← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ويذكر مفسر شيعي آخر وهو علي بن إبراهيم القمي، عن جعفر أنه قال: (إذا كان يوم القيامة يدعى بعليّ أمير المؤمنين ﵇ ... ثم يدعى بالأئمة ... ثم يدعى بالشيعة، فيقومون أمامهم، ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها، فيدخلون الجنة بغير حساب (١). ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابنا (الشيعة وأهل البيت (٢). وكذلك الشيعة والسنة (٣). وأما المتصوفة فيقولون بكل هذا، سالكين مسلك هؤلاء الضالة المنحرفين: (وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم (٤). وقالوا: إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، مؤولين قول الله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] (٥). ولقد أقر صوفي قديم بوجود هؤلاء المتصوفة ومن هم على منوالهم – وما أكثرهم – فقال: (وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الغفلات، وركنوا إلى إتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والإرتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رقّ الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وانهم تجري عليهم أحكامه وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا. ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوّحت ببعضه من هذه القصة، وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء أو يجد مخالف لثلبهم مساغا، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة (٦). كما أقرّ بإباحتهم للمحظورات، الطوسي في كتابه: (زعمت الفرقة الضالة، في الحظر والإباحة، أن الأشياء في الأصل مباحة، وإنما وقع الحظر للتعدي، فإذا لم يقع التعدّي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة، وتأولوا قول الله : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [عبس:٢٧ - ٣٢].

стр. 3432

فقالوا: هذا على الجملة غير مفصل، فأدّاهم ذلك بجهلهم، إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور الممنوع منه المسلمون: مباح لهم، إذا لم يتعدّوا في تناوله. وإنما غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم، من جهلهم بالأصول، وقلة حظهم من علم الشريعة، ومتابعتهم شهوات النفس في ذلك ... فظنت هذه الطائفة الضالة بالإباحة، لأن ذلك كان منهم على حال، جاز لهم ترك الحدود، أو أن يجاوزوا حد متابعة الأمر والنهي، فوقعوا من جهلهم في التيه، وتاهوا، وطلبوا ما مالت إليه نفوسهم: من اتباع الشهوات، وتناول المحظورات، تأويلا، وحيلا، وكذبا، وتمويها (١). وذكرهم السهروردي بقوله: (فقوم من المفتونين سمّوا أنفسهم ملامتية، ولبسوا لبسة الصوفية، لينتسبوا بها إلى الصوفية، وما هم من الصوفية بشيء، بل هم في غرور وغلط، يتسترون بلبسة الصوفية توقيتا تارة، ودعوى أخرى، وينتهجون مناهج أهل الإباحة، ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله تعالى، ويقولون: هذا هو الظفر بالمراد، والإرتسام بمراسم الشريعة رتبة العوام، والقاصرين الأفهام المنحصرين في مضيق الاقتداء تقليدا، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة والإبعاد، فكل حقيقة ردّتها الشريعة فهي زندقة، وجهل هؤلاء المغرورون أن الشريعة حق العبودية، والحقيقة هي حقيقة العبودية، ومن صار من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية وصار مطالبا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك، لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف، ويخامر باطنه الزيغ والتحريف .... ومن جملة أولئك قوم يقولون بالحلول ويزعمون أن الله تعالى يحل فيهم ويحل في أجسام يصطفيها، ويسبق لأفهامهم معنى من قول النصارى في اللاهوت والناسوت. ومنهم من يستبيح النظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم (٢). وهؤلاء الذين ذكرهم ابن الجوزي بقوله: (أعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة، فأمالهم إبليس إليهم، واعلم أن المتصوفة في صحبة الأحداث على سبعة أقسام: القسم الأول: أخبث القوم وهم أناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان، نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، نا أبو نصر عبد الله بن السراج، قال: بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية. ومنهم من قال: هو حال في المستحسنات. وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا: أنهم يرون الله في الدنيا، وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود. القسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق. القسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن. وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه (سنن الصوفية) فقال في أواخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم، فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن. وذكر فيه ما روى عن النبي ﵇ أنه قال: أطلبوا الخير عند حسان الوجوه. وأنه قال: ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى خضرة، والنظر إلى ماء، والنظر إلى الوجه الحسن (٣). ثم حكى حكايات كثيرة عن هؤلاء المتصوفة، تدل على فسقهم وفجورهم.

стр. 3433

ومما ذكرها أن صبيا أمرد حكى له، قال: قال لي الصوفي وهو يجيبني: يا بنيّ، لله فيك إقبال وإلتفات، حيث جعل حاجتي إليك. وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد، وهو خال به وبينهما ورد، وهو ينظر إلى الورد تارة، وإلى الأمرد تارة، فلما جلسوا قال بعضهم: لعلنا كدرنا، فقال: أي والله، فتصايح الجماعة على سبيل التواجد. وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة: أنك تحب غلامك التركي، فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينية، وقال: هذا جواب الرقعة. قال المصنف ﵀: قلت: إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه، وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه، ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس (١). ومن الأبيات التي يستمع إليها الصوفية، ويرقصون عليها، يغنّون بها أبيات ذكر طرفا منها في كتابه: (أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرور والسرور هناك صاح إذا لبّى أخو اللذات فيه ... منادي اللهو حيّ على الفلاح ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقنا لألحاظ ملاح (٢) وأيضا قال يوسف بن الحسين: (كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن، ولقد عاهدت ربّي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا، ففسخها على حسن الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن مصيبة، وأنشد صريح الغواني في معنى ذلك شعرا: إن ورد الخدود والحدق النجل ... وما فى الثغور من أقحوان واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد ... وما في الصدور من رمان تركتني بين الغواني صريعا ... فلهذا أدعى صريع الغواني (٣) فعن هؤلاء قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين، ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته، إما عموما أو خصوصا ... ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله، وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل، وإن كان لأصحابه زهد وعبادة (٤). وقال الحافظ ابن حزم الظاهري: (ادّعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا بأننا نرى الله ونكلمه، وكلما قذف في نفوسنا فهو حق. ورأيت لرجل منهم يعرف بان شمعون كلاما نصه أن لله تعالى مائة اسم، وأن الموفي مائة هو ستة وثلاثون حرفا ليس منها في حروف الهجاء شيء إلا واحد فقط، وبذلك الواحد يصل أهل المقامات إلى الحق. وقال أيضا: أخبرني بعض من رسم لمجالسة الحق أنه مدّ رجله يوما فنودي: ما هكذا مجالس الملوك، فلم يمدّ رجله بعدها. يعني أنه كان مديما لمجالسة الله تعالى (٥).

стр. 3434

ولذلك قال ابوعلي وفا: (وبعد الفنا بالله كن كيف ما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر (١). ونقل الدكتور عبد الحليم محمود قاعدة عامة للصوفية بقوله: (اعرف الله وكن كيف شئت (٢). هذا ولقد ورد في كتب الصوفية حكايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، تدل على إتيان المتصوفة المنكر، وإباحتهم المحظورات، وتركهم الواجبات، ومع ذلك عدّوهم من أو لياء الله وكبار المستجابين عند الرب ﵎ عما يقوله الأفاكون علوا كبيرا، عن أن يختار الفسقة الفجرة أولياءه وأصفياءه. منهم من ذكره (القطب الرباني والهيكل الصمداني العارف بالله عبد الوهاب الشعراني) في طبقاته ذكر أن سيده علي وحيش (كان ﵁ من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، وكان يأتي مصر والمحلة وغيرهما من البلاد، وله كرامات وخوارق، وأجتمعت به يوما في خط ما بين القصرين، فقال لي: ودّيني للزلباني فودّيته له، فدعا لي وقال: الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى. وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال: كان الشيخ وحيش ﵁ يقيم عندنا في المحلة في خان بنات الخطا، وكان كل من خرج يقول له: قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج، فيشفع فيه، وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته، وقال يوما لبنات الخطا: أخرجوا فإن الخن رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إلا واحدة، فخرجت، ووقع على الباقي فمتن كلهن. وكان إذا رأى شيخ بلد وغيره ينزله من على الحمارة ويقول له: أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة (٣). وماذا نستطيع أن نقول بعد سرد هذه الرواية عن الشعراني، ثم مدحه لمثل هذا الفاجر الخبيث، وجعله من أعيان المجاذيب، وأرباب الأحوال، وصاحب الكرامات والخوارق، ومستجاب الدعوات، مأذونا بالشفاعة عند الله، وليس مأذونا فحسب بل شفيعا مقبولا، مبشرا بقبول شفاعته فيمن أراد أن يشفع فيهم، وهل هناك استهزاء بالشريعة، وتعطيل لحدود الله، وتلاعب بأوامر الله ونواهيه، زندقة وإلحاد، وفسق وفجور أكبر من هذا؟ هذا ما لا يوجد له نظير حتى لدى الشيعة، منبع كل فساد، ومصدر كل رذيلة. ولكن التلميذ قد فاق أستاذه، والمريد مرشده، والمتعلم معلمه. وهناك آخر من كبار مشائخ القوم، يسمونه قطب الواصلين عبد العزيز الدباغ، يقول: (إن بعض المريدين قال لشيخه: يا سيدي دلّني على شيء يريحني مع الله . فقال: له الشيخ: إن أردت ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه ، فإنك إن اتصفت بشيء منها فإنه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه ولا يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه. فقال المريد: وكيف لي بذلك يا سيدي وأوصافه تعالى لا تنحصر. فقال الشيخ: كن شبيهه في بعضها، فقال: وما هو يا سيدي؟ فقال: كن من الذين يقولون الحق، فإن من أوصافه تعالى قول الحق، فإن كنت من الذين يقولون الحق فإن الله سيرحمك، فعاهد الشيخ على أن يقول الحق، وافترقا. وكان بجوار المريد بنت فدخل الشيطان بينهما حتى فجر بها وافتضها، فلم تقدر البنت على الصبر مع أنها هي التي طلبت منه الفعل، لأنها تعلم أن الافتضاض لا يخفى بعد ذلك، فأعلمت أباها فرفعه إلى الحاكم، وقال: إن هذا فعل ببنتي كذا وكذا.

стр. 3435

فقال الحاكم للمريد: أتسمع ما يقول؟ فقال: صدق، قد فعلت ذلك، كان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه، فلم يقدر على الجحود والنكران، فلما سمع منه الحاكم ما سمع، قال: هذا أحمق، اذهبوا به إلى المارستان، فإن العاقل لا يقرّ على نفسه بما يعود عليه بالضرر، فدخل المارستان، ثم جاء من رغب الحاكم، وشفع فيه فسرّحوه (١). وأحد كبار القوم و (شهيد التصوف الإمام الأجل نجم الملة والدين قطب الإسلام والمسلمين، برهان السنة، محيي الحق نجم الدين الكبري) يخبر عن فسقه وفجوره بأسلوب صوفي: فيقول: (عشقت واحدا ببلاد المغرب فسلطت عليه الهمة فأخذته وربطته ومنعته عن سواي، إلا أنه كان عليه رقباء، فسكت عن صريح المقال، وجعل يكلمني بلسان الحال، فأهمه وأكلمه كذلك فيفهمه، وانتهي الأمر إلى أن صرت أنا هو، وهو أنا، ووقع العشق إلى محض صفاء الروح، فجاءتني روحه سحرا تمرّغ وجهها في التراب وتقول: أيها الشيخ الأمان، الأمان، قتلتني أدركني، فقلت: ماذا تريد؟ قالت: أريد أن تدعني حتى أقبل قدمك، فأذنت لها، ففعلت ورفعت وجهها، فقبلتها حتى استراحت واطمأنت إلى صدري (٢). وما دمنا تطرقنا إلى هذا الموضوع فإننا نقول: إن جماعة من الصوفية ولو أنهم تظاهروا بالصلاح والتقوى لم يستطيعوا أن يخفوا ويكتموا عشقهم وفسقهم، وشهدوا عليهم بعدم مبالاة الشرع وأحكامه، والتطرق إلى المنكرات والمحظورات. فهذا هو الشيخ الأكبر للصوفية محيي الدين بن عربي يرفع الستار عن شخصه وكنهه، مثلما شهد تلميذه نجم الدين الكبري على نفسه، فيقول شارحا لديوانه (ترجمان الأشواق) الذي فضحه هو وعشقه ببنت أحد مشائخ مكة، وتشبيبه وغزله فيها، وقد كثر الكلام والغمز واللمز فيه (وأحدث هذا الشعر دويا وأقاويل حوله مما جعل بدل الحبشي وإسماعيل بن سودقين يطلبان إليه شرح هذا الديوان (٣). فأراد أن يغطي ما قاله فيها من الغزل الركيك المتندح عشقا وحبا وجذبا وشوقا إلى تلك الحسناء المكية بغطاء صوفي بدهاء ومكر، فما استطاع إلا إظهار ما كان خافيا من قبل أكثر بكثير.

стр. 3436

فانظره ماذا يقول في مقدمة ذخائره، والعبارة ناطقة بصوت رفيع لا بصوت خافت، بما هو مكنون بين جنباتها وتراكيبها: (فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم ﵊، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني ﵀ ... وكان لهذا الشيخ ﵁ بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام، تلقب بعين الشمس وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلامين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أثعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض، لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقه مختومة، واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة والديها، شريفة ناديها، مسكها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنعمت أعراف المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك وهمة ملك، فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق، من تلك الذخائر والأعلاق، فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، وإيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فمنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني (١). ولم تكن واحدة هذه التي علق بها قلب الشيخ، وهام وراءها، بل كانت هناك أخرى أيضا، وفي بيت الله الحرام وجنب الكعبة، انظر ماذا يقول: (كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي، وهزّني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني – لو كان هناك أحد – وهي قوله: ليت شعري هل دروا أيّ قلب ملكوا وفؤادي لو درى أيّ شعب سلكوا أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا حار أرباب الهوى في الهوى وأرتكبوا فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخزّ، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهاً، ولا أعذب منطقاً، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالا ومعرفة، فقالت: ياسيدي كيف قلت؟ فقلت: ليت شعري هل دروا أيّ قلب ملكوا فقالت: عجباً منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا! أليس كل مملوك معروف؟ وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل ياسيدي: ماذا قلت بعده؟ فقلت: وفؤادي لو درى أيّ شعب سلكوا فقالت: ياسيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة، فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ياسيدي!؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت: أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا فقالت: أما هم فسلموا، ولكن أسأل عنك فينبغي أن تسأل نفسك: هل سلمت أم هلكت ياسيدي؟ فما قلت بعده؟ فقلت:

стр. 3437

حار أرباب الهوى في الهوى وأرتكبوافصاحت وقالت: ياعجباً كيف يبقى للمشغوف فضلة يحاربها، والهوى شأنه التعميم. يخدر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق. فقلت: يابنت الخالة ما أسمك؟ قالت: قرة العين. فقلت: لي. ثم سلمت وانصرفت. ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف (١). ولا أدري كيف يستسيغ المدافعون عن ابن عربي أن يبرئوه من هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه، وأن يخلصوه من ذلك المأزق الذي أوقع نفسه بنفسه فيه، وهل يبيح أحد هؤلاء المدافعين عنه أن يذكره أحد – لا سمح الله – هكذا بإسمه، ثم يذكر كريمته ويتسبب فيها ويتغزل كما تغزل وتشبب شيخهم الأكبر في كريمة ذلك الشيخ المكي، فكيف يرضون لغيرهم ما لا يرضون لأنفسهم؟ وما دمنا بدأنا بذكر الإعترافات نورد ههنا اعترافا آخر من أحد مشائخ القوم يدل على سيرتهم وعلى سريرتهم أيضا، وهو أن أحمد بن المبارك راوية عبد العزيز الدباغ يذكر أن كاتبه عبد الله بن علي وأخاه عبد الرحمن صعدا يوما على سطح مدرسة العطارين، ثم ماذا حدث؟ إسمع عنهما، ما يقولان: (فرأينا على سطوح الدور نسوة مجتمعات ومتفرقات، فجعلنا ننظر إليهن ونتذاكر أمرهن فيما بيننا، نضحك أحيانا، ثم وثب أحدنا مرة إلى الهواء من قوة ما غلب علينا من المزاح. فلما قدمنا دار الشيخ ﵁ وجلسنا في الصقلابية المعروفة جعل ﵁ يضحك ضحكا كثيرا. ويقول: ما أملح الشيخ الذي لا يكاشف، ثم قال: أين كنتما؟ أصدقاني، ولا تكذبا عليّ. فذكرنا له الأمر الذي كان. فجعل ﵁ يذكر لنا أمر النسوة ومكانتهن في السطوح كأنه حاضر معنا، وذكر لنا أيضا الوثبة المتقدمة من غير أن نذكرها له، فذكر لنا ﵁ أنه كان حينئذ جالسا مع بعض من قصده للزيارة فلم يشعروا به حتى تفرقع بالضحك، وذلك حين شاهد تلك الوثبة فظن من حضر أنه كان يضحك عليه (٢). هذا وإن هناك صوفيا كبيرا من شبه القارة الهندية الباكستانية لا زال مشهده قائما يزار ويقام عليه العرس سنويا، ولعله من أكبر الأعراس في باكستان، وهو مشهد الصوفي المشهور بمادهو لعل حسين. وأن أصحاب السير والطبقات ذكروا في ترجمته أنه كان من أولياء الله ومستجاب الدعوات، وما كان يطلب شيئا من الربّ إلا لبى طلبه، فكان حافظا للقرآن وعالما فقيها، ويوما من الأيام كان يدرس عند شيخه سعد الله تفسير مدارك التنزيل، فلما بلغ إلى قوله : إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [محمد:٣٦] طرأ عليه الوجد، وبدأ يرقص ويقول: ما دام أن الحياة لهو ولعب فلماذا لا نلهو ونلعب؟ فأخذ كتبه ورماها في البئر، وحلق لحيته وشواربه، وأخذ كأس الخمر، وبدأ يرقص في الشوارع والأسواق، كما بدا يرتاد بيوت المومسات، ويقضي أوقاته فيها، إلى أن وقع نظره على أمرد هندوكي جميل، فوله به وكلف، وعشقه، وما زال يطوف حول بيته ست عشرة سنة حتى أوقعه في حباله وفخه، وجعل إسمه جزء من اسمه، فصار مادهو لعل الحسين، بعد أن كان حسينا فقط، وبعد وفاته صار مزاره مهبط الأنوار، ومحط البركات، مثل ما كان هو في حياته (٣).

стр. 3438

هذا من جانب، ومن جانب آخر يذكر الشعراني صوفيا آخر صاحب كشف، فيقول: (سيدي شريف ﵁ ورحمه كان يأكل في نهار رمضان، ويقول أنا معتوق، أعتقني ربي (١).ومثل هذا يذكرون عن أبي يزيد البسطامي أنه (أخرج من كمّه رغيفا، وأخذ في أكله في المدينة، وكان هذا في شهر رمضان (٢). وينقلون عن الشبلي أنه كان يقول: (يا ويلاه، إن صليت جحدت، وإن لم أصلّ كفرت (٣). والقصص والحكايات مثل هذه كثيرة جدا لا تعدّ ولا تحصى، تدل على رفع التكاليف وإسقاط الشريعة، وقد نورد بعضا منها في محله في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله. وهناك عقائد وآراء وأفكار أخرى عديدة، فيها تشابه كامل وتوافق تام مع الشيعة، تدل على أنها مأخوذة مقتبسة منهم، ولكننا نكتفي بهذا القدر منها، لجلاء الموضوع ووضوح المبحث، بعد ما أثبتناها من كتب الفريقين، المعتمدة الموثوقة، وبسرد ألفاظهم وعباراتهم، ومع تأييد الشيعة، وتوثيق السنة، وشهادة الآخرين من اليهود والنصارى من المستشرقين. فإن الشيعي الإيراني المعاصر قد صرّح في كتابه: (تذهب جماعة إلى أن التصوف ليس إلا رد فعل أوجده الفتح العربي الإسلامي في نفوس العنصر الآري الإيراني، وخلاصة قولهم أن الإيرانيين بعدما غلبوا على أمرهم بسيوف العرب في مواقع القادسية وجلولاء وحلوان ونهاوند، أدركوا أنهم فقدوا إستقلالهم وأضاعوامجدهم، ثم إنهم اعتنقوا الديانة الإسلامية، ولكن العرب الذين كان الإيرانيون ينظرون إليهم منذ القدم بنظرة غير راضية لم يستطيعوا أن يغيروا رغم إنتصاراتهم مجرى التفكير الإيراني، وأن يجعلوهم مشاركين لهم في أسلوب تفكيرهم وإتجاهاتهم وميولهم وسليقتهم ومنطقهم وكذلك في آمالهم وأمانيهم وغاياتهم الروحية المثالية لأن التباين الشكلي والمعنوي أي الفروق العنصرية والإختلاف في أسلوب المعيشة والأوضاع الإجتماعية بين هاتين الأمتين كان شديدا للغاية. وبناء على ذلك بعدما إنتهت المعارك الحربية باندحار الإيرانيين بأسلوب المساجلات الفكرية التي كان لها أثر بالغ في التاريخ الأدبي والمذهبي والإجتماعي والسياسي للعرب والإسلام. ومن أهم تلك الإنعكاسات التي ترتبت على تلك الإنفعالات الفكرية التشيع أولا والتصوف ثانيا. وينبغي أن نضيف إلى هذه الملاحظة أن الغرض من ذ كر الإنفعالات في هذا الباب ليس القول بأن الإيرانيين أقدموا على هذا العمل اختاروا أو تعمدوا وقد تأتت في أكثر الظروف بحكم الإنفعالات النفسية وبتأثير العواطف والأحاسيس الخفية بصورة ثابتة كما يرى علماء النفس، أي من غير أن يعرف الناس أنفسهم غالبا السبب الحقيقي أو يستطيعوا تحليل أفكارهم وأحاسيسهم إنساقت أفكارهم إلى أمثال هذه الإنفعالات العكسية (٤). وأما الشيعي العراقي فقد كتب كتابا مستقلا لإثبات تأثر التصوف بالتشيع، واستفادة الصوفية من الشيعة، وأخذهم عنهم، فيقول: (وينبغي أن نذكر الدور الذي قام به الفرس من إخالهم مثلهم الدينية في التشيع الغالي الأول حين نصروا المختار، وعاضدوا حركة الغلو العجلية، وانضموا إلى حركة أبي هاشم، وانضافوا إلى الحركة السرية العباسية التي ورثت حركة أبي هاشم، حتى أدى بهم الأمر إلى تأليه أبي مسلم الخراساني، كما فعلوا مع أئمة الشيعة من العلويين. يضاف إلى ذلك أنهم نصروا حركة عبد الله بن معاوية في فارس أيضا، وأسبغوا عليه النور الإلهي الذي سنجده في التصوف واضحا جليا. وهذا كله يعني أن الفرس قد بدأوا إضافة القداسة إلى البيت النبوي بإعتبارها أساسا موازيا لأسسهم السياسية والدينية السابقة من تأليههم الملوك، وقولهم بالنور الذي ينتقل من ملك إلى آخر، فثبتت الولاية لعليّ بن أبي طالب على نحو مبالغ فيه، وأنتقلت هذه الولاية المقدسة مع زيادات وإضافات وحواش إلى الأئمة من بعده حتى بلغ الأمر حدّ التأليه (٥). وأما السنة فلقد نقلنا فيما سبق رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن خلدون وغيرهما في ذلك الخصوص، كما ذكرنا أيضا رأي المستشرق الإنجليزي المشهور المتعاطف مع التصوف والصوفية – وهو نيكلسون – وبمثل ما قاله قال جولد زيهر (٦). وأخيرا نختم كلامنا في هذا الخصوص على مقولة المستشرق براون ( B OWN) المشهورة: (إن التشيع والتصوف كانا من الأسلحة التي حارب بها الفرس العرب (٧). المصدر: التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير

стр. 3439

المبحث السابع عشر: تقديس القبور وزيارة المشاهد تقديس القبور وزيارة المشاهد تقديس شيعي في نشأته، فالشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور والمساجد عليها في الإسلام بعد أن جاء النبي ﷺ بهدم ذلك حتى لا تكون ذريعة إلى الشرك كما قال ﷺ : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)) (١) (متفق عليه).وفي صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب ﵁ أرسل أبا الهياج الأسدي إلى اليمن وقال له: ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ : ((أن لا تدع قبراً مشرفاً (أي ظاهراً بارزاً عالياً عن الأرض) إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته)) (٢). ولكن الشيعة تتبعوا قبور من مات قديماً ممن يعظمونهم من آل البيت كعلي بن أبي طالب والحسين ومن سموهم بالأئمة من أهل البيت وراحوا يبنون على قبورهم .. ويجعلونها مشاهد ومزارات، وجعلوا ذلك أيضاً وسيلة للتكسب والعيش .. كما جاء في رسائل إخوان الصفا أن من الشيعة من جعل التشيع مكسباً، مثل الفاتحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور (رسائل إخوان الصفا ج٤ ص١٩٩). وكان هذا البناء وإظهار هذه الشعائر منذ بداية القرن الثالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمون ما افتروه وبنوه من هذه القبور. كما ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية أن الخليفة العباسي المتوكل أمر في سنة ٢٣٦هـ بهدم القبر المنسوب إلى الحسين بن علي ﵄ وما حوله من المنازل والدور ونودي في الناس أن من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهب به إلى المطبق، فلم يبق هناك بشر، واتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل (البداية والنهاية ص٣١٥ ج١) .. وكان هذا القبر مزاراً لفرقة الإسماعيلية من الشيعة الذين كانوا يزورون هذا القبر ثم يذهبون إلى (سلمية) (قرية من قرى سوريا كانت وما زالت مأوى للفرق الباطنية. وهي قاعدة الإسماعيلية في هذا الوقت)، لزيارة أئمتهم هناك (العبر ج٣ ص٣٦١). وجاء الصوفية فنسجوا على هذا المنوال فجعلوا أهم مشاعرهم زيارة القبور وبناء الأضرحة، والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات، فقد جعلوا قبر معروف الكرخي، وهو رائد من رواد التصوف، مكاناً لزيارتهم وقالوا: قبر معروف ترياق مجرب (طبقات الصوفية للسلمي ص٨٥). بل جعل المتصوفة جل همهم بناء هذه القبور وتعظيمها ودعوة الناس إليها، وجعلوا أعظم مشاعرهم الطواف بها، والتبرك بها ودعاءها من دون الله .. بل لا يوجد شيخ متبع إلا وبنى لنفسه قبة كبيرة ومقاماً .. وهكذا أعادوا من جديد شرك الجاهلية الأولى. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤٠٣

стр. 3440

المطلب الأول: الحلاج والتشيع قال الدكتور كامل الشبيبي: لم يكن أمر الصلة بين الحلاج والتشيع مقصوراً على التداخل بين كلامه وكلام الأئمة، وإنما كان مطلقاً على مذاهب التشيع كلها، وقد استخدمها كلها في بناء مذهبه الحلولي الجديد الذي يشير إلى ظهور حركة غلو جديدة في مطلع القرن الرابع الهجري. والحلاج هو القائل: "ما تمذهبت بمذهب أحد من الأئمة جملة وإنما أخذت من كل مذهب إصبعه وأشده وأنا الآن على ذلك" وستجد .. أن الحلاج كان صورة من أبي الخطاب الزعيم الغالي الذي قتل في الكوفة سنة ١٣٨هـ، وأما علاقته بالاثني عشرية فتنعكس مما رواه الطوسي من أن الحلاج صار إلى قم البلد الشيعي القديم، وكانت قرابة أبو الحسن النوبختي الشيعي تستدعيه ويستدعي أبو الحسن أيضاً ويقول: "أنا رسول الإمام ووكيله" أ. هـ (الصلة بين التصوف والتشيع ص٣٦٨). وقال أيضاً: "وكانت إحدى التهم التي قتل الحلاج من أجلها تتضمن إنكار الحلاج للحج إلى مكة بالذات، ودعوته إلى الحج القائم على النية الخالصة والتوجه القلبي. وكان من أهم ما أخذ على الحلاج أنه يقول ببديل للحج يمكن إتمامه في بيت المسلم دون حاجة إلى تجشم مصاعب السفر والطواف حول الكعبة. وقد تطرق القاضي التنوخي إلى ذلك فذكر أن (هذا شيء معروف عند الحلاجية وقد اعترف لي (به) رجل منهم يقال: إنه عالم لهم) (الصلة بين التصوف والتشيع ص٣٦٩) وقد برر هذا (العالم) ذلك بأن (هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم) (الصلة بين التصوف والتشيع ص٣٩٦) (وصلوات الله عليهم) هذه من لوازم الإسماعيلية بالذات إلى ما عرف عنهم من أخذ بالتأويل على أوسع الحدود، وذلك يبين حداً آخر لاتصال الحلاج بالإسماعيلية. وقد كان مصداق هذا الاتصال منبعثاً من أنه (أغار القرامطة على مكة ونهبوها بعد موت الحلاج بتسع سنوات واختطفوا الحجر الأسود منها)، وحققوا مذهب الحلاج، ولعله كان مذهباً من مذاهبهم أسرع هو بالتعبير عنه من عند نفسه. أ. هـ. وقد ذكر القاضي التنوخي أن الحلاج أرسل إلى بعض دعاته يقول: "وقد آن الآن أذانك للدول الغراء الفاطمية الزهراء المحفوفة بأهل الأرض والسماء وأذن للفئة الظاهرة وقوة ضعفها في الخروج إلى خراسان ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه" (نشوار المحاضرة ص٨٦). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤٠٤ - ٤٠٦

стр. 3441

المطلب الثاني: الحلاج داعية الإسماعيلية في المشرق قال الدكتور الشبيبي أيضاً: "ويذكر الخطيب البغدادي وابن كثير أن أهل فارس كانوا يكاتبون الحلاج بأبي عبدالله الزاهد .. هذه الكتبة أطلعت على الداعية الإسماعيلي المشهور أبي عبدالله الشيعي الذي ساعد على قيام دولة العبيديين قبل تحولها إلى مصر. فكأن الإسماعيليين كانوا يعتمدون على داعيتين يحملان كنية واحدة أحدهما بالمشرق وهو الحلاج، والآخر بالمغرب وهو أبو عبدالله الشيعي الذي يروي الإسماعيلية أنفسهم سبق صوفيته على إسماعيليته) (ص٧٣). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤٠٦

стр. 3442

المطلب الثالث: شهادة العمار الحنبلي أن الحلاج قرمطي ذكر العمار الحنبلي أن الحلاج رحل إلى بغداد سنة ٣٠١هـ "مشهوراً على جمل وعلق مصلوباً ونودي عليه: هذا أحد القرامطة فاعرفوه". وعلى الرغم من أن الحلاج قد قتل سنة ٣٠٩هـ فإن الدعوة الفاطمية التي حمل لواءها قد استفحل خطرها وشرها؛ فقد استطاع أبو طاهر الجنابي القرمطي الإسماعيلي حليف الدولة الفاطمية والداعي إليها أن يدخل البصرة سنة ٣١١هـ، والكوفة بعد ذلك بعامين. وكذلك استطاع القرامطة دخول مكة بعد مقتل الحلاج بتسع سنوات فقط، وقتل المسلمين حول الكعبة، وانتزاع الحجر الأسود، وكانوا بقيادة أبو سعيد القرمطي، وكان أبو سعيد هذا زميلاً للحلاج الحسين بن منصور (تذكرة الأولياء ج٢ ص١٠٩). ولذلك قال ابن النديم إن الحلاج كان يظهر مذاهب الشيعة للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، ويدعي أن الألوهية قد حلت فيه (الفهرست لابن النديم ص٢٦٩). ومع ذلك رأينا من يقول من شيوخ التصوف، وهو محمد بن حفيف المتوفى سنة ٣٧١هـ: "الحسين بن منصور عالم رباني"!!. ووجدنا كذلك من يجعل العبارات الباطنية التي أطلقها الحلاج على أنها نهاية علوم التصوف كقوله: "في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور وعلم الأحرف في لام ألف". المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤٠٦

стр. 3443

المطلب الرابع: الحلول عند الحلاج الصوفي وعند أبي الخطاب الشيعي وقضية الحلول تكاد تكون متطابقة عند الحلاج الصوفي وغلاة الشيعة، فقد كان الحلاج يقول في دعائه: "يا إله الآلهة ويا رب الأرباب، ويا من لا تأخذه سنة ولا نوم رد إلى نفسي لئلا يفتن بي عبادك، يا من هوأنا، وأنا هو لا فرق بين إنيتي وهويتك، إلا الحدث والقدم" (طبقات الصوفية). والحلاج هو الذي وجد عنده ورقة مكتوب فيها "من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان" .. إذا قارنا ذلك بمذهب أبي الخطاب الرافضي الذي زعم أن الله خلق روح علي وأولاده وتوجه إليهم أمر العالم فخلقوا هم السماوات والأرض. ومن هنا قلنا في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى لأنه لا إله إلا علي وأولاده، وأما الإله الأعظم فهو الذي فوض إليهم العالم (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٧). لا شك أن مثل هذا الكلام وكلام الحلاج ينبعثان من مصدر واحد ويصدران عن عقيدة واحدة، ويهدفان بالتالي إلى هدف واحد هو تحويل المسلمين عن عقيدتهم الحقة وتضليل سعيهم، وإذهاب دولتهم، وتمزيق وحدتهم وجماعتهم. ومما مضى يتبين لنا أن منهج الصوفية وغلاة الشيعة في القرن الثالث كان منهجاً واحداً وعقيدة واحدة، فالحلاج كان زميلاً وصاحباً لكبار رجال التصوف المشهورين في القرن الثالث كالجنيد البغدادي والشبلي. فالجنيد نفسه قد أرسل إليه عندما حكم عليه بالقتل والصلب يقول: "أنك أفشيت أسرار الربوبية فأذاقك طعم الحديد"! وأما الشبلي فيقول: "كنت أنا والحسن بن منصور (الحلاج) شيئا واحداً غير أنه تكلم وسكت أنا" فالصوفية كانوا مع غلاة الشيعة شيئا واحداً عقيدة وهدفاً .. عقيدة في الحلول، وإنما اختلفوا فيمن حلت فيه روح لله، وهدفاً واحداً في العمل على إسقاط دولة الإسلام، وتمزيق وحدة المسلمين، وتشتيت الأمة، عقائد ومللاً وغلاة. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤٠٧ - ٤٠٨

стр. 3444

المبحث التاسع عشر: الطرق الصوفية والتشيع • المطلب الأول: الطريقة البكتاشية. • المطلب الثاني: الطريقة البكتاشية تنتشر في مصر. • المطلب الثالث: أصول الطريقة البكتاشية. • المطلب الرابع: مراتب الطريقة البكتاشية. • المطلب الخامس: التكية البكتاشية. • المطلب السادس: العهد ودخول الطريقة. • المطلب السابع: آداب الطريقة البكتاشية. • المطلب الثامن: الأوراد البكتاشية. • المطلب التاسع: دور الفرس في التشيع والتصوف.

стр. 3445

المطلب الأول: الطريقة البكتاشية الطريقة البكتاشية طريقة صوفية شيعية الحقيقة والمنشأ، ولكنها مع ذلك تربت وترعرعت في بلاد أهل السنة في تركية ومصر. تنسب هذه الطريقة إلى خنكار الحاج محمد بكتاش الخراساني النيسابوري -المولود في نيسابور سنة ٦٤٦هـ - ١٢٤٨م وينسب خنكار هذا نفسه إلى أنه من أولاد إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁. ويقال إنه تلقى العلم عن الشيخ لقمان الخراساني ولا يعرف من لقمان هذا، .. ولكن يقال إنه هو الذي أمره أن يسافر إلى تركية لنشر طريقته الصوفية، فسافر أولاً إلى النجف في العراق، ثم حج البيت وزار وسافر بعد ذلك إلى تركية، وكان هذا في زمان السلطان أورخان العثماني المتوفى سنة ٧٦١هـ. ويذكر أحمد سري البكتاش (دده بابا) شيخ مشايخ الطريقة البكتاشية في مصر الحالي .. في كتابه (الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية) أن خنكار هذا نزل في قرية (صوليجية فترة أويوك) والتي قسمت بعد ذلك بناحية الحاج بكتاش وما زالت تحمل هذا الاسم إلى اليوم. وأنه استضاف هناك رجل يسمى الشيخ إدريس وزوجته (فاطمة قوتلو ملك) وأنهما أنفقا أموالهما في سبيل نشر دعوة الشيخ خنكار الخراساني ولكن جاء وفد من خراسان لزيارة الشيخ خنكار فلم تجد المرأة ما تضيفهم به إلا أن باعت ثيابها .. واشترت طعاماً لضيوف الشيخ خنكار الخراسانيين. ولما كان من عادة المرأة فاطمة هذه أن ترحب بضيوف الشيخ فإنها لم تخرج إليهم لأنها لا تملك ثياباً .. فعلم الشيخ خنكار بهذا من الغيب فمد يده فأخرج صرة ملابس لها، ثم مد يده أيضاً تحت البساط الذي يجلس عليه فأخرج كيسين من الذهب وأعطاهما للمرأة التي جاءت وقبلت يدي الشيخ ورحبت بضيوفه، وآمنت بكراماته (الرسالة الأحمدية ص١١ ولا يخفى ما في هذه القصة من الخدعة فخنكار هذا لم يخلق ثياباً. وإنما جاء بذلك الوفد الخراساني الذي تجرد بعد ذلك للدعوة الصوفية في تركية، وصنع الشيخ هذا على أنها كرامة ليسهل ذلك له طريق دعوته في أوساط العامة). وكانت هذه القصة هي البداية لنشر الطريقة البكتاشية وكذلك مجيء هذا الوفد الخراساني الذي راح يروج للشيخ خنكار الذي كان قد مهد الطريق للدعوة الصوفية ولهذه الطريقة الشيعية الباطنية. ثم انتحل الشيخ خنكار كرامة أخرى فادعى (أن فاطمة قوتلو) هذه زوجة الشيخ إدريس قد حملت عندما شربت قطرات من دم الشيخ .. وذلك أن فاطمة هذه لم تحمل من زوجها إدريس التركي مدة عشرين عاماً فلما جاء خنكار الخراساني وكانت تصب الماء له ليتوضأ فوقعت قطرات من دمه في الطشت فشربتها المرأة فحملت وتكرر حملها فولدت حبيباً، ومحموداً، وخضراً. وهؤلاء الأولاد أصروا على أن أباهم هو الشيخ خنكار .. فيما يذكر أحمد سري شيخ مشايخ الطريقة البكتاشية في مصر أن الشيخ خنكار هو أبوهم الروحي فقط وأن أمهم حملت من شربها دم الشيخ وأن الشيخ خنكار لم يتزوج قط طيلة حياته. أسس الشيخ خنكار أول (تكية) صوفية للطريقة وابتدأ الأتباع والرواد يكثرون، ويسكنون في هذه القرية التي لم تكن إلا سبعة بيوت فقط ثم اكتشفوا جبلاً من جبال الملح. سموه جبل ملح الحاج بكتاش، واشتهر هذا الملح حتى كان يمون ويزود مطابخ السلطان العثماني الذي كان يحصل منه على مليونين (أقة) (الأقة وزن يكبر من الكيلو بقليل) كل عام .. ولما ذاع صيت الشيخ خنكار بكتاش ووصل الأمر إلى السلطان أورخان العثماني المتوفى سنة ٧٦١هـ عمد هذا السلطان إلى الشيخ خنكار ليعلم أولاد الأسرى من أهل الذمة، وممن لا أب لهم .. ينشئهم على طريقة الدارسين البكتاشية.

стр. 3446

وكانت هذه الفرصة الذهبية لانتشار الطريقة وذلك أن هذا الجيش الذي عرف بعد ذلك بالجيش الإنكشاري -أي الجيش الجديد- وهو الذي كان عماد الحروب التركية بعد ذلك، ثم كان هو الجيش المتسلط على مرافق الحياة كافة في تركية .. وهكذا استطاعت الطريقة البكتاشية أن تنتشر وأقيمت المقامات على قبور من مات من مشايخها، وبعض هذه القبور غطيت بالذهب الخالص. تنافس السلاطين العثمانيون في بناء التكايا والزوايا والقبور البكتاشية. مر على الطريقة البكتاشية أيام مد وجزر في تركية فبينما ناصرها بعض السلاطين، عارضها آخرون مفضلين طريقة أخرى غيرها فقد أمر السلطان محمود الثاني بإلغاء الإنكشارية بعد أن عاثت في الأرض فساداً، وأغلق كذلك الزوايا البكتاشية ولكن السلطان عبد المجيد المتوفى سنة ١٢٥٥هـ عاد وأمر بفتح الزوايا البكتاشية مرة أخرى. [وفي سنة ١٩٢٥م صدر مرسوم الحكومة التركية بإلغاء جميع الطرق الصوفية ومن ضمنها الطريقة البكتاشية، وكان آخر مشايخها هو صالح نيازي الذي سافر إلى ألبانية وانتخبه الدراويش البكتاشيون ليكون (رده بابا) وهي أعلى منزلة في الطريقة أي شيخ مشايخ الطريقة. وبعد اغتيال صالح نيازي هذا سنة ١٩٤٢م تولى بعده ابنه عباس دده بابا الذي قتل نفسه سنة ١٩٤٩م بعد دخول البلاشفة إلى ألبانية. ومنذ ذلك الوقت انتقل المركز الرئيسي للطريقة ليتحول إلى مصر وتكون القاهرة هي المقر الحالي والأخير لهذه الطريقة .. فكيف دخلت هذه الطريقة إلى مصر وكيف استقرت فيها ثم أصبحت هي مكانها الرئيسي بعد تركيا وألبانيا؟.] المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤٠٩ - ٤١٢

стр. 3447

المطلب الثاني: الطريقة البكتاشية تنتشر في مصر استطاع مؤسس الطريقة البكتاشية وهو خنكار محمد بكتاش أن يربي مجموعة من المريدين وكان منهم (أبدال موسى سلطان) الذي كان خليفة بعده، وربى أبدال هذا رجلاً يسمى (قبوغوسز) وهذا القبوغوسز لا يعرف من أبوه ولا أمه، وإنما تسمى بغيبي (الرسالة الأحمدية ص٣٤)، واستطاع هذا الرجل أن يرتحل مع مجموعة من الدراويش من تركية إلى مصر واختار لمن يصحبه في هذه الرحلة دراويش من النوع الذين يطيعون في كل صغيرة وكبيرة حتى إنه كان يقول لهم عن الشجرة الباسقة الطويلة .. هذه شجرة قثاء فيقولون نعم هي قثاء (الرسالة الأحمدية ص٣٨). ولما دخل بهم مصر. أمرهم أن يضع كل منهم على عينه قطعة قطن؛ فلما سألهم الشرط والجنود عن ذلك قالوا: إننا نغمض عين الظاهر، وننظر بعين الباطن .. والناس على دين ملوكهم .. وكان قد علم قبوغوسز أن الأمير يشتكي من وجع عينه!! وأراد الملك أن يختبرهم فعمل لهم وليمة كبرى ووضع لهم ملاعق طويلة جداً وأحضر وجهاء الناس ليأكلوا، وأمرهم ألا يأكلوا إلا بهذه الملاعق، فعجز الجميع عن الأكل إلا قبوغوسز ودراويشه فإنهم تناولوا الملاعق الطويلة، وكان كل منهم يطعم من أمامه وهكذا. وسر بهم الأمير الذي أعطاهم مكاناً يبنون فيه (تكية) أي زاوية ورباطاً لهم. ومنذ ذلك الوقت وهو سنة ٨٠٠هـ بدأ انتشار الطريقة البكتاشية في مصر في بداية القرن التاسع الهجري وسمى قبوغوسز نفسه عبدالله المغاوري، وسموا أول تكية لهم تكية القصر العيني .. وظل هذا الحال قائماً في مصر إلى سنة ١٢٤٢هـ - ١٨٢٦م حتى جاء السلطان محمود الثاني العثماني فأمر بإلغاء الإنكشارية والطريقة البكتاشية، وأعطيت أملاكهم للطريقة القادرية .. ولكن في عهد السلطان عبد المجيد عادت الطريقة البكتاشية مرة ثانية إلى مصر بعد أن سمح لهم هذا السلطان بالعمل والنشاط وذلك منذ عام ١٥٢٥م حيث حصل الشيخ علي الساعاتي على لقب (دده بابا) أي شيخ المشايخ، فجمع الدراويش حوله مرة ثانية وبنى تكية جديدة في باب اللوق، وأخذ يعطي العهود ويقيم حلقات الذكر. وفي سنة ١٢٧٦هـ – ١٨٥٩م صدرت أوامر الحكومة المصرية بتخصيص المغاره التي دفن فيها عبدالله المغاوري (قبوغوسز) للطريقة البكتاشية، فبنوا تكية عظيمة هناك بعد أن طردوا الرعاة والبدو الذين يلجأون إليها بأغنامهم وإبلهم وبنوا قبة عظيمة لمؤسس طريقتهم في مصر. وأصبحت هذه التكية فيما بعد قبلة الشعب المصري حيث يؤمونها لزيارة (ولي الله المغاوري)!! الذي تخصص (بتحبيل النسوان) وشفاء الأمراض وتلبية الحاجات فكانت تقصده كل امرأة لا تلد، وكانت المرأة تدخل في المغارة ضمن كهوف مظلمة طويلة .. وبقيت تكية المغاوري هذه تابعة للمركز الرئيسي للطريقة في تركية، ثم أصبحت تابعة للمركز الرئيسي في ألبانية، ثم بعد أن قتل صالح نيازي بابا نفسه سنة ١٩٤٩، اجتمع أتباع الطريقة واختاروا أحمد سري شيخ تكية قبوغوسز (عبدالله المغاوري) شيخاً لمشايخ علوم الطريقة وكان ذلك في ٣٠ يناير سنة ١٩٤٩م (الرسالة الأحمدية ص٣١) ومنذ ذلك الوقت أصبحت مصر هي المقر الرئيسي لهذه الطريقة، وأصبح أحمد سري (دده بابا) هو شيخ مشايخها. وفي يناير سنة ١٩٥٧م أمرت الحكومة المصرية بإخلاء تكية المقطم لوقوعها ضمن المناطق العسكرية، وأعطت الحكومة أرباب الطريقة مكاناً آخر في ضاحية المعادي. حيث أسس المقر الجديد على غرار التكايا البكتاشية ثم نشط البكتاشيون، وجددوا التكايا القديمة التي لهم. هذه لمحة سريعة عن تاريخ هذه الطريقة التي نشأت وترعرعت في أوساط أهل السنة في تركية ومصر، وسيعجب القارئ أشد العجب عندما يعلم أن هذه الطريقة شيعية خالصة في المعتقد والأذكار والمشاعر، وأنها لا تمت إلى أهل السنة بصلة مطلقاً .. سيعجب كيف خفي مثل ذلك على علماء الإسلام ورجال السنة في تركية ومصر، ولكن يزول العجب عندما نعلم أن الظاهر الصوفي كان دائماً خداعاً يخفي تحته ما يخفي من العقائد الباطنية. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤١٢ - ٤١٤

стр. 3448

المطلب الثالث: أصول الطريقة البكتاشية الطريقة البكتاشية مزيج كامل من عقيدة وحدة الوجود، وعبادة المشايخ وتأليههم، وعقيدة الشيعة في الأئمة. يقول أحمد سري (دده بابا) شيخ مشايخ الطريقة: "الطريقة العلية البكتاشية هي طريقة أهل البيت الطاهر رضوان الله عليهم أجمعين" (الرسالة الأحمدية ص٦٧) ويقول أيضاً: "وجميع الصوفية على اختلاف طرقهم يقدسون النبي وأهل بيته ويغالون في هذه المحبة لدرجة اتهامهم بالباطنية والاثني عشرية" (الرسالة الأحمدية ص٦٨). ويقول أيضاً: "والطريقة العلية البكتاشية قد انحدرت أصولها من سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعن أولاده وأحفاده إلى أن وصلت إلى مشايخنا الكرام يداً بيد، وكابر عن كابر، وعنهم أخذنا مبادئ هذه الطريقة الجليلة" (الرسالة الأحمدية ص٦٩). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤١٤

стр. 3449

المطلب الرابع: مراتب الطريقة البكتاشية وقد قسم أرباب هذه الطريقة المنتسبين إلى طريقهم على النحو التالي حسب درجاتهم: ١ - العاشق: وهو الذي يحب الطريق ويعتنق مبادئها وتسيطر عليه الروح البكتاشية، وله رغبة في الانضمام إلى الطريقة، ويكثر من الحضور إلى التكية ويسمع ما يدور بها. ويرشحه الشيخ ليكون في المنزلة التالية وهي درجة الطالب. ٢ - الطالب: وهو الذي يعلن رغبته في الانضمام ويرشحه الشيخ لذلك ليتقبل الإقرار، ويعطي العهد. وتقام له حفلة بذلك. ٣ - المحب: وهو الطالب الذي انتسب إلى هذه الطريقة بعد حفلة الإقرار والبيعة. ٤ - الدرويش: الذي يتبحر في آداب الطريقة وعلومها ويلم بأركانها ومبادئها. ويهب نفسه للخدمة العامة فيها. ٥ - البابا: وهي درجة المشيخة ولا يصل إليها الدرويش إلا بعد مدة طويلة حيث يكون قد عرف الرموز الصوفية وأحاط بها .. ٦ - الددة: وهو الخليفة، ولا يمنح هذه المنزلة إلا شيخ المشايخ ويكون هذا رئيساً لفرع من فروع الطريقة في مصر. ٧ - الددة بابا: شيخ المشايخ وينتخب من بين الخلفاء وهو المدير العام لشئون الطريقة في العالم وهو الذي يعين البابوات وله حق عزل المشايخ .. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤١٥

стр. 3450

المطلب الخامس: التكية البكتاشية التكية البكتاشية في الغالب عبارة عن ضيعة كبيرة بها قصر فخم وقبور مزخرفة مبنية، ويقيم بها الدراويش أبداً منقطعين للخدمة، وقد تضم التكية آلاف المواشي والأنعام من البقر والغنم، وتأتيها الإتاوات والأرزاق من منتسبي التكية في القطر. إذ لا يجوز للزائر الدخول إليها إلا وهو يحمل شيئا ما يقدمه قرباناً .. ونستطيع أن نقول إنها مملكة أو إمارة خاصة .. ولذلك فالمنتسب إلى هذه الطريقة لا بد أن يكون خادماً في هذه المملكة الخاصة لأسياده المشايخ الذين يتربعون على عرش الولاية البكتاشية. يقول أحد سري (دد بابا): "والمنتسب إلى الطريقة العلية تنتظره واجبات كثيرة يؤديها في منزله وفي التكية عند زيارته لها. فالواجبات المنزلية هي إقامة الصلوات في أوقاتها وتلاوة الأوراد والأذكار المأذون بتلاوتها وحفظ الأدعية المأثورة، وفي التكية يكلف بالخدمة مع الدراويش ثم يخصص للخدمة مثل سقاية القهوة أو خدمة الضيوف أو إعداد الطعام وتجهيز المائدة وغسل الأواني أو خدمة الحديقة، فإذا حذق التعاليم كلفه الشيخ بخدمة أرقى فيعين نقيباً أو دليلاً أو ميدانجياً. وهكذا .. " أ. هـ (الرسالة الأحمدية ص٧٢). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤١٥، ٤١٦

стр. 3451

المطلب السادس: العهد ودخول الطريقة لتعميد المريد أو الطالب نظام خاص في الطريق البكتاشي فعند دخوله إلى ميدان التكية يقرأ الدليل أبياتاً معينة من الشعر ثم يقول: اللهم صل على جمال محمد، وكمال علي والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم يقول: جئت بباب الحق بالشوق سائلاً مقراً به محمداً وحيدراً (حيدر هو علي بن أبي طالب) وطالب بالسر والفيض منهما ومن الزهراء وشبير (وشبير المقصود علي بن أبي طالب أيضاً ويعنون بهذا القصير) شبراً ثم يقرأ الشيخ على الطالب آية البيعة: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً (الفتح:١٠). ثم يقول الطالب أبياتاً من الشعر يعلن بها دخول الطريق ومن هذه الأبيات: وبالحب أسلمت الحشا خادماً لآل العبا (آل العبا يعنون بهم أهل الكساء وهم علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس، وبعد دخول الطالب وإقامة الحفل على هذا النحو يسلم الطالب خدمة ما في التكية كأن يكون ساقياً للقهوة أو فلاحاً، أو خادماً للضيوف أو طباخاً .. الخ) وملاذي هو الحاج بكتاش قطب الأوليا!! المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤١٦، ٤١٧

стр. 3452

المطلب السابع: آداب الطريقة البكتاشية ١ - آداب زيارة التكية: فرض أرباب الطريقة على المريد أن يغتسل قبل زيارة التكية وأن يأخذ معه هدية ولا بد ولو كان ملحاً. فإذا وصل الباب سمى ولا يجوز له أن يطأ العتبة برجله لأنها مقدسة ثم يلتحق بالخدمة التي تطلب منه، وفي وقت المجلس يجلس حسب مرتبته، ولكل شخص مرتبة خاصة، والمراتب بالأقدمية. ثم يذهب المريد بعد دخول التكية والاستراحة فيها إلى القبر الموجود في التكية، ولزيارة القبرة آداب خاصة منها السلام المخصوص، ثم العودة بظهره إلى خارج الضريح. والشيخ في العادة لا يجلس مع المريدين، ولا يزار إلا إذا صدر الإذن بذلك من الشيخ، ولا يزوره المريد إلا بصحبة الدرويش المختص، وعلى المريد أن يخلع حذاءه ويدخل مطأطئ الرأس ويقف على بعد خطوات من الشيخ ويقرأ: وجهك مشكاة وللهدى منارة وجهك لصورة الحق إشارة!! وجهك الحج والعمرة والزيارة وجهك للطائعين قبلة الإمارة وجهك القرآن الموجز العبارة (الرسالة الأحمدية ص٧٤)!! ولا يخفى أن هذا هو عين الفكر الباطني في جعل الدين هو طاعة رجل كما تقول الإسماعيلية "الدين طاعة رجل"، وهذه العبودية الكاملة هي عين ما تهدف إليه هذه الطريقة حيث تجعل معاني الحج والعمرة والزيارة والقرآن بل والله هو هذا الشيخ الصوفي الباطني. وبعد ذلك يتقدم المريد فيقبل يد الشيخ ثم يعود بظهره بضع خطوات ولا يجلس حتى يأذن له الشيخ بالجلوس وعند الوقوف أمام الشيخ لا بد من مراعاة ما يلي: ١ - أن يضع إبهام القدم اليمنى فوق اليسرى. ٢ - وضع اليدين على الصدر فوق السرة!!. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤١٧، ٤١٨

стр. 3453

المطلب الثامن: الأوراد البكتاشية والناظر في الأوراد البكتاشية يرى كيف أسست هذه الأوراد على عقيدة الشيعة الإمامية االثاني عشرية، فالورد البكتاشي يبدأ بذكر لله ثم للرسول ثم لعلي ثم لفاطمة ثم للحسن ثم للحسين ثم لعلي زين العابدين ثم الباقر، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر عند الشيعة ثم الإعلان أن الذاكر بهذا الذكر متول للشيعة، بريء من جميع أهل السنة، ثم بعد ذلك ورد خاص في لعن الصديق أبي بكر ﵁، وكل من رضي وتابع له، ثم في النهاية إشهاد الله أن الخلفاء بعد الرسول هم الأئمة الأثنا عشر دون غيرهم. وإليك بعض نصوص هذه الأوراد البكتاشية. ١ - اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيد المطهر، والإمام المظفر والشجاع الغضنفر إلى شبير وشبر -قاسم طوبى وسقر- (شبير: هو لقب يطلقونه على علي لأنه كان قصيراً دون الربعة. ومعنى أنه قاسم طوبي وسقر أن له الجنة والنار وهو يدخل من يشاء كيف يشاء فالقسمة إليه). ٢ - اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيدة الجليلة الجميلة الكريمة النبيلة المكروبة العليلة ذات الأحزان الطويلة!! في المدة القليلة المعصومة المظلومة، الرضية الحليمة، العفيفة السليمة، المدفونة سراً، والمغصوبة جهراً، المجهولة قدراً، والمخفية قبراً، سيدة النساء الأنسية، الحوراء البتول العذراء، أم الأئمة النقباء النجباء فاطمة التقية الزهراء ﵍. ولا يخفى ما في هذا الكلام من الدس والطعن واتهام الصحابة رضوان الله عليهم بظلم فاطمة ﵂ وغصبها، وادعاء العصمة المطلقة لها. ٣ - اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيد المجتبى والإمام المرتجى سبط المصطفى وابن المرتضى علم الهدى .. الشفيع ابن الشفيع المقتول بالسم النقيع - المدفون بأرض البقيع .. الإمام المؤتمن .. والمسموم الممتحن .. الإمام بالحق أبي محمد الحسن .. (الرسالة الأحمدية ص٨٣). ولا يخفى ما في هذا أيضاً من الدس وأن الحسن بن علي ﵁ مات مسموماً. ٤ - وأما في الصلاة على الحسين فيقول الورد البكتاشي: اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيد الزاهد والإمام العابد الراكع الساجد .. قتيل الكافر الجاحد .. الإمام بالحق عبدالله الحسين .. ٥ - وهكذا تستمر هذه الأوراد على هذا النحو ذاكرة إماماً من أئمة الشيعة الاثني عشرية إلى أن يأتي الورد الخاص بمهدي الشيعة المنتظر الذي يسمونه محمد بن الحسن العسكري فيقول الورد بالنص: اللهم صل وزد وبارك على صاحب الدعوة النبوية، والصولة الحيدرية، والعصمة الفاطمية، والحلم الحسينية والشجاعة الحسينية، والعبادة السجادية، والمآثر الباقرية، والآثار الجعفرية، والعلوم الكاظمية، والحجج الرضوية، والجود التقوية والنقاوة والنقوبة والهيبة العسكرية، والغيبة الإلهية، القائم بالحق والداعي إلى الصدق المطلق، كلمة الله، وأمان الله، وحجة الله، القائم لأمر الله، المقسط لدين الله، الذابّ عن حرم الله، إمام السر والعلن، دافع الكرب والمحن، صاحب الجود والمنن، الإمام بالحق أبي القاسم محمد بن الحسن، صاحب العصر والزمان، وخليفة الرحمن، ومظهر الإيمان وقاطع البرهان وسيد الإنس والجان، المولى الولي، وسمي النبي والوصي، والصراط السوي، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، الصلاة والسلام عليك يا وصي الحسن، والخلف الصالح، يا إمام زماننا، أيها القائم المنتظر المهدي، يا ابن رسول الله، يا ابن أمير المؤمنين، يا إمام المسلمين، يا حجة الله على خلقه، يا سيدنا ومولانا إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله، وقدمناك بين يدي حاجتنا في الدنيا والآخرة يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عند الله بحقك وبحق جدك وبحق آبائك الطاهرين (الرسالة الأحمدية ص٨٨،٨٩).

стр. 3454

٦ - وأما في ورد التولي والتبري فإنهم يقولون: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وما توفيقي واعتصامي إلا بالله. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. والصلاة والسلام على رسولنا محمد الذي أرسله بالهدى. قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. وعلى آله وأصحابه وأزواجه الهدى. يا سادتي ويا موالي إني توجهت بكم أنتم أئمتي وعدتي ليوم فقري وفاقتي وحاجتي إلى الله. وتوسلت بكم إلى الله واستشفعت بكم إلى الله. وبحبكم وبقربكم أرجو النجاة من الله. تكونوا عند الله. رجائي يا سادتي يا أولياء الله. صلى الله عليكم أجمعين. اللهم إن هؤلاء أئمتنا وساداتنا وقاداتنا وكبراؤنا وشفعاؤنا بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرأ في الدنيا والآخرة. والعن من ظلمهم. وانصر شيعتهم واغضب على من جحدهم. وعجل فرجهم. وأهلك عدوهم من الجن والإنس أجمعين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين. اللهم ارزقنا في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم. وزدنا محبتهم. واحشرنا معهم. وفي زمرتهم. وتحت لوائهم. بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين .. ويا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد. ولا يخفى أيضاً ما في هذا الورد من التبري من أهل السنة جميعاً بادعاء أنهم ظلموا أهل البيت وجحدوهم حقهم. وفي الورد الذي يلي هذا القول: "اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك" (الأحمدية ص٩٠)، ولا يخفى أنهم يعنون بذلك الصديق أبا بكر ﵁ وكل مسلم رضي بولايته إلى يوم القيامة!! وفي ختام الأوراد على المريد البكتاشي والسالك أن يشهد هذه الشهادة ويقول: "وأشهد أن الأئمة الأبرار. والخلفاء الأخيار. بعد الرسول المختار: على قامع الكفار. ومن بعده سيد أولاده الحسن بن علي. ثم أخوه السبط التابع لمرضات الله الحسين. ثم العابد علي ثم الباقر محمد. ثم الصادق جعفر. ثم الكاظم موسى. ثم الرضا علي ثم التقي محمد. ثم النقي علي. ثم الذكي العسكري الحسن. ثم الحجة الخلف الصالح القائم، المنتظر المهدي المرجى، الذي ببقائه بقيت الدنيا، وبيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، به يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وأشهد أن أقوالهم حجة وامتثالهم فريضة، وطاعتهم مفروضة، ومودتهم لازمة مقضية، والاقتداء بهم منجية، ومخالفتهم مردية، وهم سادات أهل الجنة أجمعين، وشفاء يوم الدين، وأئمة أهل الأرض على اليقين وأفضل الأوصياء المرضيين" (الرسالة الأحمدية ص٩٢). ولا شك بعد ذلك أن هذه عقيدة شيعية كاملة حملتها هذه الأوراد، والعجيب حقاً أن هذه العقيدة الشيعية قد انتشرت في تركية الدولة السنية، وفي مصر كذلك، واستمرت هذه العقيدة الباطنية تنتشر وتنمو طيلة هذه القرون الطويلة من أواسط القرن الثامن تقريباً إلى يومنا هذا في القرن الخامس عشر الهجري وكل ذلك تحت جناح التصوف .. فأي تلازم أبلغ بعد ذلك وأي تطابق بين التصوف والتشيع .. وهل كان التصوف إلا المعبرة التي عبر عن طريقها الفكر الشيعي الباطني إلى ديار الإسلام .. بل هل كان التصوف إلا المعبرة التي عبرت بها كل الفلسفات وكل أشكال الإلحاد والزندقة والتخريف إلى العالم الإسلامي؟!!. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٤١٨ - ٤٢٢

стр. 3455

المطلب التاسع: دور الفرس في التشيع والتصوف لقد كان للفرس والجنس الإيراني الدور المميز الخاص في التصوف والتشيع. فأئمة التصوف ورواده الأول بلا استثناء قد كانوا من الفرس والموالي ولم يكن منهم عربي قط. وقد ارتبط التشيع أيضاً قديماً باسم الفرس حتى إنه لا يكاد يذكر التشيع إلا ويقترن ذكره بذكر الفرس .. وقد كان لذلك أسبابه الخفية بلا شك. وقد كتب الدكتور كامل الشبيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) فصلاً خاصاً بذلك حيث يقول: أثر الشعب الإيراني في التشيع والتصوف: "ويهمنا في هذا المجال أن نورد رأياً لبراون رواه الباحث الإيراني المعاصر الدكتور قاسم غني -ومر بنا أصله- مؤداه أن (الإيرانيين -بعد رضوخهم لسيف العرب إثر حروب القادسية وجلولاء وحلوان ونهاوند- بذلوا استقلالهم وشوكتهم عن يد وهم صاغرون، وسواء أشاءوا أم أبوا دخلوا الإسلام بحكم غريزة المحافظة، غير أن العرب -الذين نظر إليهم الإيرانيون بعين الاحتقار من قديم- لم يستطيعوا مع غلبتهم أن يحملوا الإيرانيين على مشاركتهم طراز التفكير والعقيدة والسلفية والمنطق والآمال والمطالب الروحية، لأن التباين -شكلاً ومعنى- كان عظيماً في العنصر وطريقة المعيشة والأوضاع الاجتماعية. وعلى ذلك فإن انتهاء الصراع بهزيمة إيران أوجد انفعالات روحية وتأثرات معنوية في الإيرانيين على شكل صراع فكري ظهر في التاريخ الأدبي والمذهبي والاجتماعي والسياسي، وأثر العرب في الإسلام، وكان التشيع وكذلك التصوف من أهم ردود الفعل التي أورثها هذا الصراع الفكري) (تاريخ تصوف در إسلام ٣ - ترجمة-). وقد أوضح الدكتور قاسم غني هذه الفكرة وبين جوهرها بقوله: (ويجب أن نبين هنا أن رد الفعل هذا لم يأت عن عمد واختيار وإرادة على خطة مرسومة يراد بها الانتقام بل كان أكثره متأنياً بحكم الانفعال النفسي وتحت تأثير العواطف والأحاسيس الخفية التي يعرفها علم النفس، أي أن ذلك قد حدث غالباً دون أن يجد له الناس علة واقعية ودون أن يحللوه، ولكن ذهنهم كان مسوقاً إلى هذا العمل بهذه الطريقة) (تاريخ تصوف در إسلام ٣ - ترجمة) ولقد نطق إيراني معاصر -في صراحة وجلاء- بهذه الحقيقة واعترف بأن التصوف قد ظهر في إيران (في عصر تسلط على وطننا فيه عدو قوي، فلما لم يجد الإيرانيون قدرة على المخالفة والمبارزة سلكوا سبيل الهزيمة واتخذوا القوى الغيبية معتقداً لهم وألقوا سلاحهم في ميدان تنازع البقاء ... وعلى هذا فقد كان التصوف حينئذ ضرورة من الضرورات وليس اليوم كالأمس، ويجب ألا نحمل الأفكار الصوفية محمل الجد) (تصوف للبرفسور عباس مهرين: المقدمة -ترجمة- الواقع أن هذه المعاني متضمنة في صورة واضحة في عبارة ابن حزم الواردة في كتابه (لفصل) طبع مصر ١٣٢١م ٢/ ١١٥. وقد عبر عنها براون وغيره بألفاظهم).

стр. 3456

على أن هذا كله لا يقدح في أن التصوف قد ظهر في سائر الأقطار الإسلامية حينئذ، ولكن الواضح أيضاً أن التطور لم يخالط الزهد إلا في خراسان وعلى يد الفرس في البصرة والكوفة بل حتى في الشام حين دخلها إبراهيم بن أدهم وصحبه. وينبغي أن نذكر الدور الذي قام به الفرس من إدخالهم مثلهم الدينية في التشيع الغالي الأول حين نصروا المختار، وعاضدوا حركة الغلو العجلية، وانضموا إلى حركة أبي هاشم حتى أدى بهم الأمر إلى تأليه أبي مسلم الخراساني، كما فعلوا مع أئمة الشيعة من العلويين. يضاف إلى ذلك أنهم نصروا حركة عبدالله بن معاوية في فارس أيضاً وأسبغوا عليه النور الإلهي الذي سنجده في التصوف واضحاً جلياً. وهذا كله يعني أن الفرس قد بدؤوا إضافة القداسة إلى البيت النبوي باعتبارها أساساً موازياً لأسسهم السياسية والدينية السابقة من تأليههم الملوك، وقولهم بالنور الذي ينتقل من ملك إلى آخر، فثبتت الولاية لعلي بن أبي طالب على نحو مبالغ فيه، وانتقلت هذه الولاية المقدسة مع زيادات وإضافات وحواش إلى الأئمة من بعده حتى بلغ الأمر حد التأله" (الصلة بين التصوف والتشيع ص٣٤١ - ٣٤٣). وهذه الشهادات تعني في الجملة أن التصوف والتشيع عند الإيرانيين كان دائماً وسيلة إلى غاية ولم يكن عقيدة وانتحالاً خالصاً، وهذا يصل إليه الدكتور كامل الشبيبي في خلاصة بحثه حيث يقول: "وقد استعان المختار بالوالي لأول مرة في تاريخ التشيع وكان ذلك من أسباب فشل حركته، وانفضاض العرب عنه، ويجب أن نلاحظ هنا أن دور الفرس في التشيع المبكر كان مؤقتاً فقد انصرفوا من بعد المختار إلى موالاة العباسيين وعادوا إلى التشيع من جديد بعد أن نزلت بهم ضربة السفاح أولاً. ثم المنصور ثم الرشيد. بل لقد وجدناهم يمنعون العلويين الخلافة حين تسلم البويهيون أزمة الحكم من العباسيين. وبهذا يتبين لنا أن دور الفرس في التشيع بل في الإسلام كان مجرد وسيلة لاستعادة المجد القديم، وإلغاء التسلط العربي عن كواهلهم" (الصلة بين التصوف، لكامل الشبيبي ص١٠١). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٤٢٢ - ٤٢٤

стр. 3457

المبحث الأول: طلب الهداية في غير الكتاب والسنة من يقرأ في كتب المتصوفة يلاحظ بأن القوم لا يهتمون بعلم الكتاب والسنة اللذين لا يمكن الحصول على الهداية إلا عن طريقهما وذلك لأن القوم يزعمون بأن لهم علوما خاصة يتلقونها عن الله مباشرة عن طريق الكشوفات المزعومة وبالإضافة إلا ذلك يزعمون بأنهم يلتقون بالأنبياء بعد موتهم ويتعلمون منهم علوما وبالأولياء أيضا وعلى رأس الأولياء يزعمون بأنهم يلتقون بالخضر ويتعلمون منه العلوم اللدنية ولم يكتف المتصوفة بهذا الإدعاء بل صرحوا بأن علومهم التي يتلقونها عن الله بلا واسطة كما يزعمون أفضل من العلوم التي أتى بها رسول الله ﷺ ولذا نفر المتصوفة الناس عن تعلم العلوم الشرعية وهذا مكر ومكيدة ودهاء وخبث منهم لأنهم يعلمون بأن علومهم الوهمية الخيالية التي يزعمون بأنهم يتلقونها عن طريق المنامات والأحلام والرؤى والهتافات والكشوفات لا يمكن أن يقبلها منهم الناس إذا تعلموا الكتاب والسنة إلا إذا نفروا الناس عن العلوم الصحيحة التي مصدرها الكتاب والسنة حتى لا تتبدد أباطيلهم فتصبح هباء منثورا لأنها ما هي إلا كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا لم يجده شيءا. ولم يكتف المتصوفة بالتنفير عن طلب العلم الشرعي بل استهزؤا بعلماء الأمة الإسلامية ووصفوهم بأنهم علماء الرسوم الذين لا يفهمون شيئا عن الحقائق ووصفوا أنفسهم بأنهم علماء الحقيقة ومن أجل هذا طلب المتصوفة الهداية خارج الكتاب والسنة عن طريق الهواتف والمجاهدات والكشوفات المزعومة فضلوا عن الصواب وأضلوا كثيرا من شعوب العالم الإسلامي وهكذا مصير كل من بحث عن الهداية والوصول إلى رضوان الله خارج الكتاب والسنة فإن مصيره الضلال والتيه والضياع. ولقد ادعى كثير من المتصوفة بأن الهداية تأتي إليهم عن طريق الهواتف وإليك الدليل على ما أقول: فقد ذكر إبراهيم بن أدهم بأن أباه كان من ملوك خراسان وأنه خرج يوما للصيد وأثار ثعلبا أو أرنبا ثم يقول إنه هتف به هاتف وسمع صوته ولم يره وقال له " يا إبراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت" ثم يذكر بأن الهتاف عاوده فقال: " ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت" ثم قال إنه أخذ جبة راعي أبيه وانطلق هائما في الصحاري والغابات والأودية والجبال طلبا للهداية والتقى بسليمان ﵇ وعلمه اسم الله الأعظم ثم جاءه الخضر وقال له: " إن الذي علمك اسم الله الأعظم هو أخي داود" ثم قال إبراهيم بن أدهم إنه التقى بأسلم بن يزيد بالأسكندرية: "فقال لي: من أنت يا غلام؟ قلت شاب من أهل خراسان ـ قال: وما حملك على الخروج من الدنيا؟ قلت زهدا فيها ورجاء الثواب من الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر فقال رجل ممن كان معه وأي شيء الصبر فقال إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس قال قلت ثم مه قال إن كان محتملا للمكاره أورث الله قلبه نورا قلت وما ذاك النور قال سراج يكون في قلبه يفرق به بين الحق والباطل والناسخ والمتشابه ... "ثم قال إبراهيم بن أدهم قال له رجل من أصحاب أسلم بن يزيد أضربه فأوجعه فإنا نراه غلاما قد وفق لولاية الله تعالى. (١). وبتحليلنا لهذه القصة نستنتج الأمور التالية:

стр. 3458

الأمر الأول: أن الهداية قد جاءت لإبراهيم بن أدهم من هاتف هتف به ولا أريد مناقشة هذه الدعوى لإثبات صحتها أو بطلانها لأن الذي أوردها صوفي له مكانته العالية في الأوساط الصوفية ولكن الذي أريده هو أنني أقول إن هذا الطريق الذي سلكه إبراهيم بن أدهم طالبا للهادية يختلف تماما عن الطريق الذي رسمه لنا رسول الله ﷺ لطلب الهداية. فالهداية دائما إنما تطلب بالعودة إلى تلاوة كتاب الله وفهم معانيه والاهتمام بدراسة سنة رسول الله ﷺ ولا يمكن أن تكون الهواتف عندنا طريقا للهداية لأن الهواتف أنواع شتى فقد يكون الهاتف شيطانا ويأمره بشيء فيضل الطريق ولذا فالأحلام والرؤى والمنامات والهتافات أو الهواتف لا وزن لها في الشريعة الإسلامية فضلا عن أن تكون أسبابا للهداية. الأمر الثاني: أقول إن خروج إبراهيم عن وطنه وتركه لماله وأهله وخلق ثيابه وبعده عن الدنيا كلها ليس من الإسلام في شيء لأن الإسلام لا يأمر المسلم أن يهاجر عن وطنه إلا إذا اضطهد فيه وأصبح لا يتمكن من أداء الشعائر الإسلامية فحينئذ تجب الهجرة وخراسان بلد إبراهيم لم تكن كذلك. الأمر الثالث: ثم إن ادعاء بن أدهم بأنه لقي داود ﵇ وعلمه اسم الله الأعظم. أولا وقبل كل شيء ما الذي دعا دواد ﵇ للعودة إلى الدنيا مرة أخرى ليعلم فردا من أفراد أمة محمد ﷺ اسم الله الأعظم مع أن الرسول ﷺ قال لعمر: ((والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني)) (١).فكذلك داود لو عاد حيا لم يسعه إلا اتباع الرسول ﷺ ولا يجوز له أن يقوم بتعليم الناس شيئا يعلمه لهم رسول الله ﷺ علت حد زعم المتصوفة وإلا فاسم الله الأعظم ليس مجهولا حتى يأتي داود ويخرج من قبره ليعلمنا إياه بل هو معروف من ملة محمد ﷺ فقد ورد في الحديث الصحيح: ((أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يدعو قائلا: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا. فقال ﷺ : قد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)) (٢).

стр. 3459

الأمر الرابع: نستنتج من قصة إبراهيم بن أدهم بأنه بالمجاهدة والصبر يحصل النور الذي يعرف به الحق والباطل والناسخ والمتشابه. وأنا أقول إن مجرد المجاهدة والصبر مهما كانت لا يمكن أن تعلم الإنسان لابد من التعلم لأن الرسول ﷺ يقول: ((إنما العلم التعلم)) (١). نعم الاجتهاد في طلب علمي الكتاب والسنة والصبر فيهما يجعل قلب الإنسان منورا لأن العلم ور والجهل ظلام فالاجتهاد في العلم الذي جاء به رسول الله من عند الله وهو علم الكتاب والسنة الذي من تعلمه عرف الحق من الباطل والله يقول فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد: ١٩] فالله أمر بالعلم قبل العمل بخلاف المتصوفة فإنهم يأمرون بالعمل على الجهل من أجل الحصول على العلم الذي يزعمون بأنه يقذف في قلوبهم بسبب المجاهدة. الأمر الخامس: نأخذ من قول أسلم بن يزيد لإبراهيم بن أدهم: " يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علما" بأن للمتصوفة طريقا آخر يتلقون منه العلوم غير العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ من ربه حسب زعمهم وقد صرح المتصوفة بأن هناك علما آخر غير العلم الذي جاء به الرسول ﷺ من عند الله ومما يدل على هذا قول الغزالي فقد قسم العلوم إلى أقسام وذكر من جملة الأقسام علم يسمى "علم المكاشفة" فقال: "القسم الأول: علم المكاشفة: هو علم الباطن وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله .. وهو علم الصديقين والمقربين أعني علم المكاشفة فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة .. " ثم قال: " فنعني بالعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجرى مجري العيان الذي لا يشك فيه وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرأة عن الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وهذه العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله وهو المشارك فيه سبيل المذاكرة وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي الذي يوصف بالعلم المكنون فقد قيل في وصفه أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى. (٢).

стр. 3460

ومن أقوال الغزالي السابقة يتضح لنا بأن القوم يدعون بأن لهم علوما خاصة وأن هذه العلوم يحصلون عليها من قبل الله عن طريق قذفها في قلوبهم وعلى هذا فالقوم لهم علوم أخرى يطلبون الهداية إلى الحق والصواب عن طريقها وليس لهم أي حاجة لإتعاب أنفسهم في الدراسة ما داموا يتلقون العلوم الربانية بطريقة سريعة وهي القذف في القلوب ولكن من المؤكد أن قول المتصوفة هذا إنما هو مجرد ادعاء فقط وإلا فليس لهم علوم يحصلون عليها عن طريق القذف في القلوب كما يدعون وبالتالي تهديهم إلى الحق والصواب والصراط المستقيم وإنما من الممكن أن يكونوا يتلقون علوما من قبل الشياطين لأن الشياطين أيضا لهم وحي شيطاني كما قال الله وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١] وإلا فليس لدينا في الإسلام وحي غير الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ من عند الله وقد ختمت النبوة فكل من يدعي أنه يحصل على علم غير العلم الذي جاء به رسول الله فقد كذب وافترى على الله فرية عظيمة ولو نظرنا وفكرنا جيدا فسنجد بأن المتصوفة ادعوا هذا الادعاء من أجل التعمية على العوام من الناس حيث إن المتصوفة يفسرون الكتاب بأهوائهم تفسيرا يختلف تماما مع التفسير الذي فسره العلماء للقرآن الكريم وإذا سئلوا قالوا: إن هذا علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الخاصة من أوليائه وبهذا القاعدة هدموا كثيرا من أمور الشريعة وسنتناول هذه الفرية ألا وهي ادعاء الصوفية بأن للقرآن ظاهرا وباطنا في موضعها وسنوضح بأنها محض افتراء لا أساس لها من الصحة حينما نتعرف للعامل الثاني من العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة إن شاء الله الطريق الثاني الذي يطلب المتصوفة الهداية عن طريقه هي الكشوفات التي يزعمونها: يعتقد كثير من المتصوفة بأن كل من انتسب إلى أي طريقة من الطرق الصوفية تحصل له المكاشفات والمشاهدات وتنزل عليه علوما من الله وذلك بشرط أن يجهد نفسه بقطع الرياضيات الشاقة التي ابتدعها المتصوفة.

стр. 3461

قال الغزالي "اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب العزة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة الأمور مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة. فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفزيغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى والاختلاء في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ويجلس فارغ القلب مجموع الهم ولا يفرق فكره بقراءة القرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره بل يجتهد في الصبر أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى فلا يزال العبد بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه الله الله على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه ثم يصبر عليه إلى أن ينمحي أثره عن اللسان وهكذا يصبح متعرضا لنفحات رحمة ربه فر يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذا الطريق وعند ذلك إذا صدقت إرادته وصفت همته وحسنت مواظبته فلم تجاذبه شهواته ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا تلمع لوامع الحق في قلبه ويكون في ابتدائه كالبرق الخاطف لا يثبت" (١). وهكذا الغزالي قد تأثر بأفكار المتصوفة إلى حد بعيد حتى أصبح من أبرز علمائهم حيث ذكر في كتابه (الإحياء) كلاما عن الصوفية لا يمكن أن يقبله مسلم له علم بالكتاب والسنة. والشاهد من كلام الغزالي السابق إثبات بأن القوم يدعون بأنهم يتلقون علوما أخرى غير العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ ومن هنا نعلم بأن القوم يبحثون عن الهداية خارج الكتاب والسنة وهذا هو الأمر الذي ضل القوم بسببه حيث أن كل من يطلب الهداية عن غير الطريق الذي جاء به رسول الله ﷺ فمصيره التيه والضلال المبين. ويقول عبد الكريم الجيلي واصفا كتابه (الإنسان الكامل): " وكنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل " ثم يقول: " فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وألغازه ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعا للأمر المطاع" (٢). وكلام عبد الكريم الجيلي السابق مضمونه هو أنه يقول إنه تلقى المعلومات التي ضمنها كتابه عن طريق الكشف من الغيب وأن الله أمره بإظهار هذا الكتاب بما فيه من ألفاظ صريحة وألغاز معقدة وأن الله وعده بعموم الانتفاع به وأنه أجاب لهذا الأمر فأظهره. وما كتاب الجيلي حتى يأمره الله بإظهاره فهو كتاب من أوله إلى آخره لا يحتوي إلا على الكفر والزندقة وسأورد منه نصوصا حينما أتعرض لعقيدة المتصوفة تجاه من يزعمونهم أولياء في الباب الرابع إن شاء الله تعالى.

стр. 3462

ويقول ابن عربي" نحن بحمد الله لا نعتمد في جميع ما نقوله إلا على ما يلقيه الله تعالى في قلوبنا لا على ما تحمله الألفاظ"وقال أيضا: " اعلم أن العارفين ﵃ لا يتقيدون في تصانيفهم بالكلام فيما بوبوا عليه فقط وذلك لأن قلوبهم عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما يبرز لهم منها فمهما برز لهم كلام بادروا لإلقائه على حسب ما حد لهم فقد يلقون الشيء إلى ما ليس في جنسه امتثالا لأمر ربهم وهو تعالى يعلم حكمه ذلك" (١). فإذا نظرنا إلى هذه النصوص فسنجد أن النص الأول صرح فيه ابن عربي بأنه هو وأتباعه من المتصوفة الكبار يلقي الله علوما في قلوبهم وأنهم لا يتقيدون بما تدل عليه الألفاظ فقط لأن الوقوف على المعاني التي تدل عليها الألفاظ ظاهرا إنما هو من اختصاص علماء الظاهر أو علماء الرسوم كما يسمونهم. وأما النص الثاني فقد صرح فيه ابن عربي بأن علوم المتصوفة لا يحصلون عليها عن طريق الفكر وإنما تلقى عليهم من الله إلقاءا مباشرة فهي هبة من الله تعالى. وأما النص الثالث فقد صرح فيه ابن عربي بأن قلوب المتصوفة عاكفة على باب الحضرة الإلهية وإنها تراقب هذه الحضرة حتى تأخذ عنها أي شيء يظهر منها ولذا فإنهم يبادرون بإلقاء أي كلام يلقى عليهم من قبل الحضرة الإلهية وأنهم لا يضعون هذا الكلام إلا على حسب ما حدد الله لهم ولذلك فقد يضع مشايخ المتصوفة الكلام في غير جنسه امتثالا لأمر الله تعالى كما يزعمون. ووصف الرندي علم المتصوفة الذي يحصلون عليه عن طريق كشوفاتهم المزعومة فقال (٢):"والعلم المخزون هو العلم اللدني الذي اختزنه الله عنده فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء" ثم أورد حديثا مكذوبا على الرسول الله ﷺ فقال إن الرسول قال: ((إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكرونه إلا أهل الغرة بالله)) (٣).وقد شرح أحد المتصوفة هذا النص فقال: " هي أسرار الله تعالى يبديها الله إلى أنبيائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد إلا الخواص" (٤).وقال الرندي أيضا: " وربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد" (٥). والنتيجة التي توصلنا إليها من خلال إيرادنا لهذه النصوص هي إثبات بأن المتصوفة يدعون التلقي عن الله مباشرة علوما خاصة بهم مخزونة عند الله وأن هذه العلوم لا يكشفها الله إلا لهم لأنهم خصوا أنفسهم بالأولياء وهم لا يطلقون هذا اللفظ إلا لمن انخرط تحت لواء إحدى الطرق الصوفية وأن هناك علما مكنونا وهو لا يعلمه إلا العلماء بالله يعنون بهذا أنفسهم وأن هذه العلوم هي عبارة عن أسرار الله وأنه سبحانه لا يظهرها إلا للأنبياء والأولياء وأن الحصول على هذه العلوم لا يحتاج إلى دراسة ولا سماع بل تلقى في القلب القاءا وهي علوم خاصة بالخواص من البشر وهم زعماء الطرق الصوفية كما يزعمون.

стр. 3463

ولذا طلب المتصوفة الهداية إلى الحق والتقرب إلى الله عن طريق هذه العلوم التي ادعوا بأنهم يتلقونها عن الله فلم يصلوا إلى الهدى بل ضلوا الطريق لأنهم بحثوا عن الهداية في غير مكانها وسلكوا لها غير طريقها فإن كل من يطلب الهداية في غير الكتاب والسنة فإن مصيره الضلال المبين والانحراف الخطير كما حصل لهؤلاء المتصوفة الذين بحثوا عن الهداية عن طريق الكشوفات المزعومة فانحرفوا في عقائدهم وسلوكهم ومعاملاتهم. الطريق الثالث الذي يبحث المتصوفة فيه عن الهداية " الذوق": قال أبو حامد الغزالي في معرض حديثه عن المتصوفة: " ابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل " قوت القلوب" لأبي طالب المكي الحارث المحاسبي .. حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات".ثم قال أيضا: " فعلمت يقينا بأنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال وأن ما يمكن تحصيله بطرق العلم فقد حصلته ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم بل بالذوق والسلوك" (١). وقال ابن عربي: "جميع علومنا من علوم الذوق لا من علم بلا ذوق فإن علوم الذوق لا تكون إلا عن تجلي إلهي والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح " (٢). ومن هنا نعلم بأن الذوق من أهم الطرق التي يبحث المتصوفة فيه عن الهداية وهو معرفة الله سبحانه وأن هذا العلم الذي يسميه المتصوفة علم الذوق لا يحصل عليه الإنسان إلا عن طريق الكشف بتجلي الله له كما قال ابن عربي في النص السابق. ويقول عبدالرحمن الوكيل في نقده لاعتماد الصوفية على الذوق في تلقي العلوم: " ويدين الصوفية ببهتان آخر يدمغها بالمروق عن الإسلام ذلك هو اعتقادها أن الذوق الفردي لا الشرع ولا العقل هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها معرفة الله وصفاته وما يجب له فهو ـ أي الذوق- الذي يقوم حقائق الأشياء ويحكم عليها بالخيرية أو الشرية بالحسن أو القبح بأنها حق أو باطل فلا جرم أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة ولا عجب أن ترى النحلة منها تعبد وثنا بغير ما تعبده أخرى أو تخضع لصنم يكفر به سواها من النحل الصوفية لا عجب من ذلك كله ما دامت تجعل الذوق الفردي حاكما وقيما على المسميات وأسمائها فيضع للشيء معناه مرة ثم ينسخه بنقيضه مرة أخرى هذه الحدة في توتر التناقض صبغت الصوفية دائما في منطقها المخبول ولقد ضربت الصوفيين أهواء أحبارهم بالحيرةوالفرقة فحالوا طرائق قددا تؤله كل طريقة منها ما ارتضاه كاهنها صنما له وتعبده بما يفتريه هواه من خرافات" (٣). تنفير الصوفية الناس عن العلم الشرعي: لقد نفر الصوفية الناس عن العلم الشرعي بوصفهم له بأوصاف منفرة حيث وصفه بعضهم بأنه آفة المريد ووصفه البعض منهم بأنه يفرق الاهتمامات ووصف طلب العلم بأنه ركون إلى الدنيا وانحطاط من الحقيقة إلى العلم ووصفه بعضهم بأنه موحش ووصفه بعضهم بأنه حجاب. وإليك النصوص الدالة على ذلك من بطون كتبهم: فقد وصف أبو بكر الوراق كتابة الحديث والاهتمام به بأنه من الآفات التي يجب أن يبتعد عنها المريد فقال: "آفة المريد ثلاث: التزويج وكتابة (الحديث والأسفار) " (٤). ويقول الجنيد: "إذا لقيت الفير – أي الصوفي – فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه" (٥).

стр. 3464

واعتبر بعض المتصوفة طلب الحديث النبوي بأنه ركون إلى الدنيا حيث قال: " إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا" (١). ووصف بعض المتصوفة العلم بأنه حجاب عن الله حيث قال أبو يزيد البسطامي: " أشد المحجوبين عن الله ثلاثة: الزاهد بزهده والعابد بعبادته والعالم بعلمه" (٢). ولقد صرح أحد كبار المتصوفة بأن المتصوفة لم يتعلموا العلم ولم يحرصوا على دراسته فقال: "اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهية دون التعليمية ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون بل قالوا الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم ويخلو نفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة القرآن ولا بالتأمل في نفسه ولا يكتب حديثا ولا غيره ولا يزال يقول " الله الله الله" إلى أن ينتهي إلى حال يترك ترحيك اللسان ثم يمحو عن القلب صورة اللفظ" (٣). فالنصوص المتقدمة كلها توضح لنا موقف المتصوفة من العلم وتثبت لنا بأن المتصوفة من ألد الأعداء لعلمي الكتاب والسنة حيث أن النصوص المتقدمة صرحوا فيها بعدائهم للقرآن والسنة بنهيهم وتحذيرهم عن طلب الحديث النبوي وتلاوة كتاب الله فهل هناك جريمة أكبر من الذي يحذر عن تلاوة القرآن وكتابة الحديث النبوي وطلبه بل وطلب العلم عموما. ولم يقدم زعماء الصوفية على هذا عن جهل منهم بل أقدموا عليه عن تخطيط وتدبير ومكر ومكيدة لأنهم يعلمون جيدا بأن أباطيلهم لا يمكن أن يقبلها الناس إلا إذا كانوا جهالا لا يعلمون شيئا عن الكتاب والسنة فعلم الكتاب والسنة نور يكشف عورات هذه الظلمات التي يدعو لها أرباب التصوف عوام الناس لأنه بالعلم ينكشف للناس حقائق طرقهم وزيف أقوالهم وبالعلم يتبين المنكر وبالعمل به يتم الإنكار وقد علم الصوفية بأن الإنكار أصبح حجر عثرة أمامهم وأعاق طريقهم والمنكر لا يمكن أن يعرف إلا عن طريق العلم ولذا نفروا الناس عنه ودعوهم إلى الابتعاد عنه وشغلوهم بحلقات الرقص ونوادي الوجد والسماع ولبس الخرقة والتزام الخلوات المظلمة وغير ذلك من بدعهم المنكرة كما سيتضح لنا ذلك خلال بحثنا الطويل معهم في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى. حث الإسلام على العلم والإعلاء من شأنه: لقد حث الإسلام على العلم وأعلى من شأنه ومما يدل على ذلك الأدلة الآتية من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . فأول سورة نزلت من القرآن جاء الأمر فيها بالقراءة وهي سورة العلق حيث قال تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:١ - ٥] وقد أمر الله سبحانه بالعلم قبل العمل فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد: ١٩]. وقد أخبرنا الله بأن أولى الناس بخشية الله هم العلماء فقال: كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]

стр. 3465

وقد أنكر الله أن يستوي العالمون والجاهلون فقال تعالى أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابِ [الزمر: ٩] وأما الأدلة من السنة في الحث على طالب العلم وفضله فكثيرة جدا وإليك نبذة منها: الحديث الأول: حديث معاوية ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((من يرد الله به خيرا يفقه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) (١).الحديث الثاني: الذي رواه أبو هريرة ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ ((من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة)) (٢). وقال الترمذي عنه: حديث حسن. الحديث الثالث: الحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)) (٣).الحديث الرابع: الحديث الذي رواه ابن عباس ﵄ قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: ((اللهم علمه الكتاب)) (٤). فالآيات والأحاديث السابقة التي أوردتها هنا كلها تفيد بأن الإسلام دعا إلى العلم ورفع من شأن العلم وشأن أهله ووعد على طلبه الأجر العظيم والثواب الجزيل وأن كل دعوة إلى الابتعاد عن العلم والتنفير منه ما هي إلا محادة لله ولرسوله وتدمير وقتل لمواهب الأمة الإسلامية لأنه ما من أمة ابتعدت عن العلم إلا وانتشر فيها الجهل وأي أمة انتشر فيها الجهل فإنها تدمر وتصبح لقمة سائغة لأعدائها. ولم يدع الصوفية إلى الابتعاد عن العلم الصحيح إلا ليصبح الناس جهلة حتى تسهل قيادتهم إلى حيث يشاءون وينشرون فيهم أفكارهم الخرافية الوهمية التي لا تستطيع أن تثبت أمام الحقائق العلمية ولذا نرى دائما زعماء الطرق الصوفية يحاربون علم الكتاب والسنة لأنهم يعلمون يقينا بأنهم لا وجود لهم ولا لأفكارهم الضالة إذا فهم الناس دينهم كما أنزل على الرسول ﷺ من عند الله لأن أفكار الصوفية لا يمكن أن تعيش إلا في الظلام الحالك كالسباع التي لا تخرج إلا ليلا لتبحث عن فريستها فكذلك الصوفية يريدون أن يبقى الناس جهالا حتى يسهل إخضاعهم لهذه الأفكار المنحرفة. استهزاء الصوفية بعلماء الأمة الإسلامية. لقد استهزأ الصوفية بعلماء الأمة الإسلامية ووصفوهم بأوصاف تحط من قدرهم وذلك حتى ينفروا الناس عنهم ويسقطوهم من عيونهم وإليك الأدلة على ما أقول: فقد وصف أحد الصوفية الكبار الطريقة التي نقلت بها السنة النبوية بأنها طريقة لا يسلكها إلا المساكين وصرح بأن الصوفية يأخذون علمهم عن الله مباشرة وإليك نص كلام هذا الصوفي: فقد قال إبراهيم بن سبتيه: (حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون فلانا لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير وفلانا لقي فلانا فقال أبو يزيد: "مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" (٥).

стр. 3466

وكلام أبي يزيد هذا يرمي إلى أمور خطيرة جدا من هذه الأمور أن أبا يزيد بكلامه هذا قلل من شأن الإسناد الذي يعتبر مفخرة عظيمة للأمة الإسلامية دون غيرها بجانب أنه قلل من شأن علماء السنة المشرفة والذين نقلوا إلينا السنة كما قالها رسول الله ﷺ والاستهزاء والاستهتار بعلماء الأمة الإسلامية لا يحصل إلا من إنسان في قلبه مرض وكراهية للإسلام والمسلمين ثم إن وصف أبي يزيد للعلوم الإسلامية وعلى رأسها السنة النبوية بأنها نقلت ميتا عن ميت فيه استهزاء بمن شهد لهم القرآن بالجن وأخبرنا الله بأنه رضي عنهم وهم الصحابة الكرام وهذا يعتبر أكبر جريمة. ثم إن ادعاء أبي يزيد بأنه أخذ علمه هو وجماعته الصوفية الكذابون عن الله ما هو محض افتراء على الله فنحن المسلمون نعتقد بأنه لا نبي ولا رسول بعد النبي ﷺ لأن الله يقول مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] وبما أن الله أخبرنا بأنه لا يكلم البشر إلا بالوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وأبو يزيد البسطامي وأمثاله من المتصوفة الذين يدعون بأنهم يتلقون علومهم من الله ليسوا بأنبياء ولا رسل فدعواهم التلقي المباشر عن الله تصبح دعوى لا أساس لها من الصحة بل هي كذب وافتراء على الله ومع ذلك فنحن لا ننكر بأن القوم ربما يوحى إليهم من قبل الشياطين لأن الله قد أثبت في كتابه الكريم بأن الشياطين يوحون إلى أوليائهم حيث قال تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١] وقوله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢] وعلى هذا فنحن لا نصدق المتصوفة بأنهم يتلقون علوما عن الله مباشرة وذلك لأن النبوة قد ختمت ولكن نقول لهم إنه من الممكن أن ينزل إليكم الوحي من قبل الشياطين وإلا فليس عندنا في الإسلام دينان دين يتلقاه أبو يزيد وأمثاله من دجاجلة الصوفية عن الله ودين أتى به الرسول الله ﷺ لا غير. وممن حمل على أئمة الإسلام وعلمائهم ابن عربي حيث شبههم بأوصاف قبيحة للتقليل من شأنهم فمرة شبههم بفراعنة الرسل ومرة وصفهم بأنهم فاقدو الإدراك ومرة وصفهم بعدم الإنصاف وإليك نصوصا من كتبه: فقد قال: " وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على هل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي الذي منحهم أسراره في خلقه وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل" (١).

стр. 3467

وقال أيضا: " ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا بما في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمون بها فيما بينهم فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك ويعلو بعضهم في كلام على معنى تلك الآية ويقر القاصر بفضل غير القاصر وكلهم في مجرى واحد. ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكه وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد في العرف وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم العلم إلا بالتعلم وهو الإعلام الرحماني الرباني" (١).وقال أيضا: " فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وهم في أفكارهم عن أهل الله يحسبون أنهم يحسنون صنعا. سلم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا وصانوا عنهم أنفسهم لتسميتهم الحقائق إشارات فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات" (٢). وهكذا زعماء التصوف الدجاجلة استهزءوا بعلماء الإسلام ووصفوهم بأوصاف لا تليق أن يوصف بها إنسان جأهل بل إنسان كافر فضلا عن العلماء الربانيين فماذا ترك ابن عربي من التشويه بعد ما تقدم لعلماء الأمة الإسلامية الذين تفتخر بهم الأمة الإسلامية وإذا بحثنا عن السبب الذي دفع زعماء التصوف للقيام بهذه الحملة ضد علماء الأمة الإسلامية فإننا سنجد بأن الدافع الأساسي لهم على هذا هو تنفير الناس العوام من هؤلاء العلماء حتى لا يأتوا إليهم ويتعلموا منهم ويعرفوا الحق من الباطل فتتعطل مصالح المتصوفة الاقتصادية التي يحصلون عليها من قبل جهلاء الأمة الإسلامية وبالإضافة إلى ذلك فإن زعماء المتصوفة يستخدمون الجهلة من المسلمين الذين انخرطوا في إحدى هذه الطرق الصوفية كالعبيد في مصالحهم الشخصية. وفي ختام هذا المبحث أقول إن زعم المتصوفة بأن هم يتلقون علوما خاصة بهم من الله مباشرة كذب محض لا أساس له من الصحة لأن الله يقول: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِ لا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١]. وبما أن زعماء الطرق الصوفية ليسوا بأنبياء ولا رسل تصبح دعوى تلقيهم العلم عن الله عارية عن الصحة إذا نقول لا كشف لهم ولا إلهام لهم من الله يأتون عن طريقه بعلوم تخالف العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ لأن الله قد ختم النبوة به كما قال سبحانه مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] ولذا نقول فكل من يدعي تلقي العلم عن الله تعالى إنما هو محادد لله ولرسوله لأن الله أخبر في كتابه بأن النبوة قد ختمت وكذلك أخبر الرسول في سنته بأنه آخر النبيين فدعوى الصوفية بأنهم يتلقون العلم عن الله دعوى فارغة عارية عن الصحة وإنما هي محض دل وافتراء فقط لإيهام العوام والتلبيس عليهم.

стр. 3468

وبما أن الدين قد كمل وتم فلا يحتاج إلى ترقيع عن طريق الكشوفات المزعومة كما قال الله سبحانه في كتابه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]. وهذه من أكبر النعم على هذه الأمة حيث أكمل لها دينها فلا تحتاج إلى دين غيره فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لقوله تعالى مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٣ - ٤].وقد أخرج الطبري ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أَكْمَلْتُ لَكُمْ وهو الإسلام قال: أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدا وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا) (١). ويقول سيد قطب ﵀ في تفسير هذه الآية: " أعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا فهذا هو الدين ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين نقصا يستدعي الإكمال ولا قصورا يستدعي الإضافة ولا محلية أو زمانية تستدعي التطور أو التحوير" (٢). وبما أن الدين قد كمل والحمد لله فالعلوم التي يزعم المتصوفة بأنهم يتلقونها عن الله لا قيمة لها في ميزان الشرع لأنها أوهام وخيالات وكذب ودجل فقط. وإليك قول المعلمي فإنه مفيد في هذا المجال قال ﵀: "والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة)) (٣). ثم قال المعلمي: " وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا ... " ثم قال المعلمي: "إن التحديث والإلهام من إلقاء الملك في الخاطر والكهانة من إلقاء الشياطين والكشف قوة طبيعية كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار .. " ثم قال: " وقد اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة إنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس". ثم قال: " هذه حال الرؤيا فقس عليه حال الكشف إن كان في معناها فأما إن كان دونها فالأمر أوضح وتجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقا يكون من الشيطان وقد يكون تخير موافقا لحديث النفس ... " ثم يقول المعلمي: "فالكشف إذا تبع الهوى فغلايته أن يؤدي الهوى ويرسخه في النفوس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضله الله ولا ريب أن من التمس الهدى من غير الصراط المستقيم مستحق أن يضله الله وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل دعوى فارغة. فأما ما عرف عن المتصوفة من تحريف النصوص ربما أشنع وأفظع من تحريف الباطنية فهذا لا يشهد لكشفهم بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطل الباطل وذلك لأمور: الأول: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة فإذا شهدت ببطلان قولهم علم أنه باطل. ثانيا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاج إلى شهادة الشرع فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع فالكشف شهد لنفسه فمن يشهد له على تأويله. وأما التحديث والإلهام ففي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي أنه قال ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فإنه عمر)) (٤). وجاء في عدة روايات تفسير التحديث بالإلهام. وهذه سيرة عمر بين أيدينا لم يعرف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم أنهم استدلوا بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية بل كان يخفى عليهم الحكم فيسألون عنه فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي فيصيرون إليه" (٥). المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ٨٣

стр. 3469

المبحث الثاني اعتقادهم بأن هناك حقيقة تخالف الشريعة إن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة. ومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطينة ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها. ويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول ﷺ بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي " الكتاب والسنة " يعتبر المنافقين نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم والعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم وأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم. ومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بحتا بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول ﷺ وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم. قال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء):

стр. 3470

" إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول ﷺ من حيث أن جبريل ﵇ نزل بالشريعة أولا فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة ... من أعمال الشريعة فخص الرسول ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض" ثم قال في نفس الصفحة: " وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السريسقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا" (١).وقد ذكر ابن عجيبة في " الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" شرح الحديث المكذوب على الرسول ﷺ والذي هو: ((إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله)) (٢) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال:"قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه" (٣). وينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء. فمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية: أولا: أثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية. والبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه. وكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة. فالقول بأن الرسول خص بعلم الحقيقة جزءا أو بعضا من أصحابه دون البعض فيه اتهام للرسول ﷺ بأنه كتم العلم وهذا يعتبر جناية كبرى وكفرا بواحا فإن من العقيدة التي يجب أن يعتقدها المسلم تجاه الأنبياء التبليغ الكامل بكل الأشياء التي أمرهم الله بتبليغها وقد أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يبلغ كل ما أنزل الله إليه وبالفعل قام الرسول ﷺ بتبليغ الأمانة كاملة فلم يكتم منها شيئا بل بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فكون المنوفي يقول بأن الرسول خص بعض أصحابه ببعض العلوم كذب صراح ودعوى عارية عن الدليل لأنه لا يستطيع أن يأتي بدليل واحد من كتاب الله أو سنة رسول الله يؤيد قوله إذا الرجل ارتكب جرائم عديدة بإيراده هذا الكلام. فأولا: الرجل وقع في جريمة الكذب وهي تعتبر من الجرائم الكبيرة عند عوام المسلمين فكيف بمن نصب نفسه للتأليف.
следующие страницы →