← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:٢١] ورسوله صلوات الله وسلامه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أنه قال: ((إن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبرهم فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (١) وقال: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) (٢).وقال ﵊: ((حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟. قال: أفرأيتم لو وضعه في حرام، هل عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) (٤). وما أحسن ما قال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: (ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله، لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا، وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عنده شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه، وينهي عن التبتل، فمن رغب عن عمل النبي ﵊ فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له. والنبي ﵊ قال: ((حبب إلي النساء)) (٥). فهذه هي تعاليم شريعة الإسلام المستقاة من أصلين أساسيين لشرع الله الكتاب والسنة. وتلك هي أقوال الصوفية، التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب، والمنهل الصافي، بل أخذوها من الكهنة والبوذية كما مر ذلك، ونساك الجينية، ورهبان المسيحية. وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف لا يحتاج إلى كثير من البيان، ولكن لإقامة البرهان ننقل بعض آيات من الإنجيل، فقال المسيح: (ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يقبل فليقبل) (٦). ويقول رسول المسيحيين في رسالته إلى أهل كورنتوس: (وأما من جهة الأمور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة) (٧). وكذلك يقول: (أقول لغير المتزوجين والأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا (٨).

стр. 3012

ويقول: (فأريد أن تكونوا بلا هم. يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقا. غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدمة جدا وروحا. وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضى رجلها. هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقى عليكم وهقا، بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك. ولكن إن كان يظن أنه يعمل بدون لياقه نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت، وهكذا لزم أن يصبر فليفعل ما يريد. إنه لا يخطئ فيتزوجا. وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له سلطان على إرادته، وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراء فحسنا يفعل. إذن من زوج فحسنا يفعل. ومن لا يزوج يفعل أحسن (١). هذا ومثل هذا كثير. هذه هي تعاليم المسيحية، المنقولة منهم تجاه الزواج، ومن هذه التعاليم تأثر وليّ من أولياء المسيحية اوريغن ( O IGEN) الذي يعدونه أحد القديسين، العائش ما بين ١٨٥ و ٢٥٤، وجبَّ ذكره (٢). والجدير بالذكر أن أحد المتصوفة أتى بمثل هذا العمل، وفعل فعلته فيه كما ذكر الشعراني أن عبد الرحمن المجذوب: (كان ﵁ من الأولياء الأكابر، وكان سيدي على الخواص ﵁ يقول: ما رأيت قط أحدا من أرباب الأحوال دخل مصر إلا ونقص حاله إلا الشيخ عبد الرحمن المجذوب، وكان مقطوع الذكر قطعه بنفسه أوائل جذبه (٣). وصوفي هندي آخر أيضا فعل ذلك (٤).وكتب هينس ( HANS) ( أن المسيحيين القدامى كانوا يعدون ترك الزواج من الأمور الواجبة والمحببة إلى الله، والمقربة إلى ملكوته (٥).

стр. 3013

المبحث الثاني: المسيحية وترك الدنيا: ومن خصائص المسيحية وتعاليمها ترك الدنيا، والتجرد عن المال، والتجوع، وتعري الأجساد والأعراض عن زينة الحياة، المباحة، وتحريم الطيبات باسم الانقطاع إلى الآخرة، ورهبانية ابتدعوها، وتعذيب النفس. فلقد ورد في الأناجيل عن المسيح أنه قال: (لا تكنزوا كنوزا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا (١). ونقل عنه أيضا أنه قال: (لا يقدر أحد أن يخدم سيدين. لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال. لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسامكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس. أنظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة، ولماذا تهتمون باللباس، تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها، فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم قليلي الإيمان، فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل، أو ماذا نلبس، فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها، لكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزداد لكم. فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره (٢). وورد في هذا الإنجيل أيضا (أن شابا تقدم إلى المسيح وقال له: أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل به لتكون لي الحياة الأبدية؟. فأجابه المسيح ببعض الأجوبة ثم قال له: إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا، لأنه كان ذا أموال كثيرة. فقال يسوع لتلاميذه: الحق أقول لكم، إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات، وأقول لكم أيضا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله (٣). وقال أيضا: (وكل من ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولاداً أو حقولا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبدية (٤). ونقل عنه أيضا أنه قال: (لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم، ولا مزودا للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصا) (٥). وليس هذا فحسب، بل نقل عنه لوقا في إنجيله أنه جاءه جموع كثيرة سائرين معه، فالتفت إليهم وقال: (إن كان أحد يأتي إلى ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وإخوانه حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا) (٦). وقال أيضا: (فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذا) (٧).

стр. 3014

وبمثل ذلك نقل متى في إنجيله: (لما رأى يسوع جموعا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر، فتقدم كاتب وقال له: يا معلم، أتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. وقال له آخر من تلاميذه: يا سيد، ائذن لي أمضي أولا وأدفن أبي. فقال له يسوع: اتبعني، ودع الموتى يدفنون موتاهم) (١). هذا ومثل هذا كثير في الأناجيل وأعمال الرسل وغيرها من الكتب المسيحية، وعلى هذه التعاليم أسسوا نظام الرهبنة، أي التجرد عن علائق الدنيا ومتطلباتها وحاجاتها. وزادوا عليها تعذيب النفس، وتحمل المشاق والآلام، تعمقا في التجرد، ومغالاة في تجنب الدنيا، واحتقارا لزخارفها، كما أن هنالك أسبابا أخرى لاختيار الرهبنة، فقد ذكر علماء المسيحية الكثيرون وكتابها وباحثوها. وجمع هذه الأقاويل والمقولات ول ديورانت في موسوعته الكبرى (قصة الحضارة)، فيقول: (لما أن أصبحت الكنيسة منظمة تحكم الملايين من بني الإنسان، ولم تعد كما كانت جماعة من المتعبدين الخاشعين، أخذت تنظر إلى الإنسان وما فيه من ضعف نظرة أكثر عطفا من نظرتها السابقة، ولا ترى ضيراً من أن يستمتع الناس بملاذ الحياة الدنيا، وأن تشاركهم أحيانا في هذا الاستمتاع، غير أن أقلية من المسيحيين كانت ترى في النزول إلى هذا الدرك خيانة للمسيح، واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طرق الفقر، والعفة، والصلاة، فاعتزلت العالم اعتزالا تاماً. ولربما كان مبشرو أشوكا Ashoka ( حوالي ٢٥٠ ق م) قد جاءوا إليه بنظرية البوذية وقوانينها الأخلاقية، ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سرابيس Se apis في مصر أو جماعات الإسنيين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة. وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملاذاً من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين، فلم يكن في الدير ولا في الصومعة الصحراوية ضرائب، أو خدمة عسكرية، أو منازعات حربية، أو كدح ممل. ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس من مراسم قبل رسامته، وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة الأبدية بعد سنين قليلة من حياة السلام. ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة، ولهذا غصت بالبرهان النساك الفرادى والمتجمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس، أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن Tabenne وأنشئت الأديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل، وكان بعضها يحتوي نحو ثلاثمئة من الرهبان والراهبات. وكان أنطونيوس (٢٥١ – ٣٥٦) أشهر النساك الفرادى، وقد أخذ ينتقل من عزلته حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الأحمر. وعرف مكانه المعجبون به فحذوا حذوه في تعبده ونسكه، وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح لهم به، حتى امتلأت الصحراء قبل موته بأبنائه الروحيين. وقلما كان يغتسل، وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمساً من السنين، ورفض دعوة وجهها إليه قسطنطين ولكنه سافر إلى الإسكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد أتباع أريوس، وكان يليه في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام ٣٢٥ تسعة أديرة للرجال وديراً واحداً للنساء. وكان سبعة آلاف من أتباعه الرهبان يجتمعون أحيانا ليحتفلوا بيوم من الأيام المقدسة، وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون ويصلون، ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى الإسكندرية حيث يبيعون ما لديهم من البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية – السياسية.

стр. 3015

ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين Abbe Duchesne بقوله إن مكاريوس الإسكندري (لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إلا حاول أن يأتي بأعظم منه)، فإذا امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكله سبع سنين، وإذا عاقب بعضهم أنفسهم بالامتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو (يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظاً عشرين ليلة متتابعة) وحدث مرة في صوم كبير أن ظل واقفا طوال هذا الصوم ليلا ونهارا لا يذوق الطعام إلا مرة واحدة في الأسبوع، ولم يكن طعامه هذا أكثر من بعض أوراق الكرنب، ولم ينقطع خلال هذه المدة عن ممارسة صناعته التي اختص بها وهي صناعة السلال. ولبث ستة أشهر ينام في مستنقع، ويعرض جسمه العريان للذباب السام. ومن الرهبان من أوفوا على الغاية في أعمال العزلة، من ذلك سرابيون Se apion الذي كان يعيش في كهف في قاع هاوية لم يجرؤ على النزول إليها إلا عدد قليل من الحجاج. ولما وصل جيروم وبولا إلى صومعته هذه وجدوا فيها رجلا لا يكاد يزيد جسمه على بضعة عظام وليس عليه إلا خرقة تستر حقويه، ويغطي الشعر وجهه وكتفيه، ولا تكاد صومعته تتسع لفراشه المكون من لوح من الخشب وبعض أوراق الشجر. ومع هذا فإن هذا الرجل قد عاش من قبل بين أشراف رومة، ومن النساك من كانوا لا يرقدون قط أثناء نومهم ومنهم من كان يداوم على ذلك أربعين عاما مثل بساريون Bessa ion أو خمسين عاما مثل باخوم. ومنهم من تخصصوا في الصمت وظلوا عددا كبيرا من السنين لا تنفرج شفاههم عن كلمة واحدة. ومنهم من كانوا يحملون معهم أوزانا ثقالا أينما ذهبوا. ومنهم من كانوا يشدون أعضاءهم بأطواق أو قيود أو سلاسل، ومنهم من كانوا يفخرون بعدد السنين التي لم ينظروا فيها إلى وجه امرأة. وكان النساك المنفردون جميعهم تقريبا يعيشون على قدر قليل من الطعام. ومنهم من عمروا طويلا. ويحدثنا جيروم عن رهبان لم يطعموا شيئا غير التين وخبز الشعير، ولما مرض مكاريوس جاءه بعضهم بعنب فلم تطاوعه نفسه على التمتع بهذا الترف، وبعث به إلى ناسك آخر، وأرسله هذا إلى ثالث حتى طاف العنب جميع الصحراء (كما يؤكد لنا روفينس)، وعاد مرة أخرى كاملا إلى مكاريوس. وكان الحجاج، الذين جاءوا من جميع أنحاء العالم المسيحي لشاهدوا رهبان الشرق، يعزون إلى أولئك الرهبان معجزات لا تقل في غرابتها عن معجزات المسيح، فكانوا – كما يقولون - يشفون الأمراض ويطردون الشياطين باللمس أو بالنطق بكلمة، وكانوا يروضون الأفاعي أو الآساد بنظرة أو دعوة، ويعبرون النيل على ظهور التماسيح، وقد أصبحت مخلفات النساك أثمن ما تملكه الكنائس المسيحية، ولا تزال مدخرة فيها حتى اليوم.

стр. 3016

وكان رئيس الدير يطلب إلى الرهبان أن يطيعوه طاعة عمياء، ويمتحن الرهبان الجدد بأوامر مستحيلة التنفيذ يلقيها عليهم، وتقول إحدى القصص إن واحداً من أولئك الرؤساء أمر راهباً جديداً أن يقفز في نار مضطرمة فصدع الراهب الجديد بالأمر، فانشقت النار حتى خرج منها بسلام. وأمر راهب جديد آخر أن يغرس عصا رئيسه في الأرض ويسقيها حتى تخرج أزهراً، فلبث الراهب عدة سنين يذهب إلى نهر النيل على بعد ميلين من الدير يحمل منه الماء ليصبه على العصا، حتى ﵀ في السنة الثالثة فأزهرت. ويقول جيروم إن الرهبان كانوا يأمرون بالعمل (لئلا تضلهم الأوهام الخطرة). فمنهم من كان يحرث الأرض، ومنهم من كان يعني بالحدائق أو ينسج الحصر أو السلاسل، أو يصنع أحذية من الخشب، أو ينسخ المخطوطات. وقد حفظت لنا أقلامهم كثيرا من الكتب القديمة. على أن كثيرين من الرهبان المصريين كانوا أميين يحتقرون العلوم الدنيوية ويرون أنها غرور وباطل. ومنهم من كان يرى أن النظافة لا تتفق مع الإيمان، وقد أبت العذراء سلفيا أن تغسل أي جزء من جسدها عدا أصابعها، وكان في أحد الأديرة النسائية ١٣٠ راهبة لم تستحم واحدة منهن قط أو تغسل قدميها، ولكن الرهبان أنسوا إلى الماء حوالي آخر القرن الرابع، وسخر الأب إسكندر من هذا الانحطاط فأخذ يحن إلى تلك الأيام التي لم يكن فيها الرهبان (يغسلون وجوههم قط).

стр. 3017

وكان الشرق الأدنى ينافس مصر في عدد رهبانها وراهباتها وعجائب فعالهم. فكانت أنطاكية وبيت المقدس خليتين مليئتين بالصوامع والرهبان والراهبات، وكانت صحراء سوريا غاصة بالنساك، منهم من كان يشد نفسه بالسلاسل إلى صخرة ثابتة لا تتحرك كما يفعل فقراء الهنود، ومنهم من كان يحتقر هذا النوع المستقر من المساكن، فيقضي حياته في الطواف فوق الجبال يطعم العشب البري. ويروي لنا المؤرخون أن سمعان العمودي Simeon Stylites (٣٩٠؟ - ٤٥٩) كان لا يذوق الطعام طوال الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً. وقد أصر في عام من الأعوام أثناء هذا الصوم كله على أن يوضع في حظيرة وليس معه إلا القليل من الخبز والماء. وأخرج من بين الجدران في يوم عيد الفصح فوجد أنه لم يمس الخبز أو الماء. وبني سمعان لنفسه في عام ٤٢٢ عموداً عند قلعة سمعان في شمالي سوريا وعاش فوقه. ثم رأى أن هذا اعتدال في الحياة يجلله العار فأخذ يزيد من ارتفاع العمد التي يعيش فوقها حتى جعل مسكنه الدائم فوق عمود يبلغ ارتفاعه ستين قدماً ولم يكن محيطه في أعلاه يزيد على ثلاثة أقدام، وكان حول قمته سور يمنع القديس من السقوط على الأرض حين ينام. وعاش سمعان على هذه البقعة الصغيرة ثلاثين عاماً متوالية معرضاً للمطر والشمس والبرد. وكان أتباعه يصعدون إليه بالطعام وينقلون فضلاته على سلم يصل إلى أعلى العمود، وقد شد نفسه على هذا العمود بحبل حز في جسمه، فتعفن حوله، ونتن وكثرت فيه الديدان، فكان يلتقط الدود الذي يتساقط من جروحه ويعيده إليها ويقول: (كلي مما أعطاك الله!). وكان يلقى من منبره العالي مواعظ على الجماهير التي تحضر لمشاهدته، وكثيراً ما هدى المتبربرين، وعالج المرضى، واشترك في السياسة الكنسية، وجعل المرابين يستحون فينقصون فوائد ما يقرضون من المال إلى ستة في المائة بدل اثني عشر. وكانت تقواه سبباً في إيجاد طريقة النسك فوق الأعمدة، وهي الطريقة التي دامت اثني عشر قرناً، ولا تزال باقية حتى اليوم بصورة دنيوية خالصة) (١).ومثل ذلك ذكر هرلبت في كتابه (٢). ودي سي سيندرول (٣). وستر زي غواسكي (٤). وبروكوبيوس (٥). وونكل مين (٦). فجاء الإسلام فهذب هذه التعاليم ونقحها، وحذف منها الغلو والتطرف، ومنع الناس عن التشدد في الدين، وتعذيب النفس، وعرفهم الحنيفية السمحة البيضاء، النزيهة عن الانغماس في الدنيا والجري وراء ملذاتها وشهواتها، كما راعى جانب الطبيعة والفطرة، وأباح الطيبات من الرزق والحلال من المال، والتمتع بالجائز من الدنيا، فوضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وأمرهم بالقصد والاعتدال بين التجرد المحض والتزهد الصرف، وبين الإسراف المطلق والتقتير الفاحش، فقال جل وعلا في كتابه الذي أنزله على سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه:

стр. 3018

يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:٣١ - ٣٢] وقال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إليك وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:٧٧] وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ٌ [البقرة:٢٩] وقال: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:١٤] وقال: وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلى حِينٍ وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:٨٠ - ٨١] وقال: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل:٥ - ٧] وقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:١٠]. وجعل المال قواماً للإنسان حيث قال: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً [النساء:٥]. وقال: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:٢٧٥]. ووَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:٢١٢]. وأمر المؤمنين أن يتوجهوا إليه بطلب الدنيا وحسناتها مع الآخرة وحسناتها قائلين: وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:٢٠١]. كما أمر من اجتمع عنده مال الدنيا ورزقها أن يخرج منها حقا للسائل والمحروم وزكاة وصدقة، وأن يعمروا مساجد الله، وينفقوا على ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال تعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:١٩] وقال: كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:١٤١]. وقال: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم:٣٨]. وقال مع ذلك: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:٢٧]. كما قال: وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:١٤١].

стр. 3019

فهذا ما قد ورد في كتاب الله، وما أكثره في هذا المعنى. وأما سنة رسول الله ﷺ ، الأصل الثاني للشريعة الإسلامية فلم يرد فيها أن صاحبها ﷺ قال لمن أراده أن يتبعه: بع واتبعني، بل قال لمن كان يريد أن يتصدق بأكثر ماله – وهو سعد بن أبي وقاص – وكان مريضا في حجة الوداع فعاوده الرسول ﷺ وكان عازما على الصدقة بثلثي ماله، وفي رواية أخرى: بماله كله، فسأله الرسول ﷺ عما ترك لولده – وفي رواية أنه لم يكن له إلا بنت -، فقال: ((الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) (١). وكذلك نهي كعب بن مالك عن التصدق بجميع ماله كما ورد في الصحيحين أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث بحديث توبته، قال فقلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: ((أمسك بعض مالك فهو خير لك)) (٢).وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (٤).وفي الصحيحين أيضا عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله، خادمك أنس ادع له – فدعا له رسول الله ﵊ – وفيما دعا له أن يكثر ماله: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيهما)) (٥).وكان ﷺ يردد كثيرا: ((ما نفعني مال كمال أبي بكر)) (٦).و ((إن من أمنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر)) (٧).كما أمر أم هانئ باتخاذ الغنم حيث قال: ((اتخذي غنما، فإن فيها بركة)) (٨). وادخر رسول الله ﷺ لأهله قوت سنة كما ورد في الصحاح، واللفظ لمسلم عن عمر أنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله)) – وفي رواية – ((كان يحبس منه قوت أهله لسنة)) (٩). وبين رسول الله ﷺ أحكام الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله، ولم تكن هذه الأحكام إلا لمن يملكه، ولو لم يكن ما كان لبيانها غرض ولا فائدة. فهذه هي تعاليم الكتاب والسنة، وفي ضوء هذه نرى الصوفية والمتقدمين منهم بالأخص والمتأخرين أيضا بأيتهما يتمسكون؟ لكي يتضح الأمر عن مرجع تصوفهم ومعول أمرهم.

стр. 3020

فذكر المحاسبي المتوفى ٢٤٣هـ عن صوفي قديم آخر إبراهيم بن أدهم أنه قال: إن كنت تحب أن تكون لله وليا، وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة، ولا ترغبن فيهما (١). ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة ٢٥١ هـ أنه قال: (لا يكن معك شيء تعطي منه أحد) (٢).وذكر القشيري عن واحد آخر من الصوفية الأوائل داود الطائي المتوفى ١٦٥ هـ أنه قال: (صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفر من الناس كفرارك من السبع) (٣). وسيد الطائفة الجنيد البغدادي يقول: (أحب للمريد المبتدئ أن لا يشغل قلبه بالتكسب، وإلا تغير حاله (٤). ويقول أيضا: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات (٥). ويبين ابن عجيبة الحسني حالة أهل التصوف في كتابه (إيقاظ الهمم): (وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا، وإذا لم يصبح عنده شيء أصبح فرحا مسرورا (٦). وقال أيضا: (الفقر أساس التصوف، وبه قوامه (٧). وروى مثل ذلك عن أبي محمد رويم المتوفى ٣٠٣ هـ أنه قال: (مبنى التصوف على الفقر) (٨).نعم، الفقر الذي تعوذ منه سيد الخلائق المدعم بالوحي، والمعصوم بعصمة الله وقال: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر)) (٩). فجعلوا ذلك الفقر أساس التصوف وقوامه، وأقاموا بناءه عليه. ونقل الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن الزهد فقال: (الزهد هو تخلي الأيدي من الأملاك) (١٠).وبمثل ذلك قال رويم بن أحمد الصوفي المتوفى ٣٠٣ هـ حينما سئل عن الزهد ما هو؟. فقال: (هو ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا) (١١). وذكر الشعراني عن ابن عربي أنه قال: (من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله وكلام رسوله وأوليائه فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض خاطره من دخولها، ويفرح لزوالها) (١٢). وينقل أيضا عن إبراهيم المتبولي أنه قال: (كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا) (١٣). وذكر الصوفي عماد الدين الأموي في كتابه (حياة القلوب) أن رجلا دخل على بعض الصوفية يتكلم في الزهد وعنده قميص معلق وعليه آخر، فقال: يا شيخ، أما تستحي أن تتكلم في الزهد ولك قميصان (١٤). وزجر السري السقطي رجلا كان يملك عشرة دراهم وقال:

стр. 3021

أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم (١). وذكر الكلاباذي عن أحمد بن السمين أنه قال: كنت أمشي في طريق مكة، فإذا أنا برجل يصيح: أغثني يا رجل، الله، الله. قلت مالك، مالك؟ خذ مني هذه الدراهم، فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي، فأخذتها منه فصاح: لبيك اللهم لبيك، وكانت أربعة عشر درهما (٢). وقال سهل بن عبد الله التستري: اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال، وبها صار الأبدال أبدالا: أخماص البطون، والصمت والخلوة، والسهر (٣). وينقل الهجويري عن أبي بكر الشبلي أن واحدا من علماء الظاهر سأله على سبيل التجربة عن الزكاة قائلا: (ما الذي يجب أن يعطى من الزكاة؟. قال: حين يكون البخل موجودا ويحصل المال فيجب أن يعطى خمسة دراهم عن كل مائتي درهم، ونصف دينار عن كل عشرين دينارا، هذا في مذهبك. أما في مذهبي فيجب أن لا تملك شيئا حتى تتخلص من مشغلة الزكاة (٤). وقال الهجويري: (السكون إلى مألوفات الطبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق (٥). وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول: (أكره للفقراء دخول الحمام، وأحب لجميع أصحابي الجوع والعري والفقر والذل والمسكنة، وأفرح لهم إذا نزل بهم ذلك) (٦). ونقل أبو المظفر أن أبا بكر الوراق قال: (الزهد مركب من الحروف الثلاثة: الزاء، والهاء، والدال، فالزاي ترك الزينة، والهاء ترك الهوى، والدال ترك الدنيا) (٧).ونقل أبو طالب المكي عن سفيان أنه قال: (الصائم إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتب عليه خطيئة، وكان سهل (التستري) يقول: إن ذلك ينقص من صومه) (٨). ونقل عن حذيفة المرعشي أنه قال: (منذ أربعين سنة لم أملك إلا قميصا واحدا) (٩).وذكر الكلاباذي في تعرفة عن أبي الحسن محمد بن أحمد الفارسي أنه قال: (من أركان التصوف ترك الاكتساب وتحريم الادخار) (١٠).ونقل نجم الدين الكبري المتوفى ٦١٨ هـ: التصوف هو نبذ الدنيا كلها (١١). ويقول الهروي عبد الله الأنصاري المتوفى ٤٨١ هـ: (الزهد أصله تعذيب الظاهر بترك الدنيا) (١٢).

стр. 3022

وينقل ابن الملقن عن أستاذ الجنيد أنه قال: (علامة الفقير الصادق أن يفتقر بعد الغنى، وينحط بعد الشهرة) (١).وينقل السلمي عن سمنون المحب – وهو من أصحاب السري السقطي – أنه سئل عن الفقير الصادق فقال: (الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجأهل بالغنى، ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجأهل من الفقر) (٢).وذكروا عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل: بأي شيء نلت هذه المعرفة؟ فقال: (ببطن جائع وبدن عار) (٣). وأخيرا ذكر الكلاباذي عن الصوفية فقال: (أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان، وهجروا الأخدان، وساحوا في البلاد، وأجاعوا الأكباد، وأعروا الأجساد) (٤). مع اعترافهم بأن هذه هي المسيحية كما نص على ذلك أبو طالب المكي حيث قال: (روينا عن عيسى ﵇ أنه قال: (أجيعوا أكبادكم، وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله (٥). فالنصوص في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى، وأن يسعها كتاب فهيهات هيهات أن يسعها باب أو جزء من الباب، وكل هذه النصوص تنطق صراحة عن مصدرها الأصلي ومرجعها الحقيقي، ولا علاقة لها بتعاليم الإسلام وإرشاداته، بل أنها مخالفة تماما لتلك، ولكي يسهل على القراء والباحثين المقارنة ذكرنا ما ورد في القرآن والسنة في هذا الخصوص، كما أوردنا قبل ذلك توجيهات مسيحية وتعاليم رهبانية وعلى ذلك قال C.H. BECKE وآسين بلاثيوس، ونيكلسون بأن ترك الدنيا، ومعنى التوكل جاء في التصوف من المسيحية. ونص فون كريمر على أن الزهد الصوفي نشأ بتأثير من الزهد المسيحي (٦). وقال جولد زيهر: (إن مدح الفقر وإيثاره على الغنى كان من العناصر النصرانية (٧). وأقر بذلك الكاتب الإيراني الكبير الدكتور قاسم غني في كتابه (تاريخ التصوف في الإسلام) (٨). المصدر: التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير

стр. 3023

المبحث الثالث: الزّاويَةُ وَالملْبَسُ: وأما التزام الصوفية لبس الصوف لكونه شعارا وعلامة لهم فأيضا مأخوذ من رهبنة المسيحية لأنه كان زيهم الخاص بهم كما أقر بذلك الصوفي المشهور في طبقاته عن أبي العالية أنه كان (يكره للرجل زي الرهبان من الصوف، ويقول: زينة المسلمين التجمل بلباسهم (١) ومثل ذلك نقل ابن عبد ربه في (العقد الفريد) عن حماد بن سلمة أنه قال لفرقد السنجي حينما رآه لابسا الصوف: (دع عنك هذه النصرانية (٢). وأورد ابن الجوزي مثل هذه الرواية بسنده حيث قال: (أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، حدثنا حمد بن أحمد الحداد، حدثنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا حمد بن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا هارون بن معروف، عن ضمرة، قال: سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن سلمة البصرة، فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف، فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم – يعني النخعي – فيخرج علينا وعليه معصفرة (٣). وأورد أيضا رواية أخرى مسندة بطريق البخاري رحمة الله عليه قال: أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر، قالا: حدثنا محمد بن الحسن الباقلاوي، حدثنا القاضي أبو العلاء الواسطي، حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي، حدثنا أبو الخير أحمد بن حمد البزار، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا علي بن حجر، حدثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد، قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان، إن المسلمين إذا تزوروا تجملوا (٤). ونقل الشعراني عن سهل التستري حكاية باطلة غريبة تدل على أن الصوف كان لباس أصحاب المسيح، وهذا هو نصها: أن سهل بن عبد الله التستري كان يقول: (اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح ﵇ في ديار قوم عاد فسلمت عليه، فرد علي السلام، فرأيت عليه جبة من صوف فيها طراوة، فقال لي: إن لها علي من أيام المسيح، فتعجبت من ذلك. فقال: يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب، إنما يخلقها رائحة الذنوب، ومطاعم السحت، فقلت له: فكم لهذه الجبة عليك؟ فقال: لها سبعمائة سنة (٥). وذكر السهر وردي أيضا أنه كان الصوف لباس عيسى ﵇ فقال: (كان عيسى ﵇ يلبس الصوف، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى (٦). ومثل ذلك ذكر الكلاباذي (٧). (وعلى ذلك قال نولدكة ونيكلسون وماسينيون إن التصوف الإسلامي أخذ لبسة الصوف من الرهبان النصارى).

стр. 3024

وزاد نيكلسون أشياء في مقالاته العديدة التي نشرت في دوائر المعارف، وجمعت بعضها باسم (الدراسات في التصوف الإسلامي وتاريخه) منها ما قاله تحت عنوان: الزهد في الإسلام: (كان عرب الجاهلية على حظ قليل من التفكير الديني، وكان تفكيرهم في هذه الناحية مضطرباً وغامضاً. وقد شغلهم انهماكهم في متع الحياة ومتاعبها عن التفكير في حياة أخروية، ولم يخطر ببالهم أن يعدوا أنفسهم لحياة روحية وراء حدود القبر. وقد غرست المسيحية – لا الكنيسة المسيحية، بل المسيحية غير التقليدية وغير المنظمة – بذور الزهد في بلاد العرب قبل البعثة المحمدية، وظل أثرها يعمل عمله في تطور الزهد في الإمبراطورية الإسلامية في عصورها الأولى. ونحن نعلم أن المسيحية كانت منتشرة قبل الإسلام بين قبائل شمالي الجزيرة العربية، وأن كثيراً من العرب كانوا على شيء من العلم – مهما كان قليلا وسطحيا – بعقائد الديانة المسيحية وطقوسها. بل إن الإشارات التي وردت في الشعر الجاهلي عن رهبان المسيحيين لتدل على أن عرب البادية كانوا يجلون هؤلاء الرهبان ويعظمونهم، وكانوا يهتدون بأنوارهم المنبعثة من صوامعهم في ظلام الليل وهم يسيرون في الصحراء فضرب هؤلاء الرهبان وغيرهم من الزهاد الهائمين على وجوههم، مثلا للعرب الوثنيين في الزهد، وحركوا في نفوس بعضهم، وهم المعروفون بالحنفاء، ميلاً إلى النفور من الأوثان ورفض عبادتها. فدان هؤلاء بعقيدة التوحيد، واصطنع بعضهم الزهد ومجاهدة النفس، ولبسوا الصوف وحرموا على أنفسهم بعض أنواع الطعام (١). وقال أيضا: (كانت الثياب المصنوعة من خشن الصوف علامة على الزهد قبل الإسلام، وفي هذا حاكى العرب رهبان المسيحيين. وقد شاع استعمال هذا النوع من الثياب بين زهاد المسلمين الأوائل، ومنه اشتق اسم الصوفية الذي استعمل قبل نهاية القرن الثاني الهجري. على أن اسما آخر أطلق على هؤلاء الزهاد وإن كان أقل شيوعا من اسم الصوفي وهو (مسوحي) نسبة إلى مسوح جمع مسح وهو اللباس من الشعر. وقد جرت العادة بأن يلبس الزهاد، رجالا كانوا أو نساء، جبة مدرعة من الصوف وأن تلبس المرأة أحيانا غطاء على الرأس من القماش نفسه، وهذا الغطاء هو المعروف بالخمار. وقد استنكر سفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ لبس الصوف، وعده بدعة، واستنكر كذلك غيره من المسلمين لأنهم اعتبروه رمزا للمسيحية وعلامة على الرياء (٢). وقال أيضا تحت عنوان التصوف باحثا عن كلمة الصوفي نقلا عن نولدكه: (إن المسلمين في القرنين الأولين للإسلام كانوا يلبسون الصوف، وبخاصة من سلك منهم طريق الزهد، وأنهم كانوا يقولون: لبس فلان الصوف: بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا. فلما انتقل الزهد إلى التصوف قالوا: لبس فلان الصوف بمعنى: أصبح صوفيا. وكذلك الحال في اللغة الفارسية: فإن قولهم (بشمينا بوش) معناه: يلبس لباس الصوف. وقد أخذ زهاد المسلمين الأوائل عادة لبس الصوف عن رهبان المسيحيين ونساكهم، يدل على ذلك أن حماد بن أبي سليمان قدم البصرة، فجاءه فرقد السنجي وعليه ثياب صوف فقال له حماد ضع عنك نصرانيتك هذه. وقد أطلقوا على هذه الثياب (زي الرهبان)، واستشهدوا بحديث معناه أن النبي ﷺ قال: إن عيسى كان يلبس ثياب الصوف (٣).

стр. 3025

وقال جولدزيهر: (وقد حاكى هؤلاء الزهاد المسلمون وعبادهم نساك النصارى ورهبانهم، فارتدوا الصوف الخشن (١). هذا وبمثل هذا قال الدكتور قاسم غني: (إن ارتداء الملابس الصوفية أو التصوف الذي نشأ عنه كلمة الصوفية كما تقدم كان من عادات الرهبان المسيحيين، ثم صار فيما بعد شعارا للزهد عند الصوفية. والدلق الذي ورد ذكره في أشعار الصوفية وكتبهم استعمل في معنى لباس الصوفية في كل مكان. أي الخرقة التي كانوا يرتدونها فوق جميع الملابس والظاهر أنها كانت من صوف. والدلق إما أن يكون من قطعة واحدة أو مرقعا، ويسمى بالدلق المرقع في هذه الحال، وإذا كان من ألوان مختلفة يسمى حينئذ (الدلق الملمع) والدلق عند صوفية الإسلام سواء كان لونه أزرق أو كان أسود يسمى دائما: (بالدلق الأزرق) وخرقة الرهبان التي كانت على ما يظهر بيضاء في بادئ الأمر صارت بعد ذلك سوداء وزمرة (السوكواران) أي المفجوعون، الذين يتكلم عنهم الفردوسي في الشاهنامة ليسوا إلا أساقفة المناظرة المسيحيين ممن لجأوا إلى إيران في القرن الثالث الميلادي وهم الذين كانوا يلبسون ملابس الصوف الخشنة على أجسامهم كي يكون ذلك نوعا من التقشف والأخششان، فكان إصطلاح (صوفي) و (صوفية) الذي هو بالفارسية (بشمينه بوش) أي لابس الصوف وكان يطلق على رجال المسيحيين ونسائهم (٢). ولا بأس من إيراد تعليقة ذكرت تحت هذه العبارة: (ويقول ياقوت في كتاب (معجم البلدان) في حواشي (دير العذارى): وقال أبو الفرج: ودير العذارى بسر من رأى إلى الآن موجود يسكنه الرواهب. وحدث الجاحظ في كتاب (المعلمين) قال: حدثني ابن الفرج الثعلبي: أن فتيانا من بني ملاص من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمر بهم قرب دير العذارى فجاءهم من أخبرهم أن السلطان قد علم بهم وأن الخيل قد أقبلت تريدهم، فاستخفوا في دير العذارى، فلما صاروا فيه سمعوا وقع حوافر الخيل التي تطلبهم راجعة، فأمنوا ثم قال بعضهم لبعض: ما الذي يمنعكم أن تأخذوا بالقس فتشدوا وثاقه ثم يخلو كل واحد منكم بهذه الأبكار، فإذا طلع الفجر تفرقنا في البلاد، وكنا جماعة بعدد الأبكار اللواتي كن أبكارا في حسابنا. ففعلنا ما اجتمعنا عليه، فوجدناهن جميعا ثيبات قد فرغ منهن القس قبلنا .. فقال بعضنا: ودير العذارى فضوح لهن ... وعند القسوس حديث عجيب خلونا بعشرين صوفية ... نيك الرواهب أمر غريب إذا هن يرهزن رهز الظراف ... وباب المدينة فج رحيب ويبدو من تعبير (الصوفية) في هذا الشعر أن المقصود منه الراهبات المسيحيات (٣). ولذلك خالف علماء الأمة وفقهاؤها لبسه. فلقد نقل الإمام ابن تيمية عن أبي الشيخ الأصبهاني عن إسناده أن ابن سيرين بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال: (إن قوما يتخيرون الصوف يقولون إنهم متشبهون بعيسى ابن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان النبي ﷺ يلبس القطن وغيره (٤). كما نقل ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الجواري أنه قال: قال لي سليمان بن أبي سليمان: (أي شيء أرادوا بلباس الصوف؟ قلت: التواضع. قال: ما يتكبر أحد إلا إذا لبس الصوف. ونقل عن سفيان الثوري أنه قال لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. كما روى عن الحسن بن الربيع أنه قال:

стр. 3026

سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا، أكره هذا. وروي عن بشر بن الحارث أنه سئل عن لبس الصوف. فشق عليه، وتبين الكراهة في وجهه، ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلى من لبس الصوف في الأمصار. وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين، فماذا أورثك هذا الصوف. كما روي عن النضر بن شميل أنه قال لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد (١). هذا ونقل عن غيره مثل هذا. هذا من ناحية الملابس. وأما اتخاذهم الخانقاوات والتكايا والزوايا، وانعزالهم عن الدنيا فلم تكن إلا مأخوذة من الرهبنة المسيحية أيضا كما ذكرنا فيما مر نقلا عن الجامي في نفحاته أن أول خانقاه بنيت هي التي بناها أمير مسيحي من الرملة في الشام (٢). وهي تشبه تماما أديرة الرهبان النصارى ذات الأسوار العالية البعيدة عن عالم الناس والعمران، نتيجة للهروب من عالم الترف المادي إلى عالم الترف الروحي، ومن هذه الأديرة تطورت كثير من الأفكار الإيجابية، خرج بها رهبان لفتح حقول جديدة على مبادئ من الطهارة والفقر والخضوع. (أما الطهارة فكان معناها ليس تطهير الجسد بالصوم، بل كانت تعني فوق ذلك قطع علاقات محبة الأب أو الأم أو الابن أو الأخت حتى يكون الراهب أقدر على خدمة البشر، وتصبح المحبة هنا ديانة إنسانية شاملة زأما الفقر فكان يعني التحرر المطلق من قيود الأشياء، ورفض المصالح المادية من أجل خدمة الإنسان، وكان الخضوع يعني الاستسلام الكامل لإرادة الله للقيام بالواجبات (٣). ولقد صرح الدكتور قاسم غني أن المسيحية: (استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابا وعادات كثيرة عن طريق زمرة المتقشفين وفرق الرهبان المتجولين، ولا سيما الجماعات السورية المتجولة في كل مكان ممن كانوا على الأغلب من فرق النصارى النسطوريين، في حين أن تأثير كنائس المسيحية في المسلمين كان في نطاق محدود جدا. وأن الحياة في الصوامع والخانقاوات كانت أيضا مقتبسة من المسيحية إلى حد كبير (٤).

стр. 3027

وبمثل ذلك قال نيلكسون، المستشرق الإنجليزي الكبير الذي عرف باختصاصه في الدراسات عن التصوف، حيث يذكر تحت تطور الزهد في العصور الوسطى: (لم يخرج الصوفية كثيرا على الحديث القائل: لا رهبانية في الإسلام إلا بعد مضي عدة قرون – إلى أن يقول -: وإننا لا نعلم إلا القليل عن نظام الزهد الرهباني ونشأته في العصور الإسلامية الأولى، ويقال: أن أول خانقاه أسست لمتصوفة المسلمين كانت برملة في فلسطين قبل نهاية المائة الثامنة الميلادية على ما يظهر، وأن مؤسسها كان راهبا مسيحيا ... وقد أخذ الصوفية بعض الأحاديث المدخولة على النبي، التي تشير لإباحة العزوبة لجميع المسلمين بعد المائتين من الهجرة فقد ظهر نظام الرهبنة في الإسلام حوالي هذا التاريخ تقريبا. نعم لم يعم الزهد في العالم الإسلامي، ولم تظهر فيه الربط والزوايا المنظمة إلا في عصر متأخر، لأن القارئ للكتب التي ألفت في التصوف حتى منتصف القرن الخامس الهجري، مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، وحلية الأولياء لأبي نعيم، والرسالة للقشيري، قلما يجد فيها إشارة إلى هذا الربط والزوايا، ومع ذلك نجد أن كبار الصوفية من رجال القرنين الثالث والرابع قد اجتمع حولهم المريدون ليأخذوا عنهم الطريق ويتأدبوا بآدابه. ومن الطبيعي أن هؤلاء المريدين أقاموا في بيوت دينية من نوع ما، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في الإسلام في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي عشر الميلادي. وإذا سلمنا بقول المقريزي فعلى معنى أن خانقاوات الصوفية التي كان يجتمع فيها المريدون تحت إشراف مشايخهم، لم تكثر وتنتشر في بلاد المملكة الإسلامية إلا في هذا التاريخ، وهذا يتفق مع ما ورد في كتاب (آثار البلاد) للقزويني حيث يقول إن أبا سعيد بن أبي الخير (المتوفى ١٠٤٩ م لا حوالى ٨١٥ كما يقول دي ساسي خطأ – ولا كما يقول دوزي وفون كريمر نقلا عن دي ساسي) يذكر عنه أنه مؤسس نظام الرهبنة في التصوف الإسلامي وأول واضع لقواعده وقوانينه. وبعد ذلك بمائتي سنة – أي بين ٤٥٠، ٦٥٠ – زيد في نظام الرهبنة وانتشر هذا النظام على أيدي رجال الطرق، كالعدوية والقادرية والرفاعية وغير ذلك من الطرق التي توالى ظهورها سريعا (١). هذا بالنظر إلى أنه لا يوجد في تعاليم القرآن والسنة رسم ولا أثر لهذه التكايا والزوايا والخانقاوات والربط، بل أمر المسلمين ببناء المسجد للعبادة كما أمروا بتعمير بيوتهم بقراءة القرآن فيها والعبادة. وأما بناء الأمكنة الخاصة للتعبد والذكر والأوراد فليس إلا تقليلا لشأن المساجد، وصرف الناس عنها، وإعطاء التكايا والزوايا والربط مكانتها وشأنها، وفي هذا مخالفة لأوامر الله وتعاليم رسوله صلوات الله وسلامه عليه. وعلى ذلك قال ابن الجوزي: (أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد، وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه: أحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد. والثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها. والثالث: أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد. والرابع: أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الأديرة. والخامس: أنهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح.

стр. 3028

والسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد. وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس. وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة، ووقفوا عليها الأموال الخبيثة. وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فاسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد. فأين جوع بشر، وأين ورع سري، وأين جد الجنيد. وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا، فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء، فيقول: حدثنا قلبي عن ربي. ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه، وأن قوما قرأوا الحديث في رباط، فقالوا لهم: ليس هذا موضعه (١). هذا وقد أورد ابن الجوزي حديثا بسنده إلى الرسول ﷺ عن أبي أمامة أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه، وفيه شيء من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا. ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلت، وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله، إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال نبي الله ﷺ : ((إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) (٢). وأما استماعهم إلى نصائح الرهبان ودروسهم ومواعظهم، وإنصاتهم لهم وتلمذهم عليهم، وتمجيدهم إياهم، والثناء عليهم فمنقول عنهم بكثرة، فإن إبراهيم بن أدهم – وهو من أوائل الصوفية – صرح بذلك حيث قال: (تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم وأنت في صومعتك هذه؟. قال: منذ سبعين سنة. قلت: ما طعامك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم. قال: في ليلة حمصة. قلت: فمن الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذين بحذائك؟ قلت: نعم، قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزنون صومعتي، ويطوفون حولها، يعظمونني بذلك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: أزيدك؟ قلت: نعم، قال: أنزل عن الصومعة، فنزلت فأدلى إلى ركوة فيها عشرون حمصة. فقال لي: أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى، فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته، قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به. ساوم، قلت: عشرين دينارا، فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ، فقال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، هذا عز من لايعبده، فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي، أقبل على ربك (٣).

стр. 3029

ونقل الهجويري عن صوفي قديم آخر، وهو: إبراهيم الخواص أنه قال: (سمعت ذات مرة أن ببلاد الروم راهبا مقيما بالدير منذ سبعين سنة بحكم الرهبانية، فقلت: واعجبا ! شرط الرهبانية أربعون سنة. بأي شرف أخلد هذا الرجل إلى الدير سبعين سنة؟ وقصدته، فلما اقتربت من ديره فتح كوة وقال لي: يا إبراهيم! عرفت لأي أمر جئت. أنا لم أقم هنا رهبانية في هذه السبعين عاما، بل لأن لي كلبا هائجا، فأقمت هنا أحرسه وأكفي الخلق شره، وإلا فلست أنا هذا (الذي تظن). فلما سمعت منه هذا الكلام قلت: يا إلهي تعاليت! أنت قادر على أن تهدي العبد طريق الصواب في عين الضلالة، وتكرمه بالصراط المستقيم. فقال لي: يا إبراهيم! إلام تطلب الناس؟ إمض واطلب نفسك، وإذا وجدتها فاحرسها، لأن الهوى يرتدي ثوب الإلهية كل يوم على ثلثمائة وستين لونا، ويدعو العبد إلى الضلالة (١). وذكر الشعراني أن بعض أسلاف الصوفية حاولوا تقرير مذهب رهبان النصارى، وكونهم على الحق والصواب، ومن قبل رسول الله الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه – كذبا وزورا -: (أن قوله ﷺ : ((دعوا الرهبان وما انقطعوا إليه))، تقرير لهم على ما هم عليه من حيث عموم رسالته ﷺ كما قرر أهل الكتاب على سكنى دار الإسلام بالجزية. قالوا: وهي مسألة خفية جليلة في عموم رسالته ﷺ . لا ينتبه لها إلا الغواصون على الدقائق (٢). هذا ولقد ذكر في طبقاته عن صوفي آخر – وهو إبراهيم بن عصفير – الذي يقول عنه: (كان كثير الكشف، وله وقائع مشهورة، وظهرت له الكرامات وهو صغير، وكان يأتي البلد وهو راكب الذئب أو الضبع، وكان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب، وكان بوله كاللبن الحليب أبيض، ... وما ضبطت عليه كشفا أخرم فيه. يكتب عن هذا الصوفي الذي بلغ أقصى درجات الولاية: (كان أكثر نومه في الكنيسة، ويقول: النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين، وكان ﵁ يقول: أنا ما عندي من صوم حقيقة إلا من لا يأكل لحم الضأن أيام الصوم كالنصارى، وأما المسلمون الذين يأكلون لحم الضأن والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل (٣). وكذلك وجد مدح الرهبان النصارى في كتب صوفية كثيرة مثل ما ذكر الأصبهاني في حليته عن عبد الله بن الفرج أنه قال له رجل: (يا أبا محمد، هؤلاء الرهبان يتكلمون بالحكمة وهم أهل كفر وضلالة، فمم ذلك؟ قال: ميراث الجوع، متعت بك (٤). وأيضا ذكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه قال: وجدت هذه الأبيات على ظهر كتاب لمحمد بن الحسين البرجلاني: (مواعظ رهبان وذكر فعالهم ... وأخبار صدق عن نفوس كوافر مواعظ تشفينا فنحن نحوزها ... وإن كانت الأنباء عن كل كافر مواعظ بر تورث النفس عبرة ... وتتركها ولهاء حول المقابر مواعظ أنَّى تسأم النفس ذكرها ... تهيج أحزانا من القلب ثائر) ومثل ذلك ما نقله أبو طالب المكي عن عيسى ﵇ أنه قال: (المحب لله يحب النصب. وروى عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن عباد. قال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خوفنا الله من النار فخفنا منها، فقال: حق على الله أن يؤمنكم ما خفتم. ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة منهم، فقال: لأي شيء تعبدتم؟

стр. 3030

قالوا: شوقنا الله إلى الجنان وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجو ذلك، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم. ثم جاوزهم، فمر بآخرين يتعبدون، فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن المحبون لله لم نعبده خوفا من نار، ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلاله، فقال: أنتم أولياء الله حقا، معكم أمرت أن أقيم، فأقام بين أظهرهم وفي لفظ آخر قال للأولين: مخلوقا خفتم، ومخلوقا أحببتم. وقال لهؤلاء: أنتم المقربون (١). (ويستخلص من هذا أن الصوفية المسلمين لم يجدوا حرجا في الاستماع إلى مواعظ الرهبان وأخبار رياضاتهم الروحية والإستفادة منها، رغم أنها صادرة عن نصارى، ونحن نجد فعلا كثيرا من أخبار رياضات الرهبان وأقوالهم في ثنايا كتب الصوفية وطبقات الصوفية (٢). وقبل هذا كتب الدكتور البدوي في هذا الكتاب الذي اقتبسنا منه الأسطر الأخيرة، والذي دافع فيه عن التصوف دفاعا شديدا، وحاول فيه محاولة فاشلة لإثبات أصول التصوف ومصادره في الإسلام، ومن تعاليمه، كتب فيه: (الاختلاط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران وخصوصا في مضارب القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل الإسلام وبعده: بنو تغلب، قضاعة، تنوخ، وتتحدث بعض الأحبار عن أن بعض الصوفية المسلمين الأوائل كانوا يستشيرون بعض الرهبان النصارى في أمور الدين: كما يروي عبد الواحد بن زيد، والعتابي، وأبي سليمان الداراني (٣). وهذه هي الأشياء التي جعلت نيلكسون الإنجليزي، وفون كريمر الألماني، وجولد زيهر النمساوي يضطرون إلى أن يقولوا، واللفظ للأول: (ويجب ألا ننسى في هذا المقام أثر المسيحية في الزهد الإسلامي في العصر المبكر فإن الأمر لم يقتصر على اللباس وعهود الصمت وكثير من آداب طريق الزهد التي يمكن ردها إلى أصل مسيحي، بل إننا نجد في أقدم كتب تراجم الصوفية – إلى جانبي الحكايات العديدة التي تمثل الراهب المسيحي يلقي المواعظ في صومعته أو عموده على زهاد المسلمين السائحين في الصحراء – أدلة قاطعة على أن مذاهب هؤلاء الزهاد كانت إلى حد كبير مستندة إلى تعاليم وتقاليد يهودية ومسيحية. ومن ذلك آيات كثيرة من التوراة والإنجيل مذكورة بين الأقوال المنسوبة إلى أولياء المسلمين، وأن القصص الإنجيلية التي كان يقصها رهبان المسيحيين على طريقتهم الخاصة كان يتلهف على قراءتها المسلمون: مثال ذلك المجموعة المعروفة باسم الإسرائيليات التي يقال إن وهب بن منبه (المتوفى سنة ٦٢٨ م) قد جمعها، وكتاب (قصص الأنبياء) الذي كتبه الثعالبي (المتوفى سنة ١٠٣٦ م)، وهذا الأخير لا يزال موجوداً (٤).وأما قضية المصطلحات التي روجوها بين الناس، واستعملوها فيما بينهم فلا يشك أحد في كونها أجنبية في الإسلام ولغة الإسلام العربية، ومقتبسة مأخوذة من المسيحية بحروفها وألفاظها، معانيها ومدلولاتها مثل: (ناموس، رحموت، رهبوت، لا هوت، جبروت، رباني، روحاني، نفساني، جثماني، شعشعاني، وجدانية، فردانية، رهبانية، عبودية، ربوبية،، ألوهية، كيفوية (٥).

стр. 3031

والجدير بالذكر، ومن الأشياء اللافتة للأنظار أن كل من حاول تبرئة التصوف عن كونه مأخوذا ومقتبسا من الرهبنة المسيحية لم يسعه الإنكار عن كون المسيحية إحدى مصادر التصوف، وأنه استفاد منها، ولو أنهم أصروا مع ذلك كونه إسلاميا بحتا، معارضين مع ما قالوه، ومناقضين مع ما أثبتوه، مقرين عليهم بالتعارض الفكري، والتضارب القولي، وإنكار ما هو ثابت لا يمكن رده ولا إنكاره، فيقول واحد من هؤلاء – ولا حظ الزحزحة الفكرية، والتناقض الشديد، والتعارض الغريب، والعجز الظاهر عن الدفاع، وضعف القوة وقلة الحيلة، مع الإنكار والإقرار في وقت واحد، لاحظ واقرأ واستمع – فيقول أحد الكتاب - وهو دكتور في العلوم – ردا على من يجعل النصرانية إحدى مصادر التصوف: (لم يقتصر الكلام في المصادر الصوفية على المصدر الفارسي أو الهندي بل ذهب فريق آخر من الباحثين إلى أن ثمة عناصر أخرى روحية يمكن أن ترد أصولها إلى أصول نصرانية. ويؤيد هذا الفريق مذهبه بما كان يوجد من صلات بين العرب والنصارى سواء في الجاهلية أو في الإسلام، وبما يلاحظ من أوجه الشبه الكثيرة بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة والتعبد. وبين ما يقابل هذا كله في حياة المسيح وأقواله وأحوال الرهبان والقسيسين وطرقهم في العبادة واللباس. ومن الباحثين والمؤيدين: لهذا الاتجاه (فون كريمر، وجولدزيهر، ونيكولسون وفلسنك وآسين وبلاسيوس، وأندريه وأوليري. ويرى: (فون كريمر): أن التصوف الإسلامي والأقوال المأثورة عن الصوفية على أنهما ثمرات نمت وترعرعت ونضجت في بلاد العرب تحت تأثير جاهلي، حيث كان كثير من العرب الجاهلين نصارى، وكان كثير من هؤلاء النصارى قسيسين ورهباناً. وجولد زيهر: يستند إلى ما تقرره النصرانية من إيثار الفقر والفقراء على الغنى والأغنياء، فيزعم أن ما ورد في الحديث النبوي من هذا المعنى مستمد من النصرانية، ويعني هذا أن يترتب عليه أن الفقر والتخشن في الحياة إنما يرجع إلى أصل نصراني، ويضيف عليه نيكولسون أيضاً. ما يصطنعه الصوفية من صمت وذكر فيزعم أنه مأخوذ من النصرانية. هذا من حيث: أن التصوف زهد وطريقة في العبادة والرياضة واللباس. أما فيما يتعلق بها من حيث هي مذاهب تصور منازع أصحابها الفلسفية واتجاهاتهم الروحية والفلسفية معاً: فإن هناك طائفة من القصص والأقوال التي تروي عن المسيح مما ورد في كتب الصوفية أنفسهم، ويمكن أن يؤخذ على أنه مصدر لبعض المذاهب الصوفية الإسلامية .... على أننا لا ننكر ولا أحد يستطيع أن ينكر ما يوجد من أوجه الشبه بين حياة الزهاد ولباسهم وبعض تعاليم الصوفية وطرقهم في العبادة ومذاهبهم في الحب الإلهي، وبين حياة الرهبان ولباسهم، وبعض ما اثر عن المسيح وحوارييه من أقوال في المحبة وغيرها من شيءون الحياة الروحية. فإننا لا نستطيع مع ذلك أن نجزم بأن مصدر التصوف والحياة الروحية في الإسلام إنما هو نصراني صرف. فصحيح أيضا أنه كان ممن مال إلى الرهبنة من العرب من يبني الأديرة – فقد روى عن حنظلة الطائي أنه فارق قومه وتنسك، وبنى ديراً بالقرب من شاطئ الفرات حيث ترهب فيه حتى مات، وكذلك قيل عن قس بن ساعدة كان يتقفر القفار، ولا تكنه دار، يتحسس بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوام.

стр. 3032

وصحيح أنه يروي عن أمية بن أبي الصلت أنه ليس بالمنسوخ تعبداً وأن لكل من قس وأمية نثرا وشعراً وطبعاً بطابع ديني، وأصطبغا بصبغة الزهد في الدنيا والنظر في الكون، وصحيح بعد هذا كله، وفوق هذا كله، أن القسس والرهبان كانوا ينبثون منا وهناك في أسواق العرب ويبشرون ويتحدثون عن العبث والحساب والجنة والنار كما يدل على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عنهم وتحكي أقوالهم وتفند مذاهبهم. وتصور إلى أي حد كانت تعاليمهم بين العرب، فهذا كله صحيح لا شبهة فيه ولا غبار عليه ولكن الذي ليس بصحيح هو أن نجعل منه أساساً يبني عليه القول بأن وحدة مصدر التصوف الإسلامي. ولكن هناك تساءلاً وهو لماذا يقصر الباحثون أنظارهم على حياة المسيح وأقواله والرهبان وأحوالهم حين يحاولون ربط الصوفية بالمصادر النصرانية ولم لا يجوز أن يكون هذا التصوف أيضاً كان مسايرة لطبيعة الحياة العربية الجاهلية. وقد كانت وقتئذ حياة خشنة لا حظ لها من ترف، ولا أثر فيها لنعومة بحيث يمكن أن يقال: إن حياة الزهاد والصوفية في الإسلام إنما هي استمرار لهذه الحياة الخشنة البعيدة عن الزخرف والنعيم، والتي كان يحياها العرب الجاهليون بصفة عامة، والتي تصطبغ عند بعضهم بصبغة الخلوة والانقطاع عن الناس، إلى التفكر والتقرب من الآلهة يلتمسون عندهم الخير والحكمة؟ بل وما الذي يمنع أيضاً من أن يكون مرجع الحياة الروحية الإسلامية هو مذهب الحياة التي كان يحياها قوم في الجاهلية يعرفون ببني صوفة، الذين انفردوا لخدمة الله عند بيته الحرام؟ ومع هذا لا أحد ينكر ما للمسيحية والرهبان من تأثير بالغ في الحياة الجاهلية السابقة. وبالإضافة إلى ما نلتقي به في ثنايا بعض النظريات الصوفية في الحب الإلهي ببعض الألفاظ والعبارات والعقائد التي هي من أصل نصراني مثل القول: (باللاهوت والناسوت) أو (حلول اللاهوت في الناسوت) أي حلول الإله (اللاهوت) في المسيح الإنسان (الناسوت) أو حلول الأول في الثاني إذا بلغ هذا درجة معينة من الصفاء الروحي. ومثل القول (بالكلمة) التي هي في النصرانية واسطة بين الله والخلق، والتي اصطنعها بعض الصوفية في التعبير عن نظرياتهم في الحقيقة المحمدية، باعتبارها أول مخلوق خلقه الله، أو: أول تعين للذات الإلهية فاضت منه بقية التعيينات الأخرى من روحية ومادية، ولم تظهر هذه العناصر النصرانية وأشباهها إلا بعد أن كان المسلمون قد اختلطوا بالنصارى وأخذوا يحاورونهم ويجادلونهم في العقائد، فكان طبيعيا أن ينتشر بعض هذه العقائد النصرانية، وأن يعمل عمله في البيئة الإسلامية، ويتردد صداه في أقاويل الصوفية ومذاهبهم في الحب الإلهي وفيما يتصل به، من اتحاد بين الرب والعبد، ومن حلول الرب في العبد. وهذا أمر طبعي ملازم لسنة الحياة وتطورها: إذ لا يمكن وقد تطور التصوف وقد استحال إلى علم له مناهجه ومذاهبه ومنازعه الروحية المصطبغة بصبغة فلسفية، أن يظل الصوفية بمعزل عن هذا الجو الذي امتلأ بالأفكار والعقائد النصرانية وما يدور حولها وجدل بين المسلمين والنصارى دون أن يكون له أثر فيما صدر عنهم من أقوال، وما ذهبوا إليه من مذاهب، لا سيما إذا كانت هذه الأقوال والمذاهب تدور حول مسائل تتصل من قريب أو بعيد بالعقائد (١). ويقول الدكتور التفتازاني بعد الرد على المستشرقين القائلين بأن كثيرا من أمور التصوف مأخوذة من النصرانية، يقول بعد الرد عليهم: (ومع هذا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية، على نحو ما نجد عند الحلاج الذي استخدم في تصوفه اصطلاحات مسيحية كالكلمة واللاهوت والناسوت وما إليها، ولكن هذا لم يظهر إلا في وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري) بعد أن كان زهد الزهاد قد استقر في القرنين: الأول والثاني الهجريين، واصبح دعامة لكل تصوف لاحق. ولذلك فإن من الإنصاف العلمي القول بأن مذاهب الصوفية في العلم، ورياضاتهم العلمية، ترد إلى مصدر إسلامي، إلا أنه بمرور الوقت وبحكم التقاء الأمم واحتكاك الحضارات، تسرب إليها شيء من المؤثرات المسيحية أو غير المسيحية، فظن بعض المستشرقين خطأ أن الصوفية أخذوا أول ما أخذوا عن المسيحية (٢). فهذه هي خلاصة الكلام في ذلك، نكتفي بها ظانين بأنها كافية لجلاء الموضوع، وتنوير الطريق لمن أراد أن يتقدم إليه ويسلك فيه. المصدر: التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير

стр. 3033

المبحث الرابع: المذاهبُ الهنْديّة وَالفَارسيَّة: وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته، أوراده وأذكاره، وطرق الوصول إلى المعرفة، والمؤدية إلى الفناء، مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية، والزرادشتية أيضا فلا ينكرها منكر، ولا يردها أحد، ولا يشك فيها شاك، بل إن كبار الكتاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين، وحتى الصوفية أقروا بذلك حيث لم يسعهم إلا الاعتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها البتة. فإن الأستاذ أبا العلاء العفيفي كتب في ثنايا بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في الدراسة عن التصوف: (وأما ريتشورد هارتمان، وماركس هورتين فنزعتهما واحدة: وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندي، وإن كان هورتين قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر. فقد كتب في سنتي ١٩٢٧، ١٩٢٨ مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما، بعد تحليل تصوف الحلاج والبسطامي والجنيد، أن التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري كان مشبعا بالأفكار الهندية، وأن الأثر الهندي أظهر ما يكون في حالة الحلاج. وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية الفارسية بحثا فيلولوجيا، وينتهي إلى أن التصوف الإسلامي هو بعينه مذهب الفيدانتا الهندية. ويستند هارتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت منتشرة في بلادهم، لا إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن. وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقالا هاماً سنة ١٩١٦ في مجلة De Islam وخلاصة بحثه أن التصوف الإسلامي مدين للفلسفة الهندية التي وصلت إليه عن طريق مترا وماني من جهة، وللقبّالة اليهودية والرهبنة المسيحية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة من جهة أخرى. وهو يرى أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجا تاما في التصوف هو أبو القاسم الجنيد البغدادي (المتوفى سنة ٢٩٧ هـ)، فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين. أما حججه في تأييد الأصل الهندي فهي: أولا: أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي ويحيى بن معاذ الرازي. ثانيا: أن التصوف ظهر أولا وأنتشر في خراسان. ثالثا: أن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية، فلما دخل أهلها في الإسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة. وهذا كلام أشبه ما يكون بماذكره كل من ثولك وفون كريمر في هذا الموضوع. رابعا: أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الأثر الهندي. خامسا: أن الزهد الإسلامي الأول هندي في نزعته وأساليبه. فالرضا فكرة هندية الأصل، واستعمال الزهاد للمخلاة في سياحتهم، واستعمالهم للسبح، عادتان هنديتان (١). ثم علق الأستاذ عفيفي على كلام هورتمان بقوله: (ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير، فقد تبين لي من البحث في تصوف مشايخ خراسان وتصوف مدرسة نيسابور خاصة، أنه وإن كانت له صبغة محلية إلى حد ما، متأثر بتيارات غير محلية وصلت إليه من مراكز التصوف الأخرى في العراق والشام، وأنه كانت لبعض الحركات غير الدينية – كحركة الفتوة التي كانت في بدء أمرها اجتماعية بحتة – شأن كبير في تشكيل بعض تعاليم هؤلاء الصوفية). ثم إن الأستاذ عفيفي في مقاله هذا لم يذكر واحدا من المستشرقين الذين كتبوا عن التصوف إلا وقد ذكروا رأيا يشبه رأي هاتمان، وهورتن.

стр. 3034

وقد سبق هؤلاء المستشرقين والقائلين بهذا الرأي من الباحثين، سبقهم جميعا البيروني، حيث قارن بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية في كتابه المشهور (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة). وأوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية هي تتلخص في أمور ثلاثة: أولا: الأرواح. ثانيا: في طريق الخلاص. ثالثا: الغاء التمايز ومحو الأشارة (١). هذا والقارئ لأقوال الصوفية، والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلاحظ بنفسه تشابها كبيرا بين هؤلاء وأولئك، وخاصة في تعذيب النفس، وتحمل المشاق، والتجوع، وحبس النفس، وإماتة الشهوات، والهروب من الأهل والأولاد، والجلوس في الخلوات، مراقبة صورة الشيخ، طرق الذكر، وكثير من العادات والتقاليد والرسوم، حيث لا يرى فيها إلا مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها، كمالا يرى فيها أي أثر للإسلام وتعاليمه، ولا ثبوت من حاملي رايته، ومتمسكي سبيله، متبعي طريقه. ولوضع النقاط على الحروف لا نرضى مقولات الناس، بل نورد شهادات داخلية، واعترافات ذاتية، وعبارات ناطقة عن منابعها ومصادرها. فنبدأ بسيد الطائفة الذي قال فيه أبو العباس عطاء: (إمامنا في هذا العلم ومرجعنا المقتدى به (٢). والذي قيل فيه: (إن الرجال من هذه الطائفة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد. وأبو عبد الله بالشام، وأبو عثمان بنيسابور). ونقل نيكلسون عن الجامي أنه قال: (أن الجنيد أول من صاغ المعاني الصوفية، وشرحها كتابة، وأنه كان يعلّم التصوف في بيوت خاصة وفي السراديب (٣). ويكفي لبيان مقامه ومكانته عند القوم تلقيبهم إياه بسيد الطائفة، فنبدأ به فيقول: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات (٤). وسئل أبو يزيد البسطامي: (بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار (٥). ونقل الطوسي عن يحيى بن معاذ أنه قال: (لو علمت أن الجوع يباع في السوق ما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره (٦). ونقل النفزي الرندي المتوفى ٧٩٢ هـ عن حاتم الأصم أنه قال: (من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر. فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال أذى الناس،، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض (٧). والسلمي أيضا نقل عنه أنه قال: (ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟.فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر (٨).والشعراني نقل في طبقاته عن أبي محمد عبد الله الخراز أنه قال: (الجوع طعام الزاهدين (٩). ونقل الغزالي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: (ما صار الإبدال إلا بإخماص البطون، والسهر، والصمت، والخلوة (١٠).

стр. 3035

ثم، وروى الغزالي في إحيائه روايات كثيرة مكذوبة على النبي ﷺ في فضل الجوع (١). ومما يجدر ذكره أن المحقق كتب في تعليقاته عن جميع تلك الروايات في فضل الجوع أنه لم يجد لها أصلا. هذا، ونقل عماد الدين الأموي عن عيسى ﵇ أنه قال: (طوبى للجياع العطاش فإنهم هم الذين يرون الله (٢). وقال السهر وردي: (قد اتفق المشايخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، والاعتزال على الناس (٣). ثم بيّن طريق التدرّب على الجوع، وهي تشبه تماما طريقة يوجا الهندية حذو القذة بالقذة، وطبق النعل، فيقول: (وقد اتفق مشايخ الصوفية على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام والاعتزال عن الناس، وقد جعل للجوع وقتان، أحدهما: آخر الأربع والعشرين ساعة فيكون من الرطل لكل ساعتين أوقية بأكلة واحدة يجعلها بعد العشاء الآخرة أو يقسمها أكلتين، كما ذكرنا، والوقت الآخر: على رأس اثنتين وسبعين ساعة، فيكون الطي ليلتين والإفطار في الليلة الثالثة، ويكون لكل يوم ثلث رطل، وبين هذين الوقتين وقت وهو أن يفطر من كل ليلتين ليلة، ويكون لكل يوم وليلة نصف رطل، وهذا ينبغي أن يفعله إذا لم ينتج عليه سآمة وضجراً وقلة انشراح في الذكر والمعاملة، فإذا وجد شيئا من ذلك فليفطر كل ليلة ويأكل الرطل في الوقتين أو في الوقت الواحد، فالنفس إذا أخذت بالإفطار من كل ليلتين ليلة، ثم ردت إلى الإفطار كل ليلة تقنع، وإن سومحت بالإفطار كل ليلة لا تقنع بالرطل وتطلب الإدام والشهوات، وقس على هذا، فهي إن أطمعت طمعت، وإن أقنعت قنعت، وقد كان بعضهم ينقص كل ليلة بقدر نشاف العود، ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر، ومنهم من كان يؤخر الأكل ولا يعمل في تقليل القوت ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج حتى تندرج ليلة في ليلة، وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهي طيّهم إلى سبعة أيام وعشرة أيام وخمسة عشر يوما إلى الأربعين. وقد قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكله أين يذهب لهب الجوع عنه؟.قال: يطفئه النور (٤). وكذلك التعري لم يأخذه الصوفية إلا من البوذية والجينية. وجلّ تماثيل البوذا وصور رجال الديانات الهندوكية كلها ناطقة منبئة عمن أخذها القوم هذه القباحة والوقاحة. حتى إن طائفة من طوائف الجينية تسمى ويجامبرة أي أصحاب الزي السماوي، الذين لم يتخذوا كساء لهم غير السماء، وهم الذين يقولون: (إن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء، وإن من يملك شيئا من متع الدنيا ولو كان ثوبا واحدا يستر به عورته لا ينجو (٥). وإننا لنجد كثيراً من الصوفية، ويسمون المجاذيب، يتجردون عن الثياب البتة، ويمشون في الأسواق، ويجلسون في الخانقاوات كما خلقهم الله. ولقد ذكر أصحاب الطبقات الصوفية، الكثيرين من هؤلاء. ونورد ههنا واحدا ممن ذكرهم الشعراني (قطب زمانه وإمام عصره) في طبقاته، فيقول: (الشيخ إبراهيم العريان: كان ﵁ إذا دخل بلدا سلّم على أهلها كبارا وصغارا بأسمائهم، حتى كأنه تربى بينهم (يعني كان يعلم الغيب)، وكان ﵁ يطلع المنبر ويخطب عريانا (٦).

стр. 3036

وأما هجر الأهل والأولاد، والخروج إلى الغارات والجبال، والجلوس في البراري والحفرات والسراديب، والمكوث مع الحيات والثعابين فليست منقولة إلا من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه الأمور. فلقد أوردنا في أول المقال قصة إبراهيم بن أدهم الصوفي القديم، وتركه للأهل والأولاد، مقارنة بقصة بوذا وحياته، وأنها مطابقة تماما لها. وهناك أقوال ونصوص كثيرة في هذا المعنى، ذكرنا بعضا منها فيما مرّ، وسنذكر البعض الآخر إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وإننا ننقل ههنا بعض الآراء والوقائع التي لها علاقة مباشرة ووطيدة بالمذاهب والفلسفات الهندية. فمنها ترك المال والخروج منه، وحتى القوت الذي يحتاج إليه لإبقاء الحياة، ثم التسول أمام الناس، والاستجداء منهم. كما ذكر أبو طالب المكي عن أحد الصوفية أنه دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة (١). وأورد الطوسي مثله عن أبي حفص الحداد أنه كان أكثر من عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الصوفية، ثم يخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب (٢). والمعروف أن التسول والاستجداء والوقوف على أبواب الناس، وحمل المخلاة والكشكول من لوازم الديانة البوذية، ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه، كما أنه ألزمهم سير البراري، وقطع الصحاري، أو المكوث في الخانقاوات، والانشغال فيها بالذكر. ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية، وألزموا أنفسهم به، كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك فيقول الطوسي: (الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى (٣).وقال: (كان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئا إلا بِذُلّ السؤال (٤). ويروي الهجويري عن ذي النون المصري أنه قال: (كان لي رفيق موافق دعاه إليه، وأنتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى، ورأيته في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟. قال: غفر لي. قلت: بأي خصلة؟.قال: أوقفني وقال: يا عبدي، لقد تحملت كثيرا من الذّل والمشقة من السفلة والبخلاء ومددت إليهم يدك، وصبرت في ذلك، وقد غفرت لك بذلك (٥). ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة، وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلا، وليلة إفطاره يطلب من الأبواب (٦). كما نقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذ الجنيد أنه كان يخرج بين العشائين، ويسال من باب أو بابين (٧). وذكر عن النوري أنه كان يمدّ يده ويسأل الناس (٨).وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمدّ يده ويقول: (ثمّ شيء لله (٩). وذكر الشعراني أشياء طريفة عن فقراء الزاوية التي بناها يوسف العجمي، الذي قال عنه: هو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد بمصر بعد إندراسها، يقول الشعراني عن هذا الصوفي وتلاميذه: (كانت طريقة التجريد، وأن يخرج كل يوم من الزاوية فقيرا يسأل الناس إلى آخر النهار فمهما أتى به يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائنا من كان.

стр. 3037

وكان الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزا وبصلا وخيارا وفجلا ولحما، ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقير واحد، فسألوه عن ذلك، فقال: أنتم بشريتكم باقية، وبينكم وبين الناس ارتباط فيعطونكم، وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني وبين التجّار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة. وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول: الله، ويمدّها حتى يغيب، ويكاد يسقط على الأرض، فيقول من لا يعرفه: هذا العجمي راح في الزقزية. وكان ﵁ يغلق باب الزاوية طول النهار لأحد إلا للصلاة. وكان إذا دقّ داق الباب يقول للنقيب: اذهب فانظر من شقوق الباب، فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات (١). فلاحظ ما فيه من الطرائف والأضحوكات. وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل، فيقول: (كيفيته: أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل (يعني وعاء) بيده اليمنى، ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام، ويعبّه بين الفقراء فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف ولا كلفة، هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال (٢). وأما من عاش في الصحاري، وتجوّل في البراري فكثيرون جداً، وقد نقل السهروردي عن بشر بن الحارث أنه قال: (يا معشر القراء، سيحوا تطيبوا (٣). وقال: أو من جملة المقاصد في السفر: رؤية الآثار والعبر، وتسريح النظر في مسارح الفكر، ومطالعة أجزاء الأرض والجبال ومواطئ أقدام الرجال، واستماع التسبيح من ذوات الجمادات، والفهم من لسان حال القطع المتجاورات، فقد تتجدد اليقظة بتجدد ومستودع العبر والآيات، وتتوفر بمطالعة المشاهد والمواقف الشواهد والدلالات. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ٌ [فصلت:٥٣]. وقد كان السري يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار. ومن جملة المقاصد للسفر: إيثار الخمول وإطراح حظ القبول (٤). وكان قسم منهم يسافر دوما، ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلاباذي: (ولكثرة أسفارهم سمّوا: سياحين، ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية. والشكفت بلغتهم الغار والكهف (٥). وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم. فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي: (أنه في بداية حالة أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا، حتى ذابت بنيته من المشقة، وصارت عيناه كسّم الخياط، وتحول عن صورة الآدميين، وجاءه الأمر بالصحب بعد عشرين عاما، وقيل له: أصحب الخلق. فقال لنفسه: فلأبدأ بصحبة أهل الله ومجاوري بيته، ليكون ذلك أكثر بركة، فقصد مكة، وأطلع المشايخ على مجيئة بقلوبهم، خرجوا لاستقباله، فوجدوه وقد تبدلت صورته، وفي حال لم يكن قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة (٦). وقال أبو طالب المكي:

стр. 3038

قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما، ويرى أن ذلك علّة في توكله، فيعمل في إختبار نفسه وكشف حاله. وحدثنا عن بعض الشيوخ قال: (لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا (١).كما يقول: (خرجت طائفة الأبدال إلى الكهوف تخلّيا من أبناء الدنيا (٢). ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما، وكان يرى: إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله، فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما. وحكى عنه أنه قال: مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل، وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر، فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه، ثم التفت فإذا هو رجع عني، فقيل: لم هربت منه؟.قال: تشوفت نفسي أن يغيثني، فهؤلاء الفرارون بدينهم (٣). ونقل الشعراني عن عدي بن مسافر الأموي الذي قال فيه: هو أحد أركان الطريقة وأعلى العلماء بها، والذي نقل فيه عن الشيخ عبد القادر أنه قال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر، يقول عنه الشعراني: أنه أقام أول أمره زمانا في المغارات والجبال والصحاري مجردا سائحا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات، وكانت الحيات والهوام والسباع تألفه فيها (٤). وكذلك ينقل الشعراني عن شيخه أمين الدين أنه قال: (كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية، وقد حلّق على نفسه بزرب شوك، وعنده داخل هذه الحلقة الحيات والثعالب والثعابين والقطط والذئاب والخرفان والأوز والدجاج). هذا ومثل هذا كثير في كتب الطبقات العربية والفارسية والأردية، وكتب اللغات الأخرى التي ألفت تراجم الصوفية. وأما الجلوس في الخانقاوات، وملازمة الربط والتكايا والزوايا فهو من لوازم التصوف، فإن الصوفية خصصوا أبوابا مستقلة في كتبهم لبيان فضائل ملازمتها، والمكوث فيها، كما أنهم بيّنوا فيها آداب الخلوة والدخول إليها والمكوث فيها. كما قال السهروردي: (إعلم أن تأسيس هذه الربط من زينة هذه الملة الهادية المهدية، ولسكان الربط أحوال تميزوا بها عن غيرهم من الطوائف، وهم على هدى من ربهم (٥). وذكر الصوفي المشهور الكمشخانوي في كتابه (جامع الأصول في الأولياء) آداب الخلوة، فيقول: (للدخول في الخلوة آداب وشروط، منها: أن يستأذن الشيخ في دخول الخلوة. أن يدخل الشيخ الخلوة ويصلي فيها ركعتين قبل دخول المريد. أن يدخلها كما يدخل المسجد مقدّما رجله اليمنى، مبسملا متعوذا. أن تكون الخلوة مظلمة لا يدخلها شعاع الشمس ولا ضوء النهار. أن لا يستند إلى جدار الخلوة. الصوم. أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل الخلوة لكي يستريح الناس من شره. أن لا يتكلم مع أحد في الخلوة أو خارجها إلا مع شيخه. إذا خرج إلى الصلاة أو الوضوء فليغطِّ رأسه ورقبته بشيء مطرقا إلى الأرض غير ناظر إلى أحد. دوام تخيل صورة شيخه، وهو الرابطة بينه وبين خالقه ... فإنه إذا همّ بمعصية يتمثل له الشيخ فينزجر عن فعلها - إلى آخر الكلام (٦). وأما التشابه بين الذكر الصوفي وذكر الطوائف الهندية فهو كما ذكر القشيري:

стр. 3039

(المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه ولا يحرك أنفاسه ولا يحرك بدنه، ولا يحرك جزء منه ولا يردد طرفه ولا شيئا، ويكون مراعيا لهمته، ولا يحرك البتة جزء من نفسه ولا من بدنه ولا من باطنه حتى تبدو الأحوال له بعد طول المراعاة. ثم يجب ألا ينظر إليها ولا إلى ما يبدو له البتة لئلا يحجب عنها، فلا يزال في المزيد منها إن شاء الله تعالى. قال: وهذا الطريق الذي هو طريق الله تعالى لا بدّ فيه من طول المجاهدة ومقاساة ما يحتمله الأسماع والقلوب من الشدائد لو حلّت بها ... وكنت أحيانا في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني في السماء لكان الستر علي أهون من أن أقوم للأكل، وأتحرك للوضوء والفرض لأنه كان يعيب عني الذكر (١). وذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لازم الصمت، وما كان يكلم الناس إلا بالإشارة (٢). وملازمة الصمت من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا. وكذلك ذكر الشعراني أيضا عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلاثة أشهر يتكلم، ثلاثة أشهر يسكت (٣). وهناك عقيدة بوذية تسمى سمادهي ( SAMADHI) وهذه آخر درجات الذاكر يفنى فيها ذاته في الذات الإلهي (٤). يذكر نفس هذا الشيء صوفي مشهور بحرق الحضرمي في رسالته (ترتيب السلوك)، فيقول: من لم يتيسر له شيخ، وأراد دخول الخلوة فليقدم الاغتسال، وغسل ثيابه ومصلاه، ويهيئ أسبابه بحيث لا يحتاج إلى الخروج، ويرتب لحوائجه من قوت وغيره ... ثم ليلازم الجوع فيكون صائما مقتصرا على قدر معلوم من الطعام والماء مقتصدا لا يزيد عليه أبدا، وليلازم السهر فلا ينام إلا في وقت معلوم، وليلازم الذكر فيقتصر على ملازمة ذكر واحد. ينطق بذلك الذكر بعينه بحيث يظن من يسمعه أن معه في خلوته ألف ذاكر لله، ثم يغلب عليه حال الذكر فلا ينظر في الوجود شيئا يقع عليه نظره إلا معلنا بذلك الذكر بعينه بحيث لو كان عنده ألف شخص، كل منهم يذكر بذكر مخالف للآخر لم يسمعهم ينتطقون إلا بذكره الذي غلب عليه، وحينئذ يبقى منتظرا لما يفتح الله به على قلبه من رحمته وعلم غيبه، وأول ما يظهر غالبا أنوار إلهية كأنها البرق الخاطف تلمع بسرعة، ويختفي وهي لذيذة جدا يحصل بوجودها الوجد، وباختفائها الحنين إليها، وبما غشيته أنوارها. ثم يصير قلبه كالمرآة المجلوة فيكون مقابلا للجناب القدس، فيصير كل شيء كأنه مشاهد للحق سبحانه علما وحالا فانيا عن نفسه، فضلا عن خيرها، فحينئذ يعبد الله كأنه يراه ويشهده (٥). وأما الفناء في الشيخ فيذكر الشعراني في كتابه (الأنوار القدسية): (اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك، فيكون ما عنده من المعارف عندك على حدّ سواء ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير، قال: وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الشاذلي يوما: يا أبا العباس، ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت (٦). وأما تعذيب النفس، وحبس الدم، والرياضات الشاقة فمنها ما ذكرناها أثناء الوقائع التي سردناها آنفا.

стр. 3040

ومن ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن البدوي انه: (كان طول نهاره وليله قائما شاخصا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بجمرة تتوقد كالجمر. وكان يمكث الأربعين يوما وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام (١).ويقول المنوفي، وأبو الهدى الرفاعي أن مكوثه هذا امتدّ إلى اثنتي عشرة سنة حيث يقولان: (ومكث على السطوح حوالي اثنتي عشرة سنة (٢). ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي والشعراني وغيرهم (أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم، وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به (٣). وينقل القشيري في رسالته (ترتيب السلوك): (كنت أريد أن لا أنام لئلا أغيب عن الذكر لحظة، فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر ما أضع عليه قدمي، وتحتي واد، وفوقي شاهق حتى لا يأخذني النوم (٤).وكتب الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر سابقا، وصوفي مشهور، عن أحمد الدردير أنه ردد الذكر ستة أشهر حتى أحرق الذكر جسمه، وأذهب لحمه ودمه حتى صار مجرد الجلد على العظم (٥). وذكر الدريني عبد العزيز الصوفي المتوفى ٦٩٧هـ عن داود بن أبي هند أنه (صام أربعين سنة لم يعد الناس عنه ولا أهل بيته، وكان يؤتى بالإناء ناقصاً فيتمه بالدموع (٦). ويذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه: (لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض (٧).

стр. 3041

ويذكر فريد الدين العطار عن الصوفي المشهور أبي بكر الشبلي أنه (كانت في يده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه (١) وتناثر) (٢).وحكى عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه (رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة (٣).

стр. 3042

ويحكي عماد الدين الأموي قصة صوفي هندي دمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى، فقال لعينه التي لم تدمع: (لأحرمنك النظر إلى الدنيا، وغمض عينه، فلم يفتح عينه أكثر من ستين سنة (١).وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه (كان يسكن في المقابر، ولا يلبس إلا رداء واحدا، وكان يأكل العشب وأوراق الأشجار، كان له تنور يحميه ويتعبد فيه، وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي إليه، وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حارّ خصّه لنفسه (٢).ويذكر الميرزه محمد أختر الدهلوي عن الصوفي فخر الدين الرازي أنه (كان يسكن ليل نهار في الغابات (٣).وحكى عن صوفي هندي مشهور ميان أمير أنه (كان يسكن الجبال بعيدا عن الناس (٤).وهناك صوفي مشهور فريد الدين الملقب بكنج شكر فيحكي عنه أنه (علّق نفسه معكوسة في بئر، ولم يزل على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئا (٥).وصوفي هندي آخر أحمد عبد الحق (حفر لنفسه قبرا، واشتغل فيه بالعبادة ستة أشهر (٦). وأما حبس الدم فيذكر القشيري: (المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه، ولا يتحرك أنفاسه (٧).ويذكر الصوفي الهندي الدكتور ظهور حسن شارب أن الصوفي الهندي المشهور ميان مير (كان يقضي الليل كله في نفس واحدة (٨).ويذكر عن صوفي آخر ملا شاه أنه كان (يقضي الليل كله في نفسين فقط (٩). وهذا كله عملا بقول الصوفية: (مقام المريد المجاهدات والمكابدات، وتحمل المشاق، وتجرع المرارات (١٠).وأيضا بقولهم: (إن الصوفية يلزمون أنفسهم بالأغلظ والأشق من أقوال العلماء (١١). هذا ومثل هذه الأمور كثيرة جدا، التي لم تؤخذ ولم تقتبس إلا من الديانات الهندية ولا وجود لها في تعاليم الإسلام، ولم تنقل إلى الصوفية إلا منها وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نبين أمرا آخر، وهو أن الصوفية بمختلف مشاربهم وطرقهم يتباهون بحبهم للجميع، وعدم الاعتراض على مذهب دون مذهب ومسلك دون مسلك. وإنهم لا يفرّقون بين ديانة وديانة، ولا يميّزون بين طائفة وطائفة وجماعة وجماعة، بل يحترمون جميع الآراء والمعتقدات وأصحابها، وقد نقلوا فيها أقوالا عديدة. مع أنها لا أساس لها في شريعة الإسلام وتعاليمها، حيث أن هذا الأمر أصل من أصول فلسفة اليوجا التي ترى في كل الديانات وفي كل الفلسفات حقا، ولا يعترض على دين وفلسفة مهما اختلفوا وتباعدوا في المشرب والمسلك، ويسع مذهبه لمعتقدات الجميع، ويأبى أن يتقيد بقيود أيّ منها (١٢)

стр. 3043

والجدير بالذكر أن هناك كتابا ترجم إلى اللغة العربية باسم (فلسفة راجايوجا) بطبع عبد الغني أحمد، وترجمة حسن حسين، فيه فصل خاص لمقارنة هذه الفلسفة الهندية بالفلسفة الصوفية وكما أن الكتاب كله يشتمل على الرياضات والمجاهدات وطرق الأوراد والذكر، التي نقلناها آنفا من المتصوفة الكبار وأقطاب هذه الطائفة وأعلامها. وأما قضية وحدة الوجود والحلول والاتحاد، المقائد التي نادى بها الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم ممن سلك مسلكهم، ونهج منهجهم. فلم يشك أحد في كونها مأخوذة مقتبسة بتمامها من (فيدانتا) الهندية. ومن قرأ آراء شري شنكر أجاريا في فلسفة (فدانتا) عرف جيدا أنها عين ما قاله الحلوليون والاتحاديون وأصحاب وحدة الوجود، وأن ما بيّنه شنكر، وفصّل القول فيه في شرح فلسفة وحدة الوجود أو فيدنتا هي التي توجد في كتب الوجوديون بكلياتها وجزئياتها. وأكثر من ذلك تعرض تعاليم شنكر أجاريا وتقرأ مكتوباته على من قرأ كتب ابن عربي، وشارحه ابن الفارض، ومفسره في المعجم جلال الدين الرومي، لم يستطع التفريق في مقولاتهم ومكتوباتهم، وحتى الأسلوب والمنهج والتعبير وبيان الطرق الموصلة إلى حصول المعرفة والإدراك. وبذلك اعترف صوفي كبير من شبه القارة الهندية الباكستانية، وكاتب شهير في تعاليم التصوف وتاريخه أن مسلك وحدة الوجود بمعنى أنه لا موجود في الحقيقة إلا الله، وأن وجود الممكنات وهميّ مثل الشعلة التي تظهر بتحريكها سريعة دائرة وهمية، يظنها الناظر دائرة حيث لا يكون لها وجود حقيقة، بل حركة الشعلة بسرعة هي التي أوهمت الناظر بوجودها، فكذلك الكون والممكنات. فهذا مسلك شري شنكر أجاريا، الذي أسسه وأوضحه في شروحه لأوينشد، وأخذ منه هذه الفلسفة من المسلمين (حضرة الأقداس إمام العرفاء محيي الدين ابن عربي، والمعروف بالشيخ الأكبر). كما أنه تأثر بفلسفة حكماء المغرب مثل اسنبوزا، لائبنز، فخته، هيجل، شوين هاور، باذنكويت، وبردليه، كما أن الشهوديين من المسلمين أخذوا فلسفة وحدة الشهود أيضا من العرفاء الهندوكيين. وهذا المسلك مأخوذ من رام نوج أجاريا أحد شراح اوبنشاد الأربعة المعروفين (١). فالديانات الهندية هي المصدر الآخر للتصوف الذي راح بين المسلمين، وأختاره طائفة من الناس الذين أرادوا أن يكونوا عرفاء من بين المسلمين، واختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية لحصول (نروان) أي المعرفة، وجعلوا غورديسيا (أي تعذيب النفس) وجب وكيان دهيان (أي الصمت والتفكير والذكر) وسيلة للوصول إليها، وكان هذا ظاهرا جليا واضحا إلى حدّ اضطر المراعون للتصوف، والمداهنون للصوفية، والمدافعون عنهم أن يقرّوا به على ملأ من الناس:

стр. 3044

(فالتصوف الإسلامي الحقيقي مبناه على الكتاب والسنة وعلى أحوال الرسول النبي العربي ﷺ وإن تعرجت مؤخرا تعاليم التصوف وتلونت بعض فروعه ألوانا عدة واتجهت تلك الفروع اتجاهات مختلفة بسبب المذاهب الموروثة للداخلين المحدثين في الإسلام من هنود وفرس وإسرائليين ومسحيين ولا سيما في عصر الترجمة الذي شجع عليه المأمون ومن بعده من الخلفاء العباسيين فترجم المسلمون كتباً كثيرة من التصوف الهندي واليوناني والفارسي وطمعت بعض فروع التصوف الإسلامي الخالص بما دخل عليها من النزعات الأفلاطونية الحديثة أو القديمة وبعض المذاهب الهندية والفارسية في التصوف كنظرية الحلول والاتحاد والتقمص والتناسخ وما إلى ذلك (ولكل دين تصوفه وطبعا).ومع ذلك ظل التصوف الإسلامي الصميم والذي مصدره الكتاب والسنة قائما على حاله في صدور رجاله وفي الكتب الإسلامية كتواليف الحسن البصري والقشيري وأبي طالب المكي والسراج والغزالي (١). (وشذ عن ذلك أمثال الحلاج الذي قال بالحلول والقائل (أنا الحق وما في الجبة سوى الله) ومحيي الدين القائل (خضنا بحراً وقف الأنبياء بسالحله) وبرأه من فكره الحلول قوله بالسكر وغلبة الحال. وأكثر الصوفية الأعاجم خلطوا بين الفلسفة الفارسية القديمة أو الهندية وما قبسوه عن اليونانية والأفلاطونية الحديثة وبين تصوفهم الخاص).وقد تأثر أمثال ببراهمة الهند والغرس في أزيائهم وطقوسهم، واعتنقوا من أفكارهم (٢). ويقول صوفي متقدم لسان الدين بن الخطيب: (ومن الهنود الذي وضع لهم الحكمة المصلحية، الشلم، والمهندم، والبرهمان، والصولية، والبردة، والزهاد، والعباد، ورجال الرماد، وأصحاب الفطرة، وهم يهجرون اللذات الطبيعية جملة، ويكثرون الجوع والرياضة، عشاق فيما ولّوا وجوههم شطره (٣). وقال الآخر ما خلاصته: (وشك أن ابن عربي في مدرسة وحدة الوجود وسوابق بذورها في مدرسة الحلاج ولواحقها حتى عبد الكريم الجيلي وما بعده قد تأثر بالمصدر الهندي الذي أنطق مذهب الانبثاق الرواقي والفيوضات والصدور عند الأفلاطونية (٤). وقال ماسينيون: (ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أدّت إلى إدخال الذكر في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على تسرب بعض طرائف الهنود إلى التصوف الإسلامي (٥). وبمثل ذلك قال أوليري المستشرق الآخر: (وثمة شبيه هندي للفناء، ولكن ليس في البوذية، وإنما فيما تقول به الفيدانتا من وحدة الوجود (٦). ونيلكسون كذلك، فيقول في إحدى مقالاته وهو يتكلم في الفناء الصوفي: (أما في شرق فارس حيث ظهرت فكرة الفناء لأول مرة ظهورا واضحا، فلا بدّ أنها كانت متأثرة إلى حد كبير بأفكار هندية وفارسية.

стр. 3045

ويدل تعريف الصوفية للفناء من الناحية الخلقية بأنه محو الصفات الذميمة، والتخلق بكل خلق حميد، ووصفهم لوسائل قمع الهوى والشهوات، على وجود أثر للفلسفة البوذية فيهم مما لا يدع مجالا للشك، لأن تعريفهم هذا تمام الاتفاق مع تعريف النرفانا. أما الفناء في عرف أصحاب وحدة الوجود فربما كان أشد اتصالا بفكرة الفيدانتا وما يماثلها من الأفكار الهندية ... مثال ذلك أن أبا يزيد البسطامي كان من أهل خراسان، وكان جده زرادشتيا وشيخه في التصوف كرديا. ويقال: أنه أخذ عقيدة الفناء الصوفي عن أبي علي السندي الذي علّمه الطريقة الهندية التي يسمونها مراقبة الأنفاس، والتي وصفها هو بأنها عبادة العارف بالله. وإنك لتلمح نزعة أبي يزيد إلى وحدة الوجود مائلة في الأقوال المعزوة إليه. مثال ذلك كخرجت من الحق إلى الحق حتى صاحوا مني فيّ (يا من أنا أنت). إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني: سبحاني ما أعظم شأني. للخلق أحوال، ولا حال للعارف، لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته بهوية غيره، وغيبت آثاره بآثار غيره (١). وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة مختلفة في مقالاته من التصوف والصوفية. وكتب الدكتور أبو العلاء عفيفي البحاثة المصري الكبير معلقا على إحدى عباراته، ومصدقا كلامه، ما نصه: (لا شك أن التصوف الإسلامي في ناحيته العلمية كان إلى حد ما على التصوف البوذي. يدل على ذلك ما ذكر الجاحظ في كتاب (الحيوان) عن رهبان الزنادقة الذين كانوا يخرجون للسياحة أزواجا، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من ليلتين. وكانوا يأخذون أنفسهم بتطهير القلب والعفة والصدق والفقر. ويذكر الجاحظ قصة رجلين منهم دخلا مدينة الأهواز (٢). ويقول جولد زيهر: (إن نظرية الصوفيين في فناء الشخصية هي التي تقرب وحدها من فكرة الجوهر الذاتي (اتمان)، إذا لم تكن تتفق معها تماما، ويطلق الصوفيين على هذه الحالة لفظ الفناء أو المحور والاستهلاك (٣). وقال أحد الكتّاب: (أما زيهر فقد ذهب إلى أن الربط بين الفناء والنرفانا دعوى لا تحتاج إلى برهان، معتمدا في ذلك على قول لأبي يزيد جاء فيه: صحبت أبا علي السندي فكنت ألقّنه ما يقيم به فرضا، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. فالنص – في نظره – لا يفهم منه سوى أن أبا يزيد كان يعلّم السندي الفروض الدينية، باعتباره حديث عهد بالإسلام، مقابل تلقيه عنه علم الحقيقة والفناء، الذي لم يكن على علم به (٤). ونريد أن نثبت ههنا أيضا نص ما ذكره الباحث الإيراني المشهور الدكتور قاسم غني، فيقول: (إذا كان رأي أولئك الذين يعتقدون أن التصوف وليد المعتقدات البوذية والهندية مبالغا فيه، فينبغي أن يقال في الأقل أن من جملة ما كان له تأثير في التصوف الإسلامي أفكار البوذية والهندية ونزعاتهما وعاداتهما. والإسلام الذي خرج من حدود الجزيرة العربية بسرعة البرق بعد ظهوره بفترة قصيرة سرعان ما أخذ يتقدم في كل ناحية، ولم تطل المدة حتى بلغ تخوم الصين وفتحت بلاد السند في عهد بني أمية، وتوثقت علاقات تجارية واقتصادية بين المسلمين والشعوب والقبائل التي كانت تختلف من ناحية الفكر والحضارة والأخلاق عن أقوام البلاد الأخرى.

стр. 3046

ومنذ القرن الثاني وما بعده وحين بدأ المسلمون بنقل كتب الشعوب الأخرى واتسعت دائرة العلوم، ترجم مقدار من آثار البوذية والهندية مما يدخل في باب التصوف العملي أي الزهد وترك الدنيا ووصف العبادات والتقاليد الهندية والبوذية في هذا الباب، ناهيك بنقل كتب هندية وبوذية في القرن الثاني للهجرة والصلات التجارية والاقتصادية القائمة بين المسلمين والهنود في أوائل الخلافة العباسية وقد انتشرت طائفة من تاركي الدنيا والسائحين من الهنود والمانويين في العراق وسائر البلاد الإسلامية الأخرى وكما كانوا يتحدثون في القرن الأول عن الرهبان والسائحين مع المسيحيين كذلك أخذوا يتحدثون في القرن الثاني عن رهبان وسياح ممن لم يكونوا مسلمين ولا نصارى وهم الذين سماهم الجاحظ (رهبان الزنادقة) واعتبرهم من زهاد المانوية. قال الجاحظ: (إن هؤلاء سياح والسياحة بالنسبة لهم في حكم التوقف واعتزال الساطرة في الصوامع والأديرة، وتلك الجماعة يسافرون دائما اثنين اثنين ويسيحون بحيث إذا رأى الإنسان واحدا منهم يتيقن أن الثاني ليس ببعيد عنه إلى حد ما، وسيظهر قريبا. ومن عاداتهم أنهم لا ينامون ليلتين في مكان واحد، ولهؤلاء السياح خصال أربع: القدس والطهر والصدق والمسكنة).وهؤلاء السياح تركوا بدورهم أثرا في صوفية المسلمين كما أثر فيهم أيضا السياح والمتجولون والمرتاضون من البوذيين الذين أذاعوا قصة بوذا وقدموه مثالا للزهد والإعراض عن الدنيا، بحيث أن المرتاضين كانوا يعرفونه في كتاباتهم بالمثال الكامل للزهد. وهو الأمير القوي الشكيمة الذي رمى الدنيا ظهريا وحرر نفسه. أو يقولون أنه أسير جدير بالثناء خليق بالاحترام متزييا بزي الفقراء. وهذا الموضوع أوجد قصصا ذات صور مختلفة والنقطة الهامة التي يجب ألا تنسى هي أن الديانة البوذية كانت قد انتشرت في شرق إيران أي بلخ وبخارى وفي ما وراء النهر كذلك قبل الإسلام بأكثر من ألف سنة، وكانت لها صوامع ومعابد مشهورة وكانت معابد بلخ البوذية أكثر شهرة بنوع خاص، وصارت بلخ ونواحيها من أهم المراكز الصوفية في القرون الإسلامية الأولى، وكان صوفيو خراسان يعدون في الرعيل الأول من الصوفية في الشجاعة الفكرية والحرية الشخصية، والعقيدة المعروفة (بالفناء في الله) المقتبسة من الأفكار الهندية إلى حد ما والتي انتشرت على الأكثر بواسطة صوفية خراسان. مثل أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخير (١). وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نلفت الأنظار إلى أن معتنقي البوذية والجينية والديانات الهندية الأخرى كان لهم أن يترهبوا، ويتجردوا عن الدنيا وما فيها، ويختاروا العزلة والخلوة، ويتيهوا في المفاوز والخلوات، ويعيشوا في المغارات والخانقاوات، ويعذبوا أنفسهم، ويأتوا بالمجاهدات والرياضات، ويتحملوا المشاق، ويتعمقوا في المراقبات والمكاشفات وغير ذلك من الأمور، لأن قادتهم وزعماءهم، هداتهم ومرشديهم فعلوا مثل ذلك لحصول المعرفة، واكتشاف الحق، والوصول إلى طمأنينة الروح والقلب، والاتصال بالخالق والاتحاد به – حسب زعمهم – تشبها لهم واقتداء بهم، وتمسكا بأسوتهم، واقتفاء آثارهم ومناهجهم. فعلى المتبعين أن يسلكوا جميع تلك المراحل التي سلكها سادتهم وكبراؤهم، وأن يكابدوا في هذا السبيل تلك الآلام التي تكبدها أولئك. وكذلك النصارى. أولا: لأنه نقل عن مسيحهم ما يشجعهم على التبتل والعزلة.

стр. 3047

ثانيا: أن حواريي المسيح، وقدّيسي المسيحية الأوائل تحملوا أنواعا من العذاب في سبيل التمسك بمذهبهم، فأوذوا وأجبروا على ترك المساكن والمواطن وعاشوا في الصحاري والمغارات فرارا بدينهم، وحفاظا على إيمانهم، فحبس منهم وقتّل منهم كثيرون، وعذّب الآخرون. فتأسيا بهم وتقديرا لهم حرموا أنفسهم من ملذات الدنيا ونعيمها، وألزموا عليهم العزبة والجوع والمشاق، وهجروا العيش بين الأهل والأولاد. وأما المسلمون فلا نبيّهم أمرهم بذلك، ولا أصحابه ورفاقه الأبرار خيرة خلق الله، وأبرار هذه الأمة عملوا به، ودينهم دين الاعتدال والدين الوسط، الناسخ لجميع الشرائع السماوية منها والأرضية، الإلهامية وغير الإلهامية. وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:٨٥]. والذي كمل قبل انتقال محمد ﷺ إلى الملأ الأعلى. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣] وما لم يكن فيهما فهو ابتداع وإحداث فيه، وليس منه، ولا له علاقة به. ولا ندري ممن أخذ متصوفة المسلمين ونساكهم من المسلمين هذا المنهج والمسلك الذي بنوا عليه تصوفهم وزهدهم. اللهم إلا ممن ذكرناهم من المسيحية، وأصحاب الديانات الهندية، وهذه أحوال معتدلي الصوفية ومتقدميهم. وأما المتطرفون والمتأخرون فقد زادوا على هذين المصدرين مصدرا آخر استقوا منه فلسفتهم ومشربهم، وتشبثوا بآرائه ومقولاته. وهو الأفلاطونية الحديثة. المصدر: التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير

стр. 3048

المبحث الخامس: الأفلاَطونيّة الحَدِيثَة: ولقد ذكر جمع من الكتّاب والباحثين في التصوف ممن اشتغلوا بالتصوف من المسلمين وغير المسلمين. وقل من شذ عنهم أن الأفلاطونية الحديثة هي أحد المصادر الأساسية للتصوف، بل إنها هي المصدر الأول بالنسبة للقائلين بوحدة الوجود والحلول بدءاً من أبي اليزيد البسطامي، وسهل التستري، والترمذي الملقب بالحكيم، ابن عطاء الله الأسكندري، وابن سبعين، وابن الفارض، والحلاج، ولسان الدين بن الخطيب، وابن عربي، والرومي، والجيلي، والعراقي، والجامي، والسهروردي المقتول، وبايزيد الأنصاري وغيرهم. وأن هؤلاء أخذوا نظرية الفيض والمحبة والمعرفة والإشراق مع الآراء الأخرى التي تمسكوا بها عن الأفلاطونية المحدثة. وعبارات الصوفية أنفسهم ناطقة بها وشاهدة عليها ولو أنهم اختلطت عليهم آراء الأفلاطونية الحديثة وآراء أفلاطون وأرسطو وغيرهم من حكماء اليونان الآخرين، حيث نسبوا ذلك إلى هذا، وهذا إلى تلك. فيقول صوفي معاصر: وأما وحدة الوجود الحلولية التي تجعل من الله كائنا يحل في مخلوقاته أو الاتحادية بالمعنى المفهوم خطا تلك التي تجعل من الكائن الفاني شخصية تتحد بالموجود الدائم الباقي المنزه عن سائر النسب والإضافات والأحياز الزمانية والمكانية المحدثة أو يتحد به شيء منها فإنها مذهب هندي أو مسيحي وليس بإسلامي ولا يعرفه الإسلام، استمده أهل الشذوذ في التصوف الإسلامي من الفلسفة البائدة، وغذوا به مذهبهم الشاذ بفكر أفلاطونية وآراء بوذية وفارسية عن طريق الفارابي وابن سينا، حاله أن المتتبع لحياة الحلاج ومؤلفات السهروردي وابن عربي يرى أنهم تأثروا بالمتفلسفة المسلمين الذين أخذوا عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والأرسطو طاليسية (١). وكتب قبله بقليل: (فكان يعلن بعضهم أنه اطلع على الغيب وأن في مقدوره الإتيان بخوارق العادات ثم يذهب إلى ما هو أبعد من هذا مثل قولة الحلاج المشهورة: ما في الجبة غير الله - وغيره: أنا الحق وبمثل هذا وذاك ثار على الحلاج معاصروه ورموه بالسحر تارة والجنون أخرى وعذب عذابا أليما إلى أن مات في أوائل القرن الرابع، والله أعلم بحاله وكان من أمثال الحلاج من بالغوا مبالغة قلت أم كثرت كشهاب الدين عمر السهروردي المقتول رئيس جماعة الإشراقيين ومحيي الدين بن عربي الأندلسي. وابن سبعين الصقلي، وهم من رجال القرنين السادس والسابع وتابعهم جماعة من شعراء الفرس أمثال جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وكلهم يرمي إلى أن يقيم التصوف الإسلامي على دعائم فلسفية أو فارسية وهندية أو يونانية (٢). ويقول الدكتور عبد القادر محمود: (فإذا عدنا إلى تاريخ الاتصالات الأولى نجد أن الثقافة اليونانية كانت هي الثقافة المسيطرة على العقول في الشرق منذ عهد الإسكندر بالإضافة إلى ثقافات الشرق نفسه، حتى إذا أقبل المسلمون على حضارات غيرهم من الأمم القديمة كان إقبالهم على الثقافة الهللينية بمعونة نساطرة الحيرة وبمعاقبة غسّان، والسريان في الشام وغيرها، والصابئة من أتباع زرادشت، واليهود والنصارى. لكن الذي نؤكده أن باب الاتصال المباشر كان الأفلوطينية المحدثة ولو أن المسلمين حسبوها لأرسطو حين اعتقدوا خطأ أن كتاب (الربوبية) له، وهو في الواقع لأفلوطين الذي عرفوا من ورائه أفلاطون والثقافة اليونانية القديمة.

стр. 3049

إننا نلاحظ أن الأستاذ نسلكسون يرى أن الأثر كان في القرن السادس الهجري، ويختلف معه ماسينيون، فيرى على وجه أصح أنه كان في القرن الرابع، والواقع أنه في القرن الثالث، بدليل أن الربوبية ظهرت عربية في الوسط الإسلامي في القرن الثالث الهجري وكان لها أثرها المباشر في نظريات الاتصال الفارابية، ونظريات البسطامي والحلاج. فإذا اعتمدنا على جهد اصطفان بن صُدَّيللي الغنوصي السرياني الذي كان أستاذاً في مجمع (أريو باجوس) الذي تخرج منه ديونيسيوس Dionysius الأريوباجي، والذي كان معاصرا ليعقوب السروجي الأديب السرياني المشهور (ت ٥٢١ م) أقول - إذا عدنا إلى اصطفان بن صُدَّيللي، وجهوده في النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي وفي (الرُّها) بالذات فإننا نجد من جهوده الخطيرة أنه نقل بعد رحلاته في مصر وغيرها مذاهب وحدة الوجود وعاد ونشرها في (الرُّها) وكما اشتغل بشرح الإنجيل، وأنكر أبدية عذاب جهنم، وأكد أن المذنبين سيعودون إلى الجنة بعد تطهير. وكان لهذا أثره في سخط أهل الرّها فطردوه ورموه بالإلحاد، فرحل إلى دير في بيت المقدس، ووجد لآرائه هناك أرضا خصبة، وجمع آراءه، ونسبها إلى ديونيسيوس لشهرته. من هنا لا نجد غرابة مطلقاً في الدوائر الصوفية في الإسلام انتشار مثل هذه الأقوال التي شاعت مع جهم بن صفوان، ثم اندفعت في أفق الفكر الإسلامي، حيث شكلت مذاهب الفيض والإشراق والمعرفة والجذب والحلول والاتحاد ووحدة الشهود ووحدة الوجود، وكل مركبات (الثيوصوفية) بتأثير الأمشاج المختلطة مع الغنوص الشرقي القديم. فإذا نظرنا في مذاهب الفيض الأفلوطيني - نجد أن الله والعقل الأول والنفس الكلية والمادة غير المصورة والنفوس الجزئية - كل أولئك عبارة عن مراتب الوجود الأفلوطينية، وهذا ما نجده في مدرسة ابن عربي في الحقيقة المحمدية أول فيض من الذات الإلهية، ثم بقية الفيوضات في جميع الموجودات، وعند ابن الفارض في وحدة الشهودية وفي مذهبه القطبية والحقيقة المحمدية، وعند الإشراقية السهروردية والشيرازية التي تجعل الله نور الأنوار فياضاً بالأنوار القاهرة وهي النفوس والعقول، وبالجواهر الغاسقة الناشئة عن الأنوار، وهي الأجسام، حتى المصطلحات في المثل أو المعاني الأزلية، والحقيقة، وحقيقة الحقائق، والعلة والمعلول، والوحدة والكثرة، وتحقق الذات في الموضوع وشيوع الموضوع في الذات. كل هذا يعود إلى أصوله الأفلوطينية التي تعود هي الأخرى إلى الغنوص الشرقي والغربي المؤول في الفلسفات اليهودية والمسيحية اللاهوتية. لقد أخذت النظريات الصوفية لدى الصوفية الفلاسفة أو الفلاسفة الخلص لدى المشائية الإسلامية وجوهرها من الأفلوطينية، وخاصة في المعرفة الإشراقية، التي تُلقى إلقاء في النفس عند تَطَهُّرها وتحررها، ويكفينا دليلا التاسوع الخامس لأفلوطين الذي يقول: (النفس التي لا تضاء بضوئه تظل بغير رؤية)، فإذا أضيئت فإنها تحتوي على كل ما تنشده فترى الأسمى بالأسمى - ترى الأسمى الذي هو في الوقت نفسه وسيلة الرؤية لأن ما يضيء النفس هو نفسه الذي تريد رؤيته، كما أننا نرى الشمس بضوء الشمس. لقد مارس أفلوطين (ت ٢٠٥ م) هذه التجربة، وأعطى الاتجاه للفارابي وابن سينا، والحلاج والسهروردي، وابن عربي وابن الفارض، وابن سبعين وبقية الركب المشائي أو الصوفي. يقول أفلوطين (وقد حدث مرات عدة أن ارتفعت خارج جسدي بحيث دخلتُ في نفسي، كنت حينئذ أحيا، وأظفر باتحاد مع الإلهي). (يجب على أن أدخل في نفسي، ومن هنا أستيقظ. وبهذه اليقظة أتحد بالله).

стр. 3050

(يجب عليَّ أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن) (١). ويقر هذا الأمر الدكتور عبد الرحمن بدوي - ولو أنه يختلف مع الدكتور عبد القادر في طرق وصولها إلى الصوفية - حيث أنه يقول تحت عنوان التأثير اليوناني في التصوف: (وأهم نص في هذا الباب هو كتاب (أثولوجيا أرسطو طاليس) وهو كما نعلم فصول ومقتطفات، منتزعة من التاسوعات الأفلاطونية، وفيه نظريات الفيض والواحد التي ستلعب دورا خطيرا في التصوف الإسلامي، خصوصا عند السهروردي المقتول وابن عربي، وفيه نظرية (الكلمة) أو اللوغوس. ولا شك في تأثر الصوفية المسلمين ابتداء من القرن الخامس الهجري بما في (أثولوجيا) من آراء. وإنما الخلاف هنا هو في هل وصل تأثيره إلى التصوف الإسلامي مباشرة، أو عن طريق كتب الإسماعيلية، وكلها حافلة بالتأثر به. ويتلوه في الأهمية الكتب المنسوبة إلى هرمس .. وشخصية بارزة التأثير عند السهروردي المقتول، وابن عربي. الأول خصوصا في فكرة الطباع التام، التي تأثر بها كل الإشراقيين بعد السهروردي، والطباع التام هو (النوس). ويسمى أيضا الروجانية والطبيعة الكريمة. ويتصل به ما يرد من علم الصنعة سواء عند الصنوعيين (الكيماويين) وعند الصوفية المسلمين. ومن النصوص المهمة المنسوبة إلى هرمس: رسالة هرمس في معاذلة النفس، التي نشرناها في كتابنا: الأفلاطونية المحدثة عند العرب، فهي مناجيات للنفس وتحليل لها، وتأنيب للنفس الأمارة، ودعوة للنفس من أجل التطهر والتقديس. ومن السهل أن نجد أصداء لها ومشابه في مناجيات الصوفية المسلمين. ثم إن هناك فصولا منحولة لأفلاطون وسقراط وغيرهما من الفلاسفة اليونانيين معظمها آداب وأقوال .... وكلها تتشابه في بعض آرائها مع الأقوال المنسوبة إلى كبار الصوفية المسلمين في كتب طبقات الصوفية المختلفة (القشيري، السلمي، الشعراني، الهروي، العطار، الجامي الخ الخ (٢). ولقد أقر الدكتور أبو العلاء العفيفي أيضا بتأثر ابن عربي ومن نهج منهجه في الأمور الكثيرة وفي نظرية الفيض بأفلاطونية المحدثة (٣). وكتب الدكتور التفتازاني كلاما يشبه هؤلاء حيث قال: (ونحن لا ننكر الأثر اليوناني على التصوف الإسلامي، فقد وصلت الفلسفة اليونانية عامة، والأفلاطونية المحدثة خاصة، إلى صوفية الإسلام عن طريق الترجمة والنقل، أو الاختلاط مع رهبان النصارى في الرها وحران. وقد خضع المسلمون لسلطان أرسطو، وإن كانوا قد عرفوا فلسفة أرسطو على أنها فلسفة إشراقية، لأن عبد المسيح بن ناعمة الحمصي حينما ترجم الكتاب المعروف بـ (أثولوجيا أرسطو طاليس) قدمه إلى المسلمين على أن لأرسطو على حين أنه مقتطفات من تاسوعات أفلوطين.
следующие страницы →