" (٤).

стр. 299

الوجه الثالث في مناقشة الأشاعرة: تفريقكم بين صفتي السمع والبصر باعتبار الدلالة اللغوية هو استدلال عليكم لا لكم، إذ السمع في اللغة: إدراك المسموعات، والبصر: إدراك المبصرات كما هو معلوم ضرورة، فتبين أنهم مخالفون للوضع اللغوي كذلك. وأما كون السمع والبصر صفتين ذاتيتين فعليتين، فإن الأشاعرة لا ينازعون في كونهما ذاتيتين، وإنما الكلام معهم في كونهما فعليتين أيضاً، وهم لا ينفون وجود تعلق بين السمع والمسموعات والبصر والمبصرات بعد حدوثها، فيقال لهم عندئذ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا التعلق إما أن يكون وجوداً وإما أن يكون عدماً، فإن كان عدماً فلم يتجدد شيء، فإن العدم لا شيء، وإن كان وجوداً بطل قولهم" - إذ هو الفعل عينه الذي فروا من إثباته بدعوى تنزيه الله من حلول الحوادث به - "وأيضاًَ فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع، فلا تحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك" (١).ومن الأدلة الدالة على إثبات السمع والبصر الفعليين؛ ففي الرؤية والنظر قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥]. فالسين من قوله: فَسَيَرَى اللهُ تمحض الفعل المضارع للاستقبال، وهذا يدل على أنه يرى أعمالهم بعد نزول الآية. ومن ذلك قول الله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٤]. فاللام في قوله لِنَنظُرَ هي لام كي الدالة على التعليل "وهذا يقتضي أن ما بعدها متأخر عن المعلول، فنظره كيف يعملون هو بعد أن جعلهم خلائف" (٢).وأما في السمع فكقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]. فأخبر الله أنه يسمع - بصيغة المضارع الدالة على الحال - تحاور المجادلة مع الرسول ﷺ حين كانت تجادل وتشتكي إلى الله. وقال الرسول ﷺ : ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)) (٣)، فقوله: ((يسمع الله لكم)) إثبات لسمع يتضمن سمع القول وسمع قبوله وإجابته، وقد وقعت هذه الجملة جزاءً وجواباً للحمد، ومعلوم أن جواب الشرط والأمر يقع بعدهما، فدل ذلك على أن السمع هنا واقع بعد القول، وهذا إثبات للفعل (٤). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٠٢

стр. 300

أشار شيخ الإسلام إلى الخلاف فيهما (أي: السمع والبصر) فقال: "وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين (١).والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه والأشعري، والقول بتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية وطوائف سواهم، والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية، كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد، وفي أصحابه من قال بالأول، ومنهم من قال بالثاني، والسالمية تنتسب إليه" (٢).وقد شرح شيخ الإسلام المذهب الحق في ذلك فقال: "وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم، كما قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور - والتحاور تراجع الكلام - بينها وبين الرسول، قالت عائشة: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي ﷺ في جانب البيت وإنه لخيفى على بعض كلامها فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١])) (٣). وقال تعالى لموسى وهارون: قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] وقال: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] " (٤).فالله تعالى إذا خلق العباد فعملوا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطيل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن (٥). خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف - الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر - بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط.

стр. 301

وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة حين يذكر ردود بعضهم على بعض - وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم -.فإن شيخ الإسلام وهو يرد على الجويني في مسألة حلول الحوادث (١)، ألزمه ذلك في مسألة السمع والبصر فقال: "ما ذكره (أي الجويني) أن المعتزلة قصدهم من طرد الدليل في هذه المسألة (أي مسألة حلول الحوادث) أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن يدل على الحدوث، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات" (٢) - قال ابن تيمية - يلزمه مثل ذلك في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وأما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحاله قبل وجودها في السمع والبصر، أو لا يكون. فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد، لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث، ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء" (٣).وقول ابن تيمية هنا في "العلم" ليس رجوعا عن قوله السابق: إن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده، مع علمه السابق وإنما قصد هنا أن مسألة السمع والبصر أكثر وضوحا من مسألة العلم ن لأن العلم يتعلق بالمعدوم، أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموع والمبصر من الموجودات، فلو احتج محتج على جواز تعلقهما بالمعدوم حتى لا يقال عند وجود المبصر والمسموع إنه تعالى حلت به الحوادث - على صفة العلم لم تقبل حجته، لأن العلم يجوز أن يتعلق بالمعدوم قبل وجوده ففارق السمع والبصر في ذلك، فابن تيمية قطع الاحتجاج بالعلم أولاً، مع أن التحقيق في مسألة العلم أنه لو احتج بها لم يكن له بها حجة، لأن القول بأن علمه تعالى بالشيء بعد وجوده هو نفس علمه به قبل وجوده قول غير صحيح، والدليل على ما قصده ابن تيمية أن الرازي في غالب كتبه سار على طريقة الأشاعرة في أن علم الله واحد لا يتغير مع وجود المعلوم (٤)، إلا أنه في صفة السمع والبصر لم يحتج بالعلم، بل اعترف بضعف جواب المعترضين وقال: إن قول الكرامية بحلول الحوادث ليس محالا. وذلك أن شيخ الإسلام قال بعد الكلام السابق: "وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبدالله الرازي والتزم قول الكرامية، بعد أن أجاب بجواب ليس بذلك؛ فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لابد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث، ويلزم أن يتغير وكلاهما محال، وقال - أي الرازي - في الجواب (٥):

стр. 302

"لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم، ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما، قال: وهذا هو المعني بقول أصحابنا في السمع والبصر: إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض له، فإن قال قائل: فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان، فهذا هو تقرير المذهب، ثم (لئن) سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية. وقوله: يلزم أن يكون محلا للحوادث، قلنا: إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها فهذا هو المذهب، فلم قلتم: إنه محال، وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه، هذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغير في ذات الله. قال شيخ الإسلام معلقا على قول الرازي هذا: "قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك أن قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه ... عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا، أم لا يكون، فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأى ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي، قائم بذات السامع والرائي، وأنه ليس أمرا عدميا، ولا واسطة بين الوجود والعدم" (١).فالأشاعرة فسروا السمع والبصر بالإدراك، ثم جعلوه ثابتا في العدم، ثم قالوا إنه لا يتعلق إلا بالموجود، وجعلوا تعلقه بالموجود عدماً محضاً، وهذه أقوال فاسدة (٢). ولاشك أن اعتراف الرازي مهم جدا لأنه بين إلى أي حد كانت قناعة الأشاعرة بمنهجهم في إثباتهم لهذه الصفات. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ١٠٤٩

стр. 303

المطلب الثاني: صفة العلم (١): يقول شيخ الإسلام موضحا الخلاف في علم الله وتعلقه بالمستقبل: "الناس المنتسبون على الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته، ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم، وهذا قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات، لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم، لا بين العلم والمعلوم. وقد تنازع الأولون: هل له علم واحد أو علوم متعددة؟ على قولين: والأول قول الأشعري وأكثر أصحابه، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، ونحو هؤلاء والثاني قول أبي سهل الصعلوكي. والقول الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها، وهذا أصل قول القدرية الذين يقولون: لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف، لم يسبق القدر لشقاوة ولا سعادة، وهم غلاة القدرية .... والقول الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها، ويعلمها بعلم آخر حين وجودها" (٢). وهذا قول السلف، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر من الفلاسفة، وقول الرازي في المطالب العالية، وهو مخالف لما ينسب إلى الجهم الذي يقول بتجدد علم قبل الحدوث، والذي في القرآن أن التجدد يكون بعد الوجود (٣). يقول شيخ الإسلام: "لا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهو يتجدد له على آخر؟ أم علمه به معدوما هو علمه به موجودا؟ هذا فيه نزاع بين النظار" ثم قال عن القول الأول – وهو أنه يتجدد له علم آخر – "وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشر مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف" (٤).فقول الأشاعرة إنه لا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة هذا بناء على نفيهم لحلول الحوادث، لأنه يلزم من ذلك التغير في ذات الله، وقد ذكر شيخ الإسلام أن "التغير" من حجج الفلاسفة على نفي علم الله وأنهم قالوا: "العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأنه قد كان، فيلزم أن يكون محلا للحوادث" (٥). قال شيخ الإسلام: "وهم ليس لهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا – لا بينة ولا شبهة – وإنما نفوه لنفيهم الصفات، لا لأمر يختص بذلك" ثم قال: "بخلاف من نفي ذلك (أي التغير) من الكلابية ونحوهم، فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا: لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث" (٦)، ثم بين شيخ الإسلام أن الرازي والآمدى بينا فساد المقدمة الأولى – وهي أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها – وأن الفلاسفة وكثيرا من النظار منعوا المقدمة الثانية المبنية على منع حوادث لا أول لها، وقالوا إن القديم تحله الحوادث، وجوزوا حوادث لا أول لها (٧).

стр. 304

أما شبهة التغير في مسألة العلم – التي جاء بها الفلاسفة – المبنية على المقدمتين السابقتين: ما قامت به الحوادث لم يخل منها – وما لم يخل من الحوادث فهو حادث – فللنظار في جوابها طريقان: أحدهما: منع المقدمة الأولى بالنسبة للعلم وأنه لا يلزم منه حلول الحوادث، وهذا قول الأشاعرة الذين قالوا: "إن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان، وأن المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم، لا أمر ثبوتي" (١).والثاني: منع المقدمة الثانية، وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهؤلاء قالوا: "لا محذور في هذا، وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون، فإن هذا يستلزم أنه لم يكن عالما، وأنه أحدث بلا علم، وهذا قول باطل" (٢)، وهذا قول هشام بن الحكم وابن كرام والرازي وطوائف غير هؤلاء.

стр. 305

ومما سبق يتبين حقيقة الخلاف، وعلاقته بمسألة حلول الحوادث التي جعل الأشاعرة منعها أحد أصولهم التي لا يتنازلون عنها، ومما سبق أيضا يتبين المذهب الحق في ذلك، وأن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده مع علمه السابق به قبل وجوده، وأن علمه الثاني والأول ليس واحدا، وهذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]، وقوله وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ – إلى قوله - وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ٣ - ١١] وقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١]، وغيرها. يقول شيخ الإسلام حول هذه الآيات: "وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: إِلاَّ لِنَعْلَمَ وحَتَّى نَعْلَمَ، ويتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون، وهذا جهل؛ فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا، وكتب ذلك، وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوه، ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون، فهذا هو الكمال، وبذلك جاء القرآن في غير موضع، بل وإثبات رؤية الرب له بعد وجوده، كما قال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥]، فأخبر أنه سيرى أعمالهم ... " (١).ثم ذكر شيخ الإسلام أقوال المفسرين في قوله إِلاَّ لِنَعْلَمَ [البقرة: ١٤٣] فقال: "وروى عن ابن عباس في قوله: إِلاَّ لِنَعْلَمَ أي لنرى، وروى لتميز وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون، ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب، قال فمعنى قوله لِنَعْلَمَ أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد، وهذا كقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ [يونس: ١٨]، أي بما لم يوجد، فإنه لو وجد لعلمه، فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازما، يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه" (٢).فالعقل والقرآن يدلان على أن علمه تعالى بالشيء بعد فعله قدر زائد عن العلم الأول (٣). وتسمية ذلك تغيرا أو حلولا لا يمنع من القول به ما دام دالا على الكمال لله تعالى من غير نقص، وما دامت أدلة الكتاب والسنة تعضده. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٠٥٤

стр. 306

وقال الأشعري في أحد قوليه لا يقال (أي عن علم الله) هو الله ولا هو غير الله، وقال في قول له آخر وافقه عليه الباقلاني وجمهور أصحابه: "إن علم الله تعالى هو غير الله وخلاف الله وأنه مع ذلك غير مخلوق لم يزل" "الفصل ٢/ ١٢٦". أما قولهم في أن ليس لله تعالى علم فمخالف للقرآن وما خالف القرآن فباطل، ولا يحل لأحد أن ينكر ما نص الله تعالى عليه، وقد نص الله تعالى على أن له علماً فمن أنكره فقد أنكر على الله تعالى، وأما اعتراضاتهم التي ذكرنا ففاسدة كلها وسنوضح فسادها إن شاء الله تعالى في إفسادها لقول الجهمية والأشعرية، لأن هذه الاعتراضات هي اعتراضات هاتين الطائفتين وبالله التوفيق "الفصل ٢/ ١٢٧". قول من قال أن علم الله تعالى هو غير الله تعالى وخلافه وأنه ما يزل مع الله تعالى. هذا قول لا يحتاج في رده إلى أكثر من أنه شرك مجرد وإبطال للتوحيد، لأنه إذا كان مع الله تعالى شيء غيره لم يزل معه، فقط بطل أن يكون الله تعالى كان وحده بل قد صار له شريك في أنه لم يزل: وهذا كفر مجرد ونصرانية محضة مع أنها دعوى ساقطة بلا دليل أصلاً، وما قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاث مئة عام، فهو خروج عن الإسلام وترك للإجماع المتيقن. وقد قلت لبعضهم: إذا قلتم إنه لم يزل مع الله تعالى شيء آخر هو غيره وخلافه، ولم يزل معه فلماذا أنكرتم على النصارى في قولها إن الله ثالث ثلاثة، فقال لي مصرحاً: ما أنكرنا على النصارى إلا اقتصارهم على الثلاثة فقط ولم يجعلوا معه تعالى أكثر من ذلك فأمسكت عنه أن صرح بأن قولهم أدخل في الشرك من قول النصارى، وقولهم هذا رد لقول الله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]، فلو كان مع الله غير الله لم يكن الله أحد. وما كنا نصدق من أن ينتمي إلى الإسلام يأتي بهذا لولا أنا شاهدناهم وناظرناهم ورأينا ذلك صراحاً في كتبهم ككتاب السمناني قاضي الموصل في عصرنا هذا وهو من أكابرهم وفي كتاب (المجالس) للأشعري وفي كتب لهم آخر "الفصل ٢/ ١٣٥". ووجدنا المتأخرين من الأشعرية كالباقلاني وابن فورك وغيرهما قالوا: إن هذه الأسماء ليست أسماء الله تعالى، ولكنها تسميات له وأنه ليس لله إلا اسم واحد. لكنه قول إلحاد ومعارضة الله بالتكذيب بالآيات التي تلونا ومخالفة لرسول الله فيما نص عليه من عدد الأسماء وهتك لإجماع أهل الإسلام عامهم وخاصهم قبل أن تحدث هذه الفرقة. وهذا لا يجوز البتة لأنه لم يصح به نص البتة، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، وقد قال تعالى وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] فصح أن القديم من صفات المخلوقين، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى بذلك، وإنما يعرف القديم في اللغة من القديمة الزمانية أي أن هذا الشيء أقدم من هذا بمدة محصورة، وهذا منفي عن الله تعالى وقد أغنى الله عن هذه التسمية بلفظة أول، فهذا هو الاسم الذي لا يشاركه تعالى فيه غيره وهو معنى أنه لم يزل "الفصل ٢/ ١٥١ - ١٥٢". وقد رأيت لابن فورك وغيره من الأشعرية في الكلام في هذا الحديث أنهم قالوا في معنى قوله ﵇ أن الله خلق آدم على صورته، إنما هو على صفة الرحمن من الحياة والعلم والاقتدار واجتماع صفات الكمال فيه وأسجد له ملائكته كما أسجدهم لنفسه وجعل له الأمر والنهي على ذريته كما كان لله كل ذلك. هذا نص كلام أبي جعفر السمعاني عن شيوخه حرفاً حرفاً، وهذا كفر مجرد لا مرية فيه لأنه سوى بين الله وآدم في الحياة والعلم والاقتداء واجتماع صفات الكمال فيهما، والله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. ثم لم يقنعوا بها حتى جعلوا سجود الملائكة لآدم كسجودهم لله ، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن سجودهم لله تعالى سجود عبادة ولآدم سجود تحية وإكرام، ومن قال: إن الملائكة عبدت آدم كما عبدت الله فقد أشرك "الفصل ٢/ ١٦٨". المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ٣٣

стр. 307

المطلب الثالث: كلام الله • المسألة الأولى: نشأة قول الأشاعرة في كلام الله، وأسبابه. • المسألة الثانية: الرد عليهم في قولهم بالكلام النفسي. • المسألة الثالثة: هل كلام الله بحرف وصوت؟. • المسألة الرابعة: القرآن العربي كلام الله وغير مخلوق.

стр. 308

المسألة الأولى: نشأة قول الأشاعرة في كلام الله، وأسبابه قلما يعرض شيخ الإسلام لمسألة الكلام وأقوال الكلابية والأشاعرة فيه إلا ويعرض لنشأة مذهبهم في ذلك، تلك النشأة التي أصبحت تمثل مذهبا خاصا بهم، تميزوا به عن غيرهم. وقد بين شيخ الإسلام أن قول الأشاعرة في كلام الله جزء من مذهبهم في الصفات الاختيارية القائمة بالله، والتي نفوها لأجل دليل حدوث الأجسام والأعراض الذي استدلوا به على حدوث العالم - وقد سبق شرحه عند الكلام على توحيد الربوبية، وعلى ما نفوه من الصفات - وأول من ابتدع مقالة نفي الصفات الفعلية القائمة بالله ومقالة القول بقدم كلام الله وأنه معنى واحد ليس بحرف ولا صوت ابن كلاب، وتبعه على ذلك الأشاعرة. فإن الناس قبل ابن كلاب كانوا في الصفات على قولين: - قول أهل السنة الذين يثبتون جميع الصفات، كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والوجه واليدين والعين والمجيء والنزول والاستواء والغضب والمحبة وغيرها، دون أن يفرقوا بين صفات الذات، وصفات الفعل المتعلقة بمشيئته وقدرته. - وقول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون جميع هذه الصفات دون تفريق. - ولم يكن هناك قول ثالث غيرهما حتى جاء ابن كلاب فأثبت لله الصفات المعنوية والذاتية كالعلم والإرادة والكلام والوجه واليدين، ونفي ما يتعلق بمشيئته وإرادته مما يقوم بذاته، من الصفات الاختيارية. وتبعه على ذلك الأشعري وجمهور الأشاعرة. وكذلك كانوا في كلام الله على قولين: - قول المعتزلة والجهمية الذين يقولون إن كلام الله مخلوق خلقه في غيره. ولذلك قالوا بخلق القرآن. - قول أهل السنة الذين يثبتون صفة الكلام وأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وأنه كلم موسى، ويكلم عباده يوم القيامة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا شامل لحروفه ومعانيه، وأن نوع الكلام قديم وجنسه حادث بناء على أن الله يتكلم بمشيئته وإرادته. - ولم يكن هناك قول ثالث حتى جاء ابن كلاب فابتدع القول بأن كلام الله قديم، وأنه معنى واحد، وأنه لا يتعلق بمشيئة الله وإرادته. يقول شيخ الإسلام في جواب سؤال عن أن القول بأن كلام الله قديم، لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم بذات الله، هو قول الأشعرية - فقال: "هذا صحيح ولكن هذا القول أول من قاله في الإسلام عبدالله بن كلاب، فإن السلف والأئمة، كانوا يثبتون لله تعالى ما يقوم به من الصفات، والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته. والجهمية تنكر هذا وهذا، فوافق ابن كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة، وأنكر أن يقوم به شيء يتعلق بمشيئته وقدرته ... " (١)، ثم ذكر أن الأشعري وافق ابن كلاب على قوله. وابن كلاب والأشعري إنما ابتدعا هذا القول - في كلام الله وفي الصفات الاختيارية - لتقصيرهما في علم السنة، وتسليمهما للمعتزلة أصولا فاسدة، فصارا يوافقان المعتزلة في بعض أصولهم وإن لم يكونا موافقين لهم بإطلاق (٢).

стр. 309

وقد نقل شيخ الإسلام نصا لأبي نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد - والتي تسمى باسم: الرد على من أنكر الحرف والصوت - بين فيه نشأة قول ابن كلاب ومن اتبعه في كلام الله فقال: "اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم - الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم، بل أخس منهم في الباطن - من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا، ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف منسقة،، وأصوات مقطعة، وقالت (العرب) - يعني علماء العربية -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا. فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك، زعما منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف ... قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: خلق الله، وعبدالله، وفعل الله. فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل. فإلتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان, خرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمى ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه: "تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام، ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة تشبيه، وتعلقوا بشبه منها قول الأخطل: إن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا (١)

стр. 310

فغيره وقالوا: إن الكلام من الفؤاد (١) " (٢).ثم نقل شيخ الإسلام نصوصا أخرى للسجزي وللكرجي، ولأبي حامد الإسفراييني الذي اشتهر عنه مخالفة ابن كلاب والأشاعرة في مسألة كلام الله، التي تطرق إليها في أصول الفقه عند الكلام على صيغ الألفاظ، وأن الأمر هل هو أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به (٣). ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على هذه النصوص التي نقلها، مبينا الأصل والسبب الذي حدا بابن كلاب والأشعري إلى أن يقولا في كلام الله ما قالا، قال-: "وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل، أنهم لما اعتقدوا أن الله لا تقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك، وقد تبين لهم فساد قول من يقول: القرآن مخلوق، ولا يجعل لله تعالى كلاما قائما بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولا منفصلا عن المتكلم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئا من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، ... وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف، مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم، ولازم هذا أن من قال: القرآن العربي مخلوق، أن لا يكون القرآن العربي كلام الله، بل يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه ... والمقصود هنا: أن عبدالله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلم لابد أن يقوم به، فما لا يكون إلا بائنا عنه لا يكون كلامه، كما قال الأئمة: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقالوا: "منه بدأ" ردا على الجهمية الذين يقولون: بدأ من غيره. ومقصودهم أنه هو المتكلم به كما قال تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: ١] وقال تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة: ١٣] وأمثال ذلك. ثم إنهم - مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا - اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورا له متعلق بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدورا مرادا، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحدا، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفا من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا معنى واحدا، فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم. وأنكر الناس عليهم أمورا: - إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر. - وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله. - وإن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن. - وإن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته واختياره، - وتكليمه لمن كلمه من خلقه - كموسى وآدم - ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط. ثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود، فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع، كما يقوله أبو الحسن. ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال، لا منه ولا من غيره؛ إذ هو معنى، والمعنى يفهم ولا يسمع، كما يقوله أبو بكر ونحوه.

стр. 311

ومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارئ مع صوته المسموع منه، كما يقول ذلك طائفة أخرى. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة، وإنما الجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم ... " (١). فهذه الأصول الفاسدة - مع معدم المعرفة التامة بأصول السنة - هي التي أوقعت الكلابية والأشعرية في هذه البدعة الكبرى في كلام الله، كما شرحه قبل قليل السجزي المتوفى سنة ٤٤٤هـ، ثم بينه وزاده تحقيقا شيخ الإسلام ابن تيمية. ومما سبق يتبين أن هذا القول بقدم القرآن وأنه معنى واحد أول من ابتدعه ابن كلاب (٢)، وأن الذين اتبعوه في أقواله في كلام الله - بناء على نفي الصفات الاختيارية القائمة بالله - طائفتان. الطائفة الأولى: الأشاعرة ومن اتبعهم، وهؤلاء قالوا بقول ابن كلاب تماماً، ولم يخالفوه إلا في ثلاث مسائل: أ- إحداها: مسألة أزلية الأمر والنهي، أي هل كان في الأزل آمرا وناهيا؟ أو صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن، أي عند وجود المأمور والمنهي. الأولى - وهو القول بأزلية الأمر والنهي هو قول الأشعري، والثاني قول ابن كلاب (٣).ب- والثانية: أن الكلام مع القول بقدمه وأزليته وأنه معنى واحد: هل هو صفة واحدة، أو خمس صفات، الأول هو قول الأشعري، والثاني قول ابن كلاب (٤). ج- والثالثة: أن القرآن حكاية عن كلام الله عند ابن كلاب، وعبارة عنه عند الأشعري. والطائفة الثانية: السالمية ومن اتبعهم، جعلوا الأزلية للحروف والأصوات، ليجمعوا بين: موافقة ابن كلاب على نفي أن تقوم بالله الصفات الاختيارية، وموافقة الجمهور على أن الكلام ألفاظ ومعاني (٥). وابن كلاب ومن اتبعه من هاتين الطائفتين مخالفون لأقوال جمهور السلف وأئمة الحديث والسنة، بل وجمهور العقلاء. ومما سبق من بيان نشأة قول الأشاعرة في كلام الله وأسبابه والأصول التي قادتهم إلى أقوالهم يتبين ما يلي: ١ - أن قولهم هذا مبتدع في الإسلام، خالفوا فيه إجماع الناس. ٢ - أن ادعاء الأشاعرة أن قولهم موافق لقول السلف غير صحيح؛ لأن مذهب السلف كان معروفا قبل ابن كلاب، ولما ابتدع مقالته تلك اشتد نكير جماهير السلف عليه وعلى أتباعه. ٣ - أن أتباع ابن كلاب انقسموا إلى طائفتين: الأشعرية، والسالمية، وكل طائفة تطعن في قول الطائفة الأخرى. وهذا يدل على بطلانهما جميعا.٤ - بطلان دعوى الإجماع التي ادعوها على صحة قولهم (٦).

стр. 312

المسألة الثانية: الرد عليهم في قولهم بالكلام النفسي أثبت الأشاعرة بإجمال صفة الكلام لله، وقالوا خلافا للمعتزلة والجهمية وغيرهم من النفاة إن هذه الصفة ثابتة، قائمة بالله تعالى، ولكنهم فسروها بأنها معنى يقوم بذات الله، لازم له أزلا وأبدا، وسموا هذا المعنى بالكلام النفسي وقالوا إن هذا المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سر وعلانية، ولا يكون منه شيء في نفس الرب وشيء منه عند الملائكة، بل أسماع الملائكة أو غيرهم لكلامه إنما هو خلق إدراك لهم فقط (١). فحصروا الكلام بما يقوم بالنفس، وأنه لازم للذات لا ينفك عنها، وأن الألفاظ والحروف ليست كلاما. وقد احتجوا لأقوالهم بعدة حجج منها: ١ - قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ [المجادلة: ٨]. ٢ - وقوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً [الأعراف: ٢٠٥]. ٣ - قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الملك: ١٣]. فسمى الإسرار قولا. ٤ - وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا [عمران: ٤١]. - وقول عمر – ﵁ – (زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها). ٦ - وقول الأخطل السابق: إن الكلام لفي الفؤاد ... .. هذه أهم حججهم على الكلام النفسي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الحجج، وبين أنه لا دليل لهم فيها:

стр. 313

١ - أما قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] فعنه جوابان: أحدهما: أن المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرا، وحينئذ فلا حجة لهم فيه. وهذا هو الذي ذكره المفسرون، حيث كانوا يقولون: سام عليك، فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول (١).والثاني: أنه قيده بالنفس، وهذا على أن المقصود أنهم قالوه بقلوبهم، وإذا قيد القول بالنفس كان دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل)) (٢)، وهذا رد عليهم مطلقا لأنه قال "ما لم تتكلم" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق.٢ - وأما قوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [الأعراف: ٢٠٥] فالمقصود الذكر باللسان لأنه قال "تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول"، ومن استقراء النصوص يتبين أن الذي يقيد بالنفس لفظ "الحديث"، مثل الحديث السابق: "وما حدثت به أنفسها"، أما لفظ "الكلام" فلم يعرف أنه أريد به ما في النفس فقط (٣).٣ - أما قوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الملك: ١٣] واحتجاجهم على أن القول المسر في القلب دون اللسان لقوله تعالى في آخر الآية إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، فـ "هذه حجة ضعيفة جدا؛ لأن قوله وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ يبين أن القول يسر به تارة، ويجهر به أخرى، وهذا إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة، وقوله بعد ذلك: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا كان عليما بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى" (٤).٤ - أما قوله تعالى: آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا [آل عمران: ٤١] فقد ذكر في مريم ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠] و"لم يستثن شيئا، والقصة واحدة، وهذا يدل على أن الاستثناء منقطع، والمعنى: آيتك ألا تكلم الناس، لكن ترمز لهم رمزا" (٥).٥ - أما قول عمر في قصة السقيفة "زورت في نفسي مقالة" فهي حجة عليهم، لأن التزوير: إصلاح الكلام وتهيئته، "فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله ولم يقله، فعلم أنه لا يكون قولا إلا إذا قيل باللسان، وقبل ذلك لم يكن قولا، لكن كان مقدرا في النفس، يراد أن يقال، كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج وأنه يصلي، وأنه يسافر، إلى غير ذلك، فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في النفس، ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجدت في الخارج ... (٦) " وهذا يدل عليه الحديث السابق: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل.

стр. 314

٦ - أما البيت المنسوب للأخطل، ففيه ما فيه من ناحية صحة نسبته إليه، حتى ألفاظ البيت حرفت لتوافق مقصود من استشهد به من أهل الكلام، وقد تعجب شيخ الإسلام من هؤلاء الذين يحتجون بهذا البيت الذي قاله نصراني، ولم يثبت عنه – فقال: "ولو احتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول، وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد وأكثر من واحد، ولا تلقاه أهل العربية بالقبول، فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة، فضلا عن مسمى الكلام" (١)، وقد أطال شيخ الإسلام في المناقشة بما يشفي ويكفي (٢). هذه أدلة الأشاعرة النقلية واللغوية على قولهم بالكلام النفسي، مع بيان بطلان استدلالهم فيها، وبيان أنها في الرد عليهم أقرب من أن تكون دليلا لهم. وشيخ الإسلام لم يقتصر على مثل هذه الردود، وإنما ناقش حقيقة مذهبهم في الكلام النفسي، وأن قولهم فيه باطل، وقد جاءت هذه المناقشة المهمة في التسعينية من خلال عدد من الأوجه (٣)، ويمكن تلخيص مناقشاته هذه بما يلي: اعترض على دعوى الأشاعرة بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس فقيل لهم: أنتم قلتم إن الكلام هو الخبر والأمر والنهي، وأن ذلك كله معنى يقوم بالنفس، فيقال لكم إذا كان الكلام عندكم لا صيغة له فما الفرق بين الخبر والعلم، وبين الأمر والنهي والإرادة؟ لأن الخبر – بدون صيغة وألفاظ – ليس غير العلم الذي يقوم بالنفس، وكذا الأمر والنهي – بغير صيغة ولفظ الأمر والنهي – وليس غير الإرادة التي تقوم بالنفس. وإذا صح هذا كان إثباتكم للكلام النفسي على أنه الخبر والأمر والنهي إنما يرجع إلى صفتي: العلم والإرادة، والنتيجة أن قولكم يؤدي إلى إنكار صفة الكلام، لأن ما أثبتموه من الكلام النفسي لم يكن غير العلم والإرادة. أجاب الأشاعرة عن ذلك – كما يعبر عنهم الرازي – بما يلي: أ- أجاب بعضهم بأن الخبر يؤول إلى العلم، بناء على أن بعض الناس قال في الكلام إن الأمر والنهي يؤول إلى الخبر، وإذا كان كذلك فلم لا يؤول الخبر أيضا إلى العلم. ولكن شيخ الإسلام ضعف هذا الجواب بناء على أن الإنسان يجد في نفسه فرقا بين الطلب والخبر (٤).ثم إنه أجاب عن ذلك بأن الرازي والأشاعرة إذا كانوا قد أجابوا عن مسألة الأمر والنهي بأن الله قد يأمر بما لا يريد – ومعهم في هذا حق بالنسبة للإرادة الكونية – إلا أنهم لم يمكنهم أن يقولوا: إن الله أخبر بما لا يعلمه، أو بما يعلم ضده، بل علمه من لوازم خبره، ولهذا أخبر الله تعالى عن رسوله بأن القرآن لما جاءه، جاءه العلم فقال تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: ٦١] وقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة: ١٢٠]، وهذا مما احتج به الأئمة على تكفير من قال بخلق القرآن، لأن الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، وقول المعتزلة يستلزم أن يكون علم الله مخلوقا (٥).

стр. 315

أما دعوى أن الإنسان قد يحكم أو يخبر بخلاف علمه – وهي حجة الرازي التي سبقت – فإن شيخ الإسلام رد عليها من وجوه: أحدها: أن الأشاعرة أنفسهم قد أقروا بفسادها؛ وذلك "أنهم يحتجون على وجوب الصدق لله بأن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب العلم لله، وامتناع الجهل، وهذا الدليل قد ذكره جميع أئمتهم حتى الرازي ذكره – لكن قال: إنما يدل على صدق الكلام النفساني لا على صدق الحروف الدالة عليه – وإذا جاز أن يتصف الحي بحكم نفساني لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، بل يعلم خلافه، امتنع حينئذ أن يقال: الحكم النفساني مستلزم للعلم، أو أنه يمتنع أن يكون بخلاف العلم فيكون كذبا. وهذا الذي قالوه تناقض في عين الشيء، ليس تناقضا من جهة اللزوم ... " (١)، ووجه التناقض واضح فإنهم لما أرادوا أن يقولوا أن الخبر قد يغاير العلم استدلوا بأن الإنسان قد يحكم ويخبر بخلاف علمه مما هو كذب، فيكون خبره مخالفا لعلمه، ثم قالوا في الاستدلال على أن الله صادق أن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب العلم لله وامتناع الجهل، وعليه فيمتنع أن يكون في خبر الله ما يخالف علمه، وهذا يناقض القول السابق بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه. وإذا علم أن أصل المسألة إنما يتعلق بخبر الله وعلمه لا خبر الإنسان وعلمه بأن تناقضهم، ولم يفدهم شيئا كون ذلك قد يقع للإنسان، لأنهم إنما احتجوا بذلك ليتوصلوا به إلى صحة مغايرة الخبر للعلم بالنسبة لله، وهم يقولون إن خبر الله لا يخالف علمه. الثاني- تناقضهم أيضا في مسألة الإيمان، فإنهم يقولون – كما يقول الجويني – "عن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى، فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحيق كلام النفس، ولا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد" (٢)، قال شيخ الإسلام مبينا تناقضهم: "وهذا تصريح بأنه لا يكون (أي الإيمان والتصديق) مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوه به كلام النفس وادعوا أنه مغاير للعلم" (٣)، ويلاحظ هنا أن الجويني صرح بأن التصديق – على التحقيق – كلام النفس، ثم صرح بأنه لا يكون كلام النفس إلا مع العلم. وهذا مناقض تماما لما ذكروه في الكلام النفسي. ولبعض الأشاعرة تناقض آخر في مسألة الإيمان، حيث صرح أبو إسحاق بأن الإيمان هو التصديق، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالمعرفة والإقرار، وإذا كان من المعلوم أن الإقرار إنما يكون باللسان، كان هذا مناقضا لما ادعوه من أن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس (٤).الثالث: أن دعواهم – في مغايرة الخبر للعلم – بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه مما هو كذب "يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله، وإذا فسد ذلك لم ينفعهم إثبات كلام له يجوز أن يكون صدقا أو كذبا، بل لم ينفعهم إثبات كلام لم يعلموا وجوده إلا وهو كذب؛ فإنهم لم يثبتوا الخبر النفساني إلا بتقدير الخبر الكذب، فهم لم يعلموا وجود خبر نفساني إلا ما كان كذبا، فإن أثبتوا لله ذلك كان كفرا باطلا خلاف مقصودهم وخلاف إجماع الخلائق، إذ أحد لا يثبت لله كلاما لازما لذاته هو كذب، وإن لم يثبتوا ذلك لم يكن لهم طريق إلى إثبات الخبر النفساني بحال، لأنا حينئذ لم نعلم وجود معنى نفسانيا صدقا غير العلم ونحوه لا شاهدا ولا غائبا" (٥).

стр. 316

الرابع: أن الله تعالى قال: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] "فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب الكذب، والتكذيب بالحق المعلوم – ليس هو كذبا في النفس ولا تكذيبا فيها، وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به ولا يخبر في نفسه بخلاف علمه" (١)، وقد اعترض على هذا باعتراض أجاب عنه شيخ الإسلام (٢).ولشيخ الإسلام مناقشات وأوجه أخرى في الرد (٣). وبهذه الأوجه يتبين أن ما ادعاه الأشاعرة من أن الخبر يغاير العلم غير صحيح بالنسبة لله، وإذا ثبت هذا تبين أن إثباتهم للكلام النفسي ليس شيئا غير صفة العلم، فأين صفة الكلام التي أثبتوها مغايرة لصفة العلم؟. ب- أما بالنسبة لقولهم في مغايرة الأمر والنهي للإرادة بأن الله قد يأمر بما لا يريد، فقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة منها: الأول: أنه احتج بإرادة الكائنات، وهذا في الإرادة الشاملة لكل موجود المنتفية عن كل معدوم وهي الإرادة الكونية القدرية، وهذه ليست الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي، لأن هذه مستلزمة للمحبة والرضا. وقد جاءت النصوص بالتفريق بين الإرادتين، فالكونية مثل قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [الأنعام: ١٢٥] والثانية مثل قوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦]، وغيرها كثير (٤). الثاني: أن احتجاج الرازي بإرادة الكائنات – وهي الإرادة الكونية – وأن الله قد يأمر بما لا يريد – معارض بأن النهي مستلزم لكراهة المنهي عنه، كما أن الأمر مستلزم لمحبة الأمور به، والمكروه لا يكون مرادا – شرعا -. والمنهي عنه إذا وقع – يعتوره أمران: - أنه مراد إرادة كونية شاملة. - وأنه غير مراد الإرادة الدينية، بل هو مكروه. فالإرادة المنفية عن المكروه الواقع غير الإرادة اللازمة له، وكل منهي عنه وإن كان مرادا فهو مكروه والكراهة مستلزمة له، فإجابة الرازي بأن إرادة الكائنات فيها ما هو منهي مردودة بأن ما كان منها منهيا عنه فهو مكروه، فلزمت الكراهية النهي وإن كان مرادا كونا وهذا يضعف احتجاجه بأن الله قد ينهي عما يريد. وقد أجاب الرازي بقوله: لا نسلم أنها مكروهة، بل هي منهي عنها. ولكن هذا الجواب مخالف لإجماع المسلمين بل لما علم بالضرورة من الدين، والله تعالى يقول: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨].الثالث: أن الرازي لما طولب بالفرق بين الطلب والإرادة ذكر وجهين ضعيفين، ذكرهما شيخ الإسلام وناقشهما (٥). ومع ذلك فإن شيخ الإسلام قد ذكر أن تفريق الأشاعرة بين الخبر والعلم ليس عندهم فيه أي دليل صحيح، بخلاف تفريقهم بين الأمر والنهي وبين الإرادة، بأن الله قد يأمر بما لا يريد، مع ما في هذا الدليل مما سبق بيانه.

стр. 317

وبما سبق من مناقشة أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي، وما تلاه من اعتراض عليهم بأنه لا فرق بين الخبر والعلم، ولا بين الأمر والنهي والإرادة، ما داموا حصروا الكلام بأنه ما قام بالنفس فقط، فصفتا العلم والإرادة تقوما مقامه. الرد عليهم في قولهم بقدم الكلام وأن الله لا يتكلم بمشيئته: وهذا مبني – كما سبق – على نفيهم لقيام الصفات الاختيارية بالله، فقالوا بقدم الكلام ومنعوا أن يكون الله يتكلم إذا شاء متى شاء، ومذهب أهل السنة والجماعة إن الله لم يزل متكلما إذا شاء، وأن كلام الله لآدم أو لموسى أو للملائكة، كل في وقت تكليمه ومناداته، أي أنه تعالى لم يناد موسى قبل خلقه ومجيئه عند الشجرة، وإن كانت صفة الكلام أزلية، وقد بنى أهل السنة مذهبهم على مقدمتين:

стр. 318

- على أن الأمور الاختيارية تقوم بالله. - وعلى أن كلام الله لا نهاية له كما قال تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] وقوله: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] (١).وقد ذكر السلف – توضيحا لمذهبهم، وتمييزا له عن مذهب الكلابية والأشعرية ومن اتبعهم – أن الله يوصف بالسكوت، وأنه إذا شاء تكلم وإذا شاء سكت، وكان من أشهر ما وقع في ذلك قصة ابن خزيمة مع الكلابية – وكان ممن اعتنق مذهبهم بعض تلامذته – فجرت فصول ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقلها وعلق عليها شيخ الإسلام (٢)، وأشار أبو إسماعيل الأنصاري إلى هذه القصة في مناقب أحمد بن حنبل، ومما قاله فيها: "وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثا" (٣)، ثم قال بعد ذكره لموقف أبي بكر بن خزيمة من هؤلاء: "فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب: إن الله متكلم، إن شاء الله تكلم وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا" (٤).ويلاحظ التنصيص على ألفاظ واضحة البيان في مخالفة مذهب الكلابية والأشعرية، ومن ذلك قول ابن خزيمة – كما قصته مع الكلابية -: "الذي أقول به إن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئا منه، ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعدما كان يتكلم به في الأزل ... فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (٥).وذكر عن ابن خزيمة أيضا أنه قال: "زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله ... " (٦).ولهذا لما كان مذهب الأشاعرة بنفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية بناء على نفي حلول الحوادث، ومن ثم منعوا أن يقال: إن الله يتكلم إذا شاء متى شاء كلاما قائما به، وإنه يتكلم شيئا بعد شيء – أجابهم شيخ الإسلام بقوله: "قلنا من أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف .... " (٧).

стр. 319

والنصوص الدالة على إثبات صفة الكلام لله – على وفق مذهب السلف – كثيرة جدا، بل إن فيها أن الله قد يوصف بالسكوت، ومن هذه الأدلة:١ - قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٨] وقوله: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] وقوله: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: ١٥ - ١٦] وقال: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: ١١ - ١٢]، قال شيخ الإسلام معلقا على هذه النصوص: "وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف" (١).٢ - ومن ذلك قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥]، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٧٤] فإنه وقت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه" (٢).٣ - "ومثل هذا قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: ٣٤] وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين، فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته" (٣). وهذه النصوص واضحة الدلالة في الرد عليهم، لأنه إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إنه كان أزليا أبديا، وهل يمكن أن يقال أنه لم يزل ولا يزال قائلا يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ، اسْجُدُواْ لآدَمَ، اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا [هود: ٤٨]؟ (٤).٤ - أما الأحاديث في ذلك كثيرة، منها: قول النبي ﷺ لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية: ((أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر .. )) (٥)، وحيث ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير ... )) (٦)، وفي لفظ آخر أكثر صراحة: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا .. )) (٧)، فكيف يفسرون مثل هذه النصوص من الكتاب والسنة بأن المقصود من كلام الله لهم خلق إدراك لهم يسمعون به الكلام القديم (٨)؟، ولا شك أن ذلك تأويل وتحريف للنصوص مثل تأويل بقية الصفات التي أولها النفاة ومن يوافقهم من هؤلاء.٥ - أما الأحاديث التي فيها ذكر السكوت، فمنها حديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو ... ))

стр. 320

(١) وحديث: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) (٢). قال شيخ الإسلام معلقا على هذه الأحاديث: "فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت. لكن السكوت يكون تارة عن التكلم، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه، كما قال في الصحيحين عن أبي هريرة: ((يا رسول الله: أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب ... )) (٣) إلى آخر الحديث، فقد أخبره أنه ساكت، وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال سكوته، أي سكوته عن الجهر والإعلان. لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت، لا تصح على قول من يقول: إنه متكلم كما إنه عالم، لا يتكلم عند خطاب عباده بشيء، وإنما يخلق لهم إدراكا ليسمعوا كلامه القديم، سواء قيل: هو معنى مجرد، أو معنى وحروف، كما هو قول ابن كلاب والأشعري، ومن قال بذلك من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم، فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت – وهو المشهور من قولهم – أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به الكلام القديم، والنصوص تبهرهم، مثل قوله: إذا تكلم الله بالوحي ... " (٤) والله تعالى فرق بين إيحائه وتكليمه كما في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء [الشورى: ٥١]، وغيرها، وكذا تكليم عباده يوم القيامة، وغير ذلك من النصوص، وكلها تدل على تجديد تكليم من جهته تعالى (٥).وقد حاول بعض الحنابلة – كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني – أن يفسروا قول الإمام أحمد: "لم يزل الله متكلما إذا شاء" بما يوافق مذهبهم الكلابي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة وبين خطأ هؤلاء في تفسيرهم لكلام الإمام أحمد، مبينا أن تفسير هؤلاء – وغيرهم – للسكوت بأنه عدم خلق إدراك لغيره – غير معقول (٦). وجمهور الأشاعرة يمنعون من أن يوصف الله بالسكوت ويجعلون ذلك من حججهم على قولهم بأن كلام الله قديم، فإن لهم في ذلك حجتين:
следующие страницы →