← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

المطلب الرابع: الأبدال " البدلاء " وعددهم أربعون بدلاْ، وسموا بالأبدال لأنهم ثابتون من حيث العدد كلما توفي أحدهم يسر الله تعالى واحداً غيره، وقيل: هم الذين أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بالحسنات، وهم بالشام، واستدلوا على ذلك بحديث منقطع الإسناد- كما يذكر ذلك ابن تيميه وهو عن علي ﵁ مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ قال: ((الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)) (١). ويرى الجرجانى إن البدلاء سبعة رجال، من سافر منهم يترك جسداً على صورته حياً بحياته، ظاهراً بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد وذلك هو البدل لا غير، ويقول إن الأربعين الموجودين في الشام هم النجباء وليس الأبدال. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٦

стр. 2977

المطلب الخامس: النجباء وعددهم ثلاثمائة، وهم في الشام، وتزعم الصوفية أن الأعمال وسؤال الحاجات ترفع إلى الأبدال ثم إلى الأقطاب ثم إلى الأوتاد ثم إلى الغوث الذي يقوم بقضاء الحاجات. والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق وخاصة التي لا تفي القوة البشرية بحملها (١). ويزعم أصحاب هذه المعتقدات أن أصحاب هذه الألقاب هم من الأولياء الذين لا تخلو منهم الأرض فهم موجودون في كل زمان وفى كل مكان. ويعتقد هذه المعتقدات كثير عن أصحاب الطرق الصوفية. فإذا كان الأمر كذلك فمن حد لهؤلاء الأولياء حداً، والولاية ثابتة بالكتاب والسنة، فكيف حصرها الصوفية في هذه الأعداد والتحديد يحتاج لدليل شرعي. ثم إن هذه الألفاظ والمسميات لم ترد على ألسنة السلف الصالح، والذين ذكروهم من الأوائل كابن تيمية ﵀ إنما ذكرهم على سبيل الذم والنقد. وإن زعم زاعم أن الأرض لا تخلو من هؤلاء فلم لم يحدثنا عنهم الرسول محمد صلى الله علية وسلم، وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه ولا شراً إلا حذرنا منه. وهل وجودهم مقتصر على أمة محمد ﷺ ؟ فان كان مقتصراً عليها فكيف يزعمون أن الأرض لا تخلو منهم؟ وان كانوا فيمن قبله فأين هم في قوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسي عليهم وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام؟ ولمَ لمْ يحدثنا محمد ﷺ عنهم؟. وكيف هم في الشام وفتحها جاء متأخراً عن عهد رسول الله محمد ﷺ ؟ وقد ذكر رسول الله ﷺ فضل الشام وفضل اليمن وغيرها من البقاع ولم يذكر في فضل الشام وجود هؤلاء الأولياء المزعومين. وكيف ترفع حوائج الناس عن طريق هؤلاء؟ والرسول ﷺ يقول ((يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) (٢). ويقول تعالي: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦]. ثم إن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقاً في كل زمان، بل يجب القطع بأن هذا على عمومه باطل. فإن المؤمنين يكثرون تارة ويقلون أخرى، ويقل فيه السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى، وينتقلون في الأمكنة ليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى، ومن يدخل منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة. وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة، فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ومن الممتنع أن يكون منهم الكفار، ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصى عدده إلاّ رب العالمين، لا يحصون ثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان أيضاً في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين ومن جعل لهم عدداً محصوراً لازماً فهو من الظالمين عمداً أو خطأً ". المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٦ - ٣٨

стр. 2978

المبحث الثاني: مصطلحات الصوفية الكشف وهو الاطلاع على ما وراء الحجب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجوداً أو شهوداً أو هو اطلاع أحد المتحابين المتصافين صاحبه على باطن أمره وسره. أو هو ما يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالقلوب على المطلوب. ويعني هذا أن الكشف هو العلم اليقيني الذي ينكشف فيه للصوفي العلوم والمعارف انكشافاً تاماً لا يبقى معه ريب ولا شك، لذلك نجد أن بعض الصوفية جاءوا بمعان جديدة للقرآن والسنة والآثار وزعموا أنهم يأخذون ذلك عن الله مباشرة وليس عن الموتى بزعمهم، وقالوا إن علماء الشرائع يأخذون ميتاً عن ميت وهم يأخذون عن الحي الذي لا يموت. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٨ الفيض الإلهي وينقسم إلى قسمين: أحدهما: الفيض الأقدس: وهو تجلي الواحد أو التجلي الذاتي الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية " في العالم المعقول ". ثانيهما: الفيض المقدس: وهو تجلي الواحد أو التجلي الموجب لظهور الأعيان في الخارج. فالأول: وجودها في العلم والعقل. والثاني: وجودها في الخارج مع لوازمها وتوابعها. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٨ وحدة الوجود تنسب نظرية وحدة الوجود إلى ابن عربي الذي جعل الله والخلق شيئا واحداً وجعل الإنسان والإله في مرتبة واحدة. حيث تقوم هذه النظرية في مدلولها البسيط على أن كل الموجودات التي في الكون رغم كثرتها وتعددها شيءٌ واحد وهذا الشيء هو الله سبحانه فالله يظهر ويتجلى في صور متعددة بزعمهم. والمراد بها أيضاً أن الله هو الحق، وليس هناك إلا موجود واحد هو الموجود المطلق وهو الله فليس غيره في الكون، وأما العالم فهو مظهر من مظاهر الذات الإلهية، والعالم ليس له وجود في ذاته لأنه صادر عن الله بالتجلي. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٩ الاتحاد يعني أن الإنسان يتحد بالله، وفي حالة الاتحاد قد يفقد الشيء ذاتيته أو بعض أوصافها أو خصائصها وفيه تكون الذاتان أكثر تداخلاً وأكثر قرباً. وتنسب هذه النظرية للبسطامي. وهو شهود الوجود الواحد المطلق، فالكل يتحد بالحق من حيث كون كل شيء موجوداً به، معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً انحل به فإنه محال. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٩ الحلول الحلول يعني أن الله تعالى حل في جميع أجزاء الكون في البحار والجبال والصخور والأشجار والإنسان والحيوان. مع بقاء عنصر كل من الطرفين – اللذين حل أحدهما في الآخر – على حالته الأولى فمن زعم أن الإله حل في البقرة فإن البقرة ما زالت هي هي تحلب وتؤدي وظائفها كما هي. الفرق بين الحلول والاتحاد ووحدة الوجود: الحلول يعني وجود شيء داخل شيء آخر دون أن يفقد أحدهما طبيعته أو هويته أو ذاتيته أو ماهيته فتحل الذات الإلهية في الذات الإنسانية فيحل على حد تعبيرهم اللاهوت في الناسوت. أما الاتحاد فيكون أكثر قرباً وامتزاجاً وتداخلاً، وقد يفقد الشيء الممتزج ذاته أو بعض صفاته وخصائصه. أما وحدة الوجود فتعني أن الله هو الموجود وما سواه فناء وأن الأشياء في الأصل كلها شيء واحد ولكنه قد يظهر بمظاهر متعددة فيظهر الله تعالى في صور الكائنات المتعددة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٣٩، ٤٠ الوقت

стр. 2979

يقول أبو علي الدقاق: " الوقت ما أنت فيه " فإن كنت في سرور فوقتك السرور، وكذلك الحزن، ويعنى هذا أن الوقت هو الحاضر، وكما يقال الوقت بين زمانين أي الماضي والمستقبل. لذا يرون التفكير في الوقت الماضي هو ضياع وقت حاضر، والانشغال بالمستقبل " الغيب " كذلك. ويرون الموت هو ضياع الوقت، لأن العمر وقت وقيل في هذا المعنى: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وقال الجرجانى: الوقت عبارة عن حالك، وهو ما يقتضيه استعدادك وهذا بنفس المعنى الذي ذهب إليه الدقاق. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٠ المقام والمراد بالمقام المنزلة التي يقيم عليها المتأدب، وهو ما يشتغل به العبد من الآداب والمعاملات والمجاهدات في ظاهره وباطنه وشرطه ألا يرتقي إلى مقام آخر حتى يستوفى ما هو فيه، فإنه من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومن لا توكل له لا يصح له التسليم، ومن لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد. ومن أمثلة المقام التوبة والصبر والشكر والزهد والخوف والرجاء والتوكل والرضا، فقد كان مقام آدم ﵇ التوبة، ومقام نوح ﵇ الزهد، ومقام إبراهيم ﵇ التسليم، ومقام موسى ﵇ الإنابة، ومقام داوود ﵇ الحزن، ومقام عيسى ﵇ الرجاء، ومقام يحيى ﵇ الخوف، ومقام محمد ﷺ الذكر. ونحن لا نقرهم على هذا فإن الأنبياء ﵈ كانوا يقيمون على جميع الأحوال سالفة الذكر. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٠، ٤١ الحال والحال معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب، مثل طرب أو حزن أو بسط أو قبض، أو شوق أو انزعاج أو هيبة. وقيل إن الحال تدوم، وقيل إنها عرضة للزوال، والصواب أن الحال قابلة للزوال، قبل زوالها تسمى حالاً، وعندما تزول تسمى وارداً، والوارد هو كل ما يرد على القلب من المعاني الغيبية، من غير تعمد. فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود. وعلى ذلك فالمقام ثابت ومستقر بخلاف الحال فإنه متغير ومتحول وزائل وقد يتصف المريد به في وقت دون آخر فإذا تكرر حدوثه للمريد فقد يستقر ويصبح مقاماً. ومن أمثلة الحال: المحبة والشوق والأنس والقبض والبسط والبقاء والفناء والمكاشفة والمشاهدة والغيبة والحضور. ملاحظة: نلاحظ أن الهجويري ذكر الخوف والحزن في المقامات وهي في الحقيقة أحوال لأنها غير متكلفة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤١، ٤٢ القبض والبسط وهما حالتان تردان على العبد، تقربان من الخوف والرجاء، أو يسببهما الخوف والرجاء، بمعنى أن العبد يرتقي من حال الخوف والرجاء إلى حال القبض والبسط. يقول الجنيد: الخوف من الله يقبضني، والرجاء منه يبسطني. والخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب، والقبض والبسط يتعلقان بأمر حاضر في الوقت ويغلب علي قلب العارف من وارد غيبي. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٢ التواجد والوجد والوجود التواجد استدعاء الوجد بنوع من الاختيار، وليس لصاحبه كمال الوجد لأنه غير متكلف.

стр. 2980

والمواجيد جمع وجد، والوجد ما يصادف القلب، ويرد عليه بلا تكلف ولا تصنع، وقيل هي بروق تلمع ثم تخمد سريعاً والوجود فقدان العبد بمحاق (بزوال) أوصاف البشرية ووجود الحق لأنه لا بقاء للبشرية عند ظهور سلطان الحقيقة، فالتواجد بداية، الوجود نهاية، والوجد واسطة بين البداية والنهاية. يقول الحسين النورى: أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد، إذا وجدت ربي فقدت قلبي، وإذا وجدت قلبي فقدت ربى. وفى هذا المعنى يقول الشاعر: وجودي أن أغيب عن الوجود بما يبدو عليَّ من الشهود والوجد والتواجد هو نتيجة سماع شيء مثير للوجدان كالقرآن والمدائح والغناء، فعند السماع يحصل لهم هيجان وثوران، وتمايل ورقص وحركات بهلوانية حتى يفعل الواحد منهم أفعالاً لا يستطيعها في غير هيجانه (حضوره). يقال إن جهماً الدقي في حال هيجانه أخذ شجرة فاقتلعها من جذورها. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٢ الفناء والبقاء والفناء هو سقوط الصفات الذميمة، والبقاء بروز الأوصاف المحمودة، والفناء والبقاء متلازمان، فمن فني عن شهوته بقى بإخلاصه وعبوديته، ومن فني عن الدنيا بزهده فيها بقى بصدق إنابته. وفناء الجهل ببقاء العلم، وفناء المعصية ببقاء الطاعة وفناء الغفلة ببقاء الذكر. والفناء مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه فالنفي هو الفناء والإثبات هو البقاء ومن بقي بطاعته عن طاعة ما سواه هو البقاء وحقيقته أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٣ الغَيبة والحضور والغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لانشغال الحس بما ورد عليه من تذكر ثواب أو عقاب روي أن الربيع بن خثيم كان يذهب إلى ابن مسعود ﵁ فرأى الحديدة المحماة في كير أحد الحدادين فغشي عليه، فلما أفاق من غيبته " حضر " سئل عن ذلك فقال: تذكرت كون أهل النار في النار. وسبب ترك أبي حفص النيسابورى الحداد حرفته أنه سمع آية من القرآن، فورد على قلبه وارد غفل فيه عن إحساسه فأدخل يده في النار وأخرج الحديدة المحماة دون أن يتألم، فلما رأى ما ظهر علية ترك حرفته. فالغيبة تكون عن الخلق والحضور بالحق، لتغلب ذكر الله على قلبه والسكر هو الإحساس بالانبساط حال غيبته وإن كان سكره مستوفيا لم يشعر بشيء حال سكره، والصحو هو الإفاقة من السكر الذي كان فيه. والسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٤٣ المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة حضور القلب عن دوام الفكر وتواتر البرهان واستيلاء سلطان الذكر، والمكاشفة حضوره بنعت البيان بغير افتقار إلى التأمل ودوام الفكر والمشاهدة حضور الحق من غير بقاء تهمة " شك " والمعنى أن تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر تتابع البرق واتصاله في الليلة الظلماء فتصبح كضوء النهار فكذلك القلب إذا دام به التجلي فإنه يرى الحق من غير شك. لذا قال النوري: لا يصح للعبد المشاهدة ما دام حياً. وقال الجنيد صاحب المحاضرة مربوط بآياته، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته، وصاحب المشاهدة ملقى بذاته، صاحب المحاضرة يهديه عقله، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته.

стр. 2981

وسئل الشبلى عن المشاهدة فقال: من أين لنا مشاهدة الحق وإن الحق لنا شاهد وقال الجرجانى: المحاضرة حضور القلب مع الحق في الاستفاضة من أسمائه تعالى. ونستطيع أن نجمل ذلك فنقول المحاضرة حضور القلب نتيجة الفكر والتأمل، والمكاشفة أن تنكشف له الغيوب فتحصل له المعرفة والمعلومات دون تفكر ولا تأمل، المشاهدة أن يشاهد العبد الغيوب عياناً. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٤ الشريعة والحقيقة الشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبولة وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصولة، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تعريف الحق، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده، فالشريعة القيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر. ويقول الهجويري: الشريعة بدون حقيقة رياء، والحقيقة بدون شريعة نفاق والشريعة مكاسب والحقيقة مواهب. يقول أبو علي الدقاق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] حفظ للشريعة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] إقرار بالحقيقة ويذهب البعض إلى أن الشريعة علوم الظاهر المستمدة من الكتاب والسنة وعلم الحقيقة هو علم الباطن وهو العلم اللدني المستمد من الله تعالى كعلم الخضر ﵇ إذ قال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [الكهف:٦٥]. لذا نجد الصوفية عن طريق علم الحقيقة نسخوا الشريعة بغير حق. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٤، ٤٥ الحقيقة المحمدية تعني أن النور المحمدي أشرق قبل أن يكون الخلق، ومنه خلق الكون وما حوى، فهو أول شيء فاض عن الله ، ثم ما زال يظهر ويتسلسل هذا النور في الأنبياء إلى أن وصل إلى النبي محمد ﷺ ، فكان محمد خاتم الأنبياء بهذا المعنى ولذا بُدئ به الأمر وختم، وكان محمد ﷺ أكمل تجلي خلقي ظهر فيه الحق فهو الإنسان الكامل الذي حاز خلاصة الكون كله وأصبح مقابلاً للذات الإلهية. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٥

стр. 2982

المبحث الثالث: علوم الصوفية بين الهبة والاكتساب المراد بالعلوم الوهبية هي العلوم التي يحصلها الإنسان بلا جهد وذلك بتحصيلها من الله تعالى مباشرة، وبعضهم يسميها العلوم اللدنية مستدلين بقوله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [الكهف:٦٥]. والمراد بالعلوم الكسبية هي التي يحصلها الإنسان عن طريق التعلم والقراءة والكتابة وعن طريق التلقي من المشايخ والعلماء. والناظر في كتب الصوفية الأوائل والكتب التي تتحدث عنهم يجد كثيراً من الأقوال المنسوبة لشيوخهم تبين أن علومهم من قبيل الكسبية المستمدة من الكتاب والسنة فمن أقوال شيوخهم: قول القشيري: " اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، وصانوا بها عقائدهم من البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة " وقال سهل بن عبد الله التستري ﵀: " كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ". وقال الجنيد بن محمد: " من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة". وقال: " الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ ". وقال أبو حمزة البغدادي: " لا دليل على الطريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول ﷺ في أحواله وأقواله وأفعاله ". هذه الأقوال تدل على ما كان عليه أولئك الشيوخ ومتقدموا الصوفية ولكن الذين جاءوا بعدهم ومتأخروهم أدخلوا أموراً على التصوف تخالف ما كان عليه أوائلهم. وحقيقة " التصوف إيمان ثم علم ثم عمل، وذلك يكون متقدم على علوم الصوفية بالضرورة فأما العلم السابق عن العمل فكسبي يأتي من جانب الإنسان وما يبذله في تحصيله من جهد ويقوم على الدليل والبرهان. أما العلم الحاصل بعده – فهو العلم الوهبي – وهو ما يطلق عليه الصوفية اسم (المعرفة) أو العرفان. الذي تحصل فيه المشاهدة والعيان فيتميز أنه وهبي من لدن الله تعالى ". وإلى هذه يشير الإمام أبو حامد الغزالي إلى العلم الكسبي والوهبي فيقول: " أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والآخروية والحقائق العقلية وهي تتحصل له - أي العلوم الكسبية – بالتجارب والفكر، والناس في هذا مراتب لا تحصى يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها. ثم يتحدث بعد ذلك عن العلوم الوهبية وهي التي " تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة وهي درجات وأقصى الرتب رتبة النبي ﷺ الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف، بكشف إلهي في أسرع وقت. ويقول عبد الحليم محمود: إن المشاهدة الصوفية ليست ثقافة كسبية ولا يتأتى التحدث عن مصادرها الخارجية أياً كانت هذه المصادر لأن المعرفة الصوفية استمداد من مصدر النور والهداية. من أقوال الصوفية في العلم الوهبي واعتراضهم على العلوم الكسبية قول أبي يزيد البسطامي لعلماء عصره: أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. وقد أرسل ابن عربي رسالة إلى الفخر الرازي صاحب (التفسير) يقول فيها: اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكتمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله بلا واسطة من نقل أو شيخ. وإذا كان طريق تحصيل العلوم الشرعية المكتسبة هي الكتاب والسنة وتلقي العلوم المتعلقة بهما من العلماء كالتفسير وشروح كتب السنن، فإن طريق تحصيل العلوم الوهبية تكون عن طريق: -

стр. 2983

١ - الكشف: ويقول عنه الغزالي: هو العلم اليقيني الذي تنكشف فيه العلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ولا يتسع القلب لتقدير ذلك وهو كما سبق تعريفه الاطلاع على ما وراء الحجب من المعاني الغيبية. ٢ - الذوق: وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه ويفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره. ٣ - الوجد: وهو ما يصادف القلب دون تكلف. ٤ - الإلهام: وهو ما يلقى في الروع بطريق الفيض أو هو ما وقع في القلب من علم. أو هو الاطلاع على أسرار الغيب بعين البصيرة في عالم المثال بلا شك ولا شبهة اطلاعاً غيبياً.٥ - الفراسة: وهي معرفة حال الإنسان عن طريق النظر إليه وذلك بقياس حاله على أمثاله من خلال التجربة أو من خلال ما يراه الناظر، أو من خلال ما يجده في نفسه، أو هي قدرة المؤمن التقي على توسم الخير أو الشر بمن حوله من الأشخاص والكائنات. ويستدلون على ذلك بالحديث ((اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) (١) ٦ - الرؤى المنامية: واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) (٢) وفي رواية الرؤيا الصالحة. وقال رسول الله ﷺ : ((لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له)) (٣) وهذه الأمور جميعها عرضة للوقوع في الخطأ لذا يجب أن يكون الفاصل في ذلك هو الكتاب والسنة، لأن كل علم يحصل للإنسان من غير طريقهما قد يكون من قبيل الضلال والباطل والأحوال الشيطانية والأوهام والتخيلات. ولقد دخل للتصوف كثير من البدع والضلالات بسبب الكشف والرؤية والإلهام المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٥ - ٤٩

стр. 2984

الفصل السابع: أقسام التصوف • المطلب الأول: بالنظر إلى جهة العمل. • المطلب الثاني: بالنظر إلى جهة الاعتقاد.

стр. 2985

المطلب الأول: بالنظر إلى جهة العمل ١ - صوفية الحقائق: والتصوف عندهم عبارة عن حقائق وأحوال وحدود وسيرة، ومن لوازم التصوف عندهم صفاء الباطن والظاهر، وصفاء الباطن بالبعد عن الأمراض القلبية، كالبغض والحقد والحسد وصفاء الظاهر بكثرة العبادات والنوافل والبعد عن الملذات والشهوات. وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، وذلك لحرصهم على متابعة الرسول ﷺ وهم درجات ومقامات بحسب عبادتهم والتزامهم. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٤٩ ٢ - صوفية الأرزاق: وهم الذين تركوا السعي على الرزق وكسب المعاش واكتفوا بما يجود به الناس عليهم من الصدقات، وعليهم توقف الأوقاف الخيرية، وتبنى لهم التكايا، وبعضهم يعزف عن الزواج، وهم حريصون على الزهد والعبادة وتظهر عليهم الذلة والمسكنة بخلاف أرباب صوفية الحقائق الذين يكسبون أرزاقهم بالعمل والسعي وراء الرزق. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٩ ٣ - صوفية الرسم: وهم قوم اقتصروا على الانتساب إلى الصوفية، وتزيوا بزي الصوفية، وحرصوا على لبس المرقعات، وهم لا يلتزمون بطريقة صوفية ولا يتابعون شيوخهم، ولا يحرصون على العبادات ولا يزهدون في الدنيا كسابقيهم. والناظر إليهم يظنهم زهاداً، ومن تعامل معهم ونظر إلى أعمالهم، وجدهم ليسوا من التصوف في شيء. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٩

стр. 2986

المطلب الثاني: بالنظر إلى جهة الاعتقاد ١ - السلفية: وهم الزهاد الذين آمنوا بما آمن به السلف وساروا على نهجهم. حيث قال عنهم ابن تيمية ﵀: والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف وقد نقل عن كثير منهم بالأسانيد المتصلة ما يدل على تمسكهم بالكتاب والسنة وعقيدة السلف وهم أمثال الجنيد بن محمد والفضيل بن عياض وسهل بن عبد الله التستري وأبو سليمان الداراني وغيرهم كثير. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٥٠ ٢ - الأشعرية: ويقصد بهم الذين سلكوا طريق أبي الحسن الأشعري من مشايخ الصوفية القائلين بأن الله يتكلم بلا حرف ولا صوت والذين يؤولون الصفات الخبرية، مع أن بعضاً من مشايخ الصوفية كانوا ينكرون على من اتبع طريقة الكلاّبية والأشاعرة، حيث نقل عن القشيري قوله: فإن هؤلاء المشايخ مثل أبي العباس القصاب له من التصانيف المشهورة في السنة ومخالفة طريقة الكلابية والأشعرية ما ليس هذا موضعه، وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، الذين لهم لسان صدق في الأمة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٥٠ ٣ - الحلولية والاتحادية: وهم الذين يقولون بالحلول والاتحاد بحيث تكون أحد الذاتين وعاءً للأخرى، وحقيقة مذهبهم أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، وليس وجودها غيره، ولا شيء سواه، ويقصدون أن الأول هو وجود الحق " الحال " والثاني وجود المخلوق " المحل ". وأمثال هؤلاء محيي الدين بن عربي، والحلاَّج، وابن سبعين. وهؤلاء القوم يقرب قولهم من قول الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٥٠

стр. 2987

المبحث الثاني: تقسيم الشوبكي للتصوف • المطلب الأول: التصوف السني. • المطلب الثاني: التصوف البدعى.

стр. 2988

المطلب الأول: التصوف السني والمراد بهذا النوع من التصوف هو ما كان قرين الزهد والتقلل من متاع الدنيا وملذاتها وهو امتداد لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، وإن كان هذا الزهد لم يعرف باسم التصوف إلا في أواخر القرن الثاني الهجري فإن أصله ومعناه وحقيقته كان معروفاً في زمن رسول الله ﷺ ، وقد حث على ذلك القرآن الكريم في كثير من آي الكتاب الحكيم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:٥]. وقال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:٦٥].وكذلك كثر ذكر الزهد في كتب الحديث والسنن وكثرت أبوابه، والناظر فيها يجدها قد اشتملت على أبواب كثيرة مثل باب الزهد في الدنيا، باب فضل الجوع، باب القناعة والعفاف، باب فضل البكاء من خشية الله والناظر في هذه الكتب يجد كثيراً من الأحاديث والآثار الواردة في الزهد ومن ذلك قوله ﷺ ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع)) (١) وقوله ﷺ ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر ﵄ يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك)) (٢). لذا لم يكن مستغرباً أن يزهد أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم في دنياهم، ولا تابعوهم والسلف الصالحين. ولم يكن الزهد عن قلة المال وإنما الزاهد هو من جاءه المال فزهد فيه وأنفقه ولم يجعله كل همه. مصادر التصوف السني: ١ - القرآن الكريم: والقرآن الكريم هو الأساس الذي يستمد منه كل علم شرعي شرعيته، وعليه يعتمد أهل الحق في التمسك بحقهم. كما أن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم وهو الكامل الشامل كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ٌ [المائدة:٣]. لذلك لم يهمل القرآن الدعوة إلى الزهد والتقلل من متاع الحياة الدنيا التي يضرب لها مثلاً بقوله: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤]. وقال أيضاً: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:٤٥ - ٤٦]. ٢ - السنة النبوية:

стр. 2989

والمصدر الثاني من مصادر هذا الدين هو السنة النبوية، لذا فإن الناظر في كتب السنن وفى شمائل النبي ﷺ يجدها مليئة بالدعوة إلى الزهد وإليك بعض المختارات من بستان النبوة الذي يعج ويحفل بوصف الدنيا ودنوها لطالبيها وأنها مزرعة الآخرة ولا تغنى عن الآخرة شيءاً. قال ﷺ : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) (١).وقال: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)) (٢).وقال مبيناً تعاسة من تمسك بها وشغل نفسه بها: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وان لم يعط لم يرض)) (٣). وقال: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) (٤).وكان يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالم ومتعلم)) (٥) ولقد كان محمد ﷺ أزهد الناس في الدنيا، كيف لا وقد كانت تأتيه مرغمة فيردها إلى من هو دونه وينفقها، وقد قال: ((لو كان لي مثل أحد ذهباً لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء أرصده لدين)) (٦).ويقول النعمان بن بشير ﵁ يصف حال النبي ﷺ كما ذكر ذلك عنه قال: ((لقد رأيت نبيكم ﷺ ، وما يجد من الدقل (رديء التمر) ما يملأ به بطنه)) (٧).وفى حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ((أن رسول الله ﷺ نام على حصير فأثرّ في جنبه فقال له أصحابه رضى الله عنهم: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً. فقال: " ما لى وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) (٨) وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليالٍ حتى قبض)) (٩). وفي رواية أخرى ((ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض)) (١٠).و ((ما ترك رسول الله ﷺ عند موته ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)) (١١). هذا هو رسول الله ﷺ الذي أمرنا أن نتأسى به ونقتفي أثره لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الممتحنة:٦]. ٣ - آثار الصحابة والتابعين:

стр. 2990

عند الرجوع إلى أحوال الصحابة ﵃ والتابعين نرى فيهم التأسي برسول الله ﷺ بترك متاع الدنيا وزخرفها. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ حين وليَّ الخلافة دفع كل ما له في بيت مال المسلمين، فلما سئل عن ذلك قال: كنت أتجر فيه فلما وليتموني شغلتوني عن التجارة وحين وليَّ الخلافة خرج إلى السوق ليعمل فقال له الصحابة ﵃: نفرض لك ففرضوا له قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأوكسهم، فكان له برداه للصيف والشتاء إن أخلقهما " أي قَدِمَا " وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق عليهما قبل أن يُستخلف، فقال أبو بكر ﵁ قد رضيت. وكان عمر ﵁ على درب رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ فحين فتحت عليه الدنيا كلمتاه عائشة وحفصة ﵄ في تغيير جبته التي كانت فيها اثنتا عشرة رقعة ويقدم له طعام يأكل منه وأضيافة، فأبا وقال إن له أسوة بصاحبيه فلا يجمع بين أُدمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل شهر ينقضي ما انقضى من القوم ولما قدم له ماء قد شيب بعسل فقال: إنه لطيِّب وقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا [الأحقاف:٢٠]. فأخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا فلم يشربه ". وفي البداية والنهاية لابن كثير أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج بسيفه إلى السوق وقال: من يشتري مني سيفي هذا فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزاراً ما بعته. ورضي الله عن أبي الدرداء إذ يقول: والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتاً على باب المسجد، لا يخطئني فيه صلاة، أربح فيه كل يوم أربعين ديناراً وأتصدق بها كلها في سبيل الله. قيل له: يا أبا الدرداء وما تكره في ذلك؟ قال: شدة الحساب. والمتبع لقصص الصحابة في (الحلية)، و (كنز العمال)، و (البداية والنهاية)، وكتب السنن يجد الشيء الكثير من ذلك وكذلك قصص التابعين. من أعلام التصوف السني: ١ - إبراهيم بن أدهم (١٩٩) بن منصور البلخي التميمي كنيته أبو اسحق، كان أبوه من ملوك خراسان وكان موسراً، وعاش مترفاً منعماً، وقد خرج إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه للصيد فسمع صوتاً يناديه فالتفت إليه فلم ير شيئا وتكرر ذلك معه، ثم قال له المنادى: ما لهذا خلقت ولا بذا أمرت فعزم أن لا يعصي الله تعالى بعد ذلك ورجع إلى بيته فترك فرسه وعمد إلى أحد رعاة أبيه فأخذ منه جبةً وكساءً وتخل عن ثيابه وترك المتع. خرج إلى العراق وإلى الشام طلباً للعمل وللرزق الحلال وتجول فيها وكان يأكل من عمل يده، كان يعمل بالحصاد وجني الثمار وحفظ البساتين والحمل والطحن، وكان إذا أنهي عمله قبل أن ينام ينادي في الناس من يريد أن يطحن؟ فيأتيه الناس فيطحن لهم بلا كراء. أخذ عن كثير من علماء العراق والحجاز، وكان قد تفقه، وكان يشترك مع الغزاة في قتال الروم. وكان يتكلم الفصحة ولا يلحن في العربية، وكان إذا وقف سفيان الثوري في مجلسه يعظ أوجز مخافة الزلل. كان يلبس في الشتاء فرواً لا قميص تحته، وفى الصيف لا يتعمم ولا يحتذي، وكان يصوم في السفر والإقامة. ولما سئل كم لك في الشام؟ قال: أربعة وعشرون عاماً، ولما سئل ما جاء بك إليها قال: لأشبع من خبز الحلال. عمل في أحد البساتين سنين، فجاءه صاحب البستان وطلب منه رماناً حلواً فجاءه به فوجده حامضاً فقال له: تأكل فاكهتنا سنين ولا تميز الحلو من الحامض. فأقسم أنه ما أكل فاكهتهم ولا يميز الحلو من الحامض.

стр. 2991

وجاءه عبد لأبيه يحمل له عشرة آلاف درهم، ويخبره أن أباه قد مات في بلخ وخلف له مالاً كثيراً، فأعتق العبد ووهبه الدراهم ولم يعبأ بمال أبيه. هذا هو إبراهيم بن أدهم الذي ترك الدنيا ومتاعها طلباً لبحبوحة الجنة وقد توفي رحمه اللهسنة ١٦١هـ -٧٧٨م. وأخباره كثيرة وفيها اختلاف في مسكنه ونسبته ووفاته. ٢ - عبد الله بن المبارك (٢٠٠): هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء التميمي المروزي، يكنى بأبي عبد الرحمن وهو شيخ الإسلام، كان من الربانيين في العلم الموصوفين بالحفظ المذكورين بالزهد وقد جمع الحديث والفقه والعربية، وأيام الناس والشجاعة والتجارة، والمحبة عند الفرق، كان من سكان خراسان ولد سنة ١١٨ هـ، سمع سفيان الثوري وشعبه والأوزاعي والليث بن سعد، أفنى عمره في الأسفار حاجاً وتاجراً ومجاهداً، كان سخياً، وكان يقضي الدين عن المدينين، ويسعى في فك المحبوس، له كتاب في الجهاد وهو أول من صنف فيه. مات بهيت على الفرات منصرفاً من غزو الروم سنة ١٨١هـ. قال الأوزاعى: لو رأيت ابن المبارك لقرت عينك. وقال سفيان الثوري: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر. قال ابن المبارك: زيادة دنياكم بنقصان آخرتكم، وزيادة آخرتكم بنقصان دنياكم. وكان يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شرٌ منهم. وقال: الصمت أزين للفتى من منطق في غير حينه، والصدق أجمل بالفتى في القول عندي من يمينه. وسئل ابن المبارك مَنْ الناس؟ قال العلماء: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. فمن سفلة الناس؟ قال: الذين يعيشون بدينهم. ٣ - الفضيل بن عياض (٢٠١): الفضيل بن عياض التميمي من بني يربوع ولد بخراسان، قدم الكوفة وهو كبير كان ثقة ثبتاً فاضلاً عابداً ورعاً، وكان من شدة الخوف نحيفاً. كان كثير الحديث وسمع الحديث من منصور بن المعتمر وغيره، وروى عنه ابن المبارك والشافعي وبشر الحافي وغيرهم. ثم تعبد وانتقل إلى مكة وكان لا يقبل هدايا الدولة. وتوفى بمكة المكرمة سنة ١٨٧هـ في خلافة هارون الرشيد وكان ذلك يوم عاشوراء، وقد نيف على الثمانين عاماً. قال هارون الرشيد: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك ولا أورع من الفضيل. وقال إبراهيم بن الأشعت: كان الفضيل إذا ذكر الله، أو ذُكر عنده، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن وفاضت عيناه وبكي حتى يرحمه من بحضرته. وقال: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة يعظ ويذكر ويبكي كأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة فإذا وصلنا المقبرة جلس كأنه بين الموتى. قال عبد الله بن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن. وللفضيل أقوال كثيرة في كتب التراجم منها: " من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة " " ليس من عبد أُعطي شيئا من الدنيا إلا كان نقصاناً له من الدرجات في الجنة " " ليست الدار دار إقامة وإنما أُهبط آدم إليها عقوبة " " لو خيرت لاخترت أن أعيش كلباً وأموت كلباً ولا أرى يوم القيامة " وكان ﵀ يكثر من صلاة الليل فيلقى إليه حصير فإذا غلبته عيناه استلقى عليه ثم يفيق يصلي ٤ - معروف الكرخي (٢٠٢): هو معروف بن فيروز " الفيرزان " الكرخى أبو محفوظ ولد في كرخ بغداد ونشأ فيها، كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدبهم فكان يقول له: قل ثالث ثلاثة فيقول: بل هو الواحد فيضربه معلمه ضرباً مبرحاً فهرب وأسلم على يد على بن موسى الكاظم. وكان أبواه يقولان ليته يرجع على أي دين فنتبعه فرجع إليهما مسلماً فأسلما. وكان مولى من موالي علي بن موسى الكاظم وكان يحجبه فكثر الزحام فضغطه الناس فتكسرت أضلاعه فمات ببغداد سنة ٢٠٠هـ. لما حضرته الوفاة قيل له: أوصى. فقال: أوصى بقميصي إذا مت فتصدقوا به أريد أن أخرج منها عرياناً كما دخلتها. وقبره ببغداد مشهور ويزار ويستشفع به ويتبرك به ويستسقى به " وهذا لا يصح " وكان ﵀ مشهوراً بالصلاح مستجاب الدعوة حريصاً على الحق، ذات يوم مر بسقاء يقول رحم الله من يشرب وكان صائماً فشرب طمعاً ببركة دعائه. قال رجل لمعروف الكرخى: ما شكرت معروفي. فقال: وقع معروفك من غير محتسب عند غير شاكر. وقال معروف الكرخى: " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق ". المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٥٠ - ٥٩

стр. 2992

المطلب الثاني: التصوف البدعى وهذا التصوف خليط من التصوف الإسلامي والتصوف الجاهلي، وقد يكون رجاله أهل علم وأصحاب نوايا حسنة، وأثرت فيهم العادات السائدة في عصرهم وخاصة ما فيها من بدع. بعضهم حاول إصلاح الطرق فلم يستطع فاضطروا إلى تأويل أعمالهم التي هي في الظاهر مخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ليوهموا الناس بأنها لا تعارض النصوص الشرعية وليسلموا من الطعون والانتقادات الموجهة إليهم. وهؤلاء القوم ليس لهم تطلع لإقامة دين الله تعالى في الأرض بل هم يشغلون أنفسهم بأمور أهمها: ١ - الاشتغال بالأذكار والأوراد وغالباً ما تكون طريقتهم في الذكر غير مطابقة للسنة بل تشتمل على بعض البدع، كأن يكون الذكر بصورة جماعية، ويسبق بعضهم بعضاً مما يجعل المسبوق يترك بعض الكلمات التي تخل بالمعنى، إضافة إلى الحركات المصطنعة التي يحدثونها أثناء الذكر من التمايل والقفز والتراقص. كما أن أورادهم غالباً ما تشتمل على الاستشفاع والتوسل بالأولياء والصالحين والاستعانة بالمقبورين، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بالدعاء. ٢ - التربية والتزكية عن طريق النوافل، فهم غالباً يحرصون على الإكثار من صيام التطوع فبعضهم يتحرى صيام المندوبات والبعض يصوم زيادة على ذلك. وكذلك الصلوات فهم يكثرون من صلاة النافلة وقيام الليل بل يجعلوا لكل ليلة قيامًا مخصوصاً وتلاوة مخصوصة، ولا يجوز تخصيص يوم أو ليلة بعبادة مخصوصة إلا بدليل. ٣ - البيعة يهتم كثير من أصحاب الطرق الصوفية البدعية بأخذ البيعة من المريد وتكون البيعة على الطاعة المطلقة لشيخه، دون الاعتراض عليه. والطاعة المطلقة لا تصح إلا للمعصوم ﵇ وكل بيعة لغيره يجب أن تكون مقيدة في حدود عدم المعصية لله تعالى ورسوله ﷺ فإنه ((لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)) (١). أبرز ما يميز هذا النوع من التصوف هو الوقوع في البدع. أقسام البدعة: البدعة تنقسم إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة: ١ - البدعة الحسنة أو السنة الحسنة وهي تكون في الجوانب الحياتية والتقدم العلمي التجريبي وفى الأمور التي تخضع للمصالح المرسلة "المصالح العامة التي لا نص فيها " كعمل صندوق للصدقات وبناء المستشفيات والمدارس التعليمية وما شابه ذلك. ٢ - البدعة السيئة وهي كل محدثة في دين الله تعالى لقوله ﷺ : ((إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة)) (٢). وقد وقع الصوفية في كثير من البدع والشركيات منها. ما يكون من غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت فيقضون الحاجات ويفرجون الكربات وينصرون من دعاهم ويحفظون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية

стр. 2993

والذين يجعلون مع الله نداً يدعونه كما يدعو الله تعالى ويسألونه الشفاعة كما يسألون الله تعالى، ويحبونه كما يحبون الله تعالى. وقد حذر ﷺ مما هو أدنى من ذلك فحين قيل له ﵇ " ما شاء الله وشئت ". قال: ((أجعلتنى لله عدلاً (نداً) بل ما شاء الله وحده)) (١).ومن ذلك أيضاً التبرك بالأماكن والأشخاص والأشجار وغير ذلك، وقد طلب أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم شيئا من ذلك وهم حديثوا عهد بكفر وذلك حين خرجوا لغزوة حنين فمروا " بشجرة " بسدرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قالوا: اجعل لنا شجرة كذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:١٣٨] إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم)) (٢). ومن ذلك الذبح للأولياء والصالحين، وتقديم القرابين لهم، والذبح عند قبورهم. وقد نهي الله تعالى عن ذلك وحذر من الوقوع في ذلك سيدنا محمد ﷺ . وقال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] وقال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:٢] وقال ﷺ ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض)) (٣).وقد نهي ﷺ عن الذبح عند الأوثان أو في أماكن يقام فيها عيد جاهلي وذلك حين سُئل عن رجل نذر أن يذبح إبلاً بأحد الأماكن فقال ﷺ : ((هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد)) فقالوا: لا، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟)) قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)) (٤). ومنها الاستعاذة بالمقبورين والصالحين من الأولياء الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. والاستعاذة معناها الالتجاء والاعتصام والتحرز والهرب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه. وقد أمرنا المولى أن نستعيذ به قال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:٣٦] وقال أيضاً: وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨] وقال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:١] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:١]. ومنها الاستغاثة بغير الله تعالى والاستغاثة طلب الغوث لإزالة الشدة كالاستنصار طلب النصرة، والاستغاثة تمتاز عن الدعاء بأنها لا تكون إلا من المكروب قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:٩]

стр. 2994

فقد وقع كثيرٌ من الصوفية والعوام في ذلك فمنهم من يدعو شيخه عند اشتداد الكروب فيقول: يا علي، ويا عبد القادر، ويا بدوي وأدى الغلو إلى أكثر من ذلك منهم من يسألهم الجنة وغفران الزلات حتى زعم أحدهم أن شيخة يجلس عند النار فلا يدع أحداً استغاثه يدخلها ونسجوا كثيراً من القصص المكذوبة فزعموا أن فلاناً استغاث شيخه فأغاثه، أو دعا الولي الفلاني فأجابه أو فرج كربته وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:٥]. وممن وقع في ذلك البوصيري حيث قال: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم ولا يضيق رسول الله جاهك بي ... إذ الكريم تحلى باسم منتقم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم فقد وقع البوصيري بأخطاء كثيرة في أشعاره هذه منها: - ١ - إنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الخطوب إلا الرسول ﵇ وليس ذلك إلا لله. ٢ - تضرع للرسول ﵇ وناداه ودعاه وطلب منه أموراً لا تطلب إلا من الله . ٣ - طلب منه الشفاعة عندما يريد الله تعالى الانتقام ولا يمنع ذلك أحد. قال تعالى لسيدنا محمد ﷺ : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ [الزمر:١٩]. ٤ - ادعى أن له ذمة لأن اسمه محمد وهذا غير صحيح لأنه ليس بين الرسول ﵇ ومن اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، وكم من الطغاة من سماه أهله بمحمد. ٥ - زعم أنه لا خلاص له إلاّ إذا تفضل عليه الرسول ﷺ وأخذ بيده يوم القيامة، والخلاص والنجاة يوم القيامة تكون بفضل الله عليه. وكذلك البرعي وقع في شيء من ذلك في قوله: أرجوك في سكرات الموت أن تشهدني ... كيما يهون إذ الأنفاس في صعد وإن نزلتُ ضريحاً لا أنيس به ... فكن أنيس وحيد فيه منفرد وقال أيضاً: يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني هبني بجاهك ما قدمت من زلل ... جوداً ورجح بفضل منك ميزاني واسمع دعائي واكشف ما يساورني ... من الخطوب ونفّس كل أحزاني فأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني فقد وقع البرعي بأبياته هذه في أخطاء عدة منها: - ١ - أنه يستغيث بالرسول ﵇ ويطلب حضوره عند موته ليهون عليه سكرات الموت وهذا ليس إلا لله . ٢ - وطلب من الرسول ﵇ أن يؤنس وحشته في قبره وليس للعبد أنيس إلا العمل الصالح. ٣ - وطلب منه أن يرجح ميزانه يوم القيامة ولا يرجح الميزان إلا الإخلاص والعمل الصالح ٤ - وطلب منه ﵇ أن يكشف عنه الضر والكربات ويهون عليه الحزن والخطوب. ٥ - وهو الذي يرجو عاطفة الرسول ﷺ مهما بعدت الدار والرسول ﷺ لا يرجى بعد موته. ٦ - زعم أن الرسول ﷺ هو أقرب من يرجى، والله تعالى هو القريب المجيب وليس الحبيب محمد ﵇ بعد وفاته. ومن الأخطاء التي وقع فيها القوم التوسل. والتوسل هو اتخاذ الوسيلة وهي الطريقة التي توصل إلى المطلوب " المرغوب". الوسائل نوعان كونية وشرعية:

стр. 2995

١ - الوسيلة الكونية: وهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله بها ويؤدي إلى المطلوب بما أودعه الله فيه من سنن كالماء فهو الوسيلة إلى ري الظمآن والطعام هو الوسيلة لحصول الشبع للجائع، والملابس تحفظ الإنسان من حرارة الشمس وبرد الشتاء، واستعمال الزراعة والري للحصول على الغذاء والزواج وسيلة لحصول الذرية وهي مشتركة بين المؤمن والكافر من غير تفريق ويشترط لاستعمالها شرطان أن تكون مباحةً شرعاً، وثبت بالتجربة وغالب الظن تحقق المطلوب بها. ٢ - والوسيلة الشرعية: وهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى وبينه في كتابه وسنة نبيه وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله ﷺ . - فالوضوء والغسل والتيمم وسيلة لحصول الطهارة، والامتناع عن الطعام وسيلة لحصول الصيام والنطق بالشهادتين والعمل بمضمونها وسيلة لحصول مرضاة الله تعالى والفوز برحمته ودخول الجنة، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل الشفاعة، وصلة الرحم وسيلة لطول العمر وسعة الرزق. ويشترط فيها ثبوتها بالشرع الحنيف. فهذه القضايا السابقة تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم والتجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله ﷺ : ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه)) (١). التوسل المشروع لا يتم إلا بأحد أنواع ثلاثة: - ١ - التوسل باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته. ٢ - التوسل بعمل صالح قام به الداعي. ٣ - التوسل بدعاء رجل صالح. النوع الأول: التوسل باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته: قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] ومنه ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ قال في أحد أدعيته ((اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) (٢).وفي الحديث من كثر همه فليقل ((اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي " إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجاً)) (٣) وفي الحديث، ((كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني)) (٤). النوع الثاني: التوسل إلى الله بصالح الأعمال: وهو أن يتوسل الإنسان بصالح أعماله إلى الله لأن هناك مناسبة بين توسل الإنسان إلى الله وبين عمله الصالح الذي أخلص به لوجه الله تعالى والدليل على صحة ذلك ما ورد في القرآن الكريم قال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:١٦] وقال تعالى: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:٥٣].

стр. 2996

وما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((انطلق ثلاثة رجال ممن كان قبلكم، فآواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار. فقالوا: والله لا ينجينا من هذه الصخرة إلا أن ندعوا الله بصالح أعمالنا. فقال أحدهم: كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فعاقني طلبُ يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فجئتهما به فوجدتهما نائمين، فتحرجت أن أوقظهما، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فقمت والقدح بيدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما .. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه. وقال الثاني: " اللهم لقد كانت لي ابنة عم، كانت أحب الناس إلى، فراودتها عن نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجتُ من الوقوع عليها وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلى، وتركت المال الذي أعطيتها إياه. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج. ثم قال الثالث: " اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم، غير رجل واحد منهم، ترك أجره وذهب، فثمرت أجره، فجاءني بعد حين، فقال يا عبد الله أدِّ إلى أجرتي، فقلت له: إن أجرتك هي كل ما ترى من الإبل والغنم والبقر والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئُ بك، ورويت له القصة، فأخذ ذلك كله فاستاقه، ولم يترك منه شيءاً. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا من الغار يمشون)) (١) وهذا حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على صحة أعمالهم فيها وإن الله قبلها وقبل دعاءهم وتوسلهم بصالح أعمالهم. النوع الثالث: التوسل بدعاء الصالحين: وهو كأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تعالى فيحب أن يتقرب إلى الله بسبب قوي، فيذهب إلى رجل حيث يعتقد فيه الصلاح والتقوى والعلم والفضل فيطلب منه أن يدعو له ربه أن يكشف عنه الضر ويفرج كربه. ومن ذلك توسل عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء العباس ﵁ والاستسقاء به حيث قال: (اللهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) (٢). والمراد أن عمر ﵁ كان يقول للعباس ﵁ قم فاستسق لنا ربك فيدعو لهم فيسقيهم الله تعالى. ومن ذلك أن معاوية ﵁ دعا يزيد بن الأسود يستسقي لهم فدعا لهم ودعا الناس فسقاهم الله. وأما الشفاعة فهي شبيهة بالتوسل وليس لأحد أن يشفع عند الله تعالى إلا بإذنه لقوله تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥]، ويقول الرسول ﷺ عن شفاعته بأن الله يحد له حداً ويقول له اشفع في هؤلاء فيشفع (٣) وأما الشفاعة في الدنيا فيجوز للإنسان أن يشفع شفاعة حسنة. ولا تصح الشفاعة في ظلم ولا في حد من حدود الله لقوله ﷺ لأسامة بن زيد مستنكراً ((أتشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)) (٤).

стр. 2997

والشفاعة في الآخرة لا تطلب إلا من الله تعالى فليس لأحدنا أن يطالب أو يرجو الشفاعة من أحد حتى من رسول الله ﷺ ، وإنما يطلب ذلك من الله تعالى فيقول اللهم ارزقنا شفاعته. وأما ما ورد في حديث الضرير حين توضأ وصلى ركعتين، وكان من دعائه بعدهما عن محمد ﷺ اللهم شفع فيَّ محمداً وشفعني فيه، فالمراد من قوله اللهم تقبل دعاءه لي ودعائي له، فيكون المراد أيضاً طلب استجابة دعاء كلٍ منهما من الله . وأما الأحاديث الأخرى الواردة وتشمل على السؤال بحق النبي، أو بجاه النبي أو بحق السائلين فلا يقوى منها حديث لدرجة الصحة، فكلها بين الضعيف والموضوع. من أبرز رجال التصوف البدعي: البوصيري: هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري كنيته أبو عبد الله ولقبه شرف الدين، وهو شاعر مليح المعاني حسن الديباجة. والبوصيري نسبة إلى " أبو صير " من أعمال بني سويف بمصر، وأمه منها، وأصله من المغرب، وتوفى بالإسكندرية. عاش بين عامي ٦٠٨– ٦٩٦هـ، ١٢١٢– ١٢٩٦م. له ديوان شعر وأشهر أشعاره البردة. وسميت البردة بهذا الاسم – كما زعموا - لأن البوصيري أصيب بشلل نصفي، فأنشدها فرأى الرسول ﷺ في المنام فألقى عليه بردته فبرئ، وكان بعض الفقراء إذا مرض قرأ البردة فبرئ والله أعلم. وهذا لا يصح شرعاً لاشتمال البردة على مغالطات شرعية وعقدية ولا يصح عقلاً. البرعي: وهو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني، وهو شاعر متصوف من سكان اليمن، درس العلم وأفتى ودَرَّسَ، له ديوان شعر مطبوع أكثره في المدائح النبوية، ينسب إلى برع بتهامة، توفيَّ سنة ٨٠٣هـ – ١٤٠٠م. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٥٩ - ٧٠ المطلب الثالث: التصوف الفلسفي (الباطل) وهو التصوف الذي اختلط بالفلسفات القديمة حتى غلبت عليه أفكار الفلاسفة كالفلسفة الإشراقية والزرادشتية وهو أيضاً يشتمل على رهبانية النصاري، ودردشة الهنادكة، ودخل إليه الشرك أيضاً عن طريق تأثره بالفلسفة اليونانية والرومانية والفارسية. وأصحاب هذا النوع من التصوف تحللوا من شريعة الإسلام ومبادئه ووقعوا في جاهلية عمياء حيث وقعوا في الخرافات والأكاذيب وابتعدوا عن الدعوة إلى الله والوعظ والإرشاد وانقطعوا لاستقبال الهبات والنذور من جهلة القوم. وأبرز الأفكار التي ظهرت عند هؤلاء القوم هي وحدة الوجود والحلول والاتحاد والاعتماد على العلوم الكشفية. والملاحظ أن هذا النوع من التصوف لا يستمد أصوله وأفكاره من مصادر إسلامية لذلك قوبل بمعارضة شديدة من العلماء والأئمة كالغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال)، ابن تيمية في (فتاويه)، ابن القيم في (مدارج السالكين)، وابن الجوزي في (تلبيس إبليس). من أبرز رجال التصوف الفلسفي: ١ - الحلاّج (٢٤٠): هو الحسين بن منصور الحلاج الفارسي ولد بفارس سنة ٢٤٤هـ البيضاوي البغدادي، جدهُ زاردشتي، صوفي متكلم وله اتصال بالقرامطة له شطحات كثيرة، وأقوال سقيمة منها قوله " ما في الجبة إلا الله " " وأنا الحق " ولا يؤمن بفريضة الحج يقول أبو بكر بن الصولي عنه رأيت الحلاج وخاطبته فرأيت جاهلاً يتعاقل وغبياً يتبالغ وفاجراً يتزاهد وكان مع جهله خبيثاً، وكان متشدداً وعنيداً ومغالياً ويكتنفه كثير من الغموض وقد قتل مصلوباً بفتوى من علماء عصره سنة ٣٠٩هـ. ٢ - ابن الفارض (٢٤١):

стр. 2998

هو عمر بن علي بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري ولد سنة ٥٧٦هـ، شاعر صوفي لقب بسلطان العاشقين اشتغل بفقه الشافعية أخذ الحديث عن ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المنذري، حبب إليه سلوك طريق الصوفية كان يعتزل الناس ويأوى إلى المساجد المهجورة والأماكن الخربة. توفى بالقاهرة سنة ٦٣٢هـ، وله ديوان شعر وشعره ينعق بالاتحاد الصريح. ٣ - ابن عربي (٢٤٢): هو محيي الدين بن محمد بن على بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي، الحاتمي، صوفي ومتكلم وفقيه وأديب ومفسر، ولد بالأندلس سنة ٥٦٠هـ كان يلقب بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، له أراء سقيمة أنكرها عليه كثيرٌ من أهل عصره واتهموه بالزندقة وعمل بعضهم على قتله خاصة في مصر، وحرم الشيخ جلال الدين السيوطي النظر في كتبه، له مؤلفات كثيرة منها الفتوحات المكية، وفصوص الحِكَم، من أقواله: الوجود كله واحد، وجود المخلوقات عين وجود الخالق، وجود الله هو الوجود الحقيقي، وجود العالم هو الوجود الوهمي، ويبني ابن عربي على وحدة الوجود وحدة الأديان وغير فكرة التوحيد بقوله ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله ولا معبود في الواقع إلا الله وقد قال عن نفسه كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت. وكانت وفاته عام ٦٣٨هـ بدمشق ودفن فيها وله قبر يزار في أيامنا هذه. ٤ - ابن سبعين (٢٤٣): هو عبد الحق بن محمد بن نصر الاشبيلي المرسى القرمطي، ولد سنة ٦١٤ وتوفى سنة ٦٦٩ هجرياً، وتوفى منتحراً، قيل أنه فصد الدم من يديه وتركه ينزف حتى تصفى فمات. وهو صوفي وحكيم درس العربية وآدابها بالأندلس. من أقواله السقيمة " لقد كذب ابن أبي كبشة حين قال لا نبي بعدي. ومن مؤلفاته أسرار الحكمة – الحروف الوضعية في الصور الفلكية – جواهر السر المنير. ولا تخلو مؤلفاته من الأقوال الباطلة كان يكثر من القول بوحدة الوجود في مؤلفاته ومواعظه. ٥ - شهاب الدين السهروردي (٢٤٤): هو أبو الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي، الملقب بالشيخ المقتول، ولد عام ٥٤٩هـ في مدينة ميديا المعروفة باسم سهرورد من أعمال زنجان من فارس (العراق العجمي)، تنقل في البلدان، تتلمذ على يد عبد الكريم الجيلي " الجيلاني " شيخ فخر الدين الرازي، طالع كتب ابن سينا وتصوف وتقرب من الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين الأيوبي وحضر مجالسه. اختلف الفقهاء مع السهروردي لقوله (إن الله قادر على أن يخلق نبياً بعد محمد ﷺ وأمر صلاح الدين ابنه الملك الظاهر بقتله لانحلال عقيدته، وكان ذلك عام ٥٨٧هـ، كان مستوى القامة يميل إلى سماع الموسيقى، يحتقر من يتقرب إلى السلطان والأبهة الدنيوية، سليط اللسان، لا يحترم الفقهاء والشيوخ، وكان أحياناً يرتدي الخرقة الصوفية والثياب المهلهلة؛ وكان رديء الهيئة ذريء الخلقة لا يغسل له ثوباً ولا يقص ظفراً ولا شعراً. وكان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، علمه أكبر من عقله، من أقواله حرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات .. اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف. وله كثير من المؤلفات بعضها مطبوع مثل: هياكل النور، رسالة في اعتقاد الحكماء، حكمة الإشراق وبعضها مخطوط مثل: المشارع والمطارحات، التلويحات، مقامات الصوفية. وذكر ابن خلدون الاختلاف في اسمه هل هو يحيى أم أحمد أم عمر والمترجم عنده أنه يحيى وذلك لأن جماعة من أهل الفن كتبوه بهذا الاسم. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٧٠ - ٧٣

стр. 2999

الفصل الثامن: حقيقة التصوف لقد مضى زمن رسول الله ﷺ وزمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يعرف عنهم أي سلوك يتميزون به غير اتباع الكتاب والسنة والتشرف بنسبتهم إلى ذلك، غير ملتفتين إلى التنطع في سلوكهم أو مخترعين طرائق ورهبانية مبتدعة. إلى أن أحدث أناس في الدين بدعة التصوف منحرفين عن المنهج السليم، وراحوا يتخبطون في دوائر وهمية وفرق عديدة وأحزاب متناحرة كل حزب بما لديهم فرحون. وقد أخذ كل فريق من هؤلاء يعبر عن التصوف حسب ما يراه، ويطول سرد تلك المفاهيم والتعبيرات والأقوال التي صدرت عن أقطاب هؤلاء؛ كالجريري، والجنيد، وعمرو بن عثمان المكي، ومحمد بن علي القصاب، ومعروف الكرخي، والسهروردي، والشبلي، والشاذلي، والتجاني، والبسطامي، وابن عربي، وابن الفارض وغيرهم. ولهذا فإن العلماء لم يتفقوا علي بيان محدد لمفهوم التصوف عند الصوفيين؛ ذلك لإطلاق هؤلاء الصوفية عبارات شتى حسب ذوق كل فريق، وتخيلاته لمفهوم التصوف، إلا أن الحصيلة العامة لأقوالهم تلتقي حول أن التصوف هو: القرب من الله، وترك الاكتساب، والتمسك بالخلق الرفيع، والجود، ورفع التكاليف عن بعض فضلائهم حين يتصلون بالله علي حد زعمهم، ويصلون إلى درجة اليقين وظهور المكاشفات، ثم هم بعد ذلك درجات في تطبيق هذا المفهوم. ولقد ذكر القشيري في "رسالته" عدداً من الآراء الصوفية في مفهوم التصوف والصوفي، حيث قال: "وتكلم الناس في التصوف ما معناه، وفي الصوفي من هو؟ فكل عبر بما وقع له، واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز، وسنذكر هنا بعض مقالاتهم فيه علي حد التلويح". وإذا كان القشيري قد اعتذر عن إيراد كل ذلك لكثرته مكتفياً بذكر بعض مقالاتهم، فإنني أنا كذلك أعتذر عن إيراد كل ما ذكره القشيري لكثرته أيضاً، وأذكر من ذلك ما نقله عن الجنيد أنه قال: "إذا رأيت الصوفي يعني لظاهره فاعلم أن باطنه خراب". وقال القشيري: "سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل ابن الجلاء: مامعنى قولهم صوفي؟ فقال: ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف أن من كان فقيراً مجرداً من الأسباب وكان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه عن علم كل مكان، يسمى صوفياً". ونقل عن أبي يعقوب المزابلي أنه قال: "التصوف حال تضمحل فيها معالم الإنسانية".وقال القشيري أيضاً: "سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ﵀ يقول: أحسن ما قيل في هذا الباب قول من قال: هذا طريق لا يصلح إلا لأقوام قد كنس الله بأرواحهم المزابل (١)؛ ولهذا قال رحمة الله يوماً: "لو لم يكن للفقير إلا روح فعرضها علي كلاب هذا الباب لم ينظر كلب إليها". وعن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي أنه قال: " التصوف الإعراض عن الاعتراض". قال القشيري:"ويقال: الصوفي المصطلم عنه (٢)، بما لاح له من الحق" (٣). وهناك أقوال أخرى ذكرها القشيري كلها تدور حول مدح التصوف وبيان تعلقات الصوفية ومفاهيمهم حول المولي جل وعلا، وحول هذا الكون وواجبات الصوفي واهتماماته الدنيوية والأخروية، صيغت بزخرف من القول وإيغال في الخيال في بعضها، وحكم جيدة في البعض الآخر. وأما السهروردي فقد أورد باباً خاصاً في كتابه (عوارف المعارف) قال فيه: "الباب الخامس في ماهية التصوف"،

стр. 3000

وقد أكد في هذا الباب علي أن أساس التصوف هو الفقر، حيث قال: "فالفقر كائن في ماهية التصوف وهو أساسه وبه قوامه"، ونقل أقوالاً كثيرة عن صفة هذا الفقر الصوفي، منها: ما قاله الشبلي حين سئل عن حقيقة الفقر فقال: "ألا يستغني بشيء دون الحق".ونقل عن مظفر القرميسني أنه قال: "الفقير الذي لا يكون له إلى الله حاجة" (١) وقال السهروردي: "وقيل: التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع"إلى آخر ما ذكر مما قدمناه ذكره عن القشيري، وقد أضاف أوصافاً أخرى لا ضرورة لذكرها (٢). وأما حقيقة التصوف وأصله عند غير الصوفية فقد اختلفت وجهة نظر العلماء في الحكم عليه. وأهم ما قيل في ذلك: أن التصوف علي الإطلاق أساسه الإسلام وأن أصوله العقدية وسلوكهم فيه مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، وما أدي إليه الاجتهاد في فهمها. وهذا القول قريب من وجهة نظر الصوفية ومفهومهم فيه رغم اعتراف بعضهم بتأثر التصوف ببعض التيارات الفكرية الخارجية عن الإسلام. أن التصوف علي الاطلاق ليس إسلامي النشأة، وإنما وفد علي البيئة الإسلامية مع ما وفد من عادات وتقاليد الأجناس الأخرى بعدما امتزجت واختلطت عقب الفتح الإسلامي (٣). وعلى هذا الرأي بعض الملاحظات، فقد ينطبق هذا الرأي علي ذلك النوع من التصوف، الذي قام على أساس من الغلو والانحراف الذي جاء به أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد، مع تظاهرهم بالانتساب إلى الإسلام وتقديسهم لنبي الإسلام محمد ﷺ ، ولعل سبب هذا القول إنما يعود إلى الواقع الذي اشتمل عليه مفهوم التصوف. وقد يبدوا للناظر أنه يوجد لكل من القولين السابقين ما يبررهما في العقائد الصوفية، وأهل هذا القول يرجعون نشأة التصوف إلى أنه فارسي أو هندي أو يوناني أو مسيحي أو أنه مزيج من هذا كله، وعلي رأس هذا الفريق كثير من المستشرقين ومن غيرهم أيضاً. ومما نكتفي بالإشارة إليه هنا بغض النظر عن ترجيح نشأة التصوف وحقيقته أن الطريقة الصوفية قد تأثرت كثيراً بالآراء والأفكار المخالفة للإسلام، حيث تظهر فيها تلك الأفكار واضحة جلية في جوانب كثيرة في الاعتقاد والسلوك، خصوصاً الأفكار الهندية والفارسية واليونانية والمسيحية، كما سيتضح ذلك من دراستنا لهذه الطائفة، بعد أن كان التصوف في بدء أمره عند بعض المسلمين عبارة عن الزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة، وقتل هوى النفس والاتجاه إلى الله، ولبس الصوف لتعويد النفس علي التحمل والمكابدة، إلى أن أخذ يتطور في الانحدار والبعد عن حقيقة الإسلام في كثير من الأمور التي طرقها التصوف؛ فأصبح مذموماً نفر عنه أهل الحق لخلط المتصوفة بين الزهد والتصوف المغالي. إذ الزهد المشروع لم يذمه أحد، وتوجه الذم إلى التصوف رغم تظاهر المتصوفة بالزهد، حتى صار أطيب الطعام عندهم ما كان عن ذل السؤال وحمل الزنبيل والتسول والانزواء في أماكن عبادتهم، وانتظار ما يجود به الناس عليهم، ويظنون أنهم يحققون بذلك التوكل الذي يريده الله، وهم في الحقيقة إنما يحققون التواكل والكسل البغيض عن طلب الرزق وإعزاز النفس، إضافة إلى الابتعاد عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما يهدف إليه، من إيجاد اليقين بعزة النفس وكرماتها في الدنيا والآخرة. ومهما قيل عن حقيقة التصوف فإننا سندرس أهم الآراء الصوفية بتفصيل يتضح به الحكم على الصوفية بصورة جلية من واقع كلامهم وسلوكهم إن شاء الله تعالى. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ٨٨٥

стр. 3001

الفصل التاسع: مصادر التصوف ومآخذه • المبحث الأول: الزواج. • المبحث الثاني: المسيحية وترك الدنيا:. • المبحث الثالث: الزّاويَةُ وَالملْبَسُ:. • المبحث الرابع: المذاهبُ الهنْديّة وَالفَارسيَّة:. • المبحث الخامس: الأفلاَطونيّة الحَدِيثَة:.

стр. 3002

المبحث الأول: الزواج فنبدأ أولا بإبراهيم بن أدهم، وهو من الطبقة الأولى وأئمة التصوف الأوائل، وكثيراً ما تبدأ كتب طبقات الصوفية بذكره واسمه، ولا يخلو كتاب من كتب التصوف وسيرته. ومما يذكر بيانا لشأنه الرفيع ومكانته السامية أنه كان من أبناء الملوك وملكا لبلخ، وتزوج من امرأة جميلة، وله ولد، ولكنه ترك الملك والزوجة والأولاد، وكل من كان يملكه، للنداء الغيبي، أو للقاء الخضر الذي لقنه ذلك، مثل ما ترك بوذا ملكه وزوجته، وابنه وملاذ الدنيا وزخارفها طبقا بطبق، وحذو القذة بالقذة، خلافا لتعاليم الإسلام وأسوة الرسول وسيرة الصحابة، ولا يوجد له أي مثال في الكتاب ولا في السنة، ولا من السلف الصالح ومع ذلك يبجّل الصوفية ذكره، ولذلك يجعلونه قدوة يقتدى، ومثالا يحتذى، ويفتخرون بذكره وأحواله، مع أن أحواله تلك ليست إلا ناطقة بالبوذية المنسوخة الممسوخة التي لم ينزل الله بها من سلطان. فنود أن نورد تلك الحكاية الصوفية الباطلة، من التصوف القديم الأصيل، ومن الصوفي الذي يعدّ من الأعلام والأقطاب مقارنة بقصة بوذا، المنقولة من الكتب البوذية، ولبيان أنها تشتمل على ترهات وأكاذيب فاحشة مكشوفة تنطق بكونها مختلقة موضوعة مكذوبة، وننقل هذه القصة من تذكرة صوفية قديمة (تذكرة الأولياء) لفريد اليدن العطار، مقتبسين ترجمتها العربية من صادق نشأت:

стр. 3003

(إن إبراهيم بن أدهم كان ملكا لبلخ، وتحت إمرته عالم، وكانوا يحملون أربعين سيفا من الذهب وأربعين عمودا من الذهب من أمامه ومن خلفه، وكان نائما ذات ليلة على السرير، فتحرك سقف البيت ليلا، كأنما يمشي أحد على السطح، فنادى: من هذا .. ؟ فقال: صديق فقدت بعيرا أبحث عنه على هذا السقف، فقال: أيها الجأهل، أتبحث عن البعير فوق السطح ... ؟ فقال له: وأنت أيها الغافل تطلب الوصول إلى الله في ثياب حريرية وأنت نائم على سرير من ذهب ... ؟ فوقعت الهيبة في نفسه من هذا الكلام، واندلعت في قلبه نار، فلم يستطع النوم حتى الصباح، وعندما أشرق الصبح ذهب إلى الإيوان وجلس على السرير متحيرا مفكرا حزينا، ووقف أركان الدولة كل في مكانه واصطف الغلمان وأذنوا إذنا عاما، فدخل رجل مهيب من الباب بحيث لم يكن لأي أحد من الخدم أو الحشم الجرأة على أن يقول له من أنت، ولم ينبسوا ببنت شفه، وتقدم الرجل حتى واجه سرير إبراهيم، فقال له: ماذا تريد .. ؟ قال: أنزل في هذا الرباط، قال: ليس هذا برباط، إنما هو قصري، وإنك لمجنون، فقال: لمن كان هذا القصر قبل هذا؟ قال: كان لأبي، قال وقبل ذلك، قال: كان ملكا لجدي ... وقبل ذلك؟ قال: ملكا لفلان، قال: أو ليس الرباط هو ما يحل به أحد ويغادره الآخر .. ؟ قال هذا واختفى، وكان هو الخضر ﵇، فازدادت حرقة روح إبراهيم ولوعته، وازداد ألمه حدة نتيجة لهذه الحال، وازدادت هذه الحال من واحد إلى مائة ضعف، إذ أنه رأى أنه قد اجتمع ما شاهده نهارا مع ما وقع ليلا ولم يعرف مما سمع، ولم يعلم ماذا رأى اليوم، فقال: أسرجوا الجواد لأني أريد الذهاب للصيد، فقد حدث لي اليوم شيء لست أدري ما هو، فيا إلهي إلى أين تنتهي هذه الحال ... ؟ فأسرجوا له جوادا، وتوجه للصيد، فكان يتجول في البرية دهشا بحيث لم يعرف ماذا يفعل، فأنفصل عن جيشه وهو في تلك الحال من الدهش، فسمع صوتا في الطريق يقول له: انتبه، فانتبه، ولم يصغ إليه، وذهب وجاءه هذا النداء للمرة الثانية، فلم يعره سمعا للمرة الثالثة نفس ذلك النداء، فأبعد نفسه عنه، وسمع للمرة الرابعة من يقول: (انتبه قبل أن تنبه) ففقد صوابه تماما وفجأة ظهرت غزالة فشغل نفسه بها، فأخذت الغزالة تخاطبه قائلة: إنهم بعثوني لصيدك، وإنك لن تستطيع صيدي، ألهذا خلقت؟ أو بهذا أمرت؟ إنك خلقت للذي للذي تعمله وليس لك عمل آخر، فقال إبراهيم: ترى ما هذه الحال .... ؟ وأشاح بوجهه عن الغزالة، فأرتفع نفس ذلك الصوت الذي قد سمعه من الغزالة من قربوس السرج، فوقر في نفسه الخوف والفزع وأزداد كشفا، وحيث أن الحق تعالى أراد أن يتم الأمر ارتفع ذلك الصوت ثلاث مرات أخر من حلقة جيبه، وبلغ ذلك الكشف هنا حد الكمال، وانفتح عليه الملكوت ونزل، وحصل له اليقين، فابتلت الملابس والجواد من ماء عينيه، وتاب توبة نصوحا، وانتحى ناحية من الطريق، فرأى راعيا يرتدي لبادا، وقد وضع قلنسوة من اللباد على رأسه، وأمامه الأغنام وأخذ منه اللباد ولبسه ووضع قلنسوة اللباد على رأسه وطفق يسير راجلا في الجبال والبراري هائما على وجهه ينوح من ذنوبه، ثم غادر المكان إلى أن بلغ نيسابور، فأخذ يبحث عن زاوية خالية يتعبد فيها حتى وصل إلى ذلك الغار المعروف واعتكف فيه تسعة أعوام.

стр. 3004

ومن ذا الذي يعلم ما كان يفعله هناك في الليل والنهار، إنه ينبغي أن يكون رجلا عظيما ذا مادة واسعة حتى يستطيع الإقامة في مثل ذلك المكان، وصعد إبراهيم يوم خميس إلى ظاهر الغار وجمع حزمة حطب واتجه في الصباح إلى نيسابور حيث باعها، وصلى الجمعة واشترى بثمن الحطب خبزا، وأعطى نصفه لفقير وتناول النصف الآخر، وأتخذ منه إفطاره وداوم صيامه حتى الأسبوع التالي، وبعد أن وقف الناس على شأنه هرب من الغار وتوجه إلى مكة، وقيل أنه بقي أربعة عشر عاما يطوي البادية حيث كان يصلي ويتضرع طوال الطريق حتى أشرف على مكة، وروي أنه كان له طفل رضيع عند مغادرته بلخ، ولما أيفع طلب من أمه أباه، فقصت له الأم الحال قائلة: إن أباك قد تاه، ونقل عنه أنه قال: عندما كنت أسير في البادية متوكلا، ولم أتناول شيئا مدة ثلاثة أيام جاءني إبليس وقال: أنت ملك، وتركت هذه النعمة لتذهب جائعا إلى الحج ... ؟ لقد كان بمقدورك الحج بعز وجلال حتى لا يصيبك كل هذا الأذى، قال: عندما سمعت هذا الكلام منه رفعت صوتي وقلت: إلهي !! سلطت العدو على الصديق حتى يحرقني فأغثني حتى أستطيع قطع هذه البادية بعونك، فسمعت صوتا يقول: يا إبراهيم ! ألق ما في جيبك حتى تكشف ما هو في الغيب فمددت يدي إلى جيبي فوجدت أربعة دوانيق فضية كانت قد بقيت منسية، ولما رميتها جفل إبليس مني وظهرت قوة من الغيب) (١) وورد ذكره وحكايته أيضا في (طبقات الصوفية) للسلمي (٢).وفي (حلية الأولياء) للأصبهاني ((٣).وفي (الرسالة) للقشيري (٤).وفي (جمهرة الأولياء) للمنوفي الحسيني (٥).وفي (نفحات الأنس) للجامي (٦).وفي (طبقات الأولياء) لابن الملقن المتوفى ٨٠٤ هـ (٧).وفي (الطبقات الكبرى) للشعراني (٨). فهذه هي قصة إبراهيم بن أدهم، وفيها ما فيها من ترك الأهل والزوج والولد بدون جريمة ارتكبوها، وإثم اقترفوه، خلافا لأوامر القرآن وإرشادات الرسول ﷺ ، المشهورة المعروفة شبها ببوذا، وهاهي خلاصة قصته:

стр. 3005

(وكانت قبيلة ساكياس تقطن في شمال بنارس، وهي التي ولد فيها أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وقد مات في سنة ٤٧٨ قبل الميلاد بعد أن عمر ثمانين عاما. وتزوج بوذا في سن التاسعة عشرة ابنة عمه، وكان في رغد وسعادة. وبينما كان يسير يوما إلى الصيد وهو في التاسعة والعشرين شاهد رجلا قد بلغ من كبر سنه منتهي الضعف والعجز، ورأى في وقت آخر شخصا مبتلى بمرض استعصى علاجه ويحتمل الآلام وبعد مدة أخرى تأثر واشمأز لرؤية منظرا كريها لجثة في حالة من الفساد، وكان خادمه وصاحبه الوفي المسمى (جانا) يذكره وينبهه في كل هذه الحالات ويقول له: (هذا هو مصير حياة البشر) وشاهد بوذا أحد النساك يمر عليه وهو في منتهي الراحة والأبهة والكرامة فسأل جانا ما حال هذا الرجل .. ؟ فحكى له جانا تفصيلا عن أخلاق الزهاد الذين أعرضوا عن كل شيء وعن أحوالهم، وقال له: إن هؤلاء الجماعة في سير وأرتحال دائم وهم يعلمون الناس أثناء سياحتهم ورحلاتهم تعاليم هامة بالقول والعمل. والخلاصة أنه برغم إختلاف الروايات لا شك في أن ذهن هذا الأمير الشاب قد أخذ يضطرب تدريجيا وينفر من الحياة وضوضائها. ووفد عليه رسول يوما في أثناء أزماعه العودة من النزهة وبشره بميلاد ولد هو أول مولود له، فقال بوذا لنفسه في تلك الحالة النفسية المضطربة دون أن يشعر: (ما هي ذي رابطة جديدة تربطني بالدنيا). والخلاصة أنه عاد إلى المدينة بينما كان المطربون يلتفون حوله. فطرب ورقص في تلك الليلة أقاربه وذوو رحمه فرحا بالمولود الجديد. لكن بوذا كان من الامتعاض والاضطراب بحيث لم يكترث بتلك الأوضاع أبدا. وأخيرا نهض من فراشه في آخر الليل كمن التهمت النار داره وأوعز إلى جانا أن يحضر له الفرس ومد رأسه في هذه الأثناء إلى غرفة زوجته وولده الوحيد من غير أن يوقظهما وعلى العتبة أخذ على نفسه عهدا ألا يعود إلى داره ما لم يصبح (بوذا) أي (حكيما مستنيرا) وقال:

стр. 3006

(أذهب لأعود إليكم معلما وهاديا لا زوجا ووالدا) والخلاصة أنه خرج مع جانا وهام في البراري، وفي هذه اللحظة ظهر في السماء (مارا) أي الوسواس الكبير (إبليس أو النفس الأمارة) ووعده بالملك والعز في الدنيا بأسرها لكي يرجع عن عزمه لكنه لم يقع في شرك الوسوسة. فسار بوذا قليلا في تلك الليلة على شاطئ النهر ثم وهب لجانا جوهرة وملابسه الفاخرة وأعاده ومكث سبعة أيام بلياليها في غابة ثم التحق إلتحق بخدمة برهمي يدعى (الارا) كان في تلك البقعة واختار بعد ذلك صحبة برهمي آخر يسمى (أودراكا) وتعلم من هذين الرجلين حكمة وعلوم الهند كلها، ولكن قلبه لم يستقر بعد فذهب إلى غابة كانت في أحد الجبال، وهناك صحب خمسة من التلاميذ الذين كانوا يحيطون به ومارس التوبة والرياضات الشاقة ست سنين حتى اشتهر في تلك الناحية، فاعتزم لهذا أن يهجر ذلك المكان ولما قام ليذهب سقط على الأرض لشدة ضعفه وعجزه، وغاب عن وعيه بحيث ظن تلاميذه أنه فارق الحياة، ولكنه عاد إلى رشده فترك الرياضات الشاقة منذ ذلك الحين وأخذ يأكل طعامه بانتظام، ولما رأى التلاميذ الخمسة الذين كانوا في صحبته أنه مل من الرياضة نفضوا أيديهم من احترامه وتركوه وذهبوا بنارس. أما بوذا فإنه ترك ملذات الدنيا وثروتها والمقام فيها حتى ينال الضمير والطمأنينة عن طريق التعلم والفلسفة وحكمة الآخرين فلم يستطع أن ينال بتلك الرياضة والتوبة طمأنينة القلب التي كان يصبوا إليها والحاصل أنه بقي حيران في أمره ذاهلا وفي نفس ذلك اليوم الذي تفرق فيه عن تلامذته مكث بوذا تحت شجرة يتأمل ويفكر في نفسه، ماذا يعمل ... ؟ وأي طريق يتبع .. ؟ وهاجمته وساوس كثيرة وتاقت نفسه إلى الزوجة والولد والجاه والثروة والترف والنعيم، واستمر هذا الكفاح والجهاد مع النفس حتى غروب الشمس. ونتيجة لهذا الكفاح اتصل (بنير فانا) وتأكد لديه أنه أصبح (بوذا) أي أنه نال الإشراق واستنار، وحينئذ نال بوذا ما كان يصبو إليه من الراحة والطمأنينة. لذلك عزم أن يمارس الإرشاد. وأن يعرض رغبته على الآخرين، وكان بوذا وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره فقصد في بادئ الأمر أستاذيه (الارا) و (أودراكا) ولكنه علم بعد، بأنهما قد توفيا، فذهب إلى تلامذته الخمسة من بنارس وأرشدهم وجعلهم من أتباعه، وآمن به أبوه وأمه وزوجته كذلك، ثم أمر زمرة من خواص مريديه أن يقوموا بإرشاد الناس) (١).فهذه هي خلاصة قصة بوذا، وهي عين ما ذكره الصوفية عن إبراهيم بن أدهم ابن الأمير البلخي الذي طلق الدنيا وتزيّا بزيّ الدراويش، وبلغ درجة أكابر الصوفية برياضته الطويلة، وتلك صورة طبق الأصل لما كانوا قد سمعوه عن حياة بوذا (٢).

стр. 3007

ثم علّق عليه الدكتور قاسم غني الباحث الإيراني بقوله: (وحدس (جولدزيهر) يمكن أن يكون صحيحا وهو من الاحتمالات القريبة من الواقع، وقد شوهدت لها نظائر كثيرة - إلى أن قال -: وإذا ما قارن أحد بين قصة بوذا كما وردت في مدونات البوذيين بقصة إبراهيم بن أدهم ذات الطابع الأسطوري، الواردة في كتب تراجم العارفين مثل (حلية الأولياء) للأصفهاني، و (تذكرة الأولياء) للشيخ العطار وجد شبها عجيبا بين تلك القصتين يستلف نظرة) (١). هذا وهناك أقوال لإبراهيم بن أدهم وغيره من كبار الصوفية وأقطابهم في الزواج والأولاد تخبر بجلاء عن مواردها ومنابعها، فها هي تلك الأقوال من أهم كتب الصوفية: ينقل الطوسي والعطار عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: (إذا تزوج الفقير فمثله مثل رجل قد ركب السفينة، فإذا ولد له ولد قد غرق) (٢).ونقل السهروردي عنه أنه قال: (من تعود أفخاذ النساء لا يفلح) (٣). ونقل أبو طالب المكي - وهو من أعلام الصوفية البارزين وأئمتهم المتوفى سنة ٣٨٦ هـ - عن قطب من أقطاب الصوفية الأوائل عن أبي سليمان الداراني المتوفى سنة ٢١٥ هـ: (من تزوج فقد ركن إلى الدنيا) (٤).ونقل السهروردي في (عوارفه) الذي هو أشهر كتاب في التصوف عن أبي سليمان الداراني أيضا أنه قال: (ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته) (٥).ونقل المكي عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي أنه قال: (أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بالتزوج) (٦). كما نقل عن بشر بن الحارث أنه قيل له: (إن الناس يتكلمون فيك، فقال: وما عسى يقولون؟ قيل: يقولون: إنك تارك السنة يعنون النكاح. فقال: قل لهم: إني مشغول بالفرض عن السنة، وقال مرة: ما يمنعني من ذلك إلا آية في كتاب الله تعالى قوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:٢٢٨]، ولعسى أن لا أقوم بذلك، وكان يقول: لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلاداً على الجسر هذا. يقوله في سنة عشرين ومائتين والحلال والنساء أحمد عاقبة، فكيف بوقتنا هذا؟ فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج) (٧). ويقول السهروردي: (التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص، وجوع من الترمح إلى النقص، وتقيدا بالأولاد والأزواج، ودوران حول مظان الاعوجاج، والتفاف إلى الدينا بعد الزهادة، وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة والعادة) (٨).

стр. 3008

ثم نقل حديثا مكذوبا على رسول الله ﷺ أنه قال: ((خيركم بعد المائتين رجل خفيف الحاذ، قيل: يا رسول الله وما خفيف الحاذ؟. قال: الذي لا أهل له ولا ولد)) (١). وقال بعض الفقراء - لما قيل له: تزوج -: أنا إلى أن أطلق نفسي أحوج مني إلى التزوج) (٢). وصوفي آخر محمد بن إبراهيم النفزي الرندي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ ينقل عن صوفي قديم آخر، وهو سهل بن عبد الله التستري أنه قال: (إياكم والاستمتاع بالنساء، والميل إليهن، فإن النساء مبعّدات من الحكمة، قريبات من الشيطان، وهي مصايده وحظه من بني آدم، فمن عطف إليهن بكليته فقد عطف على حظ الشيطان، ومن حاد عنهن يئس منه، وما مال الشيطان إلى أحد كميله إلى من استرق بالنساء، وإن الشر معهن حيث كنّ، فإذا رأيتم في وقتكم من قدركن إليهن فايأسوا منه. قيل له: فحديث النبي ﷺ : ((حبب إلي من دنياكم ثلاث، فذكر النساء)) (٣)؟.فقال: النبي ﷺ معصوم، وقد بلّغكم ما كان فيه معهن، هي عدوّة الرجل ظاهرا وباطنا، إن ظهرت له لمحبة أهلكته، وإن أضمر تهاله، وإن الله جعلهن فتنة، فنعوذ بالله من فتنتهن) (٤). ونقل عن صوفي آخر حذيفة المرعشي المتوفى ٢٠٧ هـ أنه قال: (كان ينبغي للرجل لو خيّر بين أن يضرب عنقه، وبين أن يتزوج امرأة في الفتنة لاختار ضرب العنق على تزويج امرأة في الفتنة) (٥). ونقل ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر علي المصري المتوفى ٨٠٤ هـ في كتابه عن أحد كبار الصوفية: (ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير) (٦).ونقل الشعراني عن رباح بن عمرو القيسي - من الصوفية الأوائل - أنه قال: لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلاب (٧).

стр. 3009

وكتب صوفي قديم آخر، وهو أبو الحسن علي الهجويري المتوفى قريبا سنة ٤٦٥ هـ قصة غريبة في العزلة والتجرد نقلا عن إبراهيم الخواص أنه قال: (وصلت إلى قرية بقصد زيارة عظيم كان هنالك، ولما ذهبت إلى داره رأيت بيتا نظيفا مثل معبد الأولياء، وقد جعل في زاويتين من البيت محرابين، وجلس في أحدهما شيخ، وفي الآخر عجوز نظيفة وضيئة، وقد ضعف كلاهما من كثرة العبادة، فأظهر السرور بقدومي، وبقيت هنالك ثلاثة أيام، ولما أردت العودة سألت الشيخ: من تكون لك تلك العفيفة؟ قال: هي من ناحية ابنه عمي، ومن ناحية أخرى زوجي، فقلت: رأيتكما خلال هذه الأيام الثلاثة كالغربيين تماما في الصحبة، قال: نعم، منذ خمسة وستين عاما ونحن كذلك فسألته عن سبب ذلك، فقال: إعلم إننا كنا عاشقين لأحدنا الآخر في الصغر، ولم يكن أبوها يعطيها لي لأن محبتنا صارت معروفة، فتحملت ذلك حتى توفي أبوها، وكان والدي عمها، فزوجها لي، فلما كانت الليلة الأولى من تلاقينا قالت لي: أنت تعلم آية نعمة أنعمها الله علينا إذ أوصل كلامنا إلى الآخر، وأفرغ قلبينا من القيود والآفات السيئة، فقلت: نعم، قالت: فلنمنع أنفسنا الليلة عن هوى النفس، وندس على مرادنا، ونعبد الله شكراً على هذه النعمة، فقلت: هذا صواب، وقالت هذا نفسه في الليلة التالية. وقلت أنا في الليلة الثالثة: لقد أدينا الشكر ليلتين من أجلك، فلنقض ليلتين أيضا في العبادة من أجلي. وقد تمت الآن خمسة وستون عاما لم يمس أحدنا الآخر، ونحن نقضي كل العمر في شكر النعمة) (١). وقال بعد نقلها ونقل أشياء أخرى: (وفي الجملة: إن أول فتنة قدرت على آدم في الجنة كان أصلها امرأة. وأول فتنة ظهرت في الدنيا - أي فتنة هابيل وقابيل - كانت أيضا بسبب امرأة. وحين أراد الله ﵎ أن يعذب إثنين من الملائكة جعل سبب ذلك امرأة. وهن جميعا إلى يومنا هذا سبب جميع الفتن الدينية والدنيوية، لقوله ﵇: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (٢)، فإذا كانت فتنتهن بهذا القدر في الظاهر، فكيف تكون في الباطن؟ وأنا علي بن عثمان الجلابي، من بعد أن حفظني الحق تعالى من آفة الزواج أحد عشر عاما، قدر أن وقعت في الفتنة، وصار ظاهري وباطني أسير الصفة التي كانوا عليها معي، دون أن تكون هنالك رؤية، وقد استغرقت في ذلك عاما، بحيث كان يفسد على ديني، إلى أن بعث الحق تعالى بكمال فضله وتمام لطفه عصمته لاستقبال قلبي المسكين، ومنَّ عليّ بالخلاص برحمته، والحمد لله على جزيل نعمائه. وفي الجملة فإن قاعدة هذا الطريق وضعت على التجريد، وعندما جاء التزويج اختلف أمرهم، ولا يوجد أي عساكر الشهوة إلا ويمكن إخماد ناره بالاجتهاد، لأن الآفة التي تنشأ منك تكون آلة دفعها معك أيضا، ولا يلزم الغير حتى تزول عنك تلك الصفة.

стр. 3010

وزوال الشهوة يكون بشيئين: واحد يدخل تحت دائرة التكلف، وواحد يخرج عن دائرة الكسب والمجاهدة، فما يدخل في تكلف الآدمي ومقدوره هو الجوع، وأما ما يخرج من التكلف الهمم، وتنشر المحبة سلطانها في أجزاء الجسد، وتعزل كل الحواس عن أوصافهم، وتجذب كل العبد، وتغني عنه الهزل. وإن الحمد بن حماد السرخسي، الذي كان رفيقي في ما وراء النهر، رجلا محتشما، قيل له: أبك حاجة إلى التزويج، قال: لا، قالوا: لم؟ قال: إنني في حالي إما أن أكون غائبا عن نفسي، وإما أن أكون حاضرا بنفسي. وحين أكون غائبا لا أفكر في الكونين، وحين أكون حاضرا فإنني أجعل نفسي بحيث إذا وجدت رغيفا تعتبر أنها وجدت ألفا من الحور. فانشغال القلب بكل ما تريده يكون عظيما، فتنبه) (١).وذكر السراج الطوسي أيضا قصة صوفي تزوج من امرأة فبقيت عنده ثلاثين سنة وهي بكر (٢).وذكر العطار عن عبد الله بن خفيف الصوفي المشهور أنه تزوج أربعمائة امرأة ولكنه لم يجامع واحدة منهن (٣). وهل لسائل أن يسأل: ما الغرض الذي كان من نكاحه إياهن؟.وذكر الشعراني أيضا عن صوفي آخر ياقوت العرشي أنه تزوج ابنة شيخه أبي العباس المرسي فمكثت عنده ثماني عشرة سنة لا يقربها حياء من والدها ومنها، وفارقها بالموت وهي بكر (٤). ونقل عن الشعراني أيضا عن أحد المتقدمين من الصوفية مطرف بن عبد الله الشغير المتوفى سنة ٢٠٧ هـ أنه قال: (من ترك النساء والطعام فلابد له من ظهور كرامة) (٥). ونقل أيضا في كتابه (تنبيه المغتربين) من أحد الصوفية أنه قال: من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته ... فاحذروا من التزويج (٦). وينقل ابن الجوزي عن أبي حامد الغزالي أنه قال: (ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج، فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى) (٧). هذا ومثل هذا كثير. ولقد بوب الصوفية في كتبهم أبوابا مستقلة في مدح العزوبة وذم التزويج، وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان أنه لم يأخذه المتصوفة إلا من رهبان النصارى ونساك المسيحية الذين ألزموا أنفسهم التبتل، خلافا لفطرة الله التي فطر الناس عليها. تقليدا لهم واتباعا لسنتهم، واقتداء لمسالكهم ومشاربهم، مخالفين أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ الناسخ لجميع الشرائع والأديان، المبعوث بمكارم الأخلاق وفضائل العادات، فالله يأمر المؤمنين في محكم كتابه بنكاح النساء مثنى وثلاث ورباع وعند الخوف من عدم العدل بواحدة، فيقول جل من قائل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ [النساء:٣]. وقال وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:٣٢]. وجعل الزواج سببا لحصول السكون والطمأنينة حيث قال :

стр. 3011

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:٢١] ورسوله صلوات الله وسلامه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أنه قال: ((إن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبرهم فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (١) وقال: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) (٢).وقال ﵊: ((حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟. قال: أفرأيتم لو وضعه في حرام، هل عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) (٤). وما أحسن ما قال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: (ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله، لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا، وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عنده شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه، وينهي عن التبتل، فمن رغب عن عمل النبي ﵊ فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له. والنبي ﵊ قال: ((حبب إلي النساء)) (٥). فهذه هي تعاليم شريعة الإسلام المستقاة من أصلين أساسيين لشرع الله الكتاب والسنة. وتلك هي أقوال الصوفية، التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب، والمنهل الصافي، بل أخذوها من الكهنة والبوذية كما مر ذلك، ونساك الجينية، ورهبان المسيحية. وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف لا يحتاج إلى كثير من البيان، ولكن لإقامة البرهان ننقل بعض آيات من الإنجيل، فقال المسيح: (ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يقبل فليقبل) (٦). ويقول رسول المسيحيين في رسالته إلى أهل كورنتوس: (وأما من جهة الأمور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة) (٧). وكذلك يقول: (أقول لغير المتزوجين والأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا (٨).

стр. 3012

ويقول: (فأريد أن تكونوا بلا هم. يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقا. غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدمة جدا وروحا. وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضى رجلها. هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقى عليكم وهقا، بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك. ولكن إن كان يظن أنه يعمل بدون لياقه نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت، وهكذا لزم أن يصبر فليفعل ما يريد. إنه لا يخطئ فيتزوجا. وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له سلطان على إرادته، وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراء فحسنا يفعل. إذن من زوج فحسنا يفعل. ومن لا يزوج يفعل أحسن (١). هذا ومثل هذا كثير. هذه هي تعاليم المسيحية، المنقولة منهم تجاه الزواج، ومن هذه التعاليم تأثر وليّ من أولياء المسيحية اوريغن ( O IGEN) الذي يعدونه أحد القديسين، العائش ما بين ١٨٥ و ٢٥٤، وجبَّ ذكره (٢). والجدير بالذكر أن أحد المتصوفة أتى بمثل هذا العمل، وفعل فعلته فيه كما ذكر الشعراني أن عبد الرحمن المجذوب: (كان ﵁ من الأولياء الأكابر، وكان سيدي على الخواص ﵁ يقول: ما رأيت قط أحدا من أرباب الأحوال دخل مصر إلا ونقص حاله إلا الشيخ عبد الرحمن المجذوب، وكان مقطوع الذكر قطعه بنفسه أوائل جذبه (٣). وصوفي هندي آخر أيضا فعل ذلك (٤).وكتب هينس ( HANS) ( أن المسيحيين القدامى كانوا يعدون ترك الزواج من الأمور الواجبة والمحببة إلى الله، والمقربة إلى ملكوته (٥).

стр. 3013

المبحث الثاني: المسيحية وترك الدنيا: ومن خصائص المسيحية وتعاليمها ترك الدنيا، والتجرد عن المال، والتجوع، وتعري الأجساد والأعراض عن زينة الحياة، المباحة، وتحريم الطيبات باسم الانقطاع إلى الآخرة، ورهبانية ابتدعوها، وتعذيب النفس. فلقد ورد في الأناجيل عن المسيح أنه قال: (لا تكنزوا كنوزا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا (١). ونقل عنه أيضا أنه قال: (لا يقدر أحد أن يخدم سيدين. لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال. لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسامكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس. أنظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة، ولماذا تهتمون باللباس، تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها، فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم قليلي الإيمان، فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل، أو ماذا نلبس، فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها، لكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزداد لكم. فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره (٢). وورد في هذا الإنجيل أيضا (أن شابا تقدم إلى المسيح وقال له: أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل به لتكون لي الحياة الأبدية؟. فأجابه المسيح ببعض الأجوبة ثم قال له: إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا، لأنه كان ذا أموال كثيرة. فقال يسوع لتلاميذه: الحق أقول لكم، إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات، وأقول لكم أيضا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله (٣). وقال أيضا: (وكل من ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولاداً أو حقولا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبدية (٤). ونقل عنه أيضا أنه قال: (لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم، ولا مزودا للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصا) (٥). وليس هذا فحسب، بل نقل عنه لوقا في إنجيله أنه جاءه جموع كثيرة سائرين معه، فالتفت إليهم وقال: (إن كان أحد يأتي إلى ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وإخوانه حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا) (٦). وقال أيضا: (فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذا) (٧).

стр. 3014

وبمثل ذلك نقل متى في إنجيله: (لما رأى يسوع جموعا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر، فتقدم كاتب وقال له: يا معلم، أتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. وقال له آخر من تلاميذه: يا سيد، ائذن لي أمضي أولا وأدفن أبي. فقال له يسوع: اتبعني، ودع الموتى يدفنون موتاهم) (١). هذا ومثل هذا كثير في الأناجيل وأعمال الرسل وغيرها من الكتب المسيحية، وعلى هذه التعاليم أسسوا نظام الرهبنة، أي التجرد عن علائق الدنيا ومتطلباتها وحاجاتها. وزادوا عليها تعذيب النفس، وتحمل المشاق والآلام، تعمقا في التجرد، ومغالاة في تجنب الدنيا، واحتقارا لزخارفها، كما أن هنالك أسبابا أخرى لاختيار الرهبنة، فقد ذكر علماء المسيحية الكثيرون وكتابها وباحثوها. وجمع هذه الأقاويل والمقولات ول ديورانت في موسوعته الكبرى (قصة الحضارة)، فيقول: (لما أن أصبحت الكنيسة منظمة تحكم الملايين من بني الإنسان، ولم تعد كما كانت جماعة من المتعبدين الخاشعين، أخذت تنظر إلى الإنسان وما فيه من ضعف نظرة أكثر عطفا من نظرتها السابقة، ولا ترى ضيراً من أن يستمتع الناس بملاذ الحياة الدنيا، وأن تشاركهم أحيانا في هذا الاستمتاع، غير أن أقلية من المسيحيين كانت ترى في النزول إلى هذا الدرك خيانة للمسيح، واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طرق الفقر، والعفة، والصلاة، فاعتزلت العالم اعتزالا تاماً. ولربما كان مبشرو أشوكا Ashoka ( حوالي ٢٥٠ ق م) قد جاءوا إليه بنظرية البوذية وقوانينها الأخلاقية، ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سرابيس Se apis في مصر أو جماعات الإسنيين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة. وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملاذاً من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين، فلم يكن في الدير ولا في الصومعة الصحراوية ضرائب، أو خدمة عسكرية، أو منازعات حربية، أو كدح ممل. ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس من مراسم قبل رسامته، وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة الأبدية بعد سنين قليلة من حياة السلام. ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة، ولهذا غصت بالبرهان النساك الفرادى والمتجمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس، أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن Tabenne وأنشئت الأديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل، وكان بعضها يحتوي نحو ثلاثمئة من الرهبان والراهبات. وكان أنطونيوس (٢٥١ – ٣٥٦) أشهر النساك الفرادى، وقد أخذ ينتقل من عزلته حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الأحمر. وعرف مكانه المعجبون به فحذوا حذوه في تعبده ونسكه، وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح لهم به، حتى امتلأت الصحراء قبل موته بأبنائه الروحيين. وقلما كان يغتسل، وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمساً من السنين، ورفض دعوة وجهها إليه قسطنطين ولكنه سافر إلى الإسكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد أتباع أريوس، وكان يليه في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام ٣٢٥ تسعة أديرة للرجال وديراً واحداً للنساء. وكان سبعة آلاف من أتباعه الرهبان يجتمعون أحيانا ليحتفلوا بيوم من الأيام المقدسة، وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون ويصلون، ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى الإسكندرية حيث يبيعون ما لديهم من البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية – السياسية.

стр. 3015

ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين Abbe Duchesne بقوله إن مكاريوس الإسكندري (لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إلا حاول أن يأتي بأعظم منه)، فإذا امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكله سبع سنين، وإذا عاقب بعضهم أنفسهم بالامتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو (يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظاً عشرين ليلة متتابعة) وحدث مرة في صوم كبير أن ظل واقفا طوال هذا الصوم ليلا ونهارا لا يذوق الطعام إلا مرة واحدة في الأسبوع، ولم يكن طعامه هذا أكثر من بعض أوراق الكرنب، ولم ينقطع خلال هذه المدة عن ممارسة صناعته التي اختص بها وهي صناعة السلال. ولبث ستة أشهر ينام في مستنقع، ويعرض جسمه العريان للذباب السام. ومن الرهبان من أوفوا على الغاية في أعمال العزلة، من ذلك سرابيون Se apion الذي كان يعيش في كهف في قاع هاوية لم يجرؤ على النزول إليها إلا عدد قليل من الحجاج. ولما وصل جيروم وبولا إلى صومعته هذه وجدوا فيها رجلا لا يكاد يزيد جسمه على بضعة عظام وليس عليه إلا خرقة تستر حقويه، ويغطي الشعر وجهه وكتفيه، ولا تكاد صومعته تتسع لفراشه المكون من لوح من الخشب وبعض أوراق الشجر. ومع هذا فإن هذا الرجل قد عاش من قبل بين أشراف رومة، ومن النساك من كانوا لا يرقدون قط أثناء نومهم ومنهم من كان يداوم على ذلك أربعين عاما مثل بساريون Bessa ion أو خمسين عاما مثل باخوم. ومنهم من تخصصوا في الصمت وظلوا عددا كبيرا من السنين لا تنفرج شفاههم عن كلمة واحدة. ومنهم من كانوا يحملون معهم أوزانا ثقالا أينما ذهبوا. ومنهم من كانوا يشدون أعضاءهم بأطواق أو قيود أو سلاسل، ومنهم من كانوا يفخرون بعدد السنين التي لم ينظروا فيها إلى وجه امرأة. وكان النساك المنفردون جميعهم تقريبا يعيشون على قدر قليل من الطعام. ومنهم من عمروا طويلا. ويحدثنا جيروم عن رهبان لم يطعموا شيئا غير التين وخبز الشعير، ولما مرض مكاريوس جاءه بعضهم بعنب فلم تطاوعه نفسه على التمتع بهذا الترف، وبعث به إلى ناسك آخر، وأرسله هذا إلى ثالث حتى طاف العنب جميع الصحراء (كما يؤكد لنا روفينس)، وعاد مرة أخرى كاملا إلى مكاريوس. وكان الحجاج، الذين جاءوا من جميع أنحاء العالم المسيحي لشاهدوا رهبان الشرق، يعزون إلى أولئك الرهبان معجزات لا تقل في غرابتها عن معجزات المسيح، فكانوا – كما يقولون - يشفون الأمراض ويطردون الشياطين باللمس أو بالنطق بكلمة، وكانوا يروضون الأفاعي أو الآساد بنظرة أو دعوة، ويعبرون النيل على ظهور التماسيح، وقد أصبحت مخلفات النساك أثمن ما تملكه الكنائس المسيحية، ولا تزال مدخرة فيها حتى اليوم.
следующие страницы →