← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

باب: عرض الأعمال على الأئمة الأحياء والأموات. باب: في أن الإمام يرى ما بين المشرق والمغرب. باب: في الأئمة أنهم يحيون الموتى ويبرءون الأكمه والأبرص بإذن الله. باب: في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها، ونزل بينهما جبريل. باب: في علم الأئمة بما في السموات والأرض، والجنة والنار، وما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. كتاب (كامل الزيارات) لإمامهم جعفر بن محمد بن قولويه وهذه بعض الأبواب من الفهرس طبعة دار السرور - في بيروت عام (١٩٩٧) م. باب: من زار الحسين كان كمن زار الله في عرشه. باب: إن زيارة الحسين والأئمة ﵈ تعدل زيارة قبر رسول الله وآله. باب: إن زيارة الحسين تحط الذنوب. باب: إن زيارة الحسين تعدل عمرة. باب: إن زيارة الحسين تعدل حجة. باب: إن زيارة الحسين تعدل حجة وعمرة. باب: إن زيارة الحسين يُنفس بها الكرب، ويقضى بها. باب: ما يستحب من طين قبر الحسين وأنه شفاء. باب: إن طين قبر الحسين شفاء وأمان. باب: ما يقول الرجل إذا أكل طين قبر الحسين. باب: إن زائري الحسين يدخلون الجنة قبل الناس. كتاب (نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين) لمحمد بن حسن طبعة دار الميزان - بيروت أبواب الفهارس: باب: إن زائر الحسين ﵇ يعطى له يوم القيامة نور يضيئ لنوره ما بين المشرق والمغرب. باب: إن زيارته ﵇ توجب العتق من النار. باب: إن زيارته غفران ذنوب خمسين سنة. باب: إن زيارة الحسين ﵇ تعدل الاعتاق والجهاد والصدقة والصيام. باب: إن زيارة الحسين ﵇ تعدل اثنتين وعشرين عمرة. باب: إن زيارة الحسين ﵇ تعدل حجة لمن لم يتهيأ له الحج، وتعدل عمرة لمن لم تتهيأ له عمرة. باب: إن الله ﵎ يتجلى لزوار قبر الحسين ﵇ ويخاطبهم بنفسه. باب: إن الله جل وعلا يزور الحسين ﵇ في كل ليلة جمعة. باب: إن الأنبياء يسألون الله في زيارة الحسين ﵇. باب: إن النبي الأعظم يعني: محمد ﷺ والعترة الطاهرة يزورون الحسين ﵇. باب: إن إبراهيم الخليل ﵇ يزور الحسين ﵇. باب: إن موسى بن عمران سأل الله جل وعلا أن يأذن له في زيارة قبر الحسين ﵇. باب: الملائكة يسألون الله أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين ﵇. باب: ما من ليلة تمضي إلا وجبرائيل وميكائيل يزورانه صلوات الله عليه. باب: إن زيارة الحسين ﵇ تعدل ثلاثين حجة مبرورة متقبلة زاكية مع رسول الله ﵌. باب: من زار قبر الحسين ﵇ كان كمن زار الله فوق كرسيه. باب: من زار الحسين ﵇ كتبه الله في أعلى عليين. ملف صوتي لشيخهم حسين الفهيد وهو يذكر خطبة منسوبة إلى علي بن أبي طالب عن نفسه كلها كفر وشرك والعياذ بالله - نبرئ الإمام علي من التفوه بها - يقول شيخهم:

стр. 2627

"في خطبة له ﵌ يقول فيها: أنا عندي مفاتيح الغيب , لا يعلمها بعد رسول الله إلا أنا , أنا ذو القرنين المذكور في الصحف الأولى , أنا صاحب خاتم سليمان , أنا ولي الحساب , أنا صاحب الصراط والموقف , أنا قاسم الجنة والنار بأمر ربي , أنا آدم الأول , أنا نوح الأول , أنا آية الجبار أنا حقيقة الأسرار , أنا مورق الأشجار , أنا مونع الثمار , أنا مفجر العيون , أنا مجري الأنهار , أنا خازن العلم .... أنا حجة الله في السموات والأرض , أنا الراجفة , أنا الصاعقة , أنا الصيحة بالحق , أنا الساعة لمن كذب بها , أنا ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه , أنا الأسماء الحسنى التي أمر أن يدعى بها , أنا ذلك النور الذي اقتبس منه الهدى , أنا صاحب الصور , أنا مخرج من في القبور , أنا صاحب يوم النشور , أنا صاحب نوح ومنجيه , أنا صاحب أيوب المبتلى وشافيه , أنا أقمت السموات بأمر ربي , أنا صاحب إبراهيم , أنا سر الكليم , أنا الناظر في الملكوت , أنا أمر الحي الذي لا يموت , أنا ولي الحق على سائر الخلق , أنا الذي لا يبدل القول لدي , وحساب الخلق إليّ , أنا المفوض إليّ أمر الخلائق , أنا خليفة الإله الخالق .... أنا أرسيت الجبال الشامخات , وفجرت العيون الجاريات , أنا غارس الأشجار ومخرج الألوان والثمار , أنا مقدر الأقوال , أنا ناشر الأموات , أنا منزل القبر , أنا منور الشمس والقمر والنجوم , أنا قيّم القيامة , أنا أقيم الساعة , أنا الواجب له من الله الطاعة , أنا سر الله المخزون , أنا العالم بما كان وما يكون , أنا صلوات المؤمنين وصيامهم , أنا صاحب بدر وحنين , أنا الطور أنا الكتاب المسطور , أنا البحر المسجور , أنا البيت المعمور , أنا الذي دعى الله الخلائق إلى طاعته فكفرت وأصرت ومسخت , وأجابت أمة فنجت .. أنا الذي بيدي مفاتيح الجنان ومقاليد النيران كرامة من الله , أنا مع رسول الله في الأرض وفي السماء ..... إلى آخر هذه الخطبة الشركية المكذوبة عليه ﵁ " المصدر: موسوعة فرق الشيعة لممدوح الحربي

стр. 2628

المطلب الثالث: عقيدة الرافضة الاثني عشرية في توحيد الأسماء والصفات: أولاً: الرافضة الاثنا عشرية ينفون صفات الله تعالى: فإن الشيعة الاثنا عشرية هم نفاة في صفات الله تعالى، ولذا فقد نفوا عن الله تعالى صفاته فقالوا: ليس لله سمع ولا بصر، وليس له وجه ولا يد، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ووافقوا بذلك شيوخهم من المعتزلة، بل الصقوا أسماء الله تعالى وصفاته، بأئمتهم كما روى إمامهم الكليني في الأصول من (الكافي) (١/ ١٤٣) قوله: قال جعفر بن محمد ﵇ في قوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]: نحن والله الأسماء الحسنى يعني الأئمة، التي لا يقبل الله من عباده عملاً إلا بمعرفتنا. المصدر: موسوعة فرق الشيعة لممدوح الحربي ثانياً: اعتقاد الرافضة الاثني عشرية بأن القرآن مخلوق: وكذلك فإن الشيعة الاثني عشرية وافقوا الجهمية بأن القرآن مخلوق، فقد عقد شيخهم المجلسي في كتابه (بحار الأنوار)، في كتاب القرآن باباً بعنوان: (باب أن القرآن مخلوق) ذكر فيه إحدى عشر رواية على هذا المعتقد الفاسد، وهو كفر صريح قد أجمع عليه أهل القبلة والملة والدين. المصدر: موسوعة فرق الشيعة لممدوح الحربي ثالثاً: إنكار الرافضة الاثني عشرية رؤية الله يوم القيامة: وكذلك نفت الشيعة رؤية الله يوم القيامة، وقد ذكر ذلك شيخهم ابن بابويه في كتابه (التوحيد)، وجمعها المجلسي في كتابه (بحار الأنوار)، على أن الله تعالى لا يُرى يوم القيامة، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة والخوارج. المصدر: موسوعة فرق الشيعة لممدوح الحربي

стр. 2629

المطلب الأول: عقيدة الرافضة الاثني عشرية في القرآن: عقيدة الشيعة في القرآن، لا بد لمن يتناولها بالعرض أو النقد من أن يرجع إلى أمهات كتب القوم ومراجعهم الأصلية في الحديث والتفسير حتى يكون منصفاً في الحكم، وعادلاً في الاستنتاج، لأنه عليها مدار عقائدهم ومعول خلافاتهم مع الآخرين. وفي ضوء البحث العلمي والنقد الموضوعي يلزم الباحث المنصف أن ينقل ما يكون ثابتاً عن أئمتهم، في كتب الحديث أو التفسير، وخاصة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحتها أئمة القوم المعصومين على ما يقول به المذهب. ونحن نلزم أنفسنا في هذه القضية أن لا نورد شيئاً إلا ويكون صادراً من واحد من الأئمة الاثني عشر، ومن كتب الشيعة في عصر الأئمة قاطبة عن بكرة أبيهم، ولا أستثني منهم واحداً؛ كانوا يعتقدون أن القرآن محرف ومغير فيه، زيد فيه ونقص منه كثير. وإذا ما بدأنا من كتاب (الكافي) للكليني، الذي قيل فيه من قبل علماء المذهب: هو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمد عليها، لم يكتب مثله في المنقول عن آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (١). (هو عندهم أجل الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى أمين الاسترآبادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشايخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه) (٢).وأيضاً (الكافي) .. أشرفها وأوثقها، وأتمها وأجمعها لاشتماله في الأصول من بينها، وخلوه من الفضول وشينها) (٣).وذكر الخوانساري أن المحدث النيسابوري قال في مؤلف (الكافي): (ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع (الكافي) في مدة عشرين سنة، المتوفى قبل الغيبة الكبرى، ﵁ في الآخرة والأولى، وكتابه مستغن عن الإطراء، لأنه كان بمحضر من نوابه ﵇، وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب (الكافي) لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنف وشنف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا) (٤).

стр. 2630

فما الذي يقوله الكليني في (الكافي)؟ يروى عن علي بن الحكم عن هشام بن صالح عن أبي عبد الله ﵇ قال: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل ﵇ إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية" (١). والمعروف والثابت بالنقل والتواتر والحفظ أن القرآن ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، ومعنى كلام الكليني في (الكافي) أن ثلثي القرآن راح على أدراج الرياح، والموجود هو الثلث، ولقد صرح بذلك جعفر بن الباقر كما ذكر الكليني في كافيه أيضاً تحت باب (ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ﵍:عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عبد الله الحجال عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇ فقلت له: جعلت فداك! إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: يا أبا محمد! سل عما بدا لك. قال: جعلت فداك! إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله ﷺ علم علياً ﵇ باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد! علم رسول الله ﷺ علياً ﵇ ألف باب يفتح من كل باب ألف باب, قال: قلت: هذا والله العلم قال: فنكت ساعة على الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك (٢). قال: ثم قال: يا أبا محمد! وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله ﷺ وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك! إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا - كأنه مغضب - قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وليس بذاك! ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك! ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم؛ قال إنه لعلم، وما هو بذاك! ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك! هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك! قال: قلت: جعلت فداك! فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة) (٣). فأي قسم هو الذي حذف؟ يبينه الكليني أيضاً من إمامه المعصوم محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم - حيث يروي: (عن أبي علي العشري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا وربع في عدونا وربع سنن وربع فرائض وأحكام) (٤).ومثله روى عن علي ﵁ حيث أورد الرواية: (عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعاً عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين ﵇ يقول: "نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" (٥). المصدر: الأصول العقدية الإمامية لصابر طعيمة

стр. 2631

المطلب الثاني: ثبوت التهمة قطعاً: لن أسعى إلى استقصاء الأدلة القطعية على ثبوت هذه العقيدة في حق الإمامية الاثني عشرية. ولن أفعل ذلك سوى أن أشير إلى ذلك إشارة من خلال الحديث باختصار عن أحد الكتب المعتمدة لأحد كبار علمائهم يعتبر أحد أعمدة (المذهب)، وصاحب كتاب من (الكتب الثمانية) التي إليها المرجع في معرفة الفقه الإمامي. فليس الأمر في حاجة إلى كبير جهد لأن يكتشف! ولا أنا أول من (سُجلت) له (براءة) اكتشاف لأفوز بوسام هذا السبق فأحتاج -من أجل بيان هذا (الاكتشاف) العجيب! - إلى بسط الأدلة. وليس الموضوع برمته من الخفاء بحيث يحتاج إلى رحلة استكشافية! بل هو مصرح به في أمهات كتبهم وعلى ألسنة كبار مراجعهم وعلمائهم بلا غموض ولا مواربة! يكفي أن ترجع إلى ما سطره علي بن إبراهيم القمي - شيخ الكليني - في (تفسيره)، والكليني في (كافيه)، والنوري الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب .. )، وأبو الحسن العاملي في مقدمته (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) على تفسير (البرهان) لهاشم البحراني، والطبرسي في (احتجاجه)، ونعمة الله الجزائري في (أنواره) .. وقائمة طويلة لا تنتهي من هذه المصادر والمراجع. والأمر - بعد ذلك - ثابت لديهم ثبوت (الإمامة) .. هكذا يصرح محققوهم، يقولون: إن روايات التحريف متواترة كتواتر روايات (الإمامة) وطرقها واحدة .. يقول محمد باقر المجلسي عن أخبار أو روايات التحريف: وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة وطرحها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً. بل اعتقادي أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة (١). وكذا قال النوري الطبرسي. فإنكار التحريف يستلزم إنكار (الإمامة) ضرورة ولابد. هذا نص قولهم! فما يفعله بعضهم من الإنكار عندما يخرج على رؤوس الملأ، أو في الكتب الدعائية المؤلفة خصيصاً لترويج المذهب مثل كتاب (المراجعات)؛ مكابرة يستجيزونها تقيةً خوف الفضيحة، لعظم الجريمة! المصدر: تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي

стр. 2632

المطلب الثالث: أقسام المنكرين للتحريف من الإمامية: والمنكرون لوجود هذه العقيدة لديهم من الإمامية: إما أنهم لم يطلعوا على حقيقة مذهبهم فنحيلهم إلى مصادرهم ليطلعوا عليها بأنفسهم، أو إلى بعض من كتب تفصيلاً في هذا الشأن. ولا بأس أن أقيد بعض الدلائل التي تكفي طالب الحق. وإما أنهم يعلمون علم اليقين لكنهم يكابرون! وهؤلاء لا نحيلهم إلى شيء لأنهم ليسوا بحاجة إلى شيء! ولا ينفع معهم الإكثار من إيراد الأدلة لأنهم يعلمون ولكن .. (يتقون) فهم لا يهتدون! المصدر: تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي

стр. 2633

المطلب الرابع: علماء الإمامية متواطئون على القول بالتحريف: القائلون بالتحريف من الإمامية صنفان: الأول: علماء مقصودهم هدم الدين: يعلمون أن الدين كله قائم على أساس حفظ القرآن من الزيادة والنقصان: فبثبوته تثبت أصول الدين جميعاً، وبانهياره تنهار هذه الأصول جميعاً. هل أدركت الآن السر الذي من أجله ابتدأت حجة الله تعالى على خلقه بتحرير هذه القضية الكبرى قبل أي شيء آخر: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:٢] , ثم ثنّت بإثباتها: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:٢٣]. ولأن أولئك العلماء يشعرون أن أكبر غصة في حلوقهم هي حين يطالبون بالنص الصريح من القرآن على ما أضافوه من أصول إلى الدين ولكي يستريحوا من هذه الغصة، قالوا بنقصه وتحريفه. ولذلك هم يؤكدون على نقصانه دون الزيادة فيه! الثاني: عوام استزلهم أولئك العلماء بعد أن رسّخوا لديهم الاعتقاد بخيانة الأصحاب نقلة الكتاب. فلما استجازوا الطعن في الناقل استسهلوا انتقال الطعن إلى المنقول. وهو المقصود. المصدر: تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي لست أدري كيف يستطيع المرء أن يقول بتحريف القرآن وهو أمام نص صريح يدحض كل الأقوال حول التحريف، ولست أدري أيضاً كيف يستطيع أحد أن يكون مؤمناً بالقرآن وهو يدلي رأياً يناقض ما جاء فيه والآية الكريمة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] تغنينا عن الاستدلال بعدم تحريف القرآن المنزل على محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فالوعد الإلهي صريح بأنه تعالى يحفظ الذكر الحكيم من أي تلاعب أو تحريف أو إضافة, والقائلون بالتحريف يشكلون عدداً من علماء الفرق الإسلامية كلها إلا أن علماء الشيعة ومحدثيهم يشكلون الأكثرية المطلقة بين هؤلاء، وقد ذهب رهط من علماء الشيعة إلى عدم التحريف واستشهدوا بالآية الكريمة التي أوردناها, ولكن ذهب آخرون إلى التحريف بإصرار وعناد منهم "النوري " الذي ألَّف كتاباً أسماه (فصل الخطاب في تحريف الكتاب) وذكر في الكتاب المذكور عبارات زعم أنها آيات قرآنية محرَّفة، والمتتبع المنصف لا يشك أبداً أن السبب الذي حدا بالمحدثين أن يذهبوا إلى تحريف الكتاب هو الاستدلال بآيات منصوصة في إمامة " علي " كانت مذكورة في السور والآيات المحرَّفة على حد زعمهم، وبذلك كان بعض أعلام الشيعة يدافع عن عدم وجود نص إلهي في القرآن حول الإمامة بتلك الآيات المزعومة التحريف، وتحريف القرآن يصطدم بعقبة كبيرة لدى أعلام الشيعة وهو إقرار الإمام " علي " في أيام خلافته بهذا القرآن الموجود بين أيدي المسلمين فلو كانت هناك سور أو آيات محرَّفة لتحدث عنها الإمام " علي " وأثبتها في القرآن.

стр. 2634

إن فكرة تحريف القرآن ليست من الأفكار التي تظهر على الساحة الشيعية كفكرة عامة ذات أبعاد خطيرة لأن الأكثرية الساحقة من الشيعة لم تتقرب إلى هذا البحث ولا تؤمن به بسبب موقف كثير من فقهائنا من عدم التحريف ولكن الفكرة تأخذ طابعاً حزيناً عندما ينشر الناشرون كتباً ألَّفها بعض علمائنا في التحريف وتوزع تلك الكتب على الناس أو تستل منها مقتطفات لتذكر في كتب أخرى ويطلع عليها المسلمون جميعاً، ومن هنا نوجه نداء التصحيح إلى كل الناشرين في البلاد الشيعية كي يقلعوا عن نشر كتب كهذه, لأنها تخالف كتاب الله ونصوصه وتضر بسمعة الإسلام وكتابه الكريم الذي هو الدستور الخالد للمسلمين فإذا ما أصابه وهن أصابهم وإذا أصابته قوة أصابتهم. وكما قلنا فإن الرأي السائد لدى الأكثرية من فقهاء الشيعة هو عدم التحريف، ولكن هذا الرأي يعقبه رأي آخر هو من الغرابة بمكان ولا توجد له أدلة إلا في الروايات التي يرويها رواة الشيعة، ونحن في حركتنا التصحيحية لا نستطيع أن نغفل آراءً شاذة كتلك, وعلينا أن نشير إليها لكي يكون التصحيح جامعاً ومانعاً نذكر رأياً لكبير علماء الشيعة وهو الإمام " الخوئي " الذي يقول في تفسيره " البيان " (ص٢٥٩) وذلك بعد أن استعرض آراء فقهاء المسلمين ومحدثيهم بما فيهم الشيعة حول التحريف في القرآن أو عدم وقوعه ما هو نصه: (ومما ذكرناه قد تبين للقارئ أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة لا يقول به إلا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل أو من لجأ إليه، يحب القول به والحب يعمي ويصم وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته).

стр. 2635

وأما الرأي الثاني الذي أشرنا إليه فهو في (ص٢٢٢) من الكتاب المذكور وجاء فيه: (إن وجود مصحف لأمير المؤمنين ﵇ يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه وتسالم العلماء والأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته كما أن اشتمال قرآنه ﵇ على زيادات ليست في القرآن الموجود وإن كان صحيحاً إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أسقطت منه بالتحريف بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان (التأويل وما يؤول إليه الكلام أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد) وبهذه العبارات يريد فقيهنا إثبات مصحف للإمام " علي " يختلف عن القرآن, ولكنه في الوقت نفسه يضيف جملة محيرة وهي: (أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد) ولست أدري ما هذا الإصرار على تسمية شرح للقرآن وتفسير له بالمصحف ثم ما هو هذا الإجماع الذي يدّعيه بقوله: تسالم العلماء والأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته, ومتى أجمعت العلماء على ذلك اللهم إلا نفر قليل استندوا على كلام ينسب إلى الإمام علي ذكره الطبرسي في الاحتجاج، والمحقق المتتبع لكلمات الإمام وسيرته يشك كل الشك في صدور كلام مثل ذلك عن الإمام لما فيه من غرابة المحتوى، ثم ماذا تعني تلك الجملة المحيرة, هل أن القرآن له شرح إلهي صادر من الله ولكنه ليس جزءاً من القرآن فيكون القرآن المنزل من الله مؤلفاً من متن وشرح متنه في يد الجميع وشرحه عند الإمام علي فقط، وإذا لم تخونني الذاكرة فقد ناقشت موضوع هذا المصحف مع العلامة الكبير الخوئي ولم يأت بشيء أكثر من الاستشهاد على رواية الطبرسي وانتهى الحوار إلى جدل عنيف وحاد أرجو من الله أن يغفر لي إذا ما تجاوزت على حرمة أستاذ درست عليه الفقه وأصول الفقه بعض الوقت وذلك في أيام دراستي عندما كنت في النجف، إن فقهاءنا وعلماءنا يستدلون على وجود مصحف للإمام " علي " برواية يذكرها الطبرسي في كتاب (الاحتجاج) وهي أن الإمام قال:" يا طلحة إن كل آية أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عندي بإملاء رسول الله وخط يدي وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكل حلال أو حرام أو حكم تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله وخط يدي حتى أرش الخدش (١) ... ) وكما قلنا في هذه الرواية ضعف واضح وغرابة مذهلة ومنها تتفرع أسئلة عديدة لا عد لها ولا حصر وقبل كل شيء لماذا خص الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الإمام علياً بتعليم أحكام تحتاج إليها أمته إلى يوم القيامة ولكن لم يخبر بها أمته بل أخفاها عليهم والقرآن الكريم يقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ:٢٨] ويقول في موضع آخر: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:٣]. ولماذا لم يتحدث الإمام علي عن تلك الأحكام في خلافة الخلفاء الذين سبقوه أو في زمن خلافته؟ ولماذا أخفى أحكاماً تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة وفيها حلاله وحرامه وحتى أرش الخدش؟ حقاً إنه اضطراب مخل بالتعقل نقرؤه في عقول الذين وضعوا روايات كهذه ونسبوها إلى الإمام علي وأدهى منه أن فقهاءنا - سامحهم الله - استندوا عليها وحكموا عليها حكم المسلّمات. المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٩١

стр. 2636

هناك إجماع من المسلمين والمشتغلين بالعلوم الإسلامية من غير المسلمين على أن الكتاب السماوي الوحيد الذي سلم من التحريف والتبديل والزيادة والحذف هو القرآن الكريم، ونحن المسلمين نلتزم بهذا الاعتقاد، ونقتنع به اقتناع عقل وعقيدة، فالله سبحانه قد أخذ على نفسه عهداً بالمحافظة عليه في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]. غير أن المتابع لفكر جمهرة علماء الشيعة يرى غير ذلك، ويقرأ شيئاً عجباً في كتبهم، والذين لم يقولوا بتحريفه من هؤلاء قالوا بإمكان حدوث ذلك. إن آية الله الخميني في سياق الحديث عن حكمة عدم النص في القرآن الكريم على أن الإمامة وظيفة إلهية, وفي مسيرة حملته على صحابة رسول الله ﷺ يقول في فقرة سبق أن أوردناها: "لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد" (١). وفي موضع آخر من كتاب (كشف الأسرار) في أمر يتصل أيضاً بالإمامة، يصوغ آية الله الخميني فكرته في أسلوب يوحي إيحاءً مباشراً بأن القرآن من صنع محمد، وما دام الأمر كذلك ومحمد بشر، فإنه من الممكن أن يتعرض القرآن للتحريف. يقول آية الله الخميني ما نصه: "إن النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن، لخشية أن يصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو تشتد الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام" (٢). إن آية الله الخميني يقول بترجيح تحريف القرآن بسبب النص على أن الإمامة وظيفة إلهية كالنبوة، ويوحي في موقع آخر بأن القرآن من صنع النبي، وهما بادرتان لهما خطرهما؛ لأنهما صادرتان من أكبر مرجع ديني شيعي في هذين العقدين من الزمان، ويبقى أن نتساءل بعد ذلك: هل لما قاله آية الله الخميني جذور في أصول المذهب؟ إن الدراسة والمتابعة تشيران إلى الإجابة بالإيجاب، ذلك أن الكليني يذكر في كتابه (الكافي)، وقد سلف أن ذكرنا أن هذا الكتاب عند الشيعة بمنزلة البخاري عند أهل السنة؛ أن جابراً الجعفي قال: "سمعت أبا جعفر ﵇ يعني الإمام الباقر - يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب، والصحابة من بعده" (٣). ومن الأخبار المعتمدة عن جابر الجعفي هذا أنه كان كذاباً، وحين تحدث الإمام أبو حنيفة النعمان - وهو الإمام الأعظم، وأحد تلاميذ الإمام جعفر، وصاحب الحوار المشهور في شأن القياس مع الإمام محمد الباقر - حين تحدث عن الصدق والكذب عند الرواة قال: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي.

стр. 2637

إن منطق الأخبار يكذب جابراً، وبالتالي يكذب رواية الكليني عنه فيما عزاه إلى سيدنا محمد الباقر، بدليل أن علياً كرم الله وجهه لم يكن يعمل في مدة خلافته وهو بالكوفة إلا بمصحف سيدنا عثمان الذي هو بين أيدينا الآن، ولو كان عند سيدنا علي غيره - وهو خليفة حاكم - لعمل به، ولأمر المسلمين بالعمل به وتعميمه، ولو كان عنده مصحف غيره وكتمه عن المسلمين لكان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين، وحاشا أن يكون سيدنا علي كذلك. هذا هو رد أهل السنة على فرية جابر في حديثه إلى الكليني، وفي كذب كليهما على سيدنا محمد الباقر. هذا ما كان من أمر كذب الكليني على سيدنا محمد الباقر. بقي أن نذكر كذبة أكبر وأخطر اقترفها الكليني في حق سيدنا جعفر، وسيدتنا الطاهرة البتول فاطمة الزهراء بنت سيد الخلق والبشر، يزعم الكليني أن سيدنا جعفراً الصادق قال لأبي بصير: "وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، قال: وما مصحف فاطمة؟ قال الإمام: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله! ما فيه من قرآنكم حرف واحد" (١). ويلح بعض علماء الشيعة إلحاحًا شديدًا - على ما تصوره - على تحريف القرآن الكريم. إن واحداً من كبار علماء النجف في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، هو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ألف كتاباً سنة (١٢٩٢) هـ؛ أسماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب (رب الأرباب)، ملأه بالأكاذيب حول زيادات زعم أنها أُضيفت إلى القرآن، وآيات حُذفت منه، ولما واجهه علماء الشيعة بالنقد والاعتراض عاد فألف كتاباً آخر يرد فيه على اعتراضاتهم وأسماه (رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب). وقد ضم الكتاب بعض الزيادات من تلفيق المؤلف، فصنع سورة أسماها "سورة ولاية علي" ونسبها إلى الله سبحانه يقول فيها: يا أيها الذين آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم .. إلخ. إننا لا نحب الإطالة في هذا الموضوع إجلالاً لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن فريقاً من الشيعة يعتقد التحريف في القرآن الكريم بالزيادة والنقصان، كقولهم: إن آية (وجعلنا علياً صهرك) قد أسقطت من سورة الشرح، مع أن السورة مكية، ولم يكن علي قد أصهر إلى الرسول بعد. كما أن البعض يزعم أن هنالك قرآنين لا قرآناً واحداً، وهي مزاعم ينكرها كثير من عقلاء الشيعة وعلمائهم، وفي مقدمة هؤلاء جميعاً العلامة الدكتور الموسوي الذي يقول: "إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام علي ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام علي، حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير، وإثبات أن الإمام علياً أحق بخلافة الرسول من غيره، ولكنهم في الحقيقة أساءوا إلى الإمام، فأعلنوا أنه يخفي أحكاماً إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة".ويمضي الدكتور الموسوي قائلاً: "إن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف فاطمة مضافاً إلى مصحف علي"، ويعقب الدكتور الموسوي بأن موقفه من هذا الرأي هو الموقف نفسه من مصحف علي (٢). المصدر: إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص ٢٠٨

стр. 2638

المطلب الخامس: أدلة الإثبات على قولهم بالتحريف: أما العلماء فمتواطئون على هذه العقيدة. لكن بين مصرح وملمح. ولنا على ذلك دليل الإجمال، ودليل التفصيل: أولاً: دليل الإجمال: فإن المنكرين يتظاهرون بالقول بتكفير من اعتقد بالتحريف، وخروجه من الملة (١). فلو كانوا صادقين فيما يقولون لصرحوا بكفر من يقول بالتحريف من علمائهم، وهم كثر وكلامهم صريح. ومنهم من أفرده بمؤلف خاص. لكننا لا نجد أحداً من المنكرين من الأولين والآخرين كفّر واحداً من أولئك القائلين بالتحريف على مدار تاريخهم! بل - وفوق ذلك - يدافعون عنهم دفاعاً مستميتاً، ويوثقونهم أعلى ما يكون التوثيق. خذ الكليني والمفيد والمجلسي والطبرسي مثلاً! ثانياً: دليل التفصيل: فإن كتب القوم مشحونة شحناً بهذه العقيدة. وهذه شواهد قاطعة على ما أقول: شواهد قاطعة: كثير من علماء الإمامية يصرح تصريحاً بأن القرآن لحقه التحريف من قبل الصحابة الذين تآمروا على علي و (أهل بيته) فمحوا فضائلهم التي وردت بنص التنزيل. بل إن بعض هؤلاء العلماء تجرأوا فأفردوا لإثبات ذلك مصنفات كاملة في هذا الموضوع!! مثل المخذول الميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه: (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). وهو من كبار علماء ومحدثي الطائفة، وموثق لديهم بالإجماع، فهو صاحب أحد الأصول والمراجع الروائية الثمانية المعتمدة لديهم والمسمى (مستدرك الوسائل) الذي قالوا عنه: "لا يمكن أن يصل العالم إلى درجة الاجتهاد حتى يقرأ كتاب المستدرك للنوري الطبرسي". ولمكانته العظيمة عندهم دفنوه بجوار مرقد علي ﵁ في الإيوان الثالث من صحن المرقد. قال عنه عباس القمي (وهو تلميذه) في كتاب (الكنى والألقاب): (الشيخ الأجل ثقة الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلين إلخ). عرض موجز لكتاب (فصل الخطاب): يقول الطبرسي هذا في أول صفحة من كتابه المذكور: هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). ومخطوطة الكتاب في أربعمائة صفحة. توجد نسخة منها في مكتبة الأوقاف المركزية في بغداد المحروسة تحت رقم (٢٣٠٧٢). والنسخة الموجودة عندي صورة عنها. والكتاب كله محاولة مخذولة بذل صاحبها فيها جهداً كبيراً من أجل أن يثبت أمرين اثنين فقط, أولهما: تحريف القرآن، والثاني: أن هذا الاعتقاد هو مذهب علماء الطائفة الاثني عشرية جميعاً. أما من صرح منهم بعدم التحريف فيقول عنهم أن ذلك خرج منهم مخرج التقية. وقد استدل على هذا الخروج باستدلالات قوية. وأوّلَ كلامهم بأنهم يقصدون القرآن المحفوظ عند (الإمام الغائب). ملخص الكتاب: وملخص الكتاب: ثلاث مقدمات وبابان: المقدمة الأولى: (ص١ - ٢٣): ذكر فيها جمع القرآن وسببه وأن كيفيته عرّضت القرآن للنقص.

стр. 2639

والمقدمة الثانية: (ص٢٣ - ٢٥): ذكر فيها أقسام التغيير الممكن حصوله والممتنع دخوله فيه. وذكر من الصور الحاصلة: نقصان السورة كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية. ونقصان الآية ونقصان الكلمة وتبديلها كتبديل (آل محمد) في سورة آل عمران بـ (آل عمران). ونقصان الحرف كالياء في قوله تعالى: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:٤٠] والأصل ترابيا. يريد النسبة إلى (أبي تراب) أي: علي. والهمزة من قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:١١٠] يريد (أئمة). وترتيب السور وترتيب الآيات وترتيب الكلمات .. إلخ. والمقدمة الثالثة: (ص٢٥ - ٣٥): ذكر فيها طائفة كبيرة من علمائهم الذين قالوا بالتحريف. ومنهم من أفرده بمصنف مستقل. حتى قال: إن هذا مما أجمعت عليه الطائفة إلا من شذ. وحمل قول هؤلاء الشاذين على (التقية). وأما الباب الأول: (ص٣٥ - ٣٦٠): فهو في التدليل على وقوع التحريف في القرآن. والباب الثاني: (ص٣٦٠ - ٣٩٨): فهو في الرد على أدلة المنكرين للتحريف. نقل إجماع الطائفة الاثني عشرية على التحريف: وممن صرح بإجماع علماء الطائفة على هذه العقيدة: الشيخ المفيد بقوله: "واتفق علماء الإمامية أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل" (١).ومنهم أبو الحسن العاملي بقوله: "إن تحريف القرآن من ضروريات مذهب الشيعة" (٢).ومنهم نعمة الله الجزائري بقوله: "إن الأخبار الدالة على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادةً وإعراباً هي أخبار مستفيضة ومتواترة وصريحة، وإن علماء المذهب قد أجمعوا وأطبقوا على صحتها والتصديق بها" (٣).وعدنان البحراني بقوله: "الأخبار في تحريف القرآن لا تحصى وكثيرة، وقد تجاوزت حد التواتر، وهو إجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم" (٤).بل تجرأ بعضهم كالشيخ يحيى تلميذ الكركي فادعى إجماع أهل القبلة من الخاص والعام على هذه العقيدة (٥).

стр. 2640

لا تكفير بل توثيق على أعلى المستويات: قلنا: إن المنكرين من الإمامية لهذه العقيدة يتظاهرون بتكفير من اعتقد بتحريف القرآن. ولكننا لم نر أحداً منهم كفّر عالماً واحداً من علمائهم الذين يصرحون بالاعتقاد بتحريف القرآن تصريحاً واضحاً لا شبهة فيه، حتى الذين ينسبون ذلك إلى المذهب ويقولون: إنه من ضرورياته، وإن إجماع الطائفة حاصل عليه (١).وهذا يدل على أن الجميع يعتقدون هذه العقيدة أو أنهم - على الأقل - لا يستوحشون منها، ولا يرون كفر معتنقها، وأنهم غير جادين في القول بإنكارها. حتى النوري الطبرسي وأمثاله ممن أفردوا لإثباتها مصنفات مستقلة يوثقونه توثيقاً ما بعده توثيق! بل يكابرون مكابرة عجيبة في الدفاع عنه إلى حد أن بعضهم يدعي أن كتابه (فصل الخطاب) إنما ألفه في الرد على من قال بتحريف الكتاب (٢)! أصول الدين عند الإمامية بين التعطيل والتبديل: قلنا في أكثر من مناسبة: إن الاختلاف الطائفي هو اختلاف أصولي وليس فروعياً. وذلك بأن تخرج طائفة بأصل جديد تلزم به المسلمين، أو تنكر أصلاً ثابتاً من أصول الدين. والإمامية أضافوا للدين أصولاً كثيرة: اعتقادية وعملية: كالإمامة والعصمة والتقية وخمس المكاسب. وأنكروا أصولاً أخرى ثابتة كأصل حفظ القرآن الذي هو أصل الأصول في الإسلام. ويثبتون في الوقت نفسه أصول الدين الأخرى المتفق عليها كالتوحيد والنبوة والمعاد، والصلاة والحج والزكاة. لكن الملاحظ أنهم حين يثبتون هذه الأصول إنما يثبتونها قولاً وشكلاً، ثم يقومون بتفسيرها تفسيراً ينتج عنه تبديل هذه الأصول حقيقةً ومضموناً. فكأنهم عطلوا هذه الأصول ولكن بطريقة أخرى تختلف قليلاً عن طريقتهم في تعطيل الأصول التي صرحوا بتعطيلها - مثل حفظ القرآن -. مبدأ (الإمام المعصوم) وعلاقته بتعطيل الدين وتبديله: فالتوحيد الذي يقوم على قاعدة التفريق بين الخالق والمخلوق في الحقائق والحقوق، أثبتوه لفظاً ورسماً، وعطلوه - عن طريق الإتيان بفكرة (الإمام المعصوم) - حقيقة ومعنىً. ذلك أن العصمة اللاهوتية التي تجعل من الإنسان مخلوقاً منزهاً عن الخطأ والنسيان، وممتنعاً عن الذنب والعصيان، يعلم الغيب، ويتصرف بالكون: فهو الذي خلص نوحاً من الغرق وإبراهيم من الحرق ... إلخ. هذه العصمة أزالت الفرق المذكور فانهدمت قاعدة التوحيد، ولم يعد هنالك من فارق ذي معنى بين الخالق والمخلوق. وهذا هو الذي جعل المخلوق عندهم يدعى كما يدعى الخالق: تنزل ببابه الحوائج، ويتقرب عنده بالذبائح. يضاهئون بقبره الكعبة: يتوجهون نحوه في صلاتهم، ويحجون إليه يطوفون به ويعرِّفون عنده ويلبّون هناك ويسعون كما يسعى بين الصفا والمروة! ويفتخرون بأن زوار الحسين أكثر عدداً من زوار بيت الله الحرام!! حتى الشكل المكعب للقبر مأخوذ من شكل الكعبة المشرفة!! فماذا بقي من التوحيد؟! وأما النبوة القائمة على أساس التفريق بين النبي والولي فقد بدّلوها ثم عطّلوها بأن خلطوا بين المقامين بالفكرة نفسها (الإمام المعصوم)، ذلك أن طاعة الإمام المعصوم تغني عن طاعة النبي وتُذهِب أي أثر للحاجة إليه، لقد أزاحت هذه الفكرة شخصية النبي وأحلت محلها شخصية الإمام أو الولي؛ لأن الإمام يؤدي وظائف النبي جميعاً، بل إن الإمام يتميز عن النبي بكونه حياً حاضراً، بينما النبي ميت غائب.

стр. 2641

حتى المهدي المزعوم يقولون عنه: هو حي موجود، وأنه فاعل مؤثر ولولاه لما بقي الدين، ولا قامت حجة الله على العالمين، ويضربون له مثلاً بالشمس إذا حجبتها الغيوم فإن أثرها باقٍ متصل ولو من وراء ستار. والواقع شاهد حي يثبت ما نقول: فإن مصادرهم الروائية ليس فيها ما يروى عن النبي ﷺ إلا النزر القليل. وقد حل محله ما يروونه عن (الإمام)، كل ذلك بسبب فكرة (الإمامة) و (العصمة) التي أزالت الفرق بين النبي والولي .. بل يقولون: إن الولي فوق النبي، و (الأئمة) أفضل من الأنبياء ﵈، لكنهم يستثنون -لشناعة القول- واحداً منهم هو محمد ﷺ من أجل تخفيف وقعه على النفوس. وأما ختم النبوة فلا معنى له بعد استمرار حقيقتها ومعناها وهو (الإمامة المعصومة)، التي يقولون عنها: إنها امتداد للنبوة وتكميل لها، فلم يختم سوى الاسم، وكأن دين الله مجرد أسماء ومصطلحات لا حقيقة لها! فماذا بقي من النبوة؟! حتى المعاد لم يبق له معنى ولا أثر على الواقع بعد أن سُلِّم أمره إلى (الإمام) يقسم الناس: هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار: فمن كان شيعياً اثني عشرياً فهو إلى الجنة مهما حوى من ذنوب وارتكب من آثام! ومن كان غير ذلك فإلى النار، مهما جاء به من حسنات! ناهيك عن أثر عقيدة (الرجعة) في هذا المقام! وأما الصلاة فقد عطلت باسم (الإمام المعصوم) كذلك! عطلت الجمعة حتى مجيء (الإمام)، وحل محلها الخميس الحقير الذي هو في حقيقته زيارة (الإمام). وعطلت الجماعة -إلا ما ندر- لعدم وجود (الإمام). وحلت الحسينيات (والحسينية نسبة إلى الإمام الحسين) ومراقد (الأئمة) محل الجوامع والمساجد. واختصرت أوقات الصلاة إلى ثلاثة، وغُيِّر الأذان واختصر كذلك، ورفع غسل الرجلين من الوضوء تماماً ... إلخ. فماذا بقي من الصلاة؟! وهكذا عطلت بقية الأصول والأركان، فأصول الإمامية جميعاً بين معطل ومبدل، كل ذلك بسبب هذه الفكرة الخطيرة .. (الإمام المعصوم)! وكذلك الحال مع القرآن، فهو بين مبدل ومعطل، وأما (القرآن الصحيح) فعند (الإمام)، وغالب علمائهم يصرحون بتحريفه وتبديله، وهم جميعاً يقومون بتعطيله بواسطة تأويله، وعوامهم -إلا من رحم- مشغولون عنه بكتب الأدعية والزيارات التي يطبع بعضها بخط المصحف ويغلف بمثل غلافه بحيث يصعب التفريق بينهما دون تدقيق. بل القرآن صامت حتى ينطق (الإمام) بمراده، ومبهم حتى يفصح (الإمام) بمقصوده! فماذا بقي من القرآن؟!! المراوغة وراء إلصاق التهمة بأهل السنة: حين يواجه الاثنا عشرية بأدلة اتهامهم بعقيدة التحريف يحاولون التنصل منها بأساليب شتى، منها: إرجاع التهمة إلى المقابل أملاً بإشغاله بالدفاع عن نفسه، وإيهاماً لعوامهم بأن هذا متفق عليه بين الجميع. إن هذا نوع من الأساليب الجدلية غير العلمية، الغاية منها المراوغة وإطالة حبل النقاش، والهروب بعيداً عن موضع النزاع، وصرف الأنظار عنه إلى غيره. إن البحث العلمي يلزمنا بأن نناقش أصل الموضوع وهو: هل الشيعة يقولون بالتحريف أم لا؟ ثم بعد أن ننتهي من هذا يمكن أن نبحث غيره من المسائل. أما اتهام أهل السنة بعقيدة التحريف فباطل عار عن الدليل. وليس وراءه من دافع سوى التعصب واللجاج، ومحاولة إشغال الخصم لا غير، وكل ما في جعبتهم من حجج وروايات يحملونها على التحريف، ثم يلصقونه بأهل السنة.

стр. 2642

بينما يستلزم الأسلوب العلمي إثبات التهمة من نص كلام المتهم، وليس من خلال روايات تحمل على أسوأ المحامل، لطالما صرح علماء أهل السنة أنها من باب الناسخ والمنسوخ، فنحن نؤمن أن من القرآن ما نسخت تلاوته كما قال تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:١٠٦]. والنسخ من فعل الخالق، بينما التحريف من فعل المخلوق. أما أن أحداً من أهل السنة علماء أو عامة له قول ينصص به على التحريف فهذا لا أثر له ألبتة. ونحن حين نتهم الإمامية الاثني عشرية بالتحريف لا نستند على رواياتهم فقط، بل نعتمد على نصوص وأقوال علمائهم المصرحة بذلك تصريحاً تاماً، إضافة إلى رواياتهم التي لا تقبل التأويل. لازم المذهب ليس بمذهب: تقول القاعدة الأصولية: لازم المذهب ليس بمذهب، ومن معاني هذه القاعدة أن لازم قول القائل ليس بقول له ما لم يصرح به؛ لأن القائل قد لا يستحضر لزوم ذلك لقوله. أو يعتقد أن هذا لا يلزمه، وقد يكون محقاً في هذا، فيكون الذي ألزمه مخطئاً. فمثلاً .. الإمامية مذهبهم عدم رؤية الله وعدم سماع كلامه مطلقاً. وهذا يستلزم عدم وجود الله أساساً. لأن الذي لا يرى وجهه ولا يسمع كلامه ولا يدرك بأية حاسة لا فرق بينه وبين المعدوم، فإن هذه هي صفات المعدوم لا الموجود، لكننا لا ننسب هذا القول إليهم - وإن لزمهم - لأنهم لا يقولون به. ونحن حين نتهم الإمامية بالقول بالتحريف لا نتهمهم طبقاً للازم قولهم, وإنما استناداً إلى نص كلامهم مع الاستشهاد برواياتهم، التي لا وجه لتأويلها بغير ما تنص عليه من التحريف. والملاحظ أن الإمامية حين يلزمون أهل السنة بما يدعون أنه لازم لهم يفعلون الشيء نفسه مع أقوال الرب جل وعلا! فأصولهم ليست هي نص ما يقوله الله نفسه، وإنما هي لوازم ألصقوها بأقواله، لو كانت حقاً لصرح الله بها. تناقض صارخ: والعجيب أنهم يدفعون التهمة عن أنفسهم مع وجود النص القولي والنص الروائي الصريح المصحح عندهم، بينما يلقون بالتهمة على غيرهم مع عدم وجود نص بذلك يستندون إليه قط! المصدر: تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي

стр. 2643

المطلب السادس: إبطال عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني العقائد التي شذ بها الإمامية الاثنا عشرية عن المسلمين نوعان: نوع لا وجود له - (كالإمامة) و (العصمة) -اخترعوه وأثبتوه. وهذا لا دليل لهم على وجوده من القرآن سوى المتشابهات. ونوع ثابت - كحفظ القرآن - نفَوه وأنكروه. وهذا لا دليل لهم على نفيه سوى الشبهات. والثابت قطعاً لا ينقض بشبهة، بل لا ينقض أصلاً، بل كل ما عارض الثابت أصلاً فهو شبهة باطلة قطعاً. وهذا دليلنا وحجتنا القطعية اليقينية على بطلان عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني. ولو جازت الزيادة والنقصان في حرف من القرآن لجاز ذلك في كلمة، وهذا يستلزم جوازه في أكثر من ذلك، وهنا يمسي القرآن كمصدر موثوق للهداية غير ذي معنى؛ لأنه إذا سرى الشك إلى مصدر الهداية تعدى ذلك إلى الهداية نفسها، وعند ذاك يسري الشك إلى أي أصل من أصول الدين الذي تقوم عليه الهداية، ويتمكن أي إنسان من التملص منه بإثارة الشبهات حوله، وكذلك يتمكن من إضافة أي أصل إلى الدين بالطريقة نفسها، ولكن بصورة معكوسة: فينفي الموجود بحجة أنه زائد مضاف، ويثبت المفقود بحجة أنه ناقص محذوف، كما قالوا عن نصوص (الإمامة). مجمل القول أن الاعتقاد بجواز طروء التحريف على القرآن يؤدي إلى تعطيل الدين وتخريبه، فنحتاج إلى نبي جديد يأتي بكتاب جديد يهيمن على هذا الكتاب ويشهد له أو عليه، وهذا مخالف لأصل ختم النبوة؛ فالله تعالى حفظ الكتاب لأنه ختم النبوة، وختم النبوة لأنه حفظ الكتاب، فلا حاجة لبعثة نبي جديد. فلو جاز وقوع التحريف في الكتاب لكنا محتاجين دوماً لبعثة نبي جديد يثبت لنا، ويدلنا قطعاً على مواضع التحريف فيه، وإلا فمن يقوم بهذا الدور؟ هل الروايات؟ كلا .. فإن التحريف إذا تطرق إلى الكتاب كان تطرقه إلى الروايات أولى، فكيف يعالج هذا بهذا؟ أم العقول؟ والعقول مختلفة فعقل من هو الحكم؟ اللهم إلا إذا كان صاحب العقل نبياً يأتيه الوحي من السماء، وهذا مستحيل أيضاً لختم النبوة. لهذا وغيره أجمع المسلمون على حفظ القرآن، وبطلان القول بتحريفه، وتكفير من يقول بهذا القول. الأدلة على حفظ القرآن أظهر من أن تذكر: لا أرى حاجة للتدليل على أصل كل الأصول في دين الإسلام، ألا وهو حفظ القرآن، وتهافت القول بتحريفه، ويكفي في ذلك أن أصحاب دعوى التحريف أنفسهم لا يجرؤون على التصريح بها علناً بصورة لا يتمكنون بعدها من نفي هذه التهمة عنهم، فنراهم يصرحون بها في حال وينكرونها في حال، فمثلاً يذكرونها في كتاب، وينكرونها في آخر، أو في موضع آخر من الكتاب نفسه! ويصرحون بها في المجالس الخاصة، وينكرونها في وسائل الإعلام أو أمام الملأ، مع أنهم يجاهرون بإبراز غيرها من السوءات العقيدية كتجريح الصحابة، وهذا يعني أنهم لو علموا أن لهم حجة - ولو بوجه بعيد - لما اختفوا بها هذا الاختفاء. إن كل مسلم يقرأ في أول آية من كتاب الله بعد مقدمته (سورة الفاتحة) قوله تعالى: ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:١ - ٢] , ثم أقام الله تعالى الدليل القاطع على نفي الريب عن كتابه الهادي بقوله: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:٢٣]، وأي ريب ينفى عنه إذا جاز عليه التحريف بالزيادة والنقصان؟! ولذلك يقول تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤١ - ٤٢].

стр. 2644

وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:٣٧]. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:١١٥]. وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف:٢٧]. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]. القرآن هو الشاهد والمشهود: لقد ثبت لنا نحن المسلمين أن القرآن محفوظ من التحريف بالنص القرآني الصريح المكرر المثبت بالحجج القرآنية العقلية الذاتية، أي: من داخل القرآن نفسه، بمعنى أن القرآن يشهد لنفسه بنفسه ويدل على نفسه بنفسه فلا يحتاج إلى شاهد أو دليل من خارجه، وفي هذا يقول تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]. ويقول: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [البقرة:٢٣]. فالله تعالى يحتج لصحة القرآن بحجة عقلية مصدرها القرآن نفسه! فالقرآن هو الدليل وهو المدلول عليه، وهو الشاهد وهو المشهود عليه، وهو الحجة وهو المحتج له به! والدليل على حفظ القرآن نقلاً وعقلاً هو القرآن نفسه! وهذا -في رأيي- أقوى من دليل التواتر، فإن التواتر إذا كان يورث الإيمان، فهذا يمنح الاطمئنان: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:٢٦٠]. فلن تجد شيئاً يبعث اليقين ويورث الإيمان ويمنح الاطمئنان إلى صحة القرآن .. كالقرآن. السر في لزوم الإمامية للقول بتحريف القرآن: يدرك الإمامية جيداً عجزهم عن إثبات أصولهم بواسطة القرآن! ولا يستطيعون تمرير هذه الأصول بسهولة في وجوده كاملاً!! فالقرآن صرح بجلاء تام بذكر مسائل دون (الإمامة) و (العصمة) بكثير، كالوضوء والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر! فكان قولهم بطروء النقص على القرآن، لتكون هذه (الأصول) مما حذفت نصوصها! والشيء نفسه دفعهم إلى القول بأن الأصول تثبت بالعقل لا بالنقل، كل ذلك لعلمهم يقيناً بعدم وجود ما يثبت أصولهم من النقل القطعي ثبوتاً ودلالة! إذن وجود القرآن كاملاً يحرجهم كثيراً حين يجدون أنفسهم مطالبين أمام الجميع بما يثبت أصولهم من النصوص القرآنية الصريحة. فأصول الإمامية لم تقم على صريح القرآن، ولا فروعهم على صحيح السنة. وهذا يتبين من تأمل المفارقة الأخرى الآتية: لو افترضنا جدلاً أن الله تعالى رفع الكتاب والسنة من الأرض فإن النتيجة الحتمية أن ديننا سيختفي ويزول، بينما دين الإمامية سوف يبقى ويستمر!! لأنهم إنما أسسوه على أوهام سموها (عقليات) وأباطيل سموها (روايات) ألصقوها بمتشابه الآيات المعطلة عن الفعل من الأساس دون ردها إلى (الإمام) أي إلى هذه الروايات في حقيقة الأمر، لاسيما مع وجود المراقد، وهذا كله: (العقليات والروايات والمراقد) لا يزول بزوال الكتاب والسنة! بل ينتعش .. وينتفش!! فسبحان من جعل أصول الحق قائمة على حفظ القرآن وبقائه، وجعل أصول الباطل لا تقوم إلا على تحريف القرآن وإبعاده! المصدر: تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي

стр. 2645

المطلب الأول: التعريف بالرجعة والغاية منها عند الشيعة: تعني الرجعة في المذهب الشيعي: أن أئمة الشيعة مبتدئاً بالإمام علي ومنتهياً بالحسن العسكري الذي هو الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإمامية سيرجعون إلى هذه الدنيا ليحكموا المجتمع الذي أرسى قواعده بالعدل والقسط الإمام المهدي الذي يظهر قبل رجعة الأئمة ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويمهد الطريق لرجعة أجداده وتسلمهم الحكم وإن كل واحد من الأئمة حسب التسلسل الموجود في إمامتهم سيحكم الأرض ردحاً من الزمن ثم يتوفى مرةً أخرى ليخلفه ابنه في الحكم حتى ينتهي إلى الحسن العسكري وسيكون بعد ذلك يوم القيامة، كل هذا تعويضاً لهم عن حقهم الشرعي في الخلافة والحكومة التي لم يستطيعوا ممارستها في حياتهم قبل الرجعة، والذين كتبوا في الرجعة من أعلام الشيعة فسروا الآية الكريمة: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:١٠٥] إن الغرض من العباد الصالحين هم أئمة الشيعة، هذه خلاصة الفكرة أشرنا إليها بإجمال كما أنه لا بد من القول أيضاً إن الذين ألَّفوا الكتب في الرجعة واستشهدوا على وقوعها بالروايات التي ذكرها بعض كتب الروايات المنسوبة إلى أئمة الشيعة لم يكتفوا إلى هذا الحد من القول برجعة أئمة الشيعة فقط بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى وكلها أيضاً مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة التي أشرنا إليها أكثر من مرة وقالوا: إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة فحسب بل تشمل غيرهم وذكروا أسماء نفر غير قليل من صحابة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زعموا أنهم من أعداء الأئمة والذين منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا.

стр. 2646

وقد يخيل إليّ أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة ووضعوا هذه الروايات لإثباتها لم يقصدوا منها رجعة الأئمة بقدر ما كانوا يقصدون رجعة الأعداء حسب زعمهم وذلك للانتقام منهم لأن هذه الفكرة كانت توطد دعامة التفرقة بين الشيعة والفرق الإسلامية الأخرى تفرقة لا لقاء بعدها، ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة كانوا مخلصين لأئمة الشيعة لم يصوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم حتى أن الله سيعيدهم إلى هذه الدنيا الفانية مرةً أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين، والإمام " علي " يقول:" والله إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة فم جرادة تقضمها ". ومهما يكن من أمر فنحن مع كل الأسف أمام أفكار من هذا النوع وقد ألف فيها بعض أعلامنا كتباً واشتملت الفكرة حيزاً من العقيدة ولو لم يكن جزءاً منها، والفكرة شبيهة مع فارق كبير إلى الفكرة التناسخية التي جاء بها " فيثاغورس " وتبناها الفيثاغوريون ولها أنصارها حتى اليوم وظهرت في مظاهر مختلفة وتعابير متفرقة ودخلت إلى بعض العقائد البدائية ولكن الذين ألفوا وصنفوا حول رجعة أئمة الشيعة لم يستعملوا المضامين التي استعملها الفيثاغوريون في صحة التناسخ أو بالأحرى انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر لأن التناسخيين لا يعتقدون بوحدة الموضوع في عودة الشخص إلى الدنيا بعد الموت ويعتقدون بتعدد الحياة والموت بصور شتى وأنماط مختلفة ولكن فكرة الرجعة تحتفظ بوحدة الموضوع, ولا تكون لأكثر من مرة, غير قابلة للتكرار, حيث يكون بعدها الموت الثاني ومن ثم البعث والنشور، ومن هنا أود القول: إن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة لعلهم كانوا من المتأثرين بالفلسفة الفيثاغورية وأدخلوا الفكرة في المذهب, وذلك بعد إجراء تحوير إسلامي عليها, شأنهم شأن كل المبدعين في العقائد والمذاهب ولست أدري أيضاً متى دخلت فكرة الرجعة على وجه التحديد إلى الأوهام, وألفت حولها الكتب إلا أن الذي لا شك فيه أن ظهور مثل هذه الأفكار البعيدة عن التعقل ظهرت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع حيث كانت السذاجة هي الطابع الغالب على الناس والميل إلى الأفكار الغلوائية البعيدة عن المنطق كان له سوق رائج، والبدعة هذه تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية حيث لم يترتب عليه تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة وهو كما قلنا استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة الرسول الذين خالفوا النص الإلهي في أمر الإمامة والخلافة فكل حديث من هذا النوع كان ولا يزال يزيد في تأجيج نار الفتنة ويضر بالوحدة الإسلامية ويقضي على كل بادرة من بوادر الألفة والتقريب, وهنا أود أن أذكر قصة حدثت لي قبل سنوات عديدة عندما كنت في النجف مقيماً فقد جاءني أحد المشايخ وطلب مني أن أبتاع منه كتاباً قد فرغ لتوه من تأليفه وطبعه, اسمه (لشيعة والرجعة) فسألته عن فحواه فقال: إثبات رجوع الأئمة إلى هذه الدنيا فسألته من جديد: ومتى يكون ذلك؟ فقال: بعد ظهور " المهدي " الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فسألته مرةً أخرى: إذن ما هي الفائدة من رجوعهم لأن القسط والعدل قد استتبا والأئمة أعلى شأناً وأجل قدراً من أن يطلبوا الحكم للحكم والإمام " علي " يقول:" إن دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز إلا أن أقيم حقاً وأبطل باطلاً". فقال الشيخ وقد ملكته الدهشة: ولكن في كتبنا روايات تثبت رجوع الأئمة فصحت في وجهه: ألم يكن من الأفضل أن يترك هذا الأمر للمهدي حتى يقول كلمته فيه؟ فولى الشيخ هارباً وهو يقول: وادنياه!!!!!! المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٩٨

стр. 2647

المطلب الثاني: إيمان الشيعة الكامل بالرجعة ومروياتهم فيها: إن هذا الموضوع - موضوع الرجعة - هو من المعتقدات الأساسية في المذهب الشيعي. ومفاده أن الأئمة الاثني عشر سيعودون إلى الدنيا في آخر الزمان، الواحد بعد الآخر؛ لكي يحكموا الدنيا تعويضاً لهم عن حرمانهم من حقهم في الحكم الذي حرموا إياه إبان حياتهم، ويكون أول إمام يرجع إلى الدنيا هو الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" الذي يمهد الأمر لآبائه وأجداده؛ فيتولون الحكم من بعده واحداً بعد الآخر حسب التسلسل الزمني لهم، فيحكم الواحد منهم فترة من الزمن، ثم يموت مرة أخرى ليتولى بعده الحكم من يليه في الترتيب، وهكذا حتى الإمام الحادي عشر "الحسن العسكري"، وتقوم القيامة بعد ذلك. ولقد نسبت روايات كثيرة في هذا الأمر إلى كل من الإمامين الجليلين: محمد الباقر وولده جعفر الصادق، منها على سبيل المثال: قال أبو عبد الله - يعني: سيدنا جعفراً -: "ينادى باسم القائم - أي: الإمام محمد الثاني عشر- في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، لكأني به في اليوم العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبريل عن يمينه ينادي: البيعة لله، فتسير إليه الشيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه، وقد جاء في الأثر: إنه يسير من مكة حتى يأتي الكوفة، فينزل على نجفنا، ثم يفرق الجنود منها في الأمصار". وروى الحجال عن ثعلبة عن أبي بكر الحضرمي عن سيدنا محمد الباقر قال: "كأني بالقائم ﵇ على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد". وروى عبد الكريم الجعفى قال: "قلت لأبي عبد الله - يعني: سيدنا جعفراً -: كم يملك القائم ﵇؟ قال: سبع سنين، تطول حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فتكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه".وروى عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله - يعني: سيدنا جعفراً الصادق ﵇ قال: "إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت - يعني ابن المغيرة -: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال جعفر الصادق: نعم، منهم ومن مواليهم" (١). إن الشيء الذي يدعو إلى التوقف طويلاً والتأمل كثيراً، هو أن هذه الروايات منسوبة إلى إمامين عظيمين جليلين من أئمة بيت النبوة، لم يعرف عنهما شيء من هذا العنف في التفكير أو التعبير، هما: محمد الباقر وولده جعفر الصادق، الأمر الذي أثار ثائرة بعض علماء الشيعة أنفسهم، وفي مقدمتهم الدكتور موسى الموسوي في كتابه (الشيعة والتصحيح) الذي مرّ ذكره.

стр. 2648

يقول العلامة الدكتور الموسوي: إن مؤلفي هذه الكتب لم يكتفوا من القول برجعة أئمة الشيعة فحسب، بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى، وكلها مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة، وقالوا: إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة وحدهم، بل تشمل غيرهم، وذكر أسماء نفر غير قليل من صحابة رسول الله ﷺ ، زعم الشيعة أنهم من أعداء الأئمة، وأنهم منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم، كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا. ويستطرد الدكتور الموسوي قائلاً: ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة مخلصين لأئمة الشيعة لما صوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم، حتى إن الله سيعيدهم إلى هذه الدنيا الفانية مرة أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت، وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، والإمام عليٌّ نفسه يقول: "والله! إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها".ويمضي العلامة الموسوي في النكير على فكرة الرجعة قائلاً: وهذه البدعة تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية، حيث لم يترتب عليها تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي، اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة، وهو استكمال العداء، وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة رسول الله ﷺ (١). المصدر: إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص٢٠٣ وذكر عباس القمي في (منتهى الآمال) بالفارسية ما ترجمته بالعربية: قال الصادق ﵇ "ليس منا من لا يؤمن برجعتنا ولا يقر بحل المتعة". ونقل محمد الباقر المجلسي بالفارسية ما ترجمته بالعربية: روى ابن بابويه في علل الشرائع عن الإمام محمد الباقر ﵇ أنه قال: "إذا ظهر المهدي فإنه سيحيي عائشة ويقيم عليها الحد" ونقل مقبول أحمد الشيعي في ترجمته للقرآن بالأردوية ما ترجمته بالعربية: روي عن الإمام محمد الباقر ﵇ في تفسير القمي وتفسير العياشي أن المراد في هذه الآية من "الآخرة" الرجعة ومعنى الرجعة أنه سيأتي رسول الله والأئمة ﵈ وخاصة من المؤمنين وخاصة من الكفار قبل قيام الساعة إلى الدنيا، لكي يعلى الخير والإيمان، ويقضى على الكفر والعصيان. وذكر الملا محمد الباقر المجلسي في حق اليقين كلاما طويلا بالفارسية حاصله أنه إذا ظهر المهدي ﵇ (قبيل القيامة) فإنه سينشق جدار قبر الرسول ﷺ ويخرج أبا بكر وعمر من قبريهما فيحييهما ثم يصلبهما (والعياذ بالله). ثم يذكر عن المهدي أيضا بالفارسية ما ترجمته بالعربية: ثم يأمر الناس أن يجتمعوا فالظلم والكفر الذي ظهر من بداية العالم إلى نهايته فإثم ذلك الظلم والكفر كله يكتب عليهما (أي أبي بكر وعمر) وما أهريق دم لآل محمد في أي زمان بل كل دم أهريق بغير حق وكل جماع حرام قد حصل وكل مال ربا أو مال حرام قد أكل وكل إثم وظلم وقع حتى ظهور المهدي فإن كل ذلك سيكون معدودا في أعمالهما. ونقل المجلسي بعده أيضا (وروى النعماني عن الإمام محمد الباقر ﵇ أنه قال: لما يظهر المهدي فأول من يبايعه محمد ﵊ ثم علي ﵇ ويساعده الله بالملائكة، وروى الشيخ الطوسي والنعماني عن الإمام الرضا ﵇ أنه: من علامات ظهور المهدي أن يظهر عاريا أمام الشمس وينادي مناد هذا هو أمير المؤمنين رجع ليهلك الظالمين. وهذا من أعظم أكاذيب الشيعة مخالف لما عليه الدين الإسلامي والإسلام وجميع الأديان السماوية مجمعة على أن الإنسان يعمل في هذه الدنيا ثم يموت ثم يحشر أمام الله يوم القيامة وهناك سيحاسبه الله عن أعماله ولكن الشيعة يريدون افتراء وكذبا أن ينصبوا المهدي في مقام المحاسب للخلق، هذه الروايات مع كونها باطلة فإنها إهانة عظيمة للرسول ﷺ وسيدنا علي بن أبي طالب ﵁ حيث جعلوهما يبايعان المهدي الذي سيكون من ولدهما، ثم كون المهدي يظهر عاريا ليس عليه ثياب؟ وأما عن الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر ﵄ وما أظهر لهما من البغضاء والشحناء لا يحتاج إلى تعليق فإنه خلاف النقل والعقل فكيف يعقل أن يحمل شخص أوزار الذين قبله، "فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". المصدر: بطلان عقائد الشيعة وبيان زيغ معتنقيها ومفترياتهم على الإسلام من مراجعهم الأساسية لمحمد عبد الستار التونسوي

стр. 2649

أولاً: تعريف البداء: البداء: معناه الظهور بعد الخفاء، كما في قوله تعالى: وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:٤٧] أي ظهر. ومعناه أيضاً: حدوث رأي جديد لم يكن من قبل، كما في قوله تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:٣٥]. وله معان أخرى كلها لا تخرج عن مفهوم تجدد العلم بتجدد الأحداث. وهذه المعاني تستلزم سبق الجهل وحدوث العلم تبعاً لحدوث المستجدات لقصور العقول عن إدراك المغيبات. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٤٤٣ أما معنى البداء والفكرة التي بين ثناياه وما تعنيه في زيارة الإمامين العسكريين هو: أن الإمامة حسب التسلسل الموجود في عقيدة الشيعة الإمامية تنتقل من الأب إلى الابن الأكبر مستثنىً من هذه القاعدة " الحسن " و " الحسين " فالإمامة بعد الإمام " الحسن " انتقلت إلى الإمام " الحسين " ولم تنتقل إلى الابن الأكبر " للحسن " وذلك لنص ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث قال: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)). فقد حدث أن " إسماعيل " وهو الابن الأكبر للإمام " جعفر الصادق " الإمام السادس عند الشيعة قد توفي في عهد أبيه فانتقلت الإمامة إلى أخيه " موسى بن جعفر " الابن الأصغر للصادق وهذا التغيير في مسار الإمامة التي هي منصب إلهي يسمى " بداءً " حصل لله تعالى فانتقلت الإمامة الإلهية بموجبه من " إسماعيل " إلى موسى بن جعفر " ومن ثم إلى أولاده ولم تأخذ الطريق الطبيعي لها, الذي هو انتقال الإمامة من الأب إلى الابن الأكبر، ولكن السؤال المحيّر هنا لماذا تغير مسار الإمامة بداءً ونسبوا شيئاً كهذا إلى الله تعالى لإثبات أمر لم يكن إثباته بحاجة إلى انتقاص من سلطان الله؟ الجواب: هنا يكمن في تلك الملابسات والظروف التي حصلت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع فالإمامة عندما تكون إلهية لا تخضع للانتخاب المباشر ولا يتغير مسارها بموت الإمام الشرعي فحينئذ تنتقل الإمامة هذه حسب الناموس الإلهي الذي لا يتغير من الأب إلى الابن, ولهذا قيلت في الإمامة إنها تكوينية أي لا تخضع لمتغيرات الزمان والمكان شأنها شأن العلة والمعلول الذاتيين الذين لا ينفك أحدهما عن الآخر, وهذا يعني أن الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معين بإرادة الله، وهذا الصراع الفكري حدث بين الشيعة أنفسهم قبل أن يمتد نحو آفاق أوسع قبيل عصر الغيبة الكبرى مباشرةً وذلك عندما بدأ المذهب الإسماعيلي يظهر على ساحة الأفكار الإسلامية ويهدد وحدة الشيعة بالتمزق الداخلي وكان المذهب الإسماعيلي يرى أن الإمامة الإلهية مستمرة بالصورة التي أرادها الله منذ الأزل وهي في نسل " علي " وأولاده حسب التسلسل السني وهذا يعني أن الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معين بإرادة الله فإذا مات الوريث الشرعي الذي هو "إسماعيل" فلا يحق لأبيه " الصادق " أن يعين " موسى " ابنه الأصغر بل تنتقل الإمامة إلى الابن الأكبر من ظهر " إسماعيل " وبما أن الشيعة تبنت فكرة الإمامة الإلهية بالصورة نفسها فلكي تخرج من هذا المأزق قالت بفكرة البداء لكي تلقي مسؤولية انتقال الإمامة من "إسماعيل بن جعفر" إلى موسى بن جعفر على الله وليس على الإمام " الصادق " ولتفنيد العقيدة الإسماعيلية، وكما يعلم الجميع فإن الإمامة لا زالت مستمرة عند الإسماعيليين حتى هذا اليوم والإمام عندهم حي حاضر ومن نسل " إسماعيل " ولم يحيدوا عن هذا المنحنى الفكري الذي أملاه عليهم مذهبهم قيد أنملة.

стр. 2650

ونعود إلى فكرة البداء فنقول: إنها ظهرت في إبان ظهور الفرقة الإسماعيلية التي أخذت تناهض الشيعة وتخرق وحدتها ولذلك لا نجد أثراً لفكرة البداء حتى أوائل القرن الثالث الهجري، وأول إمام يخاطب بشموله للبداء هو الإمام العاشر ومن بعده الحادي عشر للشيعة في حين أنه كان من الأجدر والأولى أن يخاطب الإمام " موسى بن جعفر " بشموله للبداء حيث كان هو موضوعه فلا الإمام " موسى " ولا ابنه " علي الرضا " ولا حفيده " محمد الجواد " قد خوطبوا بكلمة فيها إشارة إلى حصول البداء بحقهم الذي يؤكد لنا أن اللجوء إلى تبني فكرة البداء إنما حصل عندما أخذ التيار الإسماعيلي يشق طرقه إلى الوجود والظهور في أوائل القرن الثالث الهجري وهو عصر الإمام العاشر والحادي عشر للشيعة، لقد التجأ بعض أعلام الشيعة إلى البداء حتى يثبتوا تغيير مسار الإمامة من " إسماعيل " إلى " موسى بن جعفر " في حين أن الإمامة وانتقالها من كابر إلى كابر وبالصورة التي رسمها الشيعة قبل عهد الصراع بين الشيعة والتشيع لم تكن بحاجة إلى القول بالبداء وتغيير الإرادة الإلهية، فبوفاة مرشح الإمامة تنتقل الإمامة إلى المرشح الثاني حسب ما يوصي به الإمام " الصادق " الذي شاهد وفاة ابنه المرشح للإمامة ولا شك أنه قال كلمته في الإمام الذي يتولى شؤون الفتيا والفقه بعده, وفي كلام الإمام وتعيينه الوارث الشرعي فصل الخطاب. إن موضوع البداء احتل جانباً من الكتب الشيعية وأفرد له بعض الأعلام فصولاً أو كتيباً يدافع عن معنى البداء وفحواه, وانتهى الجدل ذاك إلى الأبحاث الفلسفية والكلامية التي احتلت أجزاءً كثيرة من الكتب الكلامية في الإرادة الإلهية, وهكذا الآجال الحتمية والمقدرة والقدر الذي يدفعه الحذر والبلاء الذي تدفعه الصدقات وما إلى ذلك من كلام يعرفه أهل العلم والفضيلة وكل من ألمَّ بالصراع الفكري بين الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم من مفكري الإسلام كما أن بعض أعلام الشيعة وجد الحل للخروج من مأزق البداء بالتفصيل بين النسخ التشريعي والنسخ التكويني وقال: إن البداء هو النسخ في التكوين ولست أدري أن الذين كتبوا في البداء هل وجدوا في الآية الكريمة: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] حلاً لتلك المعضلة إن كانت معضلة أم لا؟ ومهما يكن من أمر فإن الذين كتبوا وألَّفوا في البداء لم يضيفوا إلا أوهاماً على أوهام وسفسطة إلى سفسطة ولو أنهم وجدوا حل المعضلة بالآية الكريمة التي أسلفناها لكان لهم خير طريق للخروج من مأزق وضعوا أنفسهم فيه ولم ينته الأمر بهم للخروج منه إلى الطعن في سلطان الله وأنه تعالى كان يريد شيئاً ثم بدا له غيره. المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص١٠٢

стр. 2651

ثانياً: الأدلة على القول بالبداء: تمسك الرافضة بعقيدة البداء تمسكاً شديداً، ولهذا فإن أدلته في كتبهم لا تكاد تحصر. ومن ذلك ما ذكره الكليني في (الكافي)، حيث عقد باباً كاملاً في البداء سماه (باب البداء)، وأتى فيه بروايات كثيرة توضح بجلاء مقدار تعلقهم بعقيدة البداء، منها: عن زرارة بن أعين عن أحدهما ﵉ قال: "ما عبد الله بشيء مثل البداء". والحقيقة ما عبد الله بشيء مثل التوحيد له والانقياد التام، وأما البداء فهو عقيدة يهودية، من قال بها فقد وصف ربه بالنقص والجهل والتخبط في الاعتقاد. وفي رواية ابن عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ﵇: "ما عُظِّم الله بمثل البداء" (١).وعن أبي عبد الله أنه قال: "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه" (٢).وعن مرزام بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: "ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة" (٣). وهذه لا يظهر أنها خمس؛ فالسجود والعبودية والطاعة كلمات تغني كل واحد منها عن الأخرى. وعن الريّان بن الصلت قال: سمعت الرضا ﵇ يقول: "ما بعث الله نبياً إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء" (٤). وهذا غير متيقن فإن شرائع الأنبياء تختلف في الفروع، ولم تتفق دعوة الأنبياء على التأكيد إلا في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته. ومن تمجيدهم لمن يقول بالبداء ما رواه الكليني عن جعفر أنه قال: "يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة واحدة، عليه سيما الأنبياء، وهيبة الملوك" (٥).وعن أبي عبد الله قال: "إن عبد المطلب أول من قال بالبداء، ويبعث يوم القيامة أمة واحدة، عليه بهاء الملوك وسيما الأنبياء" (٦). والمعروف – حسبما يذكر علماء الفرق- أن أول من قال بالبداء في الإسلام وأظهره هو المختار بن أبي عبيد، وأن عبد المطلب لم يدخل الإسلام. ويبدو القول بالبداء واضحاً فيما نقل الكليني عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: يا ثابت، إن الله وقَّت هذا الأمر - أي خروج المهدي - في السبعين، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا، يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩].قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله ﵇ فقال: قد كان ذلك (٧). ومفهوم هذا النص أن الله تعالى حينما وقّت خروج المهدي في أربعين ما كان يعلم عن مصير الحسين، فلما قتل الحسين غضب الله تعالى على الناس فأخر خروج المهدي جزاءً لقتله وانتقاماً من الناس. ومعلوم أن نسبة الجهل إلى الله تعالى كفر وردة كما تقدم، فإن الله تعالى قد كتب على الحسين كل ما هو لاقيه قبل أن يخلق السموات والأرض، واشتداد غضب الله تعالى حين قتل الحسين وبتلك الصورة المفاجئة يدل على أنه لم لكن يعلم ذلك، وإلا لاشتد الغضب قبل قتله، ولأخّر ظهور المهدي قبل توقيته في السبعين.

стр. 2652

وبعد أن ذكر الطوسيّ جملة من أخبار البداء قال: فالوجه في هذه الأخبار أن نقول إن صحت: إنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدّد ما تجدّد تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر، وكذلك فيما بعد ويكون الوقت الأول، وكل وقت لا يجوز أن يؤخر مشروطاً بألا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء فيكون محتوماً (١). وهذا هو إثبات الجهل بعينه لتوقف الأمور على ظهور المستجدات والمصلحة فيها. أول من قال بالبداء على الله تعالى: يبدو أن أول من ادعى البداء على الله تعالى هم اليهود، قالوا: إن الله تعالى خلق الخلق، ولم يكن يعلم هل يكون فيهم خير أو شر، وهل تكون أفعالهم حسنة أم قبيحة، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح السادس من التوراة ما نصه: (ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه جداً فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته لأني حزنت أني عملتهم) (٢). وهذا النص وأمثاله يفيد صراحة أن الله قد بدت له أمور لم يكن يعلمها، فحزن حزناً شديداً حين رأى معاصي البشر. فالبداء عقيدة يهودية مدوّنة في كتبهم المحرفة، ونفس هذه الأفكار مدونة عند الشيعة، فالكليني -كما رأينا فيما سبق- يروي عن الأئمة فضائل كثيرة لاعتقاد هذا الكفر، حتى وإن ذكر بعض الروايات التي تفيد عدم حصول جهل الله بالأمور قبل ظهورها لكنها لم تكن صريحة مثل النصوص الأخرى التي سبق ذكرها عنهم. ويذكر الكثير من العلماء أن أشد من تزعم القول بالبداء في الإسلام هو المختار بن أبي عبيد الثقفي تغطية لكذبه، قال البغدادي مبيناً سبب ادعاء المختار القول بالبداء على الله تعالى: (وأما سبب قوله بجواز البداء على الله فهو أن إبراهيم بن الأشتر لما بلغه أن المختار قد تكهّن وادعى نزول الوحي عليه قعد عن نصرته واستولى لنفسه على بلاد الجزيرة، وعلم مصعب بن الزبير أن إبراهيم بن الأشتر لا ينصر المختار فطمع عند ذلك في قهر المختار، ولحق به عبيد الله بن الحر الجعفي ومحمد بن الأشعث الكندي وأكثر سادات الكوفة غيظاً منهم على المختار لاستيلائه على أموالهم وعبيدهم، وأطمعوا مصعباً في أخذ الكوفة قهراً. فخرج مصعب من البصرة في سبعة آلاف رجل من عنده سوى من انضم إليه من سادات الكوفة، وجعل على مقدمته المهلّب بن أبي صفرة مع أتباعه من الأزد، وجعل أعنة الخيل إلى عبيد الله بن معمّر التيمي، وجعل الأحنف ابن قيس على خيل تميم ...

стр. 2653

فلما انتهى خبرهم إلى المختار أخرج صاحبه أحمد بن شميط إلى قتل مصعب في ثلاثة آلاف رجل من نخبة عسكره، وأخبرهم بأن الظفر يكون لهم، وزعم أن الوحي قد نزل عليه بذلك، فالتقى الجيشان بالمدائن، وانهزم أصحاب المختار وقتل أميرهم ابن شميط وأكثر قوّاد المختار، ورجع فلولهم إلى المختار وقالوا له: ألم تعدنا بالنصر على عدونا وقد انهزمنا؟ فقال: إن الله تعالى كان قد وعدني بذلك، لكنه بدا له، واستدل على ذلك بقوله : يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩]. فهذا كان سبب قول الكيسانية بالبداء) (١).ويقول الشهرستاني في تقريره لهذه القضية: "وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله جعله دليلاً على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم. وكان لا يفرق بين النسخ والبداء. قال: إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار" (٢). ومعلوم عند كافة أهل العلم أن النسخ ليس معناه البداء على الله تعالى، وإنما النسخ رحمة من الله تعالى وتدرّج في الأحكام. ولكن الشيعة أيضاً هم على هذا الرأي، وهو عدم التفريق بين النسخ والبداء، وفي هذا يقول الطوسي."وعلى هذا يتأول أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمنة للبداء ويبيّن أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ، أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات" (٣). وعلى كل حال فإنه ما من مسلم سليم الفطرة، لم تدنس فطرته بشبهات المبطلين وأقاويل الضالين إلا وهو يعتقد أن الله تعالى لا يلحقه نقص في علمه المحيط بكل شيء، وأن ادّعاء البداء على الله معناه نسبة الجهل إليه جل وعلا، وهذا كفر صريح. ولقد أصبح الشيعة باعتقادهم هذا -كما يقول العلماء- "عاراً على بني آدم وضحكة يسخر منهم كل عاقل بسبب ما اعتقدوه من مثل هذه الضلالات" (٤). وبالرجوع إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية وإلى أقوال أهل العلم، وإلى فطرة كل شخص نجد أن كل ذلك يضحد ما ذهب إليه علماء الشيعة ويبطل القول بالبداء، وأن الذين يطلقون ذلك على الله ما عرفوه وما قدروه حق قدره ... ففي القرآن الكريم آيات تكذب كل زعم يقول بالبداء على الله ، ومن ذلك: قوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام:٥٩]. قوله تعالى: لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه:٥٢]. قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:٢٢]. وفي السنة أحاديث كثيرة تدل على ما دلت عليه تلك الآيات، ومعلوم أن هذه الفكرة لم ترد على أذهان السلف الأوائل؛ بل إنهم كانوا يعتبرونها من وساوس الشيطان ويستعيذون بالله منها، فإن الله قد أحاط بكل شيء علماً، والله لم يثبتها لنفسه والأنبياء لم يقرّوا لله بها -كما زعم الشيعة- وإنما أقر بها اليهود، وروجها عبد الله بن سبأ في الإسلام. وجدّدها المختار، وتلقفها عنهم الحاقدون على الإسلام الذين يطمعون في التلاعب بمفاهيم المسلمين وتشويه معتقداتهم، وليكون ذلك أيضاً غطاءً لما يريدونه من مخططات لهدم الإسلام. ومما لا يتطرق إليه الشك أن الشيعة -وهم يستحلون الكذب على الله وعلى الناس- أنهم هم الذين اخترعوا تلك النصوص ونسبوها إلى بعض العلماء الأجلاء من آل البيت لتكتسب بذلك وجهاً عند عوام المسلمين فيتقبلوها، ليتم لأولئك ما أرادوه من نيات سيئة بيّتوها للإسلام والمسلمين. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٤٤٥ - ٤٥٢

стр. 2654

المطلب الثاني: حكم من قال بالبداء: وإذا أطلقت هذه المعاني على الإنسان فلا محذور فيها لتحققها فيه، وأما إذا أطلقت على الله فلا شك أنها كفر تخرج صاحبها من الملة، ذلك أن الله تعالى عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما ظهر وما سيظهر على حد سواء، ومحال عليه حدوث الجهل بالشيء فتبدو له البداءات فيه. وهذه العقيدة معلومة من الدين بالضرورة أنها باطلة لدى كافة المسلمين، ولا يتصور اتصاف الله بها إلا من لا معرفة له بربه، واستحوذ عليه الجهل والغباء. فما هو موقف الشيعة من هذه القضية؟. الواقع أن كل كتب الشيعة تؤكد وجود اعتقاد هذه الفكرة عن الله، بل ووصل بهم الغلو إلى حد أنهم يعتبرونها من لوازم الإيمان، كما سيأتي ذكر النصوص عنهم، إلا أن الأشعري يذكر عنهم أنهم اختلفوا في القول بها إلى ثلاث مقالات: فرقة منها يقولون: إن الله تبدو له البداوات، وإنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات، ثم لا يحدثه بسبب ما يحدث له من البداء، وفسروا النسخ الحاصل في بعض الأحكام على أنه نتيجة لما بدا لله فيها ... تعالى الله عن قولهم. وفرقة أخرى: فرّقوا بين أن يكون الأمر قد اطلع عليه العباد أم لا، فما اطلعوا عليه لا يجوز فيه البداء، وما لم يطلعوا عليه -بل لا يزال في علم الله- فجائز عليه البداء فيه. وذهب قسم منهم إلى أنه: لا يجوز على الله البداء بأي حال. هذا ما قرره الأشعري (١)، ولكن كما قدمنا فإنه بالرجوع إلى مصادر الشيعة الإمامية الرافضة تجد أنهم متمسكون بهذا المبدأ ويقرون أن الله تبدو عليه البداوات، ويذكرون فيه فضائل من يعتقد على الله البداء أكاذيب كثيرة منكرة دون ذكر خلاف بينهم، وقد يصدق كلام الأشعري على بعض المعتدلين ممن مال إلى التشيع، ولم يغلوا فيه غلو الإمامية. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥

стр. 2655

المبحث العاشر: الغلو: • المطلب الأول: الغلو النظري:. • المطلب الثاني: الغلوّ العملي:. • المطلب الثالث: مظاهر الغلو:. • المطلب الرابع: موقف الأئمة من الغلو فيهم:.

стр. 2656

المطلب الأول: الغلو النظري: والغلو النظري بكل اختصار: اعتقاد الإنسان في حق إنسان آخر أنه قادر على الإتيان بكرامات أو معجزات أو أمور خارقة وغير عادية لا يستطيع الإتيان بها عامة الناس، كما أن الإيمان بتأثير إنسان ما حياً كان ذلك الإنسان أو ميتاً في حياة الآخرين خيراً أو شراً وفي الدنيا والآخرة, هو مظهر كبير من مظاهر الغلو، والغلو النظري المسطور في كتب الروايات والأحاديث ونسبة الأمور العجيبة والخارقة إلى الأئمة والأولياء والمشايخ كانت السبب في تنمية الغلو العملي وما يصدر من عامة الناس في مقابر الأئمة والأولياء والمشايخ في إظهار العبودية وتقديم النذورات وطلب الحاجة المباشرة منهم وأمور أخرى لا تعد ولا تحصى.

стр. 2657

وفكرة الغلو تحتل قلوب كثير من الناس حتى من غير المسلمين وتشارك الفرق الإسلامية الأخرى الشيعة في غلوهم بالنسبة للأئمة والأولياء نستثني منهم (السلفية) الذين استطاعوا أن يحطموا القيود التي قيدت عقول الناس وقلوبهم على السواء، غير أن الشيعة سبقت الفرق الإسلامية الأخرى في هذا المضمار كثيراً ويعود هذا الإسراف في الغلو إلى كتب الروايات التي لم تهذب, وموقف الفقهاء من تلك الروايات وعدم تفنيدهم لمحتواها، فقد ذكرت كتب الشيعة والتي تعتبر موثوقة قصصاً في معجزات الأئمة وفي كراماتهم هي لا تقل عن تلك التي نجدها في كتب روايات الفرق الإسلامية الأخرى عن المشايخ والأولياء وشيوخ الصوفية، ولا أريد أن أدخل في ذلك الجدل العقيم, هل أن هذه الروايات صادقة أم أنها من نسج الخيال؟ وأنها حيكت في عصر كانت أذهان العامة لا ترتضي ولا تطمئن إلا أن تسمع قصصاً مثيرةً عن حياة كبرائهم، ولكن النقطة الأساسية والتي أرتكز عليها في هذا البحث هي أننا نحن كمسلمين وكأمة نعتقد بأن المعطيات العقلية هي أكثر المعطيات اتباعاً وقبولاً وهي التي تغنينا عن السير أشواطاً وراء السراب، ونحن معاشر الشيعة بالذات قد اتخذنا المذهب العقلي جزءاً من استنباط أحكامنا الفقهية وهناك رواية ذكرها الكليني في (أصول الكافي) متواتراً عن الإمام "الصادق" جاء فيها:"إن أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: فبعزتي وجلالي بك أعاقب وبك أثيب".

стр. 2658

ومن هنا اتخذت الشيعة تلك القاعدة العقلية التي تقول: (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) أي أن المستقبلات العقلية التي لا يجد العقل إلا بداً من قبولها أو رفضها فالشرع يحكم بذلك وها أنا أسأل: أين موقف العقل من هذه الخزعبلات التي رواها الرواة بالنسبة لأئمتنا من المعجزات والكرامات؟ وأين العقل من هذا الغلو الجارف الذي يمنع المرء من ذكر الله والتوجه إليه؟ ثم لماذا ونحن الشيعة لا نعطي لأئمتنا حقهم في المرتبة الرفيعة التي يحتلونها؟ وهي الوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل الذي هو معجزة تفوق كل المعجزات الأخرى فقد جاء في الحديث عن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((إن الله خلق الإنسان وركّب فيه العقل والشهوة وخلق الملائكة وركب فيها العقل وخلق البهائم وركب فيها الشهوة فمن غلب عقله على شهوته فهو أعلى من الملائكة ومن غلبت شهوته على عقله فهو أدنى من البهائم)) إن هذه المرتبة الإنسانية الكبرى التي أنعم الله بها على الأئمة وعباده الصالحين حيث بلغوا مرتبة هي أعلى من الملائكة تغنيهم ورب الكعبة من أن تنسج حولهم الخزعبلات ما تضحك الثكلى, ثم إن الغلو في بعض الأحيان يجتاز مرحلة المدح وينقلب ذمّاً فمثلاً: إن العصمة التي نسبت إلى الأئمة كما قلنا في فصول سابقة كان الغرض منها تثبيت تلك الروايات الكاذبة التي تتنافى مع العقل والمنطق والتي نسبت إلى الإمام كي يُسَدّ باب النقاش في محتواها على العقلاء والأذكياء ويرغم الناس على قبولها, لأنها صدرت من معصوم لا يخطئ، ولكن العصمة في حقيقة حالها إنما هي تنقيص من حق الإمام لا مدح فيه لأن تفسير العصمة بالمفهوم الشيعي تعني أن الأئمة منذ ولادتهم وحتى وفاتهم لم يرتكبوا معصية بإرادة الله وهذا يعني فقدانهم الإرادة في تفضيل الخير على الشر، ولست أدري أية فضيلة تكتب للمرء عند الله إذا لم يستطع القيام بعمل الشر بسبب إرادة خارجة عن ذاته، نعم إذا كانت العصمة تعني أن الأئمة مع القدرة على الإتيان بالمعاصي لن يأتوا بها لعلو في نفوسهم وملكة قوية في أخلاقهم وحاجز يحجزهم عن معصية الله, فهذا كلام معقول يتلاءم مع المنطق والعقل, ولكن في هذه الحالة لا نستطيع القول: إن هذه النفسية تخص أشخاصاً معدودين وأنها خاصة لأئمتنا فقط بل إنها صفة يستطيع كل إنسان أن يتصف بها إذا التزم حدود الله وأطاع أوامره وانتهى عن نواهيه وحسبنا كتاب الله الذي أعطى لنا مثلاً رائعاً وصورة بليغة لهذه العناية الإلهية في سورة يوسف: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:٢٣ - ٢٤] والعلم اللدني من هذا النوع أيضاً فما هي الفضيلة في اقتباس العلوم بلا جهد ومثابرة وسعي؟ وأدهى من ذلك أن بعض علمائنا ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا: إن الإمام يعلم كل شيء وله معرفة بكل العلوم والفنون ولست أدري أيضاً ما هي الفضيلة بالنسبة إليه أن يكون مهندساً أو ميكانيكياً أو عالماً باللغة اليابانية إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهاً ورعاً وعالماً ربانياً في شؤون الدين وفي هذا كل الفضل, ثم إذا كان القرآن الكريم يقول في رسوله الذي أرسله للناس ضياءً ونوراً قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] وينفي عنه العلم بالغيب بقوله: وَلَوْ كُنتُ

стр. 2659

أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف:١٨٨] فكيف تسوغ لنا نفوسنا أن ننسب إلى أئمتنا صفات تعلو على صفات رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أم المعاجز والكرامات التي كانت تصدر عن الأنبياء في حين وآخر ويشير إليها القرآن الكريم, فإنها كانت تحدث في عهد التحديات الإنسانية لرسالات السماء وفي عهود كانت البشرية لا تستطيع درك المفاهيم العقلية والفضائل العليا بلغة المنطق والاستدلال, وكان لا بد من حملها إلى طريق الإيمان فأنعم الله على أنبيائه وكرّمهم بالمعاجز ليكونوا حجة على الناس وأرسل الله رسولهصلى الله عليه وسلم بالمعجزة الخالدة وهو القرآن الكريم إنها المعجزة الأبدية التي تبقى ما شاء الله لها أن تبقى، وبمحمد ختمت الرسالة وختمت المعجزات وأكمل الدين وأتمت النعمة وجاء قول الله صريحاً وجلياً: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣] ومرةً أخرى ونحن نتحدث عن الغلو النظري عند الشيعة قبل الغلو العملي ونترك الباب مفتحاً لسائر الفرق الإسلامية الأخرى أن تحدث هي عن الغلو الحاكم في قلوب أبنائها وفي بطون كتبها. إن المؤسف حقاً هو أن الغلو النظري مثل العملي دخل إلى أعماق القلوب عن طريق فقهاء المذهب والمجتهدين فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتقهم لأنهم هم الذين قادوا العوام على الطريق، فهناك أمور نَسَبَتْها كتب الشيعة إلى الأئمة وتبناها فقهاء المذهب وذكرتها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل " أصول (الكافي) " و " الوافي " و " الاستبصار " و " ومن لا يحضره الفقيه " و " وسائل الشيعة " وغيرها من أهم الكتب والمصادر الشيعية وفي كثير منها الغلو وفي كثير منها الحط من قدر الأئمة ولكن بصورة غير مباشرة، ومع أننا نستثني بعض علمائنا وبعض مراجعنا حيث اتخذوا موقفاً منصفاً ومعتدلاً من الغلو النظري والعملي, غير أن الأكثرية منهم ساروا على درب الغلو من أَلِفِهِ إلى يائه, ولعل من أهم مواضيع الغلوّ: العصمة. العلم اللدني. الإلهام. المعاجز. الإخبار بالغيب. الكرامات. تقبيل الأضرحة وطلب الحاجات. وهنا أود القول بكل صراحة ووضوح هو أنني عندما أطلب غربلة الكتب الشيعية وتهذيبها من الروايات التي تسيء إلى العقل الإنساني بدلاً من أن تصقله أطلب في الوقت نفسه من علماء الفرق الإسلامية الأخرى أن تهذب وتغربل بدورها كتبها من الروايات التي جاءت فيها وهي لا تقل عن الغرابة والسخف من الروايات التي دونت في كتب الشيعة. المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٥٦

стр. 2660

المطلب الثاني: الغلوّ العملي: إن الغلو العملي يتجسد في طلب الحاجات الدنيوية والأخروية من الأئمة والاستغاثة بهم بصورة مباشرة، كما أن تقبيل الأضرحة هو أمر شائع في مراقد الأئمة والأولياء معاً، حقاً لقد سئمت من المناقشة والمناظرة مع فقهائنا - سامحهم الله - حول تقبيل الأضرحة وطلب الحاجات من الأئمة وقراءة الزيارة أمام قبورهم بدلاً من قراءة القرآن الكريم فلم أسمع منهم إلا تكراراً لكلمات قيلت فقد أرادوا أن يجدوا العذر في تقبيل الأضرحة بتقبيل الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الحجر الأسود في حين أن عمل الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يعتبر سنة لموقع خاص ومقام خاص حتى أن الخليفة " عمر بن الخطاب " وقف أمام " الحجر " مخاطباً له: (إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنني رأيت رسول الله يقبلك فأقبلك) (١) وإن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يسمح أبداً أن يقبل أحد يده بل كان يصافح زائريه والقادمين إليه كما أننا لم نسمع ولم نقرأ أن الإمام " علياً " سمح لأحد أن يقبل يده أو رداءه وهذا هو الإمام " الصادق " وقد أغضبه رجل عندما أراد أن يقبل عصاه التي يتوكأ عليها بذريعة أنها عصا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال له غاضباً: (ويحك -وهو يشير إلى يده- هذا لحم ودم رسول الله فلماذا تقبل ما لا يضرك ولا ينفعك) ومن الغريب في استدلال علمائنا بتقبيل النبي الكريم للحجر الأسود وجواز تقبيل الأضرحة بالقياس عليه هو أنهم من أشد الناس معارضة للقياس في استنباط الأحكام الشرعية وكما نعرف جعلوا الدليل العقلي بدلاً من القياس في استنباط الأحكام ولكنهم أخذوا به عندما رأوا مصلحة في ذلك، لقد زرت مقابر الأولياء في كثير من البلاد الإسلامية فرأيت الزائرين فيها على النمط الذي نراه في مشاهد أئمتنا ودخلت كنائس المسيحيين في كثير من بلاد العالم فرأيت الناس فيها كما هي فهم يتبركون بتمثال المسيح وبأقدام العذراء, وقد تركوا الله جانباً ويطلبون منهما العون في الدنيا والآخرة، ودخلت معابد البوذيين والشنتو ومعابد الهنود والسيخ فرأيت ما رأيته من قبل في مشاهد المسلمين والمسيحيين معاً في تقديم القربان وطلب الحاجة وتقبيل التماثيل والركوع والخضوع والخشوع أمامها. وهكذا رأيت البشرية تعوم في سراب من الأوهام وحقاً أكبرت أولئك العلماء من المسلمين أمثال ابن حزم الأندلسي ومن حذا حذوه من الذين منحهم الله عقولاً جبارةً اتخذوها مناراً وهدايةً لهم وللآخرين فسبقوا عصورهم بقرون وقرون ووقفوا موقف الساخر الغاضب من هذه الأعمال، ولنقرأ معاً هذه الآيات البينات وقد عالجت هذه الأمور بصراحة ووضوح: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨] وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:٣١] قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:٦٥] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:١٨٦] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:١٦] المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٥٦

стр. 2661

المطلب الثالث: مظاهر الغلو: ومن مظاهر الغلو في الأئمة: - الأئمة يعلمون الغيب، وفاقوا في ذلك موسى ﵇: في باب بعنوان: (إن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم شيء)، جاءت الرواية الأولى تقول: إن الإمام جعفراً الصادق قال في مجلس يضم خواصه، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما ما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة (١). - سيشهد الأئمة على أهل زمانهم يوم القيامة: في باب: (إن الأئمة شهداء لله على خلقه) رواية عن الإمام جعفر الصادق حين سئل عن الآية التالية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]. قال الإمام جعفر الصادق: (نزلت في أمة محمد خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم، ومحمد شاهد علينا) (٢).والرواية الأخيرة في هذا الباب تقول: قال أمير المؤمنين: (إن الله ﵎ طهرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه) (٣). - جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها موجودة لدى الأئمة، يقرؤونها بلغاتها الأساسية: وفي (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ، وإنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)، وهو يحتوي على عدة روايات بهذا المضمون، وتذكر أحداثاً وردت أيضاً بنفس المضمون في الأبواب السابقة، وتذكر إحدى الروايات أن الإمام جعفراً الصادق قال: (وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح) (٤).وفي الباب الثاني في (أصول الكافي) يروى عن الإمام جعفر أنه سئل عن قوله: (إن لدينا الجفر الأبيض)، فقال: (زبور داود ﵇، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم) (٥). - يمتلك الأئمة وسائل عجيبة وغريبة للعلوم، بالإضافة إلى القرآن والحديث: في باب بعنوان: (باب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة) وردت الرواية الأولى، وهي طويلة جدّاً، ونورد ملخصها: (يقول أبو بصير، وهو طبقاً لروايات الشيعة من خواص ومن حاملي أسرار الإمام جعفر الصادق: حضرت إلى جعفر الصادق ذات يوم، وقلت له: إنني أود أن أكشف أمراً خاصاً، فهل هناك من أجنبي هنا؟ فرفع الإمام الحجاب الفاصل بين مجلسنا والمجلس الآخر فلم نشاهد أحداً، ثم قال: سل ما شئت، فسألت سؤالاً عن علم المرتضى والأئمة، ففصل الإمام الحديث عن هذا الأمر). ومما جاء في نهاية الرواية: (وإن عندنا الجفر، قلت: وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة قلت: وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد) (٦). تحذير هام: من الملاحظ هنا أن الإجابة التي نقلها راوي الرواية أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق ذكرت القرآن مرتين هكذا: (قرآنكم)، كما قيل عن مصحف فاطمة: "إنه أكثر من قرآنكم ثلاث مرات، ولا يوجد فيه حرف من قرآنكم".

стр. 2662

وهناك الآلاف من هذه الافتراءات التي افترى فيها أبو بصير وغيره على أئمة أهل البيت، وهي متناثرة في (أصول الكافي)، وغيره من كتب الشيعة، ولا يمكن لأي مؤمن أن يساوره أي شك في إيمان آل البيت حتى يضعوا قرآناً غير القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله. لقد سمعنا من البوذيين والنصارى وهم يناظروننا ويقولون في (قرآنكم) كذا أو كذا، وجاء في (قرآنكم) هذا وذاك. ونحن على يقين أن الإمام جعفراً الصادق لم يذكر أبداً هذا الأمر عن القرآن الكريم، وتلك الروايات هي في الأصل من اختلاق هؤلاء الرواة، الذين ألفوا المذهب الشيعي، ونسبوا كل هذه الخرافات إلى الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر وكبار أهل البيت، وراوي الرواية السابقة أبو بصير هو واحد من أولئك الناس الذين لعبوا دوراً كبيراً في هذا الافتراء الكاذب على آل البيت. ومن الجدير بالذكر هنا أن أبا بصير، وزرارة، وغيرهم من رواة هذه الخرافات -وهم في الأصل مؤلفو المذهب- قد سكنوا منطقة الكوفة، بينما كان الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق في المدينة، وكان هؤلاء الناس يذهبون أحياناً من الكوفة إلى المدينة، ثم يعودون إلى الكوفة، لينسبوا ما نسبوه إلى الأئمة داخل مجالسهم الخاصة في الكوفة، وهكذا صارت تلك الروايات هي أساس المذهب الشيعي ... - أعمال العباد تعرض على الأئمة: في (أصول الكافي) باب بعنوان: (باب عرض الأعمال على النبي والأئمة)، وفيه رواية تقول: إن عبد الله بن أبان الزيات، وهو من خاصة الشيعة، طلب من الإمام الرضا ﵁ الدعاء له قائلاً: "ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة". وتقول الرواية إن عبد الله بن أبان استعظم هذا الأمر، فقال الإمام الرضا: ألم تقرأ هذه الآية القرآنية: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥]، فالمقصود بـ (المؤمنون) في هذه الآية هو (علي بن أبي طالب) (١).وكتب العلامة القزويني في هذا الشرح: (إن ما قاله الإمام الرضا من تفسير كلمة: (المؤمنون) هو علي ﵁ فقط، ذلك لأن سلسلة الإمامة مستمرة، وإن كان المقصود ليس علياً فقط، بل المراد جميع الأئمة الذين يولدون من نسله) (٢). - الملائكة يتوافدون على الأئمة: في (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة). وقد وردت فيه رواية عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال: "ونحن شجرة النبوة، بيت الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة" (٣). - معراج الأئمة كل ليلة جمعة، يصلون إلى العرش، وهناك ينالون العلم الجديد: يروى عن الإمام جعفر الصادق في (أصول الكافي) أنه قال: "إن لنا في ليالي الجمعة لشأن من الشأن. ويؤذن لأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصي الذي بين أظهركم تعرج بها إلى السماء، حتى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعاً فتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها، فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سروراً، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل الجم الغفير" (٤). وقد وردت عدة روايات بعد هذه الرواية بنفس المضمون.

стр. 2663

- نال الأئمة جميع العلوم التي وهبها الله للملائكة والأنبياء والرسل، ونالوا علوماً لم يهبها الله للأنبياء ولا الملائكة: في باب: (إن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈، ورد هذا الحديث في أوله: عن أبي عبد الله قال: "إن الله ﵎ علمني علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلماً استأثر الله به، فإذا بدا لله بشيء منه أعلمنا ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا" (١). - يتنزل على الأئمة من عند الله كتاب في ليلة القدر كل سنة تنزل به الملائكة والروح: ورد في باب البداء، في (أصول الكافي) رواية عن الإمام جعفر الصادق أنه قال في تفسيره لآية: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩]. (وهل يمحو إلا ما كان ثابتاً، وهل يثبت إلا ما لم يكن) (٢).ويقول شارح (أصول الكافي) العلامة القزويني: (المقصود بنزول كتاب مفصل في كل سنة هو الكتاب الذي تفسر فيه أحكام الحوادث التي يحتاج إليها إمام ذلك الزمان حتى العام التالي، وهذا الكتاب تتنزل به الملائكة والروح على إمام الزمان ليلة القدر) (٣). ويتضح أن المقصود بـ (الروح) لدى الشيعة ليس الروح الأمين جبريل، بل (الروح) لديهم عبارة عن مخلوق، هو عندهم أعظم شأناً من جبريل الأمين وجميع الملائكة. وقد ذكر القزويني في كتابه (الصافي) ذلك الأمر بصراحة، وهناك باب آخر من أصول (الكافي) بعنوان: باب في شأن: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:١]: (ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها تفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة) (٤). والمفهوم من هذه الرواية هو نفسه ما يفهم من العبارات السابقة لكتاب القزويني (الصافي)، أي: ينزل كتاب من عند الله على الإمام في ليلة القدر كل سنة، يوضح جميع الأحداث والمعاملات التي ستحدث طوال السنة، وحتى ليلة القدر القادمة. - الأئمة يعرفون ساعة موتهم، وموتهم داخل في دائرة اختيارهم: في (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) (٥).وهذا المعنى يفهم من الروايات التي ترد عن الأئمة في الباب المذكور، والرواية الأخيرة في هذا الباب لها مكانتها لدى الشيعة، ومن هنا ننقلها هنا:"عن أبي جعفر قال: أنزل الله النصر على الحسين ﵁ حتى كان بين السماء والأرض، ثم خير بين النصر ولقاء الله، فاختار لقاء الله " (٦). ولنا أن نفكر في السلوك الذي يسلكه الشيعة في مآتمهم التي يقيمونها بمناسبة ذكرى شهادة الحسين في ضوء تلك الرواية. - كان لدى الأئمة معجزات الأنبياء السابقين أيضاً:

стр. 2664

في باب بعنوان: (باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء) وردت الرواية الأولى التي ننقل ملخصها، وهي عن الإمام الباقر، وتتعلق بعصا موسى ﵇، وهي معجزة موسى الخاصة التي ذكرها القرآن الكريم أكثر من مرة. يُحكى عن الإمام الباقر أنه قال: "إن هذه العصا هي في الأصل عصا آدم ﵇، أخذت تنتقل حتى وصلت إلى موسى ﵇، وهي الآن لدينا، وسوف تنتقل إلى آخر الأئمة - المهدي - ليقوم عن طريقها بما قام به موسى ﵇ في زمانه" (١).ويروي فيما بعد عن الإمام الباقر أن أمير المؤمنين علياً المرتضى، خرج ذات ليلة بعد العشاء يقول: "خرج عليكم الإمام، عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى" (٢). - الأئمة يمتلكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويعطون لمن يشاءون: في (أصول الكافي) كتاب (الحجة)، باب بعنوان: (باب إن الأرض كلها للإمام ﵇، يروى عن أبي بصير أن الإمام جعفراً الصادق قال رداً على سؤال: " أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء" (٣). - الإمامة مركبة من النبوة والألوهية: ما نقلناه من كتب الشيعة ولأهل التشيع عن الأئمة والإمامة يكفي لنعرف ولنفهم أن الأئمة -من وجهة نظر المذهب الشيعي- لهم ما للأنبياء من صفات وخصائص، وكمالات ومعجزات، ودرجتهم أعلى من درجة جميع الأنبياء السابقين، حتى الأنبياء أولوالعزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فهم يتساوون تماماً مع خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ . وأكثر من هذا، فهم يحملون الصفات الإلهية، وهم يطلعون على عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليهم شيء، لا يمكن أن نتصور أن يصدر عنهم أي سهو أو نسيان أو غفلة، يحكمون الكائنات ذرة ذرة، أي لهم سلطة: (كن فيكون)، وهم يملكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويحرمون من يشاءون ... والبحث في عقائد الشيعة يجعلنا ندرك مدى التقارب والتشابه بينهما وبين المسيحية الحالية المحرفة. المصدر: الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام لمحمد منظور نعماني - ص١٢٠ فما بعدها

стр. 2665

المطلب الرابع: موقف الأئمة من الغلو فيهم: إن القوم لم يجبلوا إلا على الكذب، ولم يخلقوا إلا مع الكذب كأنهم والكذب توأمان، فلقد كذبوا وما أكثره وأشنعه بأن أئمتهم يملكون الأوصاف الإلهية المختصة بذات الله وجلاله، وأنهم يشاركونه في أموره وتقديراته - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً-. فهذا هو كلينيهم - وهو كالبخاري عند السنة - يكذب على علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لقد أعطيت خصالاً لم يعطهن أحد قبلي - وحتى الأنبياء -، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني" (الأصول من (الكافي) ١٩/ ١٩٧). والثابت في كتاب الله المنزل على محمد ﷺ : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]. ومن أوصاف الله أنه لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:٣]. وأنه أمر نبيه ﷺ أن يقول: لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]. وأما القوم فلم يكتفوا على أن يثبتوا الصفات الربانية المختصة بمقامه وشأنه -جل وعلا- لعلي ﵁ مخالفين كتاب الله وتعاليم رسوله ﷺ ، بل أثبتوها لأئمتهم جميعاً، فلقد بوب الكليني باباً مستقلاً: إن الأئمة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم الشيء. ثم نقل عن جعفر الصادق - وهو يكذب عليه - أنه قال: إني أعلم ما في السماوات والأرض وأعلم ما في الجنة وما في النار وأعلم ما كان وما يكون. كما كذبوا على أبيه محمد الباقر أنه قال: لا يكون والله عالماً جاهلاً أبداً، عالما بشيء، جاهلاً بشيء، ثم قال: الله أجل وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه، ثم قال: لا يحجب ذلك عنه" (الأصول من (الكافي) ١/ ٢٦٢). وكذبوا على أبي الحسن أنه كان جالساً وعنده إسحاق بن عمار، فدخل عليه رجل من الشيعة، فقال له: يا فلان! جدد التوبة وأحدث العبادة، فإنه لم يبق من عمرك إلا شهر، قال إسحاق: فقلت في نفسي: واعجباه كأنه يخبرنا أنه يعلم آجال الشيعة أو قال: آجالنا، قال: فالتفت إلي مغضباً - لأنه عرف ما اختلج في صدره - وقال: يا إسحاق وما تنكر من ذلك يا إسحاق أما أنه يتشتت أهل بيتك تشتتاً قبيحاً، ويفلس عيالك إفلاساً شديداً" (رجال الكشي ص٣٤٨) تحت ترجمة إسحاق بن عمار ط كربلاء. هذا، وإله الحق يقول: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩]. وقد أقر بذلك جعفر الصادق وأنكر عنه وعن غيره من أهل البيت الغيب كما رواه القوم أنفسهم عن سدير أنه قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزار وداؤد بن كثير في مجلس أبي عبد الله ﵇ إذ خرج علينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي دار هي؟ " (كتاب (الحجة) من (الكافي) " ١/ ٢٥٧).
следующие страницы →