المطلب الثالث: مظاهر الغلو:
ومن مظاهر الغلو في الأئمة:
- الأئمة يعلمون الغيب، وفاقوا في ذلك موسى ﵇: في باب بعنوان: (إن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم شيء)، جاءت الرواية الأولى تقول: إن الإمام جعفراً الصادق قال في مجلس يضم خواصه، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما ما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة (١).
- سيشهد الأئمة على أهل زمانهم يوم القيامة:
في باب: (إن الأئمة شهداء لله على خلقه) رواية عن الإمام جعفر الصادق حين سئل عن الآية التالية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]. قال الإمام جعفر الصادق: (نزلت في أمة محمد خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم، ومحمد شاهد علينا) (٢).والرواية الأخيرة في هذا الباب تقول: قال أمير المؤمنين: (إن الله ﵎ طهرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه) (٣).
- جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها موجودة لدى الأئمة، يقرؤونها بلغاتها الأساسية: وفي (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ، وإنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)، وهو يحتوي على عدة روايات بهذا المضمون، وتذكر أحداثاً وردت أيضاً بنفس المضمون في الأبواب السابقة، وتذكر إحدى الروايات أن الإمام جعفراً الصادق قال: (وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح) (٤).وفي الباب الثاني في (أصول الكافي) يروى عن الإمام جعفر أنه سئل عن قوله: (إن لدينا الجفر الأبيض)، فقال: (زبور داود ﵇، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم) (٥).
- يمتلك الأئمة وسائل عجيبة وغريبة للعلوم، بالإضافة إلى القرآن والحديث:
في باب بعنوان: (باب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة) وردت الرواية الأولى، وهي طويلة جدّاً، ونورد ملخصها: (يقول أبو بصير، وهو طبقاً لروايات الشيعة من خواص ومن حاملي أسرار الإمام جعفر الصادق: حضرت إلى جعفر الصادق ذات يوم، وقلت له: إنني أود أن أكشف أمراً خاصاً، فهل هناك من أجنبي هنا؟ فرفع الإمام الحجاب الفاصل بين مجلسنا والمجلس الآخر فلم نشاهد أحداً، ثم قال: سل ما شئت، فسألت سؤالاً عن علم المرتضى والأئمة، ففصل الإمام الحديث عن هذا الأمر). ومما جاء في نهاية الرواية: (وإن عندنا الجفر، قلت: وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة قلت: وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد) (٦). تحذير هام:
من الملاحظ هنا أن الإجابة التي نقلها راوي الرواية أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق ذكرت القرآن مرتين هكذا: (قرآنكم)، كما قيل عن مصحف فاطمة: "إنه أكثر من قرآنكم ثلاث مرات، ولا يوجد فيه حرف من قرآنكم".
стр. 2662
وهناك الآلاف من هذه الافتراءات التي افترى فيها أبو بصير وغيره على أئمة أهل البيت، وهي متناثرة في (أصول الكافي)، وغيره من كتب الشيعة، ولا يمكن لأي مؤمن أن يساوره أي شك في إيمان آل البيت حتى يضعوا قرآناً غير القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله. لقد سمعنا من البوذيين والنصارى وهم يناظروننا ويقولون في (قرآنكم) كذا أو كذا، وجاء في (قرآنكم) هذا وذاك.
ونحن على يقين أن الإمام جعفراً الصادق لم يذكر أبداً هذا الأمر عن القرآن الكريم، وتلك الروايات هي في الأصل من اختلاق هؤلاء الرواة، الذين ألفوا المذهب الشيعي، ونسبوا كل هذه الخرافات إلى الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر وكبار أهل البيت، وراوي الرواية السابقة أبو بصير هو واحد من أولئك الناس الذين لعبوا دوراً كبيراً في هذا الافتراء الكاذب على آل البيت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أبا بصير، وزرارة، وغيرهم من رواة هذه الخرافات -وهم في الأصل مؤلفو المذهب- قد سكنوا منطقة الكوفة، بينما كان الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق في المدينة، وكان هؤلاء الناس يذهبون أحياناً من الكوفة إلى المدينة، ثم يعودون إلى الكوفة، لينسبوا ما نسبوه إلى الأئمة داخل مجالسهم الخاصة في الكوفة، وهكذا صارت تلك الروايات هي أساس المذهب الشيعي ...
- أعمال العباد تعرض على الأئمة:
في (أصول الكافي) باب بعنوان: (باب عرض الأعمال على النبي والأئمة)، وفيه رواية تقول: إن عبد الله بن أبان الزيات، وهو من خاصة الشيعة، طلب من الإمام الرضا ﵁ الدعاء له قائلاً: "ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة". وتقول الرواية إن عبد الله بن أبان استعظم هذا الأمر، فقال الإمام الرضا: ألم تقرأ هذه الآية القرآنية: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥]، فالمقصود بـ (المؤمنون) في هذه الآية هو (علي بن أبي طالب) (١).وكتب العلامة القزويني في هذا الشرح: (إن ما قاله الإمام الرضا من تفسير كلمة: (المؤمنون) هو علي ﵁ فقط، ذلك لأن سلسلة الإمامة مستمرة، وإن كان المقصود ليس علياً فقط، بل المراد جميع الأئمة الذين يولدون من نسله) (٢).
- الملائكة يتوافدون على الأئمة: في (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة). وقد وردت فيه رواية عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال: "ونحن شجرة النبوة، بيت الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة" (٣).
- معراج الأئمة كل ليلة جمعة، يصلون إلى العرش، وهناك ينالون العلم الجديد: يروى عن الإمام جعفر الصادق في (أصول الكافي) أنه قال: "إن لنا في ليالي الجمعة لشأن من الشأن. ويؤذن لأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصي الذي بين أظهركم تعرج بها إلى السماء، حتى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعاً فتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها، فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سروراً، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل الجم الغفير" (٤).
وقد وردت عدة روايات بعد هذه الرواية بنفس المضمون.
стр. 2663
- نال الأئمة جميع العلوم التي وهبها الله للملائكة والأنبياء والرسل، ونالوا علوماً لم يهبها الله للأنبياء ولا الملائكة: في باب: (إن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈، ورد هذا الحديث في أوله: عن أبي عبد الله قال: "إن الله ﵎ علمني علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلماً استأثر الله به، فإذا بدا لله بشيء منه أعلمنا ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا" (١).
- يتنزل على الأئمة من عند الله كتاب في ليلة القدر كل سنة تنزل به الملائكة والروح: ورد في باب البداء، في (أصول الكافي) رواية عن الإمام جعفر الصادق أنه قال في تفسيره لآية: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩]. (وهل يمحو إلا ما كان ثابتاً، وهل يثبت إلا ما لم يكن) (٢).ويقول شارح (أصول الكافي) العلامة القزويني: (المقصود بنزول كتاب مفصل في كل سنة هو الكتاب الذي تفسر فيه أحكام الحوادث التي يحتاج إليها إمام ذلك الزمان حتى العام التالي، وهذا الكتاب تتنزل به الملائكة والروح على إمام الزمان ليلة القدر) (٣). ويتضح أن المقصود بـ (الروح) لدى الشيعة ليس الروح الأمين جبريل، بل (الروح) لديهم عبارة عن مخلوق، هو عندهم أعظم شأناً من جبريل الأمين وجميع الملائكة. وقد ذكر القزويني في كتابه (الصافي) ذلك الأمر بصراحة، وهناك باب آخر من أصول (الكافي) بعنوان: باب في شأن: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:١]: (ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها تفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة) (٤). والمفهوم من هذه الرواية هو نفسه ما يفهم من العبارات السابقة لكتاب القزويني (الصافي)، أي: ينزل كتاب من عند الله على الإمام في ليلة القدر كل سنة، يوضح جميع الأحداث والمعاملات التي ستحدث طوال السنة، وحتى ليلة القدر القادمة.
- الأئمة يعرفون ساعة موتهم، وموتهم داخل في دائرة اختيارهم: في (أصول الكافي) باب بعنوان: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) (٥).وهذا المعنى يفهم من الروايات التي ترد عن الأئمة في الباب المذكور، والرواية الأخيرة في هذا الباب لها مكانتها لدى الشيعة، ومن هنا ننقلها هنا:"عن أبي جعفر قال: أنزل الله النصر على الحسين ﵁ حتى كان بين السماء والأرض، ثم خير بين النصر ولقاء الله، فاختار لقاء الله " (٦). ولنا أن نفكر في السلوك الذي يسلكه الشيعة في مآتمهم التي يقيمونها بمناسبة ذكرى شهادة الحسين في ضوء تلك الرواية.
- كان لدى الأئمة معجزات الأنبياء السابقين أيضاً:
стр. 2664
في باب بعنوان: (باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء) وردت الرواية الأولى التي ننقل ملخصها، وهي عن الإمام الباقر، وتتعلق بعصا موسى ﵇، وهي معجزة موسى الخاصة التي ذكرها القرآن الكريم أكثر من مرة. يُحكى عن الإمام الباقر أنه قال: "إن هذه العصا هي في الأصل عصا آدم ﵇، أخذت تنتقل حتى وصلت إلى موسى ﵇، وهي الآن لدينا، وسوف تنتقل إلى آخر الأئمة - المهدي - ليقوم عن طريقها بما قام به موسى ﵇ في زمانه" (١).ويروي فيما بعد عن الإمام الباقر أن أمير المؤمنين علياً المرتضى، خرج ذات ليلة بعد العشاء يقول: "خرج عليكم الإمام، عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى" (٢).
- الأئمة يمتلكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويعطون لمن يشاءون: في (أصول الكافي) كتاب (الحجة)، باب بعنوان: (باب إن الأرض كلها للإمام ﵇، يروى عن أبي بصير أن الإمام جعفراً الصادق قال رداً على سؤال: " أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء" (٣).
- الإمامة مركبة من النبوة والألوهية:
ما نقلناه من كتب الشيعة ولأهل التشيع عن الأئمة والإمامة يكفي لنعرف ولنفهم أن الأئمة -من وجهة نظر المذهب الشيعي- لهم ما للأنبياء من صفات وخصائص، وكمالات ومعجزات، ودرجتهم أعلى من درجة جميع الأنبياء السابقين، حتى الأنبياء أولوالعزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فهم يتساوون تماماً مع خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ .
وأكثر من هذا، فهم يحملون الصفات الإلهية، وهم يطلعون على عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليهم شيء، لا يمكن أن نتصور أن يصدر عنهم أي سهو أو نسيان أو غفلة، يحكمون الكائنات ذرة ذرة، أي لهم سلطة: (كن فيكون)، وهم يملكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويحرمون من يشاءون ... والبحث في عقائد الشيعة يجعلنا ندرك مدى التقارب والتشابه بينهما وبين المسيحية الحالية المحرفة.
المصدر: الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام لمحمد منظور نعماني - ص١٢٠ فما بعدها
стр. 2665
المطلب الرابع: موقف الأئمة من الغلو فيهم:
إن القوم لم يجبلوا إلا على الكذب، ولم يخلقوا إلا مع الكذب كأنهم والكذب توأمان، فلقد كذبوا وما أكثره وأشنعه بأن أئمتهم يملكون الأوصاف الإلهية المختصة بذات الله وجلاله، وأنهم يشاركونه في أموره وتقديراته - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً-.
فهذا هو كلينيهم - وهو كالبخاري عند السنة - يكذب على علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لقد أعطيت خصالاً لم يعطهن أحد قبلي - وحتى الأنبياء -، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني" (الأصول من (الكافي) ١٩/ ١٩٧).
والثابت في كتاب الله المنزل على محمد ﷺ :
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].
ومن أوصاف الله أنه لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:٣].
وأنه أمر نبيه ﷺ أن يقول: لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥].
وأما القوم فلم يكتفوا على أن يثبتوا الصفات الربانية المختصة بمقامه وشأنه -جل وعلا- لعلي ﵁ مخالفين كتاب الله وتعاليم رسوله ﷺ ، بل أثبتوها لأئمتهم جميعاً، فلقد بوب الكليني باباً مستقلاً: إن الأئمة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم الشيء.
ثم نقل عن جعفر الصادق - وهو يكذب عليه - أنه قال: إني أعلم ما في السماوات والأرض وأعلم ما في الجنة وما في النار وأعلم ما كان وما يكون.
كما كذبوا على أبيه محمد الباقر أنه قال: لا يكون والله عالماً جاهلاً أبداً، عالما بشيء، جاهلاً بشيء، ثم قال: الله أجل وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه، ثم قال: لا يحجب ذلك عنه" (الأصول من (الكافي) ١/ ٢٦٢).
وكذبوا على أبي الحسن أنه كان جالساً وعنده إسحاق بن عمار، فدخل عليه رجل من الشيعة، فقال له: يا فلان! جدد التوبة وأحدث العبادة، فإنه لم يبق من عمرك إلا شهر، قال إسحاق: فقلت في نفسي: واعجباه كأنه يخبرنا أنه يعلم آجال الشيعة أو قال: آجالنا، قال: فالتفت إلي مغضباً - لأنه عرف ما اختلج في صدره - وقال: يا إسحاق وما تنكر من ذلك يا إسحاق أما أنه يتشتت أهل بيتك تشتتاً قبيحاً، ويفلس عيالك إفلاساً شديداً" (رجال الكشي ص٣٤٨) تحت ترجمة إسحاق بن عمار ط كربلاء.
هذا، وإله الحق يقول: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩].
وقد أقر بذلك جعفر الصادق وأنكر عنه وعن غيره من أهل البيت الغيب كما رواه القوم أنفسهم عن سدير أنه قال:
كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزار وداؤد بن كثير في مجلس أبي عبد الله ﵇ إذ خرج علينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي دار هي؟ " (كتاب (الحجة) من (الكافي) " ١/ ٢٥٧).
стр. 2666
ومثله في رجال الكشي حيث سئل عنه أن أبا الخطاب - أحد تلامذته - يقول: إنك تعلم الغيب وأنت قلت له هذا؟ فقال جعفر: وأما قوله: إني كنت أعلم الغيب فوالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم الغيب، ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له، قال: (أي الراوي) وقدامه جويرية سوداء تدرج قال (أي جعفر): لقد كان مني إلى أم هذه بخطة القلم فأتتني هذه فلو كنت أعلم الغيب ما كانت تأتيني، ولقد قاسمت مع عبد الله حائطاً بيني وبينه، فأصابه السهل والشرب وأصابني الجبل، فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل". (رجال الكشي ص٢٤٨).
وكذبوا على محمد الباقر حيث روى أبو بصير أنه قال:
قلت لأبي جعفر ﵇: أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الأكمه والأبرص؟ قال: نعم بإذن الله، ثم قال لي: ادن مني يا أبا محمد! فدنوت منه، فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في البلد، ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا أو بك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً؟ قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني، فعدت كما كنت" (كتاب (الحجة) من (الكافي) ١/ ٤٧٠).
ومن أكاذيبهم على أئمتهم أن عندهم جميع الكتب التي أنزلت وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها". (الأصول من (الكافي) ج١ ص٢٢٧).
و"إن الأئمة يعلمون متى يموتون، وإنهم يموتون باختيار منهم". (الأصول من (الكافي) ١/ ٢٥٨).
و"إن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وما عليه". (الأصول من (الكافي) ١/ ٢٦٤).
و"إن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار". (الأصول من (الكافي) كتاب (الحجة) ١/ ٣٩٣).
و"عندهم علم لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل". (الأصول من (الكافي) " ١/ ٤٠٢).
و"إن الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه روح". (قرب الإسناد" للحميري ص١٤٦ ط مكتبة نينوى طهران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٢٣٣
стр. 2667
المطلب الأول: منزلة زيارة المراقد عند الشيعة:
قد يقول قائل: ما مناسبة الحديث عن زيارة المراقد وهي ليست من أصول الدين ولا أركان الإسلام؟
والجواب: إن زيارة المراقد عند الإمامية تضاهي ركن الحج إلى بيت الله الحرام! بل قد تفضله وتزيد عليه وجوباً وأجراً ومنزلة! ويعد تاركها خارجاً من ملة الإسلام! بل هي شعار وشعيرة لو تخلوا عنها، أو محيت القبور من وجه الأرض لما بقي لهم من وجود، أو علامة تدل على وجودهم! فارتباط الإمامية بالقبور ارتباط وثيق لا انفكاك لهم عنه. وعلاقتهم بها كعلاقة السمك بالماء.
فهي إذن أساس وضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. ولك أن تتصور إماميا لا يصلي ولا يحضر المساجد لكنك لا تستطيع أن تتصوره بمعزل عن القبور والمشاهد! وكثير من الذين يحرصون على الزيارة لا يحرصون على الصلاة حرصهم عليها. وقد تجد كثيراً منهم لا يصلون أساساً! منزلة كربلاء والنجف ومراقد (الأئمة) وفضيلة زيارتها عند الإمامية, وهذه لمحات سريعة عن منزلة كربلاء والنجف ومراقد الأئمة وفضيلة زيارتها: روى الكليني عن أبي عبد الله ﵇ (أي جعفر الصادق) أنه قال: إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين ﵇ يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه، له بكل خطوة حجة بمناسكها - ولا أعلمه إلا قال - وغزوة! (١) ويروي أيضاً عن أبي عبد الله ﵇ أن رجلاً جاءه ولم يزر قبر أمير المؤمنين ﵇ فقال له: بئس ما صنعت لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون (٢)!
وكربلاء والنجف أفضل عندهم من الكعبة! ويسمى النجف بـ (الأشرف). أي أشرف البقاع على وجه الأرض. فهو أشرف من الكعبة ومن المسجد النبوي وبيت المقدس! والصلاة عند علي أفضل من الصلاة في بيت الله الحرام! جاء في كتاب (منهاج الصالحين) للخوئي المرجع الأكبر للإمامية في زمانه: مسألة (٥٦٢): تستحب الصلاة في مشاهد الأئمة ﵈ بل قيل: إنها أفضل من المساجد. وقد ورد أن الصلاة عند علي بمئتي ألف صلاة (٣).
أما الصلاة في مسجد النبي ﷺ فيقول عنها: مسألة (٥٦١) الصلاة في مسجد النبي ﷺ تعادل عشرة آلاف صلاة (٤).
أي إن الصلاة في مسجد النبي ﷺ دون الصلاة عند علي بعشرين مرتبة!! ويعبر عن ذلك بصراحة محمد صادق الصدر قائلاً: وردت رواية بتفضيل كربلاء على البيت الحرام، ونحن نعلم أن علي ﵇ خير من الحسين كما نطقت به الروايات فيكون قبره خيراً من قبره فيكون أفضل من الكعبة أيضاً (٥)!!! أما المجلسي فيروي هذه الرواية الفاجرة الكافرة وينسبها زوراً إلى الإمام جعفر الصادق ﵀ وهو منها بريء: إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك ولولا من تضمه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقري واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء, وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم (٦).
ويرددون في الكتب الاعتقادية هذا البيت:
وفي حديث كربلا والكعبة ... لكربلا بان علو الرتبة (٧)
بل يسميها الميرزا حسن الحائري الملقب بآية الله دونما أدنى تردد أو تلعثمبـ (مزار المسلمين وكعبة الموحدين) (٨)!!
المصدر: المنهج القرآني الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل لطه حامد الدليمي
стр. 2668
المطلب الثاني: مظاهر زيارة المراقد: ... لقد غيرت الشيعة مسار الزيارة لمراقد الأئمة التي يجب أن تكون لله إلى زيارة سياسية إعلامية تثقيفية ومذهبية، إنني وعندما أكتب هذه السطور هناك عشرات الآلاف من الشيعة تزور مراقد الأئمة في إيران والعراق والمدينة المنورة كل يوم وفي آناء الليل وأطراف النهار، وعلى ما أعتقد لا يوجد بين هذه الأكثرية الساحقة شيعي واحد يقرأ فاتحة الكتاب أو سوراً من القرآن الكريم عندما يدخل إلى العتبات ويقف أمام قبر من قبور الأئمة، إن العادة جرت للشيعة ومنذ قرون أن تقرأ أمام قبور أئمتها عبارات مطولات اسمها (الزيارة) التي تجمع بين طياتها مدحاً للأئمة والثناء عليهم والتنديد بأعدائهم ثم قليل من الدعاء، وقلما يوجد بيت للشيعة لا يتوفر فيه كتاب?مفاتيح الجنان? وهو الكتاب الذي يحتوي على مئات من الزيارات للأئمة ولأولادهم وكلها على نمط مشابه وبفارق صغير في بعض الأحيان ولنقرأ معاً بعض المقاطع من ?الجامعة الكبيرة? وهي من أهم الزيارات شأناً وتقرأ عند قبر كل إمام من الأئمة وهي من المطولات، فقد روى " الصدّوق " في كتابه (الفقيه) أن الإمام العاشر " علي بن محمد الجواد " علّم أحد خواصه وهو " موسى بن عبد الله النخعي " بهذه الزيارة: "السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ... وأمناء الرحمن وسلالة رب العالمين ..... أشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون المعصومون المكرمون المقربون المتقون الصادقون ..... الراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمعترض في حقكم زاهق والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله ومعدنه وميراث النبوة عندكم وآيات الخلق إليكم وحسابهم عليكم وفصل الخطاب عندكم وعزائمه فيكم ..... من والاكم فقد والى الله ومن عاداكم فقد عادى الله ومن أحبكم فقد أحب الله ومن أبغضكم فقد أبغض الله ..... أشهد الله وأشهدكم أنني موال لكم ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم ومعاد لهم سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم بكم يسلك إلى الرضوان وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمن". (١).
وهكذا تستمر الزيارة بمثل هذه العبارات وتختم بعد ذلك بدعاء قصير.
إن الزيارة التي ذكرنا مقاطعاً صغيرةً منها هي أكثر الزيارات اعتدالاً ومضموناً إلا أن هناك زياراتٍ أخرى وكثيرةً فيها عنف ٌ وشدّةٌ وفي بعضها تجريح للخلفاء للراشدين لكن الطابع العام في هذه الزيارات هو التنديد بظالمي آل محمد والاعتراف بفضل " علي " وأولاده وأحقيتهم بالإمامة، وهناك زيارات كثيرةٌ أيضاً تخص الإمام " الحسين " تحتوي على التنديد بالأمويين مع السب الصريح في حق كثير منهم بسبب قتلهم " الحسين " ولاشك أن مقتل الإمام "الحسين " في واقعة " كربلاء " وسب الإمام " علياً " على المنابر الذي بدأ به معاوية بن أبي سفيان واستمر حتى خلافة عمر بن عبد العزيز عام (٩٩) هـ الذي رفع السب يعتبر من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور رد فعل عنيف من قبل الشيعة وهو إعطاء السب والشتم صفة دينية وقانونية أدخلت في الزيارات التي تُقرأ أمام قبور الأئمة وأولادهم وحتى هذا اليوم، ومن خلال تفحصي للزيارات التي ذكرتها كتب الزيارات مثل: (مزار البحار) و (مفتاح الجنان) و (ضياء الصالحين) و (مفاتيح الجنان) وغيرها يبدو لي واضحاً أن أسماء الخلفاء الراشدين دخلت في بعض هذه الزيارات صراحةً أو تلميحاً في وقت متأخر عن العصر الذي كتبت فيه هذه الزيارات فلذلك لا نجد لهم ذكراً إلا في قليل منها.
стр. 2669
إن من يفكر ملياً بالأسباب الكامنة وراء وضع هذه الزيارات وشيوع قراءتها أمام قبور الأئمة والانصراف عن قراءة القرآن الكريم الذي هو كلام الله وله الشرف كل الشرف على كلام المخلوق ليعلم بوضوح أن الغرض منها إنما هو نشر الثقافة المذهبية والتركيز على أهم مبادئها وهو أحقيّة الأئمة بالخلافة من سواهم، ويجب علينا أن نذكر أيضاً أن زيارة قبر الإمام الحسين بدأت بعد مقتله بأربعين يوماً حيث وصلت إلى " كربلاء " أول قافلة تضم أهل بيته وبعض صحابته للسلام عليه واستمرت تلك القوافل بالوفود إلى كربلاء عاماً بعد عام وحتى هذا اليوم، وعندما نعود إلى الأسباب الكامنة التي كانت وراء تلك الاجتماعات التي كانت تحصل عند قبر الإمام " الحسين " من أقاصي البلاد لكسب الثواب ولنشر المذهب الشيعي والتنديد بالخلافة التي تجسدت في الأمويين في بادئ الأمر ثم في العباسيين بعدهم وأنها في نفس الوقت كانت تظاهرات شيعية لتوحيد الصفوف ونشر أهداف المذهب الشيعي، ولهذا فإنني لا أستغرب أبداً عندما أقرأ في كتب الروايات التي هي بين أيدينا روايات تنسب إلى أئمة الشيعة تحث الناس على زيارة الإمام " الحسين " وقد جاء في بعضها:" بكل خطوة يخطوها الزائر في سبيل زيارة الحسين له قصر في الجنة". وحتى أنهم جعلوا لكربلاء مقاماً أعلى من الكعبة وقد قال أحد شعراء الشيعة:
وفي حديث كربلاء والكعبة ... لكربلاء بان علوّ الرتبة
стр. 2670
كما أن روايات أخرى قالت: "إن من بكى على الحسين أو تباكى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". إن مثل هذه الروايات وانتسابها إلى الأئمة أعطت حيوية خارقة في السعي للوصول إلى " كربلاء " مع صعوبة الأسفار ومشاقّها وخطورتها في تلك العهود ولذلك كانت كربلاء في عهد الخلافة الأموية والعباسية تشهد المظاهرات الشيعية الكبرى في شهر محرم وصفر ولا سيما العاشر من محرم وهو اليوم الذي قتل فيه " الحسين " وكان المجتمعون يحتشدون بصمت أمام القبر ويوحدون صفوفهم في قراءة الزيارات التي كانت عملية تثقيفية وراءها حكماء وعلماء أحكموا فيها وضع الخطة التي تجمع الشيعة على خط واحد لا تنفصم عراه، وحقاً كان المخططون في وضع تلك الزيارات عباقرة استطاعوا تفهم النفسية الشيعية في عهد الأمويين والعباسيين تفهماً مطلقاً فجاءت تلك الزيارات وتداولها تداولاً عاماً في المواسم الخاصة بمثابة استمرار منظم في مقاومة الخلافة، وهكذا أصبح التثقيف المذهبي عن طريق تلك الزيارات عاماً وشائعاً وشاملاً رغماً عن إرادة السلطة الحاكمة، لقد حدث كل ذلك في عهد لم تعرف فيه الصحافة ولا المدارس العامة ولا الإعلام الشامل ولا وسائل الطباعة ولا التنظيمات الحزبية، ولذلك لا نجد غرابة عندما نعلم أن " المتوكل " العباسي منع الناس من زيارة الإمام " الحسين " وأمر بحرث قبره حتى يخفي معالمه عن الناس، واليوم وبعد أن انتهى كل شيء ولا يوجد للأمويين ولا للعباسيين وخلافتهم أثر في العالم الإسلامي ولا لذلك التطاحن الفكري حول الخلافة والخلفاء فهل نحن معاشر الشيعة نرغب أن نسير في الطريق نفسه الذي سرنا عليه ثلاثة عشر قرناً ونقف أمام قبور الأئمة ونردد كلاماً رددناه قروناً وقروناً لا فائدة ترجى من ورائه ولا أثر يترتب عليه؟ اللهم إلا بعض المقاطع من الدعوات الخالصة التي تشكل جزءاً صغيراً من الزيارة فحسب، ثم إلى متى سنفضل كلام المخلوق على الخالق؟ وما هي الفائدة التي يجنيها الأئمة أنفسهم من قراءة هذه الخطب الرنانة أمام قبورهم؟ أليس من الأفضل حقاً أن نأخذ بسنة النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ونتلو آيات من الذكر الحكيم أمام قبور أئمتنا؟ فإن فيها الثواب والرحمة وفيها النور والهدى ليس للزائر فحسب, بل حتى للمزور وإن كان نبياً أو إماماً.
المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٦٣
وأما الإظهار لهذا الحب فهو أن يزور قبر الحسين أو الرضا أو أحد من الأئمة، ويأخذ صكوك المغفرة والرضوان والجنة، فقد قالوا:
زيارة الحسين - أي قبره ﵇ تعدل مائة حجة مبرورة ومائة عمرة متقبلة" (الإرشاد للمفيد ص٢٥٢ ط مكتبة بصيرتي - قم).
وكذبوا على رسول الله ﷺ أنه قال: ((من زار الحسين بعد موته فله الجنة)) (الإرشاد) للمفيد ص٢٥٢.
ومن لم يستطع زيارته فعليه أن يبكي على شهادته، ويأخذ الجنة كما رووا عن باقر بن زين العابدين أنه قال:
لا يخرج قطرة ماء بكاء على الحسين إلا ويغفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" (جلاء العيون) للمجلسي الفارسي (٢/ ٤٦٨).
و"وجب عليه الجنة" (جلاء العيون) (ص٤٦٤) تحت العنوان باب البكاء على الحسين.
هذا ومن بكى على الرضا فله الجنة أيضاً كما نقلوا عن الرضا أنه قال: وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من ماء إلا حرم الله تعالى جسده على النار" (عيون أخبار الرضا ٢/ ٢٢٧).
وأما من زار قبره يقولون فيه نقلاً عن ابنه محمد الملقب بالجواد - الإمام التاسع عندهم - أنه قال:
стр. 2671
من زار قبر أبي بطوس غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - فإذا كان يوم القيامة وضع له منبر حذاء منبر النبي ﷺ حتى يفرغ الله من حساب العباد" (عيون أخبار الرضا) (٢/ ٢٥٩).
وينقلون عن أبيه موسى بن جعفر - الإمام السابع عندهم - أنه قال:
من زار قبر ولدي علي كان له عند الله سبعون حجة مبرورة، قلت - أي الراوي - سبعون حجة؟ قال: نعم وسبعون ألف حجة - الله الله من كذب القوم، ما أشنعه وما أكثر - ثم قال: رب حجة لا تقبل، ومن زاره أو بات عنده كان كمن زار الله تعالى في عرشه – أستغفر الله على نقل هذه الخرافة – قلت: كمن زار الله في عرشه؟ قال: نعم" (عيون أخبار الرضا" ٢/ ٢٥٩).
ونقلوا عن علي الرضا أنه قال: سيأتي عليكم يوم تزورون فيه تربتي بطوس، ألا فمن زارني وهو على غسل خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (عيون أخبار الرضا" ٢/ ٢٦٠) إن القوم قد بلغوا في الكذب ما لم يبلغه الأولون والآخرون وكل واحد من علمائهم وفقهائهم ومحدثيهم يتسابق إلى اختلاق الكذب واختراعه, ويريد أن يزداد ويكثر من الآخر حتى ينسى ماذا قال الأولون وماذا يقول به الآخرون، وإن الجميع ليعرف أن الشيعة لا يعطون لأحد المنزلة التي يجعلونها للحسين بن علي السبط، ولكن ابن بابويه حينما بدأ في ذكر الرضا أكثر في الكذب وبالغ إلى حد نسي مذهبه ومعتقده وغرق في خضم الكذب حتى فضل علي بن موسى الرضا على الحسين حيث ذكر في "الإرشاد" أن زيارة قبر الحسين تعدل مائة حجة، وحينما جاء إلى ذكر الرضا كتب أن زيارة الرضا تعدل عند الله ألف حجة (انظر ص٢٥٧ لعيون أخبار الرضا) وأكثر من ذلك أنه قال:
إن زيارة قبره أفضل من زيارة قبر الحسين كما روى عن علي بن مخرياء أنه قال: قلت لابن أبي جعفر يعني الرضا: جعلت فداك، زيارة الرضا ﵇ أفضل أم زيارة الحسين؟ فقال: زيارة أبي ﵇ أفضل" (عيون أخبار الرضا ٢/ ٢٦١).
وأكثر من ذلك أنه قال: "بأن زيارة قبره أفضل من بيت الله العتيق" (عيون ٢/ ٢٦١).
و"لا يزورها مؤمن إلا أوجب الله له الجنة وحرم جسده على النار" (عيون أخبار الرضا ٢/ ٢٥٥).
هذا ومن زار أخته فاطمة بنت موسى فله الجنة أيضاً كما رووا عن سعد بن سعد أنه قال:
سألت أبا الحسن الرضا ﵇ عن زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر ﵉ فقال: من زارها فله الجنة" (عيون أخبار الرضا ٢/ ٢٦٧ باب ثواب زيارة فاطمة ﵍ بقم).
فهذا هو دين القوم وهذا هو مذهبهم المبني على المقابر والمشاهد، والزيارات والبكاء، والحب والولاء، لا العمل ولا الفروض ولا الواجبات، ولا الحدود ولا المنكرات ولا السيئات.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٢٣١
стр. 2672
يعتقد الشيعة بأن من يزور قبور أئمتهم، أو يسهم في بنائها ينال ألواناً من الثواب لا نهاية لها ولا آخر، - إن هؤلاء الزوار مشمولون بشفاعة الرسول ﷺ ، وإن الزائر يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه -.إن آية الله الخميني يورد في كتاب (كشف الأسرار) هذه الرواية منسوبة إلى الإمام جعفر، وهذا نصها: ينقل الشيخ الطوسي عن أبي عامر قوله: "إنني ذهبت إلى الصادق - يعني: الإمام جعفراً - وسألته: ما هو أجر من يزور أمير المؤمنين ويبني قبره؟ فرد على سؤالي قائلاً: يا أبا عامر! لقد روى أبي عن جده الحسين بن علي بأن الرسول قال لأبي: ((إنك ستنتقل إلى العراق وتدفن في أرضه. فقال: يا رسول الله، وما هو أجرمن يزور قبورنا ويقيمها ويجدد العهد معها؟ فقال: يا أبا الحسن! إن الله جعل قبرك وقبور أولادك بقعة من بقاع الجنة وصحناً من صحونها, وإن الله أدخل في قلوب المختارين من خلقه حبكم، وجعلهم يتحملون الأذى والذل من أجلكم، ويقومون بإعادة بناء قبوركم، ويأتون لزيارتكم تقربا إلى الله وزلفى إلى رسوله، وهؤلاء مشمولون بشفاعتي. يا علي! إن من يبني قبوركم ويأتي إلى زيارتها يكون كمن شارك سليمان بن داود في بناء القدس، ومن يزور قبوركم يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويصبح كمن ولدته أمه تواً. إنني أبشرك بذلك، وبشر أنت محبيك بهذه النعمة التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تطرأ على بال أحد, ألا إن هناك توافه من الناس يلومون زائري قبوركم كما يلومون المرأة الزانية؛ إن هؤلاء هم أشرار أمتي، والله لا يشملهم بشفاعتي)) (١).
ومن زيارة قبور الأئمة وبنائها ينتقل آية الله الخميني إلى الحديث عن تربة كربلاء حيث قبر الإمام الحسين ﵁، ويرى أن طلب الشفاء منها أمر لا حرمة فيه ولا حرج، ويرى أن لها خاصية ليست لأحد، حتى قبر النبي نفسه. يقول آية الله الخميني في كتابه (تحرير الوسيلة): إن هذه التربة، أي تربة كربلاء، تخرق الحجب السبعة، وترتفع على الأرضين السبع، وهذه الخاصية ليست لأحد، حتى قبر النبي (٢).
والشيء نفسه يذكره الخميني عن التربة الحيدرية أو أرض النجف.
ومن العادات المعروفة أن الشيعة يقيمون مجالس للعزاء في شهر المحرم من كل عام، وأن آية الله الخميني لا يحب أن يترك هذه العادة، حتى جعل لها أصولاً دينية وغايات مذهبية، ولا بأس عنده في أن ينال من صحابة رسول الله في سياق حديثه عن هذا الموضوع.
يقول آية الله الخميني: إن مجالس العزاء تقام لدى الشيعة في كل مكان، ومع ما في هذه المجالس من نقص إلا أنها تروج تعاليم الدين وأخلاقياته، وتشيع الفضيلة ومكارم الأخلاق والدين الإلهي، والقانون السماوي المتمثل بالمذهب الشيعي المقدس، الذي يدين به أتباع علي ﵇.
стр. 2673
ويمضي آية الله الخميني في التحدث عن فضل مجالس العزاء، ولكنه في سياق حديثه لا يلبث أن يعرض بأهل السنة، ويطلق عليهم أصحاب المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة قائلاً: ولولا ذلك - يعني: لولا مجالس العزاء - لكان الشيعة في عزلة تامة، ولولا هذه المؤسسات الدينية الكبرى - يعني: نفس المجالس - لما كان هناك الآن أي أثر للدين الحقيقي المتمثل في المذهب الشيعي، ولكانت المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة وهدفها اجتثاث جذور الدين الحقيقي، تحتل الآن مواضع الحق. وعندما رأى رب العالمين أن مغامري صدر الإسلام قد زعزعوا بنيان الدين دفع بعدد من أعوان الحسين بن علي الباقين لكي يعملوا على توعية الناس، ويقيموا مجالس العزاء (١). وأما عن الزيارة فيقرر آية الله الخميني أن ثواب الزيارة أو إقامة التعزية تعادل ثواب ألف نبي أو شهيد.
المصدر: إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص٢٠٦
المطلب الثاني: نقض الزيارة الشيعية طبقاً للمنهج القرآني:
ما الدليل على هذه الدعوى؟ لا شك أن عملاً عبادياً له هذه المنزلة العظيمة والميزة الشريفة على باقي الأعمال لا بد أن يرد تشريعه والحث عليه والعقاب على تركه بالآيات القرآنية الصريحة الواضحة. ويؤكد عليه فيها أكثر من المساجد والحج وزيارة البيت الحرام. لكننا لا نجد نصاً واحداً في القرآن يذكر النجف وكربلاء وقُم وغيرها، أو يصرح بزيارة القبور، ويحث عليها، أو يذكر منسكا من مناسكها، وحكما من أحكامها وشعائرها!
مقارنة مع الحج في القرآن:
بينما تجد الحج إلى بيت الله، وفضله، ووجوبه، وذكر أحكامه ومناسكه وشعائره، والتنويه بالكعبة المعظمة ومكة المكرمة قد جاء في عشرات الآيات.
منها: سميت سورة من القرآن بسورة (الحج) تضمنت آيات كثيرة عن الحج وأحكامه ومناسكه. هذه بعضها:
ِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:١٥٨]
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:١]
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:١٤٤] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:١٥٠] (١).
هذا بعض ما جاء في القرآن من التصريح بفضل الكعبة، ووجوب الحج إليها، وأحكامه ومناسكه!
أما كربلاء والنجف وقم ومشهد، فأشهد أن لا ذكر لها في آية واحدة من القرآن!
المساجد في القرآن:
وهذا بعض ما جاء في القرآن العظيم من ذكر المساجد، وأحكامها وفضيلة، الصلاة فيها:
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:٣٦،٣٧]
وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:٢٩]
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨]
يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:٣١]
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:٤٣]
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ [التوبة:١٠٨]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة:١١٤]
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله [التوبة:١٧]
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ [التوبة:١٨]
وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:١٨٧]
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:٢١٧ - ٢١٩]
стр. 2677
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:٩]
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:١٢]
أما الصلاة في كربلاء، ومرقد علي، ومشاهد الأئمة، فالله يشهد أن لا ذكر لها في آية واحدة من كتابه!
لا مراقد ولا قبور في القرآن
لقد خلا القرآن الكريم من ذكر كربلاء والنجف وقم ومشهد. وليس فيه إشارة إلى ذكر المراقد أو القبور وزيارتها وبنائها والمشي إليها وما إلى ذلك. وأنت إذا قارنت بين ما وضعوه لها من فضائل فاقت ما ورد في فضل الكعبة بيت الله الحرام -فضلاً عن المساجد الأخرى- وبين الصمت المطبق عنها في القرآن تبين لك قطعاً كذب تلك الروايات وبطلان تلك الفتاوى. وإلا أفكان الله -سبحانه-نسيا؟! أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى:٢١].
اتباع المتشابه:
لو سألت عن كل هذا التعظيم للمشاهد والغلو في زيارتها إلى هذا الحد الخطير:
ما أساسه من القرآن؟ لما وجدت جواباً غير آية واحدة متشابهة! هي قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا [الكهف:٢١].
ولا شك أن هذا النص غير صريح الدلالة. وما نحتاجه في مثل هذه الأمور العظيمة هو النص الصريح المتكرر كما هو شأن القرآن في مثلها.
كما أنه ليس في القرآن أمر بزيارة القبور، ولا نهي عن تركها. وليس فيه ذكر حكم واحد من أحكامها.
قارن ذلك بما جاء في القرآن عن المساجد!
وإذا جئنا إلى دلالة الآية نجدها ظاهرة في خلاف ما ذهبوا إليه:
يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا [الكهف:٢١]. فالأمر باتخاذ المسجد على قبور أصحاب الكهف صدر من الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ أي علية القوم وأمرائهم. وهؤلاء ليسوا مصدراً تشريعياً. وهم عادة ما يكونون طغاة متجبرين. ولهجة الطغيان والاستبداد واضحة في عبارتهم: لَنتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا فهو أمر مؤكد لا بد من تنفيذه دون اعتبار لرأي أو دليل. وهذا هو شأن العتاة المستبدين. وهؤلاء ليسوا قدوة لنا. وديننا ناسخ لكل دين.
فالقول بمشروعية اتخاذ المساجد على القبور وتعظيم المشاهد والأمر بزيارتها هذا الأمرَ الذي يجعلها أساسا من أساسيات الدين وضرورياته، ليس له من القرآن إلا آية واحدة متشابهة! فاتباعها شأن الزائغين الذين يخترعون أديانهم بآرائهم وأهوائهم. ثم يأتون إلى القرآن يبحثون فيه عما تشابه، تأييداً لما أثبتوه أولاً من خارج القرآن.
والصحيح أن نبحث في آرائنا وعقولنا عما يؤيد ما ثبت أولاً بالقرآن. وليس العكس.
والفرق كبير جداً بين هذا وذاك. فالأول يستخدم القرآن، والثاني يخدمه. والقرآن سيد مخدوم. وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:٤٠].
المصدر: المنهج القرآني الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل لطه حامد الدليمي
стр. 2678
المطلب الأول: الشعائر الحسينية طقوس لم تكن على عهد الأئمة: ... أخي القارئ إن ما يفعله الشيعة في المآتم والحسينيات مثل اللطم والنياحة والتطبير وغيرها لم تكن على عهد الأئمة باعتراف علماء الشيعة، وقد ذكر نجم الدين أبو القاسم الشيعي المعروف بالمحقق الحلي بأن الجلوس للتعزية لم ينقل عن أحد من الصحابة والأئمة، وأن اتخاذه مخالف لسنة السلف (١)
، وهذا يعني أن المآتم والشعائر الحسينية من البدع التي يجب تركها، كما اعترف بهذا شيخهم آية الله العظمى جواد التبريزي عندما وجه له هذا السؤال:
...
стр. 2679
ما هو رأيكم في الشعائر الحسينية وما هو الرد على القائلين بأنها طقوس لم تكن على عهد الأئمة الأطهار ﵈ فلا مشروعية لها؟ ... فأجاب: "كانت الشيعة على عهد الأئمة ﵈ تعيش التقية وعدم وجود الشعائر في وقتهم لعدم إمكانها لا يدل على عدم المشروعية في هذه الأزمنة، ولو كانت الشيعة في ذاك الوقت تعيش مثل هذه الأزمنة من حيث إمكانية إظهار الشعائر وإقامتها لفعلوا كما فعلنا، مثل نصب الأعلام السوداء على أبواب الحسينيات بل الدور إظهاراً للحزن" (١) .... وبمثل هذا اعترف علامتهم آية الله العظمى علي الحسيني الفاني الأصفهاني (٢) حيث أورد هذه الشبهة: .. "إنه لم تعهد هذه الأمور في زمن المعصومين ﵈ وهم أهل المصيبة وأولى بالتعزية على الحسين ﵇، ولم يرد في حديث أمر بها منهم، فهذه أمور ابتدعها الشيعة وسموها الشعائر المذهبية, والمأثورأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, فأجاب الفاني الأصفهاني بقوله: " والجواب واضح جداً أن ليس كل جديد بدعة إذ البدعة المبغوضة عبارة عن تشريع حكم اقتراحي لم يكن في الدين، ولا من الدين، والروايات الواردة في ذم البدعة والمبتدع ناظرة إلى التشريع في الدين، بل هي واردة مورد حكم العقل بقبح التشريع من غير المشرع بعنوان أنه شرع إلهي ومستمد من الوحي السماوي، وإلا فأين محل الشبهات الحكمية التي وردت الروايات بالبراءة فيها وحكم العقل بقبح العقاب عليها؟ وبديهي أن الشعائر الحسينية ليست كذلك كيف والإبكاء مأمور به (٣) وهو فعل توليدي يحتاج إلى سبب وهو إما قولي: كذكر المصائب، وإنشاء المراثي، أو عملي: كما في عمل الشبيهفللفقيه أن يحكم بجواز تلك الشعائر لما يترتب عليها من الإبكاء الراجح البتة كما أن التعزية عنوان قصدي ولا بد له من مبرر, ونرى أن مبررات العزاء في الملل المختلفة مختلقة وما تعارف عند الشيعة ليس مما نهى عنه الشرع أو حكم قبحه العقل وعلى المشكك أن يفهم المراد من البدعة ثم يطابقها على ما يشاء إن أمكن" (٤).قال حسن مغنية: " جاء العهد البويهي في القرن الرابع الهجري فتحرر هذا اليوم (٥)، وتجلى كما ينبغي حزينا في بغداد والعراق كله وخرسان وما وراء النهر والدنيا كلها، إذ أخذت تتوشح البلاد بالسواد، ويخرج الناس بأتم ما تخرج الفجيعة الحية أهلها الثاكلين، وكذلك الحال في العهد الحمداني في حلب والموصل وما والاهم، أما في العهود الفاطمية فكانت المراسيم الحسينية في عاشوراء تخضع لمراسيم بغداد، وتقتصر على الأصول المبسطة التي تجري الآن في جميع الأقطار الإسلامية والعربية، وخاصة في العراق وإيران والهند وسوريا والحجاز فتقام المآتم والمناحات وتعقد لتسكب العبرات وأصبحت إقامة الشعائر الحسينية مظهراً من مظاهر خدمة الحق وإعلان الحقيقة" (٦)،
стр. 2680
(١) .... ثم يستعرض إمامهم وشهيدهم آية الله حسن الشيرازي الأدوار التي مرت بها هذه الشعائر فيشتكي من الظلم الذي منع الشيعة من إظهار هذه الشعائر فيقول: "غير أن الشيعة لم يقدروا على هذا التعبير الجريء عندما كانوا يرزحون في ظلمات بني أمية وبني العباس وإنما اختلفت عليهم الظروف القاسية والرخية اختلاف الفصول على مشاتل الورد فاختلفت تعبيراتهم باختلافها" (٢).
ثم ذكر الشيرازي خمسة أدوار: ... الدور الأول: وهو دور الأئمة. قال الشيرازي: "انحصر فيه تعبير الشيعة على تجمع نفر منهم في بيت أحدهم، إنشاد فرد منهم أبيات من الشعر، أو تلاوته أحاديث في رثاء أهل البيت، وبكاء الآخرين بكل تكتم وإخفاء وتقية الحكومات الظالمة أن تطيش بهم في جنون فتطير رؤوسهم" (٣).
قلت وهذا كلام مردود وهو من كيس الشيرازي لأنه لم يذكر أي مصدر نقل منه هذا الكلام .... الدور الثاني: دور بني العباس. وقد اشتكى الشيرازي من هذا الدور إلا إنه عاد فقال: "فتوسعت مجالس التأبين على الإمام الشهيد وعلت برثائه المنابر ولكن في إطار محدود يفصله عن حركة التشيع" (٤).
... قلت: وكلام الشيرازي هذا مردود أيضا بل قام هو بنسفه عندما قال: " ولكن في إطار محدود يفصله عن حركة التشيع" فما الفائدة إذن من استشهادك به؟ .
... ثم يذكر الشيرازي الدور الثالث فيقول:"دور البويهيين والديالمة والفاطميين وخاصة أيام معز الدولة الديلمي، الذين رفعوا الإرهاب، وأطلقوا طاقات الشيعة، ومكنوهم من إخراج مجالس التأبين عن الدور إلى المجامع والشوارع والساحات العامة، وإعلان الحداد الرسمي العام يوم عاشوراء، إغلاق الأسواق، وتنظيم المواكب المتجولة في الشوارع والساحات" (٥) .... ثم يذكر الدور الرابع فيقول: "دور الصفويين وخاصة عهد العلامة المجلسي الذي شجع الشيعة على ممارسة شعائرهم بكل حرية فأضافوا إليها التمثيل الذي كان إبداعاً منهم لتجسيد المأساة" (٦) .... ثم يذكر الدور الخامس فيقول: "دور الفقهاء المتأخرين وعلى رأسهم الشيخ مرتضى الأنصاري وآية الله الدربندي حيث أكثرت الشيعة من مواكب السلاسل والتطبير" (٧) .... ثم عاد الشيرازي ليعترف بما اعترف به التبريزي والفاني الأصفهاني قال: "ولو أن الشيعة في عهود الأئمة ﵈ وجدوا الحرية الكاملة لأقاموا هذه الشعائر القائمة اليوم وأكثر، غير أنهم لم يكونوا يجدون الحرية (الكافي) ة للتعبير الكامل عن مدى انفعالهم في كل العصور" (٨).
.. فيقول الشيرازي "لأقاموا هذه الشعائر القائمة اليوم" دليل على أن هذه الشعائر القائمة اليوم لم تكن قائمة في تلك العصور التي تكلم عنها. إذن هذه الشعائر لم تكن على عهد الأئمة ولم يأمر بها النبي ﷺ فهي من محدثات الأمور التي حذرنا منها النبي ﷺ بقوله: ((فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) (٩).
... فعلى الشيعي المنصف أن يدرك هذا ويعيد النظر في حضوره ومواظبته على هذه المآتم.
... وقبل أن ننهي هذا الفصل نوقف القارئ الكريم على إجابة محمد حسين فضل الله على من سأله عن تأسيس المأتم الحسيني.
قال حسين فضل الله: "المأتم الحسيني أسسه أئمة أهل البيت ﵈ الذين كانوا يعقدونه في بيوتهم ويستدعون من يقرأ الأشعار التي تذكر مصيبة الحسين ﵇ بطريقة عاطفية".
وقد سئل بمناسبة سابقة عن تأسيس المأتم الحسيني فأجاب: "لا يبعد أن تأسيس الحسينيات انطلق من فكرة احترام المسجد لأن الناس قد يحتاجون إلى الاستماع لعزاء الحسين ﵇ أو للمواعظ والإرشادات وفيهم الجنب وفيهم الحائض, ومن جهة عدم جواز تنجيس المسجد فلربما جعلت الحسينيات إلى جانب المساجد لا لتكون بديلة عنها فهذا ما لم يفكر فيه أحد، ولكن من أجل حماية المساجد وإفساح المجال للاستماع للموعظة والذكرى الحسينية حتى يحضرها كل الناس حتى لو أدى ذلك إلى تنجيسها أو ما إلى ذلك ولا نعرف متى بدأ إنشاء الحسينيات".
قلت: فلاحظ أنه أول الأمر زعم أن أئمة أهل البيت هم الذين أنشأوا المآتم الحسينية، ثم جاء بعد ذلك ليقول: إنها انطلقت من فكرة احترام المسجد، وأنه لا يعرف متى بدأ إنشاء الحسينيات.
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2681
المطلب الثاني: الشيعة يستحدثون بدعة النياحة واللطم: أخي المسلم إن ما يفعله الشيعة في الحسينيات تحت مسمى الشعائر الحسينية هي من البدع التي استحدثها ودعا إليها علماء الشيعة, فقد ألف داعيتهم عبد الحسين شرف الموسوي كتابا سماه (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) حاول فيه كعادته في مؤلفاته الدفاع عن البدع والخرافات التي يتعبد بها الشيعة، ومنها: المآتم كما يفهم من عنوان الكتاب، فقد حاول أن يثبت جواز إقامة المآتم من بكاء النبي ﷺ على ابنه إبراهيم (١).
نعم لقد ذرفت عينا النبي ﷺ ، ولكن هل فعل النبي ﷺ ما تفعله الشيعة في مآتمهم؟
... وهل جعل النبي ﷺ من موت عمه حمزة ﵁ وغيره مناسبة سنوية يجمع فيها الناس ويتفنن باكيا أو متباكيا لكي يبكي الحاضرون كما يفعل علماء الشيعة وخطباؤهم في الحسينيات؟
... وهل كان النبي ﷺ يوزع شراب العصير في ذكرى مقتل أو موت من ذكرهم هذا الشيعي؟ .
... ولماذا استعمل عبد الحسين القياس، والقياس محرم في مذهبه؟
... يقول: "وقد استمرت سيرة الأئمة على الندب والعويل وأمروا أولياءهم بإقامة مآتم الحزن على الحسين جيلاً بعد جيل".
... وقال وهو يرد على من يعيب على الشيعة نياحهم وعويلهم: ... "ولو علم اللائم الأحمق بما في حزننا على أهل البيت، والنصرة لهم، والحرب الطاحنة لأعدائهم، لخشع أمام حزننا الطويل، ولأكبر الحكمة المقصودة من هذا النوح والعويل، ولاذ من الأسرار في استمرارنا على ذلك في كل جيل" (٢).
...
стр. 2682
ويقسِّم الدكتور الشيعي هادي فضل الله موافق علماء الشيعة من اللطم وغيرها مما يقوم به الشيعة في حسينياتهم إلى قسمين:. ١ - المدرسة الإصلاحية: وتضم فريق المجددين الذي تزعمه محسن الأمين، ومن الأمور التي تركز المدرسة الإصلاحية على الابتعاد عنها وتحرم بعضها هي ضرر النفس بالضرب حتى الإدماء، واختلاق الأخبار، وذكرها، وإقامة الشبيه (أي تمثيل مسرحية لملحمة كربلاء) (١) .... ٢ - المدرسة المحافظة وتضم فريق المحافظين الذي تزعمه عبد الحسين صادق وهي تركز على أن كل شيء لك مباح وإن أدى إلى الأذى. ما دام لا نص على حرمته وبالتالي فلاشيء في نظرها محرم مما ذكرته المدرسة الإصلاحية" (٢) .... ثم يتعرض هادي فضل الله إلى موقف عبد الحسين شرف الدين الموسوي من المدرستين فيقول: "لقد راح مفكرنا - أي عبد الحسين - يؤكد أن المآتم الحسينية بجميع مظاهرها ليست من الحرام في شيء معتمداً على القاعدة الشرعية التي تنص على أن الأصل في الأشياء الإباحة لا الحرمة، فهو لم يحرم مظاهر المآتم الحسينية كما تفعل المدرسة الإصلاحية " (٣) .... وقال حسن مغنية: "وأما فيما يتعلق بإقامة الشعائر الحسينية في عاشوراء فهو أمر له مظاهره، فإذا جاء المحرم رأيت المساجد العاملية والنوادي الحسينية ومداخل القرى مجللة بالسواد، متسربلة بالحزن، عليها علامات الأسى واللوعة، وتراءت وجوه العاملين تعلوها الكآبة، وتتشح بالشجن، فالنفوس منقبضة، والوجوه متجهمة، والقلوب فزعة جزعة، قد تملكها الهلع من فاجعة كربلاء، فهنا وهناك عويل ونواح يكربان القلب، ويوجعان الصدر " (٤) ... وقال أيضا: وفي صبيحة اليوم العاشر يكون قد وفد إلى النبطية عشرات الألوف من أبناء الطائفة وغيرها للاشتراك بإحياء الذكرى، ويبدأ الاحتفال بقراءة مصرع الحسين في حسينية النبطية التحتا في الساعة الثامنة صباحا، ينتهي في الساعة التاسعة والنصف تقريبا حيث يجري تمثيل المصرع، فيشترك في التمثيل أبناء النبطية كباراً وصغاراً نساء ورجالاً، بالإضافة إلى من نذره أهله لهذه الغاية من الأطفال، وتمثل في ساحة النبطية العامة واقعة الطف، حيث يشهدها حشد من المؤمنين يقدر بأكثر من خمسين ألفاً، يتم التمثيل في جو عابق بالحماس الديني، ثم يطوف بعد ذلك عدد من الشبان والأطفال في المدينة، وهم عراة الصدور يضربون رؤوسهم بالسيوف والخناجر، وظهورهم بالسلاسل، بشكل يبعث في النفوس الأسى " (٥) .... وقال الشيعي المعروف عند قومه الدكتور أحمد الوائلي (٦) عندما سئل عن ضرب الشيعة أنفسهم وجرح صدورهم في يوم عاشوراء؟ قال: "سبق للعلماء وأعطوا رأيهم في هذا الموضوع، وقالوا: إن هذا الضرب إن أضر بالنفس فهو محرم، وإذا لم يلحق بالنفس ضرراً فلم يحرم، فهو مجرد تعبير وجداني عن حبهم للحسين" (٧) ....
стр. 2683
ويقول الكاتب الشيعي عبد الهادي عبد الحميد الصالح: "في حالة عدم إيذاء النفس فإن اللطم جائز، ويعتبر نوعا من التعبير عما يجيش داخل النفس، وهي حالة فطرية، تجاه الإنسان في مشاعره فقد تراه يصفق أو يقوم من مكانة فرحاً بشرط عدم الضرر البليغ بالنفس، وهناك بعض من الفتاوى التي صدرت من بعض العلماء التي حرمت أو على الأقل لا تحبذ عملية التطبير، وهي على كل حال كما أرى حالة من واقع البيئة الاجتماعية تدعوا فعلا إلى تصحيحها وهي قضية لا تعبر بالضرورة عن أصل العقيدة" (١) .. ويقول شيخهم مهدي محمد السويج في كتابه (مائة مسألة مهمة حول الشيعة) ما نصه: "ولهذا ترى اللاطمين في ذكرى مأساة الحسين ﵇ إنما يعبرون عن العواطف الجياشة، والمودة الصادقة من جانب، كما يعبرون من جانب آخر بنفس لطمهم يعبرون عن السخط على الظالمين ابتداء من هناك وصولاً إلى هنا، وامتداداً حتى النهاية، ففي كل الأزمان يزيد وابن زياد، وفي كل زمان ضعفاء يعبرون عن ذلك باللطم ونحوه" (٢) .... ويقول من وصفوه بالأستاذ المحقق طالب الخَرسان: بهذا وأمثاله قامت النائحات في جميع العواصم الإسلامية يندبن الحسين ﵇ ومن قتل معه من بنيه وإخوته وأنصاره" (٣).ونقل شيخهم الدكتور عبد علي محمد حبيل عن شيخهم حسن الدمستاني أنه قال: "النياحة على الحسين واجبة وجوباً عينيا" (٤) .... وقال علي الخامنئي: هناك أمور تقرب الناس إلى الله وتعزز تمسكهم بتعاليم الدين، ومن هذه الأمور مراسم العزاء التقليدية، وأن ما أوصانا الإمام (٥) بإقامة مواسم العزاء التقليدية هو المشاركة في المجالس الحسينية، ونعي الإمام الحسين، والبكاء عليه، واللطم على الصدور في مواكب العزاء، وهي من الأمور التي تعزز المشاعر الجياشة إزاء أهل البيت ... أجل من المراسم اللطم على الرؤوس والصدور" (٦) .... وقال مرجع الشيعة الراحل آية الله العظمى الخميني موجهاً كلامه إلى خطباء الشيعة: "تكليف السادة الخطباء أن يقرءوا المراثي، وتكليف الناس يقتضي أن يخرجوا في المواكب الرائعة، مواكب اللطم. ولكن لتخرج المواكب ولتلطم الصدور، وليفعلوا ما كانوا يفعلونه سابقا " (٧) .. وقال أيضا: "إن مواكب اللطم هذه هي التي تمثل رمزاً لانتصارنا، لتقم المآتم والمجالس الحسينية في أنحاء البلاد، وليلق الخطباء مراثيهم، وليبك الناس. ولتمارس مواكب اللطم والردات والشعارات الحسينية ما كانت تمارسه في السابق، واعلموا أن حياة هذا الشعب رهينة بهذه المراسم والمراثي والتجمعات والمواكب" (٨).
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
إن الشيعة تحتفل بيوم عاشوراء منذ قرون عديدة وما عدا قراءة الزيارات التي أسهبنا في ذكرها كان الشعراء ينشدون قصائد أمام القبر حتى أن الشاعر العربي الشريف الرضي عندما ألقى قصيدته العصماء أمام قبر الحسين والتي جاء في مطلعها:
كربلاء لا زلت كرباً وبلا ...................
ووصل إلى هذا البيت:
كم على تربك لما صرعوا ... من دم سال ومن قتل جرى
بكى وبكى حتى أغمي عليه، والثابت أن أئمة الشيعة كانوا يحتفلون بيوم العاشر من محرم فيجلسون في بيوتهم يقبلون التعازي من المعزين ويطعمون الطعام في ذلك اليوم وكانت تلقى أمامهم خطب أو قصائد في ذكرى شهادة " الحسين " وأهل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفضائلهم.
стр. 2684
وفي كربلاء وحول قبر " الحسين " كان الزوار يمرون على هيئة مواكب وآحاد وهم يقرؤون الزيارات التي أشرنا إليها مع بكاء ونحيب كجزء مكمل للاحتفال والزيارة، إنها العادة التي لا زالت جارية في المجالس التي تقام للإمام " الحسين " في العالم الشيعي فلا بد من ختمها بالبكاء لأن: (من بكى أو تباكى على الحسين وجبت عليه الجنة) , كما جاء في بعض الروايات التي تنسب إلى الأئمة ومعاذ الله أن يصدر من الإمام كلاماً كهذا، كما أن الشيعة كانت تلبس السواد في شهر محرم وصفر حداداً على الحسين وهذه العادة أخذت بالتوسع في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع وعندما أخذت تظهر الشيعة على مسرح الأحداث السياسي والإسلامي كقوة تريد الإطاحة بالخلافة الحاكمة وكان للبويهيين الذين حكموا إيران والعراق باسم حُماة الخلافة العباسية دوراً بارزاً في تنمية الاحتفالات في أيام عاشوراء, ولكن هذه الاحتفالات أخذت طابعاً عاماً وأصبحت جزءاً من الكيان الشيعي عندما استلم السلطة الشاه " إسماعيل الصفوي " وأدخل إيران في التشيع, وخلق فيها تماسكاً مذهبياً للوقوف أمام أطماع الخلافة العثمانية المجاورة لإيران كما أشرنا إليه, وكان البلاط الصفوي يعلن الحداد في العشر الأول من محرم من كل عام ويستقبل الشاه المعزين في يوم عاشوراء وكانت تقام في البلاط احتفالات خاصة لهذا الغرض تجتمع فيها الجماهير ويحضرها الشاه بنفسه، كما أن الشاه عباس الأول الصفوي الذي دام حكمه خمسين عاماً وهو أكبر الملوك الصفويين دهاءً وقوةً وبطشاً كان يلبس السواد في يوم عاشوراء ويلطخ جبينه بالوحل حداداً على الإمام " الحسين " وكان يتقدم المواكب التي كانت تسير في الشوارع مرددة الأناشيد في مدح الإمام ثم التنديد بقتلته، ولا ندري على وجه الدقة متى ظهر ضرب السلاسل على الأكتاف في يوم عاشوراء وانتشر في أجزاء المناطق الشيعية مثل إيران والعراق وغيرهما, ولكن الذي لا شك فيه أن ضرب السيوف على الرؤوس وشج الرأس حداداً على " الحسين " في يوم العاشر من محرم تسرب إلى إيران والعراق من الهند وفي إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد, وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام " الحسين " فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس، وحتى إلى عهد قريب كانت السفارات البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع والأزقة, وكان الغرض وراء السياسة الاستعمارية الإنجليزية في تنميتها لهذه العملية البشعة واستغلالها أبشع الاستغلال هو إعطاء مبرر معقول للشعب البريطاني وللصحف الحرة التي كانت تعارض بريطانيا في استعمارها للهند ولبلاد إسلامية أخرى وإظهار شعوب تلك البلاد بمظهر المتوحشين الذين يحتاجون إلى قيِّم ينقذهم من مهامه الجهل والتوحش فكانت صور المواكب التي تسير في الشوارع في يوم عاشوراء وفيها الآلاف من الناس يضربون بالسلاسل على ظهورهم ويدمونها بالقامات والسيوف على رؤوسهم ويشجونها تنشر في الصحف الإنجليزية والأوربية وكان الساسة الاستعماريون يتذرعون بالواجب الإنساني في استعمار بلادٍ تلك هي ثقافة شعوبها ولحمل تلك الشعوب على جادة المدنية والتقدم، وقد قيل إن " ياسين الهاشمي " رئيس الوزراء العراقي في عهد الاحتلال الإنجليزي للعراق عندما زار لندن للتفاوض مع الإنجليز لإنهاء عهد الانتداب قال له الإنجليز: نحن في العراق لمساعدة الشعب العراقي كي ينهض بالسعادة وينعم بالخروج من الهمجية، ولقد أثار هذا الكلام " ياسين الهاشمي " فخرج من غرفة المفاوضات غاضباً غير أن الإنجليز اعتذروا منه بلباقة ثم طلبوا منه بكل احترام أن يشاهد فيلماً وثائقياً عن
стр. 2685
العراق فإذا به فيلم عن المواكب الحسينية في شوارع النجف وكربلاء والكاظمية تصور مشاهد مروعة ومقززة عن ضرب القامات والسلاسل وكأن الإنجليز قد أرادوا أن يقولوا له: هل إن شعبا مثقفا له من المدنية حظ قليل يعمل بنفسه هكذا؟
وهنا أذكر كلاماً طريفاً مليئاً بالحكمة والأفكار النيٍّرة سمعته من أحد أعلام الشيعة ومشايخهم قبل ثلاثين عاماً لقد كان ذلك الشيخ الوقور الطاعن في السن واقفاً بجواري وكان اليوم هو العاشر من محرم والساعة اثنتي عشرة ظهراً والمكان هو روضة الإمام " الحسين " في كربلاء وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حداداً وحزناً على " الحسين " دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل على جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر من رؤيته الأبدان ثم أعقب الموكب موكب آخر وفي أعداد غفيرة أيضاً وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحرّ: ما بال هؤلاء الناس وقد أنزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟ قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون إنهم يقولون: (واحسيناه) أي لحزنهم على " الحسين " ثم سألني الشيخ من جديد: أليس الحسين الآن في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ قلت: نعم, ثم سألني مرةً أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين؟ قلت: نعم, وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء, لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في جنة ونعيم ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من نعيم.
في عام (١٣٥٢) هـ وعندما أعلن كبير علماء الشيعة السيد " محسن الأمين " العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأةً منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها لاقى معارضة قوية من داخل صفوف العلماء ورجال الدين الذين ناهضوه ووراءهم " الهمج والرعاع " على حد تعبير الإمام " علي " وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد " أبو الحسن " وبصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلناً تأييده المطلق له ولفتواه، ولقد أعطى موقف جدنا بعداً كبيراً للحركة الإصلاحية التي نادى بها السيد " الأمين " ومع أن كثيراً من الفقهاء والمجتهدين وقفوا موقفاً معارضاً للسيد " أبو الحسن " كما وقفوا " للأمين " من قبل إلا أن السيد " أبو الحسن " تغلب على الجميع في آخر المطاف بسبب مقامه الرفيع وصموده، وأخذت الجماهير تطيع فتوى الزعيم الأكبر وبدأت تلك الأعمال تقل رويداً رويداً وتختفي من على الساحة الشيعية إلا أنها لم تندثر تماماً حيث بقيت لها مظاهر ضعيفة وهزيلة حتى أن توفي جدنا ﵀ في عام (١٣٦٥) هـ وأخذت بعض الزعامات الشيعية الجديدة تحث الناس على تلك الأعمال من جديد فبدأت تنمو مرةً أخرى في العالم الشيعي ولكنها لم تصل إلى ما كانت عليه قبل عام (١٣٥٢) هـ وبعد أن أعلنت في إيران الجمهورية الإسلامية وتولت ولاية الفقيه السلطة صدرت الأوامر بإحياء تلك الأعمال كجزء من السياسة المذهبية وأخذت الجمهورية الإسلامية الفتية تساعد الفئات الشيعية في كل الأرض وتحثهم مالياً ومعنوياً لإحياء هذه البدعة التي أدخلتها السياسة الاستعمارية الإنجليزية إلى العالم الإسلامي الشيعي قبل مائتي عام, وذلك لتظهر وجه الإسلام والمسلمين بالمظهر الكالح وتبرر استعمارها لبلاد الإسلام كما قلنا من قبل، وعندما أكتب هذه السطور تشاهد المدن الإيرانية والباكستانية والهندية واللبنانية مع الأسف الشديد في يوم العاشر من محرم من كل عام مواكباً تسير في شوارعها بالصورة التي رسمناها، وقبل أن تنتهي ساعات ذلك اليوم فإن صوراً من تلك الهمجية الإنسانية والجنون المفزع تعرض على شاشات التلفزة في شرق الأرض وغربها لتعطي قوة لأعداء الإسلام والمتربصين بالإسلام والمسلمين معاً.
المصدر: الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص٦٨
стр. 2686
المطلب الثالث: فتاوى كبار علماء الشيعة تُجوّز العمل ببدعة النياحة واللطم وغيرها
... وإليك فتوى أحد كبارهم وهو من أسموه بالإمام المحقق رئيس الفقهاء العظام آية الله العظمى الشيخ محمد حسين النائيني عندما سئل عن شعائرهم وطقوسهم التي يمارسونها في مآتمهم وحسينياتهم:
... الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع، مما لا شبهة في جوازه ورجحانه، وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعباده مثله، من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدّم والتأخر بين أهل محلتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.
... الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حد الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى
جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبيّن ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية. ثبتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
... الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون، وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه، وقيّدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منه قبل أربع سنوات، لكنا لما راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرّم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً من زي الرجال رأساً، وأخذاً بزي النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقداراً من الزمان بلا تبديل لزيه، كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.
... نعم يلزم تنزيهاً أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدّم.
الرابعة: الدمام المتعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته، فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع تنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات القريبة ونحو ذلك .... ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه والله أعلم" (١).
... وقد وافقه على هذه الفتوى كما جاءت في المصدر المذكور كل من:
١ - آية الله العظمى ميرزا عبد الهادي الشيرازي بقوله: ما ذكره قدس سره في هذه الورقة صحيح إن شاء الله تعالى.
٢ - آية الله العظمى محسن الحكيم الطباطبائي.
٣ - آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي قال: "ما أفاده شيخنا الأستاذ قدس سره في أجوبته هذه عن الأسئلة البصرية هو الصحيح ولا بأس بالعمل على طبقه ".
стр. 2687
٤ - آية الله العظمى الإمام محمود الشاهرودي.
٥ - آية الله الشيخ محمد حسن المظفر.
٦ - آية الله العظمى حسين الحمامي الموسوي.
٧ - آية الله محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
٨ - آية الله العظمى محمد كاظم الشيرازي.
٩ - آية الله جمال الدين الكبايكاني.
١٠ - آية الله كاظم المرعشي.
١١ - آية الله مهدي المرعشي.
١٢ - آية الله علي مدد الموسوي الفايني.
١٣ - آية الله الشيخ يحيى النوري.
قال الشيخ مرتضى عياد: "وقد كتب جماعة كبيرة من عظماء الفقهاء فيما سبق ما يخص بالموضوع، ولا يسع المجال لذكر كل ما كتبوه بهذا الصدد".
... ثم ذكر مرتضى عياد فتاوى كثيرة لكثير من علمائهم تجيز العمل بهذه البدع التي استحدثوها في الدين، إليك فقرة من إحداها وهي لمن أسموه
بالعلامة الكبيرالزاهد الورع المحدث آية الله الشيخ خضر بن شلال العفكاوي منها: " قد يستفاد من النصوص التي منها ما دل على جواز زيارته ولو مع الخوف على النفس وجواز اللطم عليه والجزع لمصابه بأي نحو كان، ولو علم أنه يموت من حينه".
نقل هذا مرتضى عياد في كتابه (مقتل الحسين) (ص١٥٣) المطبوع عام (١٩٩٦م) طبعة مصورة على طبعة المطبعة العلوية في النجف, وقد اطلعت على طبعة دار الزهراء ببيروت عام (١٩٩١م) حيث نُقِلَت فتوى الشيخ المذكور مختصرة في الصفحة (١٥٤) ونصها: "الذي يستفاد من مجموع النصوص ومنها الأخبار الواردة في زيارة الحسين المظلوم ولو مع الخوف على النفس يجوز اللطم والجزع على الحسين كيفما كان حتى لو علم أنه يموت في نفس الوقت" .... ويقول شيخهم آية الله مرتضى الفيروز آبادي: "إن اللطم على الصدور ونحوه هو مما استقرت عليه سيرة الشيعة في العصور السابقة والأزمنة الماضية، وفيها الأعاظم والأكابر من فقهاء الشيعة المتقدمين والمتأخرين، ولم يسمع ولن يسمع، أن أحداً منهم قد أنكر ذلك ومنع، ولو فرض أن هناك من منع لشبهة حصلت له، أو لاعوجاج في السليقة، فهو نادر والنادر كالمعدوم" (١).
... أما محمد حسين فضل الله فإليك ما صرح به في مسألة اللطم:
... قال: "أما بالنسبة إلى ما يسمى الشعائر الحسينية فإننا نرى أنهاتمثل الأساليب التعبيرية عن الحزن، وعن الولاء، وأساليب التعبير تختلف بين زمن وزمن. فالبكاء أسلوب إنساني في التعبير عن الحزن" (٢) .... وقال فضل الله أيضا: "وعلى هذا الأساس فنحن نقول بأنه يمكن للإنسان أن يلطم بحسب ولائه، وبحسب محبته، لكن بشرط أن لا يكون اللطم مضراً بالجسد (٣) .... وقال أيضا: "إن اللطم الهادىء هو الذي تلطم صدرك فيه وأنت تستحضر المأساة فكل ما يكون تعبيراً عن الحزن من دون أن يضر الإنسان في بدنه فهو جائز" (٤).
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2688
المطلب الرابع: عدم جواز التطبير وضرب السلاسل إذا أوجب هتك حرمة التشيع: .. إن الشيعة يتهربون من كل ما من شأنه أن يهتك ستار مذهبهم، حتى وإن كان جائزاً عندهم، وذلك لخداع مخالفيهم، وتلميع صورة التشيع أمامهم، وأكبر مثال على ذلك آيتهم العظمى أبو القاسم الخوئي في موقفه من التطبير وضرب السلاسل، قال محمد حسين فضل الله:"فحتى السيد الخوئي كان يفتي بحرمتها في كتاب (المسائل الشرعية) التي نشرتها الجماعة الإسلامية في أميركا وكندا، فلقد سئل عن التطبير وضرب السلاسل هل يجوز؟ فقال: إذا أوجب هتك حرمة المذهب فلا يجوز. قالوا: كيف ذاك؟ قال: إذا أوجب سخرية الناس بالآخرين" (١).
... فلاحظ كيف أن تحريمها لمجرد هتكها حرمة المذهب!!!.
... هذا وقد سبق لنا نقل موافقة الخوئي لفتوى شيخهم وآيتهم العظمى محمد حسين النائيني والذي أجاز كل ما يقترفونه في مآتمهم من لطم بالأيدي على الخدود والصدور حد الاحمرار إلى ضرب بالسلاسل على الأكتاف والظهور .. إلخ. وعلى هذا ليس لأحد أن يطمئن إلى ما يقررونه، أو إلى ما ينكرونه، لأن عقيدة التقية والكتمان تبيح لهم التدليس على خصومهم، والكذب عليهم، فلو سأل أحد من أهل السنة الخوئي عن حكم اللطم والضرب بالسلاسل وغيرها من بدعهم لإجابة هذا الخوئي (التقوي) (٢) بأنه محرم عنده لأنه يهتك حرمة المذهب، لا أنه حرام كما يراه.
... لقد كنت قديما أسأل أهل العلم منهم عن حكم اللطم وغيره فيجيبونني بأنه من فعل العوام، وأنه حرام. ثم أتعجب عندما أجد هؤلاء وهم يحاضرون في المآتم والحسينيات والناس تلطم وتضرب أجسادها بالسلاسل وهم لا ينكرون عليهم، فانعقد اليقين عندي أن القوم يتعمدون عدم الوضوح مع مخالفيهم، وأعجب من ذلك أنه عندما ينكشف أمرهم لا يخجلون ..
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2689
أولاً: حرمة النياحة: .. أخي المسلم إن ما يفعله الشيعة في الحسينيات والمآتم تحت مسمى الشعائر الحسينية، مثل: اللطم والنياحة ولبس السواد والتطبير وغيرها، والتي أفتى علماؤهم وعظماؤهم بجوازها فإنها محرمة على لسان الرسول ﷺ ، وعلى ألسنة أئمة أهل البيت الكرام في المصادر الشيعية القديمة والحديثة، واعترف بهذا التحريم شيوخ وأعلام المذهب الشيعي الاثني عشرية، فهذا شيخهم محمد بن الحسين بن بابويه القمي الملقب عند الشيعة بالصدوق. قال: "من ألفاظ رسول الله ﵌ التي لم يسبق إليها: ((النياحة من عمل الجاهلية)) (١) ورواه محمد باقر المجلسي بلفظ: ((النياحة عمل الجاهلية)) (٢).
... فالنوح الذي استمرت عليه الشيعة جيلاً بعد جيل من عمل الجاهلية كما أخبر به النبي ﷺ .
... كما أن النوح من الأصوات الملعونة التي يبغضها الله ورسوله (صلى اللهعليه وسلم)، كما يرويه علماؤهم المجلسي والنوري والبروجردي عن رسول الله ﵌ أنه قال: ((صوتان ملعونان يبغضهما الله إعوال عند مصيبة وصوت عند نغمة يعني النوح والغناء)) (٣).
...
стр. 2690
فليحذر الشيعي المغرر به من حضور هذه المآتم فإن ما فيه من نوح وعويل هو من الأصوات الملعونة التي يبغضها الله ورسوله ﷺ .. ومن هذه الروايات التي تنهى عما يقترفه الشيعة في الحسينيات، ما جاء في كتاب أمير المؤمنين علي ﵁ إلى رفاعة بن شداد: "وإياك والنوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان" (١) .... ومنها قوله ﵌ من حديث: ((وإني نهيتكم عن النوح وعن العويل)) (٢).ومنها ما رواه جابر عن النبي ﷺ قال: ((وإني نهيت عن النوح وعن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان)) (٣) .... وعن علي ﵇:) ثلاث من أعمال الجاهلية لا يزال فيها الناس حتى تقوم الساعة: الاستسقاء بالنجوم والطعن في الأنساب والنياحة على الموتى ((٤) .... ومنها ما رواه الكليني وغيره عن الصادق ﵇ أنه قال:) لا يصلح الصياح على الميت ولا ينبغي ولكن الناس لا يعرفون ((٥) .... وما رواه الكليني أيضا عن الصادق ﵇ أنه قال: " لا ينبغي الصياح على الميت ولا بشق الثياب" (٦) .. وقد سئل الإمام موسى بن جعفر عن النوح على الميت فكرهه (٧) .... وروى محمد باقر المجلسي عن علي ﵁ قال: ((لما مات إبراهيم بن رسول الله ﵌ أمرني فغسلته، كفنه رسول الله ﷺ وحنطه، وقال لي: احمله يا علي، فحملته حتى جئت به إلى البقيع، فصلى عليه فلما رآه منصبا بكى ﵌ فبكى المسلمون لبكائه حتى ارتفعت أصوات الرجال على أصوات النساء، فنهاهم رسول الله ﵌ أشد النهي وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك لمصابون وإنا عليك لمحزونون)) (٨).
...
стр. 2691
فلاحظ أخي المسلم كيف أن المصطفى ﵌ أنكر عليهم أشد الإنكار ارتفاع أصواتهم بالبكاء .... كما أنه ﵌ نهى عن الرنة عند المصيبة ونهى عن النياحة والاستماع إليها" (١) .... وروى الكليني عن فضل بن ميسرة قال: كنا عند أبي عبد الله ﵇ فجاءه رجل فشكى إليه مصيبة أصيب بها. فقال له أبو عبد الله ﵇: أما إنك إن تصبر تؤجر، وإلا تصبر يمضي عليك قدر الله الذي قدّر عليك وأنت مأزور" (٢) .... وعن الصادق جعفر بن محمد قال: إنّ الصبر والبلاء يستبقان إلى المؤمن، ويأتيه البلاء وهو صبور، وإنّ البلاء والجزع يستبقان إلى الكافر، فيأتيه البلاء وهو جزوع" (٣) .. قال محمد بن مكي العاملي الملقب بالشهيد الأول: " والشيخ في المبسوط وابن حمزة حرما النوح وادعى الشيخ الإجماع" (٤).
... فالشيخ وهو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة قد حرم النوح، وادعى الإجماع، أي أنه وإلى عصر الطوسي، كان الشيعة مجمعين على تحريم النوح والعويل الذي نسمعه الآن في الحسينيات. فقارن بالله عليك بين هذا وبين فتاوى علمائهم التي مضى إيرادها .... وقال آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي: "لكن عن الشيخ في المبسوط ابن حمزة بالتحريم مطلقاً" (٥).وقال الشيرازي: "ففي الجواهر دعوى القطع بحرمة اللطم والعويل" (٦).وقال نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن الملقب بالمحقق الحلي المتوفى سنة (٦٧٦) هـ: "والشيخ استدل بالإجماع على كراهيته-الجلوس للتعزية- إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة والأئمة الجلوس لذلك فاتخاذه مخالفة لسنة السلف" (٧).وقال محمد بن مكي العاملي: "والشيخ نقل الإجماع على كراهية الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة أيام، ورده ابن إدريس أنه اجتماع وتزاور، وانتصر المحقق: ولم ينقل من أحد من الصحابة والأئمة الجلوس لذلك, فاتخاذه مخالف لسنة السلف ولا يبلغ التحريم، قلت: الأخبار المذكورة مشعرة به فلا معنى لاغترام حجة التزاور وشهادة الإثبات مقدمة " (٨).وقال يوسف البحراني معلقاً على روايات تحريم النياحة بما نصه: "وأكثر الأصحاب الإعراض عن هذه الأخبار وتأويلها بل تأويل كلام الشيخ أيضاً بالحمل على النوح المشتمل على شيء من المناهي كما هو ظاهر سياق الحديث الأول. قال في الذكرى بعد نقل القول بالتحريم عن الشيخ وابن حمزة: والظاهر أنهما أرادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرم كما قيده في النهاية، ثم نقل جملة من أخبار النهي، وقال: وجوابه الحمل على ما ذكرناه جمعاً بين الأخبار، ولأنّ نياحة الجاهلية كانت كذلك غالباً، ولأنّ أخبارنا خاصة والخاص مقدّم. أقول: من المحتمل قريباً حمل الأخبار الأخيرة على التقية، فإنّ القول بالتحريم قد نقله في المعتبر عن كثير من أصحاب الحديث من الجمهور" (٩)
وتقييد الشيخ له في النهاية إن صح ما نقله البحراني عنه مردود بإقرار الشيخ نفسه بإجماع طائفته على تحريمه.
فماذا تنتظر بعد هذا أيها الشيعي المنصف؟!!
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2692
ثانياً: حرمة اللطم: ... من الأدلة التي تدين الشيعة على هذه البدعة الشنيعة قول الإمام الباقر: "أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر من النواصي، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر، وأخذ في غير طريقه" (١) ... ومنها قول الصادق رحمه الله تعالى: "من ضرب يده على فخذه عند المصيبة حبط أجره" (٢)
.
стр. 2693
أقول: فما بالك بمن يلطم وجهه وصدره، ألا يحبط ذلك الأجر من باب أولى لمخالفته لنهي النبي ﵌؟! ... ومنها قوله ﵌: ((ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب)) (١) .... وقد ذكر الدكتور محمد التيجاني السماوي الشيعي أنه سأل الإمام محمد باقر الصدر عن هذا الحديث فأجابه بقوله: "الحديث صحيح لا شك فيه" (٢) .... ومنها ما جاء عن يحيى بن خالد: ((أن رجلا أتى النبي ﵌ فقال: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ قال: تصفيق الرجل يمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الأولى، من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) , وقال النبي ﵌: ((أنا بريء ممن حلق وصلق أي حلق الشعر ورفع صوته)) (٣) .... ومنها ما رواه جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي ﵌ في حديث المناهي أنه نهى عن الرنة عند المصيبة ونهى عن النياحة والاستماع إليها ونهى عن تصفيق الوجه" (٤) .... وقال محمد بن مكي العاملي: "يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعاً قاله في المبسوط ولما فيه من السخط لقضاء الله" (٥) .... وقال الشيرازي: "وعن المنتهى يحرم ضرب الخدود ونتف الشعور" (٦). ويشير الدكتور الشيعي محمد التيجاني السماوي إلى بكاء النبي ﵌ على عمه أبي طالب وحمزة وزوجته خديجة فيقول: "ولكنه في كل الحالات يبكي بكاء الرحمة ولكنه نهى أن يخرج الحزن بصاحبه إلى لطم الخدود وشق الجيوب فما بالك بضرب الأجسام بالحديد حتى تسيل الدماء؟ " (٧) .... ثم يذكر التيجاني أنّ أمير المؤمنين علياً لم يفعل بعد وفاة النبي ﵌ ما يفعله عوام الشيعة (٨) اليوم وكذلك لم يفعل الحسن والحسين والسجاد الذي قال فيه التيجاني: " إنه حضر محضراً لم يحضره أحد من الناس وشاهد بعينيه مأساة كربلاء التي قتل فيها أبوه وأعمامه وإخوته كلهم، ورأى من المصائب ما تزول به الجبال ولم يسجل التاريخ أنّ أحد الأئمة ﵈ فعل شيئاً من ذلك، أو أمر به أتباعه وشيعته (٩) ....
стр. 2694
وقال أيضاً: "أغلب أهل السنة والجماعة ينتقدون أفعال الشيعة التي يقومون بها بمناسبة عاشوراء من ضرب وتطبير بالسلاسل والحديد حتى تسيل الدماء ورغم أنّ الشيعة في الهند والباكستان يفعلون ذلك وأكثر من غير ذلك، غير أنّ وسائل الإعلام المرئية كالتلفزيون لا تركز إلا على شيعة إيران لحاجة في نفس يعقوب, يعرفها كل متتبع للأحداث، وكل مهتم بشؤون الإسلام والمسلمين" (١).ويضيف التيجاني السماوي المتعصب قائلا: والحق يُقال: إنّ ما يفعله بعض الشيعة من تلك الأعمال ليست هي من الدين في شيء، ولو اجتهد المجتهدون، وأفتى بذلك المفتون، ليجعلوا فيها أجراً كبيراً وثواباً عظيماً، وإنما هي عادات وتقاليد وعواطف تطغى على أصحابها، فتخرج بها عن المألوف وتصبح بعد ذلك من الفولكلور الشعبي الذي يتوارثه الأبناء عن الآباء في تقليد أعمى وبدون شعور، بل يشعر بعض العوام بأنّ إسالة الدم بالضرب هي قربة لله تعالى، ويعتقد البعض منهم بأن الذي لا يفعل ذلك لا يحب الحسين" (٢) .... وقال أيضاً: "لم أقتنع بتلك المناظر التي تشمئز منها النفوس وينفر منها العقل السليم، وذلك عندما يعرّى الرجل جسمه ويأخذ بيده حديداً ويضرب نفسه في حركات جنونية صائحاً بأعلى صوته حسين حسين، والغريب في الأمر والذي يبعث على الشك أنك ترى هؤلاء الذين خرجوا عن أطوارهم وظننت أنّ الحزن أخذ منهم كل مأخذ فإذا بهم بعد لحظات وجيزة من انتهاء العزاء تراهم يضحكون ويأكلون الحلوى ويشربون ويتفكهون وينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الموكب، والأغرب أنّ معظم هؤلاء غير ملتزمين بالدين، ولذلك سمحت لنفسي بانتقادهم مباشرة عدة مرات وقلت لهم: إنّ ما يفعلونه هو فلكلور شعبي وتقليد أعمى" (٣) ... هذا ما أقر به هذا المتعصب المحترق الذي تخصص في الطعن في معتقدات أهل السنة والجماعة وقريب منه قول شيخهم حسن مغنية: "والواقع أنّ ضرب الرؤوس بالخناجر والسيوف وإسالة الدماء ليست من الإسلام في شيء، ولم يرد فيها نص صريح ولكنها عاطفة نبيلة تجيش في نفوس المؤمنين لما أريق من الدماء الزكية على مذابح فاجعة كربلاء" (٤). ... ولا ندري كيف نوفق بين قول حسن مغنية: إنّ ضرب الرؤوس بالخناجر والسيوف .. ليست من الإسلام في شيء ولم يرد فيها نص صريح" وبين قوله: "ولكنها عواطف نبيلة " ألا يدرك حسن مغنية أنّ هذه الأمور من المنكرات والبدع الشنيعة؟
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2695
ثالثاً: لبس السواد في عاشوراء: ويقوم الشيعة بلبس السواد في عاشوراء مع ما رووه من أنه لباس أهل النار، فقد سئل الإمام عن الصلاة في القلنسوة السوداء؟ فقال: لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار" (١) .... ورووا عن أمير المؤمنين علي فيما علم أصحابه أنه قال:) لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون ((٢) .... ورووا عن النبي ﷺ أنه كان يكره السواد إلا في ثلاثة العمامة والخف والكساء (٣).وعن جبرئيل ﵇ أنه هبط على رسول الله ﷺ في قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال ﵌: ((ما هذا الزي؟ فقال: زي ولد عمك العباس يا محمد، ويل لولدك من ولد عمك العباس. فخرج النبي ﷺ إلى العباس فقال: يا عم ويل لولدي من ولدك. فقال: يا رسول الله أفأجب نفسي؟ قال: جرى القلم بما فيه)) (٤) .... قال شيخهم الحاج محمد رضا الحسيني الحائري: "المشهور بين أصحابنا الإمامية شهرة عظيمة، بل المدعى عليه الإجماع كما في الخلاف، كراهة لبس الثياب السود في الصلاة، بل مطلقا، إلاَّ في الخف والعمامة والكساء، وفي المعتبر الاقتصار على استثناء العمامة والخف ونسب ذلك إلى الأصحاب، وفي المنتهى نسبته إلى علمائنا، وعليه اقتصر في الشرائع والقواعد والإرشاد وفي الدروس، وعن اقتصار المفيد وسلار وابن حمزة الاقتصار على العمامة فقط، وعن الذكرى عدم الاستثناء في كلام كثير من الأصحاب، وفي كشف اللثام أن الكساء لم يستثنه أحد من الأصحاب إلا ابن سعيد" (٥).ويختتم الحائري كلامه بقوله: "هذه هي الروايات التي استدل بها الأصحاب لكراهة لبس الثياب السود والصلاة فيها مضافا إلى ما عرفت من دعوى الشهرة الإجماع في المسألة" (٦).
قلت: إذا كانت هذه الروايات رواياتهم، والإجماع إجماعهم، فلماذا يقوم شيعة اليوم بلبس السواد في الأيام العشر الأولى من محرم؟.
لماذا لا يحترم الشيعة رواياتهم وإجماع علمائهم؟
رابعاً: كلمة إلى خطيب أباح النياحة واللطم: قال فقيه الشيعة الأكبر محمد بن مكي العاملي والذي يلقبونه بالشهيد الأول: "والشيخ في المبسوط وابن حمزة حرما النوح وادعى الشيخ الإجماع" (٧).وقال آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي: "لكن الشيخ في المبسوط وابن حمزة القول بالتحريم مطلقا" (٨).وقال الشيرازي: "ففي الجواهر دعوى القطع بحرمة اللطم والعويل (٩).وقال الشهيد الأول: "يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعاً قاله في المبسوط ولما فيه من السخط لقضاء الله" (١٠).وقال الشيرازي: "وعن المنتهى يحرم ضرب الخدود ونتف الشعور" (١١).وقال هاشم الهاشمي في حواره مع فضل الله: "نعم ذهب ابن حمزة والشيخ إلى حرمة النياحة وادعى الشيخ الإجماع عليها في مبسوطه" (١٢).
وقال أيضاً: "نعم ورد النهي عن النياحة في جملة من الأخبار ".
فهذه نصوص علمائكم تحرم النوح والعويل واللطم بالإجماع اعتماداً على نصوص شرعية سقنا بعضها فلماذا تقام الحسينيات والمآتم وتضرب بهذا الإجماع عرض الجدار؟!.
... ثم اسمع أيها الخطيب كيف يتربى أهل البيت ﵃ ويربون أصحابهم على الصبر والاسترجاع لا على النوح والعويل كما تفعل أنت في المآتم والحسينيات. عن موسى بن جعفر ﵀ قال: نعي إلى الصادق جعفر بن محمد إسماعيل بن جعفر وهو أكبر أولاده وهو يريد أن يأكل، وقد اجتمع ندماؤه فتبسم ثم دعا بطعامه، وقعد مع ندمائه وجعل يأكل أحسن من أكله سائر الأيام، ويحث ندماءه، ويضع بين أيديهم، ويعجبون منه أن لا يرون للحزن أثراً، فلما فرغ قالوا: يا ابن رسول الله لقد رأينا عجبا، أصبت بمثل هذا الابن وأنت كما ترى. قال: وما لي لا أكون كما ترون، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين أني ميت وإياكم، إن قوماً عرفوا الموت فجعلوه نصب أعينهم ولم ينكروا من يخطفه الموت منهم وسلموا لأمر خالقهم " (١٣).
أرأيت بعد هذا براءة أهل البيت ﵃ مما يدور في هذه المأتم.
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2696
المطلب السادس: النساء والحسينيات:
إن التحذيرات الواردة في الروايات السابقة تشمل الرجال والنساء على حد سواء، ولمزيد من الفائدة نذكر الروايات التي تطرقت إلى النساء بشكل خاص لكي تعيها وتتدبرها النساء الشيعيات اللاتي يذهبن إلى المآتم والحسينيات حتى لا يقعن في المحظور.
قال الحسين ﵁ لأخته زينب عندما لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشياً عليها:
) يا أُخَيَّة اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق الخلق بقدرته فيعودون، وهو فرد وحده، أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه ثم قال لها:"يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي، إذا أنا قتلت فلا تشقي عليَّ جيبا، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور ((١).وفي رواية قال: "يا أختاه يا أم كلثوم يا فاطمة يا رباب انظرن إذا قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن وجها" (٢) .... وفي رواية:) يا أختي إني أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي عليَّ جيبا ولا تخمشي عليَّ وجها ولا تدعي عليَّ بالويل إذا أنا هلكت ((٣).
...
стр. 2697
وروى الصدوق وغيره عن عمر بن أبي المقدام قال: سمعت أبا الحسن وأبا جعفر ﵉ يقولان في قول الله : وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:١٢] قال: ((إن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵍: إذا أنا مت فلا تخمشي عليَّ وجهاً ولا ترخي عليَّ شعراً ولا تنادي بالويل ولا تقيمي عليَّ نائحة. قال: ثم قال: هذا هو المعروف الذي قال الله : وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:١٢] (١).وعن أبي عبد الله ﵇ في قول الله : وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:١٢] قال: "المعروف أن لا يشققن جيباً ولا يلطمن وجهاً ولا يدعون ويلاً ولا يقمن عند قبر" (٢).وعن أبي سعيد أن رسول الله ﵌ لعن النائحة المستمعة" (٣).
قلت: فما الفائدة إذن من الذهاب إلى الحسينيات بعد الوقوف على هذه الأحاديث الصريحة؟ الحذر الحذر. وروى القطب الراوندي في (لب اللباب) (٤) أن رسول الله ﵌ لعن أربعة: امرأة تخون زوجها في ماله أو في نفسها، والنائحة والعاصية، لزوجها والعاق" .... وعندما سمع أمير المؤمنين علي ﵁ بكاء النساء على قتلى صفين وخرج إليه حرب بن شرحبيل الشامي وكان من وجوه قومه فقال علي ﵇: (أتغلبكن نساؤكم على ما أسمع؟! ألا تنهونهن عن هذا الرنين) (٥).وعن أبي عبد الله ﵇ قال: من أنعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، ومن أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها. وفي رواية فقد أحبطها" (٦).وعن جعفر بن محمد عن آبائه ﵃ في وصية النبي ﵌ لعلي: ((يا علي من أطاع امرأته أكبه الله على وجهه في النار قال علي ﵁: وما تلك الطاعة؟ قال: يأذن لها في الذهاب إلى الحمامات والعرسات والنياحات ولبس الثياب الرقاق)) (٧).وروى الصدوق وغيره عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ((أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) (٨) .... وعن أبي جعفر الثاني عن آبائه ﵃ قال: قال رسول لله ﵌: ((لما أسري بي إلى السماء رأيت امرأة على صورة كلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار فسئل ﵌ عنها فقال: إنها كانت قينة نواحة حاسدة)) (٩).وعن جعفر بن محمد ﵄ أنه أوصى عندما احتضر فقال: لا يلطمن عليَّ خد، ولا يشقن عليَّ جيب، فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت" (١٠).وعن علي ﵁ قال: (أخذ رسول الله ﵌ البيعة على النساء أن لا ينحن ولا يخمشن ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء) (١١).
المصدر: من قتل الحسين ﵁؟ لعبد الله بن عبد العزيز
стр. 2698
المطلب الأول: حكم الأذان والإقامة عند العلماء:
لا خلاف بين المسلمين في مشروعية الأذان وأنه لا ينبغي لأي أحد أن يتركه إلا أن أنظار العلماء تفاوتت في كونه سنة أو واجباً وإليك بعض أقوالهم:
١ - شيخ الطائفة الطوسي في كتابه (النهاية):
إذ قال: "الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان في جميع الفرائض من الصلوات الخمس، لا ينبغي تركها مع الاختيار، وأشدهما تأكيداً في صلاة الغداة والمغرب ... "
ويقول أيضاً: "ولا يجوز ترك الأذان والإقامة معاً في صلاة الجماعة فمن تركهما فلا جماعة له، ومن أذّن وأقام ليصلي وحده ثم جاءه قوم وأرادوا أن يصلوا جماعة فعليه إعادة الأذان والإقامة معاً ... " (النهاية في مجرد الفقه والفتاوى / الطوسي ص ٦٤)
٢ - كاظم الطبطبائي اليزدي في العروة الوثقى:
قال: "لا إشكال تأكد رجحانهما في الفرائض اليومية، أداء، وقضاء، جماعة وفرادى، حضراً وسفراً، للرجال والنساء، وذهب بعض العلماء إلى وجوبهما، وخصه بعضهم بصلاة المغرب والصبح وبعضهم بصلاة الجماعة وجعلهما شرطاً في صحتها، وبعضهم جعلهما شرطاً في حصول ثواب الجماعة، والأقوى استحباب الأذان مطلقاً, والأحوط عدم ترك الإقامة للرجال في غير موارد السقوط وغير حال الاستعجال والسفر وضيق الوقت" (العروة الوثقى/ كاظم اليزدي - بتعليقة أربعة من العلماء ١/ ٤٥٧)
٣ - السيد عبد الأعلى السبزواري في كتابه (منهاج الصالحين):
قال: "يستحب الأذان والإقامة استحبابا مؤكداً في الفرائض اليومية أداءً، وقضاءً، حضراً، وسفراً، في الصحة والمرض، للجامع والمنفرد رجلاً كان أم امرأة، ويتأكدان في الأدائية منها، وخصوصاً المغرب والغداة، وأشدهما تأكد الإقامة خصوصاً للرجال " (منهاج الصالحين / عبد الأعلى السبزواري ١/ ١٣٥)
المصدر: الشهادة الثالثة في الأذان حقيقة أم افتراء لعلاء الدين البصير
стр. 2699
المطلب الثاني: خلو الأذان من الشهادة الثالثة عند الأئمة والعلماء:
أن الأمر الخطير والمهم في بحثنا هذا هو أنك سوف تتطلع على أمور ربما كنت تعد صحتها وثبوتها من المسلمات التي لا يختلف فيها اثنان لكنك وبمجرد تصفحك لهذا البحث ستجد أن كثيرا من تلك المسلمات قد بنيت على شفا جرف هار وقاعدة رخوة سرعان ما يسقط ما بني عليها، ومن تلك المسلمات الشهادة الثالثة في الأذان (أشهد أن عليا ولي الله) هذه اللفظة التي ألف سماعها الكبير ونشأ عليها الصغير.
فتعال معي عزيزي القارئ بعد أن تترك الهوى خلفك لنقوم بجولة استقرائية لمرويات أهل البيت وأقوال علماء الشيعة الواردة بصدد بيان ألفاظ الأذان لأقف بك عند حقيقة طالما غيبت عنك ألا وهي: " أن لا وجود للشهادة الثالثة في الأذان الوارد عن الرسول ﷺ وأهل بيته ﵇ " وإليك بعض تلك الروايات.
أولاً: روايات الأئمة لا تذكر الشهادة الثالثة:
الرواية الأولى:
الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الأذان فقال: تقول الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن محمداً رسول الله ﵌، وأشهد أن محمداً رسول الله ﵌، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. (الاستبصار١/ ٣٠٥) , (التهذيب ١/ ١٥٠).
الرواية الثانية:
محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن السندي، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة والفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- ﵇ قال: لما أسري برسول الله ﵌ وصف الملائكة والنبيون خلف رسول الله ﵌ قال: فقلنا له كيف أذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله ﵌، أشهد أن محمداً رسول الله ﵌، حي علي الصلاة، حي الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، والإقامة مثلها إلا أن فيها قد قامت الصلاة بين حي على خير العمل، حي على خير العمل وبين الله أكبر، الله أكبر فأمر بها رسول الله ﵌ بلالاً فلم يزل يؤذن بها حتى قبض رسول الله ﵌ (الاستبصار ١/ ٣٠٥) (التهذيب ١/ ١٥١) (وسائل الشيعة ٤/ ٦٤٤).
الرواية الثالثة:
عن أحمد بن محمد، عن الحسين عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله ﵇ وكليب الأسدي عن أبي عبد الله ﵇ أنه حكى لهما (الأذان والإقامة) فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله ﵌، أشهد أن محمداً رسول الله ﵌، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والإقامة كذلك (الاستبصار ١/ ٣٥٨) (وسائل الشيعة ٤/ ٦٤٤) ...
وسنعزز صحة هذه الحقيقة الخطيرة بأقوال علماء الشيعة التي اتفقت مع روايات الأئمة على خلو الأذان من الشهادة الثالثة.
ثانياً: إجماع فقهاء الإمامية على أن الشهادة الثالثة ليست جزءاً من الأذان والإقامة:
стр. 2700
قبل أن نورد أقوال العلماء في عدم ورود الشهادة الثالثة في الأذان أحب هنا أن أذكر كلمة لفضيلة السيد محمد العاملي الكاظمي عضو ديوان النشر والترجمة والتأليف التابع لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير, والتي ذكرها في كتاب (الاعتصام بحبل الله) مضافاً إليها كلمة مدير ديوان جامعة مدينة العلم الواردة في الكتاب نفسه أجعلها كالمقدمة لهذا المبحث لا سيما وأنها تحتوي على ضوابط تحدد لنا مفهومي السنة والبدعة وأثر البدعة السيىء في الدين، فلك عزيزي القارئ مجمل ما كتبا:
إن كل شيء لم يسنه الرسول ﷺ من العبادات فإحداثه بعده بدعة، ففي حديث عن أمير المؤمنين علي ﵇:
أنه جاءه رجل وسأله عن السنة والبدعة والجماعة والفرقة فقال:
"السنة ما سنَّه رسول الله والبدعة ما أحدث بعده، والجماعة أهل الحق وإن كانوا قليلاً والفرقة أهل الباطل وإن كانوا كثيراً".
وعليه فالبدعة ما كان على خلاف سنة الرسول بأي نحو من أنحاء المخالفة وكلها محرمة.
وفي حديث عن النبي ﷺ قال:
((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار)). (الفصول المهمة في أصول الأئمة / الحر العاملي ص ٢٠٣).
وتتبع كل ما حُكم بكونه بدعة سنجده على خلاف السنة كتقديم خطبتي العيد على صلاتها .. .
إن أي تغيير في العبادة بما جاء به الرسول الأعظم ﷺ يعد بدعة وحراماً.
ففي الأذان مثلا إذا قدمت الشهادة في التوحيد على التكبير أو زيد التكبير أو نقص منه كان بدعة ولا يستلزم عدم التغيير إنكار ما غير فتقديم (أشهد أن لا إله إلا الله) على قول: (الله أكبر) حرام وإن قول: (أشهد أن لا إله إلا الله) ثلاث مرات مع أنه حرام لا يلزم منه إنكار التوحيد.
ومن ذلك حرمة قول: (أشهد أن علياً ولي الله) في الأذان فهو حرام لعدم وروده عن الرسول ﷺ ولا أحد من أهل بيته ﵇.
وهو كما لو أضاف المؤذن أثناء الأذان سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله مع شرعيتها خارج الأذان.
ولا يلزم من ذلك إنكار ولاية علي ﵇ لأن ما لا يذكر في الأذان من وجوب الصلاة، والصوم، والإقرار بالميعاد، وغير ذلك لا يستلزم إنكار الصلاة والصوم والميعاد، بل الأذان محدود بحدود حددها الرسول ﷺ كما جاء به الوحي من رب العالمين، ولا يجوز تعدي تلك الحدود حتى ولو كانت بكلمة حق، لأن الفرائض والسنن جاءت محدودة عن الله تعالى وقام رسوله الكريم ﷺ بتنفيذها وتطبيقها وأمر أمته أن يعملوا بها ويسيروا على هداها، ويسمعوا ويطيعوا.
فليس لأحد من علماء الدين وبقية المسلمين أن يزيدوا أو ينقصوا شيئاً من هذه الفرائض والأحكام، لأنهم جميعهم مكلفون بالتنفيذ والتطبيق وأن التشريع من الله تعالى، وعلى الرسول التبليغ فالأحكام التي بلغ النبي ﷺ بها أمته هي أحكام إلهية جاءت نصوصها في القرآن الكريم والسنة النبوية ولا يمكن تفسيرها أو تأويلها حسب الأهواء والرغبات.
ولا يجوز تحويرها وتحريفها في سبيل العنعنات والنزعات.
وليست هي قصائد شعرية ليجري عليها التشطير والتخميس.
وليست أحكام الإسلام وعلومه وفرائضه كالمستحضرات الطبية يضيف الطبيب اللاحق على ما استحضره الطبيب السابق.
أو يرفع قسماً منها لغرض التقوية أو التخفيف من مفعولها.
أو إصلاح تلك المستحضرات حسبما يرتئيه هو.
ولا كالمخترعات الصناعية فيأتي المهندس اللاحق فيضيف إلى ما اخترعه المهندس السابق ويزيد وينقص حتى يوصل المخترع إلى درجة الكمال.