وكلام أبي يزيد هذا يرمي إلى أمور خطيرة جدا من هذه الأمور أن أبا يزيد بكلامه هذا قلل من شأن الإسناد الذي يعتبر مفخرة عظيمة للأمة الإسلامية دون غيرها بجانب أنه قلل من شأن علماء السنة المشرفة والذين نقلوا إلينا السنة كما قالها رسول الله ﷺ والاستهزاء والاستهتار بعلماء الأمة الإسلامية لا يحصل إلا من إنسان في قلبه مرض وكراهية للإسلام والمسلمين ثم إن وصف أبي يزيد للعلوم الإسلامية وعلى رأسها السنة النبوية بأنها نقلت ميتا عن ميت فيه استهزاء بمن شهد لهم القرآن بالجن وأخبرنا الله بأنه رضي عنهم وهم الصحابة الكرام وهذا يعتبر أكبر جريمة.
ثم إن ادعاء أبي يزيد بأنه أخذ علمه هو وجماعته الصوفية الكذابون عن الله ما هو محض افتراء على الله فنحن المسلمون نعتقد بأنه لا نبي ولا رسول بعد النبي ﷺ لأن الله يقول مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]
وبما أن الله أخبرنا بأنه لا يكلم البشر إلا بالوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وأبو يزيد البسطامي وأمثاله من المتصوفة الذين يدعون بأنهم يتلقون علومهم من الله ليسوا بأنبياء ولا رسل فدعواهم التلقي المباشر عن الله تصبح دعوى لا أساس لها من الصحة بل هي كذب وافتراء على الله ومع ذلك فنحن لا ننكر بأن القوم ربما يوحى إليهم من قبل الشياطين لأن الله قد أثبت في كتابه الكريم بأن الشياطين يوحون إلى أوليائهم حيث قال تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١]
وقوله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢]
وعلى هذا فنحن لا نصدق المتصوفة بأنهم يتلقون علوما عن الله مباشرة وذلك لأن النبوة قد ختمت ولكن نقول لهم إنه من الممكن أن ينزل إليكم الوحي من قبل الشياطين وإلا فليس عندنا في الإسلام دينان دين يتلقاه أبو يزيد وأمثاله من دجاجلة الصوفية عن الله ودين أتى به الرسول الله ﷺ لا غير.
وممن حمل على أئمة الإسلام وعلمائهم ابن عربي حيث شبههم بأوصاف قبيحة للتقليل من شأنهم فمرة شبههم بفراعنة الرسل ومرة وصفهم بأنهم فاقدو الإدراك ومرة وصفهم بعدم الإنصاف وإليك نصوصا من كتبه: فقد قال: " وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على هل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي الذي منحهم أسراره في خلقه وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل" (١).
стр. 3467
وقال أيضا: " ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا بما في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمون بها فيما بينهم فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك ويعلو بعضهم في كلام على معنى تلك الآية ويقر القاصر بفضل غير القاصر وكلهم في مجرى واحد. ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكه وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد في العرف وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم العلم إلا بالتعلم وهو الإعلام الرحماني الرباني" (١).وقال أيضا: " فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وهم في أفكارهم عن أهل الله يحسبون أنهم يحسنون صنعا. سلم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا وصانوا عنهم أنفسهم لتسميتهم الحقائق إشارات فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات" (٢).
وهكذا زعماء التصوف الدجاجلة استهزءوا بعلماء الإسلام ووصفوهم بأوصاف لا تليق أن يوصف بها إنسان جأهل بل إنسان كافر فضلا عن العلماء الربانيين فماذا ترك ابن عربي من التشويه بعد ما تقدم لعلماء الأمة الإسلامية الذين تفتخر بهم الأمة الإسلامية وإذا بحثنا عن السبب الذي دفع زعماء التصوف للقيام بهذه الحملة ضد علماء الأمة الإسلامية فإننا سنجد بأن الدافع الأساسي لهم على هذا هو تنفير الناس العوام من هؤلاء العلماء حتى لا يأتوا إليهم ويتعلموا منهم ويعرفوا الحق من الباطل فتتعطل مصالح المتصوفة الاقتصادية التي يحصلون عليها من قبل جهلاء الأمة الإسلامية وبالإضافة إلى ذلك فإن زعماء المتصوفة يستخدمون الجهلة من المسلمين الذين انخرطوا في إحدى هذه الطرق الصوفية كالعبيد في مصالحهم الشخصية.
وفي ختام هذا المبحث أقول إن زعم المتصوفة بأن هم يتلقون علوما خاصة بهم من الله مباشرة كذب محض لا أساس له من الصحة لأن الله يقول:
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِ لا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١].
وبما أن زعماء الطرق الصوفية ليسوا بأنبياء ولا رسل تصبح دعوى تلقيهم العلم عن الله عارية عن الصحة إذا نقول لا كشف لهم ولا إلهام لهم من الله يأتون عن طريقه بعلوم تخالف العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ لأن الله قد ختم النبوة به كما قال سبحانه مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]
ولذا نقول فكل من يدعي تلقي العلم عن الله تعالى إنما هو محادد لله ولرسوله لأن الله أخبر في كتابه بأن النبوة قد ختمت وكذلك أخبر الرسول في سنته بأنه آخر النبيين فدعوى الصوفية بأنهم يتلقون العلم عن الله دعوى فارغة عارية عن الصحة وإنما هي محض دل وافتراء فقط لإيهام العوام والتلبيس عليهم.
стр. 3468
وبما أن الدين قد كمل وتم فلا يحتاج إلى ترقيع عن طريق الكشوفات المزعومة كما قال الله سبحانه في كتابه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]. وهذه من أكبر النعم على هذه الأمة حيث أكمل لها دينها فلا تحتاج إلى دين غيره فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لقوله تعالى مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٣ - ٤].وقد أخرج الطبري ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أَكْمَلْتُ لَكُمْ وهو الإسلام قال: أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدا وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا) (١).
ويقول سيد قطب ﵀ في تفسير هذه الآية: " أعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معا فهذا هو الدين ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين نقصا يستدعي الإكمال ولا قصورا يستدعي الإضافة ولا محلية أو زمانية تستدعي التطور أو التحوير" (٢).
وبما أن الدين قد كمل والحمد لله فالعلوم التي يزعم المتصوفة بأنهم يتلقونها عن الله لا قيمة لها في ميزان الشرع لأنها أوهام وخيالات وكذب ودجل فقط. وإليك قول المعلمي فإنه مفيد في هذا المجال قال ﵀: "والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة)) (٣).
ثم قال المعلمي:
" وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا ... "
ثم قال المعلمي:
"إن التحديث والإلهام من إلقاء الملك في الخاطر والكهانة من إلقاء الشياطين والكشف قوة طبيعية كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار .. " ثم قال: " وقد اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة إنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس".
ثم قال: " هذه حال الرؤيا فقس عليه حال الكشف إن كان في معناها فأما إن كان دونها فالأمر أوضح وتجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقا يكون من الشيطان وقد يكون تخير موافقا لحديث النفس ... "
ثم يقول المعلمي: "فالكشف إذا تبع الهوى فغلايته أن يؤدي الهوى ويرسخه في النفوس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضله الله ولا ريب أن من التمس الهدى من غير الصراط المستقيم مستحق أن يضله الله وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل دعوى فارغة.
فأما ما عرف عن المتصوفة من تحريف النصوص ربما أشنع وأفظع من تحريف الباطنية فهذا لا يشهد لكشفهم بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطل الباطل وذلك لأمور:
الأول: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة فإذا شهدت ببطلان قولهم علم أنه باطل.
ثانيا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاج إلى شهادة الشرع فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع فالكشف شهد لنفسه فمن يشهد له على تأويله. وأما التحديث والإلهام ففي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي أنه قال ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فإنه عمر)) (٤).
وجاء في عدة روايات تفسير التحديث بالإلهام. وهذه سيرة عمر بين أيدينا لم يعرف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم أنهم استدلوا بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية بل كان يخفى عليهم الحكم فيسألون عنه فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي فيصيرون إليه" (٥).
المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ٨٣
стр. 3469
المبحث الثاني اعتقادهم بأن هناك حقيقة تخالف الشريعة
إن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة.
ومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطينة ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها.
ويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول ﷺ بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي " الكتاب والسنة " يعتبر المنافقين نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم والعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم وأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم.
ومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بحتا بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول ﷺ وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم.
قال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء):
стр. 3470
" إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول ﷺ من حيث أن جبريل ﵇ نزل بالشريعة أولا فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة ... من أعمال الشريعة فخص الرسول ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض" ثم قال في نفس الصفحة: " وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السريسقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا" (١).وقد ذكر ابن عجيبة في " الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" شرح الحديث المكذوب على الرسول ﷺ والذي هو: ((إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله)) (٢) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال:"قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه" (٣).
وينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء.
فمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية:
أولا: أثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية.
والبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه.
وكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة.
فالقول بأن الرسول خص بعلم الحقيقة جزءا أو بعضا من أصحابه دون البعض فيه اتهام للرسول ﷺ بأنه كتم العلم وهذا يعتبر جناية كبرى وكفرا بواحا فإن من العقيدة التي يجب أن يعتقدها المسلم تجاه الأنبياء التبليغ الكامل بكل الأشياء التي أمرهم الله بتبليغها وقد أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يبلغ كل ما أنزل الله إليه وبالفعل قام الرسول ﷺ بتبليغ الأمانة كاملة فلم يكتم منها شيئا بل بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فكون المنوفي يقول بأن الرسول خص بعض أصحابه ببعض العلوم كذب صراح ودعوى عارية عن الدليل لأنه لا يستطيع أن يأتي بدليل واحد من كتاب الله أو سنة رسول الله يؤيد قوله إذا الرجل ارتكب جرائم عديدة بإيراده هذا الكلام.
فأولا: الرجل وقع في جريمة الكذب وهي تعتبر من الجرائم الكبيرة عند عوام المسلمين فكيف بمن نصب نفسه للتأليف.
стр. 3471
ثانيا: يعتبر تصريح المنوفي بأن الرسول خص بعض أصحابه بعلم دون البعض اتهام للرسول بكتمان ما أنزل الله مع أن الله أمره بتبليغ ما أنزل إليه ونحن نعتقد اعتقادا جازما بأن الرسول بلغ ما أنزل إليه من ربه ومن هنا نستطيع أن نقول بأن دعاء المنوفي بأن جبريل نزل بالشريعة أولا ثم بالحقيقة وأن الرسول خص بها بعض اصحابه دعوى كاذبة خالية عن الدليل والبرهان. بل إن عليا ﵁ قد نفى تخصيص الرسول لهم بعلم خاص فقد روى الإمام البخاري في صحيحه أن أبا جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ فقال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بكافر (١).
ففي هذا الأثر ينفي علي ﵁ أن يكون خص رسول الله ﷺ أهل بيته بشيء وكتمه عن غيرهم وأنه ليس عندهم علم مكتوب أو غير مكتوب إلا كتاب الله أو فهم أي علم وهو أثر الفهم والاجتهاد وفي الصحيفة فليس عندهم إلا ما عند الناس والله سبحانه يختص بقوة الفهم من يشاء وهذا الأثر يعتبر أقوى دليلا على بطلان مزاعم الصوفية الذين ادعوا بأن الرسول خص عليا وأهل بيته وبعضا من الصحابة بعمل خاص لأن عليا ﵁ قد نفى هذا الزعم الصوفي والحمد لله فالقوم ليس لهم أي دليل يستندون عليه لإثبات هذه الدعوى وما دام ليس لهم أي مستند فدعواهم بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة دعوى باطلة لأنه لا يمكن الإنسان أن يدعي دعوة لا أساس لها فيحاول فرضها على الناس عن طريق الكذب والدجل.
أما الحديث الذي أورده المتصوفة لإثبات بأن هناك علوما مخزونة عند الله وأن هذه العلوم هي عبارة عن أسرار الله لا يبديها الله إلا لأوليائه. أولا: الحديث مكذوب على الرسول ﷺ اخترعه المتصوفة لإثبات دعواهم بأن الأولياء تنزل عليهم علوم من الله غير العلوم التي نزلت على الرسول ﷺ ونحن نقول للمتصوفة إن الدعاوى لا يمكن أن تثبت عن طريق الكذب وإنما تثبت الدعاوى عن طريق الأدلة القوية الصحيحة أما اختراع الأحاديث ونسبتها إلى الرسول ﷺ فهذا غير جائز شرعا كيف وقد قال الرسول ﷺ : ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (٢).
وادعاء تلقي العلوم عن الله يلزم منه بأن النبوة لم تختم لأن التلقي للعلوم عن الله لا يكون إلا عن طريق الوحي ويلزم منه أيضا القول بأن هناك طريقا آخر غير الطريق الذي جاء به الرسول ﷺ يغني عما جاء به الرسول ﷺ وهذا فيه مخالفة صريحة للنصوص فقد أخبرنا الله في كتابه بأن النبوة قد ختمت فقال تعالى مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠].وفي الحديث فقد قال رسول الله ﷺ : ((لا نبي بعدي)) (٣).
وعلى هذا فالنبوة قد ختمت وبختم النبوة الوحي قد انقطع فدعوى الصوفية بأن هناك علما يلقيه الله على قلوبهم ويطلبون الهداية عن طريقه وأنه من الممكن أن يستغنوا به عن علم الشريعة فيه خطورة عظيمة عليهم فليرجعوا عنه وإلا يعتبرون منكرين شيئا معلوما من الدين بالضرورة فكل المسلمين مجمعون بأن النبوة قد ختمت وأن الوحي قد انقطع وأنه لا توجد علوما يمكن أن تزكي النفس وتطهرها إلا علم الكتاب والسنة اللذين جاء بهما الرسول ﷺ من عند الله.
стр. 3472
وحتى يتضح لنا مقصود الصوفية بمصطلح الحقيقة والشريعة إليك بعض النصوص من بطون كتبهم.
فقد قال القشيري في معرض حديثه لإيضاح معنى الحقيقة والشريعة في " الفكر الصوفي":
"الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية"ثم قال: "فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده والشرعية قيام بما أمر والحقيقة شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر" (١).
فكلام القشيري السابق واضح جدا بأن الصوفية يعنون بالحقيقة خلاف الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ وأنهم يعنون بالحقيقة رؤية الله والاطلاع على قضاء الله وقدره وما أخفاه الله وأظهره.
ونحن نقول رؤية الله في الدنيا لا يمكن أن تحصل لأحد كائنا من كان لأنها لم تحصل للرسل وهم أفضل الناس فكيف تحصل لمن دونهم؟! وحينما طلب موسى بن عمران رؤية الله قال له: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إليك قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إليك وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣]
ثم إن ادعاء القشيري بأن الحقيقة مشاهدة ما قضاه الله وقدره وأخفاه وأظهره فيه جرأة كبيرة على الله لأن هذا يعتبر ادعاء علم الغيب مع أن الله قد أخبر بأن الغيب لا يطلع عليه أحد إلا من ارتضى من رسله حيث قال في كتابه عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧] والرسل أيضا لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله به عن طريق الوحي فالرسول ﷺ قد أخبر عن الأحداث التي حصلت للأمم الماضية مع أممهم وأقوامهم وذلك لأن الله أعلمه بذلك عن طريق الوحي.
وقد أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن ينفي عن نفسه علم الغيب فقال له قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠].
إذا فدعوى القشيري بأن الحقيقة هي الاطلاع على قضاء الله وقدره أمر لا يمكن أن يكون لأحد مهما كان فعلم الغيب خاص بالله .
وقد جر مصطلح الحقيقة والشريعة المتصوفة إلى القول بأن العلم علمان ظاهر وباطن وأن العلم الظاهر هو علم الشريعة والعلم الباطن هو علم الحقائق. فقد روى المتصوفة حديثا (٢) ونسبوه إلى الرسول كذبا وزورا حيث قالوا إن أحد الصحابة سأل رسول الله ﷺ عن علم الباطن فقال: ((سألت جبريل عن علم الباطن فقال: سألت الله ثناؤه عن علم الباطن فقال: هو سر من سري أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحد من خلقي)) (٣).
стр. 3473
فمن هذا الحديث المكذوب نخرج بنتيجة وهي أن المتصوفة يعنون بعلم الباطن غير علمي الكتاب والسنة وأن هذا العلم لا يعلمه أحد حتى الرسول ﷺ بل هو علم يقذف في قلوب المتصوفة حسب زعمهم ولا يخفى ما في هذا الكلام من تفضيل أنفسهم على الرسول ﷺ لأن هذا الرجل الصوفي زعم بأن الرسول سئل عن هذا العلم فقال الله له هو سر من سري ولم يعلمه إياه وعلى هذا فالصوفية يزعمون بأن هم يعلمون علوما لم يعلمها رسول الله ﷺ وهذا يعتبر منهم انحرافا خطيرا واستهتارا بالرسول ﷺ وتقليلا من شأنه بالإضافة إلى أنهم كذبوا عليه وقد قال الرسول ﷺ ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)).وقال في نفس الصفحة: " وعلوم المشاهدات والمكاشفات هي التي تختص بعلم الإشارة وهو العلم الذي تفردت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم وإنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وتلك المقامات" (١).
ونقل أيضا عن غانم المقدسي ما يلي:
" اعلم أن العلم علمان علم الظاهر للشريعة وعلم الباطن للحقيقة"وكذب على الرسول فقال: "العلم علمان علم باللسان وعلم بالقلب فأما علم اللسان فهو حجة الله على عبادة وأما علم القلب فهو العلم الأعلى الذي لا يخشى الله العباد إلا به" (٢).ثم قال: " فعل القلب هو العلم اللدني لم يسطر في السطور وإنما هو تلقين من الله بغير واسطة ملك ولا سفارة" (٣).
فالنصوص المتقدمة كلها تثبت بأن المتصوفة يؤمنون بأن هناك علمين ظاهر وباطن وأن العلم الظاهر هو العلم الذي جاء به رسول الله ﷺ من عند الله وأنه مجرد حجة فقط وأن العلم الذي يورث خشية الله هو علمهم المزعوم الذي سموه بعلم الحقيقة وزعموا أنهم يتلقونه عن الله وهذا الاعتقاد يعتبر كفرا فلا يمكن لإنسان يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا أن يفضل أي علم عن علمي الكتاب والسنة ولا يمكن أن يقول بأنه يتلقى علما عن الله يغنيه عن العلم الذي جاء به الرسول ﷺ وإنما يقدم على مثل هذه الأقوال من فرغ قلبه عن الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه وإلا فكيف يدعي الإنسان تلقي العلم عن الله مع بقاء الإيمان عنده. وقال ابن عجيبة الحسني " فالعلم الظاهر هو علم الشريعة والعلم الباطن هو علم الطريقة والحقيقة فإذا لم يحصل شيئا من هذين العلمين ثم ادعى مرتبة الشيخوخة فأخرجه من سفينة دائرة وألقه في بحر لجج النفاق" (٤).ونقل عن أحد المتصوفة بأنه لا يعتبر أحد من الرجال الذين يقتدى بهم إلا أن يكون جامعا لعلمي الظاهر والباطن حيث نقل عنه بأنه قال: "لا يقتدى في طريقتنا هذه بظاهر ولا بباطن وإنما يقتدى بمن جمع بينهما" (٥).
ثم قال ابن عجيبة: "واعلم أن ما شرطه هذا العارف في شيخ التربية من العلم الظاهر والباطن صحيح" (٦).
стр. 3474
وقال ابن عجيبة في وصف الحقيقة: "الحقيقة شهود الحق .. ولا تطاق إلا بعد موت النفوس وحط الرؤوس وتصفية البواطن من الأغيار وتحليتها بالأنوار فمن اطلع عليها قبل ذلك خيف عليه التزندق لأن الحقيقة لا تدرك بالعلم وإنما هي أذواق ووجدان .. " ثم قال: " اطلاع المريد على الحقيقة قبل كمال الطريقة توجب له التقصير في الأعمال والتفتر في الخدمة فإن الحقيقة حلوة قد يشتغل بها ويهمل الشريعة ولذا قيل من تصوف ولم يتشرع فقد تزندق لتعريته الحقيقة عن الشريعة" (١).
ففي هذا النص صرح ابن عجيبة بأن الحقيقة عارية عن الشريعة.
وقال ابن عربي في " الفتوحات المكية" في معرض حديثه بأن المتصوفة تفيض عليهم العلوم فيضانا من الله:
" ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية علمت أن ثم علما آخر بالله تعالى لا تصل إليه من طريق الفكر فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات ... والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار".ثم اقل: " فتوجه العقل إليه بالكلية والانقطاع من كل ما يأخذه عنه من هذه القوى فعند هذا التوجه أفاض الله عليه من نوره علما إلهيا عرفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي لا يقبله كون ولا يرده كون" (٢).
وقال أبو حامد الغزالي في معرض حديثه عن أنواع العلوم التي يحصل عليها الإنسان.
" اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية إنما تحصل في القلب في بعض الأحوال تختلف الحال فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدري وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم فالذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد استفاد من ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب والأول: يسمى إلهاما ونفثا في الروع والثاني: يسمى وحيا وتختص به الأنبياء والأول يختص به الأولياء والأصفياء والذي قبله وهو المكتسب بطريق الاستدلال يختص به العلماء. وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لأن تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها وإنما حيل بينه وبينها للحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ العلوم من مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة وتجلي حقائق العلوم من مرآة اللوح المحفوظ في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد وأخرى يزول بهبوب الرياح تحركه وكذلك قد تهب رياح الألطاف وتنكشف الحجب عن أعين القلب فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ ويكون ذلك تارة عند المنام فيعلم به ما يكون في المستقبل وتمام ارتفاع الحجاب بالموت فيه ينكشف الغطاء وينكشف أيضا في اليقظة حتى يرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف وأخرى على التوالي إلى حد ما دوامه في غاية الندور" (٣).وقد قسم ابن عربي العلم إلى قسمين: فطري ووهيب حيث قال:
стр. 3475
"الحكيم عبارة عمن جمع العلم الإلهي والطبعي والرياضي والمنطقي وما ثم إلا هذه الأربع مراتب من العلوم".ثم قال: " العلم النظري والعلم الوهبي وتختلف الطريق في تحصيلها تحصيل العلوم بين الفكر والوهب وهو الفيض الإلهي وعليه طريقة أصحابنا ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرق إليه من الفساد والصحة فيه مظنونة فلا يوثق بما يعطيه وأعني بأصحابنا أصحاب القلوب والمشاهدات والمكاشفات لا العباد والزهاد ولا مطلق المتصوفة إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم ولهذا يقال في علوم النبوة والولاية إنها وراء طور العقل وليس للعقل فيها دخول بفكر لكن له القبول خاصة عند سليم العقل الذي لم تغلب عليه شبهة خيالية فكرية يكون من ذلك فساد نظره وعلوم الأسرار كثيرة" (١).
فالنصوص المتقدمة التي نقلناها من كتب أئمة التصوف تثبت لنا بأن القوم يعنون بكلمة علم الباطن والظاهر أو الحقيقة والشريعة بأن هناك علما آخر غير العلم الذي جاء به رسول الله ﷺ وأنهم يتلقون هذا العلم عن الله بواسطة الملك أو مباشرة عن الله بدون واسطة أو عن طريق الاطلاع على اللوح المحفوظ والاطلاع على ما قدره الله وقضاه منذ الأزل.
والاعتقاد بأن هناك طريقا آخر غير الطريق الذي رسمه لنا رسول الله ﷺ بأمر من ربه يغني عن الوحي الذي أتى به رسول الله ﷺ أو يكون في منزلة الوحي الذي أوحاه الله إلى رسوله أو هو أفضل منه يعتبر كفرا بواحا لأن الله قال وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧]
وقال تعالى وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: ٥٤] وقد جعل الله علامة محبته اتباع رسوله فقال تعالى قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١] وباختصار أقوال: فإن الدين كمل وإن النبوة قد ختمت فكل من يدعي تلقي العلوم عن الله بواسطة أو بغير واسطة فهو كاذب مفتر وادعاؤه تلي العلوم عن الله يغنيه عن علمي الكتاب والسنة أو تكون في مستويهما أو أحسن منهما يعتبر انحرافا عقديا يجب أن يتوب منه لأن ادعاء تلقي العلوم عن الله معناه أن النبوة لم تختم بعد وهذا يعتبر مخالفة صريحة للنصوص القرآنية والحديثية التي صرحت بختم النبوة وكمال الدين يقول تعالى مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] ويقول الرسول ﷺ : ((لا نبي بعدي)) (٢).
فدعوى المتصوفة بأنهم يتلقون العلوم عن الله وينظرون إلى اللوح المحفوظ دعوى كاذبة عارية عن الصحة تماما وإنما هي دجل وافتراء من أجل التعمية على والقضاء على الإسلام والمسلمين لأن المتصوفة رأوا أن علومهم تختلف تمام الاختلاف مع ما جاء به رسول الله ﷺ فأسسوا قاعدة العلم الظاهر والعلم الباطن وأن العلم الباطن لمجموعة خاصة ليس لأحد غيرهم المقدرة على معرفته بل هو علم خاص بهم كما يدعون ولذا لا ينبغي لغيرهم أن يعترض عليهم لأنه محجوب عن علم الحقيقة وعلى حسب هذه القاعدة وهي القول بأن هناك علمين ظاهر وباطن فقد قسم المتصوفة العلوم إلى عدة أقسام واختلفوا في تقسيمها مع أنهم كلهم متفقون بأن هناك علما آخر يسمى علم الباطن يتلقونه عن الله .
فقد ذكر الهجويري عن محمد بن الفضل البلخي أنه قال في تقسيم العلوم:
стр. 3476
"العلوم ثلاثة علم من الله وعلم مع الله وعلم بالله".
ثم قال "فالعلم بالله هو علم المعرفة الذي عرفة جميع أوليائه ولو لم يكن تعريفه وتعرفه لما عرفوه. وأما العلم من الله فهو علم الشريعة وهو أمر وتكليف منه لنا وأما العلم مع الله فهو علم مقامات الطريق الحق وبيان درجات الأولياء" (١).
وقد ذكر الهجويري بأن لكل من علمي الحقيقة والشريعة أركانا خاصة به وهذا مما يدل على أن المتصوفة يعنون بالحقيقة والشريعة أركانا خاصة به وهذا مما يدل على أن المتصوفة يعنون بالحقيقة غير الشريعة فقال:
"ولعلم الحقيقة أركان ثلاثة:
الأول: العلم بذات الله.
الثاني: العلم بصفات الله وأحكامها.
الثالث: العلم بأفعال الله.
ولعلم الشريعة أركان ثلاثة:
الأول: الكتاب.
الثاني: السنة. الثالث: الإجماع. (٢).
وقد سبب ادعاء المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما مع علم الشريعة الاستهتار بعلم الشريعة وأهلها وأنها ما جاءت إلا للعوام وطبعا هم يقصدون بكلمة العوام كل من لم يندرج تحت لوائهم ولو كان بحرا في علوم الشريعة.
فقد نقل أبو طالب المكي عن أحد المتصوفة أنه قال: " إن الله اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته فرحمها فوهب له العبادات والأعمال الصالحة" (٣).
فنفهم من هذا النص أن المتصوفة يعتبرون العبادات والأعمال الصالحة إنما أنزلها الله لأناس لا تصلح قلوبهم لمعرفة الله ولذا شرع لهم الأعمال الصالحة والعبادات بكل أنواعها وبما أن المتصوفة يعتبرون أنفسهم أنهم العارفون بالله حقيقة فلا تجب عليهم العبادات والأعمال الصالحة يعتبرون قد انسلخوا تماما من الأوامر والنواهي التي أنزلها الله في كتابه وفي سنة رسوله لأنه ليس هناك إسلام مجرد عن العبادات والأعمال الصالحة إلا إذا قال المتصوفة بأن علمهم الذي سموه علم الحقيقة ينص على هذا وهذا ليس ببعيد لأن علمهم المزعوم ما هو إلا من إلقاء الشيطان ووساوسه فمن الممكن جدا أن يوحي إليهم الشيطان بأن هذه التكاليف ما أنزلها الله إلا للعوام أما الزاعمون بأنهم عرفوا الله فليسوا مكلفين بها. وقد صرح المتصوفة بأنهم صعب عليهم التوفيق بين علم الشريعة وعلم الحقيقة المزعومة ومما يدل على هذا قول أبي يزيد البسطامي: "عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته" (٤).
وقد تولى المنوفي الصوفي المعاصر المعروف بأن مقصود أبي يزيد بهذا هو صعب عليه تطبيق الباطن على الظاهر والحقيقة على نهج الشريعة.
ومن هذا النص نستخلص بأن الحقيقة عند المتصوفة تناقض تماما علم الشريعة الغراء التي جاء بها محمد رسول الله ﵊ وما دام اعترف المتصوفة أنفسهم بهذا فنحن نقول إن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو قولهم أو زعمهم بأن علم الحقيقة يختلف عن علم الشريعة ومن يعتقد مثل هذا الاعتقاد لا شك أن مصيره هو الضلال كما حصل للمتصوفة لأنه ليس هناك علم ينجي صاحبه من النار يوم القيامة إلا علم الكتاب والسنة.
стр. 3477
وقد بالغ المتصوفة في رفع شأن علمهم المزعوم وأوجبوا على كل إنسان أن يذهب إلى زعماء الطرق الصوفية من أجل أن يحصل على علم الحقيقة من الله مباشرة. وفي هذا يقول المنوفي: "اعلموا رحمكم الله أن علم التصوف يقال له علم الباطن" ثم قال: " لا ينبغي للعالم ولو تبحر في العلوم حتى صار وحيد أهل زمانه أن يقنع بما علمه وإنما الواجب عليه الاجتماع بأهل الطريق المستقيم حتى يكون ممن يحدثهم الحق تعالى في سرائرهم من شدة صفاء باطنهم ويصير أهلا لفيضان العلوم اللدنية على قلبه ولا يتيسر ذلك عادة إلا بسلوك الطريق على يد شيخ كامل عالم بعلاج النفوس وتطهيرها من الخبائث" (١).وقد صرح المتصوفة بأن علماء الظاهر – ويعنون بهم علماء الشريعة الإسلامية – ليسوا بحجة على علماء الباطن وهم علماء الحقيقة وذلك لأن علماء الحقيقة يعلمون علما لدنيا خاصا بهم يتلقونه عن الله مباشرة حسب زعمهم بينما علماء الظاهر لا يعلمون إلا الكتاب والسنة وهذه في نظر المتصوفة لا قيمة لها وفي هذا نقل ابن عجيبة عن أحد المتصوفة أنه قال: " لا تجعلوا أهل الظاهر حجة على أهل الباطن" ثم قال ابن عجيبة: " أي لأن أهل الباطن نظرهم دقيق وغزلهم رقيق لا يفهم إشاراتهم غيرهم" (٢).
وقد صرح المتصوفة بأنه ليس بينهم وبين علماء الشريعة أي محبة ولا مودة وإنما هو عداء وصراع مستمر وصدقوا في هذا لأن علماء الشريعة يقفون أمامهم حجر عثر ويبددون أفكارهم الواهية التي يزعمون بأنها حقائق ولكنها في الحقيقة ما هي إلا علوم شيطانية. وفي هذا يقول الشعراني نقلا عن شيخه إبراهيم المتبولي ويغره قال إنه سمعهم يقولون: " ما بيننا وبين هؤلاء المنكرين الذين ينكرون علينا مودة ولا محبة لأنه ليس معهم شيء لنستفيده ولا يقبلون منا ما هو معنا من المعارف والأسرار" (٣).
وفي هذا النص لقد صرح المتصوفة بأن علوم الظاهر لا تفيدهم شيئا لأنهم ليسوا في حاجة إليها وماذا يعملون بها بعد أن ادعوا الأخذ عن الله مباشرة حسب زعمهم.
وقد قال الشعراني: "إن أقل درجات الأدب مع القوم أن يجعلهم المنكر كأهل الكتاب لا يصدقهم ولا يكذبهم" (٤).
وهنا جنى الشعراني على نفسه وعلى أصحابه المتصوفة حيث صرح أنه ينبغي للمسلم أن يقف من المتصوفة وعلومهم كموقفه من أهل الكتاب وإنما قال الشعراني هذا الكلام لأنه رأى تناقضا واضحا بين الشريعة وعلمهم المزعوم وأنه لا يمكن التوفيق بينهما ولم ير مخرجا يخرجه من هذا المأزق إلا أن يصرح بأنهم كالكتابيين ونحن نقول لا نقف منهم موقف أهل الكتاب لأن أهل الكتاب نزلت عليهم الكتب ثم حرفت ولذا نقف مما يقولونه موقف المحايد فلا نصدقهم ولا نكذبهم إلا ما صدقه شرعنا أو كذبه بخلاف المتصوفة فإننا لا نعترف لهم بأنهم تنزل عليهم علوم خاصة من الله تختلف مع علم الشريعة الإسلامية ولذا يجب علينا إذا صدر من المتصوفة أو من غيرهم أي فعل يخالف الشريعة أن ننكر عليهم لأن من أوصاف هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى في كتابه العزيز: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: ١١٠].
وقد نقل الشعراني عن سيده علي الوفا أنه كان يقول:
"التسليم للقوم أسلم والاعتقاد فيهم أغنم والإنكار عليهم سم ساعة في إذهاب الدين وربما تنصر بعض المنكرين ومات على ذلك"
стр. 3478
ثم قال الشعراني: "فإن أردت يا أخي عدم الإنكار فأجل مرآة قلبك فإنك تشهد المتصوفة من خيار الناس ويقل إنكارك وإلا فمن لازمك كثرة الإنكار لأنك لا تنظر في مرآتك إلا صورة نفسك" (١).
وقد وصف المتصوفة المنكر عليهم بأوصاف قبيحة.
يقول ابن عجيبة في معرض حديثه عن علوم المتصوفة التي تلقى عليهم من قبل الله وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ثم قال: " ومن جهل شيئا عاداه"
وضرب المثل العربي المعروف والذي هو: " ومن يكن ذا فم مر مرير يجد مرا به الماء الزلالا"
واستشهد بقول البوصيري:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
ثم قال: "وقال مشايخ الطريقة: المنكر علينا كالعنين ينكر شهوة الجماع والمزكوم ينكر رائحة المسك الأذخر والمحموم ينكر حلاوة السكر وفي مثلهم قال الشاعر: وكم عائب ليلى ولم ير وجهها فقال له الحرمان حسبك ما كان (٢).
ومن هذه النصوص يتضح لنا بأن المتصوفة يعتبرون غيرهم كالمرضى لأنهم لا يعلمون شيئا عن علومهم المزعومة التي هي تختلف تماما مع العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ لذلك يعتبرون كل من ينكر عليهم كالمريض الذي يقول للحلو مر لعلة فيه مع سلامة الشيء وبقائه على حلاوته ولذا شبه المتصوفة المنكرين كالمرضى وهذه استهانة بعلماء المسلمين وبالشريعة الإسلامية في آن واحد فالعلماء لا ينكرون على المتصوفة إلا إذا وقعت منهم مخالفة صريحة لنصوص الشريعة الإسلامية لأن المنكر ما أنكرته الشريعة والمعروف ما قالت عنه الشريعة أنه معروف.
والحقيقة أن المتصوفة يضربون هذه الأمثلة للتشنيع بالشريعة والعلماء في آن واحد لأنهم يعلمون بأن علومهم في نظر الشريعة الإسلامية وعلمائها ما هي إلا أضغاث أحلام ولذا يضربون هذه الأمثال لتنفير الناس عن علماء الأمة الإسلامية.
ونحن نقول إن أي إنسان يرتكب أمرا مخالفا لما جاء به الرسول ﷺ يجب أن ينكر عليه كائنا من كان ولا عبرة بمن يقول إنه يفعل هذا الفعل لأنه أوحي إليه من الله وأمره بفعله فإن هذا كذب وبهتان وافتراء على الله فلا نبوة بعد نبوة سيدنا محمد بن عبدالله ولا شريعة بعد شريعته فالنبوة قد ختمت والشريعة قد كملت فكل من يريد أن يأتي إلينا بتشريعات جديدة يجب أن يرد بحزم ويؤمر بتوبة فإن تاب وإلا فيجب أن يقطع عنقه حتى لا ينشر فساده لأن ادعاء تلقي علما آخر يحل ما حرمته الشريعة أو يرحم ما أحلته الشريعة ليس بأمر سهل بل أمر خطير جدا يؤدي بصاحبه إلى الهلاك الدنيوي والأخروي ويفتح الباب على مصراعيه لكل دجال أفاك كذاب يكيد للإسلام والمسلمين.
موقف المتصوفة من القرآن الكريم:
أما موقف المتصوفة من القرآن الكريم فقد فسروا القرآن الكريم تفسيرا باطنيا يختلف تماما مع التفسير الذي فسره به السلف وعلماء الأمة الإسلامية عبر التاريخ وبعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها الألفاظ عند العرب وذلك من أجل إخضاع الآيات القرآنية لعقائدهم الفاسدة وإليك نماذج من تفسيرهم الباطني حتى تعرف بأن المتصوفة من ألد الأعداء لكتاب الله .
يقول محيي الدين بن عربي في تفسير قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] قال: " إيجاز البيان فيه:
يا محمد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أي ستروا محبتهم في عنهم
فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتك به
стр. 3479
أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بكلامك فإنهم لا يعقلون غيري وأنت تنذرهم بخلقي وهم ما عقلوه ولا شاهدوه"
ثم قال: "وكيف يؤمنون بك يا محمد وقد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعا لغيري وَعَلَى سَمْعِهِمْ فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ من بهائي عند مشاهدتي فلا يبصرون سواي" (١)
ثم قال مرة أخرى في تفسير نفس الآيات حيث أراد أن يوضح تفسيره جيدا فقال:
"انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه وذلك أنه لما ابتدع الأمناء من اسمه اللطيف وتجلى لهم من اسمه الجميل فأحبوه تعالى والغيرة من صفات المحبة في المحبوب والمحب بوجهين مختلفين فستروا محبته تعالى غيرة منهم عليه كالشبلي وأمثاله وسترهم الحق بهذه الغيرة عن أن يعرفوا فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أي ستروا ما بدا له في مشاهدتهم من أسرار الوصلة فقال: لا بد من أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي فهو كذلك ..
خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ من سناه إذ هو النور وبهائه إذ له الجلال والهيبة فأبقاهم الحق غرقى في بحور اللذات بمشاهدة الذات فقال لهم: لا بد لكم من عَذَابٌ عظِيمٌ.
فما فهموا ما العذاب لاتحاد الصفة عندهم فأوجد لهم الحق علم الكون والفساد وعلمهم جميع الأسماء وأنزلهم على العرش الرحماني وفق عذابهم وقد كانوا مخبوئين عنده في خزائن غيوبه فلما أبصرتهم الملائكة خرت سجودا لهم فعلموهم الأسماء فأما أبو يزيد فلم يستطع الاستواء ولا أطاق العذاب فصعق من حينه فقال تعالى: "ردوا عليّ حبيبي فإنه لا صبر له عني".فحجب بالشوق والمخاطبة وبقي للكفار فنزلوا من العرش إلى الكرسي فنبتت لهم المقدمان فنزلوا عليهما من الثلث الباقي من ليلة هذه النشأة الجسمية إلى السماء الدنيا " النفس" فخاطبوا أهل الثقل الذين لا يقدرون على الوجد هل من داع فيستجاب له هل من تائب فيتاب عليه هل من مستغفر فيغفر له" (٢).
ويقول في تفسير قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور: ٣٥].قال: " فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد ﷺ المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء" (٣).
ونكتفي بهذه النماذج لإثبات أن المتصوفة فسروا القرآن الكريم بأهوائهم من أجل أن يوافق معتقدهم الفاسد وهذا يتضح لنا من خلال تفسيرات ابن عربي التي أوردناها كنماذج فقط فابن عربي في تفسره للآية الأولى حاول أن يثبت وحدة الأديان وأنه ليس هناك مؤمن ولا كافر بل الكل رب لأن هذا العالم كله مظاهره ومجال لله حسب زعمه.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ [النور: ٣٥] فقد فسرها كما رأينا تفسيرا باطنيا باطلا بعيدا كل البعد عن المعنى الذي تدل عليه الآية.
وهو لجأ إلى هذا التفسير كما هو واضح من أجل أن يثبت عقيدته التي يعبر عنها بالحقيقة المحمدية رغم أن الآية بعيدة كل البعد عن التفسير الذي فسرها به ابن عربي فالرسول بشر ولد من أب وأم معروفين وليس هو مخلوق من نور كما يزعم المتصوفة الأفاكين ومناقشة عقيدة المتصوفة تجاه الرسول لها باب خاص في البحث فلا داعي لمناقشتها هنا.
стр. 3480
ومن هنا يتضح لنا بأن المتصوفة حاولوا أن يخضعوا معاني القرآن لتوافق معتقدهم الفاسد وذلك عن طريق التأويلات الباطلة.
أما السنة فإنهم بعيدون عنها كل البعد فهم دائما تراهم يحبون البدع وينشئونها ويشجعون عليها ويروون لتأييدها أحاديث وينسبونها إلى الرسول كذبا وزورا فهم قوم هلكى غرقى في البدع والخرافات بل هم وكر البدع والخرافات وناشروها في الأمة الإسلامية.
موقف العلماء من تقسيم المتصوفة الدين إلى شريعة وحقيقة.
قد رفض علماء الأمة الإسلامية تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة واستنكروها وإليك نماذج من أقوالهم حتى تعلم بأن المتصوفة ما أتوا بهذا التقسيم إلا لتأييد مذهبهم الباطل حتى لا يحتج عليهم الناس بالنصوص فيبطلون ما هم عليه من الأعمال المخالفة للنهج الإسلامي.
فقد قال الإمام ابن القيم مستنكرا قول المتصوفة بأن هناك علما باطنا وظاهرا: "ومن كيد الشيطان ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات وأبرز لهم في قالب الكشف من الخيالات فأوقعهم في أواع الأباطيل والترهات وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات وأوحى إليهم أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العياني وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها وتصفية الأخلاق والتجافي عما عليه أهل الدنيا وأهل الرئاسة والفقهاء وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء حتى ينقش فيه الحق بلا واسطة تعلم فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول نش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الأباطيل وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا لكم العلم الظاهر ولنا الكشف الباطن ولكم ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة ولكم القشور ولنا اللباب فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ينسلخ الليل من النهار ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات وأوهمهم أنها من الآيات البينات وأنها من قبل الله الهامات فلا تعرض على السنة والقرآن ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم" (١).
وقال ابن إسماعيل في معرض نقده للمتصوفة والتحذير منهم: "فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرغ الخالين من الإثبات وإنما هم زنادقة جمعوا بين مديح العمال مرقعات وصوف وبين أعمال الخلعاء الملحدة أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاءوا بوضع أهل الخلاعة. فأول ما وضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع" (٢).
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀.
"وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة وهذا من قائله لأن الشريعة كلها حقائق".ثم قال: "وقد أنكر جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع" (٣).
ومن هذه النصوص التي أوردتها عن الأئمة الكبار من علماء الأمة الإسلامية يتضح لنا بأن ادعاء الصوفية تقسيم العلم إلى حقيقة وشريعة فقط فهي الحقيقة عندنا ولكن في الإسلام عندنا أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهذه كلها موجودة في الشريعة الإسلامية ولذا نقول للمتصوفة لا يمكن أن تصلوا إلى الحقيقة خارج الشريعة فإن كنتم تبحثون عن الحقيقة بالفعل فارجعوا إلى الشريعة التي جاء بها محمد بن عبدالله ﷺ فهي الحقيقة لا غير.
الانحرافات التي وقع فيها الصوفية بسبب هذه القاعدة:
إن المتصوفة قد وقعوا في انحرافات عديدة بسبب هذه القاعدة التي وضعوها وهي القول بأن الحقيقة تختلف عن الشريعة ومن هذه الانحرافات التي وقعوا فيها ما يلي:
١ـ اتهام الرسول بأنه خص أناسا بعلم خاص وهذا يترتب عليه اتهامه بكتمان ما أنزل إليه والواجب تجاه الرسل الاعتقاد بأنهم قد بلغوا ما أمرهم الله به.
٢ـ تعطيل وظيفة الأمر والنهي عن المنكر بحجة أنه نزل عليهم علوم تختلف عن علم الشريعة ولذا لا ينبغي أن ينكر عليهم.
٣ـ ادعاء التلقي عن الله مباشرة وهذا يؤدي إلى القول بعدم ختم النبوة وهو انحراف عقدي خطير.
٤ـ الاستهزاء بعلماء الأمة الإسلامية والتقليل من شأنهم ووصفهم بأنهم عوام وبأنهم محجوبون بظواهر الشريعة عن علوم الحقيقة.
٥ـ تفسير القرآن الكريم بأهوائهم وتأويله بحيث يؤيد معتقدهم إلى جانب تحريفهم لمعاني السنة النبوية وتصحيح الأحاديث كثيرة كذبا وزورا إلى الرسول ﷺ لتأييد معتقدهم الفاسد كما مر بنا بعضها في موضوع تفريق الصوفية بين الحقيقة والشريعة.
المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ١٠٩
стр. 3481
المبحث الثالث: الغلو الزائد في الرسول ﷺ والأولياء
• المطلب الأول: غلوهم في الرسول محمد ﷺ .
• المطلب الثاني غلوهم في الأولياء.
стр. 3482
المطلب الأول: غلوهم في الرسول محمد ﷺ
لقد غلا المتصوفة غلوا مفرطا في الرسول محمد ﷺ حتى رفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها واعتقدوا فيه عقائد فاسدة باطلة لا أساس لها من الصحة ونحن هنا لا نريد أن نناقش كل معتقدات الصوفية المنحرفة تجاه الرسول محمد ﷺ وإنما سنضرب نماذج فقط نثبت بها بأن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة عن الخط المستقيم هو غلوهم الزائد تجاه الرسول ﷺ وذلك لأن انحرافات المتصوفة تجاه الرسول ﷺ قد عقدنا لها فصلا خاصا في الباب الثالث من هذه الرسالة وسنناقش كل انحرافاتهم تجاهه هناك مناقشة تفصيلية حتى نثبت بأن المتصوفة أتوا بهذه العقائد من عند أنفسهم مع براءة الإسلام منها كلية.
ومن الانحرافات التي وقع فيها المتصوفة بسبب غلوهم في الرسول ﷺ ما يلي:
١ـ الانحراف الأول: اعتقادهم بأن الرسول ﷺ خلق من نور وأنه أول مخلوق على الإطلاق وأن الله خلق من نور محمد جميع ما في هذا الكون من أرض وسماء وما فيهما بينهما:
وإليك النصوص من بطون كتب القوم. قال أحمد بن المبارك راويا عن شيخه عبدالعزيز الدباغ: (وسمعته ﵁ يقول في قوله: "وانفلقت الأنوار" أن أول ما خلق الله تعالى نور سيدنا محمد ﷺ ثم خلق منه القلم والحجب السبعين وملائكتها ثم خلق اللوح ثم قبل كماله وانعقاده خلق العرش والأرواح والجنة والبرزخ .. " ثم قال مفصلا ما مضى: "ثم إن الله تعالى خلق ملائكة الأرضين من نوره ﷺ وأمرهم أن يعبدوه عليها وأما الأرواح والجنة إلا مواضع منها فإنها أيضا خلقت من نور وخلق ذلك النور من نوره ﷺ وأما البرزخ فنصفه الأعلى من نوره ﷺ فخرج من هذا أن القلم واللوح ونص البرزخ والحجب السبعين جميع ملائكتها وجميع ملائكة السموات والأرضين كلها خلقت من نوره ﷺ بلا وأن العرش والماء والجنة والأرواح خلقت من نور خلق من نوره ﷺ " (١).
هذا هو النموذج الأول مما تعتقده الصوفية تجاه الرسول ﷺ حيث ادعوا في هذا النص بأن أول ما خلق الله نور الرسول ﷺ وأن جميع ما في هذا الكون خلق من نوره ﷺ .
стр. 3483
ولنعرض هذا المعتقد الصوفي على الكتاب والسنة لنرى هل أتوا بهذا المعتقد من عند أنفسهم أم أخذوه من الكتاب والسنة. فنقول أولا: إن ادعاء المتصوفة بأن أول ما خلق الله نور الرسول ﷺ غير صحيح بل هو ادعاء باطل وكذب محض وليس لهم أي دليل يستندون عليه لإثبات دعواهم هذه سوى الحديث الموضوع والذي نصه ((أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)) (١). والحديث الموضوع لا يصلح أن يكون دليلا لإثبات قضية عادية فضلا عن أن يكون دليلا لإثبات قضية عقدية ولهذا نقول إن المتصوفة أتوا بهذا المعتقد من عند أنفسهم ليضللوا به العوام عن المعتقد الصحيح الموجود في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ليس مخلوقا من نور كما يزعمون بل خلق مما يخلق منه البشر ولكن الله فضله بالرسالة وجعله خاتم رسله وجعله أفضل مخلوقاته.
وقد أخبرنا الله بأن أول مخلوق بشري هو أبونا آدم ﵇ وبين لنا من أي شيء خلقه وذكر لنا المراحل التي مر بها أثناء إنشائه فقال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:١٢ - ١٣]
والشاهد في الآية هو قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ [المؤمنون: ١٢] والمقصود بها أصل الإنسان وهو أبونا آدم ﵇ حيث خلقه الله من طين.
ومما يدل على أن أصل الإنسان من طين قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:٧١ - ٧٢]
فهذه الآيات التي أوردتها وغيرها كثير كلها أثبتت لنا بأن أصل الإنسان من طين وأن أول مخلوق بشري هو أبونا آدم ﵇ وبما أن الرسول ﷺ هو أحد أفراد ذرية آدم ﵇ فأصله من تراب.
ولهذا نقول ونحن موقنون ومتأكدون مما نقوله بأنه حق وما عداه باطل بأن الرسول ليس أول مخلوق ولا هو مخلوق من نور كما تدعي الصوفية بل الرسول ولد من أب وأم قرشيين معروفين وهذا معلوم لدى الجميع إلا من أصيب بالمكابرة ومكانته العالية وذلك لأن الله قد فضله بالرسالة الخاتمة وجعله خير الخليقة على الإطلاق ولكن مع ذلك كله فهو عبدالله وقد وصفه الله بالعبودية له في آيات عديدة من كتابه منها:
قوله تعالى وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: ١٩] ومنها قوله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء: ١].
стр. 3484
وقال تعالى وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ٢٣]
وقد أمره الله أن يقول أنه بشر مثلنا فقال تعالى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
وبعد أن سقنا هذه الأدلة وأبطلنا حجج المتصوفة بها نقول: أن الاعتقاد الواجب تجاه الرسول ﷺ من حيث خلقه هو أنه خلق كما يخلق البشر غيره من أب وأم ثم أكرمه الله وشرفه بالرسالة الخاتمة وجعله أفضل جميع الخلق على الإطلاق وما يعتقده المتصوفة من أنه خلق من نور فغير صحيح بل هو اعتقاد باطل وكذب محض أتوبه من عند أنفسهم لإفساد عقيدة المسلمين حتى ردوهم إلى أمة وثنية تعبد الأشخاص والأحجار والأشجار.
وبما أننا أبطلنا دعوى الصوفية بأن الرسول خلق من نور فلا حاجة لمناقشة الصوفية في ادعائهم الآخر وهو قولهم إن الكون خلق من نور محمد ﷺ لأن الأساس الذي أقاموا عليه دعوتهم قد قدمناه وبينا بأنه كذب محض وأثبتنا بأن الرسول بشر خلق كغيره من أب وأم وولد كما يولد البشر فالادعاء الثاني وهو زعم المتصوفة بأن الكون خلق من نوره باطل أيضا لأنها ليس لها أي أساس تعتمد عليه وليس لهم برهان من الله ولا من رسوله على صحة دعواهم هذه.
والخلاصة أن الرسول ليس مخلوقا من نور وليس الكون مخلوقا من نوره كما تدعي المتصوفة بل هو بشر قد ولد من أب وأم قرشيين معروفين فضله الله بالرسالة الخاتمة وجعله أفضل الخليقة وادعاء الصوفية بأنه خلق من نور كذب محض ومصادمة صريحة مع نصوص الكتاب والسنة فيجب أن ترد عليهم ويضرب بها على وجوههم.
٢ـ الانحراف الثاني الذي وقع فيه المتصوفة هو قولهم بأن جميع الأنبياء فاضت عليهم العلوم من الرسول ﷺ .
لقد بالغ المتصوفة في الغلو في الرسول ﷺ حتى وصل بهم الأمر إلى ادعاء أن جميع الأنبياء فاضت عليهم العلوم من الرسول ﷺ وإليك النصوص الدالة على هذا:
فقد قال أحمد مبارك ناقلا عن شيخه الدباغ: (وسمعته ﵁ يقول مرة أخرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن سقوا من نوره لم يشربوه بتمامه بل كل واحد يشرب منه ما يناسبه وكتب له فإن النور المكرم ذو ألوان كثيرة وأحوال عديدة وأقسام كثيرة فكل واحد شرب لونا خاصا ونوعا خاصا" قال ﵁: " فسيدنا عيسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام الغربة وهو مقام يحمل صاحبه على السياحة وعدم القرار في موضوع واحد وسيدنا إبراهيم شرب من النور المكرم فحصل له مقام الرحمة والتواضع مع المشاهدة الكاملة فتراه إذا تكلم مع أحد يخاطبه بلين ويكلمه بتواضع عظيم فيظن المتكلم أنه يتواضع له وهو إنما يتواضع لله لقوة مشاهدته وسيدنا موسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام مشاهدة الحق سبحانه في نعمه وخيراته وعطاياه التي لا يقدر قدرها وهكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام والله أعلم) (١).
وقال البوصيري:
وإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم (٢)
стр. 3485
فالنصوص المتقدمة تدل دلالة واضحة بأن الصوفية يعتقدون بأن جميع الرسل شربوا من نور الرسول ﷺ كل واحد منهم حسب ما يناسبه وأن جميع الرسل فاضت عليهم العلوم من نور الرسول ﷺ .
ولكن الصوفية ليس لهم دليل يستندون عليه لإثبات هذا المعتقد الباطل لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ بل هي دعوى مبنية على الهراء البحت فقط.
والرسل عليهم الصلاة والسلام لم تفض عليهم العلوم من الرسول كما يزعمون بل نزلت عليهم من الله وحيا كما نزلت على الرسل محمد ﷺ ومما يدل على هذا قول الله إِنَّا أَوْحَيْنَا إليك كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] فهذه الآية نص قاطع في أن جميع الرسل نزل عليهم الوحي من الله ولم تفض عليهم العلوم من نور الرسول كما يزعم الصوفية الكذبة.
وقد أخبرنا الله في كتابه بأن رسولنا محمدا ﷺ ما كان يعرف الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي الله إليه فكيف أخذ الرسل منه العلوم التي أوحيت إليهم وفي هذا يقول الله وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إليك رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْايمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] ومن هنا نقول ما دام الرسول ﷺ ما كان يدري الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي إليه الله فمن باب أولى أن الرسل لم يأخذوا العلوم التي أوحيت إليهم منه بالإضافة إلى أن الرسل أوحي إليهم قبل أن يخلق الرسول ﷺ ويظهر في الوجود ومن أجل هذا نقول إن دعوى الصوفية بأن الرسل أخذوا العلوم من نوره ﷺ دعوى باطلة تماما وليس لها أي أساس تعتمد عليه.
٣ـ الانحراف الثالث الذي وقع فيه المتصوفة هو اعتقادهم بأن الرسول ينفع ويضر من دون الله والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة به:
لقد غلا المتصوفة غلوا مفرطا في الرسول ﷺ حتى رفعوه من مقام العبودية إلى مقام الألوهية فقد توجهوا إليه بأنواع من العبادات التي لا ينبغي صرفها لغير الله رغم أن الرسول ﷺ حذر من الغلو والإطراء فيه في أحاديث كثيرة وقد نهي الله عن الغلو فقال تعالى قُلْ يَا أهل الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧] وإليك نماذج من كلام المتصوفة الذي يظهر فيه الغلو واضحا جليا وتشم منه رائحة الشرك العفنة المنتنة التي نهي عنه الرسول ﷺ في سنته ونهي الله عنه في كتابه والذي يعتبر أكبر جريمة عصي بها الله في هذا الكون على الإطلاق.
فقد قال محمد الفقي في كتابه (التوسل والزيارة) في إحدى قصائده والتي زعم أنها إحدى القصائد التي نظمها في مدح النبي ﷺ متوسلا به مستغيثا به وزعم أن الرسول تحدث معه بشأنها ونحن لا نريد إيراد القصيدة كلها هنا وإنما نريد أن نأخذ منها مقتطفات فقط لتكون لنا شواهد على ما نقول:
يقول في تلك القصيدة:
إلى مصدر الأنوار والأنس نهرعُ ... وفي الساحة العليا نحط ونفزعُ
حماك ملاذ اللاجئين وقصدهم ... يطوف به وفد وآخر يضرعُ
ألا يا رسول الله ما لي ملجأ ... سواك أناجيه وجاهك واسعُ
أناجيك في سري وأدعوك جهرة ... يهيجني وجد وشوق ومطمعُ
وليس بخاف أنني كنت دائما ... أروح بحبي في رضاك وأرجعُ
стр. 3486
وما ذاك إلا أنك الفضل كله ... وأنك غوث للأنام ومفزعُ
وأنك يوم العرض حصن وموئل ... رؤوف رحيم شافع ومشفعُ
فيا من عهدناه الوسيلة للورى ... يلبي دعاء المستجير ويسمع
ويا من عهدناه الشفيع إذا دعا إلى ... الموقف الداعي وعم التطلع
سألتك فضلا يسعف القلب والنهي ... يقوم به مثلي ويحيا ويخشع
فجد لي به واعطف فعطفك نعمة ... وكل الورى يصبو إليه ويطمع
ألست لنا بعد المهيمن رحمة ... وبابا لعفو الله والكل يقرع
فيا سيدي إني على الباب قائم ... أموت وأحيا هواك وأولع (١).
فهذه الأبيات إذا نظرنا إليها نظرة فاحصة سنجد فيها أن الرجل وقع في شرك صريح بالله حيث صرف للرسول ﷺ عبادات لا ينبغي صرفها لغير الله لأن المعبود هو الله وحده لا شريك له أما غيره فكلهم عبيد له سبحانه يتصرف فيهم كما يشاء ففي البيت الأول الرجل صرح بأنه إذا أصيب بأي مصيبة يسرع إلى الرسول ويفزع إليه حتى ينقذه مما أصيب به حسب زعمه وكذلك في البيت الثاني وصف الرسول بأن كل من يطلب شيئا يتوجه إلى الرسول وأن هناك وفود تطوف بالرسول وطبعا يقصد قبره ووفود أخرى تتضرع إلى الرسول وفي البيت الثالث صرح الرجل بأنه يناجي الرسول في سره ويدعوه علنا طالبا منه ما يريده، وفي البيت الرابع وصف الرسول بأنه يعلم الغيب ويعلم ما فيه من حالة وأنه بذل جهده لإرضاء الرسول ﷺ وفي البيت الخامس كما هو واضح وصف الرسول بأنه كل الفضل وأنه مغيث لجميع من في الكون ومفزعهم عند الشدائد وفي البيت السادس وصف الرسول بأنه حصن لجميع المخلوقات وموئلهم يوم القيامة وفي البيت السابع وصف الرسول بأنه وسيلة جميع الورى وأنه يستجيب دعاء من يدعوه ويسمعهم وفي البيت العاشر والحادي عشر صرح الرجل بأن الفضل بيد الرسول وطلب منه أن يجود له به ثم صرح بأن جميع من في هذا الكون يتوجهون إليه ويطمعون في فضله وفي البيت الأخير صرح الرجل بأنه قائم على باب الرسول ويعني به طبعا باب قبره طلبا للمغفرة والرحمة وقضاء جميع ما يحتاجه. وهكذا غلا المتصوفة في الرسول ﷺ حتى أعطوه أمورا لا يملكها إلا الله حيث تجاوزوا به حدود البشرية وأوصلوه إلى حدود الألوهية والربوبية فتوجهوا إليه بأنواع العبادات رغم أن الرسول ﷺ نهي عن الغلو وحذر منه تحذيرا شديدا منها حديث ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) (٢).
стр. 3487
ومع ذلك فقد بالغ المتصوفة في تعظيمه ﷺ حتى رأوا أن الطواف بقبره والتمسح بترابه والسجود له من القربات التي يتقرب بها إلى الله واعتقدوا أنه ينفع ويضر ويعطي ويمنع وأنه يفرج الكربات وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل من يشاء وهذا غلو منهم ومبالغة ممقوتة تؤدي بصاحبها إلى الشرك والانسلاخ الكامل من الدين إن لم يتب منها. وقد صرح الرسول ﷺ بأنه لا يملك نفعا ولا ضرا كما أمره الله في كتابه فقال: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨] ففي هذه الآية نفى الله عن رسوله ملك النفع والضر وأنه لو كان يملك ذلك لما أصابه السوء بل لدفعه عنه ومعروف أن الرسول ﷺ قد أصيب في حروبه مع المشركين إصابات كما في غزوة أحد (١). فلو كان يملك تفريج الكربات لفرج عن نفسه ولكنه لا يملك شيئا من ذلك بل الرسول يدعو الله والله يفرج عنه فهو عبد من عباد الله فضله الله بالرسالة وجعله خير ما خلقه الله على الإطلاق ولكن مع ذلك لم يخرج عن كونه عبدا لله.
والرسول ﷺ لم يرسله الله إلا للنهي عن الشرك بالله والدعوة إلى توحيده فكل من يدعو غير الله يعتبر محادا لله ولرسوله لأنه يريد أن يعيد الشرك الذي وصفه الله بأنه أعظم ظلم وحاربه رسوله ﷺ .
فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا كان نبيا أو ملكا أو وليا فالكل عبيد الله فالتوجه إليهم بالدعاء بأنه مثل الذي يريد إيصال الماء إلى فيه مع بسط كفيه وهذا تشبيه دقيق ومقنع فكما أن الذي يريد أن يوصل الماء إلى فيه مع بسط كفيه لا يمكن أن يصل إلى فيه ويشرب منه فكذلك الذي يتوجه بالدعاء إلى غير الله لا يمكن أن يحصل على مطلوبه لأن الذي يتوجه إليه بهذا الدعاء لا يملك ما يطلبه منه وفاقد الشيء لا يعطيه وإليك الآية قال تعالى لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [الرعد: ١٤].
وقد أخبر الله بأن المدعوين من دونه لا يمكلون كشف الضر ولا تحويله عمن يدعوهم فقال تعالى قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً [الإسراء: ٥٦] وقد أخبر الله بأن المشركين دعوا شركاءهم فلم يستجيبوا لهم حيث قال تعالى وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: ٦٤] وقد أخبرنا الله بأن المدعوين من دونه لا يملكون شيئا ولو كان شيئا بسيطا جدا كالقطمير فقال تعالى إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤].
стр. 3488
وبعد أن أوردنا هذه الآيات نقول إن كل من يتوجه إلى غير الله بالدعاء والاستغاثة وطلب قضاء الحوائج سواء كان المدعو ميتا أو حيا ولكنه غائب وسواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو وليا يعتبر قد وقع في الشرك الأكبر الذي بعث الله الرسل لمحاربته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرسالة السنية)
(فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام ممن مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان أيضا قد يمرق وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال قُلْ يَا أهل الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمِْ [المائدة: ٧٧] وكذلك الغلو في بعض المشايخ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح ﵇ فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغنني أو ارزقني فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فإن الله إنما أرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] ويقولون وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨] فبعث الله رسله تنهي أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
ولهذا نقول أن ما يعتقده المتصوفة تجاه الرسول ﷺ من أنه ينفع ويضر من دون الله وتوجههم إليه من العبادات التي لا ينبغي صرفها لغير الله يعتبر شركا أكبر بالله وقد اتضح لنا جيدا من خلال النصوص التي سقناها عن المتصوفة أنفسهم أنهم يتوجهون بطلب أو جلب منفعة من المنافع مع أن هذه الأشياء لا يقدر عليها إلا الله في حياته فكيف بعد مماته والرسول ﷺ قد نفى عن نفسه هذه المهام التي يزعم المتصوفة أنه بإمكانه أن يحققها كما في قوله تعالى قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨] وقال قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠] فالآيات المتقدمة تكفي للرد على المتصوفة بأن ما يعتقدونه تجاه الرسول ﷺ من أنه ينفع ويضر ويعطي ويمنع ويفرج كرب المكروبين وهم المهمومين ويستجيب لمن دعاه باطل واعتقاد فاسد مخالف تمام المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ بل هو شرك محض لا علاقة له بالإسلام دين التوحيد لأن الرسول ﷺ قد صرح بأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وقد أخبر بأنه بشر وأن ميزته الوحيدة هي أنه يوحى إليه وأنه أفضل جميع الخليقة ولكن كونه أفضل جميع الخليقة لا يدعونا ذلك إلى أن ندعوه من دون الله ونرفعه إلى درجة الربوبية.
стр. 3489
وقد نهي الله عن أن يتجه الإنسان بالدعاء إلى غيره فقال تعالى وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] إذا فدعاء غير الله يعتبر شركا بالله وأن المدعو من دون الله ليس بمقدوره النفع والضر وأنه لا يستطيع أن يرفع البلاء ولا أن يرد الخير وقد أخبر الله بأن كل من يدعو من دون الله أحدا من خلقه يعتبر كافرا بالله فقال تعالى وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧] وهذه الآية نص صريح في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر ولهذا قال تعالى وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع ولازم ذلك إفراده بتوحيد الألوهية لأنهما متلازمان وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب الخير لا يكشف الضر إلا هو ولا يجلب الخير إلا هو قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: ٢] فتعين أن لا يدعى لذلك إلا هو وبطل دعاء من سواه ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عن غيره وكما قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه.
المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس - ص ١٣٧
стр. 3490
المطلب الثاني غلوهم في الأولياء
لقد غلا المتصوفة في الأولياء كما غلوا في الرسول ﷺ غلوا شديدا حتى رفعوهم إلى منزلة الأنبياء ولم يقفوا عند هذا بل تجاوزوا بهم منزلة الأنبياء حتى أوصلوهم إلى منزلة الألوهية والربوبية فقعوا بذلك في عقائد باطلة تصطدم تماما مع العقيدة التي جاء بها محمد بن عبدالله ﷺ ونحن هنا لا نريد أن نتتبع الانحرافات التي وقع فيها الصوفية تجاه الأولياء فإن هذا له باب خاص في البحث سيأتي وإنما غرضنا هنا هو الإتيان ببعض النماذج لكي نثبت بأن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو غلوهم في الأولياء وإليك البرهان على ما نقول:
١ـ الانحراف الأول: رفع مشايخهم إلى منزلة الألوهية والربوبية:
أولاً: النصوص عنهم من كتبهم: قال ابن عربي في منزلة القطب: (القطب هو مركز الدائرة ومحيطها ومرآة الحق عليه مدار العالم له رقائق ممتدة إلى جميع قلوب الخلائق ومنزلة حضرة الإيجاد والصرف فهو الخليفة ومقامه تنفيذ الأمر وتصريف الحكم وحاله الحالة العامية لا يتقيد بحال تخصيص فإنه الستر العام في الوجود وبيده خزائن الوجود والحق له متجل على الدوام وله من البلاد مكة ولو سكن حيث ما سكن بجسمه فإن محله مكة ليس إلا) (١).
وقال الدسوقي:
ومكنني في سائر الأرض كلها ... وفي الجن والأشباح والمردية
وفي أرض صين الصين والشرق كلها ... لأقصى بلاد الله تحت ولايتي
ففي هذا النص يتضح لنا جيدا بأن المتصوفة يعتقدون في مشايخهم ما لا يجوز اعتقاده إلا في الله حيث اعتقدوا فيه بأنه منفذ للأمور ومصرف للحكم وأن خزائن الوجود كلها بيده.
ولو عرضنا هذه المعتقدات على الكتاب والسنة سنجد بأنها عقائد مخالفة تماما لما فيهما.
فالله قد أخبرنا في كتابه بأن كل الأمور بيده وأن جميع ما في الكون له لا يشركه فيه أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي من أولياء الله .
قال تعال قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] وقال تعالى قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] وقال تعالى أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] فهذه الآيات كلها تفيد بأن كل ما في السماوات وما في الأرض لله لأنه المتصرف فيه وحده لا شريك له لأنه هو الذي خلقه وبالتالي فهو الذي يسيره لا يشركه في ذلك أي أحد من مخلوقاته مهما كانت منزلته ولذا نقول: إن زعم الصوفية بأن مشايخهم لهم التصرف في هذا الكون كذب محض لا يعتمد على أي دليل لا عقلي ولا نقلي بل هو زعم يؤدي بصاحبه إلى الشرك في توحيد الربوبية إن لم يتب منه لأن من الواجب لله إفراده في توحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والقول بأن للمشايخ تصرفا في هذا الكون يعتبر شركا في توحيد الربوبية يجب أن يتوبوا منه ويرجعوا إلى الله فيوحدوه حق توحيده.
стр. 3491
ولم يكتف الصوفية بهذا بل ادعوا بأن مشايخهم لهم القدرة الكاملة على إجابة كل من استغاث بهم وأنهم يستطيعون تفريج كرب من دعاهم بل بالغوا فيهم حتى زعموا بأنهم باستطاعتهم أن يتحدوا الله في قضائه وقدره وإليك الدليل على ما أقول: فقد ذكر صاحب كتاب (مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني) راويا عن الرفاعي (توفي أحد خدام الغوث الأعظم وجاءت زوجته إلى الغوث فتضرعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها فتوجه الغوث المراقبة فرأى في عالم الباطن أن ملك الموت ﵇ يصعد إلى السماء ومعه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم فقال: يا ملك الموت قف وأعطني روح خادمي فلان وسماه باسمه فقال ملك الموت: إني أقبض الأرواح بأمر إلهي وأأديها إلى باب عظمته كيف يمكنني أن أعطيك روح الذي قبضته بأمر ربي؟؟ فكرر الغوث عليه إعطاءه روح خادمه إليه فامتنع من إعطائه وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده فتفرقت الأرواح ورجعت إلى أبدانها فناجى ملك الموت ﵇ ربه وقال يا ربي أنت أعلم بما جرى بيني وبين محبوبك ووليك عبد القادر فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ما قبضته من الأرواح في هذا اليوم فخاطبه الحق الله جلاله: يا ملك الموت إن الغوث الأعظم محبوبي ومطلوبي لم لا أعطيته روح خادمه وقد راحت الأرواح الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحد فتندم هذا الوقت) (١).
وذكر أحد الصوفية بأن الشيخ محمد صديق وقع في البحر ولم يكن يعرف السباحة فكاد أن يغرق فناداه – أي عبد القادر – مستغيثا به فحضر وأخذ بيده وأنقذه من الغرق. وحكى في نفس الصفحة أنه كان جالسا يوما مع أصحابه في رباطه إذ ابتلت يده الشريفة وكمه إلى إبطه فعجبوا من ذلك وسألوه عنه فقال ﵁: استغاث بي رجل من المريدين تاجرا كان راكبا في السفينة وقد كادت أن تغرق فخلصتها من الغرق فابتل لذلك كمي ويد فوصل هذا التاجر بعد مدة وحدث بهذا الأمر كما أخبر الشيخ ﵁ (٢).
فلو نظرنا في النصوص المتقدمة نلاحظ بأن الصوفية يجيزون الالتجاء إلى المخلوق والاستغاثة به ويقولون بأن بإمكان الولي أن يعلم بكل ما في هذا الكون وهو جالس في مكانه وأن باستطاعته تغيير القدر الذي قدره الله في الأزل وأنه يسمع كل من ناداه واستغاث به ويفرج عنه كربه ولو عرضنا هذه الاعتقادات كلها على الكتاب والسنة سنجدها تصطدم تماما مع ما فيهما من الاعتقادات التي أمرنا الله أن نعتقدها.
ولنبدأ أولا بمناقشة موضوع الاستغاثة بغير الله والالتجاء إلى غيره بإيجاز شديد جدا.
стр. 3492
فالصوفية كما اتضح لنا في النصوص السابقة التي نقلناها عنهم يجوزن الاستغاثة بغير الله والالتجاء إلى غيره عند الشدائد والملمات مع أن الاستغاثة تعتبر عبادة لأن الاستغاثة هي طلب الغوث وهي بمعنى الدعاء وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الاستغاثة بغير الله لأنها عبادة لا يجوز صرفها لغير الله بل يجب أن يعبد الله وحده ولا يشرك معه أحد غيره في عبادته وبما أن المخلوق ليس لديه القدرة على إغاثة من استغاث به فلا يجوز التوجه إليه بالدعاء وطلب الإغاثة إذا كان غائبا أو ميتا أما إذا كان حاضرا فيجوز طلب الإغاثة منه فيما يقدر عليه فقط وادعاء الصوفية بأن مشايخهم بإمكانهم إغاثة من استغاث بهم بعد مماتهم أو في حياتهم حال غيابهم يعتبر كذبا محضا وافتراء على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين لأن المغيث هو الله وحده لا شريك له أما من عداه فلا يستطيع أن يغيث أحدا وقد أخبرنا الله على أن أي مدعو من دونه لا يملك كشف ضر عن أحد أو تحويله عنه فقال تعالى قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً [٥٦: الإسراء] وقد أخبرنا الله بأن المشركين دعوا شركاءهم فلم يستجيبوا لهم فقال تعالى وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [القصص: ٦٤] وقد أخبرنا الله بأن أي مدعو من دونه لا يملك شيئا ولو كان صغير الحجم قليل القيمة أو فاقد فقال تعالى وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤] فهذه النصوص القرآنية التي أوردتها تفيد بأن المدعو من دون الله لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره فلذا لا يجوز دعاء غير الله وكل من خالف هذه النصوص ودعا غير الله يعتبر وقع في الشرك الأكبر والذي يعتبر أكبر ظلم عصي به الله على الإطلاق وقد نهي الله في كتابه عن دعاء غيره فقال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦] وقال تعالى وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] وقال تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨] والله لم ينهنا عن دعاء غيره ويتركنا هكذا حيارى بل أمرنا أن ندعوه وحده ولا نشرك معه أحدا غيره لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا وليا فقال تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦] وقال تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] إلى غير ذلك من الآيات التي تحثنا كلها على دعاء الله والالتجاء إليه والاستغاثة به عند الشدائد. وفي الحديث: ((ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له)) (١).
стр. 3493
وفي حديث آخر: قال الرسول ﷺ ((الدعاء هو العبادة)) (١).وفي حديث آخر: قال الرسول ﷺ ((الدعاء مخ العبادة)) (٢).
وأما ادعاء الصوفية بأن أحد مشايخهم نظر إلى ملك الموت وهو يصعد بالأرواح في زنبيل ثم أخذها منه ورجعت الأرواح إلى أصحابها وأن أحد مشايخهم أنقذ سفينة من الغرق وهو جالس في مكانه بالإضافة إلى إنقاذ إنسان آخر استغاث به فهذه كلها ادعاءات كاذبة مبنية على الكذب المحض لا أساس لها من الصحة ولا يمكن أن يقبلها إنسان به أقل شيء من العقل السليم من التأثر بالخرافات الصوفية وأوهامهم الفاسدة ولذا لا نريد أن نطول في الرد عليها بل نقول بإيجاز شديد إن علم الغيب مختص بالله ولا يمكن لأحد أن يعلم الغيب كائنا من كان.
كما قال تعالى عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٦ - ٢٧] ومشايخ الصوفية ليسوا أنبياء ولا رسلا حتى يدعي أتباعهم بأنهم يوحى إليهم عن الله ولذا نقول بأن ادعاء الصوفية بأن مشايخهم يشاهدون ما في هذا الكون وهم جالسون في مكانهم لا أساس له من الصحة بل محض دجل وافتراء متعمد لتضليل العوام بتهويل قدر مشايخ الصوفية في أعينهم حتى يصرفوهم عن عبادة الله الواحد القهار إلى عبادة القبور والأحجار.
وأما زعم هذا الصوفي بأن أحد مشايخ الصوفية أخذ الأرواح من ملك الموت وردها إلى أصحابها فهذا يجر الصوفية إلى الاعتقاد بأن أحدا ما من المخلوقات باستطاعته منازعة الله في قضائه وقدره وذلك لأن من المعلوم والواجب اعتقاده بأن كل شيء يقع في هذا الكون بقضاء الله وقدره وأن الله قد حدد الآجال والأرزاق فكل ميت لا يمكن أن يموت قبل اليوم الذي قدره الله له ولا يمكن أن يحيا كذلك بعدها ولو لحظة ومن الأدلة في هذا المجال الآيات التالية:
قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]
وقوله تعالى وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢]
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢]. إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: ٤]
وقوله تعالى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ٦١]
ولهذا نقول إن زعم هذا الصوفي بأن شيخه أخذ الأرواح وردها إلى أصحابها ليس بصحيح وإنما هو كذب وافتراء على الله ويلزم أصحاب هذا القول الاعتقاد بأن المخلوق يستطيع أن يغالب الله في قضائه وقدره وهذا يعتبر شركا في توحيد الربوبية وذلك لأن من أقسام التوحيد هو إفراد الله في ربوبيته والله قد قدر كل الأشياء قبل أن يظهرها لنا ومما يدل على ذلك قوله تعالى مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢].
стр. 3494
ومنها قوله تعالى وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١٢] والمعنى: أي على أمر قد علم في سابق علم الله سبحانه وتحتم وقوعه فوقع كما قدره الله .
ومنها قوله تعالى فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [النمل: ٥٧] ومنها قوله تعالى: مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨] ولهذا نقول إن الإيمان بقضاء الله وقدره أمر واجب على كل مسلم ومعنى الإيمان بقضاء الله وقدره هو أن نؤمن بأن الله قد قدر كل ما يقع في هذا الكون وقضاه وكل شيء قدره الله لا بد وأن يقع ولا يمكن لأحد كائن من كان أن يغير شيئا مما قدره الله سبحانه وعلى هذا تصبح دعوى الصوفية بأن الشيخ نزع الأرواح من ملك الموت ورجعت إلى أصحابها كذب وافتراء بحت وذلك لأن الله سبحانه قد قدر بأن هذه الأرواح ستموت في هذا اليوم وما دام قدر الله أن تموت في هذا الوقت فلا يمكن أن تعود هذه الأرواح إلى أصحابها إلا إذا قال الصوفية بأنهم يؤمنون بأن مشايخهم باستطاعتهم أن ينازعوا الله في قضائه وقدره والتصرف في هذا الكون وإذا قالوا بهذا فإنهم قد وقعوا في الشرك بالله في توحيد ربوبيته لأن من الأمور الواجب اعتقادها تجاه الله هو الإيمان بأن كل ما في هذا الكون تحت تصرفه لا يشركه فيه أحد ولا يستطيع أحد أن ينازعه مهما كانت مكانته لا نبيا مرسلا ولا ملكا مقربا ولا وليا لأن الكل عبيد الله يتصرف فيهم كما يشاء.
٢ـ الانحراف الثاني الذي وقع فيه الصوفية بسبب غلوهم في مشايخهم هو الادعاء بأن لهم علوما خاصة يتلقونها عن الله وعن رسوله مباشرة:
لقد وصل الغلو بالصوفية إلى أن ادعوا بأن لمشايخهم علوما خاصة يتلقونها عن الله مباشرة تختلف تماما مع العلوم التي جاء بها رسول الله ﷺ من ربه وادعوا أيضا بأنهم يتلقون علوما خاصة بهم عن رسول الله ﷺ وهم يسمون هذه العلوم علوم الخاصة أي علوما يختصون بها هم دون سائر الأمة الإسلامية وإليك الأدلة من بطون كتبهم:
قال صاحب (الرماح) الذي بهامش (جواهر المعاني) في الفصل الثاني والعشرين:
(إنهم لا ينطقون إلا بما يشاهدون ويأخذون عن الله ورسوله الأحكام الخاصة للخاصة لا مدخل فيها للعامة لأنه ﷺ كان يلقي إلى أمته الأمر الخاص .. ) ثم قال: (إن الكامل منهم ينزل عليه الملك بالأمر والنهي) (١). ونقل الشعراني عن ابن عربي أنه قال: (حدثني قلبي عن ربي أو حدثني ربي عن قلبي أو حدثني ربي عن نفسه بارتفاع الوسائط) (٢).
стр. 3495
فالنصان السابقان يدلان دلالة واضحة على أن الصوفية يؤمنون بأن مشايخهم يتلقون علوما خاصة بهم عن الله مباشرة. والرد عليهم بإيجاز: إن ادعاءهم هذا يؤدي بهم إلى القول بعدم ختم النبوة وبقاء بابها مفتوحا لكل من يدعي التلقي عن الله وهذا يعتبر انحرافا عقديا خطيرا وذلك لأن عقيدة ختم النبوة تعتبر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة يعرفها العامي فضلا عن العالم وقد وردت نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تدل دلالة قاطعة على ختم النبوة فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] ومن الأحاديث الدالة على أن النبوة قد ختمت قوله ﷺ : ((لا نبي بعدي)) (١).
فالآية والحديث السابقان يدلان دلالة واضحة على أن النبوة قد ختمت بالرسول محمد ﷺ وذلك لأن الله قد أخبرنا بأن محمدا بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام خاتم النبيين ونفى الرسول ﷺ أن يكون نبي بعده.
فكل من يدعي بأنه تنزل عليه علوم من الله بعد هذا الدليل القاطع يعتبر دجالا مفتريا على الله يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا فيجب أن تقطع عنقه حتى لا يفتن المسلمين في دينهم وذلك لأن ادعاء التلقي عن الله يؤدي إلى الإتيان بأحكام وعقائد جديدة تختلف مع العقيدة والشريعة التي أتى بها محمد بن عبدالله ﵊ من ربه وإذا اعترض عليه أي معترض يستطيع أن يقول بكل سهولة أنه تلقاه عن الله تعالى كما يزعم الصوفية ذلك وهذا يعتبر هدما وتقويضا للعقيدة والشريعة الإسلامية والقضاء عليها نهائيا.
٣ـ الانحراف الثالث الذي وقع فيه الصوفية بسبب غلوهم في المشايخ: هو الادعاء بأن لهم الاطلاع على الغيب:
لقد وصل غلو الصوفية في مشايخهم إلى أن زعموا بأنهم يعلمون الغيب حيث ادعوا بأن الأولياء يعلمون الأشياء المكتوبة على أوراق الشجر والماء والهواء وكل ما في البر والبحر ما في السماء وكل ما يقع للإنس والجن في حياتهم وبعد مماتهم وأنهم يسمعون كل من ناداهم من قريب أو بعيد فيقضون له طلبه وإليك الأدلة على هذا من بطون كتبهم:
فقد قال إبراهيم الدسوقي في معرض حديثه عن خصائص العارف بالله عندهم: (وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء وما في حياة الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة ولا يحجب من حكيم يتلقى علما من حكيم عليم) (٢).وحكى أحد الصوفية عن أحد الصوفية أنه وقع في البحر ولم يكن يعرف السباحة فكاد أن يغرق فناداه مستغيثا به فحضر وأخذ بيده من الغرق) (٣).
فالنصان السابقان يدلان بأن الصوفية يعتقدون بأن مشايخهم يعلمون الغيب ويفرجون كرب كل من استغاث بهم ودعاهم.
والذي نريد أن نناقشه هنا هو مسألة علم الغيب وهل يمكن للمخلوق أن يعلمه أم أن علم الغيب مختص بالله .
فلو نظرنا في كتاب الله سنجد فيه آيات كثيرة وكلها تتحدث في اختصاص الله تعالى بعلم الغيب وليس بإمكاننا الآن أن نذكر كل الآيات التي تتحدث في هذا المجال وإنما نريد أن نذكر آية واحدة مع إيراد بعض أقوال المفسرين فيها وهي بالفعل كافية ومقنعة في هذا المجال لمن يبحث عن الحق ويريد الوصول إليه أما المعاند المكابر فلا يمكن أن يقتنع مهما أتينا بالآيات.
стр. 3496
والآية التي نريد أن نستدل بها على أن علم الغيب خاص بالله تعالى وأنه لا يمكن لأحد أن يطلع على الغيب إطلاقا باستثناء الرسل عليهم الصلاة والسلام فإن الله يطلعهم على بعض غيبه تأييدا لهم حتى يكون ذلك مساعدا لهم لإقناع أقوامهم بما يدعونهم إليه هي قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:٢٦ - ٢٨]
وإليك أقوال بعض المفسرين الأعلام في هذه الأمة حتى نستطيع التوصل إلى الحكم الصحيح في كل من يدعي علم الغيب.
فقد قال القرطبي:
(والغيب ما غاب عن العباد فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات ومنها الإخبار عن بعض الغائبات ... ) ثم قال: (والأولى أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى أي اصطفى للنبوة فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته) (١).
ثم قال القرطبي: (قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزاجر الطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه) (٢).
وقال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية في المجلد الثاني عشر:
(يعني بالعالم الغيب عالم ما غاب عن أبصار خلقه فلم يروه فلا يظهر على غيبه أحدا فيعلمه أو يريه إياه أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فإنه يظهره على ما يشاء من ذلك).
ونقل عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها:
(أعلم الله سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحى إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره).
ونقل عن قتادة أنه قال في تفسير هذه الآية: (فإنه يصطفيهم على ما يشاء من الغيب).ونقل عن ابن جرير أنه قال تفسيرها: (ينزل من غيبه من ما يشاء على الأنبياء أنزل على رسول الله الغيب القرآن قال: (وحدثنا فيه بالغيب بما يكون يوم القيامة) (٣).وقال عبدالرحمن بن ناصر السعدي في كتابه (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن): (فلا يظهر على غيبه أحدا من الخلق بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ أي فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به وذلك لأن الرسل ليسوا كغيرهم فإن الله أيدهم بتأييد ما أيده أحدا من الخلق وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلغوه على حقيقته من غير أن تقربه الشياطين فيزيدوا فيه أو ينقصوا منه) (٤).
فالأقوال التي أوردتها عن هؤلاء العلماء الأجلاء الذين سبق ذكرهم كلها اتفقت على نفي علم الغيب على جميع ما في هذا الكون ومن هنا نقول إن باب علم الغيب مسدود نهائيا وكل من يحاول أن يعلم الغيب إنما يسعى لكي يضله الله وإلا فما الداعي لإنسان يؤمن بأن القرآن كلام الله أن يسعى للاطلاع على علم الغيب بعد أن أخبر الله في كتابه بأن الغيب خاص به سبحانه وأنه لا يطلع عليه أحدا إلا رسله فإنه يطلعهم على جزء من غيبه حتى يكون لهم معجزة فيساعدهم في إيمان أقوامهم أو إقناعهم وحتى الوحي الذي يوحيه إليهم يعتبر غيبا وقد قال بعض المفسرين بهذا كما سبق.
والخلاصة أن غلو المتصوفة في مشايخهم واعتقادهم بأنهم يعلمون الغيب يعتبر اعتقادا فاسدا وأن الواجب عليهم التراجع عن هذا الغلو الذي صار سببا في ضلالهم كما ضل بسببه كثير ممن كان قبلهم من الأمم الماضية ومعروف أن أول شرك حصل في الأرض كان سببه الغلو في رجال صالحين.
المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ١٣٧
стр. 3497
المبحث الرابع: تأثرهم بالفكر اليوناني الوثني
إن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف الصوفية هو تأثرهم بالفكر اليوناني الوثني.
ومما يدل على تأثر المتصوفة بأفكار الفلاسفة اليونانيين كأفلاطون وأرسطو طاليس ثناء كبار المتصوفة على هؤلاء الفلاسفة وتمجيدهم ووصفهم بالطهر والثناء على طريقتهم بوصفهم لها بأنها من أحسن الطرق التي ينبغي اتباعها لتطهير النفوس وصفائها.
وإلى جانب ذلك فقد أثبت المفكرون الإسلاميون الذين كتبوا عن التصوف تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني في قضايا اعتقادية وسلوكية كثيرة وبما أنه يصعب حصر هذه الأشياء التي أخذها المتصوفة عن اليونانيين سأكتفي بذكر نماذج فقط لأن المقصود هو الإثبات بأن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تأثرهم بالفكر اليوناني وليس المقصود حصر الأمور التي يلتقي فيها المتصوفة مع فلاسفة اليونان فإن هذا يحتاج إلى رسالة مستقلة وإليك بيان هذا فيما يلي:
أولا: أقوال كبار أئمة التصوف التي تدل على تأثرهم بفلاسفة اليونان وإعجابهم بهم:
فمن المتصوفة الذين ذكروا إعجابهم بفلاسفة اليونان عبد الكريم الجيلي فقد قال في كتابه (الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر) في الجزء الثاني منه كلاما يدل دلالة صريحة وواضحة على حبه العميق لموجدي الفلسفة اليونانية وإعجابه بهم وإلك نص كلامه الذي يدل على ما قلناه: فقد قال: (ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافرا فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورا وبهجة ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء فقلت له: من أنت؟ قال قطب الزمان وواحد الأوان ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تغشى وقد رمزنا لك في هذا الباب أسرارا كثيرة ما كان يسعنا أن نتكلم فيها بغير هذا اللسان فالق القشرة من الخطاب وخذ اللب إن كنت من أولي الألباب) (١).وقد ذكر في مكان آخر من كتابه بأن أرسطو تلميذ أفلاطون لزم خدمة الخضر واستفاد منه علوما جمة وكان من تلامذته (٢).
قلت: ادعاء عبد الكريم الجيلي بأن أفلاطون ألتقى بالحضر كذب محض وليس بصحيح لأن أفلاطون رجل وثني كافر والخضر نبي من أنبياء الله على القول الراجح ولأن الخضر قد مات أيضا على القول الراجح كما سنبينه في الباب الثالث من هذه الرسالة.
وهل عبد الكريم الجيلي يدعي مثل هذا الادعاء لكي يبرر الأخذ من الوثنيين اليونانيين وينشر عقائدهم في أوساط المسلمين لو لم يكن معجبا بهم، ومن المتصوفة الذين مدحوا الفلاسفة اليونانيين لسان الدين الخطيب فقد نقل عن أرسطو أنه قال:
стр. 3498
(إني ربما خلوت بنفسي كثيرا وجعلت بدني جانبا وصرت كأني مجرد بلا بدن عري من الملابس الطبيعية فأكون داخلا في ذاتي خارجا من سائر الأشياء فأرى في ذاتي من الحسن السناء والبهاء والضياء والمحاسن العجيبة والمناظر الأنيقة ما أبقى له متعجبا متحيرا باهتا فاعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الشريف فلما أيقنت بذلك رقيت بذهني إلى العلة الإلهية المحيطة بالكل فصرت كأني موضوع متعلق بها فأكون فوق العالم كله رآني كأني واقف في ذلك الموقف الشريف المقدس الإلهي فأرى هنالك من النور والبهاء والبهجة والسناء ما لا تقدر الألسن على صفته والأسماع على نعته ولا الأوهام أن تحيط به فإذا استغرقني ذلك النور والبهاء لم أطق على احتماله ولا الصبر عليه فارتددت عاجزا عن النظر إليه وهبطت من العقل إلى الفكر والروية فإذا صرت في عالم الفكر والروية حجبت الفكرة عن ذلك النور والبهاء وحالت بيني وبينه الأوهام فأبقى متعجبا كيف انحدرت من ذلك الموضوع الشاهق العالي الإلهي وصرت سفلا في موضع الفكر والضيقة بعد أن قويت نفسي على التخلف عن بدنها والرجوع إلى ذاتها والترقي إلى العالم العقلي ثم العالم الإلهي مع العقول فوق العوالم كلها حتى صرت في موضع
البهاء والنور والسناء متجلية الذي هو علة كل نور وبهاء وسبب كل دوام وبقاء ومن العجيب أني كنت قد رأيت نفسي ممتلئة نورا وهي في البدن كهيأتها والبدن ومعها وهي خارجة عنه على أني لما أطلت الفكر ومحضت الروية وأجلت الرأي وصرت كالمتحير المبهوت تذكرت الفلطنوس فإنه أمر بالطب والبحث عن جوهر النفس الشريفة والحرص على الصعود إلى ذلك العالم الأعلى ولحق بالجواهر الإلهية والأسباب الكلية يجزي أحسن الجزاء اضطرارا فلا ينبغي لأحد أن يفتر عن الطلب والحرص والجد في الاتقاء إلى ذلك العالم وإن تعب وكد ونصب فإن أمامه الراحة التي لا تعب بعدها في مخلوقة للإنسان كلها والإنسان مخلوق لها أليس عزا أن تمر ساعة من عمره في غير ما خلق من ذلك أليس من فرط في السعي لذلك ظالم لنفسه ومهلكا ذاته وفاعلا بجوهرته النفسية ما لم يفعل به أعدى عدو له فيندم حين لا ينفعه الندم)
ثم علق لسان الدين الخطيب على كلام أرسطو هذا بما يلي: فقال: (وبيان هذه السعادة من تعرض له فقد تعاطى ما لا تستقل به نفس ولا تطمع فيه قوة إنسانية .. وسبيل السعادة عندهم الرياضة وعلاج الأخلاق حتى يصير شبيها بالخير المحض وهو المبدأ تلطيف السر وأن يصرف عن النفس شواغل الجسم ويترقى في معارج المحبة والشوق إلى ذلك الكمال بالفكرة حتى تحس النفس بانجذابها إلى عالمها وتفيض عليها عجائبه وقد أخبر هؤلاء الإلهيون عن أنفسهم بما ذكرنا آنفا من أنهم نزعوا ولذاته أمورا مذهلة ثم عادوا إلى عالم الحس ورمزوا ذلك في كتبهم حسبما نقل سقراط الدنان ومعلم الخير أفلاطون وإمام المشائين أرسطو) (١).
إذا نظرنا في كلام لسان الدين الخطيب نرى أنه قد صرح بإعجابه بهذه الطريقة التي يسلكها فلاسفة اليونان لتربية النفس ومما يدل على هذا وصفه للفيلسوف اليونان لتربية النفس ومما يدل على هذا وصفه للفيلسوف اليوناني الوثني أفلاطون بأنه معلم الخير ووصفه لأرسطو بالإمام ومن هنا نفعهم بأن أقطاب التصوف كانوا معجبين بآراء فلاسفة اليونان وقد تأثروا بالفعل تأثرا كبيرا.
ومن المتصوفة الذين أكدوا تأثر بعض الصوفية بالأفكار اليونانية المنوفي الصوفي المعاصر المصري فقد قال:
стр. 3499
(وأما وحدة الوجود الحلولية التي تجعل من الله شيئا كائنا يحل في مخلقواته أو الاتحادية بالمعنى المفهوم خطأ. تلك تجعل من الكائن الفاني شخصية تتحد بالوجود الدائم الباقي المنزه عن سائر النسب والإضافات والأحياز الزمانية والمكانية المحدثة أو يتحد به شيء منها فإنها مذهب هندي أو مسيحي وليس بإسلامي ولا يعرفه الإسلام استمده أهل الشذوذ في التصوف الإسلامي من الفلسفة البائدة وغذوا به ذهنهم الشاذ بفكر أفلاطوينة وأراء بوذية وفارسية عن طريق الفارابي وابن سينا وأن المتتبع لحياة الحلاج ومؤلفات السهروردي وابن عربي يرى أنهم تأثروا بالمتفلسفة المسلمين الذين أخذوا عن الفلسفة الأفلاطونية القديمة والأفلاطونية الحديثة والأرسطوطالسية) (١).
إذا نظرنا في كلام المنوفي نرى أنه صرح بأن المتصوفة تأثروا فعلا بفلاسفة اليونان وأنهم أتوا بتلك العقائد الإلحادية التي توجد في التصوف من أولئك الفلاسفة اليونانيين ومع المنوفي صوفي إلا أنه لم يستطع أن ينكر تأثر المتصوفة بفلاسفة اليونان وهذا في الحقيقة دليل قاطع ومخرس لكل من ينكر تأثر المتصوفة بأفكار فلاسفة اليونان الوثنيين.
وقال المنوفي في مكان آخر في معرض حديثه عن تأثر غلاة المتصوفة بفلاسفة اليونان:
(فكان بعضهم بعلن أنه اطلع على الغيب وأن في مقدوره الإتيان بخوارق العادات ثم يذهب إلى ما هو أبعد من هذا مثل قولة الحلاج المشهورة (ما في الجبة غير الله) وغيره (أنا الحق).وبمثل هذا وذاك ثار على الحلاج معاصروه ورموه بالسحر والجنون أخرى وعذب عذابا أليما إلى أن مات في أوائل القرن الرابع والله أعلم بحاله وكان من أمثال الحلاج من بالغوا مبالغة قلت أم كثرت كشهاب الدين عمر السهروردي المقتول ورئيس جماعة الإشراقيين ومحيي الدين بن عربي الأندلسي وابن سبعين السقلي وهم من رجال القرنين السادس والسابع وتابعهم جماعة من شعراء الفرس وأمثال جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وكلهم يرمي إلى أن يقيم التصوف الإسلامي على دعائم فلسفية أو فارسية وهندية أو يونانية) (٢).
ثانيا: الكتّاب الذين كتبوا عن التصوف وأثبتوا تأثرهم بالفكر اليوناني الوثني: لقد أثبت كثير من الكتاب الذين كتبوا في الفكر الصوفي تأثر المتصوفة إلى حد بعيد بفلاسفة الفكر اليوناني الوثني ومن هؤلاء الكتاب كتبوا عن تاريخ التصوف الدكتور عبدالرحمن بدوي حيث قال في معرض حديثه عن الأثر اليوناني في التصوف تحت عنوان (أرثولوجية أرسطو طاليس) وهو كما تعلم فصول ومقتطفات منتزعة من التاسوعات الأفلاطونية وفيه نظرية الفيض والواحد التي ستلعب دورا خطيرا في التصوف الإسلامي خصوصا عند السهروردي المقتول وابن عربي وفيه أيضا نظرية الكلمة.
стр. 3500
ثم قال عبدالرحمن بدوي: (ولا شك في تأثر الصوفية المسلمين ابتداء من القرن الخامس الهجري بما في (أرثولوجية) من آراء وإنما الخلاف هنا هو في هل وصل تأثيره إلى التصوف الإسلامي مباشرة أو عن طريق كتب الإسماعيلية وكلها حافلة بالتأثر به ويتلوه في الأهمية الكتب المنسوبة إلى هرمس وشخصيته بارزة التأثير عند السهروردي المقتول وابن عربي والأول خصوصا في فكرة الطباع التام الذي تأثر بها كل الإشراقيين بعد الهروردي والطباع التام هو (النور) ويسمى أيضا الروحانية والطبيعة الكريمة .. ومن النصوص المهمة المنسوبة إلى هرمس رسالة في معاذلة النفس التي نشرناها في كتابنا الأفلاطونية المحدثة عند العرب فهي مناجيات للنفس وتحليل لها وتأنيب للنفس الأمارة ودعوة للنفس من أجل التطهر والتقدس ومن السهل أن نجد أصداءا لها ومشابه في مناجيات الصوفية المسلمين ثم إن هناك فصولا منحولة لأفلاطون وسقراط وغيرهما من الفلاسفة اليونانيين معظمها آداب وأقوال وكلها تتشابه في بعض أرائها مع الأقوال المنسوبة إلى كبار الصوفية المسلمين في كتب طبقات الصوفية المختلفة كالقشيري والسلمي والشعراني والهروي والعطار والجامي وغيرهم.
ومن الكتاب الذين كتبوا عن التصوف وأقروا تأثره بالفكر اليوناني الوثني الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني فقد قال متحدثا عن تأثر المتصوفة بالأفكار اليونانية: (ونحن لا ننكر اليوناني على التصوف الإسلامي فقد وصلت الفلسفة اليونانية عامة والأفلاطونية المحدثة خاصة إلى صوفية الإسلام عن طريق الترجمة والنقل أو الاختلاط مع رهبان النصارى في الرها وحران وقد خضع المسلمون لسلطان أرسطو وإن كانوا قد عرفوا فلسفة أرسطو على أنها فلسفة إشراقية لأن عبد المسيح بن ناعمة الحمصي حينما ترجم الكتاب المعروف بـ (أرثولوجية أرسطوطاليس) قدمه إلى المسلمين على أنه لأرسطو على حيث أنه مقتطفات من تاسوعات أفلاطون وليس من شك في أن فلسفة أفلوطين السكندري التي تعتبر أن المعرفة مدركة بالمشاهدة في حال الغيبة عن النفس وعن العالم المحسوس كان لها أثرها في التصوف الإسلامي فيما نجده من كلام متفلسفي الصوفية عن المعرفة وكذلك كان لنظرية أفلوطين السكندري في الفيض وترتيب الموجودات عن الواحد والأول أثرها على الصوفية المتفلسفين من أصحاب الوحدة كالسهروردي المقتول ومحيي الدين بن عربي وابن الفارض وعبد الحق بن سبعين وعبد الكريم الجيلي ومن نحا نحوهم ونلاحظ بعد ذلك أن أولئك المتفلسفة من الصوفية نتيجة اطلاعهم على الفلسفة اليونانية قد اصطنعوا كثيرا من مصطلحات هذه الفلسفة مثل (الكلمة) (العقل الأول) (العقل الكلي) (العلة والمعلول) وغير ذلك من المصطلحات الفلسفية اليونانية) (١).
стр. 3501
ومن العلماء الكبار الذين أثبتوا المتصوفة بالفلاسفة في عقائدهم الضالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقد تلك عن سبب وقوع المتصوفة في القول بوحدة الوجود وأثبت أن سبب ذلك هو سلوكهم مسلك الفلاسفة وبعدهم عن الكتاب والسنة فقال: (ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك الفناء المذموم عن الوجود السوي فجعلوا الموجود واحدا ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق وهو الرائي والمرئي والعابد والمعبود والذاكر والمذكور والآمر خالقه والآمر المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم وعباد الأصنام ما عبدوا غيره وما ثم موجود مغاير له ألبته عندهم وهذا منتهي سلوك هؤلاء الملحدين فحقيقة قولهم قول فرعون لأن فرعون كان في الباطن عالما بأن ما يقوله باطل وكان جاحدا مريدا للعدو والفساد ولهذا جحد وجود الصانع بالكلية وأما هؤلاء فجهال ضلال يحسبون أن ما يقولونه هو حقيقة إثبات هذا العالم ولا ينكر أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود وإنما ينكر أن لهذا الوجود خالقا مباينا له ولهذا أمر ببناء الصرح ليكذب موسى بزعمه أن للعالم إلها فوقه كما حكى الله لنا في كتابه فقال وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ [غافر:٣٦ - ٣٧] وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون إن فرعون أكمل من موسى ...
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين أحسن حالا منهم وهؤلاء أئمة نظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلطهم وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية المعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في بعض الأصول الفاسدة فإن هؤلاء اشتركوا هم وأولئك الملاحدة في أصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل. (١).
ومن الكتاب الذين كتبوا عن التصوف وأكدوا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني كون قاسم غني الفارسي فقد قال: (وقد أثر في التصوف والعرفان ذيوع آراء أفلاطون وظهور الفلسفة الأفلاطونية الحديثة بين المسلمين أكثر من أي شيء وبعبارة أخرى أحرز التصوف الذي كان إلى ذلك الحين زهدا عمليا أساسا نظريا وعلميا وإذا دققنا في آراء الأفلاطونية الحديثة وجدنا أن الصوفي الزاهد الذي غض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية وتعلق خاطره بما هو خالد يشعر بلذة الرضى في فلسفة أفلوطين بل يحصل على منتهي غايته في تلك الآراء وموضوع وحدة الوجود في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة جذب أنظار الصوفية أكثر من أي شيء آخر لأن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذات الله فيها إلا أن المرايا كلها ظاهرة والوجود المطلق والوجود الحقيقي هو الله وينبغي على الإنسان أن يسعى حتى يمزق الحدب ويجعل نفسه محلا لتجلي جمال الحق الكامل ويبلغ السعادة الأبدية على السالك أن يطير بجناح العشق نحو الله تعالى ويحرر نفسه من قيد ودود الذي لي إلا مظهر فحسب وينمحي ويفنى في ذات الله أي الموجود الحقيقي) (٢).
стр. 3502
فهذه آراء بعض الكتاب الباحثين الذين كتبوا عن التصوف وكما هو واضح أمامنا فقد أثبتوا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني ومما ينبغي أن يعلم أن هؤلاء الكتاب الذين نقلت عنهم هذه الأقوال إما متصوفة بحت وإما من الموالين لهم والمدافعين عنهم إلا شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد صرح كثير من الكتاب بتأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني ومنهم المستشرق نيكلسون فقد قال مقررا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني: (وقد كان لمصر والشام دائما الصدارة بين الأمم التي انتشرت فيها الحضارة اليونانية وهما البلدان ظهر فيهما التصوف لأول مرة بمعناه الدقيق ... والرجل الذي اضطلع بأكبر قسط في تطور هذا النوع من التصوف هو ذو النون المصري الذي وصف بأنه حيك كيمائي أو بأنه بعبارة أخرى أحد أولئك الذين نهلوا من منهل الثقافة اليونانية فإذا أضفنا إلى هذا أن المعاني التي تكلم فيها ذو النون هي في جوهرها المعاني التي نجدها في كتابات يونانية مثل كتابات (ديونيسيون) وليس عندي من شك في أن المذهب الغنوصي بعدما أصابه من التغيير والتحوير على أيدي مفكري المسيحية واليهودية وبعد امتزاجه بالنظريات اليونانية كان من المصادر الهامة التي أخذ عنها رجال الصوفية والغنوصية مواضع اتفاق كثيرة هامة ولا شك عندي أيضا في أن دراسة هذه المسألة دراسة دقيقة وافية لما يأتي بأطيب الثمرات ولكني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية أحاطت بنشأة التصوف استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي ولزم أن نعتبره وليدا لاتحاد الفكر اليوناني والديانات الشرقية أو بمعنى أدق وليد اتحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والديانة المسيحية والمذهب الغنوصي (١).
والخلاصة بعد أن أوردنا نصوصا عديدة عن الصوفية أنفسهم التي مدحوا فيها فلاسفة اليونان وأوردنا أقوال بعض الباحثين الذين كتبوا عن التصوف قديما وحديثا والذين أثبتوا كلهم تأثر الصوفية بالفكر الفلسفي اليوناني نقول إن تأثر الصوفية بالفكر اليوناني الوثني كان من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف الصوفية عن الطريق القويم في العقيدة والعبادة والسلوك وذلك لأنهم ابتغوا الهدى في غر الكتاب والسنة فوقعوا في متاهات وضلالات وخرافات وبدع عقدية وسلوكية وتعبدية
المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ١٧٣
стр. 3503
المبحث الأول: التفسير الإشاري
عرف التفسير الصوفي بالتفسير الإشاري، ويتمثل على زعمهم في أن يرى المفسر معنى آخر غير المعنى الظاهر، ربما تحتمله الآية الكريمة ولكنه لا يظهر للعامة من الناس، وإنما يظهر لخاصتهم ومن فتح الله قلبه وأنار بصيرته وسلكه ضمن عباده الصالحين، الذين منحهم الله الفهم والإدراك، وهذا النوع من العلم ليس من العلم الكسبى الذي ينال بالبحث والمذاكرة وإنما هو من العلم الوهبى الذي هو أثر التقى والاستقامة والصلاح، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢]. والتفسير الصوفي يعتمد أساسا على أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ويقصد بالظاهر الشريعة وبالباطن الحقيقة، وعلم الشريعة علم المجاهدة، وعلم الحقيقة علم الهداية، وعلم الشريعة علم الآداب وعلم الحقيقة علم الأحوال، وعلم الشريعة يعلمه علماء الشريعة وعلم الحقيقة يعلمه العلماء بالله، يقول السلمى في مقدمة تفسيره عن الباعث لإقدامه على كتابة تفسير القرآن: (لما رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا في أنواع فرائد القرآن، من قراءات وتفاسير ومشكلات وأحكام وإعراب ولغة ومجمل ومفصل وناسخ ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان أهل الحقيقة إلا آيات متفرقة، أحببت أن أجمع حروفا أستحسنها من ذلك وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك وأرتبه على السور حسب وسعى وطاقتى) (١) ويقول سهل بن عبد الله التسترى في تفسيره، وهو أول ما ظهر للصوفية من تفسير للقرآن: (ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم والحد حلالها وحرامها والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها من الله ، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه والمراد به خاص) (٢).
وقد ظهر أيضا تفسير ثالث لعبد الكريم القشيرى سلك فيه مسلك الصوفية في إدراك الإشارات التي يراها الصوفي خلف آيات القرآن، وسماه لطائف الإشارات، قال عن الباعث لتأليفه:
(وكتابنا هذا يأتى على طرف من إشارات القرآن على لسان أهل المعرفة إما من معاني قولهم أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه طريق الإقلال خشية الملال مستمدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين من الحول والمنة مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوثقين لأصوب القول والعمل) (٣).
ولم يظهر في تاريخ التفسير الإشاري حتى القرن الخامس، أهم من حقائق التفسير للسلمى، ولطائف الإشارات للقشيري وإن كان القشيري قد استفاد
من السلمى فائدة كبرى واقتبس منه كثيرا من آرائه (٤).
стр. 3504
وقد ظهر تفسير القرآن المنسوب لابن عربي، ولكنه في الحقيقة للكاشاني السمرقندي، ويعد هذا التفسير أهم تفسير إشارى بعد اللطائف، قال مؤلفه في مقدمته: (ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ومطلع، فالظهر هو التفسير، والبطن هو التأويل، والحد هو ما تتناهي إليه الفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام) (١).
ويمكن القول باستقراء التفسيرات الصوفية السابقة أن السمة الغالبة في التفسير الإشاري لدى الصوفية تتمثل فيما يلى:
(١ - أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وأن الظاهر للعوام والباطن لا يدركه إلا الخواص وإدراك الخواص مستمد من فيض إلهي ينير بصائرهم، ويكشف لهم على زعمهم عن معارف لدنية مباشرة.
(٢ - أن العلم بالقرآن على هذا النحو يفترق عن العلوم القرآنية الأخرى في بدايته وفى طرائقه وفي غاياته، فضلا عن أنه يفترق عن سائر العلوم بضرورة العمل، فالعالم لابد أن يكون عاملا وعمله هو جهاده ورياضاته التي تؤدى إلى صقل إرادته وشحذ همته وتنقية مرآته الباطنية من كل شائبة، فالتفسير عموما ليس تفسيرا مباشرا، بل يسلك تزكية النفوس وتطهير القلوب والحث على التحلى بالأخلاق الفاضلة.
(٣ - أن التفسير الإشاري وإن كان يعتمد على ما وراء العبارة الظاهرية إلا أنه لم تخل من بعض ما نقل من الآثار على النحو المذكور في التفسير بالمأثور أو التفسير بالرأي بالطريقة الاستنباطية، أو تفسيرات تعتمد على معاني الألفاظ والتفسيرات البلاغية.
(٤ - تتعرض هذه التفسيرات لكثير من المعاني والمصطلحات الصوفية التي تكشف عن طريقتهم وتجربتهم، لا سيما أنهم يوجهون الآيات كشواهد لهذه الرموز والمصطلحات.
(٥ - ومع ما فيها من معاني تقبل بصعوبة، أو يلتمس لها وجها تحمل عليه بمشقة، إلا أن هناك معان مشكلة تصل في بعض الأحيان إلى الكفر والزندقة.
(٦ - لم تسلم هذه التفسيرات من الإسرائيليات، والاستشهاد بغير القرآن والسنة، ولم تتبع الدقة في تحري ثبوت الحديث، أو مراعاة التعليق على الأسانيد، وكذلك لم تخل من فكر باطني (٢)
المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق ١/ ١١٦ - ١١٩
стр. 3505
المبحث الثاني: أدلة المجيزين للتفسير الإشاري
استدل الصوفية بكثير من الآيات القرآنية العامة، التي تدعو إلى التدبر وفهم كتاب الله بالتأمل وحسن الاستماع، كقوله تعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:١ - ٣] وكقوله:
فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:٧٨]، والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام وكقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا محمد:٢٤ [حيث دل على أن ظاهر المعنى شيء وهم عارفون به لأنهم عرب، والمراد هو شيء آخر وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، والتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن، فلم يحصل منهم تدبر، وكقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق:٣٧ [، وقال أبو سعيد الخراز: (أول الفهم لكتاب الله العمل به، لأن فيه العلم والفهم والاستنباط، وأول الفهم إلقاء السمع والمشاهدة لقوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق:٣٧ [(١).]
ويواصل السراج الطوسي استدلاله على التفسير الإشاري فيقول: وقال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:١٨] فالقرآن كله حسن
ومعنى اتباع الأحسن، ما يكشف للقلوب من العجائب عند الاستماع وإلقاء السمع من طريق الفهم والاستنباط) (٢).
ومن السنة يستدلون بقوله: " لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع" (٣)، فلفظ الظاهر والباطن على زعمهم قرآنيان، ولا يمكن الاعتراض على الفكرة القائلة بأن في القرآن ناحية واضحة تدرك في ضوء الاشتقاق، وأن به ناحية أخرى ربما كانت أخفق وأعمق بالنسبة للأولى، لأن هذه الفكرة يمكن أن تطبق في الواقع على أي نص فكل نص له ناحية قريبة مباشرة تدرك بلا عناء، وناحية أخرى تحتاج إلى عمل وجهد في استيعابها وفهمها، كما لا يمكننا أن ننكر أن الحقيقة الإنسانية الثابتة تشير إلى عدم تساوي الناس في الفهم والإدراك، وقد ظهرت تلك الحقيقة في حياة الرسول وصحابته ﵃ الذين تفاوتت أقدارهم في سرعة ومدى فهمهم للقرآن، وهذا يفسر ما أثر عنهم من تفسيرات مختلفة (٤).