← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد بين شيخ الإسلام أن هذا التوافق بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم لا يجوز أن يكون من باب المشترك اللفظي، بل هو من باب المتواطئ أو المشكك؛ لأن هناك معنى كليا يفهم من مطلق صفة السمع أو البصر أو الحياة أو الوجود، وإن كان سمع الله وبصره وحياته ووجوده، يخصه لا يشاركه فيه أحد من الخلق، كما أن سمع المخلوق وبصره وحياته ووجوده يخصه. ومع تجويز شيخ الإسلام أن تكون من باب المتواطئ أو المشكك، إلا أنه يتعمق في ذكر الفرق بينهما، ولذلك فهو يرى أن القول بأنه من المتواطئ واضح في هذا الباب، وأن القول بأن المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، لا مانع منه ما دامت حقيقة كل قسم تخصه لا يشركه فيه غيره، وأما الذي ظنه بعض الناس من أنه يخلص من هذا الاشتراك بجعل لفظ "الوجود" أو غيره من باب التشكيك، لكون واجب الوجود أكمل، كما يقال في لفظ السواد المقول على سواد القار وسواد الحدقة، ولفظ البياض المقول على بياض الثلج وبياض العاج فإن شيخ الإسلام يجيب عن هذا بقوله: "ولا ريب أن المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك: وتخصيص هذا القسم بلفظ المشكك أمر اصطلاحي، ولهذا كان من الناس من قال: هو نوع من المتواطئ؛ لأن واضع اللغة لم يضع اللفظ العام بإزاء التفاوت الحاصل لأحدهما، بل بإزاء القدر المشترك"، ثم يقول شيخ الإسلام: "وبالجملة، فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين عاما وخاصا زال اللبس" (١).والقول بأن هذا التوافق ليس من قبيل المشترك اللفظي هو قول جماهير المسلمين، يقول شيخ الإسلام: "إن مذهب عامة الناس، بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم، أن الوجود (ليس) مقولا بالاشتراك اللفظي فقط، وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها، وقد يكون لخلقه اسم كذلك، مثل الحي والعليم والقدير؛ فإن هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط، بل بالتواطؤ، وهي أيضا مشككة؛ فإن معانيها في حق الله تعالى أولى، وهي حقيقة فيهما، ومع ذلك فلا يقولون: إن ما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمي بها مثل ما يستحقه غيره، ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مماثلا لخلقه، ولا يقولون أيضا إن له أو لغيره في الخارج وجودا غير حقيقتهم الموجودة في الخارج؛ بل اللفظ يدل على قدر مشترك (إذا) أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدهما" (٢)، ثم بين أن هذا لا يستعمل في اسما الله فقط ولا في اللغة أيضا، وإنما يذكر في مواضع تجرد عن الخصائص لأجل المناظرة فيقدر الأمر تقديرا (٣). ومع أن هذا هو قول جماهير الصفاتية وغيرهم إلا أن بعض من خاض في الفلسفة والمنطق كالرازي والآمدى والشهرستاني ظنوا – في بعض أقوالهم – أنه يجب أن يكون ما بين أسماء الله وأسماء المخلوقين من توافق مقولا بالاشتراك اللفظي، وقد بين شيخ الإسلام أن الذي دفعهم إلى هذا القول شبهتان: إحداهما: شبهة الوقوع في التشبيه والتركيب.

стр. 352

والثانية: ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج. أما الشبهة الأولى فيقول شيخ الإسلام: إن كثيرا من الناس "تنازعوا في الأسماء التي تسمى الله بها وتسمى بها عباده كالموجود والحي والعليم والقدير، فقال بعضهم: هي مقولة بالاشتراك اللفظي حذرا من إثبات قدر مشترك بينهما، لأنهما إذا اشتركا في مسمى الوجود لزم أن يمتاز الواجب عن الممكن بشيء آخر فيكون مركبا، وهذا قول بعض المتأخرين كالشهرستاني والرازي في أحد قوليهما، وكالآمدي مع توقفه أحيانا" (١)، ثم رد على الرازي والآمدي حين ظنا أن الأشعري وغيره ممن ينفي الأحوال ويقول إن وجود كل شيء عين حقيقته – يقولون بهذا القول وأنها مقولة بالاشتراك اللفظي، وزعما أن هذا لازم لهم، لأنهم لو قالوا هو متواطئ لكان بينهما قدر مشترك، فيمتاز أحدهما عن الآخر بخصوص حقيقته، والمشترك ليس هو المميز، فلا يكون الوجود المشترك هو الحقيقة المميزة. وبين أن هذا غلط عليهم (٢).هذه شبهة التركيب، أما شبهة التشبيه فإنهم قالوا: إذا قلنا موجود وموجود، وحي وحي، لزم التشبيه (٣).وأما الشبهة الثانية: فبسببها غلط الرازي وغيره "فإنه ظن أنه إذا كان هذا موجودا وهذا موجودا، والوجود شامل لهما، كان بينهما وجود مشترك كل في الخارج، فلابد من مميز يميز هذا عن هذا، والمميز إنما هو الحقيقة فيجب أن يكون هناك وجود مشترك وحقيقة مميزة" (٤). وهذه مبنية على مسألة طالما غلط فيها أهل المنطق والفلسفة وأتباعهم، وهي مسألة الكليات المطلقة التي تكون في الأذهان، وتوهمهم أنها قد تكون موجودة في الأعيان فبهاتين الشبهتين: شبهة التشبيه، وشبهة الكليات الذهنية قال بعض هؤلاء الأشاعرة: إن الوجود وغيره إذا أطلق على الخالق والمخلوق كان من قبيل المشترك اللفظي. وقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه أهمها: ١ - أن القول الذي يقول به جماهير الناس: جمهور المعتزلة، والمتكلمة الصفاتية من الأشعرية والكرامية والسالمية، وأتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، والصوفية، أن هذه الأسماء حقيقة للخالق تعالى، وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة. وأما الأقوال الأخرى فهي باطلة: مثل قول من يقول: إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، وهو قول أبي العباس الناشىء. ومثل قول من يقول بالعكس، أي أنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، كما هو قول غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى بل ويقولون: إن الله ليس بحي ولا عالم ولا جاهل (٥) ...

стр. 353

والصواب أنها حقيقة فيهما، ولا معنى لهذا القول إلا بإثبات المعنى المشترك في كل اسم أو صفة، ثم إن وجود الخالق يخصه ووجود المخلوق يخصه، وهكذا بقية الصفات، وكل من قال بالمشتري اللفظي فقد جانب قول أهل الحق، ولزمه أن يقول بواحد من تلك الأقوال الفاسدة.٢ - أن كل موجودين فلابد بينهما من قدر مشترك وقدر مميز، وهذه مسألة التشبيه والتمثيل، وقد سبق تفصيل القول فيها، مع بيان اعتراف الأشاعرة، بل وتقريرهم أن، إثبات الصفات لله كالوجود والسمع والبصر والحياة وغيرها، لا يقتضي أن يكون الله مشابها لخلقه (١).٣ - أن هؤلاء الذين يقولون بالمشترك اللفظي متناقضون، لأنهم مع قولهم إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي إلا أنهم يجعلونه "ينقسم إلى واجب وممكن، أو قديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة كلفظ سهيل المقول على "سهيل" الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو، فإن تلك لا يقال فيها: إن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: إن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى، وعلى هذا المعنى، وهذا أمر لغوي لا تقسيم عقلي، وهناك (أي في المتواطئ) تقسيم عقلي: تقسيم المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام" (٢). وتناقضهم في هذا واضح جدا لأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركا (٣).٤ - أنه لو لم تكن هذه الأسماء متواطئة لأدى ذلك إلى عدم فهم المعاني المرادة في كل سياق، لأنه إذا قيل: إنها من باب المشترك اللفظي، كان ورود هذا الاسم في موضع له معنى. فإذا ورد في موضع آخر وأراد به المعنى الآخر – الذي يختلف عن الأول تماما – فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه (٤)، فإذا قيل المخلوق موجود، ثم قيل والله تعالى موجود، فالقول أن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي يقتضي أن معنى الوجود في العبارة الثانية له معنى آخر بعيد عن مدلول اللفظ الأول، ولابد من دليل يدل على المعنى المقصود منه، وهذا لو طبق يؤدى إلى تخبط عجيب في فهم مدلول الألفاظ والعبارات. ٥ - أن القول بالاشتراك اللفظي يؤدي إلى موافقة الملاحدة والقرامطة، "فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكا لفظيا، لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله.

стр. 354

ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولا، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلا، ولا يكون فرق بين قولنا: حي، وبين قولنا: عليم، وبين قولنا: جهول، أو "ديز" أو "كجز"، بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنى، كديز وكجز ونحو ذلك. وهذا هو لب المسألة، لأن القول بالمشترك اللفظي يؤدي إلى اعتقاد أن هذه الأسماء أو الصفات بالنسبة لله تعالى لها معان أخرى بعيدة عن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص التي وردت بها، "وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا، إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئاً" (١)، وهذا هو الإلحاد في أسمائه وآياته. ٦ - والذين قالوا بالمشترك اللفظي طبقوه أو التزموه في لفظ الوجود بالنسبة لله وبالنسبة للمخلوق، فقالوا: يشتركان في الوجود، ويمتاز أحدهما عن الآخر بحقيقته. وهنا يجيبهم شيخ الإسلام بأن القول في الحقيقة كالقول في الوجود، "فإن هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، كما أن لهذا وجودا ولهذا وجودا، وأحدهما يمتاز عن الآخر بوجود المختص به، كما هو ممتاز عنه بحقيقته التي تختص به. فقول القائل: إنهما يشتركان في مسمى الوجود، ويمتاز كل واحد منهما بحقيقته التي تخصه كما لو قيل: هما مشتركان في مسمى الحقيقة ويمتاز كل منهما بوجوده الذي يخصه. وإنما وقع الغلط لأنه أخذ الوجود مطلقا لا مختصا، وأخذت الحقيقة مختصة لا مطلقة، ومن المعلوم أن كلا منهما يمكن أن يوجد مطلقا، ويمكن أن يوجد مختصا، فإذا أخذا مطلقين تساويا في العموم، وإذا أخذا مختصين تساويا في الخصوص، وأما أخذ أحدهما عاما والآخر مختصا فليس هذا بأولى من العكس" (٢).

стр. 355

وهذا المنهج الإلزامي الدقيق كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام، ومن ذلك قوله في مسألة الصفات التي أولها الأشاعرة، مثل صفة المحبة التي أولوها بإرادة الإنعام، لأنهم قالوا: إن المحبة ميل القلب إلى المحبوب وهذه صفة المخلوق، ولا يجوز أن تكون صفة لله، فهنا يقال لهم: يلزمكم في تأويلكم نظير ما لزمكم في المعنى الذي فررتم منه، فإنه يقال لكم في قولكم: إن المحبة إرادة الإنعام: ونحن لا نعلم من الإرادة إلا ميل النفس إلى المراد. فافعلوا في الإرادة ما فعلتم في المحبة فأولوها، أو فافعلوا في المحبة ما فعلتم في الإرادة فأثبتوها، وهكذا بقية الصفات.٧ - أما مسألة الكليات المشتركة التي تكون في الأذهان – وتوهم بعض الفلاسفة وأتباعهم أنها قد تكون موجودة في الأعيان – فإن شيخ الإسلام ناقشها طويلا (١)، وبين أثناء ذلك أن حجج هؤلاء مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج، قال: "وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء، حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء، وامتاز كل منها عن الآخر بشيء، وهذا عين الغلط" (٢). وفي (منهاج السنة) قال مجيبا عن هذا الاشتباه والغلط الذي وقع فيه الرازي والآمدي وغيرها: "وأما حل الشبهة فهو أنهم توهموا أنه إذا قيل: إنهما مشتركان في مسمى الوجود، يكون في الخارج وجود مشترك هو نفسه في هذا، وهو نفسه في هذا، فيكون نفس المشترك فيهما، والمشترك لا يميز، فلابد له من مميز. وهذا غلط؛ فإن قول القائل: يشتركان في مسمى الوجود، أي: يشتبهان في ذلك ويتفقان فيه، فهذا موجود، وهذا موجود، ولم يشرك أحدهما الآخر في نفس وجوده البتة. وإذا قيل: يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقا كليا إلا في الذهن، فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه، وكل من الحصتين ممتازة عن الأخرى (٣) "، ثم قال بعد مناقشة أهل المنطق: "فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ، من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أن ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا. وإذا قال: نوعه موجود، أو الكلي الطبيعي موجود، أو الحقيقة موجودة، أو الإنسانية من حيث هي موجودة، ونحو هذه العبارات، فالمراد به أنه وجد في هذا نظير ما وجد في هذا أو شبهه أو مثله، ونحو ذلك. والمتماثلات يجمعها نوع واحد، وذلك النوع هو الذي بعينه يعم هذا ويعم هذا، لا يكون عاما مطلقا إلا في الذهن، وأنت إذا قلت: الإنسانية موجودة في الخارج، والكلي الطبيعي موجود في الخارج، كان صحيحا: بمعنى أن تصوره الذهن كليا يكون في الخارج، لكنه إذا كان في الخارج لا يكون كليان كما أنك إذا قلت: زيد في الخارج، فليس المراد هذا اللفظ، ولا المعنى القائم في الذهن، بل المراد المقصود بهذا اللفظ موجود في الخارج" (٤).

стр. 356

ثم طبق شيخ الإسلام كلامه في مسألة الكليات على شبهة التشبيه التي أوقعت هؤلاء بقولهم بالمشترك اللفظي في مسألة الله وصفاته وما وافقها من أسماء المخلوقين وصفاتهم فقال: "وبهذا يتبين غلط النفاة في لفظ التشبيه؛ فإنه يقال: الذي يجب نفيه عن الرب تعالى اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، أو أن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب، وأما إذا قيل: حي وحي وعالم وعالم، وقادر وقادر، أو قيل: لهذا قدرة ولهذا قدرة، ولهذا علم، ولهذا علم، كان نفس علم الرب لم يشركه في العبد، ونفس علم العبد لا يتصف به الرب، تعالى عن ذلك، وكذلك في سائر الصفات، بل ولا يماثل هذا هذا، وإذا اتفق العلماء في مسمى العلم، والعالمان في مسمى العالم، فمثل هذا التشبيه ليس هو المنفي، لا بشرع ولا بعقل، ولا يمكن نفي ذلك إلا بنفي وجود الصانع" (١).وليس هذا خاصا بالصفات التي أثبتها الأشاعرة، بل يشمل غيرها من الصفات كالنزول والاستواء والمجيء، فإثباتها لله، مع أن المخلوق قد يوصف بالنزول والاستواء والمجيء لا يقتضي المشابهة، والقول بأن ذلك من قبيل المشترك اللفظي يعطل هذه الصفات عن معانيها (٢).وقد بين شيخ الإسلام أن الآمدي – في مسألة الكليات المشتركة ووجودها في الأذهان – قد بين في كتابه (أحكام الأحكام) ما يناقضها، يقول: "والآمدي قد بين فساد هذا (أي المشترك الكلي وكونه قد يوجد في الأعيان) في غير موضع من كتبه، مثل كلامه في الفرق بين المطلق والمقيد والكلي والجزئي، وغير ذلك، وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا من المعين، وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره، فلو رجع إلى أصله الصحيح الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين، لعلم فساد هذه الحجة، ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، تزلق أذهان كثير من الأذكياء في حججهم، ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان فسادها، كالرازي والآمدي ونحوهما: تارة يمنعون وجود الصور الذهنية، حتى يمنعوا ثبوت الكلي في الذهن، وتارة يجعلون ذلك ثابتا في الخارج" (٣).ثم ذكر شيخ الإسلام أن الآمدي في دقائق الحقائق أثبت المشترك الكلي في الخارج (٤)، وفي أحكام الأحكام نفاها ورد على الرازي (٥)، كما ذكر بأن الرازي نفاها أيضا في الملخص (٦)، وبيان هذا التناقض الذي وقع فيه هؤلاء هو جزء من منهج شيخ الإسلام في ردوده عليهم (٧). ٨ - وإضافة إلى ما سبق من ردود فإن شيخ الإسلام يبين هذه المسألة ويوضحها من خلال بيان منهج السلف في الصفات، القائم على إثبات هذه الصفات لله تعالى كما وردت من غير تمثيل ولا تكييف، ولا تحريف ولا تعطيل، ونظرا لأن هؤلاء إنما أوقعهم بالقول بالمشترك اللفظي الخوف من التشبيه، فقد أوضح شيخ الإسلام المسألة وبينها وضرب لذلك بعض الأمثلة المهمة: (أ) فقد بين أن الأسماء والصفات نوعان:

стр. 357

نوع يختص به الرب، مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال، ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوا لله أندادا. والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة، كالحي والعالم والقادر، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلا، فإنه لو ثبت له مثل ما يثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، وذلك يستلزم اجتماع النقيضين (١). وقد سبق تفصيل هذا في مبحث الألوهية والربوبية. (ب) وبالنسبة للنوع الثاني مما يتفقان فيه، فهل يلزم منه التماثل؟ يوضح شيخ الإسلام ذلك ببيان أن هذه الأمور لها ثلاث اعتبارات: أحدها: ما يختص به الرب، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه ليس للعبد فيه نصيب. والثاني: ما يختص بالعبد، كعلم العبد وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق بذلك بعلم الرب وقدرته وحياته، فإنه لا اشتراك فيه. والثالث: المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فهذا المطلق ما كان واجبا له كان واجبا فيهما، ما كان جائزا عليه كان جائزا عليهما، وما كان ممتنعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أن يقال: هذه صفة كمال حيث كانت، فالحياة والعلم والقدرة صفة كمال لكل موصوف والجائز عليهما اقترانهما بصفة أخرى كالسمع والبصر والكلام، فهذه الصفات يجوز أن تقارن هذه في كل محل – اللهم إلا إذا كان هناك مانع من جهة المحل لا من جهة الصفة -. وأما الممتنع عليهما، فيمتنع أن تقوم بهذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، هذا ممتنع عليهما في كل موضع فلا يجوز أن تقوم صفات الله بأنفسها، بل بموصوف، وكذلك صفات العباد لا يجوز أن تقوم بأنفسها، بل بموصوف" (٢). وهذا المطلق الكلي الذي هو النوع الثالث، هو الذي من خلاله نفهم ما خطوبنا به، ولذلك فنحن نعلم مثلا أنه إذا وصف أحد بصفة، فإن هذه الصفة لابد أن تقوم بالموصوف، كما أننا نفرق بين صفة الحياة، والعلم والكلام، من غير أن يرتبط ذلك بتخصيص الموصوف بها، هل هو الخالق أو العبد، ولولا ذلك لكانت معرفتنا بأسماء الله وصفاته وآياته ألغازا وألفاظا أعجمية لا تفهم، ومن أراد أن يلتزم نفي التشبيه بنفي أي نوع من أنواع التشابه الذي يرد في المطلق الكلي فلابد أن يؤدي به الأمر إلى نفي وجود الخالق، ومتى أقر بوجود الخالق وأنه غير هذه المخلوقات لزمه شيء من هذا. (ج) ومن الأصول التي قررها السلف وركز عليها شيخ الإسلام أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحتذى حذوه، فكما أن لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، وإذا كان إثبات الذات لله إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وهذا أصل عظيم، مقنع جدا لمن تدبره، وهو مرتبط بما سبق من صفات المخلوق تخصه كما أن له ذاتا تخصه، وكذلك ربنا ﵎ له صفات تخصه وتليق به كما أن له ذاتا تخصه، ولا يخلط بينهما إلا مشبه ممثل، أو معطل ملحد في أسمائه وصفاته يريد أن يجعل ذلك سلما لتعطيله وتحريفه (٣). (د) ضرب المثل بنعيم أهل الجنة، وبالروح:

стр. 358

وهذان المثلان يكثر ورودهما في مناقشات شيخ الإسلام للأشاعرة ولغيرهم، وفي بيانه للمنهج الحق في الصفات، البعيد عن التأويل والتفويض والتمثيل والتشبيه. يقول شيخ الإسلام مستدلا لهذه المسألة: "بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرا، ولحما، وحريرا، وذهبا، وفضة، وحورا، وقصورا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)، فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض؟ مع أن مباينة المخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق" (١). وفي موضع آخر شرح ذلك فقال: "إنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة، لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس ... "وذكر قوله السابق، وشرح الفرق بين نعيم الجنة والدنيا وأن نعيم الجنة لا يفسد ولا يتغير، ثم قال: "فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه، علم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته، مما في الجنة لما في الدنيا. فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير، لم يلزم أن يكون مماثلا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق ... " (٢).وهذا المثل واضح جدا، مبين للمسألة، وقد وفق شيخ الإسلام في عرضه وشرحه، وهو مما يسلم به مؤولة الصفات، لأنهم يثبتون البعث والجنة والنار، وقد سبق في موضوع تسلط الفلاسفة والقرامطة على المتكلمين بيان أن هؤلاء الملاحدة وصموهم بالتناقض لكونهم أولوا نصوص الصفات ولم يؤولوا نصوص المعاد والجنة والنار، ومعلوم أن الملاحدة طردوا الأمرين نفيا، وأهل السنة طردوهما إثباتا، وهؤلاء تناقضوا، وشيخ الإسلام بينما يضرب هذا المثل – مثل نعيم الجنة – كأنه يريد أن يقرن بين مسألة دلالة النصوص وأنها واحدة في الصفات والمعاد، - وقد شرحها في عرضه لتسلط الملاحدة – ومسألة ما يفهم من النصوص، وأن نصوص النعيم إذا كانت تفهم لأنها تشبه نعيم الدنيا مع ما بينهما من الاختلاف في الحقيقة والكيفية، فكذلك نصوص الصفات تفهم وتعلم ولا تقتضي موافقتها في الاسم لصفات العباد أن تكون مثلها أو مشابهة لها (٣).وكذلك مثل الروح، فإنها "إذا كانت موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، والشيء إنما تدرك حقيقته: إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم ماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته، مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها ... " (٤). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٠٧٠

стр. 359

المطلب التاسع: هل الصفة هي الموصوف أو غيره ؟ هذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، وكل ذلك من الألفاظ المجملة التي كان للسلف – ﵏ – فيها موقف واضح محدد، وهو أنه لا ينبغي إطلاق النفي ولا الإثبات، بل لابد من الاستفصال. والمهم هنا قبل عرض الخلاف في ذلك وبيان الراجح، توضيح منشأ بحث هذه المسألة: أي مسألة هل الصفة هي الموصوف أو غيره، والتي يعبر عنها أحيانا بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها، والذي يظهر أن ذلك نشأ من خلال ردود أهل الكلام على النصاري: أ- فالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم – لبيان باطلهم – أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله "كن" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخلق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر ... (١) فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلت في أحد المخلوقات. ب- وكان من آثار مناقشة أهل الكلام – وخاصة المعتزلة – للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيرا، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنوا – أي المعتزلة – أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى وبنوا ذلك على: - أن الصفة غير الموصوف، وغير الذات. - وأن الصفة لله لابد أن تكون قديمة. والنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل (٢). والعجيب أن هؤلاء المعتزلة – هم أرباب الكلام والبحث في المعقولات – لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثم فلا شبهة ولا تعدد. ج- فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموا ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الرب قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الرب وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الرب بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذرا من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.

стр. 360

وخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:١ - قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات، وهذا قول المعتزلة والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها (١).٢ - قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما، فيقول: أنا أقول مفرقا: إن الصفة ليست هي الموصوف، وأقول: إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف ولا غيره (٢).٣ - جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردون على المعتزلة الذين قالوا لهم يلزم من ذلك إثبات قديمين بعدة ردود منها "أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما كالسواد والبياض اشتراكا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم معنى الإله ... ولأن النبي محدث وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونها محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديما أن تكون آلهة لكونها قديمة" (٣)، وهذا قول الباقلاني (٤)، والقاضي أبي يعلى (٥). ٤ - أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ "الغير" فيه إجمال، ومن ثم فلابد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليس إثبات قول ثالث كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره – فإن هذا قول ثالث، بل المقصود أنه لا ينبغي الإطلاق: نفيا وإثباتا، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال. وهذا قول جمهور أهل السنة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنه قول ابن كلاب (٦). وهؤلاء قالوا: لفظ "الغير" فيه إجمال" - فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود.- وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر (٧). وهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:

стр. 361

١ - فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني – وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر – فالصفة غير الموصوف. فمن قال: عن الصفة هي الموصوف، قاصدا بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصدا بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضا. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته. ٢ - وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الدليل، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى. ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات (١)، على حسب ما لفظ الغير، والذات من الإجمال. وبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المرادن فإن كان حقا قبلوا وإن كان باطلا ردوه (٢). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٠٩٠

стр. 362

المطلب العاشر: قاعدة التنزيه في الصفات عند الأشاعرة الأصل الذي بني عليه التنزيه وهو: مخالفة الحوادثعدد الأشاعرة من الصفات السلبية: المخالفة للحوادث، ولما أرادوا بيان المستحيل في حق الله تعالى، ذكروا أن ضد المخالفة للحوادث المماثلة للحوادث، وحصروا المماثلة في عشر صور وهي: الجسم، والجوهر، والعرض، والمكان، والجهة والتحيز، والتقيد بالزمان، وحلول الحوادث به، والصغر والكبر، والأغراض (١). فقال الأشاعرة بوجوب نفي هذه الصفات عن الله تعالى. وكل ما ذكروه من صور المماثلة ألفاظ لم يرد ذكرها في الكتاب، وفي بعضها إجمال يشتبه من الكلام ويدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين" (٢). وما كان محدثاً من الألفاظ وجب استفصال صاحبه، فإن كان معنى ما ذكره صحيحاً قبل المعنى وطولب باستعمال ما جاء به الشراع من اللفظ، وإن كان باطلاً رد عليه. وإن الذي ذكره الأشاعرة فيه حق وباطل، فلا يجوز إطلاق النفي وإما يقر الحق وينفي الباطل على ضوء ما سبق.

стр. 363

فقولهم بنفي الجهة والمكان والحيز: هو إنكار أن يكون الله تعالى حالاً أو متحداً بشيء من خلقه، وإنكار أن يكون أسفل أو فوق المخلوقات، فنفيهم لأن يكون الحق عالياً على الخلق نفي باطل، وأما نفيهم للاتحاد، والحلول، والسفل، فنفي صحيح. وحقيقة أمرهم أنهم يريدون أن يتوصلوا بنفي ذلك عن الله علوه على خلقه واستوءه على عرشه، فيقال لهم: لفظ الجهة أصله من الوجهة (١) كما في عدة ووعدة – كما في قول الله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٤٨].والجهة قد تكون أمراً وجودياً إما جسماً أو عرضاً في جسم – وهي الأمكنة الوجودية -: مثل داخل العالم، فإن الشمس وسائر النجوم والكواكب ونحوها كلها في جهات وجودية، وهو ما فوقها وما تحتها. ومثل هذا هو الذي يطلقه الرازي ولا يقر بغيره (٢) إلا أنه يقال له: وقد تكون الجهة عدمية مثل: ما وراء العالم، فإن العالم ليس في جهة وجودية، إذ لو كانت هناك جهة وجودية لكانت من جملة العالم أيضاً، والكلام إنما هو في جهة جميع المخلوقات، فإن لم نقل بالجهة العدمية أفضى ذلك إلى التسلسل الممتنع – وعلى هذا فجهة العالم جهة عدمية. وعلى التفصيل السابق يقال لمن يقول: يلزم من القول بعلو الله تعالى واستوائه على عرشه أن يكون في جهة: إما أن تكون الجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً، فإن كانت أمراً وجودياً فإنه يقال: لا يوجد إلا الخالق والمخلوقات – وليس شيء موجود مباين للخالق إلا المخلوقات، فإن كان مبايناً لها فكيف تكون محتوية عليه؟ فإن قالوا: يلزم من هذا إثبات الحد لله تعالى، قلنا ما المانع من إثباته على هذا الوجه، كما قال الأئمة فقد "سئل عبدالله بن المبارك بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد" (٣) وقال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: "والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه". (٤) وهذه اللفظة وإن لم ترد في الكتاب ولا في السنة، إلا أن النافين لها أرادوا أن ينفوا علو الله على خلقه، فلم ينفها الأئمة الأعلام لهذا السبب وذكروا لها معنى صحيحاً (٥).وأما إن أريد بالجهة أمر عدمي فهو ظاهر جداً – إذ الأمر العدمي لا شيء – وما كان في جهة عدمية فليس هو في شيء، فلا فرق بين أن يقال: هذا ليس في شيء، وبين أن يقال هو في أمر عدمي – أي الجهة العدمية – فعلى هذا فالله تعالى مباين لمخلوقاته عال عليهم، وما ثم موجود في العلو إلا هو – إذ لا موجود إلا الخالق والمخلوقات – فالله في علوه وحده، فإن لم يكن معه غيره في علوه فكيف يقال: إنه يحصره أو يحيط به شيء (٦).

стр. 364

وبهذا الاعتبار الأخير أي الجهة العدمية لا يجوز أن ينفي عن الله تعالى الجهة إذ المقصود منها واضح – ولكننا نعبر عنها بما ورد في الشرع من العلو والاستواء. ومثل ما تقدم من الكلام في الجهة، الكلام في الحيز، فيعبرون بقولهم: يستحيل أن يكون الله متحيزاً، فجوابهم: إنهم إذا أطلقوا نفي التحيز يجمعون بين التحيز الوجودي والعدمي، فالتحيز الوجودي هو المفهوم من اللغة، فإذا قيل عن شيء إنه متحيز فمعناه أنه يوجد شيء يحوز غيره (١)، والله تعالى لا يحوزه شيء، إذ ما تم إلا الخالق والمخلوق، وقد علم بصريح العقل أن الله لا يحل في خلقه ولا يحله شيء من خلقه – فإذا كان ذلك كذلك واستحال أن يوصف بجهة السفل – كما يوافق الأشعرية على ذلك – لم يبق إلا أن يوصف بالعلو. وأما التحيز العدمي – فهذا ما يطلقونه – كما هو الشأن في العالم، فقد يقولون إن العالم متحيز – مع أنه ليس داخلاً في عالم آخر – وعليه فإن الحيز هنا أمر عدمي – والعدم ليس بشيء، فإذا كان ذلك كذلك فإن الله تعالى – بهذا الاعتبار – منحاز عن خلقه (٢). ولكن كما تقدم وجب إطلاق كلمة الاستواء والعلو – لا الحيز – ولكنهم لما أرادوا بنفيها نفي الحق الثابت، يمنع نفيها النفي المطلق – والله أعلم. ولكن الأشعرية كغيرهم من المتأولة يطلقون في شأن الباري نفياً غريباً أشبه بإنكار وجوده فيقولون: "ليس فوق العرش أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه ... " (٣) ويعبرون كذلك بأنه لا داخل ولا خارجه (٤).

стр. 365

والجواب: إن قولهم هذا فيه محذوران:-الأول- الجمع بين نقيضين، فيستحيل أن يكون الشيء الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، فإن قيل: إن هذا من رفع الضدين، وهو جائز، وليس من نفي النقيضين إذ شرطهما أن يكون أحدهما سلباً والآخر إيجاباً، فنقيض كلمة: "داخل": لا داخل، وليس كلمة "خارج" فجوابه: إن الاصطلاح لا يغير حقائق الأشياء فإن كلمة "لا داخل" تساوي كلمة "خارج" في المعنى ضرورة أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والمخلوق هو العالم، فإذا قيل ليس داخل العالم لزم أن يكون خارجه، وإذا سلم جدلاً بهذا الاصطلاح فإنه لا يسلم عندئذ بأن كل ضدين يجوز رفعهما كما في مسألتنا هذه – ويقويه: أن الموجود باتفاق إما أن يكون واجباً بنفسه أو ممكناً، ويستحيل أن يكون الشيء الواحد ممكناً واجباً من جهة واحدة، أو لا واجباً ولا ممكناً، فثبت أنهما لا يرتفعان ولا يجتمعان مع أنهما لم يتقابلا بالسلب والإيجاب (١).الثاني- يلزم من هذا القول تشبيه الله جل وعلا بالممتنعات والمعدومات، لأنها يصدق عليها: لا داخل العالم ولا خارجه، فيكونون قد فروا من شيء توهموه شراً إلى ما هو شر منه (٢).ثم إن هذا القول الذي صرح به المتأخرون من أن الله ليس في السماء كان يحاوله سلفهم ولم يصرحوا به كما قال عبدالرحمن بن مهدي عن الجهمية: "يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء" (٣)، وقال حماد بن زيد: "إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء" (٤)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الذي كانت الجهمية يحاولونه قد صرح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السنة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يحول بينهم وبين التصريح به، فلما بعد العهد وخفيت السنة وانقرضت الأئمة، صرح الجهمية النفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره" (٥).ويستطرد الأشاعرة في إيراد شبههم العقلية – التي هي في الحقيقة وساوس وشكوك ومعارضات لنصوص الكتاب والسنة، فقالوا: إثبات علو الله تعالى واستوائه على عرشه إثبات للمكان له – وكل ما كان له مكان فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له فيكون جسماً – وأيضاً: فالمستوي على الشيء يكون محتاجاً إليه ... ورتبوا على هذا منع الإشارة إليه (٦).والجواب: إن الألفاظ التي أتوا بها من الجسمية والمكان ألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، والواجب عدم المسارعة بنفيها أو إثباتها، إذ أكثر من يقول بنفيها عن الله يريد بأنه ليس مستوياً على العرش وليس له علو ذاتي على الخلق، فعلى هذا إن أريد بالمكان: العلو واستواؤه على العرش، قلنا: إن هذا النفي باطل، ولكننا لا نسمي ذلك مكاناً، وإن أريد بالمكان غير ذلك فنبرأ إلى الله تعالى من إثباته له، وكذلك يقال في لفظ الجسم: فإن أريد به ما يصح أن يرى وأنه متصف بصفات الذات والفعل، فلا يجوز نفيه عن الله، إلا أن الواجب مراعاة الألفاظ الشرعية.

стр. 366

وإن أريد أنه مركب من أجزاء، والمركب مفتقر إلى جزئه كالأبدان أو غير ذلك من المعاني الدالة على النقص، فلا يجوز إثباته لله تعالى لا معنى ولا لفظاً (١).وليعلم أنه لا مانع من التزام القول بأنه يشار إليه، وقد أشار إليه نبي الهدى ﷺ لما وعظ الناس في حجة الوداع فقال لهم بعد الوعظ: ((فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس، اللهم اشهد اللهم اشهد)) (٢). ثلاث مرات – وأشار إليه كذلك عمر بن الخطاب ﵁ – كما تقدم النقل عنه. وأما اللوازم التي ذكروها من أن إثبات الاستواء له يقتضي أن يكون في مكان – وقد تقدم الرد عليه – وأن ما كان له مكان لزمه أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون أكبر منه أو أصغر أو مساوياً، فجوابه: إن القول بأنه يكون أصغر أو مساوياً قول باطل، وأما كونه أكبر فهذا نلتزمه فالله أكبر من كل شيء ذاتاً وعظمة وجلالاً وكمالاً، ولا ندخل في ذلك متوهمين بآرائنا ولا مكيفين ولا محددين. مع ملاحظة أنهم استخدموا للتوصل إلى هذا الإلزام قياساً شموليا وهو لا يجوز استعماله في المطالب الإلهية (٣).وأما القول بأنه لو كان مستوياً على العرش لكان محتاجاً إليه فخطأ أيضاً لأن هذا مبني على قياس الخالق على المخلوق فإن القائس توهم حاجة الباري إلى العرش كاحتياج المستوي على الفلك والأنعام إليها، هذا باطل فإن الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فكما أخبر أن له قدرة وعلماً وسمعاً وبصراً ولم يلزم من إثباتها للخالق أن تكون مماثلة لما للخلق، فكذلك لا يلزم في الاستواء فالله هو الغني عن الخلق وهو الخالق للعش ولغيره فكل ما سواه مفتر إليه (٤). ومن الألفاظ التي ذكرها الأشاعرة في صور المماثلة للحوادث: لفظ الصورة والغرض، والجوهر، والعرض: أما لفظ الصورة فمما يحتمل معنى صحيحاً ويحتمل معاني باطلة: أما المعنى الصحيح فإن الصورة في اللغة بمعنى: الصفة (٥) ولا شك في أن الله جل وعلا صفة وكيفية يعلمها هو، ومما ورد في إثباتها: الحديث الطويل في الموقف يوم القيامة وفيه: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون)) (٦). وأما المعاني الباطلة للصورة: فكالشيء المنطبع على الأوراق ونحوها كما في التصوير المسمى (بالفوتوغرافي) وكالشيء المنعكس من الجسم المصقول كالمرآة، فهذه كلها معاني باطلة لا يجوز إثباتها لله تعالى، فإن الله ليس بصورة وإنما هو حي قائم بنفسه، وهو له سبحانه صورة بمعنى الصفة والكيفية التي اختص بعلمها وكمالها. والله أعلم. وأما نفي الغرض فيريدون منه نفي الحكمة عن الله، وقد تقدم بحث إثبات الحكمة، والمنع من إطلاق لفظ الغرض، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. وأما لفظ الجوهر والعرض فلفظان مجملان كذلك؛ فإن أريد بالجوهر: الجوهر الفرد، ثم الزعم بأن الأجسام كلها متركبة من الجواهر المفردة، وهذا يقتضي تماثلها، فهذا المعنى باطل لأن الله ليس كمثله شيء، وإن أريد بالجوهر: المتحيز وهو بمعنى الجسم في اصطلاحهم، فإنه قد تقدم تفصيل لفظي التحيز والجسم وإن أريد بالجوهر: ما هو قائم بنفسه بشرط كونه لا يماثله شيء في ذلك، فهذا المعنى لا ينفي عن الله مع المطالبة بالألفاظ الشرعية كالقيوم (٧).وأما لفظ العرض فإن أريد به الصفات التي يتصف بها فإنه لا ينفي هذا اللفظ، وإن كان إطلاقه لا يخلو من محذور لأنه في اللغة إذا قيل: عرض فالمراد ما يعرض من الأمراض ومنه الناقة العارضة (٨)، وإن أريد بالعرض ما يقوم بغيره ثم قيل: الله ليس بعرض، فهذا النفي صحيح لأن الله قائم بنفسه وليس قائماً بغيره ولكن الملاحظ أن الذين ينفون الصفات يطلقون عليها أعراضاً، فيتوصلون بنفي العرض ما ثبت بالكتاب والسنة من صفات الله، فلذا وجب استفصالهم فيها (٩). والله أعلم. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٤٥

стр. 367

المطلب الحادي عشر: التفصيل في النفي مع الإجمال في الإثبات فالصفات الثبوتية الوجودية سبع صفات وهي: المعاني، وأما بقية الصفات الثبوتية الأخرى فهي إما صفات اعتبارية أو سلبية أو لا توصف بالوجود ولا بالسلب – على حد اصطلاحهم – فالأولى هي الوجود، والثانية أي السلبية خمس، وقد علمت، والثالثة هي المعنوية – وقد تنازعوا في إثباتها كما تقدم -. كما تنازعوا في إثبات صفتي الإدراك والتكوين، فهم بالجملة قد اتفقوا على سبع صفات وجودية وهي المعاني. فيبقى بعد ذلك ما يسمونه بالمستحيل في حق الله تعالى – ولولا أن المقصود هنا إثبات أن هذا الباب مبني على السلوب لما سقت كلامهم فإنهم قد قالوا: "مما يستحيل في حقه تعالى ... وهي: العدم والحدوث طروء العدم والمماثلة للحوادث بأن يكون مجرماً – أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ – أو يكون عرضاً يقوم بالجرم أو يكون في جهة للجرم "أي يستحيل على الله تعالى أن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق العرش مثلاً أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه) أو له هو جهة ( ... أي في نفسه بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو قدام أو خلف) أو يتقيد بمكان أو زمان أو تتصف ذاته العلية بالحوادث أو يتصف بالصغر أو الكبر أو يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام – وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون قائماً بنفسه بأن يكون صفة يقوم بمحل أو يحتاج إلى مخصص - وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون واحداً بأن يكون مركباً في ذاته أو يكون له مماثل في ذاته أو في صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال، وكذا يستحيل عليه تعالى العجز عن ممكن ما وإيجاد شيء في العالم مع كراهيته لوجوده أي عدم إرادته له تعالى أو مع الذهول أو الغفلة أو بالتعليل أو بالطبع، وكذا يستحيل عليه تعالى الجهل وما في معناه "كالشك والظن والوهم والذهول والغفلة والنسيان ... " والموت والصمم والعمى والبكم "وما في معناه بأن يكون كلامه بحروف وأصوات". (١) " اهـ وذكروا أموراً أخرى وما نقلته كاف لإثبات هذه الدعوى. نقد طريقتهم في التنزيه: ١ - التفصيل في النفي عليه ملاحظة من جهتين: الأولى/ هذه الطريقة غير الطريقة المذكورة في القرآن والسنة. الثانية/ إن مطلق النفي قد لا يتضمن مدحاً. وقد تقدم الكلام على هذه والتي قبلها. ٢ - في طريقتهم للتنزيه أتوا بعبارات موهمة مجملة يلزم من نفيها نفي الباطل والحق معاً، وقد تبين ذلك بعد مناقشتهم فيما أتوا به منها في الفرع الأول السابق.٣ - إن طريقة التنزيه عند الأشاعرة مأخوذة من مسألة مخالفة الحوادث، بل عدوا في الصفات السلبية صفة المخالفة للحوادث، وهي مبنية على أن إثبات بعض الصفات يستلزم الجسمية، وهذه الطريقة غير مستقيمة لوجوه (٢):- فكل خير في أتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف الوجه الثاني: إن هذه الطريقة تحكم على صاحبها بالتناقض، فهو يثبت سبع صفات ويدعي أنها لا تماثل صفات الخلق، وينفي ما عداها بدعوى مماثلة الخلق، مع أنه يلزمه أن يسلك هذه الطريقة في جميع الصفات التي أثبتها والتي نفاها. الوجه الثالث: إن هذه الطريقة التي سلكها الأشاعرة في التنزيه – وقد كانوا أخذوها عن المعتزلة الذين ينفون بها الأسماء والصفات كلها – سلكوها كذلك في رد النقائص كالحزن والبكاء في ردهم على اليهود، فصاروا على هذا الأصل هم ومثبتة النقائص خصماء للمعتزلة فيرد المعتزلة على الطائفتين بهذه الطريقة نفسها. الوجه الرابع: إن هذه الطريقة قد تستخدم في نفي ما علم فساده بالضرورة من دين الإسلام وبصريح العقل كالبكاء والحزن، فاستخدام هذه الطريقة – طريقة التجسيم والتحيز – استخدام لا يخلو من اعتراض واشتباه وخفاء، فكيف يستخدم دليل خفي على ما هو جلي واضح؟! المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٥٥

стр. 368

المطلب الأول: الأدلة العقلية ومنزلتها من الاستدلال يولي الأشاعرة لدليل العقل اهتماماً كبيراً، فهو إما أن يكون المستقل في إثبات الشيء وإما أن يكون شرطاً، ويتضح ذلك في أمرين كليين ذكرهما الأشاعرة وهما: الأول: قالوا: بعض المسائل لا يصح الاستدلال لها إلا بدليل العقل، وهي التي تتوقف عليها الرسالة كالقدرة والعلم والإرادة ... فلو استدل فيها بدليل النقل ابتداءً لحصل الدور. وقد مضت مناقشة هذا الادعاء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. الثاني: وقالوا: بعض المسائل لا يصح الاستدلال لها إلا بدليل النقل، ولكن بشرط عدم المعارض العقلي. وسيأتي إيضاحه إن شاء الله ولكن يلاحظ أن هذا الشرط الذي شرطوه: لم يلتزموه في المسائل التي أدلتها عقلية محضة بدعوى أن انتفاء المعارض في الدليل العقلي معلوم بداهة وضرورة! وخلاصة الأمر: إن الأدلة العقلية لها أعلا المنازل عند الأشاعرة. ومثل هذا يعد مخاطرة شديدة، يوقع في المضايق والإشكالات والاعتراض على الشرع! المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٦٠

стр. 369

المطلب الثاني: أنواع الأدلة العقلية: قياس الغائب على الشاهد: هذا النوع من القياس وإن كان قد رده الأشاعرة في إثبات الصفات إلا أن الملاحظ استخدامهم له في النفي. فقد صرح الإيجي في كلامه عن المسالك الضعيفة بضعف هذا القياس، فقال: "المقصد الخامس: وههنا طريقان ضعيفان" الأول: قالوا ما لا دليل عليه فيجب نفيه. الثاني: قياس الغائب على الشاهد، ولابد من إثبات علة مشتركة، وهو مشكل الجواز كون خصوصية الأصل شرطاً، أو الفرع مانعاً ... " (١) اهـ. إلا أنه يلاحظ استخدامهم له في نفي ما ثبت لله جل وعلا من الصفات. ومن أمثلة ذلك:١ - قولهم في نفي الصوت عن الله جل وعلا – إذ قد لاحظوا أن الأصوات في الشاهد تحتاج إلى مخارج من الحلق واللسان والشفاة، ولابد من الاصطكاك ليحدث الصوت – قالوا: فإذا ثبت هذا، فإنه إن أثبت لله صوت لزم وجود هذه المخارج (٢)! فهذا قياس باطل تقدمت الإجابة عنه. ٢ - قولهم في نفي صفة الاستواء: إنه لو كان مستوياً على العرش لكان محتاجاً إليه، لأنهم لم يعقلوا في الشاهد إلا هذا الاستواء الذي يكون المستوي فيه محتاجاً إلى ما يستوي عليه. والأمثلة كثيرة جداً في النفي كلها دالة على تناقض الأشاعرة في هذا الدليل. قياس الشمولوهذا القياس يستخدم لإثبات حكم لجزئي معين لوجود مشترك كلي متناول له ولغيره (٣) ويستخدم فيه أداة "كل" الدالة على العموم والشمول. وقد استخدم الأشاعرة هذا القياس في الإثبات وفي النفي. ففي الإثبات كقولهم لإثبات صفة الإرادة: "الله صانع للعالم بالاختياري، وكل من كان كذلك تجب له الإرادة، فالله تجب له الإرادة." (٤).ومثاله في النفي: كل ما كان بجهة جازت عليه الحركة والسكون، وكل ما جازت عليه الحركة والسكون حادث، فإذا كان الله في جهة كان حادثاً – وهو محال – فثبت أنه ليس في جهة (٥). والمناقشة: استخدام هذا القياس في إثبات الصفات استخدام لا يخلو من خطأ – إذ مؤداه ثبوت الإرادة للخالق كثبوتها للمخلوق – وهذا خطأ، فإن الصفة للخالق أكمل منها عند المخلوق، ولا اشتراك في حقيقتهما أبداً، والله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. فلا يجوز إدخاله وغيره في قضية كلية تستوي فيها أفرادها. ولذا فلو استخدموا قياس الأولى على قاعدة الكمال لكان استخداماً موافقاً للطريقة الشرعية، ونظمها هكذا: الإرادة صفة كمال في حق المخلوق، والخالق يمكن أن يتصف بها، فالخالق إذاً أولى أن يتصف بها على الوجه الأكمل، ويوضح إمكان اتصافه بها أن المخلوق المحدث قد اتصف بها وهي كمال فيه، ولم يستفد كماله هذا إلا من خالقه، ولا شك أن الله الذي جعل غيره كاملاً هو أحق بهذا الكمال منه، وثبوت هذا الكمال له لا يتوقف على غيره (٦).

стр. 370

واستخدامهم لهذا القياس في النفي خطأ كذلك، إذ فيه إدخال الله جل وعلا مع غيره في قضية كلية تستوي أفرادها والله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].وبهذا يعلم أن كل الشبهات التي أوردها الأشاعرة وغيرهم من علماء الكلام على أهل السنة في إثباتهم للصفات الخبرية الفعلية والذاتية – مبنية على هذا الأصل، وبه يعلم أن كل معطل ممثل، فإنه ما عطل المعطل إلا لاعتقاده أن ما نفاه لو أثبته للزم منه التشبيه والتمثيل، فيكون قد انقدح في نفسه هذا التشبيه أولاً ثم عطل ثانياً (١). ومما وجه من نقد على هذا القياس – بجانب الخطأ السابق – مسائل صناعية في الاستدلال وهي:١ - إنهم اشترطوا لصحة القياس وإفادته للمطلوب: قضية كلية. وعندئذ يقال لهم: هل العلم بهذه القضية الكلية بدهي أو نظري؟ فإن كان بدهياً فأولى أن يكون كل واحد من أفرادها بدهياً، لأنها تسبق إلى الذهن مباشرة، وعلى هذا أمكن أن يقال عن هذا القياس: إن فيه تطويلاً وإتعاباً للذهن. (٢) وإن كان نظرياً احتاج إلى علم بدهي فيفضي إلى الدور أو التسلسل (٣).٢ - الكليات تتحقق في الأذهان لا في الأعيان. وقياس الشمول على هذا لا يعلم به موجود معين أصلاً، لأنه لا يعلم به إلا الكليات، فاستخدامه – مثلاً – لإثبات وجود الله خطأ، لأنه يدل على وجود موجود مطلق، وهو الأمر الكلي المشترك بينه وبين غيره، فلا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، مع أن الله وهو واجب الوجود – يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وعليه فهذا الدليل وحده لا يعلم به وجود الله (٤). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٦١

стр. 371

المطلب الثالث: الأدلة النقلية ومنزلتها من الاستدلال التفريق بين الأدلة النقلية: يفرق الأشاعرة بين ما يجوز الاستدلال به من الأدلة النقلية السمعية وما لا يجوز، فإن ما يستدل له بالأدلة النقلية ينقسم قسمين: قسم يجوز أن يحتج له بالأدلة النقلية المتواترة والآحادية، وهذا في الأسماء الحسنى فإنهم عدوها توقيفية، "ويتوقف جواز إطلاقها عليه تعالى على ورودها في كتاب أو سنة صحيحة أو حسنة أو إجماع – لأنه غير خارج عنها" (١) وقسم يحتج له بالأدلة القطعية وهي الكتاب والسنة المتواترة على سبيل التأكيد للدليل العقلي – وذلك في صفات: الحياة والقدرة والإرادة والعلم – على خلاف بينهم في صفة الكلام (٢)، ولا يحتج بدليل السنة الآحادي مطلقاً في باب العقيدة كلها – ما عدا ما تقدم في الأسماء الحسنى -. قال الرازي: "أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز" (٣).وما ذكروه من صحة الاحتجاج بالأدلة السمعية كلها على الأسماء الحسنى فكلام صحيح. وأما كلامهم بأن بعض الصفات لا يحتج لها بالأدلة السمعية فمبني على أن الأدلة السمعية خبرية فقط لا تشتمل على الأدلة والبراهين العقلية، وهذا خطأ قد مضى بيانه وتقويمه. وأما ردهم للاحتجاج بخبر الآحاد فخطأ، ترده الأدلة المذكورة في فصل أهل السنة والجماعة (٤). وأما شبهاتهم التي أوردوها فإنه قد ذكر الرازي خمسة أوجه قاضية بإفادة خبر الواحد الظن لا العلم – وسأذكرها واحدة واحدة مع المناقشة إن شاء الله تعالى: الوجه الأول/ ذكر الرازي: أن أخبار الآحاد: مظنونة للإجماع على عدم عصمة الرواة فيتحمل عليهم إذاً الخطأ والكذب، فيكون صدقهم مظنوناً لا معلوماً – وما كان كذلك فلا يجوز التمسك به لقول الله تعالى: إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [يونس: ٣٦]، وقوله: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] إلى آخره ما ذكره (٥). والجواب: إن ما ذكره الرازي من الجواز العقلي القاضي بجواز الكذب والخطأ على الرواة – كلام كلي لم يستثن فيه الرازي الصحابة، وهذا خطأ فاحش إذ قد أجمع المسلمون - عدا الروافض والخوارج – على عدالة جميع الصحابة وصدقهم، أما احتمال الخطأ منهم فوارد، ولكن قد علم حرص الصحابة وتوقيهم للرواية، أفيقال بعد هذا كله ما قاله الرازي فيهم؟ ثم إنه لو فرض أن أحدهم أخطأ في حديث، فهل يجوز لبقية الصحابة أن يسكت عنه؟ هذا محال. وهكذا يقال في عصور الرواية الأخرى. ثم إنه يقال للرازي: إن كل الأئمة الذين لهم خبرة بحديث الرسول ﷺ وأمضوا أكثر أعمارهم فيه جزموا بصحة كثير من الأخبار عن الرسول ﷺ خاصة أحاديث الصفات، فإنه إذا سلم للرازي كلامه هذا في بعض الأخبار، فإنه لا يسلم له ذلك في أحاديث الصفات التي هي إما متواترة أو مشهورة متلقاة بالقبول كما مر.

стр. 372

وبعد هذا يعلم خطأ استدلاله بالآيات في عدم الأخذ بالظن. إذ الظن فيها هو ما كان على سبيل التوهم غير المستند إلى دليل صحيح، ولذلك فهو نفسه لا يأخذ بها لرد الأحكام الفرعية العملية مع قوله بظنيتها، ومهما فسر الظن الوارد في الآيات فإن أخبار الصفات لا تدخل فيها، إذ هي إما متواترة أو مشهورة متلقاة بالقبول، فخرجت عن كونها ظناً ... الوجه الثاني للرازي: ذكر بأن أجل طبقات الرواية وهم الصحابة لا تفيد روايتهم القطع، فأولى ألا تفيد رواية غيرهم، ثم ساق أمثلة تبين أنه لا يمكن القطع برواية الصحابة منها أن عمر طعن في خالد وابن مسعود وأبا ذر بالغا في الطعن في عثمان، وكذلك عائشة طعنت فيه ... الخ (١). والجواب: إن إطلاق الرازي عبارة (الطعن) يوهم أن ذلك كان بالقدح في العدالة – وليس الأمر كذلك –وإنما هي قضايا مخصوصة حصل فيها اختلاف في وجهات النظر والاجتهاد (٢)، فاعتبار مثل هذه القضية الخاصة قضية كلية يؤخذ بها، كلام لا يسلم له، إذ الواقع يبين أنه قد أخذ بعضهم عن بعض. ثم إن الرازي في كل ما سرده من أمثلة في التشكيك في بعض الروايات لم يأت بمثال واحد يفيد التشكيك في صحة أحاديث الصفات، ولو وجد لما قصر في ذلك إذ هو الذي يريده. فلما كان ذلك كذلك علمنا يقيناً أن أحاديث الصفات متلقاة بالقبول عند سلف الأمة، حتى نشأ أهل البدع فطعنوا فيها لما لم يجدوا طريقاً على تأويلها. الوجه الثالث عند الرازي: قال الرازي: "إن جماعة من الملاحدة وضعوا أخباراً منكرة موضوعة واحتالوا في ترويجها، والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها بل قبلوها، وأي منكر فوق وصف الله تعالى بما يقدح في ربوبيته؟ " (٣). والجواب:

стр. 373

هذا الوجه الذي ذكره الرازي لباب الزندقة، إذ هو يقود إلى التشكيك في هذا الدين، إذ كيف يغفل المحدثون التنبيه إلى أحاديث تطعن في الرب ؟ ولذلك فهنا وقفتان في كلام هذا الرازي: الوقفة الأولى/ إن الرازي قد ادعى دعوى عريضة بأن جماعة من الملاحدة وضعوا أخباراً منكرة ولم يبين واحداً منها، ولم يقم دليلاً على دعواه – ونحن وإن كنا نوافقه على وضع الملاحدة لبعض الأحاديث، إلا أننا لا نوافقه أن المحدثين لم يعرفوها، بل إن المتتبع لأحوال الأئمة وطرقهم في معرفة الأحاديث الموضوعة يتضح له بلا لبس ولا شك أن الأحاديث المنكرة الموضوعة قد بينت وصنفت فيها مصنفات، والظاهر أن الرازي أخذ هذه الشبهة من الجهمية. فإن الجهمي الذي رد عليه الدارمي قد أورد هذه الشبهة فرد عليه الدارمي بقوله: "أوليس قد ادعيت أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألف حديث دلسوها على المحدثين؟ فدونك أيها الناقد البصير الفارس النحرير فأوجدنا منها اثني عشر حديثاً، فإن لم تقدر عليها، فلم تمتحن العلم والدين في أعين الجهال بخرافتك هذه؟ لأن هذا الحديث إنما هو دين الله بعد القرآن، وأصل كل فقه، فمن طعن فيه فإنما يطعن في دين الله" (١).الوقفة الثانية: قول الرازي: "والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها، بل قبلوها" وهذا طعن قبيح في الأئمة الأعلام الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والديانة كالسفيانين ومالك وأحمد والشفاعي وابن المبارك والليث وغيرهم من أساطين الحديث وأركان الرواية الذين ملأوا الدنيا علماً وفضلاً، وقد تهيب الرازي أن يقول إنهم جاهلون وإنما قال: "لسلامة قلوبهم" وهل سيلم القلب يقبل رواية تقدح في الربوبية؟! ولذلك هو قد صرح في الوجه الرابع بعدم عقلهم إذ أورد ذلك بصيغة التساؤل فقال: "فما كان فيهم عاقل؟ ... إن هذا من العجائب! " (٢) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم إن قول الرازي: "بل قبلوها" يفيد قطعاً أنه يعني أحاديث الصفات التي يتوهم الرازي وأمثاله أنها تقدح في الربوبية، ولكننا عندئذٍ لا نسلم له بأنها موضوعة ومنكرة ولذلك لا يضر قوله: "ما عرفوها" بل هم قد عرفوها ونصوا على صحتها وقبولهم والقول بمقتضاها كما تقدم عنهم سابقاً. وبهذا يظهر جلياً أن الرازي حكم عقله في هذه المسائل دون الرجوع إلى الحقائق المقررة عند سلف هذه الأمة فيها مما أوقعه في الخطأ. الوجه الرابع: قال الرازي: "إن هؤلاء المحدثين يخرجون الروايات بأقل العلل؛ إنه كان قائلاً إلى حب علي فكان رافضياً فلا تقبل روايته، وكان معبد الجهني قائلاً بالقدر فلا تقبل روايته، فما كان فيهم عاقل يقول إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته، إن هذا من العجائب! " (٣).

стр. 374

والجواب: ينظر أولاً في الأحاديث التي يزعم الرازي أنها تطعن في الرب، فإن كانت حقيقة تطعن في ذات الرب تعالى فإن أئمة الحديث كلهم عقلاء والحمد لله، وردوا مثل هذه الأحاديث وطعنوا في رواتها ولم يقبلوا حديثهم، ويعرف ذلك من وقف على كتبهم وأقوالهم في الجرح والتعديل والموضوعات والعلل، فمن ذلك: ما وضعه محمد بن شجاع الثلجي: ((أن الرسول ﷺ سئل يا رسول الله مما ربنا؟ قال: من ماء مرور لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق)) (١) قال ابن قتيبة: "ولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا بالتشبيه المحض بالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها وقالوا بالكيفية فيها، وحملوا من مستشنع الحديث: عرق الخيل وحديث عرفات وأشباه هذه من الموضوع ما رأوا أن الإقرار به من السنة وفي إنكاره الريبة، وكلا الفريقين غالط وقد جعل الله التوسط منزلة العدل، ونهى عن الغلو فيما دون صفاته من أمر ديننا فضلاً عن صفاته، ووضع عنا أن نفكر فيه كيف كان وكيف قدر وكيف خلق، ولم يكلفنا ما لم يجعله في تركيبنا ووسعنا" (٢). فهذا مثال يدل على معرفة الأئمة لا يقدح في ذات الرب تعالى. والأمثلة كثيرة، فلتراجع في كتب الموضوعات. وأما إن كانت تلك الأحاديث مما يتوهم الرازي أنها تطعن في ذات الرب وليست كذلك، كأحاديث النزول والضحك وغير ذلك فالجواب: إنها ليست مما يطعن في ذات الرب، فإن منها المتواتر كحديث النزول إلى سماء الدنيا، ومنها الآحاد المتلقاة بالقبول عند الأئمة، فعلى هذا يكون العاقل من قبلها. ومن لم يقبلها فليس بعاقل. وأما قوله: "إن هؤلاء المحدثين يخرجون الروايات بأقل العلل": فكلام يرجع عليه بالرد، إذ يفيد عناية المحدثين بهذا الشأن، فما كان يطعن في الرب سبحانه فبطلانه ظاهر وليس من العلل الخفية، أما أحاديث الصفات الصحيحة المتلقاة بالقبول فقد خبرها المحدثون ومحصوها ولم يجدوا لها علة، وتلقوها بالقبول. ومع هذا فكلام الرازي ليس على إطلاقه فالعلل بعضها قادح يرد بها الحديث، وبعضها ليس بقادح فلا يرد لأجلها الحديث – والله أعلم -. الوجه الخامس: قال الرازي: "إن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول ﷺ وما كتبوها عن لفظ الرسول، بل سمعوا شيئاً في مجلس، ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر، ومن سمع شيئاً في مجلس مرة واحدة، ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعيانها، وهذا كالمعلوم بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلاً بأن شيئاً من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول ﷺ بل ذلك من ألفاظ الراوي، وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع مما جرى في ذلك المجلس ... (٣) " اهـ. والجواب: إن الرازي يضع مقدمات ظنية ثم يجعل النتيجة قطعية وهذا يخالف ما يدعيه من التحقيق والتدقيق، فمن ذلك قوله: وما كتبوها عن الرسول" فمن أين له القطع بأنهم جميعاً ما كانوا يكتبون؟

стр. 375

ثم لو سلم له عدم الكتابة فالجواب: إن الله قد أعطاهم قوة على الحفظ وهذا معلوم عند المحدثين، فمن ذلك ما جرى لأبي هريرة ﵁، قال أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم: "إن مروان دعا أبا هريرة فأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله، وجعلت أكتب، حتى إذا كان كان عند رأس الحول، دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر".وقوله كذلك: "رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر" فهذه أيضاً مقدمة ظنية ليس له عليها دليل، وقد علم بالإجماع أن بعض الصحابة قد بلغ قومه في حياة الرسول ﷺ ، ومنهم من كان يتناوب لسماع الحديث ليحدث به صاحبه في حالة غيابه كما جرى لعمر بن الخطاب ﵁ وجاره (١) ثم إنه لو سلم له هذا القول، فليس طول الزمان موجباً لتغيير اللفظ إن كان صاحبه مازال حافظاً، ولذلك فالرازي نفسه يشعر بضعف حجته حيث قال: "وهذا كالمعلوم بالضرورة"، ولم يقل معلوم بالضرورة. ثم قوله: "ومن سمع شيئاً في مجلس مرة واحدة": فيقال له وهل تجزم بأن الحديث لا يحدث به الرسول ﷺ إلا في مجلس مرة واحدة؟ ثم لو فرض ذلك فما الذي يضير إذا كان من سمعه حجة ثبتاً متقناً حافظاً؟ ولحفظ الحديث أسباب قد وجدت وهي: (٢) ١ - قوة الذاكرة عند المتقدمين. ٢ - تأييد الله تعالى وإرادته لظهور هذا الدين، ولا يكون إلا بحفظ أصليه وهما الكتاب والسنة. ٣ - هيبة الصحابة وتعظيمهم لحديث الرسول ﷺ – فكانوا يحتاطون في الرواية خشية الكذب على رسول الله ﷺ .٤ - رغبتهم في حصول دعاء الرسول ﷺ – لهم بقوله ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها)) (٣).٥ - ومع هذا كله فقد ثبت أن بعض الصحابة قد كتب شيئاً من الحديث في عهد الرسول ﷺ وبعد عهده بقليل – فمن ذلك: الصحيفة لهمام بن منبه عن أبي هريرة – والصحيفة الصادقة لعبدالله بن عمرو بن العاص، وغير ذلك كثير (٤). والمقصود: أن الرازي يضع مقدمات ظنية ثم يدعي قطعية النتيجة بقوله: "وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلاً بأن شيئاً من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول ﷺ "، والجواب عن هذا:- ١ - إن هذا الذي قطع الرازي بصحته وجزم، مستنتج من مقدمات ظنية الحق بخلافها وهي لا تؤدي إلى اليقين والقطع.

стр. 376

٢ - ثم إنه يقال كيف يحصل التبديل في لفظ "الضحك" و"الغضب" و"الأصابع" وغير ذلك – فهل هذا مما يحصل فيه اللبس والخطأ؟ وفيما يلي أحاديث من صحيفة وهب بن منبه عن أبي هريرة ﵁ – التي وجدت وطبعت، وقد سردها الإمام أحمد بكاملها في مسنده (١) فاستقرأتها واخترت منها سبعة أحاديث موضوعها في الصفات تدل قطعاً على عدم التغيير:١ - ((لما قضى الله الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي)) (٢) وفيه صفات: قضاء الخلق، والاستواء، والرحمة والغضب.٢ - (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) (٣) , وفيه صفة المحبة.٣ - ((يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص مما في يمينه. قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض والبسط يرفع ويخفض)) (٤) , ففي هذا الحديث إثبات اليدين لله وأنه يفعل بهما: الإنفاق باليمين، وبالأخرى يرفع ويخفض.٤ - ((تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم، فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله قدمه، فتقول: قط، قط، فهنالك تمتليء ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقاً)) (٥) , وفيها من الصفات لله: صفة الكلام والقدم.٥ - ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في)) (٦). وفيه إثبات صفة الفرح لله تعالى.٦ - ((اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)) (٧) , وفيه إثبات صفة الغضب.٧ - ((يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد)) (٨) , وفيه صفة الضحك. ثم إن الرازي أتى بكلام ممجوج يدل على الطعن في الصحابة قال: "بل ذلك من ألفاظ الراوي" فالذين سمعوا من الرسول ﷺ هم الصحابة – فاتهامهم بالتغيير طعن فيهم، بل يزداد الأمر سوءاً إذا كان ذلك في أصل الدين في إلهية الرب سبحانه وربوبيته، إذ حاصله أن الصحابة لم يعتقدوا الاعتقاد السليم!.

стр. 377

وقوله: "وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع مما جرى في ذلك المجلس" فجوابه: إنا لا نشك أن الصحابي إذا صرح بسماعه من الرسول ﷺ – فإنه كما قال، وإن أتى بعبارة محتملة للسماع كقوله: قال رسول الله ﷺ ، فالأصل فيه أنه سمعه منه، ولكن قد يكون بعض الصحابة – خاصة صغارهم – يروي ذلك عن صحابي آخر، وهذا لا مطعن فيه إذ الجميع قد ثبتت عدالتهم بالإجماع. وبالله التوفيق. فقد ظهر مما تقدم أن الرازي وأمثاله من أساطين الأشاعرة كالغزالي والجويني لم يكونوا على خبرة بالسنة فمثال ذلك قول الجويني: ومما تتمسك به الحشوية: مما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله خلق آدم على صورته)) (١) وهذا الحديث غير مدون في الصحاح" (٢). مع العلم بأنه متفق عليه! – وكقول الغزالي: "وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (٣). فإن كان مراده بأحاديث التشبيه الأحاديث التي فيها تمثيل الخالق بخلقه فكلها باطلة موضوعة ولا يقال أكثرها غير صحيحة!، وإن كان يريد ما يفهمه ويتوهمه تشبيهاً من أحاديث الصفات الصحيحة فهي كلها صحيحة، وقد فهم منها السلف فهماً صحيحاً. وما تقدم نقله عن الجويني والغزالي يدل على عدم اعتمادهم كثيراً على الحديث في هذا الباب – بل ويدل على عدم خبرتهما به في الجملة، وقد صرح الحافظ ابن حجر في التخليص الحبير بعدم خبرة هذين الإمامين في الحديث فقال عن الجويني، "ونقل الرافعي عن إمام الحرمين في النهاية أنه قال: "في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء وهو من المواضع العجيبة التي تقضي على هذا الإمام بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث المشهورة فضلاً عن غيرها" (٤).وقال نحو هذه العبارة في موضع آخر (٥)، ثم قال عنه وعن تلميذه الغزالي: "قال إمام الحرمين "رأيت في كتاب معتمد أن عائشة روت ذلك"، وتبعه الغزالي فقال: "قيل: إن عائشة روت ذلك"، وهذا دليل على عدم اعتنائهما بالحديث، كيف يقال ذلك في حديث سنن أبي داود التي هي أم الأحكام! "، وله عبارة فيهما نحو هذا في موضع آخر (٦)، بل إن الغزالي نفسه قد حكم على نفسه فقال: "وبضاعتي في الحديث مزجاة" (٧).أما الرازي فهو مثلهم في عدم المعرفة بأحاديث الرسول ﷺ والخبرة بمذهب السلف، فلذلك يتخبط هو وغيره ويرمون من يقول بمقتضى الأحاديث بأنه مشبه أو مجسم – مع العلم بأنهم جميعهم يحتجون بأقوال ساقطة سلفهم فيها فلاسفة ملاحدة أو منجمون مشركون – وفي الرازي يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن العجب أن هذا الرجل المحاد لله ولرسوله عمد إلى الأخبار المستفيضة عن رسول الله ﷺ التي توارثها عنه أئمة الدين وورثة الأنبياء والمرسلين، واتفق على صحتها جميع العارفين، فقدح فيها قدحاً يشبه قدح الزنادقة المنافقين، ثم يحتج في أصول الدين بنقل أبي معشر أحد المؤمنين بالجبت والطاغوت أئمة الشرك والضلال نعوذ بالله من شرورهم وأقوالهم والله المستعان على ما يصفون" (٨).

стр. 378

بيان حقيقة موقفهم من الأدلة النقلية كلها خاصة المتأخرين: وقد يظهر للناظر لأول النظر أن الأشاعرة بتقسيمهم للمسائل حسب الدليل يفيد أن منها ما يثبت بالشرع فقط، ولكن ليعلم أن العقل أصل حتى لهذا النوع عندهم، إذ أن إقامة الدليل النقلي على المسائل السمعية متوقفة على حكم العقل بالجواز أو عدم المعارض، وفي هذا يقول الغزالي: "وأما المعلوم بمجرد السمع فتخصيص أحد الجائزين بالوقوع فإن ذلك من مواقف العقول، وإنما يعرف من الله بوحي وإلهام، ... ثم كل ما ورد السمع به ينظر: فإن كان العقل مجوزاً له وجب التصديق به قطعاً إن كانت الأدلة السمعية قاطعة ... فإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز وجب التصديق أيضاً" (١). وهو قد تابع شيخه أبا المعالي على هذا، وشيخه قد تابع الباقلاني الذي تبع الأشعري في كتابه (اللمع) (٢).وبهذا يظهر الموقف السيئ للأشاعرة من الأدلة النقلية – والله المستعان – وقد ازداد هذا الموقف سوءاً عند الرازي بصورة تجعل الدليل النقلي لا يستدل به لا أصالة ولا تبعاً، فهو يقول: "قيل: الدلائل النقلية لا تفيد اليقين: لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم الإضمار وعدم النقل وعدم التقديم والتأخير وعدم التخصيص وعدم النسخ وعدم المعارض العقلي. وعدم هذه الأشياء مظنون لا معلوم، والموقوف على المظنون مظنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع." (٣) اهـ. وتقرير اعتراض الرازي كالآتي: إن الدليل النقلي لفظي، وهو مبني على أمور ظنية، والمبني على الظن ظني لا يفيد اليقين، فصح أن الأدلة النقلية ظنية لا تفيد القطع. وما ذكره الرازي آخر كلامه نتيجة لمقدمتيه؛ الأولى منهما هي محل المناقشة وهي "وهو مبني على أمور ظنية"، وأما الثانية وهي: "والمبني على الظن ظني" فلا حاجة لمناقشته فيها لظهورها، ولأنه إذا بطلت المقدمة الأولى فسدت نتيجته. وأما الأمور الظنية التي ذكرها فهي وجودية وعدمية: ١ - أما الأمور الوجودية الظنية فهي: إن إفادة الدليل النقلي للقطع على مدلولاته متوقفة على القطع بصحة نقل ألفاظ اللغة ومدلولاتها، وصحة نقل النحو حتى يتحقق مدلول الهيئة التركيبية للألفاظ، وصحة نقل الصرف لمعرفة معاني هيئات المفردات، وكلها يتوقف القطع بها على العلم بتواتر نقل العربية لغة ونحواً وصرفاً، وهو شيء مظنون، إذ لا يمتنع من القليلين الإقدام على الكذب. ٢ - وأما الأمور الظنية العدمية فهي: إن الاستدلال بالأدلة النقلية متوقف على عدم المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والمعارض العقلي ... الخ ومبناها على الاستقراء وهو ظني. فعلى هذا فإن الدليل اللفظي مبني على أمور ظنية فيكون ظنياً لأن المتوقف على المظنون مظنون (٤). والجواب:

стр. 379

أولاً في الأمور الظنية الوجودية:١ - لا يسلم للرازي دعوى عدم التواتر في كل ما ذكره، إذ أكثر معاني ألفاظ الأدلة معلومة بالتواتر كلفظ: السماء، والأرض، والله، وأحد، ... الخ، وفي النحو كقاعدة رفع الفاعل ونصب المفعول ... الخ، وفي الصرف كقاعدة أن مثل ضرب فعل ماض، ويضرب فعل مضارع ... الخ فهذه كلها قطعية، والتراكيب المؤلفة منها تكون قطعية كذلك (١)، كقول الله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣]. وقوله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].٢ - إنه لا داعي إلى هذه المقدمات التي ذكرها الرازي، إذ الذين أنزل فيهم القرآن كانوا عرباً فصحاء لا يحتاجون إلى صناعة النحو والصرف، ولا يحتاجون إلى نقل غيرهم في فهم كلام الله. خاصة إذا أضيف إلى ذلك أن أكثر الألفاظ لا يحتاج فيها إلى نقل. والصحابة قد فسروا القرآن. وأخذ ذلك عنهم التابعون خاصة في صفات الله كما تقدم، فهل بعد هذا يقال بما ذكره الرازي خاصة وأنه قد علم مراد المتكلم من سياقه وبيانه (٢). خاصة وأن الرازي في المحصول قد أقر بقلة الألفاظ الغريبة المنقولة نقل الآحاد (٣). ثانياً: في الأمور الظنية العدمية:١ - إن الرازي ذكر عشرة أمور عدمية يتوقف عليها القطع بدلالة النص، وكلها خلاف الأصل. وما كان كذلك فلا يعارض به ما وافق الأصل، وقد رد التفتازاني على الرازي بقوله: "الأمور التي يتوقف الدليل على عدمها كلها خلاف الأصل، والعاقل لا يستعمل الكلام في خلاف الأصل إلا عند قرينة تدل عليه، فاللفظ عند عدم قرينة خلاف الأصل يدل على معناه قطعاً" (٤).٢ - لو سلم عدم قطعية دلالة الدليل لاحتمال وجود أمور ظنية فيقال له: إن القرائن إذا انضمت إلى الظني فإنها ترفعه إلى القطعي، وذلك كالتواتر، فهو خبر انضمت إليه قرينة دلت على قطعيته، وهي بلوغ رواته حداً يمتنع تواطؤهم على الكذب، فكذلك دلالة الدليل إذا انضمت إليها قرينة تقديم الأصل لعدم وجود قرينة خلاف الأصل فإنها تكون قطعية، وإلا لزم بطلان فائدة التخاطب أصلاً (٥). هذا وقد أقر الرازي في المحصول بشيء من هذا، حيث ذكر بأن الأدلة اللفظية إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين (٦).والرازي في سلوكه هذا المنهج تلزمه لوازم خطيرة، ذكرها ابن القيم (٧) وسأقتصر على بعضها إن شاء الله فمنها: ١ - إن القول بظنية دلالة الأدلة النقلية يلزم منه الطعن في بيان المتكلم بالقرآن وهو الله ، وفي بيان الرسول ﷺ ، فإن خرج من هذا بأن القدح حاصل بعدم فهمهم لأدلة القرآن والسنة، ولو كانت الأدلة غير واضحة الدلالة لطعن فيها المشركون، كيف والأدلة دالة على حسن القرآن وتيسير فهمه ووضوحه وكونه أنزل هدى للناس.٢ - إن هذا الذي ذكره الرازي يلزم منه عدم التيقن بالبعث والنشور والجزاء، إذ هذه أدلتها نقلية فقط كما يقرر الأشاعرة (٨)، واليقين عنده في الأدلة العقلية فحسب فكيف على أصله هذا يقطع بأمور الآخرة! التي أدلتها نقلية فقط وهي مع ذلك ظنية كما زعم! مع أن الواجب القطع والجزم بأمور الآخرة! ٣ - إن هذا الذي ذكره الرازي يلزم منه بطلان فائدة التخاطب، إذ لا يمكن أن يفهم أحد مراد أحد، لجواز وجود ما ذكره الرازي من الأمور الظنية، ويكون ما ذكره الرازي نفسه من الإيراد على الأدلة النقلية السمعية على هذا غير قطعي المعنى، فندعي عدم إفادة كلامه للقطع وإنما الظن، ولا يخفى ما تؤدي إليه مثل هذه الخيالات والتوهمات. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٦٦

стр. 380

المطلب الرابع: توهم التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية وما يسلكونه من الطرق عندئذ المسألة الأولى: سبب توهم التعارض: هذا السبب يرجع على ما توهموه من إفادة ظاهر الأدلة النقلية للتجسيم والتحيز - وقد نوقشوا فيه المسألة الثانية: الحكم عند حدوث التعارض المتوهم: وللرازي قانون كلي في هذا الموضوع آثرت ذكره بحسب مقدماته ثم مناقشته على التفصيل إن شاء الله - فقال في كتابه (أساس التقديس):"الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظاهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟: اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة" (١) ثم ذكرها .... وقبل أن يذكر الاحتمالات الأربعة، يناقش فيما جاء به من مسائل في هذه المقدمة. فلاشك أن هذه المقدمة مبنية على أنه يمكن وقوع التعارض بين الأدلة العقلية والنقلية فجوابه: إنا لا نسلم وقوع تعارض بين البراهين العقلية الصريحة والبراهين النقلية الصحيحة - إذ أنه تنزيل من عزيز حكيم، وقد أتم كلماته صدقاً وعدلاً، فيبقى بعد هذا احتمال التعارض راجعاً إلى توهم غير الصريح من المعقول صريحاً، أو من عدم فهم النص إن كان صحيحاً (٢).وقد ذكر الشاطبي خمسة أوجه تدل على أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، وسأوردها بشيء من التصرف (٣):- الأول: إن الأدلة السمعية لو نافت قضايا العقول لم تكن أدلة للعباد لا على الأحكام الإلهية ولا على الأحكام التكليفية، وقد علم باتفاق العقلاء أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول المكلفين فيعملوا بمقتضاها، فلو نافتها لما تلقتها فضلاً عن أن تعمل بمقتضاها. الثاني: إنه لو فرض أن الأدلة الشرعية منافية لقضايا العقول ومعارضة لها لكان الكفار أول من ردها به - وقد علم بالاتفاق أنهم ما وجدوا ما يقدحون به مع شدة حرصهم على الطعن في هذا الدين، وإنما لجأوا إلى سب الرسول ﷺ واتهامه بأنه ساحر أو مجنون ونحو ذلك - فلما لم يوجد منهم ما يقدح في دلالة الأدلة الشرعية دل على أنهم عقولهم وعرفوا جريانها على مقتضى العقول. الثالث: إنه لو فرض وقوع التنافي والتعارض بين الأدلة الشرعية وقضايا العقول للزم سقوط التكليف عن جميع الناس - وبيان ذلك: أن الاستقراء دل على أن التكليف يعتبر فيه تمكن العقل من التصديق بالأدلة الصحيحة، ويوضحه أن الشرع لم يلزم تكليف المعتوه والصبي والنائم - لعدم وجود مقتضى التصديق - وهو العقل - ويساويه كذلك لو كانت الأدلة غير صحيحة، فلزوم تكليف العاقل بها كلزوم تكليف غير العاقل بما لا يصدقه أشد من تكليف من لا يتمكن من الحكم بالصدق أو عدمه. الرابع: إن الأدلة الشرعية لو نافت قضايا العقول لكان الأمر بالتصديق بها تكليفاً بما لا يطاق، إذ العقل لا يصدق ما لم يكن صدقاً وما لا يتصوره، فلما كان ذلك باطلاً لزم ألا تخالف الأدلة الشرعية قضايا العقول. الخامس: إن الاستقراء دل على أن الأدلة الشرعية جارية على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة وتنقاد لها. وعبارة الرازي المتقدمة تفصح عن حقيقة مذهبه القاضي بتحكيم العقل على الشرع وهذا يناقض ما أطبق عليه الأشاعرة من عدم تحسين العقل وتقبيحه. - وستأتي مناقشة الرازي في كلمته (الظواهر النقلية) عند مسألة التأويل إن شاء الله.

стр. 381

ثم قال الرازي مبيناً للأحوال الأربعة:"إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال، وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية - وذلك باطل - لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ وظهور المعجزات على محمد ﷺ ، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل (١) لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل، ولما بطلت الأقسام الثلاثة (٢) لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية" (٣). والمناقشة من وجهين: الوجه الأول: إن المقارنة التي قام بها الرازي غير صحيحة حيث إنه قابل بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية، والصواب أن تكون المقابلة بين الأدلة الشرعية وبين الأدلة البدعية. وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي قسمان: قسم شرعي سمعي عقلي، بمعنى أن المستدل عليه أثبته الشرع ودل عليه بأدلة عقلية، وهذا القسم هو أكثر الأدلة النقلية، المشتملة على الأمثال المضروبة وغيرها في القرآن والسنة، الدالة على توحيد الله تعالى وصدق رسله وعلى المعاد - ويدخل فيه ما أباحه الشرع ونبه عليه (٤).وقسم شرعي سمعي، بمعنى أن الشيء المستدل عليه في هذا القسم "لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً" (٥) فعلى هذا التقسيم لم يبق دليل صحيح إلا ودخل في هذا التقسيم، ثم يبقى ما عداه بدعياً - وبالله التوفيق. الوجه الثاني: بعد العلم بأقسام الأدلة الشرعية، فإنه يكون مناط الترجيح - على فرض وقوع التعارض - بين قطعية دلالة الدليل وظنيته، لا على كونه سمعياً أو عقلياً. والقسمة العقلية لوقوع التعارض تكون هكذا: إذا تعارض دليلان شرعيان سواء كانا عقليين، أو سمعيين، أو كان أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فإما أن يكون قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما ظنياً والآخر قطعياً من حيث الدلالة. والصورة الأولى: وهي أن يكون الدليلان قطعيين ممتنعة الوقوع. وأما الصورة الثانية: وهي أن يكون الدليلان ظنيين، فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما على الآخر - في حالة تعذر الجمع - بأي نوع من أنواع الترجيحات الصحيحة المعتبرة، ويقطع النظر عن كون الدليل الشرعي سمعياً كان أو عقلياً. فإن لم يوجد مرجح قدم السمعي. وأما الصورة الثالثة: وهي أن يكون أحد الدليلين قطعياً والآخر ظنياً، فإنه يقدم القطعي على الظني لرجحانه - وهو واضح (٦). فالرازي جعل مناط تقديم الدليل عند التعارض كون العقل أصلاً للنقل، ولم يجعل مناط التقديم قطعية الدليل أو رجحانه. فعلى هذا فاته أمران:

стр. 382

الأول: تقديم دلالة القطعي على الظني. الثاني: تقديم دلالة الأرجح. ثم إن الرازي جزم بتقديم الدليل العقلي على الدليل النقلي مطلقاً عند التعارض! باعتبار الأمور الآتية: الأول: إن الأدلة العقلية أصل في معرفة صحة الأدلة النقلية! الثاني: إن القدح في الدليل العقلي قدح فيه وفي النقلي! والجواب: إن الرازي نص على أن الأدلة العقلية التي هي أصل في معرفة صحة الأدلة النقلية تنحصر في إثبات الصانع وصفاته، ودلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ فعلى هذا فإن دعواه أعم من الدليل، فإن دليله دال على أن بعض الأدلة العقلية هي أصل في معرفة الشرع فتقدم، ودعواه: تقديم كل الأدلة العقلية، فلا يدل دليله على الدعوى كلها وإنما على بعضها - وهذا الجواب تسليمي. (١) وإما الجواب الإنكاري: فيقال:- ما هي الأدلة النقلة التي تخالف الأدلة العقلية المثبتة لوجود الله والرسالة؟ والمتفق عليه بين الأشاعرة أن الأدلة الدالة على صفات الأفعال اللازمة والمتعدية، إنما تدل على قيام الحوادث بذات الباري، وهذا يخالف ويناقض دليل الحدوث المقام لإثبات وجود الباري!. وأيضاً فالأدلة الدالة على الصفات المتقدمة وعلى صفات الذات الخبرية إنما تدل على التركيب والجسمية - وهذا ينافي الوحدانية في زعمهم. وجواب كلامهم: هو أن ما توهموه من أدلة عقلية هي في الحقيقة أوهام وشبهات وخيالات باطلة لا يعارض بها الكتاب والسنة، مع العلم بأنه قد قام الدليل على صحة السمع للإجماع على عصمة المبلغ، وأنه لا يمكن الشهادة بصحة كل الأمور العقلية، وقد تقدمت مناقشة عباراتهم المجملة هذه - من الجسمية والتركيب - سابقاً. وبالله التوفيق. والصواب: إنه لا يمكن إثبات وجود الباري إلا بإبطال ما سلكوه من دليل الحدوث (٢) وقد تقدم هذا أيضاً مفصلاً في مبحث إثبات وجود الله عندهم. مع أننا لا نسلم ابتداءً أن الدليل العقلي يكون أصلاً للدليل النقلي - فإنه قد تقدم أن إثبات وجود الله تعالى أمر فطري فطر الله عليه الخلق، فماذا بقى بعد هذا من الأدلة التي يقال إنها أصل للدليل النقلي؟ والغريب أن الرازي أطلق كذلك القول بأن الأدلة العقلية أصل! مع أن الأدلة العقلية منها ما هو فاسد ومنها ما هو صحيح! ثم أما المسألة الثانية: وهي أن القدح في الدليل العقلي قدح فيه وفي النقلي فقول متناقض أيضاً، إذ أنه يلزم كذلك من القدح في الدليل النقلي القدح في الدليل العقلي - فإن العقل قد شهد بصحة السمع، فإذا طعن فيه ثانية كان ذلك دليلاً على الطعن في شهادته بصحته أولاً (٣).وإذا قيل: إن صحة النقلي مشروطة بتصحيح العقلي له أو معلقة به، فقول مآله إلى الكفر - والعياذ بالله - إذ هو يساوي القول: بأن الإنسان يؤمن بالرسول ﷺ ما لم يظهر له ما يناقض العقل! - وهذا كله من الارتياب والشك الموجب لكفر صاحبه (٤). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٨٨

стр. 383

المطلب الخامس: المسلكان المأخوذان تجاه الأدلة النقلية عند التعارض • المسلك الأول: مسلك التفويض:. • المسلك الثاني: مسلك التأويل ..

стр. 384

المسلك الأول: مسلك التفويض: ويعنون بذلك: تفويض المعنى المراد من النص الموهم للتشبيه - على حد زعمهم - وهذا التفويض إنما يكون بعد التأويل الإجمالي - وهو: "صرف اللفظ عن ظاهره" (١) ويدل لذلك قول صاحب الجوهرة: "ورم تنزيها" بأن تعتقد أن ظاهره غير مراد، ثم تكف عن بيان المعنى المراد، قالوا: وهذه هي طريقة السلف وهي أسلم. ولهم حجتان في ذلك (٢): الأولى: قول الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧] على قراءة الوقف على اسم الجلالة. الثانية: اتفاق السلف على أنها تمر كما جاءت كما في قول الإمام مالك ﵀: "الاستواء معلوم والكيف مجهول ... " وكقول بقية السلف: أمروها كما جاءت (٣). المناقشة: هذا المسلك مبني على أمرين: الأول: دعوى أن الاتفاق حاصل على عدم إرادة الظاهر، إذ الظاهر يوهم التشبيه! الثاني: آية آل عمران دالة على صحة التفويض - وهو الإمساك عن المعنى المراد. والإجابة عن الأمر الأول: الأولى: لا نسلم أن ظاهر آيات وأحاديث الصفات يفيد التشبيه، بل هي تدل على إثبات الصفات على الوجه اللائق بالله تعالى، ويتبين ذلك بالآتي: إن الأشاعرة قد سلموا أن الله تعالى حي بحياة وعليم بعلم وقدير بقدرة ... إلى بقية صفات المعاني السبع، وقالوا: إن ظاهرها على ما يليق بالله تعالى فيقال لهم: ويلزمكم كذلك طرد هذه القاعدة في بقية الصفات كالاستواء والعلو والوجه واليدين والغضب وغيرها، فهي ثابتة لله حقاً، على الوجه اللائق بالله وليس ظاهرها كما هي ثابتة عند البشر (٤). الثانية: إن القول بأن نصوص الصفات ظاهرها غير مراد يلزم منه لوازم باطلة وهي:١ - أن يكون الله ورسوله ﷺ قد تكلم بالباطل، ولم يأت نص واضح جلي يفيد غير ما ذكر في الكتاب والسنة (٥).٢ - إنه يكون قائل هذه المقالة قد مثل أولاً، إذ هو قد اعتقد أن ظاهرها التمثيل والتشبيه، ثم عمد إلى النص فعطله عن دلالته على الحق وعطل الصفة الثابتة في نفس الأمر لله تعالى (٦). الثالثة: إن القول بتفويض المعنى ثم الزعم بأن ظاهر النصوص غير مراد تناقض واضح - فلا يعقل الادعاء بأن المعنى مما لا يعلمه إلا الله! مع الزعم بأن الظاهر غير مراد - إذ الذي لا يعلمه إلا الله لا يكون ظاهراً لنا. الرابعة: ثم الجواب عما تمسكوا به قد تبين بطلانه على ضوء ما تقدم في مبحث أهل السنة والجماعة. ويظهر الجواب اختصاراً بالآتي: ١ - إن الأئمة مع قولهم أمروها كما جاءت، صرحوا بأن ظواهر النصوص مرادة مع قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وهذا يتعارض مع زعم الأشاعرة بأن الظاهر غير مراد. وكل ما ذكر من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام يرد هذا الزعم. ٢ - إنا قد بينا سابقاً أن مراد السلف بقولهم (أمروها كما جاءت بلا تفسير) يراد به أحد معنيين: الأول: أمروها بلا تفسير مبتدع وهو تفسير الجهمية. الثاني: أمروها بلا تفسير للكيفية - وهو قول الإمام مالك نفسه: (والكيف مجهول). وأما الاستدلال بالآية فخطأ بين - ويتضح ذلك بالآتي:

стр. 385

الأول: إن المراد بالتأويل على قراءة الوقف: معرفة الحقيقة التي يؤول إليها الخبر كما قد بين سابقاً - إذ الوقف التام يفيد أن ذلك مما لا يعلمه إلا الله، لأن حقائق الصفات وكيفيتها مما لا يظهر للخلق - أما على قول الأشاعرة فإنه لا تظهر فائدة من الوقف، إذ هم زعموا أن لها ظاهراً يعلمه البشر ولكنه غير مراد - وإنما المراد شيء آخر!، فشرعوا في تعيينه ظناً، وهذا ينافي التسليم التام الذي وصف الله به المؤمنين في الآية نفسها وهو قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧].الثاني: لو سلم لهم قولهم هذا للزم طرده في كل نصوص الصفات الدالة على صفات المعاني وغيرها - إذ لا موجب للتفريق إلا التحكم، فما كان جواباً لهم عن نصوص صفات المعاني فليجيبوا به عن نصوص بقية الصفات (١).الثالث: القول بأن التأويل هنا المراد به حقائق الأشياء قول لا يعارض قول من لم ير الوقف على اسم الجلالة - إذ التأويل يكون على الثاني بمعنى التفسير الذي هو شرح الكلمات والألفاظ - ومن المعلوم أن الشيء قد يعلم معناه العام ولكن لا تعلم حقيقته وكنهه كما في نعيم الجنة، فالجمع بين أقوال السلف في معنى الآية أقوى من القول بتعارضها كما هو مقرر (٢).الرابع: إن الأشاعرة لهم مذهبان: ويدعون صحتهما - وهما التأويل والتفويض - فلو كانت الآية دالة على تفويض المعنى والكيفية مطلقاً لما كانت حاجة للقول بالتأويل، والعجب أنهم قد احتجوا بالآية نفسها على جواز التأويل باعتبار قراءة الوصل، فلو أرادوا الجمع الصحيح كان عليهم أن يقولوا إن لها معاني صحيحة إلا أن حقائقها غير معلومة لنا، أما القول بأن لها معنى أو لبعضها معنى ثم الزعم بأنه لا يعرف لها معنى فتناقض واضح (٣) ولكنهم يخرجون عن هذا بأن الظاهر المنفي هو ما ثبت للمخلوقين - وهنا لا يسلم لهم ذلك، وتلزمهم اللوازم السابقة، ويلزم منه التلبيس في المراد بالظاهر. والأشاعرة عندهم نوع من التفويض أطلقوه بمعناه الصحيح - وهو تفويض حقيقة الصفات وكنهها - إلا أن هذا التفويض مجاله صفات المعاني السبع فقط - فمن ذلك أن الباجوري لما أخذ يبين الفرق بين كل صفة من صفات المعاني قال: "والمدلول لغة لكل واحدة غير المدلول للأخرى، فوجب حمل ما ورد على ظاهره حتى يثبت خلافه ... وإذا ثبت أنها متغايرة لغة كانت متغايرة شرعاً، وبالجملة: فكنه كل واحدة غير كنه الأخرى ونفوض علم ذلك لله تعالى" (٤) اهـ. وهذا النوع من التفويض محل إجماع بينهم، لا خلاف بينهم فيه كسابقه عندهم. ولو أن الأشاعرة سلكوا هذا النوع الثاني من التفويض لكان أسلم وأعلم وأحكم لهم - إلا أنهم تناقضوا تناقضاً بيناً فادعوا أن صفات المعاني السبع ثابتة حقيقة لله، وأن النصوص الدالة عليها معلومة علماً صحيحاً من حيث المعنى والمفهوم إلا أن حقائقها غير معلومة - ثم ادعوا في بقية النصوص الدالة على غير هذه الصفات أنها دالة على معنى غير صحيح ظاهراً - فيجب صرفها - وأن تحديد المراد منها غير معلوم!!، وهذا تناقض ظاهر. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٥٩٦ اهتم شيخ الإسلام ابن تيمية ببيان الحق في هذه المسألة (مسألة التفويض)، وذكر فيما ذكر - في مناسبات مختلفة - مجمل حجج الذين زعموا أن مذهبهم هو التفويض، وأهمها:

стр. 386

١ - ما أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا في الصفات: "أمروها كما جاءت"، قالوا: وهذا يدل على أن مذهبهم فيها الإيمان والتسليم وإمرارها كما جاءت وعدم الخوض في تأويلها، والوقوف عن تفسيرها.٢ - قول الإمام مالك - وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (١) قالوا: ومعنى قوله إنه معلوم أي إنه وارد في القرآن، ونفيه للكيف وإيجاب الإيمان به دليل على أنهم يسلمون ورود نصوص الصفات ويفوضون معانيها إلى الله تعالى. ٣ - أن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يستلزم التجسيم وأن ذاته تعالى فوق العرش، قالوا فلما جاء المتأخرون وصاروا يفهمون منها مثل هذا وجب التأويل. ٤ - ثم إنهم احتجوا بالوقف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧]. قالوا وهذا دليل على التفويض. وقد رد شيخ الإسلام على ذلك كما يلي:١ - أما قول السلف في الصفات "أمروها كما جاءت" فمعناه عندهم الإيمان بها وإثباتها، والرد على المعطلة الذين أنكروها أو خاضوا في تأويلها، فقول السلف هذا "يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروها لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (٢). والسلف من الصحابة والتابعين كان اهتمامهم الأول والأخير منصبا على القرآن والحديث، فهل كانوا عندما يتلون القرآن ويعلمونه، ويروون السنة ويتناقلونها ويحدثون بها، يفرقون بين آية وآية، وحديث وحديث؟ ويقولون للناس: هذه آمنوا بألفاظها مجردة، وهذه لا مانع من فهم معانيها؟ ومعلوم أنه كان يتلقى ذلك عنهم أصناف الناس وطبقاتها وغيرها، بل كانوا يردون على المعطلة وأهل الكلام ما كانوا يخوضون فيه من ذلك، ولذلك قالوا: أمروها كما جاءت، وواضح أن قصدهم الرد على هؤلاء النفاة، ولو كان قصدهم التفويض الذي أراده المتأخرون النفاة لقالوا - موضحين أمروا ألفاظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، ولو كان الأمر كذلك كان نفي الكيف عنها مع مثل هذا القول لغو.

стр. 387

على أن شيخ الإسلام يشير في سياق مناقشته لهذه الدعوى إلى ناحية مهمة في منهج السلف وتعاملهم مع النصوص ربما غفل عنها من يتصدى لمثل هذا الموضوع - وهي تدل على ما حبا الله هذا الإمام من فهم قوي وبصر نافذ واطلاع واسع - وذلك أنه ذكر أن عبارة: تمر كما جاءت، أو نحوها، قد قالها الإمام أحمد في غير أحاديث الصفات، وإذا ثبت هذا بطل احتجاج هؤلاء الذين يدعون أن قصد السلف من مثل هذه العبارة: تفويض نصوص الصفات. يقول شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره - بعد بيانه أنهم لم يقولوا بأن القرآن لا يفهم معناه، وإنما قالوا كلمات صحيحة، مثل: أمروها كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية-: "ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت (١)، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: ((من غشنا فليس منا)) (٢) وأحاديث الفضائل (٣)، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر" (٤). وهذا يدل على أن السلف كانوا يتعاملون مع النصوص على حد سواء لا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، وحينما يأتي أحد من أهل الأهواء من المعطلة، أو الرافضة، أو المرجئة أو غيرهم ليتأول بعض النصوص التي تخالف مذهبه، يكون جواب السلف أن هذه النصوص تروى كما جاءت، ولا يدخلون في تأويلات وانحرافات هؤلاء. ٢ - أما قول الإمام مالك في الاستواء فهو موافق لمذهب السلف - رحمهم الله تعالى، وهو حجة على أهل التفويض، يقول شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. وأيضا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج على نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات الخيرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: أن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف" (٥). فالإمام مالك وشيخه ربيعة بينا أمرين: أن الاستواء معلوم وأن الكيف مجهول، وهذا حقيقة مذهب السلف، يؤمنون بالصفات الواردة، ويفهمون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، أما الكيفية فيفوضونها لعالمها.

стр. 388

ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام تلقي الناس قوله الإمام مالك بالقبول، ذكر اعتراضا وأجاب عنه. قال: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم، أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه. قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا أخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فقد قال: "والكيف مجهول" فلو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]: كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم. وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعض: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب (الرد على الجهمية) (١) " (٢).وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها (٣). ٣ - أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يدل على التجسيم، ولا أن ذاته تعالى فوق العرش - وهذا في مسألة العلو الاستواء - فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها: أ- "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات - لا دلالة قطعية ولا ظاهرة - بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات. ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات ... (٤).

стр. 389

ب- "الوجه الثاني: أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة، من: كتاب (السنة والرد على الجهمية)، للأثرم، ولعبدالله ابن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري .... (وذكر شيخ الإسلام عددا كبيرا من أئمة السنة وكتبهم) ... - رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالإضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه. وهذا يصير دليلا من وجهين: أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنه يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول. الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك ... (١). ومما سبق يتبين أن السلف فهموا من نصوص العلو والاستواء الإثبات، وهذا يبطل قول القائلين بأنهم كانوا مفوضة.٤ - أما احتجاجهم بآية آل عمران والوقوف على قوله: إِلاَّ اللهُ - فمعلوم أن هؤلاء المتكلمين رجحوا القراءة الأخرى بالوصل ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر، ومعلوم أن من وقف على لفظ الجلالة فإنهم قصدوا التأويل الذي هو الحقيقة والمآل، ومعلوم أن كيفية أسماء الله وصفاته هي في ذاته لا يعلمها إلا الله، وهو من باب تفويض الكيفية التي هي جزء من مذهب السلف في الصفات (٢)، وقد سبق - في الفرع السابق - تفصيل القول في مسألة التأويل -. ومسألة التفويض مبنية على مسألة المتشابه، وما يتعلق بها مثل ما سبق تفصيل القول فيه من أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به. والتفويض الذي زعمه هؤلاء يؤدي إلى أن لا نفهم كتاب الله ولا نفرق بين آية وآية، وإنما نتلوه كالأعاجم الذين لا يعرفون العربية مطلقا، وهذا مآله إلى الضلال والإلحاد. ولشيخ الإسلام ردود أخرى - مجملة - على أهل التفويض - ومن ذلك ما ذكره في أثناء ردوده على القائلين بتعارض العقل والنقل، وأن غاية ما ينتهون إليه في كلام الله ورسوله: هو التأويل أو التفويض، قال رادا عليهم: "وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، عن فهمه ومعرفته وعقله؟ وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره، ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما يبين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا بإتباعه والرد إليه لم يبين له الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه - وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وانه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (٣)، ثم ذكر أن هذا كان سببا في استطالة الملاحدة على هؤلاء في مسائل المعاد وغيرها. والقائلون بالتفويض قسمان: قسم يقول: إن الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبين للناس مراده منها، ولا أوضحه للناس. قسم يقول: إن الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبين للناس مراده منها، ولا أوضحه للناس. وقسم يقول:- وهؤلاء هم أكابر أهل الكلام الذين يميلون لأقوال الفلاسفة - يقولون: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، وعلى قول هؤلاء فالأنبياء والرسل لم يكونوا يعلمون معاني ما أنزل الله إليهم. ولا شك أن هذا ضلال مبين وقدح في القرآن وفي الأنبياء (٤). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ١١٧٧

стр. 390

المسلك الثاني: مسلك التأويل . والمراد به: حمل اللفظ على خلاف ظاهره إلى معنى آخر مراد (١) فعلى هذا يجتمع التفويض والتأويل عند الأشاعرة في صرف الظاهر، ويفترقان في أن التأويل يتم فيه تحديد المعنى المراد، وأما التفويض فلا يتم فيه هذا التحديد وإنما يفوض علمه إلى الله تعالى، فعلى هذا فهو تأويل إجمالي، والأول تفصيلي. ثم إن الأشاعرة وصفوا طريقة التأويل – وهي طريقة المتأخرون – بأنها أعلم وأحكم" لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم وهي الأرجح، وأما طريقة السلف وهي التفويض فأسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى" (٢). والموجب لتأويل النصوص عندهم هو أنها تشعر وتوهم إثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح – فلذلك يوردون على أهل السنة إيرادين: الأول: يبينون فيه أن تلك النصوص موهمة للتشبيه فوجب تأويلها. الثاني: وهو مسلك إلزام وهو كما قال الجويني: "ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها، حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع" (٣) اهـ. والجواب عن ذلك هو: إن الإيراد الأول لا حاجة إلى الرد عليه هنا، إذ الموجب لهذا التأويل قد تقدمت الإجابة عليه مع العلم بأن النصوص التي أولوها هي إما نص وإما ظاهر راجح – وكلاهما لا يحتمل التأويل باتفاق – ولكنهم يتكلفونه تكلفاً يصيره تحريفاً لا تأويلاً سائغاً. وأما الإيراد الثاني: وهو الإلزام والمعارضة، فلم تتقدم إجابة عليه، فلزم ذكره والجواب عنه. وقد ذكروا فيما وقفت عليه: المثال الأول: قال الجويني: "فمما يعارضون به قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: ٤] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقد إصرارهم في جمل الاستواء على العرش على كون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: ٤] وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة: ٧] على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل" (٤). يفهم من كلام الجويني – في إلزامه القائلين بظاهر الآية – أنه فهم من المعية ما ينافي الاستواء ويقتضي المخالطة والحلول. والجواب من أوجه: الوجه الأول: لا يلزم من إثبات المعية الحقيقية أن يكون الله مختلطاً بخلقه وذلك: أن الله تعالى جمع بين الاستواء والمعية في آية واحدة فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] فوجب التصديق بخبر الله تعالى، ويوضحه:
следующие страницы →