← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ومن العلماء الكبار الذين أثبتوا المتصوفة بالفلاسفة في عقائدهم الضالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقد تلك عن سبب وقوع المتصوفة في القول بوحدة الوجود وأثبت أن سبب ذلك هو سلوكهم مسلك الفلاسفة وبعدهم عن الكتاب والسنة فقال: (ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك الفناء المذموم عن الوجود السوي فجعلوا الموجود واحدا ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق وهو الرائي والمرئي والعابد والمعبود والذاكر والمذكور والآمر خالقه والآمر المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم وعباد الأصنام ما عبدوا غيره وما ثم موجود مغاير له ألبته عندهم وهذا منتهي سلوك هؤلاء الملحدين فحقيقة قولهم قول فرعون لأن فرعون كان في الباطن عالما بأن ما يقوله باطل وكان جاحدا مريدا للعدو والفساد ولهذا جحد وجود الصانع بالكلية وأما هؤلاء فجهال ضلال يحسبون أن ما يقولونه هو حقيقة إثبات هذا العالم ولا ينكر أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود وإنما ينكر أن لهذا الوجود خالقا مباينا له ولهذا أمر ببناء الصرح ليكذب موسى بزعمه أن للعالم إلها فوقه كما حكى الله لنا في كتابه فقال وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ [غافر:٣٦ - ٣٧] وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون إن فرعون أكمل من موسى ... ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين أحسن حالا منهم وهؤلاء أئمة نظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلطهم وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية المعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في بعض الأصول الفاسدة فإن هؤلاء اشتركوا هم وأولئك الملاحدة في أصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل. (١). ومن الكتاب الذين كتبوا عن التصوف وأكدوا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني كون قاسم غني الفارسي فقد قال: (وقد أثر في التصوف والعرفان ذيوع آراء أفلاطون وظهور الفلسفة الأفلاطونية الحديثة بين المسلمين أكثر من أي شيء وبعبارة أخرى أحرز التصوف الذي كان إلى ذلك الحين زهدا عمليا أساسا نظريا وعلميا وإذا دققنا في آراء الأفلاطونية الحديثة وجدنا أن الصوفي الزاهد الذي غض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية وتعلق خاطره بما هو خالد يشعر بلذة الرضى في فلسفة أفلوطين بل يحصل على منتهي غايته في تلك الآراء وموضوع وحدة الوجود في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة جذب أنظار الصوفية أكثر من أي شيء آخر لأن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذات الله فيها إلا أن المرايا كلها ظاهرة والوجود المطلق والوجود الحقيقي هو الله وينبغي على الإنسان أن يسعى حتى يمزق الحدب ويجعل نفسه محلا لتجلي جمال الحق الكامل ويبلغ السعادة الأبدية على السالك أن يطير بجناح العشق نحو الله تعالى ويحرر نفسه من قيد ودود الذي لي إلا مظهر فحسب وينمحي ويفنى في ذات الله أي الموجود الحقيقي) (٢).

стр. 3502

فهذه آراء بعض الكتاب الباحثين الذين كتبوا عن التصوف وكما هو واضح أمامنا فقد أثبتوا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني ومما ينبغي أن يعلم أن هؤلاء الكتاب الذين نقلت عنهم هذه الأقوال إما متصوفة بحت وإما من الموالين لهم والمدافعين عنهم إلا شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد صرح كثير من الكتاب بتأثر المتصوفة بالفكر اليوناني الوثني ومنهم المستشرق نيكلسون فقد قال مقررا تأثر المتصوفة بالفكر اليوناني: (وقد كان لمصر والشام دائما الصدارة بين الأمم التي انتشرت فيها الحضارة اليونانية وهما البلدان ظهر فيهما التصوف لأول مرة بمعناه الدقيق ... والرجل الذي اضطلع بأكبر قسط في تطور هذا النوع من التصوف هو ذو النون المصري الذي وصف بأنه حيك كيمائي أو بأنه بعبارة أخرى أحد أولئك الذين نهلوا من منهل الثقافة اليونانية فإذا أضفنا إلى هذا أن المعاني التي تكلم فيها ذو النون هي في جوهرها المعاني التي نجدها في كتابات يونانية مثل كتابات (ديونيسيون) وليس عندي من شك في أن المذهب الغنوصي بعدما أصابه من التغيير والتحوير على أيدي مفكري المسيحية واليهودية وبعد امتزاجه بالنظريات اليونانية كان من المصادر الهامة التي أخذ عنها رجال الصوفية والغنوصية مواضع اتفاق كثيرة هامة ولا شك عندي أيضا في أن دراسة هذه المسألة دراسة دقيقة وافية لما يأتي بأطيب الثمرات ولكني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية أحاطت بنشأة التصوف استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي ولزم أن نعتبره وليدا لاتحاد الفكر اليوناني والديانات الشرقية أو بمعنى أدق وليد اتحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والديانة المسيحية والمذهب الغنوصي (١). والخلاصة بعد أن أوردنا نصوصا عديدة عن الصوفية أنفسهم التي مدحوا فيها فلاسفة اليونان وأوردنا أقوال بعض الباحثين الذين كتبوا عن التصوف قديما وحديثا والذين أثبتوا كلهم تأثر الصوفية بالفكر الفلسفي اليوناني نقول إن تأثر الصوفية بالفكر اليوناني الوثني كان من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف الصوفية عن الطريق القويم في العقيدة والعبادة والسلوك وذلك لأنهم ابتغوا الهدى في غر الكتاب والسنة فوقعوا في متاهات وضلالات وخرافات وبدع عقدية وسلوكية وتعبدية المصدر: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس – ١/ ١٧٣

стр. 3503

المبحث الأول: التفسير الإشاري عرف التفسير الصوفي بالتفسير الإشاري، ويتمثل على زعمهم في أن يرى المفسر معنى آخر غير المعنى الظاهر، ربما تحتمله الآية الكريمة ولكنه لا يظهر للعامة من الناس، وإنما يظهر لخاصتهم ومن فتح الله قلبه وأنار بصيرته وسلكه ضمن عباده الصالحين، الذين منحهم الله الفهم والإدراك، وهذا النوع من العلم ليس من العلم الكسبى الذي ينال بالبحث والمذاكرة وإنما هو من العلم الوهبى الذي هو أثر التقى والاستقامة والصلاح، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢]. والتفسير الصوفي يعتمد أساسا على أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ويقصد بالظاهر الشريعة وبالباطن الحقيقة، وعلم الشريعة علم المجاهدة، وعلم الحقيقة علم الهداية، وعلم الشريعة علم الآداب وعلم الحقيقة علم الأحوال، وعلم الشريعة يعلمه علماء الشريعة وعلم الحقيقة يعلمه العلماء بالله، يقول السلمى في مقدمة تفسيره عن الباعث لإقدامه على كتابة تفسير القرآن: (لما رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا في أنواع فرائد القرآن، من قراءات وتفاسير ومشكلات وأحكام وإعراب ولغة ومجمل ومفصل وناسخ ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان أهل الحقيقة إلا آيات متفرقة، أحببت أن أجمع حروفا أستحسنها من ذلك وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك وأرتبه على السور حسب وسعى وطاقتى) (١) ويقول سهل بن عبد الله التسترى في تفسيره، وهو أول ما ظهر للصوفية من تفسير للقرآن: (ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم والحد حلالها وحرامها والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها من الله ، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه والمراد به خاص) (٢). وقد ظهر أيضا تفسير ثالث لعبد الكريم القشيرى سلك فيه مسلك الصوفية في إدراك الإشارات التي يراها الصوفي خلف آيات القرآن، وسماه لطائف الإشارات، قال عن الباعث لتأليفه: (وكتابنا هذا يأتى على طرف من إشارات القرآن على لسان أهل المعرفة إما من معاني قولهم أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه طريق الإقلال خشية الملال مستمدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين من الحول والمنة مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوثقين لأصوب القول والعمل) (٣). ولم يظهر في تاريخ التفسير الإشاري حتى القرن الخامس، أهم من حقائق التفسير للسلمى، ولطائف الإشارات للقشيري وإن كان القشيري قد استفاد من السلمى فائدة كبرى واقتبس منه كثيرا من آرائه (٤).

стр. 3504

وقد ظهر تفسير القرآن المنسوب لابن عربي، ولكنه في الحقيقة للكاشاني السمرقندي، ويعد هذا التفسير أهم تفسير إشارى بعد اللطائف، قال مؤلفه في مقدمته: (ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ومطلع، فالظهر هو التفسير، والبطن هو التأويل، والحد هو ما تتناهي إليه الفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام) (١). ويمكن القول باستقراء التفسيرات الصوفية السابقة أن السمة الغالبة في التفسير الإشاري لدى الصوفية تتمثل فيما يلى: (١ - أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وأن الظاهر للعوام والباطن لا يدركه إلا الخواص وإدراك الخواص مستمد من فيض إلهي ينير بصائرهم، ويكشف لهم على زعمهم عن معارف لدنية مباشرة. (٢ - أن العلم بالقرآن على هذا النحو يفترق عن العلوم القرآنية الأخرى في بدايته وفى طرائقه وفي غاياته، فضلا عن أنه يفترق عن سائر العلوم بضرورة العمل، فالعالم لابد أن يكون عاملا وعمله هو جهاده ورياضاته التي تؤدى إلى صقل إرادته وشحذ همته وتنقية مرآته الباطنية من كل شائبة، فالتفسير عموما ليس تفسيرا مباشرا، بل يسلك تزكية النفوس وتطهير القلوب والحث على التحلى بالأخلاق الفاضلة. (٣ - أن التفسير الإشاري وإن كان يعتمد على ما وراء العبارة الظاهرية إلا أنه لم تخل من بعض ما نقل من الآثار على النحو المذكور في التفسير بالمأثور أو التفسير بالرأي بالطريقة الاستنباطية، أو تفسيرات تعتمد على معاني الألفاظ والتفسيرات البلاغية. (٤ - تتعرض هذه التفسيرات لكثير من المعاني والمصطلحات الصوفية التي تكشف عن طريقتهم وتجربتهم، لا سيما أنهم يوجهون الآيات كشواهد لهذه الرموز والمصطلحات. (٥ - ومع ما فيها من معاني تقبل بصعوبة، أو يلتمس لها وجها تحمل عليه بمشقة، إلا أن هناك معان مشكلة تصل في بعض الأحيان إلى الكفر والزندقة. (٦ - لم تسلم هذه التفسيرات من الإسرائيليات، والاستشهاد بغير القرآن والسنة، ولم تتبع الدقة في تحري ثبوت الحديث، أو مراعاة التعليق على الأسانيد، وكذلك لم تخل من فكر باطني (٢) المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق ١/ ١١٦ - ١١٩

стр. 3505

المبحث الثاني: أدلة المجيزين للتفسير الإشاري استدل الصوفية بكثير من الآيات القرآنية العامة، التي تدعو إلى التدبر وفهم كتاب الله بالتأمل وحسن الاستماع، كقوله تعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:١ - ٣] وكقوله: فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:٧٨]، والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام وكقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا محمد:٢٤ [حيث دل على أن ظاهر المعنى شيء وهم عارفون به لأنهم عرب، والمراد هو شيء آخر وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، والتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن، فلم يحصل منهم تدبر، وكقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق:٣٧ [، وقال أبو سعيد الخراز: (أول الفهم لكتاب الله العمل به، لأن فيه العلم والفهم والاستنباط، وأول الفهم إلقاء السمع والمشاهدة لقوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق:٣٧ [(١).] ويواصل السراج الطوسي استدلاله على التفسير الإشاري فيقول: وقال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:١٨] فالقرآن كله حسن ومعنى اتباع الأحسن، ما يكشف للقلوب من العجائب عند الاستماع وإلقاء السمع من طريق الفهم والاستنباط) (٢). ومن السنة يستدلون بقوله: " لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع" (٣)، فلفظ الظاهر والباطن على زعمهم قرآنيان، ولا يمكن الاعتراض على الفكرة القائلة بأن في القرآن ناحية واضحة تدرك في ضوء الاشتقاق، وأن به ناحية أخرى ربما كانت أخفق وأعمق بالنسبة للأولى، لأن هذه الفكرة يمكن أن تطبق في الواقع على أي نص فكل نص له ناحية قريبة مباشرة تدرك بلا عناء، وناحية أخرى تحتاج إلى عمل وجهد في استيعابها وفهمها، كما لا يمكننا أن ننكر أن الحقيقة الإنسانية الثابتة تشير إلى عدم تساوي الناس في الفهم والإدراك، وقد ظهرت تلك الحقيقة في حياة الرسول وصحابته ﵃ الذين تفاوتت أقدارهم في سرعة ومدى فهمهم للقرآن، وهذا يفسر ما أثر عنهم من تفسيرات مختلفة (٤).

стр. 3506

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:٢ - ١] حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله له: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:١] فتح مكة، فذاك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:٤ - ٣] قال عمر ﵁: ما أعلم منها إلا ما تعلم " (١). والشاهد هنا أن ابن عباس ﵁ فهم من خطاب الله معنى خفيا وراء ظاهر الألفاظ لم يدركه عامة الصحابة في مجلسهم، وهذا يشبه عمل الصوفية في التفسير الإشاري. ومثله أيضا ما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله جلس على المنبر فقال: " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به. وقال رسول الله ﷺ : ((إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) (٢). فأبو بكر الصديق فهم بطريق الإشارة ما لم يفهمه عامة الصحابة وأسعد بذلك رسول الله وكان الأمر كما قال. وعن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتوَلاهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: يَا أهل الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:١٦١] فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ (٣). فالغلول، وهو إخفاء الغنائم طمعا قبل تقسيمها فعل المجرمين، وظاهر الآية ورد في عقابهم وفضحهم يوم القيامة، وقد استخدمها ابن مسعود ﵁ بطريق الإشارة فيمن غل القرآن وأخفاه، ويرد عليهم بأن الصحابة انكروا عليه ذلك فقَالَ الزُّهْرِيُّ: (فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق ١/ ١٢٠ - ١٢٣

стр. 3507

المبحث الثالث: آراء العلماء في التفسير الإشاري اختلف العلماء في التفسير الإشاري، وتباينت فيه أراؤهم فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، ومنهم من عده من كمال الإيمان ومحض العرفان، ومنهم من اعتبره زيغا وضلالا وانحرافا عن دين الله ﵎. والواقع أن الموضوع دقيق يحتاج إلى بصيرة وروية ونظرة إلى أعماق الحقيقة ليظهر ما إذا كان الغرض من هذا النوع من التفسير هو اتباع الهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية والشيعة، فيكون ذلك من قبيل الزندقة والإلحاد، أو الغرض منه الإشارة إلى أن كلام الله تعالى يعز أن يحيط به بشر إحاطة تامة، وأن كلامه تعالى وضعت فيه مفاهيم وأسرار ودقائق وعجائب لا تنقضى على مدار الأزمان، ويتوالى إعجازه مرة بعد أخرى، فيكون ذلك من محض العرفان وكمال الإيمان، كما نسب السيوطي إلى ابن عباس رضى الله عنهما: " إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء " (١). ويمكن أن نعرض أهم آراء العلماء التي نسترشد بها في تحديد شروط قبول التفسير الإشاري فمن ذلك: (١ - رأى ابن الصلاح: ينقل ابن الصلاح عن الإمام أبي الحسن الواحدى المفسر أنه قال: (صنف أبو عبد الرحمن السلمى حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن هذا تفسير فقد كفر) ثم يعقب على ذلك بقوله: (وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيء من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير ومن ذلك، قتال النفس في الآية المذكورة في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ [التوبة:١٢٣] فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الإلهام والإلباس). (٢ - رأى الشاطبى: يقسم الشاطبى الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الطاهرة وأصحاب البصائر إذا صحت على كمال شروطها على ضربين: ١ - ما يكون أصل انفجاره من القرآن ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق من البصيرة في حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح حسبما بينه أهل التحقيق بالسلوك.

стр. 3508

٢ - ما يكون انفجاره من الموجودات كليا أو جزئيا ويتبعه الاعتبار في القرآن. فإن كان الأول فهذا الاعتبار صحيح وهو معتمد على فهم باطن القرآن من غير إشكال، وإن كان الثاني فالتوقف على اعتباره في فهم باطن القرآن لازم وأخذه على إطلاقه ممتنع لأنه بخلاف الأول (١). (٣ - رأى تاج الدين بن عطاء الله: ويعتبر ابن عطاء الله تفسير الصوفية لكلام الله ورسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان، وثمة أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث لكل آية ظهر وبطن، فلا يصدنك عن تلقى هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام الله ورسوله، فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك بل يقرون بالظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله ما أفهمهم (٢). (٤ - رأى حاجى خليفة: يرى حاجى خليفة أن التصوف علم كيفية رقي أهل الكمال من النوع الانساني في مدارج سعادتهم، والأمور العارضة لهم في درجاتهم، بقدر الطاقة البشرية، وأما التعبير عن هذه الدرجات والمقامات كما هو حقه، فغير ممكن لأن العبارات إنما وضعت للمعاني التي وصل إليها فهم أهل اللغات، وأما المعاني التي لا يصل إليها إلا غائب عن ذاته فضلا عن قوى بدنه، فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ، فضلا عن أن يعبر عنه بألفاظ، فكما أن المعقولات لا تدرك بالأوهام والموهومات، لا تدرك بالخياليات، والتخيلات لا تدرك بالحواس، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين لا يمكن أن يدرك بعلم اليقين، فالواجب على من يرد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه، بالعين دون أن يطلبه بالبيان ؤ العقل (٣). (٥ - رأى سعد الدين التفتازانى: في شرحه للعقائد النسفية وتحت قول النسفى: (النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان يدعها أهل الباطن إلحاد) علق سعد الدين التفتازانى بقوله: (سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم في ذلك نفى الشريعة بالكلية، وأما ما يذهب إليه بعض المحققين بأن النصوص على ظاهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تكشف عن أرباب السلوك، يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهي من كمال الإيمان ومحض العرفان) (٤).

стр. 3509

(٦ - رأى محى الدين ابن عربي: يقول: (وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيلا للفهم على قلوب بعض المؤمنين، والأنبياء ما قالت على الله مالم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا أفكارها، ولا تعملت فيها، بل جاءت من عند الله، قال تعالى: تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢] وقال فيه: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:٤٢]، وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله لا من فكر الإنسان ورؤيته، وعلماء الرسوم يعلمون ذلك، فينبغى أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه، وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل العلم كما كان الأصل) (١). (٧ - رأي أبي حامد الغزالي: يقول الغزالي: (لا تظنن في ضرب الأمثال، فرصة منى في رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:١٢] حاشا لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بعين عوراء إلى أحد العالمين، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما، فلم يفقهوا وجهه، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية، فالذى يجرد الظاهر حشوى، والذى يجرد الباطن باطنى، والذى يجمع بينهما كامل، بل أقول: موسى فهم من خلع النعلين اطرح الكونين، فامتثل الأمر ظاهرا بخلع النعلين وباطنا بخلع الكونين) (٢). (٨ - رأي الأستاذ محمد عبد العظيم الرزقانى: يرى الزرقانى أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة بل والإسلام كله ما هو إلا سوانح وواردات على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة، ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية، كتاب الله وسنة رسوله والأدهي من ذلك أنهم يتخيلون ويخيلون للناس أنهم هم أهل الحقيقة، الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله اتصالا أسقط عنهم التكليف، وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب ما دموا في زعمهم مع رب الأرباب، وهذا لعمر الله هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية، كيما يهدموا التشريع من أصوله ويأتوا بنيانه من قواعده، فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك، ونشير عليهم أن ينفضوا من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية، لإنها كلها أذواق ومواجيد خارجة عن حدود الضبط والتقييد، وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل فالأحرى بالفطن العاقل أن ينأى بنفسه عن هذه المزالق وأن يفر بدينه من هذه الشبهات، وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات) (٣).

стр. 3510

(٩ - رأي الأستاذ محمد حسين الذهبي: يقرر الذهبي أن الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن، ظهر يفهمه كل من يعرف اللسان العربي، وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر، غير أن المعاني الباطنية للقرآن، لا تقف عند الحد الذي تصل إليه مداركنا القاصرة بل هي أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور (١). يقول: (أما المعنى الباطن فلا يقف على جريانه على اللسان وحده بل لا بد فيه مع ذلك إلى نور يقذفه الله تعالى في قلب الإنسان، يصير به نافذ البصيرة سليم التفكير، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمرا خارجا عن مدلول اللفظ القرآنى) (٢) ويقول أيضا: (أما الصوفية أهل الحقيقة وأصحاب الإشارة فقد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه كما اعترفوا بباطنه ولكنهم حين فسروا المعاني الباطنية خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فبينما تجد لهم أفهاما مقبولة تجد لهم بجوارها أفهاما لا يمكن أن يقبلها العقل أو يرضى بها الشرع) (٣). والخلاصة في رأي الذهبي أن مثل هذه التفاسير الغريبة للقرآن مزلة قدم لمن يعرف مقاصد القوم، وليتهم احتفظوا بها عند أنفسهم ولم يذيعوها على الناس فيوقعهم في حيرة واختلاف، منهم من يأخذها على ظاهرها ويعتقد أن ذلك هو مراد الله من كلامه، وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافها ربما كذب بها أو أشكل عليه ومنهم من يكذبها على الإطلاق ويرى أنها تقول على الله وبهتان، إذن ليتهم ما فعلوا ذلك، إذن لأراحونا من هذه الحيرة وأراحوا أنفسهم من كلام الناس فيهم وقذف البعض لهم بالكفر والإلحاد في آيات الله (٤). (١٠ - رأي الدكتور محمد كمال جعفر: ويرى الدكتور جعفر أنه يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أنه من الطبيعي أن لا يقف الصوفي عند المعاني التقليدية في أي من القرآن أو السنة قولا وعملا، لأنه ليس كالفقيه أو العالم الذي يعتمد على النظر العقلى فحسب، لأن ذلك لا يشبع رغبته ولا يمد روحه بالزاد الضرورى، بل إنه يتعمق إلى معان وراء المعنى الظاهر المباشر، وإن لم يكن من الضرورى أن تكون هذه المعاني العميقة متناقضة مع تلك المعاني الظاهرية، ويشير الدكتور جعفر إلى نقطة هامة، وهي أن القرآن بالنسبة للصوفى يحمل حقيقتين متساويتين في الأهمية، فهو من جهة وحى تاريخى اتخذ وضعه في الزمان والمكان المحددين، وهو من جهة أخرى النبع الفياض الذي لا تنفد حقائقه الإلهية الصادرة عن الله ﷻ ، وهو لا متناه لأنه كلام الموجود الذي لا يتناهي، والمعاني الباطنية لكلماته غير متناهية كذلك أيضا (٥). كما أن الصوفي المتأمل قد يصل إلى مرحلة يدرك فيها أعمق المعاني الروحية في القرآن، وهذه الفكرة في حد ذاتها بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى قد تثير صعوبات، بحيث أنها تؤدى إلى أن يكون تفسير القرآن مختلفا باختلاف الذوات المشتركة فيها أي أن يكون الموقف موقفا ذاتيا مما ينتج بدوره تفسيرات متعارضة ويؤدى إلى اضطرار كبير، ولكن الحقيقة أن الصوفية فعلا يرون أن تعدد التفسيرات أمر حتمى، لأن معاني القرآن لا نهائية وتتكشف لكل صوفى حسب طاقته الروحية وحسب فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك أي ضير ما دام هذا متصلا بالمعاني الكمالية التي لا تتجاوز حدود المعاني المباشرة المتفق عليها (٦). المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق ١/ ١٢٤ - ١٣٢

стр. 3511

المبحث الرابع: آراء المستشرقين في التفسير الصوفي وقبل النظر والتعقيب على الآراء السابقة في التفسير الإشار لنستخلص منها ما يمكن أن نصل إليه في تقرير شروط التفسير الإشاري، تجدر الإشارة إلى رأي بعض المستشرقين الغربيين من قبيل المقارنة المؤثرة في توجيه الآراء إلى الأفضل. فنرى المستشرق نكلسون أستاذ مدرسة كمبردج الاستشراقية يصرح بأن التفسير الصوفي يشابه التفسير الشيعي وكلاهما عنده من التأويلات المغرضة التي تتلاعب بالنصوص، فيقول: (استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة، أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلا يلائم أغراضهم على أن كل آية بل كل كلمة من القرآن تخفى وراءها معنى باطنيا لا يكشفه الله إلا لخاصة العباد، الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم وفى أوقات وجدهم، واعتبروا أنفسهم خاصة أهل الله الذين منحهم الله أسرار علم الباطن المودعة في القرآن والحديث، وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز والإشارة، التي لا يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين) (١)، وربما كان هذا الموقف للمستشرق نيكلسون بسبب ما أشارت إليه الباحثة ﷺ أن المستشرقين في القرن التاسع عشر قد عرفوا المصادر الصوفية المتأخرة والتي لا تصور التصوف في مراحله الأولى. فحكم نيكلسون على جميع الصوفية في تفسيرهم للقرآن بما رآه من الغلو في التفسير الإشاري عند المتأخرين، ولذا أدرك نيكلسون بعد ذلك استحالة وضع حكم منصف للتصوف قبل أن تعد مصادره الأولى إعدادا علميا دقيقا، وقد تولى هو زمام المبادرة في نشر المخطوطات وتحقيقها والتعليق عليها وترجمتها وتحليل مادتها (٢). ويرى المستشرق جولد تسهير أن العمل بما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁: (من أراد علم الأولين والآخرين فليتثور القرآن) لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر، فالأمور كلها داخلة في أفعال الله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفى القرآن إشارة إلى مجامعها، وفيه رموز ودلالات لكل ما أشكل من ذلك على النظار، ومهمة التفسير هي استخراج كل ذلك العلم من الكتاب والتعمق في تفصيله، ووراء هذه المعاني الظاهرة يحتجب المعنى الباطن وتسكن أسرار القرآن التي ينبغى البحث عنها بتغلغل ونفاذ أعمق من ذلك، ولن يترتب على ذلك القضاء على ظاهر التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه، وإذا كان التفسير الصوفي فيه تجاوز للتفسير المنقول المحدود في حرية لا توقفها قيود، ومع استخدام أمثلة بعيدة المدرك والمورد في الغالب في الكشف عن أفكار الورى إلا أن أثرت في التغلغل إلى ما وراء المسموع والمنقول من المعاني المقصودة في كلام الله والمكنونة في حجبها والتي لا يعقلها إلا العالمون (٣). ويرى المستشرق هنرى كوربان أن المستمع للكلام الإلهي يحق له أن يفهم منه كل شيء، وفى أي حقل من المعرفة وفى أي درجة من العمق والخفاء شرط ألا يتجاوز فهم السامع، ولا يتعدى التفسير من محتوى الكلام ودلالاته الوصفية حقيقة ومجازا وكناية حيث أن علم الله عين ذاته ولا حد له وسع كل شيء علما (٤). المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق ١/ ١٣٣ - ١٣٥

стр. 3512

المبحث الخامس: شروط قبول التفسير الصوفي يرى الدكتور محمد كمال جعفر أنه لا بد قبل تقرير شروط قبول التفسير الصوفي التنبه إلى أن التفسير الصوفي يرتبط بنوعية اعتقاد المفسر، ويمكن إجمال تفسيراتهم في نوعين: (١ - التفسير النظرى: وهو التفسير المبنى على نزعة فلسفية حيث تتوجه الآيات القرانية لديهم وفق نظرياتهم وتتفق مع تعاليمهم. (٢ - التفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ولا يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة. والفرق بين التفسير النظرى والتفسير الإشاري في أثرهما على تفسير القرآن أن التفسير النظرى يبنى على مقدمة علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولا ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك، أما التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدمات علمية بل يرتكز على مجاهدات رياضية، يأخذ الصوفي نفسه بها حتى يصل إلى درجة إيمانية تنكشف له فيها من سبل العبارات هذه الإشارات، وتتوالى على قلبه تحليل الآيات من المعاني الربانية. كما أن التفسير الصوفي النظرى يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من معاني وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل عليه إلا هذا، على حسب طاقته أما التفسير الإشاري فلا يرى الصوفي أن كل ما يراد من الآية بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويراد منها أولا وقبل كل شيء ذلك المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره. ويرى الدكتور جعفر في شرطه لقبول التفسير الصوفي أن تأويل الصوفية للقرآن أو الفهم الخاص له إذا خلا من أي هدف سياسي أو اجتماعى، سواء كان لرد اعتبار أو كوثيقة أمن أو بسط سلطان أو كسب ثروة أو احتفاظ بمراكز نفوذ تتعلق بأشخاص أو بجماعات، إذا لم يكن له مثل هذا الهدف وإذا كان لا يعارض نصا قرآنيا آخر، ولا يعارض الاستعمال العربي، ولا يؤدى إلى تحريف أو انحراف، وإذا كان وجوده يضيف ثروة روحية أو عقلية، وإذا كان لا يدعى من السلطة ما يجعله أمرا ملزما، بفرض واحديته في الأحقية، إذ كان كذلك فهو تأويل مقبول، ليست له غاية إلا تعميق الفهم عن الله الذي ما زال كتابه منبعا لا يغيض ومعينا لا ينضب للحقائق والأسرار (١). ومن ثم وبناء على ما سبق من الآراء يمكن تقرير الشروط التي يقبل بها التفسير الصوفي في العناصر الآتية: ١ - ألا يكون التفسير الصوفي منافيا للظاهر من النظم القرآنى الكريم. ٢ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده. ٣ - ألا يكون له معارض شرعي أو عقلى. ٤ - ألا يدعى أن التفسير الصوفي هو المراد وحده من الظاهر. ٥ - ألا يكون التأويل بعيدا لا يحتمله اللفظ فيه تلبيس على أفهام الناس. فإذا توفرت هذه الشروط، وليس للتفسير ما ينافيه أو يعارضه من الأدلة الشرعية، جاز الأخذ به أو تركه، لأنه من قبيل الوجدانيات، والوجدانيات لا تقوم على دليل نظرى، وإنما هو أمر يبعث على تنمية المشاعر وتحصيل مكارم الأخلاق، فيجده الصوفي من نفسه ويسره بينه وبين ربه، فله أن يأخذ به أو يعمل بمقتضاه دون أن يلزم به أحدا من الناس، والأحرى ألا يسمى هذا اللون من الفهم تفسيرا وإنما يسمى ذكر النظير بالنظير الذي يعتبر صحيحا (٢). المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق١/ ١٣٦ - ١٣٨

стр. 3513

المبحث السادس: أمثلة على التفسير الإشاري يترك تقديرها للقارئ ما ذكره سهل بن عبد الله التسترى في قوله تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) سورة الشعراء وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء٨٠ - ٨١] قال: (يعنى إذ تحركت بغيره لغيره عصمنى، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عنى، وقوله والذى يميتنى ثم يحين أي الذي يميتنى بالغفلة ثم يحينى بالذكر) وفي قوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل:٥٢] قال: (الإشارة في البيوت إلى القلب فمنها ما هو عامر بالذكر، ومنها ما هو خرب بالغفلة ومن ألهمه الله بالذكر فقد خلصه من الظلم) (١). وقال في قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:٩] .. ظاهرهما ما عليه من أهل التفسير، وباطنها هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على القلب والعقل والروح، فليتقاتل العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا (٢). وأورد أبو نصر السراج الطوسي بعض الأمثلة التي ذكرها الصوفية من طريق الإشارة والاستنباط والفهم الصحيح، وبين أنهم لم يقدموا فيها ما أخر الله تعالى ولا أخروا ما قدم الله، ولا نازعوا الربوبية ولا خرجوا عن العبودية ولا يكون فيه تحريف الكلم، منها قوله تعالى: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سئل عنه أبو بكر الكتانى فقال: القلب السليم على ثلاثة أوجه من طريق الفهم: أحدها: هو الذي يلقى الله تعالى وليس في قلبه مع الله شريك. والثاني: هو الذي يلقى الله تعالى وليس في قلبه شغل مع الله ولا يريد غير الله تعالى. والثالث: الذي يلقى الله ولا يقوم به غير الله ، فنى عن الأشياء بالله، ثم فنى عن الله بالله (٣). ويعقب السراج الطوسي بقوله: (معنى قوله: فنى عن الله بالله، يعنى يذهب عن رؤية طاعة الله ورؤية ذكر الله ورؤية محبة الله، بذكر الله له ومحبته قبل الخلق، لأن الخلق بذكره لهم ذكروه، وبمحبته لهم احبوه، وبقديم عنايته بهم أطاعوه (٤). ومثل ما أشار الجنيد بن محمد سيد الصوفية في عصره بقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النملك٨٨]، إلى سكونه وقلة اضطراب جوارحه عند السماع، وكذلك ما كان يشير به أبو علي الروذبارى إذا رأي أصحابه مجتمعين فيقرأ: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ [الشورى:٢٩] (٥). وقال أبو القاسم القشيرى في قول الله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [الإسراء:٣٣]، لا يجوز قتل نفس الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نفسه أيضا بغير الحق، وكما أن قتل النفس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات محرم، فكذلك القصد إلى هلاك المرأ محرم، ومن انهمك في مخالفة ربه فقد سعى في هلاك نفسه، وقوله: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء:٣٣] أى تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه، وعلى معنى الإشارة إن النصرة من قبل الله ومنصور الحق لا تنكسر سنانه ولا تطيش سهامه (٦). المصدر: المعجم الصوفي لمحمود عبد الرازق١/ ١٣٨ - ١٤٠

стр. 3514

الفصل الخامس والثلاثون: علاقة التصوف بالثورات السياسية على الحكام وبالتكفير والانقلابات لقد استقر في صفحات التاريخ مفاسد الإنحراف عن جادة السنة وفهم الأئمة الاعلام في منازعة حكام المسلمين في سلطانهم، وزعزعة الأمن في بلدانهم وأوطانهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته " (١). وقد ظلت الصوفية تُبدي من نفسها السلام، متظاهرة بالخنوع والخضوع والاستسلام، حتى إذا حانت الفرصة، أرسلت سهامها من طرف خفي، فجاءت هذه المقالة لتوضح وبشكل مبسط ما هو خاف على كثير من العقلاء، أخذت عامة مادتها من كتاب: (الوجه الآخر للصوفية)،وسميتها باسم أصلها، ومع أن هذا الملخص لا يغني عن مصادره، لكن فيه مهم الإفادة، وهذا أوان الشروع في المقصود: المجال الموضوع والتحليل الوقائع والنقول (١) سياسي عقدي (م):تعريض الصوفية بحكام المسلمين، والإدعاء بأن نصرة الإسلام في يد السادة العلويين. قال المشهورالعدني: "ولأن مركز القرار في الإسلام لا يمتلكه سلطان مسلم ... والمخرج السليم من هذه الفتنة وحرجها هو موقف آل البيت النبوي إذا عرفوا موقعهم الطبيعي من الدعوة الإسلامية " (٢). (٢) سياسي عقدي (م): تشكيك الصوفية في شرعية حكام المسلمين، وادعاء بعضهم بأنهم الملوك على الحقيقة، وغيرهم ليس لهم من الملك إلا رسمه وعقابه. (تحليل): وهذا مبني على اعتقادهم في الأقطاب والأولياء المتصرفين في الكون، وأنه لا يكون شيء إلا بأمرهم، من هنا يعلم أن غلوهم في المقبورين له أهدافه السياسية الخطرة. كثيرا ما يتمثل الصوفية بقول قائلهم: ملوك على التحقيق ليس لغيرهم من الملك إلا رسمه وعقابه (٣). قال الدباغ عن قدرة الأقطاب (علية الأولياء): " فهم الذين يتصرفون فيه وفي أهله، وفي خواطرهم وما تهمس به ضمائرهم، فلا يهمس في خاطر واحد منهم بشيء إلا بإذن أهل التصرف " (٤). فإذا كان الولي يقول للشيء كن فيكون، ويخلق الطفل في بطن أمه من غير أب (كما سمعناه جميعا بصوت علي الجفري)، فلا شك أن الصوفي يقدم طاعة الشيخ على ولاة الأمر عند التعارض (٥). (٣) سياسي عقدي (م): تحول الصوفية عند القدرة من الانقياد الطوعي إلى الانقلاب العسكري. (تحليل): ولهذا السلوك اتصال مباشر بخلق التقية وبدعة علم الباطن الصوفية كما يأتي، ولذا قال أبو قلابة: "ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف". ومن الأدلة الواقعية ما يلي: محاولة محمد بن عقيل بن يحيى العلوي للترشح لإمارة حضرموت ومحاولة طاهر بن حسين بن طاهر العلوي (الملقب بناصر الدين) بعد مبايعة العلويين له في اقتحام تريم وجعلها عاصمة الدولة الهاشمية عام ١٢٢٠هـ، وإقامة دولة ابن مقيص في بيت جبير عام ١٢٤٣هـ، وترشيح أحمد بن علي الجنيد إماما لحضرموت عام ١٨٣٧م، ومحاولات أخرى خارجية كجزر القمر. (٤) سياسي عقدي (م) الصوفية تنقض مبايعة الحكام بمبايعة مشائخ الطرق الصوفية، وتعتبرها أعظم من مبايعة الحاكم وألزم؛ لأنها كمبايعة الرسول ﷺ .

стр. 3515

قال الشيخ الفوتي الصوفي: "الفصل الثامن عشر في إعلامهم أن الشيخ –وهو الولي الكامل- في قومه كالنبي في أمته، وأن مبايعته كمبايعة النبي – ﷺ " (١). (٥) سياسي عقدي (م) عامة الصوفية لا ترى لحكام المسلمين بيعة شرعية ملزمة، وإنما هي للخليفة الواحد، فلا يجوز عندهم أن تكون الإمامة في أكثر من شخص في الدنيا، وحكوا عليه الإجماع ولم يشذ منهم إلا النفر القليل، ونقض هذا الإجماع ابن تيمية ﵀. قال ابن حزم: " اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم ولا يجوز إلا إمام واحد " (٢)، وفي المقابل يقول ابن تيمية: "وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلا منهما ينفذ حكمه في أهل ولايته كما ينفذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما ابتداءً فهذا لا يفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين" (٣). (٦) سياسي عقدي (م):أطماع الصوفية في إقامة الدولة العلوية الهاشمية. (تحليل): وذلك على مرحلتين: المرحلة الأولى: الانقلاب والسيطرة الفكرية، والمرحلة الثانية: الانقلاب والمقاومة المسلحة. كما حصل من جد سادة حضرموت أحمد بن عيسى المهاجر (وكان شيعيا إماميا)، عندما قدم من العراق وتحولت مواجهاته الكلامية إلى مواجهات دموية (٤)، قال كرامة مبارك بامؤمن: " وتبنى حركات المهاجر (أحمد بن عيسى جد الجفري والشاطري وابن حفيظ ونحوهم من صوفية حضرموت) في عدة مناطق من حضرموت ... إنها لم تكن عشوائية أو سياحية، بل هي مدروسة وهادفة لغاية في نفسه، اعتقد إنها لتلمس الطريق نحو إمامة علوية حضرمية " (٥). (٧) سياسي عقدي (م): الأصول العقدية عند الصوفية تدعم التطرف والتكفير. (تحليل): يدين عامة متصوفة هذا العصر بالأشعرية، وليس هو الأمر عند الأوائل، بل كثير من الأشعرية الأوائل يذمون المتصوفة كالشاطبي وأبو شامة وغيرهما (٦)، وللأشعرية أصول كثيرة تنعش وتقيض لظى التكفير (فمنها وجوب النظر، وأول واجب، وعدم تجزء الإيمان ... ) وغيرها، ومن تخبطات الأشاعرة قول الأستاذ أبو إسحاق (وهومن أئمة الأشاعرة): " أكفر من يكفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره وإلا فلا "،قال ابن تيمية: والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة (٧)، وقال: "ثم مع هذا الاضطراب الغالب عليهم يكفر بعضهم بعضا كما هو أصول الخوارج والروافض والمعتزلة وكثير من الأشعرية " (٨).

стр. 3516

قال العلامة المقبلي: " ومن مفاسد الخلاف استحلال الأعراض وهو واضح فانظر ما في هذه المصنفات من العياط والهتور والتكفير بلا دليل حتى أن الأشاعرة أصلوا أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة وإنما الكفر البواح ولا كفر بالتأويل ثم تجد في تضاعيف كتبهم المناقضة، وكذلك الماتريدية في كلام إمامهم الأعظم أن لا يكفر أحد من أهل القبلة ولم أر التكفير أسهل على أحد ولا أكثر منه في متأخري الحنفية كأنهم يكفرون بكل إلزام ولو في غاية الغموض " (١)، والأشاعرة مرجئة في باب الإيمان، وقد قال عنهم الصابوني نقلا عن عبدالله بن طاهر:"إنهم لا يرون للسلطان طاعة" (٢)، وقال سفيان الثوري:" كيف أكون مرجئا فأنا لا أرى السيف" (٣)، وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية وتسامح بعضهم فأجاز ذلك دون العكس وعلل ذلك بقوله: تنزيلا لها منزلة أهل الكتاب وأعرف شخصا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبى قائلا:. . . لولا أنك شافعي (٤). (٨) سياسي (م):التصفية الجسدية في الخط الصوفي. (تحليل): بل ولهم أمور كثيرة يخالفون فيها الشرع والعقل بدعوى العلم اللدني. حاول الصوفية اغتيال كل من الشيخ أحمد بن محمد السوركتي، بدس السم في طعامه (٥)، والعلامة السيد أبي بكر بن عبدالله الهنداوي (٦)، وغيرهما كثير. (٩) سياسي (م) الصوفية تثير الخلافات بين قبائل المنطقة للحصول على مآربها السياسية. كتحريشهم بين آل كثير ويافع وغيرهما، معتقدين أن دولتهم لا تقوم إلا بسقوط الطائفتين أو إحداهما (٧). (١٠) سياسي عقدي (م):الدعوة لاعتماد العمل بالمذهب الزيدي، وأنه لم ينفرد أحدٌ من علمائهم بشيء يخالف الإجماع. (تحليل):وما تقدم من المقاصد السياسية توضح هذه الدعوة، فالزيدية مذهب مبني على الخروج على الحكام، بل يشترط في الإمام عندهم الخروج على ولاة الجور، وفي هذه الدعوة إحياء لمذهب الخوارج ليس إلا، والعجب ممن قدم لكتاب غاية التبجيل لمؤلفه ممدوح سعيد وهم من سادة الصوفية: (علي عبدالرحمن الهاشمي، والمشهور العدني، وعمر بن حفيظ، وسالم الشاطري)، وقد طبع بمكتبة الفقيه الإماراتية لصاحب الإشراف فيها الحبيب علي الجفري، والغريب تزامن ظهور هذا الكتاب مع فتنة الحوثي، بل وقد ذكرت وسائل الإعلام أنهم وجدوا مذكرات لعلي الجفري عند الحوثي وقت قتله؟؟!! والعجب موصول في كون هؤلاء القوم من مقربي الأمراء، لكن كما قال ابن المقفع: أكثر الناس جرأة على الأسد أكثرهم رؤية له.

стр. 3517

قال عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف قوله:" وكل ما تجده في كتب الشافعية ولا سيما من منع تقليد السادة الزيدية مبني على عدم العلم بتدوين مذهبهم، وهوباطل والمبني عليه باطل، إذن الزيدية كغيره من المذاهب المدونة في جواز التقليد، فلا بعد في القبول بجواز تقليده حينئذ .. وما أذكر أن أحدا من مجتهديهم انفرد بقول خالف الإجماع " (١)، [ويوضح التحليل: ما قاله أبو الحسن الأشعري: " والزيدية بأجمعها ترى السيف والعرض على أئمة الجور، إزالة الظلم، وإقامة الحق، وهي بأجمعها لا ترى الصلاة خلف الفاجر، ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق " ((٢)، وقال زيد بن علي: " من شهر سيفه، ودعا إلى كتاب ربه، وسنة نبيه، وجرى على أحكامه، وعُرف بذلك، فذلك الغمام الذي لا يسعنا وإياكم جهالته، فأما عبدٌ جالس في بيته، مُرخٍ عليه ستره، مغلق عليه بابه، يجري عليه أحكام الظالمين، لا يأمر بمعروف، ولا ينهي عن منكر فأنى يكون ذلك إماماً مفروضة طاعته" (٣). بل أيد العدني محاولات الزيدية في الخروج ووسمها بأنها ضبط مسيرة العالم:" فقال: "لقد بذل العديد من آل البيت النبوي جهودهم عبر مسيرة التاريخ؛ لضبط مسيرة العالم تحت الراية الواحدة " (٤). (١١) سياسي عقدي (م):علاقة الإخوان المسلمون بالصوفية علاقة منشأ وفكر ومصدر. (تحليل):تأثر حسن البنا في تكوينه لحركة الإخوان المسلمين بالفكر الصوفي، فقد أنشأ البنا التنظيم المسلح الخاص الذي خرج عن السيطرة واغتاله وسبب الفتن والقلاقل بمصر والدول العربية، كما يلاحظ أن عامة قادة الإخوان المسلمين صوفية كسعيد حوى، وأبو غدة وغيرهما، ولذا ليس للصوفية ردود أو انتقادات معلنة على الإخوان البتة. قال البنا: "نظام الدعوة في مرحلة التكوين صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العلمية، وشعار هاتين الناحيتين دائما (أمر، وطاعة) (٥) من غير تردد، ولا شك، ولا حرج "، ويقول د. زكريا سليمان بيومي: " ولقد تأثر البنا في ذلك بما قرأه من كتب الطريقة الحصافية التي تنتقل في مراتبها من تابع إلى مبايع ... " (٦)،وهذا يصرح به صوفية حضرموت كغيرهم، وها هو علي الجفري يصرح في قناة الجزيرة أن حركة الإخوان المسلمين التي أنشأها حسن البنا صوفية (٧). (١٢) سياسي عقدي (م):التقية عند الصوفية ملاذ آمن للتستر في مرحلة الضعف. (تحليل): وهذا يفسر من وجه الاختلاف الراجع في نسبة الصوفية فقيل إلى: الصُفة، وقيل: الصفاء، وقيل الصوف، وقيل غير ذلك، والسؤال هنا لما هذا الاختلاف الكثير في مرجع اسم هذه الطائفة؟ في حين لا تجد هذا في غيرها من الطوائف؟! والجواب: أن أولئك لهم مذاهب صريحة ومناهج واضحة المعالم، وأما الصوفية فقد آثروا الهروب والتخفي وجعل أمورهم جلها باطنة مستترة (٨)، وهذا كذلك يوضح لك سبب التخبط الشديد والشطحات الكبيرة لزعماء التصوف.

стр. 3518

قال ممدوح سعيد (في تفضيل علي على الشيخين ﵃ أجمعين):" وهذا شأن كثيرين من أهل السنة (يعني الأشاعرة) لا سيما من سلك طريق التصوف عملا أو محبة، فجمع عظيم من هؤلاء يميلون بقلوبهم ومهجهم لأهل الكساء، وقد أخبرني جمع من أهل العلم بالحجاز، واليمن، والشام، ومصر، والمغرب، والعراق، والهند الكبير أن هذا مذهبهم ولكنهم يسكتون" (١)، ومما يوضح أن مذهب أهل التصوف قائم على التخفي والسرية، تقسيمهم للناس إلى عامة، وخاصة، وخاصة خاصة، ولكل منهم أحكامه زعموا، وكذا أن العلم علمان ظاهر ولدني باطن. (خاتمة): وهنا يأتي الفرق بين التكفيريين وجماعة الإخوان المسلمين الصوفية، فالأول يلتزم في العلن بأصوله والصوفية تحيد عنه بالتقية. (١٣) سياسي منهجي (م) الصوفية تتجسس لصالح المستعمر. (تحليل):ولذا لا يُستغرب ترحيب الغرب بالتصوف وتمكينه من المؤسسات الدينية، ويَستغل الصوفية هذا في اختراق الأنظمة الحكومية، وتشكيل التكتلات الموالية. "وتتألف هذه الفئة من بعض الشباب الذين تثقفوا في المدارس الفرنسية، وقضى الاستعمار على كل صلة لهم بالعروبة، يضاف إليهم بعض أصحاب الطرق الصوفية الذين أشاعوا الخرافات، والبدع، وبثوا روح الانهزامية، والسلبية في النضال، فاستعملهم الاستعمار كجواسيس، ثم فئة من الموظفين، والنواب، والعسكريين الذين شاركوا الإدارة الفرنسية في أعمالها" (٢). (١٤) سياسي منهجي (م) الصوفية تُبله الناس، وتستغل غفلتهم، وذلك بجعل العلم علمان: علم (ظاهر) وآخر (باطن)، وهو علم الحقيقة الذي لا يعلمه إلا أولياء الصوفية (تحليل): عندما يخالف الصوفي شيء من الشرع أو العقل أو كلامه نفسه عارضه بأنه يعمل بالعلم اللدني الباطني، ومن ههنا لا طاعة للوحي فضلا عن الحاكم في معصية الأولياء، وكيف يُعصى الولي وقد قال أبو العباس المرسي: " لو كُشف عن حقيقة الولي لعُبد " (٣)، ولذا تربي جماعة الإخوان منسوبيها على التصوف، وعليه يقول علي الجفري: لا يسأل العالم عن الدليل (٤)؟! قال البسطامي وغيره: "خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله "، وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان نحو مجلدين سماها حقائق التفسير. والذوق هو أهم مصدر عند الصوفية، لذا قالوا إخضاعا وإذلال لأتباعهم: " من اعترض، انطرد "!؟ (٥)، وقد سئل الجنيد: أيزني العارف؟ فقال: نعم وكان أمر الله قدرا مقدورا! حق لونه بباطل. قال العلامة مبارك الميلي المالكي: " بثهم الجمود في الناس وتلقيح غفلتهم، ثم حثهم على زيارتهم والرحلة إليهم لاستدرار أموالهم ولاستغلال جمودهم وغفلتهم، فمن أقوالهم الجارية: سلم تسلم، سلم للرجال في كل حال، اعتقد ولا تنتقد!! " (٦) وهذا محل إجماع الصوفية (٧) (١٥) عقدي منهجي (م): صوفية حضرموت تكفر مخالفيها. (تحليل): وهذا لاضطراب الصوفية في باب التكفير كما هو معلوم فإنهم يكفرون من كفرهم وهذا مخالف للنصوص، وزاد الجفري وأمثاله أنهم يكفرون مطلق مخالفيهم ولولا ضيق المقام لأتيت بالعجاب.

стр. 3519

فعلي الجفري يطعن في مخالفيه من المسلمين ويدعي عليهم زورا وبهتانا أنهم يبغضون النبي صلى لله عليه وسلم، وأنهم دسائس على الإسلام، وهذا زرع لبذرة الفتنة والتكفير في صفوف المسلمين (١)، وفي المقابل يَدْعون أنهم يحاربون الإرهاب، وأما أهل السنة فيقول تلميذ ابن تيمية مرعي الكرمي: " ومذهب أهل السنة والجماعة لا يجوز تكفير أحدمن أهل القبلة أعم من أن يكون سنيا أومعتزليا أو شيعيا .. " (٢). (١٦) أخلاقي عقدي (م): الشذوذ الجنسي كرامة عند الصوفية. (تحليل): وهذا من العلم اللدني الذي لا يفقهه إلا الصوفية. قال الشعراني في (أبي خودة):"وكان ﵁ إذا رأى امرأة، أو أمرد (صبيا) راوده عن نفسه، وحسس على مقعدته سواء كان أمير أو ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس" (٣). (١٧) أخلاقي (م): من كرامات الصوفية نشل أموال الناس. قال أبو الدباغ الصوفي: " إن الولي صاحب التصوف، يمد يده إلى جيب من شاء، فيأخذ منه ما شاء من الدراهم، وذو الجيب لا يشعر " (١٨) أخلاقي (م): من كرامات الصوفية تجردهم عن اللباس. قال الشعراني: "ومنهم الشيخ إبراهيم العريان، كان يطلع المنبر، ويخطبهم عريانا " (٤). (١٩) منهجي (م): استغلال التصوف في تخدير الشعوب واستعمار بلاد المسلمين ودعم الغرب لمشايخهم. كما حصل من التجانية بالجزائر إبان الاستعمار الفرنسي (٥)،وكما يقول الجفري: لا يسأل العالم عن الدليل (٦). (٢٠) سلوكي (م): استعمال السحر عند صوفية حضرموت. (التحليل): ويرمون باستخدامهم للسحر والحروف والطلاسم احتواء الناس وضمهم إلى صفوفهم، والتأثير على الحكام وأبنائهم، وقهر أعدائهم وإذلالهم (حسبوا) (٧)! كما هو حاصل عند صوفية اليمن، ومقرر في كتبهم (٨). فمن كتبهم التي يدرسونها شمس المعارف وغيرها، كما صرح به عبدالله بن محمد باكثير، وسالم بن شيخان، والعيدروس وغيرهم (٩). ويزعمون عندما تظهرعلى أيديهم شيء من الخوارق أنها كرامات تدل على صحة مذاهبهم، فأين هذه الكرامات في دفع المستعمر؟! ] وهذه النقول غيض من فيض، وفيه لباغي الهداية كفاية، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. المصدر: مقال بعنوان علاقة التصوف بالثورات السياسية على الحكام وبالتكفير والانقلابات لأبي عبدالرحمن التميمي

стр. 3520

الفصل السادس والثلاثون: الصوفية والسحر الصوفية هي السحر، والفرق بينهما هو في الادعاء وفي الغاية، فالساحر صادق يعترف أنه ساحر، ويقف عند خرق العادة، والصوفي مخدوع يظن خرق العادة الذي يحدث أمامه من الكرامات، كما أنه يتجاوزه، ويبقى مثابراً على الرياضة حتى يصل إلى الجذبة، ثم يبقى مثابراً حتى يشهد وحدة الوجود، وهذه أقوال من أئمتهم تثبت أن الصوفية هي السحر. يقول الغزالي (حجة الإسلام): أما السحر فهو عمل وكلام قد تداولوه بينهم في أوقات معلومة وطوالع معروفة وطلسمات مضروبة، فإذا أردت أن تولد طلسما يصلح لما تريد، فخذ من كل ثلاثة أحرف حرفاً، فإذا اجتمعت لك في التأليف ثلاثة أحرف من تسعة فهو طلسم يصلح لما تريد، فانظر في الإسطرلاب عند ساعة التأليف، فهو يصلح لما دلت عليه الدقيقة من الساعة، ومثال: أب ت ث فتأخذ الجيم، والثاء أليق عوضاً عن الجيم، ج ح خ خذ الصاد، ص ط ظ خذ العين، فيصير عقرباً (١)، لتدوير الحروف، فضع صورتها على خاتم والقمر في العقرب تكف خاصيتها عنك أذى النساء، ترمي الخاتم في الماء فينفع سقياه الملسوع. وتلقي به سوءاً بين من أردت، وترش من مائه على سطح المبغض أو طريقه أو داره فإنه يستضر من سنة ... (ذكر كلمات تفرق بها بين جماعة فاسدة تخافهم) تأخذ أفراداً من شعير حزام، وتقول عليه أربع مرات: (هاطاش ماطاش هطاشنة، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)، وترميه من حيث لا يشعرون، وتنظر ما يصنع الله ... وكثير مثل هذا، وقد حصرناها وشرحناها في كتاب (عين الحياة)، وهو صغير الحجم كثير الفوائد (٢) ... ومما يقول: واعلم أن هذه الصناعة (صناعة الإكسير) هي صناعة ربانية لا يقدر عليها إلا الأبدال والرجال والأبطال الذين كشف الله الرين عن عيون قلوبهم، وهذه لا تصح إلا للطائع ... ونحن نذكر خواصاً دالة مظهرة لبدائعها وصناعتها مذكورة في كتاب (عين الحياة) (٣) ... ومما يقول: من أراد أن لا تبصره ولا تراه العيون، فليزرع الخروع عند بدو زراعة القطن في رأس سنور أسود، فإذا طلع يخيط عليه كيساً، ويربيه حتى يجني القطن، ثم يقطف العنقود كما هو بكيسه، ويشقه حجرة، ويأخذ مرآة بيده، ثم يقطف منه حبة حبة ويضعها في فمه وينظر صورته في المرآة، فأي حبة لم يشاهد فيها نفسه عند نظر المرآة فليمسك عليها. ولهم الأبهر الضم، وهو نبت في الأرض على صورة ابن آدم، فهذا يصلح لمن علقه على نفسه، لو مر بحجر لتبعه الحجر. ولهم حشيشة تسمى بحشيشة الراسن، تبخر من أوراقها على اسم من تريد، فيأتيك وإن لم يرد، ولكن بشرط أن تقول هذه الكلمات على البخور، تقول: يا جامع يا جن اجمعوا وقدموا لاق لاق عاجلاً عاجلاً أشروثا أشروثا كبيبا الصبي، ائتنا كرهاً أو طوعاً، قالتا أتينا طائعين، وليكن في يوم الأحد أو الأربعاء (٤) ... ومما يقول:

стр. 3521

المقالة الثامنة عشرة في عزائم التسخير: تقف أول ساعة من يوم السبت مستقبل الغرب بثياب سوداء وزرق بأبخرة مذكورة مثل اللبان والحرمل وقشور الرمان والخردل البري، ثم تقول في وقت سعيد من تثليث أو تسديس مناطٍ إلى شرف، فتقول: أيها السلطان الأعظم، والملك العرمرم، مالك الفلك التابعة له النجوم، الخاسف المزلزل، زحل أنت أشرف الكواكب وسيدها وقائدها ومؤيدها، أسألك أن تعطيني وأن تمنحني ما يصلح منك لي (١) ...... فالذي يطلب من زحل، وهو كيوان، مثل المنافع الأرضية، وإظهار الكنوز وشق الأنهار والأشجار، وأما ما يخص الشمس فمثل الملك والملكة، والقمر لائق بالوزارات، والمريخ بالحروب والبأس، وعطارد للكتابة والنقش والحساب والهندسة والعلوم الدقائق والعزائم ومخاطبات الجن، كما سبق ذكره، وأما المشتري فهو للزهد والديانة وحل الطلسمات السماوية، ثم الجمعة للزهرة، قالوا: إنما أمر باجتماع الخلق عند نصف النهار في هيكل العبادات، لاجتماع خواص الأنفاس ليؤثر ذلك في حصول المطالب، لشرف نفسه الفياض منه على تابعيه من قولهم في لحظة واحدة (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) (٢). ويقول محيي الدين بن عربي (الشيخ الأكبر): ... وإن سألك عن الحرز، فاكتب له هذه الأسماء: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ( ... مجموعة –طلاسم- مخطوطة باليد ... ) ويضاف إليها آيات، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، ... ويضيف: وخوفي أخوف من خوف مساء أو صباح أصباؤت آل شداي على الأعلى عظيم الأمور إن الله هو التواب الرحيم لسالمين الصالحين اركض برجلك ... ( ... مجموعة –طلاسم- مخطوطة باليد ... ) ... وإن سألك عن زيادة البخور فاكتب له هذه الأسماء في قرطاس ... ثم تبخره ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث ترمي المجمرة وما فيها من الفحم وغيره في مفرق طريق له أربع طرائق، أو تكتب له ذلك أربعة أيام وترمي المجمرة كل يوم في مفرق آخر (٣) ... ويقول في نفس الكتاب: ... وإن سألك عن العزيمة فقل له: يحتاج إلى بيضة دجاجة حمراء، ويكتب عليها هذه العزيمة: (يا سما سلمعونة يا القب المدين مدين الاسمين، يا مالك الجن والشياطين يا حي يا قيوم احبس السارق ... أهيا شراهيا أدوناي أصباؤت آل شداي الساتر) ثم تدفنها في المطبخ (٤) ...... وإن سألك عن العزيمة. فاكتب له هذه العزيمة والأسماء في قرطاس، وعلقها في مهب الريح، فإنه يرجع ما سرقه بإذن الله تعالى، وهذا كتابه: (هطوس هطوس واله قادس ماس ريحان الأطبال آل شداي اسلام أم موسى أهيكلات داود وحرز عظيم فلعلعح العميلع سيرهوه عبوس عبوس كمال الما أجيبوا الله) (٥) ... الملحوظة: من اطلع على كتب السحر يعرف أن هذا هو السحر نفسه. وهذه رشفة أخرى من كتابات قطب آخر هو أحمد بن علي البوني، ولكن قبل إيراد بعض أقواله، قد يكون من المفيد أن نعرف مكانته عند القوم ودرجته في التصوف. يقول يوسف النبهاني، في ترجمته للمذكور: (أبو العباس أحمد بن علي البوني) من كبار المشايخ ذوي الأنوار والأسرار، وممن أخذ عنه المرسي، فمن كراماته أنه كان مجاب الدعوة ... توفي سنة (٦٢٢هـ)، قاله المناوي (٦). أظن أن القارئ عرف أن المرسي هو أبو العباس المرسي، قطب الغوث، تلميذ أبي الحسن الشاذلي، وهذه شذرة من كتاب البوني المشهور (شمس المعارف الكبرى):

стр. 3522

باب رياضة (قل أوحي) المشهورة: اعلم أيها الأخ إذا أردت ذلك، صم ثلاثة أيام أولها الثلاثاء ثم الأربعاء والخميس، وهو صيامك عن غير ذي روح، وأنت تبخر بحصا لبان وجاوي ليلاً ونهاراً، وأنت تقرأ السورة الشريفة في مدة ثلاثة أيام ألف مرة في تلك المدة المذكورة ... واجتهد أن يكون ختمك من قراءتها ليلة الجمعة الثلث الأوسط من الليل، فإنه يحضر لك خادمها، وهو رجل قصير طويل اليدين، فيجلس قدامك، ويقول لك: السلام عليك، فثبت جنانك، فإن عليه هيبة عظيمة ... والعزيمة والدعوة هي السورة الشريفة بتمامها وكذا البخور. واعلم أيها الواصل أنها من الأسرار المختصة وأنها من كتب الأنبياء والأولياء وأسرارهم، وهي هذه، تقول: بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن:١]، اللهم إني أسألك يا منزل الوحي من فوق سماوات إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن:٢٧] وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:٢٨]، اللهم إني أسألك بحق المساجد لله وبحق عبادك الصالحين ... يا خدام هذه الدعوة الروحانيين ... أقسمت عليكم بهذه الدعوة والأسماء والسورة بحق أرقوش، كلهوش، بططهوش، كمطهلوش، بهوش، قانوش، أقسمت عليك يا روقيائيل الملك الموكل بفلك الشمس (١) ... ونص آخر: (فصل): تكتب هذه الأسماء في وسادة للمتباغضين من الزوجين، وهي أسماء أم موسى، يوم الجمعة عند جلوس الإمام على المنبر، أو شرع في الأذان الأول، بالزعفران وماء الورد والطيب والقرنفل مفروكاً في ماء ورد، ثم اطو الكتاب وتصمغه بالغالية، وتجعل الكتابة في جوف الوسادة التي ينامان عليها، فإنهما يتحابان، وهذا ما تكتب: (طسوم، عيسوم، علوم، كلوم، حيوم، قيوم، ديوم، .. ) (٢). - أقول: إن هذا هو السحر نفسه، والذي لا يصدق يستطيع أن يلقي نظرة على كتب السحر. - وهذه أسانيد علوم البوني، يقول: ... (وأيضاً سندي بعلم الحروف) إلى الشيخ الإمام أبي الحسن البصري، وهو أخذ عن (٣) حبيب العجمي وهو أخذ عن الشيخ داوُد الجيلي وهو أخذ عن الشيخ معروف الكرخي، عن الشيخ سري الدين السقطي، عن شيخ الوقت والطريقة معدن السلوك والحقيقة الشيخ الجنيد البغدادي، عن الشيخ حماد الدينوري، عن الشيخ أحمد الأسود، عن الشيخ محمد الغزالي، عن الشيخ أبي النجيب السهروردي وهو لقن الشيخ العارف الفاضل أصيل الدين الشيرازي، وهو لقن الشيخ عبد الله الباياني، وهو لقن الشيخ قاسم السرجاني، وهو لقن الشيخ السيرجاني، وهو لقن الشيخ الإمام العارف الصمداني والهمام النوراني جلال الدين عبد الله البسطامي، وهو لقن شمس وصلتي وبدر قلبي طود الحقائق الشامخ وجبل المعارف الراسخ شمس العارفين وسر الله في الأرضين أبا عبد الله شمس الدين الأصفهاني. (وأيضاً سندي بعلم الأوفاق) ... وأخذ منه أيضاً عن الشيخ الإمام العلامة سراج الدين الحنفي، وهو أخذ عن الشيخ شهاب الدين القدسي، وهو أخذ عن الشيخ شمس الدين الفارسي، وهو أخذ عن الشيخ شهاب الدين الهمداني، وهو أخذ عن الشيخ قطب الدين الضيائي، وهو أخذ عن الشيخ محيي الدين بن عربي، وهو أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد بن التوريزي، وهو أخذ عن الشيخ أبي عبد الله القرشي، وهو أخذ عن الشيخ أبي مدين الأندلسي. (وأيضاً) أخذت هذه الرواية عن الشيخ محمد عز الدين بن جماعة الشافعي، وهو أخذ عن الشيخ محمد بن سيرير، وهو أخذ عن الشيخ شهاب الدين الهمداني، وهو أخذ عن قطب الدين أيضاً، وهو أخذ عن الشيخ محيي الدين بن عربي.

стр. 3523

(وأيضاً) سندي بعلم الحروف والوفق إلى الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه الثقة مساعد بن سادي بن مسعود بن عبد الله بن رحمة الهواري الحميري القرشي، وهو أخذ عن الشيخ شهاب الدين أحمد الشاذلي، وهو أخذ عن الشيخ تاج الدين عطاء المالكي الشاذلي، وهو أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري المرسي. و (أيضاً) سندي بعلم الحروف والوفق إلى الشيخ الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن ميمون القسطلاني، وهو أخذ عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد القرشي، عن الشيخ الإمام العلامة أستاذ العصر وأوحد الدهر أبي مدين شعيب بن حسن الأنصاري الأندلسي رأس السبعة الأبدال وواحد الأربعة الأوتاد (١) ... إلخ. الملحوظة: لو رجع القارئ الكريم إلى كتب السحر لوجد أن علم الحروف وعلم الأوفاق (أو الوفق) هما بابان من أبواب السحر. ولنلاحظ أن رجال الأسانيد من أقطاب الصوفية. ومن أقوال ابن سبعين في الرسالة النورية: ... ومن فضيلته (أي: الذكر) أنه ينفع في سبع خواص من السيمياء .. ومن أراد استعمال قوى الكواكب بحسب صناعة أهل العلم الرياضي لا بد له من الذكر، وذلك بعد الدستورية، أعني أن يكون الكوكب في بيته أو شرفه في الوتد وينظر الكوكب إليه من بيته أو شرفه من الوتد، كالزهرة في الميزان في الطالع، وزحل في الجدي أو في الميزان، والمريخ في الجدي، واعلم أن الكوكب إذا كان في الحيز أو البرج أو الدستورية كان أظهر فعلاً وأقوى تأثيراً، ثم يعمد إلى اتخاذ الصورة والاسم والبخور والأفعال، مثال ذلك برج الثور: تستعمل صورة إذا كان في الوجه الثاني ويريد الحكيم أن يخدم أمره، يتخذ صورة ثور مضروب الوسط ويناديه: (لهرلرل)، وينجر بذنب الفأرة، ويفعل الأمور المهلكة بإذن الله، ويقول في جميع خدمته: يا حمرلايل يا ديرلايل يا جبرلايل، ومفهوم ذلك: يا ملك القوى السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية والذرات العارفة لك والتي فوقها يا نور النور (٢) .. ويقول في فصل آخر: ... وهذه السيمياء تنقسم إلى خمسة أقسام: الكاذبة منها الذي يذكرها مسلمة المجريطي صاحب (رسائل إخوان الصفا) (٣)، والمشكوك منها الذي يزعم ابن مسرة أنه وصله، والصحيح منها الذي إذا وصف للفقيه سماه كرامة، وإذا ذكر للحكيم سماه تصريفاً، وإذا ذكر للمقرب المحقق سماه فتنة (٤) ... - أظن أن القارئ الكريم يعرف أن السيمياء هي السحر. ويقول عبد الوهاب الشعراني مدافعاً عن الصوفية: ... فإن قيل: إن هذه الكرامات تشبه السحر، فإن سماع الإنسان الهواتف في الهواء، وسماع النداء في بطنه، وطي الأرض له، وقلب الأعيان، ونحو ذلك غير معهود في الحس أنه صحيح، إنما يظهر ذلك من أهل السيمياء والنارنجات؟ فالجواب ما أجاب به المشايخ العارفون والعلماء المحققون في الفرق بين الكرامة والسحر، أن السحر يظهر على أيدي الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير شريعة، وأما الأولياء ﵃ فإنهم وصلوا إلى ذلك بكثرة اجتهادهم واتباعهم للسنة (٥) ... الملحوظة: إنه يجعل الصوفية متبعين للسنة بكثرة اجتهادهم، وهذا غير صحيح، إذ أنهم يصلون إلى خرق العادة بالرياضة الصوفية التي لا تمت إلى السنة ولا إلى الإسلام بأية صلة. كما أن الساحر أيضاً يصل إلى خرق العادة بنفس الأسلوب تماماً. والشيخ هنا يعترف أن خوارق المتصوفة وخوارق السحرة هي شيء واحد.

стр. 3524

ويقول أحمد بن محمد المالكي الصاوي في حاشيته على (شرح الخريدة البهية): ... سيدي محمد الخلوتي ... أخذ عن الشيخ دمرداش فأحبه وقربه وشغله بالطريق وأخلاه (أي: أدخله الخلوة) مراراً، وظهرت نجابته وجد واجتهد واشتهر وتلقى عنه علم الأوفاق والحرف والزايرجا والرمل، فأتقن ذلك (١) ... - أظن أن القارئ الكريم يعرف أن الأوفاق والحرف والزايرجا والرمل هي من أبواب السحر، ولعله يعرف أيضاً أن أحمد الصاوي كان شيخ الطريقة الخلوتية. ومن كتاب (النفحة العلية في أوراد الشاذلية): (فصل) في ذكر الدائرة والخاتم والحرز والسيف، وكلها أسماء بمسمى واحد، وفي كيفية وضعها وما فيها من الخواص قراءةً وحملاً، وضبط أسمائها المعجمة وغير ذلك. اعلم أن الرواية في هذه الدائرة من طريقين، أحدهما: عن سيدي الإمام أحمد أبي العباس المرسي، والثانية: عن سيدي الإمام شهاب الدين ولد الشيخ أبي الحسن الشاذلي ﵃. أما خواصها؛ فمنها ما رواه سيدي الإمام شهاب الدين عن والده قال: هذه الدائرة ورثتها عن آبائي وأجدادي الكرام، ويريد آباءه في الطريق، قال: وكان الشيخ يكتب هذه الدائرة بالسند، وقال: من كانت هذه الدائرة على رأسه لا يموت (أي: ما دامت على رأسه) (٢) .. وهذه هي الدائرة: طهورٌ، بَدْعقٌ (وفي رواية بالمثناة)، مَحْبَبَهٌ، صورهٌ (وفي رواية بالسين) سقغاطيس (وفي رواية: سبقاطيس)، سقاطيم (وفي رواية: سفاطيم)، أحونٌ، قافٌ، أَدُمَّ، حَمَّ، هاءٌ، أمينٌ أو (آمين) .... اعلم أن هذه الأسماء هي من أسماء الله تعالى، ليست بلسان من ألسنة عالم الملك ولا عالم الملكوت، ولا بلغةٍ من لغات العالمين، وإنما هي أسماء جبروتية يذكر الله تعالى بها في روضة من رياض جبروته ... فاعلم أن الله قد جمع في هذه الأسماء علوم الأولين والآخرين (٣) ... (ثم يرسم صورتها التي تكتب بها في الحرز، وهي مربع داخله ست دوائر مكتوب على دائرته الكبرى الطلسم نفسه، وعلى بقية الدوائر آيات قرآنية)، ثم يقول: هذه على وفق العبارة المتقدمة، ورأيتها بخط شيخنا حفظه الله تعالى، وقال في الحاشية من نسخته: وينبغي أن تكون الدائرة الكبرى ملاقيةً للخطوط الأربعة (أي: أضلاع المربع) لا خارجة عنها ولا داخلة. وقد وضع صورتها الشيخ اليافعي في كتاب (الدر النظيم في خواص القرآن العظيم) على كيفيتين رواهما من طريقتين، الأولى عن الشيخ أبي العباس المرسي .. والرواية الثانية عن سيدي الإمام تقي الدين عن أبيه سيدي الإمام شهاب الدين عن أبيه الشيخ أبي الحسن الشاذلي (٤) ... (يرسم الصورتين وهما مختلفتان عن الصورة الأولى) ... إلى أن يقول: وذكر أنها أيضاً تكتب في حريرة بيضاء بمسك وزعفران وماء ورد في رابع عشر من رمضان، وتلف في رق غزال. وهو سيف الشاذلية وفيه اسم الله الأعظم وسره الأفخم. فتدبره فهو الكبريت الأحمر وبعضه من الدرياق الأكبر (٥) ... - الدرياق معربة من كلمة (تارياك) التي تعني (الأفيون). وكل من اطلع على فنون السحر يعرف أن هذا الذي ذكروه (الدائرة والأسماء والحريرة ورق الغزال .. ) هو من أبواب السحر. ومما يورده أحمد أبو كف في (أعلام التصوف الإسلامي):يقول ابن عطاء الله السكندري عن علم أبي العباس (أي: المرسي): هو الجامع بين علم الأسماء والحروف والدوائر ... (٦) اهـ. وطبعاً، علم الأسماء والحروف والدوائر هو من أبواب السحر.

стр. 3525

- نكتفي بهذه النصوص، وهي كافية للدلالة على أن الصوفية هي السحر. ولا بأس من توضيح الطريقة التي يتبعها المريد ليكون من السحرة، وقبل ذلك نقول للقارئ: اتق الله واعلم (أنها فتنة فلا تكفر) ولا تسر في هذا الطريق تحت أي عذر، كان ما كان هذا العذر؛ لأنها طريق إلى الهاوية. وهذه هي الطريقة: وصحبة شيخ وهي أصل طريقهم فما نبتت أرض بغير فلاحة فالشيخ الساحر الكامل ضروري، فهو الذي يوجه مريده حسب خبراته وتجاربه السابقة. والطريقة هي نفس الطريق الإشراقية، خلوة وجوع وسهر وصمت وجلسة من جلسات اليوغا وتركيز الذهن على الأمر المراد تحقيقه مع تركيز البصر على شيء يختاره الشيخ. يبقى المريد مثابراً على هذه الرياضة مدة قد تقصر وقد تطول، حسب مهارة الشيخ واستعداد المريد، حتى يتحقق الأمر المراد تحقيقه، فيستريح المريد مدة يقررها الشيخ، وهي لا تزيد على أيام على كل حال، ثم يعيد الكرة حتى يتحقق نفس الأمر ثانية، ثم يعيد ... وهكذا حتى يصل إلى أن يتحقق هذا الأمر له بسهولة كبيرة، وهذه الرياضة صالحة لبعض الخوارق، وخاصة منها ما يتصل بالتأثير على نفوس الآخرين، أو بالاتصال عن بعد (التلباثي). أما الطريقة الجامعة فهي الخلوة والجوع والسهر وترديد عبارة معينة خاصة بخرق معين يعرفها الشيخ ويلقنها لمريده، وقد يضاف إليها البخور لتسريع الوصول، وهذه الطريقة يستعملها السحرة المسلمون. يثابر المريد على هذه الرياضة التي قد تقصر وقد تطول، حتى يحصل خرق العادة المطلوب، فيستريح أياماً، حسب توجيه الشيخ، ثم يعاود الكرة حتى يحصل الخرق من جديد، ثم يعاود، وهكذا حتى يصبح الحال عنده مقاماً، حيث يحصل الخرق أمامه بترديد العبارة المعينة (الطلسم) مرات قليلة، وعندئذ يكون قد أتقن عملية سحرية واحدة. ثم يلقنه الشيخ طلسماً آخر خاصاً بخرق عادة آخر، فيعود إلى الرياضة من جديد بهذا الطلسم الجديد كما فعل في رياضة الخرق الأول، حتى يصبح الخرق الثاني له مقاماً، فيكون قد أتقن عمليتين سحريتين، وهكذا .. ويتفاضل السحرة بينهم بعدد العمليات السحرية التي يتقنها كل واحد منهم، ومن يريد الوصول إلى الجذبة منهم ثابر على طلسم واحد لا يغيره ولا يستريح حتى يصل إليها. وقد يمكن الاستغناء عن الشيخ لأفراد نادرين عندهم استعداد نفسي، أو فيزيولوجي أو تشريحي خاص، كما يمكن الاستغناء عن الخلوة والجوع والسهر لأفراد مماثلين. أي: إن السحر هو نفس الصوفية بطريقته ونتائجه، والفرق بينهما هو في الادعاء والتوجه. ثم يأتي بعد ذلك دور الطلاسم والأقسام التي يسميها المتصوفة (الأوراد والأذكار) وهي وإن اختلفت ألفاظها لكن النتيجة واحدة، وكذلك بقية الأبواب. المصدر: الكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود عبد الرؤوف القاسم - ص ٨٥٩ - ٨٧٠

стр. 3526

تمهيد لإبليس شركان يصيد بهما بني آدم، فيخرجهم من الهدى إلى الضلال، ومن استقامة الفطرة إلى الانحراف والانحلال، واتباع الأهواء. الشرك الأول: الجنس وملحقاته: بهذا الشرك يستطيع إبليس أن يبعد ابن آدم عن نداء الفطرة، وعن السلوك المستقيم الموجه بالغرائز السليمة (المتوازنة فيما بينها حسب الفطرة التي فطرها الله عليها)، فتنحرف فيه غرائز، وتتضخم أخرى على حساب بقية الغرائز التي تضمر بسبب هذا التضخم. وأرسل الله سبحانه الرسل بالتعاليم الاعتقادية والفكرية والعملية التي تحفظ على الإنسان سيره المستقيم، وتعيد الغرائز إلى توازنها الفطري، وتحقق عبادة الله في الأرض. والإسلام هو الرسالة التي جاء بها كل الرسل: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران:١٩]. الشرك الثاني: الإشراق: قد يتغلب نداء الفطرة في الإنسان على نداء الهوى، فيسير في الطريق المستقيم ملتزماً التعاليم الإلهية، متخذاً منها المنطلقات التي توجه كل تصرفاته. وهذا يعني أنه أفلت من الشرك الأول، وأنه سار على الصراط المستقيم. لكنه سيجد أيضاً إبليس أمامه، ينتظره على هذا الطريق: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:١٦]، سيجده وقد نصب له الشرك الثاني (الإشراق). ويستغل إبليس الغرور والجهل في الإنسان ليوقعه في هذا الشرك باسم الإسلام وباسم الولاية وباسم مقام الإحسان، والقرب والمعرفة ... و ... إلخ. وللوصول إلى الإشراق يوجد طريقان: الطريق الأول: طريق شجرة الخلد وملك لا يبلى، وهي أنواع، فعند بعض الشعوب القديمة، وفي الهند خاصة، كانت شجرة الحشيش، وفي الشرق الأوسط، كانت شجرة الخشخاش (الأفيون)، وفي المكسيك كانت فطر المكسيك، وفي البيرو (أمريكا الجنوبية) كانت شجرة الكوكا، وفي ماليزيا كانت شجرة الكافا ... إلى غير ذلك مما لم أقف عليه. كانت شجرة الخلد هذه، وفي قمتها الحشيش والخشخاش، حكراً على الكهان، كما كانت تدخل قصور الملوك في أحيان كثيرة. وكانت سراً مقدساً يتعاطاها الكهان ضمن طقوس تعبدية سرية كي يقعوا في الجذبة، حيث تشرق عليهم الأنوار الهلوسية، ويتلقون العلوم اللدنية الهذيانية، وينطقون بما يتوهمون أنه الحكمة. وبهذه الإشراقات الباطلة، والحكمة المتوهمة، كانوا يخرجون من الإسلام، باباً بعد باب، وتدخل عليهم الوثنية من كل باب. والطريق الثاني: طريق الرياضة والمجاهدة الصوفية، فكثيراً ما كان يتعذر الحصول على المهلس الخارجى لسبب أو لآخر، حينئذ، كان إبليس يهيئ لأوليائه البديل الناجع، وباسم الإحسان، وباسم السير إلى الله والعروج إليه، وباسم المعرفة، كان يستجرهم إلى الرياضة الصوفية التي تهيئ لهم المهلس الداخلي (الإندورفين) ورفيقه الذي توقعهم دفقاته في الجذبة، حيث تشرق عليهم الأنوار الهلوسية، ويتلقون العلوم اللدنية الهذيانية، وينطقون بما يتوهمون أنه الحكمة. وطريق الرياضة هذه هي طريق خداعة، تخدع الإنسان أكثر من طريق شجر الهلوسة، لذلك كان اعتماد إبليس عليها أكثر من اعتماده على الشجر، وكان اسمها (الكهانة والمعرفة)، وعندما حاربها الإسلام، حولوا اسمها إلى (الصوفية)، وعندما كُفِّر من كهانها من كفر وقُتل من قتل، ظهرت الطريقة البرهانية الغزالية. والطريقة البرهانية الغزالية، والتي هي الإشراق الممزوج بالإسلام، هي أسلوب إبليسي استعمله إبليس، ويستعمله، للإبقاء على مسيرة الإشراق الذي فتن به بني آدم كما أخرج أبويهم من الجنة.

стр. 3527

فأصل الأديان كلها الإسلام: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:٢٤] وإِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران:١٩].، وعن طريق شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى [طه:١٢٠]، أو بديلها (الصوفية)، أخرج إبليس بني آدم من إسلامهم إلى مختلف الوثنيات التي عرفها التاريخ. لقد كان، وما زال، يوحي إلى أوليائه أن يتستروا بدين الله، ليهدمه بهم من الداخل، حيث يوهمهم أن هلوساتهم الجذبية هي إشراقات إلهية، وأنها نور اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ثم يوحي إليهم أن يضيفوا علومهم اللدنية الهلوسية إلى الدين الحق، حيث تتراكم البدع شيئا فشيئاً، ومع الزمن يختفي الدين الحق، وتسود البدع ويعتقد الناس أنها هي هو. ومع الزمن، وبإيحاءات الأبالسة وأهواء الكهان وولائجهم، تتشعب البدع وتأخذ طرقاً مختلفة بعيدة كلها عن الدين الحق. وكثيراً ما يكون للفئات المسيطرة دور في تشجيع مذهب بتشجيع دعاته ودعمهم ومحاولة منع المذاهب المنافسة من التحرك المكشوف، أما التحرك المستور فلا سلطان لهم عليه. وهكذا ظهرت كل وثنيات التاريخ، وهكذا وجدت الهندوسية والبوذية والطاوية والجينية، أما اليهودية والنصرانية فقد تدخلت فيها عوامل أخرى. وطبعاً لم ينج المسلمون من هذا الشرك الروحاني، حيث ظهرت (وتظهر) آثاره المدمرة في أشكال متعددة، لعل أبرزها ثلاثة: ١ - الاستسلام العجيب للتتار. ٢ - تمزيق الأمة الإسلامية إلى فرق مذهبية تحارب الإسلام باسم إسلام محرف ينتهجونه. ٣ - إفساد عام في العقائد والعبادات والأخلاق والسلوك وأساليب التفكير. وفيما يلي بيان لهذه الأشكال التدميرية نذكرها بإيجاز شديد لأن تفصيلها يستوعب مجلدات، مع التذكير أن الكشوف والمشاهدات الجذبية هي دائماً موجهة بالقناعات الفكرية المسبقة، أي: بالأماني والطموحات والمعلومات المختزنة والعواطف المهيمنة. المصدر: الكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود عبد الرؤوف القاسم - ص٧٧٣ - ٧٧٦

стр. 3528

المبحث الأول: الاستسلام العجيب للتتر في العقود الأخيرة من القرن السادس الهجري وما يليها، كانت الصوفية واسعة الانتشار جداً، وقد مر معنا في الفصول السابقة أمثلة كثيرة عن الحالة التي وصلت إليها الأمة، والتي ظهرت نبتتها الأولى في أزمنة سابقة، حتى استوت على أيدي دعاة للصوفية (مشايخ) يقدسهم حتى غير الصوفيين، جهلاً بالصوفية، ومن هؤلاء الدعاة: الغزالي (حجة الإسلام)، والجيلاني، والرفاعي، وعدي بن مسافر، والشاذلي، والدسوقي، والبدوي ... وغيرهم. بالإضافة إلى ما مر من الأمثلة في الفصول السابقة، نورد مثالاً (على الماشي) فيه كفاية لأخذ فكرة عن الواقع. يورد ابن العماد الحنبلي في (الشذرات) في حوادث سنة ٦٥٧ هـ: وفيها (أي: توفي في هذه السنة) الشيخ يوسف القميني الموله: قال الذهبي في (العبر): الذي تعتقده العامة أنه ولي الله، وحجتهم الكشف والكلام على الخواطر، وهذا شيء يقع من الكاهن والراهب والمجنون الذي له قرين من الجن، وقد كثر هذا في عصرنا والله المستعان، وكان يوسف يتنجس ببوله، ويمشي حافياً، ويأوي أقميم حمام نور الدين، ولا يصلي. وقال ابن شهبة في (تاريخ الإسلام): كان يأوي القمامين والمزابل، وغالب إقامته بإقميم حمام نور الدين بسوق القمح، وكان يلبس ثياباً طوالاً تكنس الأرض ولا يلتفت إلى أحد، والناس يعتقدون فيه الصلاح، ويحكى عنه عجائب وغرائب، ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون، ولم يتخلف عن جنازته إلا القليل. اهـ. - لا تعليق، لكن ملحوظة أنه لم يتخلف عن جنازته إلا القليل، وأن هذا حدث في دمشق، التي ما خلت منذ أسلمت من دعاة للإسلام الحق، لا يخافون في الله لومة لائم، فكيف تكون الحالة في غيرها. ثم ننتقل إلى القطاع الذي اجتاحه المغول: هذا القطاع هو العراق وفارس، وأبرز الطرق التي كانت منتشرة فيه أواخر القرن السادس الهجري هي: الجنبلانية، الملامتية، القشيرية، الصديقية، القادرية، الرفاعية، العدوية، الكبروية، وهناك غيرها طبعاً، مع العلم أن الرفاعية ثم القادرية كانت أبرزها على الإطلاق وأوسعها انتشاراً! وفي العقود الأولى من القرن السابع ظهرت: الجشتية، السهروردية، البابائية، البكطاشية، وبقيت الرفاعية ثم القادرية هما الأبرز والأوسع انتشاراً، وتليهما السهروردية والملامتية. من النتائج لهذا الانتشار الصوفي، النتيجة الظاهرة الصارخة، ألا وهي الاستسلام العجيب للغزو التتري الذي كان يبيد المدن والقرى ويقتل الملايين، بينما كان المسلمون يهرعون إلى المشايخ والقبور، ويلجئون إلى الأوراد والطلاسم لاستجلاب النصر، ويستسلمون للذبح استسلام النعاج!! لأخذ فكرة عن هذا الاستسلام العجيب نورد نبذاً من (الكامل في التاريخ) لابن الأثير، منها: ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام: لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ... هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا (١) ...

стр. 3529

- أقول: رحم الله ابن الأثير، فلقد رأى الخلق قبل أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا أبشع من تلك الحادثة بكثير بكثير بكثير؟ فالماركسية حتى الآن، وفي أقل من سبعين سنة، قتلت من المسلمين ما يزيد عن ١٠٠ مليون نسمة، واحتلت من أراضيهم ما يزيد عن ٢٣ مليون كيلومتر مربع (أرقام فلكية)، وهي تزحف وتزحف، وتقتل من المسلمين في أفغانستان والحبشة وغيرها ما يزيد معدله عن ١٢٠٠ قتيل يومياً عدا عن أضعافهم من المشردين وعدا عن المجازر الاستثنائية التي جرت وتجري في بلاد العرب وغيرها والتي يذهب ضحيتها عشرات الألوف ومئاتهم في أيام أو أسابيع. والفرق بين حالة المسلمين في ذلك الوقت وبين حالتهم الآن، أنهم في ذلك الوقت كانوا يعرفون أن الذين يقتلونهم هم التتر، أما الآن؟ فيرون ويسمعون ويلمسون ولا يحسون ولا يعرفون؟! وإلى الله المشتكى. ومنها: ذكر مسير التتر إلى أذربيجان وملكهم أردبيل وغيرها: .. ثم إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة (بعد الستمائة)، ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة حتى إنهم يشقون بطون الحبالى، ويقتلون الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها، وكان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحداً بعد واحد، حتى يفرغ من الجميع، لا يمد أحد منهم إليه يداً (١) ... ومنها: ذكر ملك التتر مراغة: ... وبلغني أن امرأة من التتر دخلت داراً وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلاً، فوضعت السلاح، وإذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته أسيراً. وسمعت من بعض أهلها أن رجلاً من التتر دخل درباً فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحداً واحداً، حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده إليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلاً ولا كثيراً (٢) ... ومنها: ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة وما فعلوه في البلاد من الفساد: ... إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب، وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحداً بعد واحد، لا يتجاسر أحد يمد يده إلى ذلك الفارس، ولقد بلغني أن إنساناً منهم أخذ رجلاً، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه، ومضى التتري أحضر سيفاً فقتله به. وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس من التتر، وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد، فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف! فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك! فأخذت سكيناً وقتلته وهربنا فنجونا، وأمثال ذلك كثير (٣) ... - أقول: ما دام القتل مؤكداً، وما دام في الدفاع عن النفس إمكانية للنجاة، إذن، فلم يكن ذلك الاستسلام بسبب الخوف فقط، ولو كان الخوف وحده هو السبب لهربوا على الأقل، إن لم يدافعوا! ولو محصنا الأمور لرأينا أن السبب الأساسي هو (مقام التوكل، أو التسليم، أو عدم الاعتراض)، الذي جرتهم إليه الصوفية، وعلى رأسها الرفاعية التي كانت واسعة الانتشار، بسبب ضرب الشيش، والهجوم على النار، وأكل الحيات ... ثم القادرية ثم بقية الطرق. ومنها: ذكر وصول طائفة من التتر إلى أربل ودقوقا: ... (يذكر حوادث مذهلة) إلى أن يقول: وعادوا (أي: التتر) سالمين، لم يذعرهم أحد، ولا وقف في وجههم فارس! وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها! فالله سبحانه يلطف بالمسلمين ويرحمهم ويرد هذا العدو عنهم (٤) ... اهـ.

стр. 3530

- هنا أذكر تقريراً لصاحب كتاب (الفكر الشيعي والنزعات الصوفية)، يقول: ... وجلا ابن تيمية حقيقة أخرى، حين قرر أن ظهور الأحمدية (الرفاعية)، وإضعافهم الوازع الديني المتصل بالفقه الإسلامي مباشرة، وتخديرهم الناس، وحملهم على الخمول والكسل والتسليم، كان أكبر أسباب ظهور التتار (١). اهـ. - أقول: إن دور العقيدة التي غرستها الصوفية أقوى من دور الخمول والكسل، ولنسمع شاعرهم يقول: يا خائفين من التتر عوذوا بقبر أبي عمرينجيكمو من الضرر (٢) وهذا تقرير آخر، لأبي الحسن الندوي، يقول: كانت العقائد والتقاليد المشركة نالت رواجاً بين عامة المسلمين باختلاطهم مع غير المسلمين ... وانتشار تعليمات الجهلة والضالة من الصوفية وأعمالهم، فقد وجد عدد وجيه من المسلمين في ذلك الحين يعتقدون في أئمة دينهم ومشايخهم والأولياء والصالحين منهم الاعتقادات الفاسدة ... وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم، فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم، كما عمت عادة بناء المساجد الفخمة على قبورهم وجعلها مسجداً، وعقد المهرجانات عليها عاماً فعاماً، وقطع المسافات الطويلة للوصول إليها، وقد تفاقمت هذه العقائد السيئة وانتشرت هذه البدع والمنكرات في أواخر القرن السابع بشكل فظيع (٣) ... إلخ. - أقول: كل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ، لم يكن تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين كما قال أبو الحسن! وإنما هو نتيجة طبيعية للصوفية أينما وجدت، يؤمن به كل الصوفية، لكنهم يظهرونه عندما يأخذون قسطاً كافياً من الحرية، ويكتمونه تقيَّةً عندما تتفتح عليهم أعين المسلمين اعتقاداً منهم أن هذا هو رسالة الإسلام، وقد رأينا من أقوالهم مئات النصوص التي تشير إلى هذا. وترد هنا ملحوظة هامة، هي أن التتر عرفوا للصوفية فضلها في انتصاراتهم التدميرية وقدروها كثيراً، وأعطوها مركزاً مرموقاً، جعلها تهيمن على كل البلاد التي اجتاحها التتر، وقد جلى هذه الحقيقة أحد مشايخ الرفاعية، هو صالح بن عبد الله البطائحي، عندما قال في صراحة تامة لابن تيمية في مناظرته له في مصر سنة ٧٠٥هـ / ١٣٠٥م: نحن ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأما عند الشرع فلا. وكان هذا التقدير الكبير للصوفية من قِبَل التتر الذين دمروا البلاد وأهلكوا العباد سبباً آخر لإقبال الناس، من أهل البلاد التي اجتاحها التتر، ومن التتر أيضاً، إقبالاً كاملاً على الصوفية وتقديس مشايخها إلى درجة التأليه، حتى عم البلاء إلا من رحم ربك. النتيجة: الصوفية كانت العامل الأساسي الوحيد وراء الاستسلام العجيب لتلك المجازر التي ما عرف التاريخ مثل هولها حتى ظهور الماركسية سنة ١٩١٧م في روسيا، ثم امتدادها بعد ذلك، حيث قتلت من المسلمين وحدهم في مدة (٦٨ عاماً) يزيد عن (١٠٠ مليون نسمة)، واحتلت من أراضيهم ما يزيد عن (٢٣ مليون كيلو متر) مربع، وهي تزحف بإصرار وبأساليب مبنية على القوانين العلمية للقضاء على العالم الإسلامي عامة، والعربي خاصة، والمسلمون هم الذين يمهدون لها الطريق، ويزيلون من أمامها العقبات، ويعدون مقاتلة أعداء الماركسية جهاداً في سبيل الله، ولعلهم لم يشعروا بعد أن الماركسية هي اليهودية، وأنها التطبيق العملي لأسطورة الشعب المختار، وأنها تجند البشر لخدمة اليهود، ولعلهم لم يشعروا بعد أنهم مجروفون فيها بشكل أو بآخر، دون أن يشعروا كما وصفهم الرسول ﷺ : ((غثاء كغثاء السيل)). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولعلهم لم يشعروا بعد أن الماركسية هي فتنة الدجال، وستبلغ قمتها بظهور المسيح الدجال، ملك اليهود، مع العلم أن أحوال الماركسية وأساليبها وغاياتها (التي لم يشعر بها المسلمون بعد) تطابق أوصاف الرسول لفتنة الدجال مطابقة تامة، وأنها لا تجري بقوى سحرية، وإنما بالدعاية الرمادية الغزيرة منذ عقودها الأولى، حيث اقتنع المسلمون بأوهام لا واقع لها، وصارت عندهم هذه الأوهام حقائق بدهية من طول ما سمعوه من دعاية موجهة وكثرتها، وأصبح المسلمون لا يرون كافراً ولا عدواً للإسلام إلا مَنْ يحارب الماركسية. المصدر: الكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود عبد الرؤوف القاسم - ص ٧٧٦ - ٧٨٢

стр. 3531

المبحث الثاني: تمزيق الأمة الإسلامية إلى فرق مذهبية تحارب الإسلام باسم إسلام محرف ينتهجونه يمكن أن نميز في الفرق المذهبية عند المسلمين عدة حالات: أ- فرق ذاتُ منشأ غير صوفي، نشأت فيها طرق صوفية، فشحنتها بالأعداد الكثيرة التي أعطتها الدفع اللازم للاستمرار. ب- فرق صوفية المنشأ والمسير، يعتبرون أنفسهم صوفية حتى الآن، بينما هم غدوا فرقاً متميزة. ج- فرق صوفية المنشأ، تطورت حتى نسي أهلها منشأهم الصوفي، وصاروا على دين جديد. د- فرق لم تنشأ فيها طرق صوفية، فاضمحلت وذابت في إحدى الفرق السابقة أو رجعت إلى الإسلام. هـ- فرق لم يكن للصوفية فيها دور ملحوظ، ورغم ذلك استمرت مسيرتها، لكنها الآن قليلة الأتباع نسبياً، ولعله لا يوجد منها غير فرقتين: الزيدية بفروعها (السليمانية، والصالحية، والجارودية .. )، والإباضية، مع ملحوظة هامة هي: لو اعتبرت الزيدية الصالحية والسليمانية (فقط) مذهباً خامساً، والإباضية مذهباً سادساً، لما كان هذا الاعتبار بعيداً عن الواقع، مع اعتراض على الإباضية، لقولهم بتكفير علي بن أبي طالب. وفيما يلي، نستعرض بإيجاز أبرز الفرق في عصرنا الحاضر، التي لعبت الصوفية دورها في وجودها أو في استمراريتها: الإسماعيلية: يحتاج التوضيح الموجز إلى دور الصوفية فيها إلى صفحات كثيرة، لذلك نكتفي بإيراد بعض أقوال لبعض الباحثين: يقول عارف تامر، وهو إسماعيلي من السلمية، في تقديمه لقصيدة عامر بن عامر: ... مما لا ريب فيه أن في القصيدة آراء إسماعيلية ظاهرة، وتعابير إسماعيلية باطنية لا تخفى على المطلعين، ولعل هذا يثبت نظريتنا القائلة بأن المدرستين، الإسماعيلية والصوفية، كانتا متلازمتين تتأثران ببعضهما البعض بالنسبة لوقائع الأزمنة والأحوال (١) ... ويقول الدكتور سيد حسين نصر: فقد كانت هناك بعض الصلات بين التصوف والتشيع- وعلى الأخص بطابعه الإسماعيلي- كما يبدو مما ذكره إخوان الصفا عن التصوف في رسائلهم، وهم إن لم يكونوا حتماً من أصل إسماعيلي، فهم بلا ريب قد نشئوا في وسط شيعي، واقترن ذكرهم فيما بعد بالحركة الإسماعيلية (٢) ... اهـ. - وأضيف: إن العقائد والشطحات عند الإسماعيلية بشكل عام، وعند الحسن بن الصباح منذ استيلائه على قلعة (آلَهْ مُوت) في نواحي قزوين سنة ٤٨٣ هـ، وعند خلفائه، بشكل خاص، سواء في الأقوال أو الأفعال، وكذلك عند سنان راشد الدين الذي استولى على عدة قلاع في الشمال الغربي من الشام، في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وما يذكر عنه من خوارق تدل على قيامه بالرياضة الإشراقية، وتقديسهم لابن عربي وأفعاله، وتبنيهم تفاسيره الإشارية، كل هذا دليل على دور الصوفية في الإسماعيلية. وهذه كلمة لعالم من علمائهم شهاب الدين بن نصر ذي الجوشن الديلمي المينفي (نسبة إلى المينفة في شمال غربي سورية)، تظهر فيها وحدة الوجود إلى جانب العقيدة الرئيسية عندهم، يقول: اعلم أيها الأخ البار الرحيم الرشيد، بأن التوحيد هو صفة الموحَّد المجيد، وهو درجة العقل الفعال، وأحد الحقيقة، والمبدَع الأول، وينبوع الوجود، ومصدر العدد، فمنه إشراق أنوار الكلمة العلية، ومبتدأ الوجود، وابتداع المنزه المعبود، والواحد الفرد الصمد، الذي من جوهرة وجدت الموجودات، فلزمتها صفة الأعداد والأزواج والأفراد، وإليه عودتها حين المعاد (٣) ... اهـ.

стр. 3532

تبدو العقيدة الإسماعيلية في هذا النص في (العقل الفعال) وأوصافه، وتبدو وحدة الوجود في قوله: (الذي من جوهرة وجدت الموجودات ... وإليه عودتها حين المعاد. وشطحاتهم في الأقوال والأفعال، التي هي، بطبيعة الحال، تشبه أحوال متعاطي الحشيش، دعت أعداءهم إلى تسميتهم بـ (الحشاشين)، وانتشر الاسم. والإسماعيلية تنقسم إلى فرقتين رئيسيتين: النزارية أو (الآغاخانية)، والمستعلية أو (البوهرة)، وكانت الشعائر الإسلامية قد ألغيت عند النزارية منذ العقود الأخيرة في الموت، قبل أن يهدمها التتر؛ لكنهم الآن عادوا إلى تطبيقها على المذهب الشافعي، وعسى أن يرتق الله سبحانه بهم بعض الفتق. [النصيرية:-] مؤسسها أبو شعيب محمد بن نصير النميري (بالولاء)، مات حوالي سنة (٢٧٠هـ)، وخلفه تلميذه محمد بن جندب، وكانت مدته قصيرة، وكانت الطائفة في زمنهما قليلة، تتألف من بعض الشيعة الذين قبلوا أقوال ابن نصير. وبعد موت محمد بن جندب بعد عام (٢٧٠هـ) بقليل، خلفه أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني (مات سنة ٢٨٧هـ)، وكان يقيم في فارس في بلدة (جنبلا)، ولذلك اشتهر أيضاً بـ (الفارسي)، وقد أحدث طريقة صوفية عرفت بـ (الجنبلانية)، وكانت مثل غيرها من الطرق، تجتذب المريدين المخدوعين من سنة وشيعة، وأكثرهم من السنة؛ لأن أهل السنة كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة، وكان كل من دخل الطريقة يتحول مباشرة إلى النصيرية اتباعاً لشيخه، وبذلك ازداد أتباع المذهب النصيري ازدياداً كبيراً. سافر الجنبلاني إلى مصر، حيث انتسب إلى طريقته الحسين بن حمدان الخصيبي الذي صحب الجنبلاني في عودته إلى فارس، ثم خلفه في مشيخة الطريقة وفي الرئاسة الدينية للطائفة، وقد انتقل إلى حلب، وجعلها موطناً له، وانتشرت الطريقة في عهده بسرعة، وخاصة في سنجار، وانتشارها يعني انتشار المذهب النصيري، وقد ساعد على انتشار الطريقة والمذهب طول عمر الخصيبي، الذي عاش حتى سنة (٣٥٨هـ). ونورد قولاً في هذا الموضوع لمؤرخ نصيري هو محمد أمين غالب الطويل (١)، يقول: كان السيد أبو سعيد سرور (مات سنة ٤٢٦ هـ)، أكبر مؤلف بين العلويين، وهو آخر شيخ منفرد بالطريقة الجنبلانية التي استحالت بعد ذلك، وتشكل منها شعب العلويين (٢) ... (العلويون) اسمٌ ثانٍ للنصيرية استحدث زمن الاستعمار الفرنسي، ويسمون أيضاً (العلي إلهيون). اليزيدية (عبدة الشيطان):- وهي في الأصل طريقة صوفية هي الطريقة العدوية، مؤسسها عدي بن مسافر الأموي، من نسل مروان بن الحكم، وقد تتلمذ على عبد القادر الجيلاني.

стр. 3533

كانت بلاد سنجار بجبالها ووديانها شبه منعزلة عن العالم، فترعرعت فيها النصيرية الجنبلانية بحرية، حتى استوت، وعندما هاجر منها النصيريون إلى المناطق الشمالية الغربية من سورية عام (٦٢٠هـ)، خلفهم فيها أتباع الطريقة العدوية، إذ كان مقر عدي بن مسافر هناك، وترعرعت هذه الطريقة بعيداً بعض الشيء عن أعين المسلمين وعلماء الإسلام، وأخذت حريتها الكاملة، ومن الطبيعي أن تظهر بين مشايخها الأمويين وأتباعهم ردود فعل تتناسب شدتها مع شدة غلو النصيرية في شتمهم للأمويين، وخاصة يزيد بن معاوية، وردود الفعل هذه، مضاف إليها طبيعة الصوفية الخاضعة دوماً للكشف وتوجهاته، والذي هو خاضع بدوره لأهواء الشيخ الكامنة في نفسه من جهة، ووسوسات شياطين الجن والإنس من جهة ثانية، ومضاف إليها الجهل الذي تفرضه الصوفية على أتباعها، كل هذا جعل الانحراف المقابل للتشيع يسير بسرعة حتى استوى في مدة وجيزة وظهر الزيغ والضلال في زمن شيخها حسن بن عدي بن صخر بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، وصخر بن مسافر هذا هو أخو عدي بن مسافر الذي عمر حتى تجاوز التسعين من عمره. مات حسن بن عدي سنة (٦٤٤هـ) مقتولاً على الزندقة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، ولا بد من أن يكون بعض التطور قد حدث بعده في الطريقة. ولعل النصيرية هم الذي أطلقوا عليهم اسم (اليزيدية) للتشنيع، بينما قبلوه هم لأنهم كانوا يرون فيه شرفاً لا تشنيعاً بسبب أموية شيوخهم، وهذا يعني أن هذا الاسم يجب أن يكون قد انتشر قبل هجرة النصيرية (وهو كذلك). ولعل مقام الورع الذي تحقق به مشايخهم، وكانوا يحثونهم عليه، هو الذي أوصلهم إلى عبادة الشيطان! فقد كانوا لشدة تحققهم بهذا المقام، يتورعون عن السب واللعن، حتى عن لعن الشيطان (بدلاً من سب الشيطان قل: لا إله إلا الله)، ثم مع مثابرتهم على التمسك بهذا المقام- ولعل عوامل أخرى تدخلت في الموضوع- صاروا يعنفون من يسب الشيطان، ومع الزمن، وزيادة الورع، تحول هذا إلى تقديس الشيطان ثم إلى عبادة له. الدرزية:- تؤمن الدرزية أن الزمن يقسم إلى أكوار، وكل كور إلى أدوار، وأن الله سبحانه يتأنس (يظهر بصورة إنسان) في أول كل دور، وأنه في الدور الأخير من الكور الحالي تأنس بصورة الخليفة الفاطمي (الحاكم). مؤسس الدرزية هو الحمزة بن علي الزوزني (اختفى سنة ٤١١ هـ بعد اختفاء الحاكم)، ومما ينعت به: علة العلل، العقل الأول، النور الكلي، الجوهر الأزلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس، أصل الوجود، قائم الزمان، هادي المستجيبين ... ذو معة. وكانت دعوته بدعم مباشر من الحاكم. ويأتي بعده في المرتبة الدينية إسماعيل بن محمد التميمي (النفس الكلية، المشيئة ... ذو مصَّة)، ثم محمد بن وهب القرشي (الكلمة ... )، ثم سلامة بن عبد الوهاب السامري (السابق، الجناح الأيمن .. )، ثم علي بن أحمد السموقي الطائي (التالي، الجناح الأيسر .. )، المعروف بلقب بهاء الدين الضيف (اختفى سنة ٤٣٤هـ/ ١٠٤٢م)، ومدته في الدعوة أطول من مدة الأربعة مجتمعين. وهؤلاء يدعون (الحدود الخمسة). تظهر وحدة الوجود واضحة في أوصاف الحمزة بن علي: فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، عنه ظهرت العناصر ... إلخ، كما تشم منها زاخمة رائحة الكشف والرؤى الكشفية.

стр. 3534

وتصف الدكتورة نجلاء عز الدين مؤلفة كتاب: (الدروز في التاريخ) الحاكم بقولها: ... فالحاكم كغيره من الصوفية، خبر المعراج الروحي فغاب بشهوده عن وجوده ... يتكلم وكأن الله هو المتكلم، فيقول: وكما سما أناس بحبنا إلى الفناء في ذاتنا، فلولا المحبة لما فنوا ولما وصلوا إلى طريق الارتقاء إلى العالم الأقدس (١) لو رجعنا إلى فصل لا طريقة بدون شيخ، لرأينا التشابه التام بين هذا القول وأقوال مشايخ الصوفية).وجاء في الرسالة الثالثة عشر من رسائل الحكمة (كتاب الدروز): إن المولى سبحانه لا يدخل تحت الأسماء والصفات واللغات ... هو الموجود في الحقيقة ولا غيره موجود (٢). (هذا نفس قول الصوفية).وتقول المؤلفة أيضاً (وهي درزية): إن مذهب الدروز مسلك صوفي عرفاني ... فالسالك بعد أن يكون قد ارتاض بالعمل بموجب ظاهر الشريعة وباطنها يصل إلى مرحلة يصبح عندها مهيأً لتقبل الحقيقة دون حاجة إلى شعائر ووسائط ... إن ما هو أهم من ظاهر العبادات معناها الحقيقي، وهو الرياضة الروحية ... فتصبح النفس مهيأة للمثول أمام خالقها، فتبلغ بنعمة المولى ولطفه مرتبة المشاهدة (٣) ... وفي ترجمتها للأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي، وهو يلي الحدود الخمسة في المقام (ت:٨٨٤ هـ/ ١٤٧٩ م)، تقول: ... فهو (أي: عبد الله التنوخي) ينبوع الخيرات ومعدن البركات ... العارف بالله الرباني ... سرعان ما انتشرت شهرته كولي من أولياء الله الصالحين (٤) ... وتقول: إن كتابات السيد مفعمة بروح صوفية، فقد اتبع خطا الصوفية في الوصول إلى معرفة الله (٥) ... ومما تورده من أقواله: ... فمتى قهرت النفس الشهوات أصبحت خاضعة لله، مراقبة لباريها، سائرة إلى معرفته، فيمن عليها الصفاء والإشراق (٦) ... وفي كتاب إلى عبد القادر ريان، أحد المريدين، يقول السيد: وقاعدة السعادة في الدين والدنيا أن يستشعر العبد حضور خالقه في سره وطويته وظاهره وباطنه ... وتأتي المشاهدة بعد الانصراف عن كل ما هو سوى الله (٧) .. اهـ. النتيجة: الصوفية وراء الدرزية، وفي الحقيقة، الدرزية الآن هي الإشراق ذاته غير ممزوج بشيء (الخلوة والرياضة حتى الوصول إلى الإشراق)، والنصوص القليلة السابقة واضحة في هذا المدلول، وهم يسمون أنفسهم (الموحدين)، ويسمون مذهبهم (مسلك التوحيد)، ويعنون بذلك نفس المعنى الصوفي، أي: وحدة الوجود. والواصلون منهم يسمون (أعرافاً)، مفردها (عَرْف)، وهو اشتقاق من (العارف)، مع العلم أن هذا (أعراف)، قلما يستعملونه الآن، ويستعملون بدله كلمة (أجاويد)، مفردها (جويِّد). وهناك دلائل تشير إلى أن الدروز كانوا يقيمون الشعائر الإسلامية حتى زمان متأخر. البكطاشية:- طريقة صوفية في الأصل، وحتى الآن يعتبرها أتباعها طريقة صوفية، رغم أنها صارت مذهباً -بل ديناً- شاذاً عن الإسلام، وقد لا يمضي وقت طويل حتى ينسى أتباعها أنهم أتباع طريقة صوفية، ويرون أنفسهم أهل مذهب خاص. وهذه بعض معالمها كما يذكرها أحمد حامد الصراف (بغدادي) في كتابه (الشبك). ١ - البكطاشية طريقة صوفية لا يتيسر الانخراط في سلكها إلا بعد مضي مدة التجربة، وهي ألف يوم ويوم. ٢ - البكطاشية تتهاون بأداء الفرائض كالصوم والصلاة والحج والزكاة والجهاد. ٣ - البكطاشي لا يتحرج في شرب الخمرة، فالخمرة شربها مباح.

стр. 3535

٤ - البكطاشي يعترف عند الباب أو البير بما ارتكبه من آثام ويتلقى منه المغفرة.٥ - البكطاشي يغالي في الإمام علي، ويرفعه إلى مقام الألوهية (١). اهـ. والبكطاشية منتشرة في تركيا وشرق أوروبا، ويقال: إن عدد أتباعها في تركيا وحدها يزيد على ثلاثة عشر مليوناً، وكذلك انتشارها في مصر في تزايد مستمر، والبكطاشي شيعي اثناعشري يسمي نفسه سنياً. ويوم ١٦ آب هو عيدهم، حيث يجتمع الآلاف منهم بالألبسة الزاهية، يطوفون حول القبر المقدس في نوشهر في تركيا، ويقيمون الرقصات والأذكار الخاصة، وعلى رءوسهم قلنسوات أسطوانية ذات ١٢ طية، إشارة إلى الأئمة الاثني عشر، أئمة الشيعة، وحركاتهم في الرقص (الحضرة) عنيفة، ويبقى العيد ثلاثة أيام. المتاولة: شيعة الهند وإيران والعراق الجنوبي وجبل عامل (الشرخ الأكبر في جسم الأمة الإسلامية):- ما كان التتار في غزواتهم حملة عقيدة يسعون إلى نشرها، وما كان غزوهم إلا من أجل العلو أو الانتقام أو النهب) ولمجرد الغزو والفتح، وكانت عقائدهم التي يدينون بها متشعبة وثنية ساذجة تنفر منها الفطرة السليمة. عندما تصطدم أمة، هذه حالها، بعقيدة واضحة، متلائمة مع الفطرة، مستقيمة مع المنطق، صادقة المنهج، فسرعان ما تستسلم هذه الأمة لهذه العقيدة. وهذا ما حدث للتتار، فبعد جيل (في مكان)، أو جيلين (في مكان آخر)، أو أكثر بقليل (في مكان ثالث)، أخذ التتار يدخلون في الإسلام زرافات ووحداناً. وبما أن الصوفية كانت واسعة الانتشار جداً، لذلك كان دعاة الإسلام بين التتار خليطاً من مسلمين صحيحي العقيدة ومن متصوفة، مما جعل دخول قسم لا بأس به من التتار إلى الإسلام على أيدي متصوفة، وخاصة من مشايخ الطريقة الرفاعية الذين كانوا يذهلونهم بالخوارق التي يجرونها أمامهم. وهنا يجب ألا ننسى أن المتصوفة يظهرون الشريعة ويبطنون الحقيقة (حقيقتهم)، فهم عندما كانوا بخوارقهم يجتذبون التتار إلى الإسلام، كانوا يجتذبونهم إلى الشريعة الإسلامية حسب الظاهر، ثم بعد ذلك يجرونهم وراءهم في طريق التصوف. كما يجب ألا ننسى أبداً أن إبليس ماهر في الحساب، يتقن الجمع والطرح، ويعرف أن العشرة أكثر من الواحد. ويجب كذلك ألا ننسى أبداً أن إبليس كان يعرف أن التتار ليسوا حملة عقيدة، وأنهم باختلاطهم مع المسلمين سوف يسلمون، إن لم يكن في هذا الجيل، ففي الذي بعده. وبذلك كان يعرف أن إدخال أعداد من التتار في الإسلام بواسطة المتصوفة لإضلال أضعاف أضعاف أضعافهم، هو عملية مربحة جداً له. ولذلك كان وجنده يقدمون خدماتهم للمتصوفة بإجراء تلك الخوارق، وبكل تأكيد، كانوا يقدمونها بحماس، مما سبب دخول أعداد من التتار في الإسلام. زاد بذلك افتتان الناس بالصوفية، وغدا الشيخ الصوفي إلهاً يعبد ويسجد له، وصارت تقدم له الأدعية والنذور والقرابين، ويتبرك حتى ببوله وخرئه، وصارت الطلاسم والأوراد والأحزاب والقبور هي هم المسلم، وكان الجهل هو المساعد الأكبر. في ذلك الوقت، أي: في النصف الثاني من القرن السابع (بعد الغزو التتاري)، وما بعده، كان للتشيع فرق كثيرة (قليلة الأتباع)، يمكن توزيعها على ثلاث مجموعات هي: أ- الغلاة: وأبرزهم النصيرية، وكانوا منتشرين في شمالي سورية وفي جيوب صغيرة في العراق وفارس، وكانوا يسمون أيضاً (العلي إلهيون). ب- الأقل غلواً: وأبرزهم الإسماعيلية والزيدية الجارودية، وكانوا منتشرين في البحرين واليمن والشام وفي جيوب في فارس، وكانت الزيدية في فارس أكثر من الإسماعيلية، ولا يعرف لها وجود متميز في الشام.

стр. 3536

ج- المعتدلة: وأبرزهم الزيدية الصالحية والسليمانية في فارس والعراق واليمن، وكذلك شيعة جبل عامل في جنوب لبنان، والحلة وما حولها في العراق، وفي جيوب صغيرة في فارس والشام. والشيعة المعتدلة هؤلاء كانوا يحترمون صحابة رسول الله ﷺ كلهم، لكنهم يفضلون علي بن أبي طالب، ويرونه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، ويشتمون الأمويين، وخاصة يزيد بن معاوية، ويرون أن الخلافة يجب أن تكون في العلويين، وأن العباسيين مغتصبون لها، وكانوا يتبعون المذاهب السنية في الفقه. جاء القرن الثامن والتاسع، والمسلمون (ويهمنا هنا البلاد التي اجتاحها المغول) على هذه الحال، ومن البدهي أن يظهر في الشيعة متصوفة، حيث عمل مثقفوهم على الجمع بين التصوف والتشيع، ساعدتهم طبيعة الصوفية بما فيها من باطنية وادعاء النسب لآل البيت، وزعم التسلسل الذي يوصلونه إلى علي بن أبي طالب عن طريق الأئمة الاثني عشر، لكنهم كانوا يبثون عقائدهم هذه بصورة محدودة بين خواصهم وبعض غيرهم، كما ألف بعضهم كتباً في هذا الشأن، أي أنهم لم يؤسسوا طرقاً صوفية ويحاولوا تشييعها، بل اكتفوا بما كانوا يلقونه من دروس ومواعظ ومناقشات، أو بما كانوا يؤلفون من الكتب، منهم: آل طاوُس: الذين بقيت نقابة الأشراف فيهم عشرات السنين، وكانوا يعدون أولياء ذوي كرامات أحياءً وأمواتاً، حتى لقد صار قبر السيد أحمد بن طاوُس مزاراً مشهوراً، وحتى تحرج العامة والخاصة عن الحلف به كذباً خوفاً (١). وأهمهم. - نقيب الأشراف رضي الدين علي بن طاوُس، توفي سنة (٦٤٤هـ)، قبل دخول التتار إلى بغداد. - وبعده نقيب الأشراف جمال الدين محمد بن طاوُس، توفي بعد سنة (٦٧٢هـ) بقليل. - وبعده غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاوُس، توفي سنة (٦٩٣هـ). ومن غير آل طاوس: - كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني مات سنة (٦٧٩هـ).- عز الدين، أبو الفضل عامر بن عامر البصري، من أحياء العقود الأولى من القرن الثامن، نظم قصيدة سماها (ذات الأنوار)، عدد أبياتها (٥٠٧) بيت، وعدد فصولها (١٢) فصلاً، نظمها سنة (٧٠٥هـ)، (لنلاحظ أن ٥+٧=١٢ وهو عدد الأئمة الإثني عشرية) (٢)، وقصيدته هذه التي مطلعها: تجلى لي المحبوب في كل وجهة ... فشاهدته في كل معنى وصورة هي التي يعزو عبد الوهاب الشعراني في طبقاته أبياتها الأوائل إلى إبراهيم الدسوقي، وتوحي هذه القصيدة بأن عامر بن عامر إسماعيلي، تصوف في الطريقة البكطاشية، فصار اثني عشرياً إسماعيلياً. - الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي، تلميذ نصير الدين الطوسي، صاحب كتاب (منهاج الكرامة)، الذي نقضه ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة)، مات ابن المطهر سنة (٧٢٧هـ)، وقد تشيع به جماعات كثيرة. وهناك غيرهم أعداد. هؤلاء أوجدوا هنا وهناك بؤراً شيعية جديدة أضيفت إلى القديمة، وفي هذه البؤر وجد مشايخ الطرق المتشيعون الذين جاءوا فيما بعد دعاة، كانوا عوامل، إلى جانب الشيخ، في إقناع الأتباع بالتشيع. ثم جاءت الطرق لتكون العامل الحاسم في تشييع فارس وبعض العراق، وقبل إلقاء نظرة سريعة على أبرزها، نعود لإلقاء نظرة ثانية، وسريعة أيضاً، على مدى سيطرة الصوفية على المجتمعات في ذلك الوقت: مما يقرره أبو الحسن الندوي ناقلاً، يقول: وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه ...

стр. 3537

فطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت، فيقول: اغفر لي وارحمني، ونحو ذلك، ويسجد لقبره، ومنهم من يستقبل القبر، ويصلي إليه مستدبراً الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً ... وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ، فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجد أحدهم في مساجد الله تعالى ... حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما يفعلونه من القبائح، كان إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة، خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه. ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض ... ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذباً، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس كاذباً، ومنهم من يقول: كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده ... وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والرزق وقضاء الحاجات وكشف الكربات ... ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه (١) ... ثم يقول أبو الحسن الندوي معلقاً ومبيناً: وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإجلال والتعظيم أن تتزايد أهمية المشاهد بإزاء المساجد ... فقد انتشرت هذه المشاهد والمزارات في كل ركن من أركان العالم الإسلامي، ووجدت آلاف مؤلفة من القبور المزورة، وتصدى الأمراء والسلاطين لوقف الممتلكات والأراضي الواسعة عليها، وأقيمت عمارات ضخمة وقباب فخمة في أمكنة هذه القبور ومشاهد المشايخ، كما وجدت أمة بأسرها من العاكفين والكناسين والخدم لهذه القبور، ونالت الرحلة إليها كل إعجاب، حتى بدأت تصل قوافل الحجاج إليها من مسافات بعيدة ... إلى أن يقول: وفي القرنين السابع والثامن، دخلت هذه المشاهد والضرائح في حياة المسلمين الدينية، ونالت عندهم من القبول والمركزية ما جعلها تنافس بيت الله وتتحداه (٢) ... إلخ. وهذا تقرير آخر لابن بطوطة (الرحالة) عن تربة أبي إسحاق، إبراهيم بن شهريار الكازروني في كازرون (٣)، يقول: ... ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائناً من كان، من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن، وتؤكل بالرقاق، ولا يتركوا الوارد عليهم للسفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه، ويذكرها الشيخ للفقراء والملازمين للزاوية وهم يزيدون على مائة ... وهذا الشيخ أبو إسحاق معظم عند أهل الهند، ومن في الصين، ومن عادة الركاب في بحر الصين أنهم إذا تغير عليهم الهواء وخافوا اللصوص نذروا لأبي إسحاق نذراً، أو كتب كل منهم على نفسه ما نذره ... وما من مركب يأتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدنانير، فيأتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك ... اهـ. - أقول: في هذه النصوص كفاية وفوق الكفاية بكثير، لنعرف مدى سيطرة الصوفية، ومدى تأثير المشايخ على العقول، والكتاب كله براهين من أقوالهم على عقائدهم هذه التي يؤمنون بها كلهم ويكتمها الكمل منهم، ويظهرون الشريعة. وهذه ملحة إضافية من أناشيدهم على لسان شيوخهم: وأنا صرخت في العرش حتى ضج وأنا حملت على علي حتى هج

стр. 3538

وأنا البحار السبعة من هيبتي ترتج في هذا المحيط، أخذت الطرق الصوفية تعمل عملها، والبارزة من هذه الطرق هي: الصفوية: التي لعبت في هذا المضمار دورين: دورا تأسيسياً في مراحلها الأولى، ثم الدور الحاسم في مراحلها الأخيرة. مؤسسها هو صفي الدين إسحاق بن أمين الدين جبرائيل الأردبيلي، والظاهر أنه تركي الأصل؛ لكنه مع ذلك من سلالة الحسن أو الحسين (الشك من ابنه)، ولد صفي الدين سنة (٦٥٠هـ)، ومات سنة (٧٣٥هـ) على الأرجح، أخذ الطريقة (لعلها القادرية) عن الشيخ إبراهيم الزاهد الكيلاني المتوفى سنة (٧٠٠هـ) في كيلان، ثم أسس طريقته التي انتشرت في أردبيل وقزوين وما حولهما، وتسربت إلى غيرها من البلدان القريبة. كان أتباعها يتحولون إلى شيعة (معتدلة) بسبب تشيع شيوخهم ونسبهم العلوي (المدعى)، ودعوتهم إياهم إلى التشيع؛ لأن المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وكان أتباعه قبل الشروع بالحضرة يسجدون له، ثم يتابعون حضرتهم، وهي من الجالسة الصائتة، وقد أخذت الطريقة النعمتللاهية هذا التقليد عن الصفوية (١).السنية السعدية: مؤسسها سعد الدين محمد بن المؤيد ... بن حمويه، مات في خراسان سنة (٦٥٠هـ-١٢٥٢م)، لقبوه بـ (يسعى العجم)، شيعي من تلاميذ ابن عربي (الشيخ الأكبر)، أسس طريقته في دمشق، ثم انتقل إلى خراسان لينشرها هناك. و (يسعى العجم) هذا هو خاتم الأولياء، الذي هو معاد النبي، ومغرب جميع الأنوار المنتشرة في العلويات والسفليات ... وهو مظهر قيام الساعة، يعني: قيام نفس الولاية التي تعم الإلهية، وكان (يسعى العجم) هذا يمثل العلم الإلهي المتسلسل من آدم إلى محمد ومندمجاً على ثمرة (تعليم الأسماء وعلم البيان) (٢) ... ويسعى العجم هذا نزلت عليه سكينة الله فصار بها حياً باقياً خالداً دائماً في هذه الدار، وأعطاه السلام مفاتيح الغيب ... وهكذا صار (يسعى العجم) إنساناً إلهياً لا يختلف عن الله حتى في الخلود (٣) .. اهـ.- أقول: ما على القارئ إلا أن يتخيل رجلاً هذه صفاته التي يؤمن بها أتباعه وغيرهم، وهو شيعي يدعوهم إلى التشيع! فهل يمكن أن يوجد في هؤلاء الأتباع من لا يستجيب له؟ وهكذا انتشر التشيع في شرقي إيران، وإن كان انتشاراً محدوداً؛ لأن انتشار الطريقة السنية السعدية لم يكن واسعاً مثل الصفوية مثلاً، ويجب ألا ننسى أن شيخ يسعى العجم، الذي هو محيي الدين بن عربي، كان شيعياً أيضاً (٤)، ويجعله الإسماعيلية من أئمتهم. الحروفية: مؤسسها فضل الله بن عبد الرحمن الحسيني الاستراباذي، شيعي كان يتنقل بين مدن فارس، قتله ميران شاه بن تيمورلنك سنة (٨٠٤هـ)، له ثلاثة كتب مقدسة: الجاردان نامة، أي: كتاب الخلود، ومحبة نامة، وعرش نامة، والأخيران شعر. كان الجاردان نامة يدرس سراً، ولخليفته الثاني (علي الأعلى) شرح عليه. في سنة (٧٨٦هـ-١٣٨٤م)، أعلن فضل الله مهديته (مهدي السنة طبعاً) بين أخصائه، وتلقى البيعة سراً (٥) ... وكانت دعوته مبنية على أنه خليفة الله كآدم وعيسى ومحمد، اجتمعت فيه مُثُل الصوفية والشيعة لإنقاذ العالم بالدم، فكان مهدياً وختماً للأولياء ونبياً وإلهاً في وقت واحد (٦).

стр. 3539

وبدهي أن يتبع الأتباع شيخهم بالتشيع، لأن المريد يجب أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل. وطبعاً، كان الجهل أكبر مساعد. ومما يجدر ذكره أن علم الحروف، رغم كونه من مستلزمات الكهانة أو (الصوفية؛ لا فرق) في جميع حالاتها، إلا أنه كان مقتصراً على الشيوخ والعارفين، حتى جاءت الحروفية فعممته، وصار علم الحروف (السحر) حرفة ووسيلة لتسخير الطبيعة، بقطع النظر عن كون المستخدم لها براً أو فاجراً، وانشغل الصوفية (وغيرهم) به لرسم الهياكل والطلاسم (١) ... والمحبة والقبول والشفاء من الأمراض وغيرها ... ورغم أن الطريقة الحروفية اندثرت باندماجها في البكطاشية فيما بعد؛ إلا أنها تركت أثرها الحروفي في كل الطرق، وبالتالي في الأمة جمعاء، إلا من رحم ربك، وهكذا صار علم الحروف (السحر) من المظاهر البارزة في ثقافة الأمة جمعاء، إلى جانب القبوريات وخوارق المشايخ وتغريبة بني هلال وقصة سيف بن ذي يزن، وكذلك ظهر أثرها بعد زمن في الشيخية، ثم في البابية والبهائية. الهمدانية: مؤسسها علي بن الشهاب الهمداني، شيعي فارسي تخرج بالكبروية، وكان أكثر مريديه من السنة الذين تشيعوا اتباعاً لشيخهم، وكان الجهل أكبر مساعد، مات علي الهمداني سنة (٧٨٦هـ)، وسار خلفاؤه على نهجه بتشييع أتباعهم على النفس الطويل، وفي الهمدانية تخرج نور بخش. في هذه العقود -أي: النصف الثاني من القرن الثامن- ظهر أيضاً كتاب من الشيعة المتصوفة دعوا إلى الجمع بين التصوف والتشيع، لعل أشهرهم: بهاء الدين، حيدر بن علي العبيدي الآملي، مات بعد سنة (٧٩٤هـ)، له كتاب كان مشهوراً، اسمه (جامع الأسرار ومنبع الأنوار في أن عقائد الصوفية موافقة لمذهب الإمامية الإثني عشرية)، وله كتاب في التصوف اسمه: (نص النصوص في شرح الفصوص)، أي: شرح (فصوص الحكم لابن عربي. وبهاء الدين هذا من أتباع الطريقة الأكبرية العربية الحاتمية (٢).

стр. 3540

- ومن الظواهر البارزة في هذه العقود، تيمورلنك والحركة التيمورلنكية، ننقل جملة موجزة عنه من (الفكر الشيعي والنزعات الصوفية): ... فقد بدأ تيمور علاقاته الشخصية بالصوفية ... اتصل في مطلع شبابه في (كش) بالشيخ شمس الدين الفاخوري، وفي خراسان بالشيخ أبي بكر الخوافي (ت: ٨٣٨ هـ)، ولما ارتفع نجم تيمور غلب عليه السيد محمد بركة (ت: ٨٠٤)، ولهذا روي عنه أنه كان يقول: جميع ما نلته بدعوة الشيخ شمس الدين الفاخوري، وهمة الشيخ زين الدين الخوافي والسيد محمد بركة. يضاف إلى هذا أن تيمور كان يزور الصوفية ويكرمهم أينما حل، ويزور قبور شيوخهم، حتى إنه لما فتح العراق، قصد إلى واسط، ليزور قبر السيد أحمد الرفاعي. وفي مقابل هذا كان الصوفية يدعون لتيمور ويؤيدونه، وبخاصة أنه لبس الخرقة منهم، فصار بذلك واحداً منهم، واعتبرت أعماله كرامات صوفية، وصار مظهر تجليات الحق الجمالية والجلالية، ووصفت أعماله كلها بصدورها عن الإلهام الإلهي والهاتف السماوي وأنباء الغيب (١) .... اهـ. كان تيمورلنك سني المذهب، نشأ في مجتمع سني على مذهب أبي حنيفة، وقد قاده تصوفه إلى التفاعل الكامل مع الطريقة الصفوية الشيعية، فعندما اتصل بشيخها صدر الدين موسى (ت: ٧٩٤ هـ) ابن صفي الدين وخليفته، أقطعه مدينة أردبيل وما حولها، فصار صدر الدين الحاكم الفعلي لأردبيل، بالإضافة إلى سلطته الصوفية المؤلهة، كما وهب ابنه وخليفته (علاء الدين علي) الأسرى الذين وقعوا في قبضته في حروبه في بلاد الروم (٢) سنة (٨٠٤هـ-١٤٠١ - ١٤٠٢م)، فسموا (الصوفية الرومللو). بينما نرى تيمورلنك هذا يجتهد في محاربة أهل السنة، وعندما ينتصر عليهم يعاملهم بقسوة بالغة، وخاصة دمشق التي أبادها إبادة كاملة، بحجة أن أهلها شاركوا في مقتل علي والحسين ﵄، وأنهم من أتباع الأمويين. يقول كامل مصطفى الشبيبي: جمع تيمورلنك بين العاطفة الشيعية والفقه السني. ويقول: كان من الطبيعي أن تظهر في عهد تيمور حركات شيعية غالية، وذلك لغلبة التصوف وارتفاع شأن العلويين (٣). ويحسن أن نذكر هنا أن (خدابندة) خليفة قازان، تشيع وأعلن التشيع في جميع مملكته، لكن ذلك لم يجد شيئا لندرة دعاة الشيعة في بلاده آنذاك؛ ولأن العقيدة لا يمكن أن تفرض بمرسوم يصدر عن الحاكم؛ ولأن هذا الإعلان دفع دعاة السنة إلى النشاط في الدفاع عن الإسلام، مات خدابندة (٧١٦هـ-١٣١٦م). وفي القرن التاسع الهجري ظهرت الطرق التي كان لها الدور الحاسم والنهائي في تحويل الفرس إلى شيعة، هذه الطرق هي: النوربخشية، المشعشعية، النعمتللاهية، ثم الصفوية في دورها الثاني.
следующие страницы →