← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١ - ما أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا في الصفات: "أمروها كما جاءت"، قالوا: وهذا يدل على أن مذهبهم فيها الإيمان والتسليم وإمرارها كما جاءت وعدم الخوض في تأويلها، والوقوف عن تفسيرها.٢ - قول الإمام مالك - وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (١) قالوا: ومعنى قوله إنه معلوم أي إنه وارد في القرآن، ونفيه للكيف وإيجاب الإيمان به دليل على أنهم يسلمون ورود نصوص الصفات ويفوضون معانيها إلى الله تعالى. ٣ - أن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يستلزم التجسيم وأن ذاته تعالى فوق العرش، قالوا فلما جاء المتأخرون وصاروا يفهمون منها مثل هذا وجب التأويل. ٤ - ثم إنهم احتجوا بالوقف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧]. قالوا وهذا دليل على التفويض. وقد رد شيخ الإسلام على ذلك كما يلي:١ - أما قول السلف في الصفات "أمروها كما جاءت" فمعناه عندهم الإيمان بها وإثباتها، والرد على المعطلة الذين أنكروها أو خاضوا في تأويلها، فقول السلف هذا "يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروها لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (٢). والسلف من الصحابة والتابعين كان اهتمامهم الأول والأخير منصبا على القرآن والحديث، فهل كانوا عندما يتلون القرآن ويعلمونه، ويروون السنة ويتناقلونها ويحدثون بها، يفرقون بين آية وآية، وحديث وحديث؟ ويقولون للناس: هذه آمنوا بألفاظها مجردة، وهذه لا مانع من فهم معانيها؟ ومعلوم أنه كان يتلقى ذلك عنهم أصناف الناس وطبقاتها وغيرها، بل كانوا يردون على المعطلة وأهل الكلام ما كانوا يخوضون فيه من ذلك، ولذلك قالوا: أمروها كما جاءت، وواضح أن قصدهم الرد على هؤلاء النفاة، ولو كان قصدهم التفويض الذي أراده المتأخرون النفاة لقالوا - موضحين أمروا ألفاظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، ولو كان الأمر كذلك كان نفي الكيف عنها مع مثل هذا القول لغو.

стр. 387

على أن شيخ الإسلام يشير في سياق مناقشته لهذه الدعوى إلى ناحية مهمة في منهج السلف وتعاملهم مع النصوص ربما غفل عنها من يتصدى لمثل هذا الموضوع - وهي تدل على ما حبا الله هذا الإمام من فهم قوي وبصر نافذ واطلاع واسع - وذلك أنه ذكر أن عبارة: تمر كما جاءت، أو نحوها، قد قالها الإمام أحمد في غير أحاديث الصفات، وإذا ثبت هذا بطل احتجاج هؤلاء الذين يدعون أن قصد السلف من مثل هذه العبارة: تفويض نصوص الصفات. يقول شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره - بعد بيانه أنهم لم يقولوا بأن القرآن لا يفهم معناه، وإنما قالوا كلمات صحيحة، مثل: أمروها كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية-: "ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت (١)، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: ((من غشنا فليس منا)) (٢) وأحاديث الفضائل (٣)، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر" (٤). وهذا يدل على أن السلف كانوا يتعاملون مع النصوص على حد سواء لا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، وحينما يأتي أحد من أهل الأهواء من المعطلة، أو الرافضة، أو المرجئة أو غيرهم ليتأول بعض النصوص التي تخالف مذهبه، يكون جواب السلف أن هذه النصوص تروى كما جاءت، ولا يدخلون في تأويلات وانحرافات هؤلاء. ٢ - أما قول الإمام مالك في الاستواء فهو موافق لمذهب السلف - رحمهم الله تعالى، وهو حجة على أهل التفويض، يقول شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. وأيضا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج على نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات الخيرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: أن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف" (٥). فالإمام مالك وشيخه ربيعة بينا أمرين: أن الاستواء معلوم وأن الكيف مجهول، وهذا حقيقة مذهب السلف، يؤمنون بالصفات الواردة، ويفهمون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، أما الكيفية فيفوضونها لعالمها.

стр. 388

ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام تلقي الناس قوله الإمام مالك بالقبول، ذكر اعتراضا وأجاب عنه. قال: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم، أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه. قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا أخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فقد قال: "والكيف مجهول" فلو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]: كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم. وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعض: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب (الرد على الجهمية) (١) " (٢).وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها (٣). ٣ - أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يدل على التجسيم، ولا أن ذاته تعالى فوق العرش - وهذا في مسألة العلو الاستواء - فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها: أ- "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات - لا دلالة قطعية ولا ظاهرة - بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات. ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات ... (٤).

стр. 389

ب- "الوجه الثاني: أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة، من: كتاب (السنة والرد على الجهمية)، للأثرم، ولعبدالله ابن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري .... (وذكر شيخ الإسلام عددا كبيرا من أئمة السنة وكتبهم) ... - رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالإضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه. وهذا يصير دليلا من وجهين: أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنه يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول. الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك ... (١). ومما سبق يتبين أن السلف فهموا من نصوص العلو والاستواء الإثبات، وهذا يبطل قول القائلين بأنهم كانوا مفوضة.٤ - أما احتجاجهم بآية آل عمران والوقوف على قوله: إِلاَّ اللهُ - فمعلوم أن هؤلاء المتكلمين رجحوا القراءة الأخرى بالوصل ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر، ومعلوم أن من وقف على لفظ الجلالة فإنهم قصدوا التأويل الذي هو الحقيقة والمآل، ومعلوم أن كيفية أسماء الله وصفاته هي في ذاته لا يعلمها إلا الله، وهو من باب تفويض الكيفية التي هي جزء من مذهب السلف في الصفات (٢)، وقد سبق - في الفرع السابق - تفصيل القول في مسألة التأويل -. ومسألة التفويض مبنية على مسألة المتشابه، وما يتعلق بها مثل ما سبق تفصيل القول فيه من أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به. والتفويض الذي زعمه هؤلاء يؤدي إلى أن لا نفهم كتاب الله ولا نفرق بين آية وآية، وإنما نتلوه كالأعاجم الذين لا يعرفون العربية مطلقا، وهذا مآله إلى الضلال والإلحاد. ولشيخ الإسلام ردود أخرى - مجملة - على أهل التفويض - ومن ذلك ما ذكره في أثناء ردوده على القائلين بتعارض العقل والنقل، وأن غاية ما ينتهون إليه في كلام الله ورسوله: هو التأويل أو التفويض، قال رادا عليهم: "وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، عن فهمه ومعرفته وعقله؟ وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره، ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما يبين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا بإتباعه والرد إليه لم يبين له الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه - وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وانه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (٣)، ثم ذكر أن هذا كان سببا في استطالة الملاحدة على هؤلاء في مسائل المعاد وغيرها. والقائلون بالتفويض قسمان: قسم يقول: إن الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبين للناس مراده منها، ولا أوضحه للناس. قسم يقول: إن الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبين للناس مراده منها، ولا أوضحه للناس. وقسم يقول:- وهؤلاء هم أكابر أهل الكلام الذين يميلون لأقوال الفلاسفة - يقولون: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، وعلى قول هؤلاء فالأنبياء والرسل لم يكونوا يعلمون معاني ما أنزل الله إليهم. ولا شك أن هذا ضلال مبين وقدح في القرآن وفي الأنبياء (٤). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ١١٧٧

стр. 390

المسلك الثاني: مسلك التأويل . والمراد به: حمل اللفظ على خلاف ظاهره إلى معنى آخر مراد (١) فعلى هذا يجتمع التفويض والتأويل عند الأشاعرة في صرف الظاهر، ويفترقان في أن التأويل يتم فيه تحديد المعنى المراد، وأما التفويض فلا يتم فيه هذا التحديد وإنما يفوض علمه إلى الله تعالى، فعلى هذا فهو تأويل إجمالي، والأول تفصيلي. ثم إن الأشاعرة وصفوا طريقة التأويل – وهي طريقة المتأخرون – بأنها أعلم وأحكم" لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم وهي الأرجح، وأما طريقة السلف وهي التفويض فأسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى" (٢). والموجب لتأويل النصوص عندهم هو أنها تشعر وتوهم إثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح – فلذلك يوردون على أهل السنة إيرادين: الأول: يبينون فيه أن تلك النصوص موهمة للتشبيه فوجب تأويلها. الثاني: وهو مسلك إلزام وهو كما قال الجويني: "ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها، حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع" (٣) اهـ. والجواب عن ذلك هو: إن الإيراد الأول لا حاجة إلى الرد عليه هنا، إذ الموجب لهذا التأويل قد تقدمت الإجابة عليه مع العلم بأن النصوص التي أولوها هي إما نص وإما ظاهر راجح – وكلاهما لا يحتمل التأويل باتفاق – ولكنهم يتكلفونه تكلفاً يصيره تحريفاً لا تأويلاً سائغاً. وأما الإيراد الثاني: وهو الإلزام والمعارضة، فلم تتقدم إجابة عليه، فلزم ذكره والجواب عنه. وقد ذكروا فيما وقفت عليه: المثال الأول: قال الجويني: "فمما يعارضون به قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: ٤] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقد إصرارهم في جمل الاستواء على العرش على كون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: ٤] وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة: ٧] على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل" (٤). يفهم من كلام الجويني – في إلزامه القائلين بظاهر الآية – أنه فهم من المعية ما ينافي الاستواء ويقتضي المخالطة والحلول. والجواب من أوجه: الوجه الأول: لا يلزم من إثبات المعية الحقيقية أن يكون الله مختلطاً بخلقه وذلك: أن الله تعالى جمع بين الاستواء والمعية في آية واحدة فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] فوجب التصديق بخبر الله تعالى، ويوضحه:

стр. 391

الوجه الثاني: إن المعية في اللغة مطلق المصاحبة – فهذا هو القدر المشترك في موارد المعية – فإنها قد تقتضي النصر والتأييد كما في قول الله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] وقد تقتضي العلم كما في آية الحديد – وآية المجادلة. فالأولى إفادة علو الله على خلقه، وعلمه بعباده وبصره بعملهم، والثانية أفادت علم الله تعالى بعباده، فإن الله بدأها بالعلم وختمها به فقال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧].فإذا كان ذلك كذلك وعلم أن الاستواء على العرش وعلو الله تعالى على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والفطرة تعين حمل المعية على المعنى السابق دون مخالطة أو حلول (١) وقد أجمع أهل السنة والجماعة على هذا الأمر. فإذا تبين هذا علم أن قول الجويني: "والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل" غير لازم. ثم إن قوله: "إن حملوا قوله – "وذكر الآيتين" على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل" فجوابه من وجهين: الأول: لا نسلم أن تفسيرنا للمعية بالمعنى السابق تأويل لها، بل إن المعنى المذكور هو ظاهر الآية (٢) كما تقدم مستوفى. الثاني: لو سلمنا أن هذا الذي ذهبنا إليه تأويل فهو تأويل صحيح مستفاد من الكتاب والسنة، لا بأوهام وتصورات باطلة لظاهر كلام الله – فإذا سلمنا ذلك التأويل فإنه لا يلزمنا أن نسوغ التأويل لكل نص، إذ نصوص الصفات هي إما نص في الموضوع أو ظاهر ظهوراً راجحاً (٣). الثالث: لو ساغ تأويل نصوص الصفات التي أثبتها أهل السنة مما لا يثبته الأشاعرة، لساغ تأويل نصوص الصفات المتفق عليها، فلما لم يلزم هذا كان الأولى ألا يلزم ذلك – خاصة وأن المقتضي للتأويل عند الأشاعرة ما توهموه من الجسمية وغيرها، وقد تقدمت الإجابة عنه. وقد ذكر الغزالي أن الإمام أحمد منع التأويل إلا في ثلاثة ألفاظ فقال: "سمعت بعض أصحابه يقول: إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله ﷺ ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) (٤) وقوله ﷺ ((إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن)) (٥) " اهـ. فالجواب الإجمالي من وجهين:

стр. 392

الوجه الأول: إن الغزالي: قال "سمعت بعض أصحابه" ولم يسمه – فهو مجهول حالاً وعيناً لإبهامه – وخبر المجهول غير مقبول – ثم إنا لا نعلم من أصحاب أحمد من عاش إلى زمان الغزالي، فإذا كان مراد الغزالي أنه من أصحاب أصحاب أحمد، أو أنه من طبقة بعد تلك، فالقدح يكون متوجهاً من جهة جهالة الراوي، ومن جهة الانقطاع بين حاكي القول والإمام أحمد ﵀. الوجه الثاني: لو سلمنا أن الذي ذكر ما ذكر ثقة فإنه معارض بأقوال جميع من روي عن الإمام أحمد عقيدته – ولذلك علق شيخ الإسلام على هذه الحكاية بقوله: "هذه الحكاية كذب على أحمد" (١) أما الجواب التفصيلي فهو بالكلام عن الأحاديث التي أوردها: الحديث الأول: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) فإن هذا الحديث قد روي مرفوعاً وموقوفاً، فإنه قد روي عن أنس وجابر ﵄ مرفوعاً بأسانيد لا تصح (٢) وقد روي عن ابن عباس ﵄ مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً ولم يصح مرفوعاً. وأما الموقوف فإنه لا يخلو من ضعف. ولذلك فإنه لا يصلح إيراده للاعتراض. ولو سلم أن هذا الأثر صحيح وأن له حكم الرفع – فيقال في الجواب: إن الحديث لا يدل على أن الحجر صفة من صفات الله تعالى حتى يقال إن من لم يقل بذلك كان مؤولاً وبيان ذلك من وجهين: الأول: إن أول الحديث قال فيه ((يمين الله في الأرض)) فقيد اليمين بقوله: ((في الأرض)) واللفظ المقيد غير المطلق – (٣) ومجرد الإضافة لا تقتضي أن المضاف يكون صفة – فقد تقدم أن الأشياء المضافة على ثلاثة أنواع: ومنها إضافة الأعيان المنفصلة القائمة بذاتها إلى الله تعالى كبيت الله وناقة الله – فهي مخلوقة – والحجر الأسود كذلك عين منفصلة قائمة بذاتها، فهو مخلوق. وما كان كذلك لا يقال فيه إن ظاهره التشبيه وإنه لابد من تأويله. الثاني: إن الحديث ورد في آخره: ((فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)) فشبه مصافحة الحجر الأسود بمصافحة الله – ومعلوم قطعاً أن المشبه غير المشبه به. فقد تبين من الوجهين أن الحديث لا يوهم تمثيلاً حتى يقال إنه يحتاج إلى تأويل، فإن الرسول ﷺ المبلغ عن الله لا يجوز أن ينسب إليه أنه يتكلم بكلام يحتمل التمثيل ولا يبين للأمة ما يتقون (٤). وأما الحديث الثاني: فهو ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن)) (٥) , وأكد الرازي قول الغزالي بأنه يحتاج إلى تأويل فقط مؤكداً ومعللاً: "وهذا لابد فيه من التأويل، لأنا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا" (٦) اهـ.

стр. 393

والجواب: لاشك أن هذا الحديث صحيح فهو مخرج في صحيح مسلم وقد قال أهل السنة بما دل عليه هذا الحديث من إثبات الأصابع للرحمن (١) وأما ما توهمه الرازي من أن اللفظ يوهم حلول الأصابع في الصدر فخطأ بين: وذلك أن لفظه "بَيْنَ" لا تقتضي الحلول والمماسة – فإن الله تعالى يقول: وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [البقرة: ١٦٤] ومعلوم أن السحاب ليس مماساً لهما (٢). فظهر من هذا خطأ الرازي والغزالي وغيرهما في توهمهما أن كل شيء كان بين شيئين يكون مماساً لهما. وأما الحديث الثالث وهو:

стр. 394

((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح (١) ((والنفس)) الفرج من الكرب (٢) وهو اسم مصدر من نَفَّس يُنَفِّس كفرج يفرج تفريجاً وفرجاً، فكأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن وبهذا يتضح هذا المعنى ويندفع قول من رأى أن ظاهر هذا النص يوهم التمثيل. ويزيده وضوحاً تخصيصه ﷺ هذا النفس باليمن – ومعلوم قطعاً أنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى (٣). وللناس قولان في المراد باليمن: فالأول: قيل: إنهم الأنصار: فقد قال ابن قتيبة: "معنى هذا أنه قال: كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة، ففرج الله عني بالأنصار، يعني أنه يجد الفرج من الأنصار – وهم من اليمن – فالريح من فرج الله وروحه كما كان الأنصار من فرج الله تعالى" (٤) اهـ. والقول الثاني: وهو الأصح أنهم أهل اليمن المعروفون، لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤]، فقال الرسول ﷺ لما سئل عنهم فقال ((هم قومك يا أبا موسى)) (٥) , أو: ((هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري)) (٦) , – وفي رواية قال: ((هم أهل اليمن)) (٧) , – وهذا القول قول مجاهد ومحمد بن كعب القرظي واختاره ابن جرير الطبري فقال: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما روي به الخبر عن رسول الله ﷺ أنهم أهل اليمن قوم أبي موسى الأشعري ... فجاء (الله) بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفع لهم ممن كان ارتد بعد رسول الله ﷺ من طغام الأعراب وجفاة أهل البوادي الذي كانوا على الإسلام كلاً لا نفعاً" (٨) اهـ وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً (٩).

стр. 395

وبهذا الإيضاح يعلم أن النص واضح في المعنى المراد به، وليس مما يحتاج فيه إلى تأويل بدعوى معارضته العقول. وحكى الرازي قولاً آخر للإمام أحمد مستدلاً به على تسويغه التأويل فقال: "حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه ﵇ أنه يأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنها غمامتان، فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: وقال: يعني ثواب قارئهما، وهذا تصريح بالتأويل" (١). والجواب: إن الحديث لاشك في صحته ولفظه هكذا: ((يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما ظلتان سوداوان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما)) (٢).وما ذكره عن الإمام أحمد بن حنبل من معنى الحديث فصحيح – (٣) إلا أن هذا الحديث واضح المعنى ولا يوهم باطلاً حتى يقال إنه يحتاج إلى تأويل!!. ويوضحه قول الرسول ﷺ : ((تحاجان عن صاحبهما)) ولا شك فصاحب القرآن هو العامل به – وهذا أمر واضح ويدل له أول الحديث ((وأهله الذين كانوا يعملون به)) ولذلك فإن الذي يأتي يوم القيامة هو عمله ثواباً له. وقال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث النواس (بن سمعان) عن النبي ﷺ ما يدل على ما فسروا، إذ قال النبي ﷺ : ((وأهله الذين يعملون به في الدنيا)) ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل" (٤) اهـ وقد يكون أحسن منه قول من قال: يجيء العمل نفسه في صورة لا ثواب العمل: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، "فلما أمر بقراءتهما، وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ: علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما، وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال" اهـ. ثم إن قولهم: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم فقول متناقض يتضح بثلاثة أوجه من الرد: الوجه الأول: تعليلهم لطريقة السلف في كونها أسلم بأنهم أولوا تأويلاً إجمالياً باعتقادهم أن ظاهرها غير مراد إلا أنهم أمسكوا عن تحديد المراد بالكف عن التأويل!، فكلام خطأ على السلف فهم قد اعتقدوا ظاهرها الشرعي كما تقدم النقل عنهم. وفي قولهم: إن السلف كفوا عن التأويل يفيد أن المتكلمين خرقوا هذا الإجماع، وهذا هو الذي دفع الجويني آخراً إلى الإقرار والرجوع إلى طريقة السلف وهي الكف عن التأويل كيف والسلف فيهم الصحابة الذين ورثوا العلم عن الرسول ﷺ !.الوجه الثاني: قولهم: إن طريقة السلف أسلم يستلزم أن تكون أعلم وأحكم، فالسلامة لا تكون إلا بالعلم والحكمة، فلو انتفيا لم تكن سلامة. فمن أراد السلامة لزمه أن يعلم أسبابها وأن يسلك تلك الأسباب بحكمه (٥).

стр. 396

الوجه الثالث: وقولهم إن طريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح فكلام خطأ أيضاً إذ لم يعهد في طريقة المتكلمين إلا الشك والحيرة والاضطراب والتناقض، وما فيها من صواب فقد دل عليه الشرع بأيسر سبيل وأوضحه. مع أن هذه العبارة فيها قدح في طريقة السلف بأنها لم تكن واضحة تماماً حتى جاء هؤلاء المتكلمون فأوضحوا الطريق. فهل يوجد قدح أبلغ من هذا؟! والقول الحق: إن طريقة السلف هي الأسلم والأعلم والأحكم (١). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٠١ ابتدع المتأخرون معنى للتأويل لم يكن معروفا عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقالوا: هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، ثم فسروا التأويل الوارد في آية آل عمران: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧]، بهذا المصطلح الذي أحدثوه، ومن ثم أضفوا الشرعية على تأويلاتهم لنصوص الصفات أو بعضها. وقد أولى شيخ الإسلام هذه المسألة اهتماما كبيرا، وعرض لها في مناسبات عديدة من كتبه، وانطلق في ذلك من بيان معاني التأويل الواردة في الكتاب والسنة وأقوال السلف، حيث أوضح من خلال التتبع الدقيق لموارد لفظة "التأويل" في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأئمة السلف (٢)، وانتهى من ذلك إلى أن التأويل ورد عندهم بمعنيين: أحدهما: أنه بمعنى المرجع والمصير، والحقيقة التي تؤول إليها الشيء. والثاني: أنه بمعنى التفسير (٣).أما المعنى الثالث الذي اصطلح عليه المتأخرون وهو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فليس معروفا عندهم، يقول شيخ الإسلام بعد ذكر المعاني السابقة: "والمقصود هنا أن السلف كان أكثرهم يقف عند قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ بناء على أن التأويل هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، لا يعلمها إلا هو، وطائفة كمجاهد وابن قتيبة (٤) وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل، ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني وهو التفسير، فليس بين القولين تناقض في المعنى. وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه لهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير، لكونه تفسير للكلام وبيانا لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجا في ذلك لا لكونه مخالفا للظاهر. وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل، كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده ... " (٥). وقد أراد شيخ الإسلام من هذا الكلام. تقرير عدة أمور:

стр. 397

١ - أنه لا يجوز حمل النصوص على مصطلح حادث، بل لابد من الرجوع أولا إلى الاستعمالات الواردة لهذا اللفظ وقت النزول. ولفظ التأويل لم يرد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة إلا بهذين المعنيين، فحمل لفظ التأويل – في آية آل عمران – على غيرهما باطل.٢ - أن القراءتين الوردتين في الآية صحيحتان (١)، ولا تعارض بينهما، وكل قراءة محمولة على معنى من معاني التأويل الوارد. ففي قراءة الوقف على لفظ الجلالة – وهي قراءة الجمهور – يكون معنى التأويل حقيقة الشيء في قراءة الوصل يكون معناه التفسير.٣ - أن التأويل هو بيان مراد المتكلم، وليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة (٢)، ولذلك فقد يوجد في كلام السلف تفسير الآية على خلاف ظاهرها – مما قد يقال بأنه صرف للفظ عن ظاهره – ولكن هذا من باب بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه، بضم النظائر إلى بعضها، وتفسير بعض النصوص بنصوص أخرى، توضح المراد منها، وتزيل ما قد يشتبه منها على بعض الناس. وشيخ الإسلام كثيرا ما يركز على "أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد بالحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لا مكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك ... فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل، لا على الحق ولم يبين مراده، وإنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في معرفة المراد على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح بالرسول" (٣).

стр. 398

وأهل الكلام الباطل ينظرون إلى النص بحد ذاته، ويعلمون فيه آراءهم واجتهاداتهم ومسلماتهم العقلية، دون أن ينظروا إلى مراد المتكلم وقصده من هذا الكلام، ودون أن يرجعوا إلى النصوص الأخرى التي قد تكون نصا في بيان المراد. ولذلك فإنهم حين يلحظون من كلامهم غلوا في صرف الألفاظ والنصوص عن معانيها، أو يوجه إليهم استشكال وتساؤل عن أسباب هذا التأويل – الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل – يلجأون إلى جواب غير مقنع – وإخاله غير مقنع لهم أنفسهم لكنهم اضطروا إليه – وهو قولهم أن فائدة إنزال النصوص المثبتة للصفات اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها، لتنال النفوس الثواب، وتنهض إلى التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية، الموصلة إلى الحق على حد زعمهم (١). وعليه فالهدى والنور والبيان الذي جاء به الكتاب والسنة لا يتم إلا بتحريف نصوصهما بما يوافق معقولات الفلاسفة والجهمية وأهل البدع والكلام والباطل!، وقد ضرب شيخ الإسلام بمثال، أطال في شرحه (٢).والخلاصة أن الأقوال في التأويل، وفي تفسير آية آل عمران على كلا القراءتين، ليس في ذلك كله ما يبرر مذهب النفاة الذين حرفوا كثيرا من النصوص باسم "التأويل" (٣). الأمر الثاني: القرائن المتصلة بالخطاب التي تدل على أن النص ليس على ظاهره هل يعتبر تأويلا؟ وما الشيء الذي يؤول والذي لا يؤول؟ هذه المسألة من المسائل التي كثير الخوض فيها دون ضابط أو منهج صحيح، ولذلك ضل فيها طائفتان: طائفة: ظنت أنه إذا كان بعض نصوص الصفات ليس على ظاهره، مثل حديث: عبدي مرضت، ونحوه، فهو دليل على جوز التأويل لكل نص وارد في الصفات دل ظاهره على التشبيه أو خالف المعقول مثلا، ولو كان ثبتوه ودلالته قطعيين – وهذا قول طوائف أهل الكلام – مع تفاوتهم في ذلك -. وطائفة: عكست الأمر فظنت إنه إذا كان لا يجوز التأويل في نصوص الصفات، فكذلك النصوص الأخرى يجب حملها على ظاهرها، ولو دلت القرائن على أن هذا الظاهر الفاسد منتف، وهؤلاء كثيرا ما يخلطون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة. وكل من الطائفتين لم يوفق إلى الحق والصواب، بل وقع في البدعة وخالف النصوص الدالة على إثبات الصفات لله من غير تمثيل ولا تعطيل. وسبب ذلك أنهم لم يفرقوا في النصوص بين ما هو من الصفات وما ليس منها، وإنما خلطوا الأمر إما إثباتا أو نفيا وتعطيلا.

стр. 399

وقد اهتم شيخ الإسلام بهذا الأمر، وميز تمييزا واضحا بين النصوص الدالة على الصفات، والنصوص التي ليست منها، إما لعدم ثبوتها، أو لأن القرائن دلت على أنها ليست من الصفات. بل قد قال شيخ الإسلام جازما: "وأما الذي أقوله الآن وأكتبه – وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس – أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد – إلى ساعتي هذه – عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف" (١). فالشأن أن تكون من آيات الصفات أو أحاديث الصفات، أما النصوص الأخرى التي قد تدل على الصفة، لكن ليست نصا فيها، فخلاف علماء أهل السنة فيها لا يجعل قول من لم يثبت بها صفة دليلا على تأويل الصفات، لأن النص نفسه ليس صريحا في ذلك. وقد أورد شيخ الإسلام عددا من الأمثلة على ذلك، وقبل إيراد نماذج منها يحسن ذكر ما قال في مقدمة أحدها، فقد أورد – ﵀ – مسألة قربه تعالى من عباده، والخلاف في ذلك، ثم قال: "وإذا كان قرب عباده من نفسه، وقربه منهم، ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل الحديث، والفقهاء، والصوفية، وأهل الكلام، لم يجب أن يتأول كل نص فيه ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه، كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء: إن كان في موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتي، ففي موضع آخر دل على أنه يأتي بعذابه، كما في قوله تعالى: فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِد [النحل: ٢٦] وقوله تعالى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢]. فتدبر هذا؛ فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها: يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ – حيث ورد – دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى – إضافة صفة – من آيات الصفات، كقوله تعالى: فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦]. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط؛ فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية، وهذا موجود في أمر المخلوقين، يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات"، ثم ذكر مثالين نافعين لذلك. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١١٤٤

стр. 400

أمثلة من القرآن ذكروا فيها التأويل: ١ - قال تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ [البقرة: ١١٥]، يقول شيخ الإسلام عن صفة الوجه: "لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث، والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية، والأشعرية، والكرامية، وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم، ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم، صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع، فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف، والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها، مثال ذلك قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ [البقرة: ١١٥] أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عدها أولئك – كابن خزيمة – مما يقرر إثبات الصفة (١)، وجعل (النفاة) تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع" (٢).ثم ذكر قصته في المناظرة التي عقدت له فقال: "ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود – وكنت قد قلت: أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا مما ذكرته كانت له الحجة، وفعلت وفعلت، وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ [البقرة: ١١٥]، فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد: قبلة الله (٣) – فقال أحد كبرائهم – في المجلس الثاني – وقد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل، فوقع في قلبي ما أعد، فقلت: لعلك قد ذكرت ما روي في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ [البقرة: ١١٥] قال: نعم، قلت: المراد بها قبلة الله، فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف. ولم يكن هذا السؤال يرد عليّ، فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه، ولا أثبتها، لكن طلبوها من حيث الجملة، وكلامي كان مقيدا كما في الأجوبة، فلم أر إحقاقهم في هذا المقام، بل قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلا، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات. قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلما قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه – هنا – القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه، أي: إلى هذه الجهة ... " – وبعد أن زاد هذا شرحا، قال: في كلام مهم جدا: "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه ... ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه. والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله، لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكروا تأويل آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية تدل عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة (قوله) فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ على فثم قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد؟ أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث أخرى، ليس هذا موضعها" (٤).

стр. 401

وفي نقض التأسيس أشار إلى ما ذكره هنا، مع زيادة في الشرح والتوضيح، وقال في أثناء ذلك: "فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلا، وليس المقصود نصر هذا القول، بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة، ولا من يقول: ظاهر الآية ممتنع ... " (١)، ثم ذكر ثلاث احتمالات في هذه الآية: أحدها: أنها دالة على الصفة، وحينئذ تقر على ظاهرها، ولا محذور فيه، ومن يقول بهذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في الأجسام المستقبلة ولا يقول هذا أحد من أهل السنة، و"ثم" إشارة إلى البعيد. والثاني: أن ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة المخلوقة فقط، وفي هذه لا تكون الآية مصروفة عن ظاهرها، وتوجيه ذلك أن "ثم" إشارة إلى مكان موجود، والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة. والثالث: أن يقال ظاهرها يحتمل الأمرين، وحينئذ فقول مجاهد لا ينافي ذلك (٢).ولكن ما الذي يرجحه شيخ الإسلام – مع قوله إن قول مجاهد " فثم قبلة الله" ليس تأويلا ولا حجة فيه للنفاة -؟، سبق قبل قليل نقل قوله في (مجموع الفتاوى): "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة ... "، وزاده في نقض التأسيس بيانا فقال في أحد وجوه الرد على الرازي: "الوجه الثالث: أن يقال: بل هذه الآية دلت على الصفة كغيرها، وذلك هو ظاهر الخطاب وليست مصروفة عن ظاهرها، وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة، ونجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها، ولفظ "الوجه" هو صفة الله، فما الدليل على وجوب تأويلها، وقوله فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثم، والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا" (٣). ويجب أن لا يغيب عن البال – في خضم هذه المناقشات – أن الخلاف ليس في إثبات صفة "الوجه" لله تعالى، لأن هذه الصفة ثابتة بنصوص أخرى صريحة قطعية، لا مجال فيها لأي احتمال – وقد أثبتها متقدموا أئمة الأشاعرة – ولكن الكلام هنا يدور حول أحد النصوص الواردة وهو قوله تعالى: فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ هل هو دال على صفة أم لا؟.

стр. 402

والخلاصة أن دلالة مثل هذه الآية محتملة، وهي لا تخالف النصوص الأخرى المثبتة لصفة الوجه، وليس فيما قاله مجاهد – تفسيرا لها – حجة للنفاة على جواز التأويل، وسواء دلت على الصفة أو لم تدل فليس للنفاة فيها حجة أصلا.٢ - ومن الأمثلة أيضا قوله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦]، يقول شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي – الذي يذكر بعض النصوص التي تحتاج إلى تأويل، ويحتج بها على جواز التأويل -: "يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله، ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية، بل كثير منهم ينفون ذلك، بل ينفون قول أحد منهم بذلك (١) "، ثم نقل كلام الدارمي في نقضه على المريسي – ورده عليه في احتجاجه بهذه الآية – وأنه قال: "وادعى المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] قال: يعنون بذلك الجنب (الذي) هو العضو، وليس على ما يتوهمونه، قال: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟، إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكافرين على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب، فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم ... " (٢)، ثم عقب شيخ الإسلام بتوجيه آخر يدل على أنها ليست صفة، ونقل كلام ابن بطة والقاضي أبي يعلى (٣).وقد عقب شيخ الإسلام على ما مضى – رادا على الرازي الذي زعم أن ظاهر القرآن يلزم منه أن لله جنبا واحدا عليه أيد كثيرة ... (٤) -، فقال: "وأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله جنب واحد بمعنى الشق، ولكن قد يقال: القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى، وفيه إثبات التفريط فيه، فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١]، فإن هناك شيئين: اليد وكون الملك فيها، ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" (٥).وما أشار إليه شيخ الإسلام من صفة "اليد" أوضحه في مكان آخر فقال رادا على نفاة هذه الصفة: "ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فيهما شيئان: أحدهما: إثبات اليد، والثاني: إضافة الملك والعمل إليها. والثاني يقع فيه التجوز كثيرا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له "يد" حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى، ولا يد الماء، فهب أن قوله: بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة" (٦). ولعله اتضح معنى قوله في نص – نقض التأسيس – عن قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ: "ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" أن المقصود بذلك أن من قال إن المراد بذلك بقدرته قد لا يحتج بهذه الآية على إثبات هذه الصفة لله، ولكن ها هنا أمران:

стр. 403

أحدهما: أن إثبات صفة اليدين قد دلت عليه أدلة قطعية، لا مجال فيها لأي تأويل. الثاني: أن قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ وإن قيل إن معناه بقدرته، غلا أن الآية تدل على إثبات اليد لله، لأنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة. والخلاصة أن آية علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ من قال إن المقصود هو التحسر على التفريط في الإيمان والأعمال الصالحة، فليس قوله هذا تأويلا لصفة من الصفات، حتى يكون حجة لنفاة الصفات. وكذلك من اثبت بهذه الآية الصفة، فإنه أثبت صفة الجنب لله، وأثبت التفريط فيه، مثل قوله: بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وقال: إنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له جنب. والله أعلم.٣ - ومن الأمثلة قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ [القلم: ٤٢] فإنه الصحابة والتابعين قد تنازعوا في هذه الآية، هل المقصود بها الكشف عن الشدة، أو المراد أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، "ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية، بخلاف قوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧] ونحو ذلك، فإنه لم يتنازع فيه الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله، ولا قال يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقا نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين (١) الذي قال فيه: ((يكشف ربنا عن ساقه)) (٢)، وقد يقال أن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضا فحمل ذلك على الشدة لا يصح، لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة، أي أزالها، كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف: ٥٠] وقال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ [الأعراف: ١٣٥] وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون: ٧٥]، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال: كشف الشدة: أي أزالها، فلفظ الآية يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة" (٣). وشيخ الإسلام يرجح دلالة الآية على الصفة، خاصة مع دلالة الحديث الواضحة، ومع ذلك فمن قال من السلف إن المراد بها الكشف عن الشدة، فليس قولهم تأويلا، ثم إنهم يثبتون هذه الصفة بالحديث الصحيح، فلو كان قصدهم التأويل – لذات التأويل – كما يدعي النفاة، لكان تأويلهم للحديث أولى، لكن لما أنهم لم يفرقوا بين دلالة الكتاب والسنة الصحيحة على إثبات الصفات، أثبتوا هذه الصفة بالسنة مع ترجيحهم أن الآية لها معنى آخر. فالنتيجة واحدة. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة – ٣/ ١١٥٠

стр. 404

المطلب السادس: هل قال الإمام أحمد بالتأويل ؟ القول بأن الإمام أحمد قال بالتأويل تلقفته طائفتان: إحداهما: طائفة من الحنابلة الذين مالوا إلى شيء من بدع أهل الكلام، حيث جعلوا مثل هذا النقل عن الإمام أحمد حجة لهم في مخالفتهم لما هو مشهور عن جمهور أصحابه المتبعين لمذهب السلف والأخرى: طائفة من الأشاعرة وغيرهم، ليستدلوا بمثل هذا النقل على صحة مذهبهم في تأويل بعض الصفات، وأنهم غير مخالفين لمذهب السلف. والذي روى عن الإمام أحمد في هذه المسألة لا يتعدى أحد نقلين: أحدهما: ما نقله الغزالي – في معرض حديثه عن الإمام أحمد ومنعه من التأويل – قال الغزالي: "سمعت بعض أصحابه يقول: إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله ﷺ : ((الحجر الأسود يمين الله في أرضه)) (١)، وقوله ﷺ : ((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) (٢)، وقوله ﷺ : ((إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ... )) (٣) وقد نقل الرازي هذا عن الغزالي مع تبديل في أحد الأحاديث (٤).الثاني: ما نقله حنبل في المحنة، عن الإمام أحمد، يقول: احتجوا عليّ يوم المناظرة، فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة، وتجيء سورة تبارك؟ قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب، قال الله جل ذكره: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، وإنما تأتي قدرته، القرآن أمثال ومواعظ، وأمر ونهي، وكذا وكذا" (٥)، وأحال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات على رواية حنبل فقال: "وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله وَجَاء رَبُّكَ قال قدرته" (٦). ونقل هذه الرواية عن القاضي أبي يعلى بعض الحنابلة، منهم ابن الجوزي في تفسيره (٧)، وفي كتابه (الباز الأشهب) (٨) – الذي نصر فيه مذهب أهل التعطيل -، كما نسبه البيهقي إلى الإمام أحمد (٩).

стр. 405

والعجيب أن هؤلاء المعطلة – يعظم عندهم مثل هذين النقلين – مع ما فيهما من كلام كما سيأتي – وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات – فهذه لا حاج فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف، وغاية ما يقولون فيها أن الإمام أحمد إنما أراد بها التفويض!.ومع ذلك فلا حجة لهم فيما نقوله عن هذا الإمام، وبيان ذلك كما يلي: أما النقل الأول – الذي ذكره الغزالي والرازي – فقد قال فيه شيخ الإسلام "هذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف: لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال" (١)، والدليل على ذلك اختلاف نقل الرازي عن نقل الغزالي، وله احتمالات: أن يكون الرازي غلط في النقل عن الغزالي، أو أن الغزالي نقل في كتاب آخر – غير (الإحياء) – خلاف ما ذكره في (الإحياء)، قال شيخ الإسلام: "وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي نقله غير مضبوط" (٢). وقال أيضا عن الغزالي، وعدم علمه بالحديث وشهادته على نفسه بأن بضاعته فيه مزجاة: "ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله، مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء، ومن ذلك هذا النقل الذي نقله عن أحمد، فإنه نقله عن مجهول لا يعرف، وذلك المجهول أرسله إرسالا عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفترى عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الإثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه ... " (٣). ثم إن هذه الأحاديث التي أوردها الغزالي والرازي ليس فيها ما يوجب التأويل؛ لأن دلالاتها واضحة، فزعمهم أنها – أو غيرها من الأحاديث – بحاجة إلى التأويل، أو أن الإمام أحمد قد تأولها، لا يفيدها شيئا في هذا الباب ولهذا ناقش شيخ الإسلام هذه الأحاديث وغيرها، وبين ما فيها، -وقد سبق قبل قليل نقل كلامه فيها -. وخلاصة القول: ١ - أن هذا النقل غير صحيح، ولم يورده أحد في مسائل وكلام الإمام أحمد. ٢ - أن النقول الكثيرة عن الإمام أحمد تدل على إثباته ومنعه من التأويل. ٣ - أن هذه الأحاديث لا حجة فيها لهم، لأن ما فهموه من الظواهر الفاسدة، قد دلت النصوص نفسها على أنه غير وارد. أما النقل الثاني – الذي أورده حنبل في سياق المحنة – فقد ذكر شيخ الإسلام – أن الحنابلة اختلفوا في هذه الرواية على خمس طرق: ١ - "قال قوم: غلط حنبل في نقل الرواية، وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الروايات في الفقه. والجماهير يرون خلافه. وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التي خالفه فيها الجمهور، هل تثبت روايته؟ على طريقين، فالخلاف وصاحبه قد ينكرانها، ويثبتها غيرهما كابن حامد. ٢ - وقال قوم منهم: إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له، فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قالوا: مجيء كلامه مجيء ثوابه. وهذا قريب. ٣ - وقال قوم منهم: بل هذه الرواية ثابتة في تأويل ما جاء من جنس الحركة والإتيان والنزول، فيتأول على هذه الرواية بالقصد والعمد لذلك، وهذه طريقة ابن الزاغوني وغيره.

стр. 406

٤ - وقال قوم: بل يتأول بمجيء ثوابه. وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة، دون بقية الصفات.٥ - وقال قوم – منهم ابن عقيل وابن الجوزي -: بل يتعدي الحكم من هذه الصفة إلى سائر الصفات التي تخالف ظاهرها، للدليل الموجب لمخالفة الظاهر" (١). ويلاحظ أن الأقوال الثلاثة الأخيرة تصحح نسبة التأويل إلى الإمام أحمد، وتجعل ذلك حجة لها على مذهبها المائل إلى الأشاعرة كما هو قول ابن الزاغوني وغيره، أو ما هو أشد غلوا منهم في التعطيل والنفي كما هو المشهور من مذهب ابن عقيل وابن الجوزي. وقد نفى شيخ الإسلام بشكل قاطع ما نسب إلى الإمام أحمد من التأويل وقال: "لا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك (٢) " وقال: "والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئا منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث، كأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة" (٣). وهذه رسائل وأقوال الإمام أحمد مشهورة معروفة، وما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وله فيها كلام، ولم يرد فيها ما يخالف مذهب السلف، ولذلك عده الناس إماما لأهل السنة بسبب ما ابتلي به من المخالفين من أهل الأهواء الذين ناظرهم وبين بطلان أقوالهم، وهو في ذلك متبع لمن قبله من أئمة السلف (٤).وإذا كان هذا هو المتواتر عن الإمام أحمد فلابد من النظر إلى رواية حنبل – في المحنة – على أنها رواية فردة خالفت المشهور عنه، ولهذا قال القاضي أبو يعلى بعد ذكره لرواية حنبل، وتغليط ابن شاقلا له: "وقد قال أحمد في رواية أبي طالب، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة: ٢١٠]، وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] من قال إن الله لا يرى فقد كفر، وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيء ذاته لأنه احتج بذلك على جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافا إلى الذات" (٥). وخلاصة الجواب عن رواية حنبل – في المحنة -: ١ - إما أن يقال هذه من مفاريده وقد خالفت المتواتر والمشهور عنه. ٢ - وعلى فرض ثبوت هذه الرواية فيقال: أن الإمام قال هذا إلزاما لخصومه وقد قال شيخ الإسلام على هذا الاحتمال: "وهذا قريب". وشرحه في موضع آخر فقال: "ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم، يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان، ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره، فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن، لا أنه نفسه هو الجائي، فإن التأويل هنا ألزم، فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل له، لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن.

стр. 407

فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه، ثم تأولتم ذلك بأمره، فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى. وإذا قاله على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه، وهو لا يحتاج على أن يلتزم هذا؛ فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، وثوابها مخلوق، ولهذا قال أحمد وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن (١)، والثواب إنما يقع على أعمال العباد، لا على صفات الرب وأفعاله" (٢). والخلاصة: ١ - أن هذا مخالف لما تواتر عن الإمام أحمد من المنع من التأويل. ٢ - أن حنبل تفرد بهذه الرواية.٣ - وعلى فرض صحتها فالإمام قالها إلزاما لخصومه المعتزلة (٣). هذه خلاصة مباحث "التأويل" تبين سلامة منهج أهل السنة في الصفات، كما شرحه شيخ الإسلام ورد على المجيزين للتأويل، ولا شك أن هذا الباب لما فتحه المتكلمون – وقد يكون عند بعضهم عن حسن نية – ولج منه أهل الإلحاد من القرامطة والباطنية والفلاسفة وغيرهم ليتوصلوا به إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، وإنكار المعاد وما فيه، وهذا وحده كاف لوجوب سد هذا الباب الخطير. ويمكن ذكر نموذج واحد لمقالات هؤلاء الذين فتحوا باب التأويل، يقول شيخ الإسلام: "ولهذا قال كثير منهم – كأبي الحسين البصري، ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن الحاجب – أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين، جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين. فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أنزل الآية، وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر. وهم لو تصوروا هذه المقالة لم يقولوا هذا فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة" (٤). ومن تدبر هذا وأمثاله عرف ما فيه وما له من آثار. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١١٦٣

стр. 408

المطلب السابع: قاعدة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر هذا الأصل أو هذه القاعدة – من أعظم الأصول والقواعد في باب الأسماء والصفات، ومن أهمها في بيان تناقض الخصوم من أهل الكلام – على مختلف طبقاتهم ودرجاتهم في هذا الباب – كما أنها مشتملة على جوانب عظيمة في إقناع من يتردد في صحة مذهب السلف، أو يخالطه شك أو شبهة مما ينثره أهل الكلام في كتبهم ومقالاتهم. وهذه القاعدة لم يفصل القول فيها أحد – فيما أعلم – قبل شيخ الإسلام، وإن كان قد ألمح إليها بعض الأشاعرة – إحساسا منه بالتناقض – أو بعض أهل السنة اقتناعا منه بتناقض خصومه -، أما الكلام فيها بهذه القوة والوضوح والإقناع فقد كان مما وفق الله هذا الإمام إليه، وهو المتفضل على عباده بما يشاء، فله الحمد والمنة. وقبل الدخول في تفاصيل هذا الأصل – أو هذه القاعدة – يمكن إجمال ما اشتملت عليه من الأصول والقواعد بما يلي: ١ - أن من نفى بعض الصفات وأثبت البعض الآخر، لزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه. ٢ - وأن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، لأنه قد يكون ثبت بدليل آخر غير هذا الدليل. ٣ - أن كل من أول صفة لزمه فيما أوله نظير ما ظن أنه يلزمه فيما فر منه. ٤ - أن دلالة السمع والعقل على الصفات واحدة: أ- فإذا كان السمع قد دل على الصفات السبع، فقد دل أيضاً على غيرها، ووجه الدلالة وقوة النص واحدة. ب- وإذا دل العقل على الصفات السبع، فيمكن أن يدل العقل على غيرها، مما ينفيه هؤلاء. ٥ - أنه يقال للأشعري نظير ما يقوله هو للمعتزلي في مسألة الأسماء. ٦ - أن هذا الأصل يمكن أن يرد به على جميع النفاة. أ- الأشعري الذي يثبت بعض الصفات دون بعض. ب- والمعتزلي الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات. ج- والجهمي الذي ينفي الأسماء والصفات ولكن يقر بأن الله شيء وأنه موجود. د- والغلاة: الذين يسلبون النقيضين. وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأصل في الرد على هؤلاء جميعا، وبين تناقضهم. وبالنسبة للأشاعرة – الذين هم مدار هذا البحث – فيمكن بيان منهجهه في تقرير هذا الأصل بذكر أحد ردوده العامة، ثم ذكر عدد من الأمثلة التي أوردها شيخ الإسلام في مناقشته لهم معتمدا على الأصل: سبق – في مبحث الأسماء – أن الأشاعرة وإن أثبتوا أسماء الله بإجمال، إلا أنهم يتأولون – في بعض هذه الأسماء – ما تدل عليه من الصفات، فمثلا يثبتون من أسمائه تعالى: الرحيم، والعلي، والودود، ولكنهم حينما يفسرونها يتأولونها كما يتأولون صفة الرحمة، والعلو، والمحبة، وغيرها. أما العليم والقدير فلا يتأولونه، كذلك هم في الصفات يثبتون السمع والبصر والكلام والإرادة، ويتأولون غيرها كالرحمة والرضا والغضب وغيرها. فشيخ الإسلام بين تناقضهم في ذلك كله فقال، "من أقر بفهم بعض معنى الأسماء والصفات دون بعض، فيقال له: ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته، أو أمسكت عن إثباته ونفيه؟ فإن الفرق: - إما أن يكون من جهة السمع. - أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر. وكلا الوجهين باطل بأكثر المواضع. أما الأول: فدلالة القرآن على أنه: رحمن، رحيم، ودود، سميع بصير، عليّ، عظيم، كدلالته على أنه: عليم، قدير، ليس بينهما فرق من جهة النص، وكذلك ذكره لرحمته، ومحبته، وعلوه، مثل ذكره لمشيئته وإرادته. وأما الثاني: فيقال من أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت مثلا حقيقة رحمته، ومحبته، وأعدت ذلك إلى إرادته؟. فإن قال: لأن المفهوم من الرحمة رقة تمتنع على الله. قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على الله. فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه.

стр. 409

قيل له: ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه، وكذلك محبته. وإن قال – وهو حقيقة قوله -: لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل، وكذلك السمع والبصر والكلام – على أحد الطريقتين-؛ لأن العقل دل على القدرة، والإحكام دل على العلم، والتخصيص دل على الإرادة. قيل له: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإنعام، والإحسان، وكشف الضر، دل أيضا على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة. والتقريب والإدناء وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب، تدل على المحبة، ومطلق التخصيص يدل على الإرادة، وأما التخصيص بالإنعام فتخصيص خاص، والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص. وما سلكه في مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا. الثاني: يقال له: هب أن العقل لا يدل على هذا، فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ينفي به الإرادة. والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذه المضايق أعظم، ودلالته أتم. فلأي شيء نفيت مدلوله، أو توقفت، وأعدت هذه الصفات كلها إلى الإرادة، مع أن النصوص لم تفرق؟ فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها في إثباتها الإرادة زيادة على الفعل" (١). ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجا لما يمكن أن يكون من مناقشة بين الأشعري والجهمي المعتزلي الذي ينكر صفة الإرادة فقال."الثالث: يقال له (أي للأشعري) إذا قال الجهمي (والمعتزلي): الإرادة لا معنى لها إلا عدم الإكراه، أو نفس الفعل والأمر به، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا – إن قال بقدمها، ومحذورا إن قال بحدوثها (٢) .... كان جوابه (أي جواب الأشعري للمعتزلي الجهمي): أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال، والنص قد دل عليها، والعقل أيضا. فإذا أخذ الخصم (أي المعتزلي) ينازع في دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو مقرمطا (أي حكم الأشعري على المعتزلي بذلك). (فيقول أهل السنة للأشعري:) وهذا بعينه موجود في الرحمة، والمحبة، ... " (٣). وقد أكمل شيخ الإسلام المناقشة لبيان بطلان مذهب المعتزلة والجهمية وغيرهم، ثم ذكر كلاما مجملا مهما، فقال: "ونكتة هذا الكلام: أن غالب من نفي وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة، لابد أن يثبت الشيء لقيام المتقضي وانتفاء المانع، وينفي الشيء لوجود المانع، أو لعدم المقتضى، أو يتوقف إذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع: فيبين له أن المقتضى فيما نفاه قائم، كما أنه فيما أثبته قائم، إما من كل وجه، أو من وجه يجب به الإثبات، فإن كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا، وإلا قدره ذاك المقتضى من جنس درء هذا. وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته؛ فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر، فإنه إن كان حقا نفاهما، وإن كان باطلا لم ينف واحدا منهما، فعليه أن يسوي بين الأمرين في الإثبات والنفي، ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات. فهذه نكتة الإلزام لمن أثبت شيئا وما من أحد إلا ولابد أن يثبت شيئا، أو يجب عليه إثباته" (٤). ثم ضرب شيخ الإسلام مثالا في الرد على متأخري الأشعرية – سبق نقله عند الكلام على شبهة التركيب -.

стр. 410

وبعد هذه المقدمة العامة يمكن ذكر نماذج من تطبيق شيخ الإسلام لهذا الأصل في ردوده ومناقشاته للأشاعرة، ومنها: ١ - إذا كان التجسيم لازما لبعض الصفات فهو لازم للصفات التي أثبتموها، وبالعكس، أي إذا لم يكن التجسيم لازما للصفات التي أثبتموها، فلا يلزم في الصفات التي نفيتموها، وهكذا. والنتيجة أنكم إما أن تثبتوا جميع الصفات لأنها لا تستلزم التجسيم، أو تنفوها كلها لاستلزامها التجسيم. وهذا وارد في جميع الصفات التي نفاها متأخرو الأشاعرة كصفة الرضا، والغضب، والرحمة، والوجه، واليد، والاستواء، والمجيء وغير ذلك. وقد بدأ شيخ الإسلام تقرير هذا بأن نفاة الصفات من المعتزلة والجهمية والقرامطة والباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، يقولون: "إذا قلتم: إن القرآن غير مخلوق، وإن لله تعالى علما، وقدرة، وإرادة، فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها، لا تقوم إلا بغيرها، سواء سميت صفاتا أو أعراضا، أو غير ذلك، قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم، فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول" (١).

стр. 411

هذه خلاصة شبهة واستدلال نفاة جميع الصفات، دون تفريق بين صفات المعاني وغيرها. وحينئذ فإن الأشعري سيرد عليهم بإثباتهم لأسماء الله وعدم استلزامها للتجسيم، فكذلك هذه الصفات التي أثبتها. فهو يقول: "بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم، كما أن عندنا وعندكم إثبات عالم، قادر، ليس بجسم" (١).وهذا جواب صحيح، ولذلك فالمثبت لجميع الصفات الواردة سيقول للأشعري معلقا على جوابه السابق لنفاه جميع الصفات: "الرضا، والغضب، والوجه، واليد، والاستواء والمجيء (وغيرها كذلك)، فأثبتوا هذه الصفات أيضا، وقولوا: إنها تقوم بغير جسم" (٢).وحينئذ سيعترض الأشاعرة قائلين: "لا يعقل رضا وغضب إلا ما يقوم بقلب هو جسم، ولا نعقل وجها ويدا إلا ما هو بعض من جسم" (٣).وحينئذ فيجيبهم أهل السنة بقولهم: "ولا نعقل علما إلا ما هو قائم بجسم، ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم، ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما إلا ما هو قائم بجسم، فلم فرقتم بين المتماثلين؟ وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير جسم، وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم، وهما في المعقول سواء" (٤).وهذا مما لا محيد للأشاعرة عنه، لأنه لا فرق بين ما نفوه وما أثبتوه، وقد صاغها شيخ الإسلام في مكان آخر بعبارة أخرى فقال: "إن من نفى شيئا من الصفات لكون إثباته تجسيما وتشبيها، يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو، أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه؛ لأنه لا يعقل ما هو كذلك إلا الجسم، قال المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم، فإذا جاز لك ان تثبت هذه الصفات وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم. فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض، قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه – وإن كان بعضا – فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضا ومحلها ليس بجسم، جاز لي أن أثبت هذه مع أنها ليست أبعاضا" (٥).ولكن الأشاعرة يعترضون ويقولون: "الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد، أو نحو ذلك" (٦). فيجيبهم المثبتة بقولهم: "إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد، فوزانه أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمه، ولا سمع إلا ما كان بصماخ، ولا كلاما إلا ما كان بشفتين ولسان، ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة، وأنتم تثبتون لله السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد، فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوق، فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولا فرق بين صفة وصفة، فإن ما نفيتموه من الصفات فيه نظير ما أثبتموه. فإما أن تعطلوا الجميع، وهو ممتنع، وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره، وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة، فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفي الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل، يتضمن الفرق بين المتماثلين، والتناقض في المقالتين" (٧).

стр. 412

ولا تحتاج هذه المناقشة إلى تعليق، لأن التناقض واضح في تفريقهم بين ما يلزم منه تجسيم وتشبيه وبين مالا يلزم منه ذلك، لأن هذه الصفات كلها يتصف بها المخلوق، فإن لزم في بعضها التشبيه لزم في الباقي، وإن لم يلزم في بعضها لم يلزم في الباقي. ولذلك فإن الأشاعرة يرجعون في التفريق إلى دليل العقل، فيقولون: ما دل عليه العقل وجب إثباته، وما لم يدل عليه العقل فيجب نفيه، أو على الأقل التوقف فيه. يقول الأشعري – معللا تفريقه بين إثبات الصفات السبع ونفي ما عداها -: "تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك" (١). وهناك يذكر شيخ الإسلام أن لسائر أهل الإثبات ثلاثة أجوبة: أحدها: أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، وهذا مبني على مسألة واضحة جدا يقر بها كل عاقل، وهي أن عدم العلم ليس علما بالعدم (٢)، فعدم علمي بوجود كتاب، أو مدينة من المدن المغمورة، أو وجود شخص ما - لا يعني أن هذه الأمور غير موجودة، بل قد تكون موجودة وقد يكون علمها غيري، فعدم علمي بها ليس علما بعدمها، وهذا لو أنكره إنسان لعد من أجهل الناس. ولذلك فإنه يقال لهؤلاء الأشاعرة: عدم الدليل المعين، الذي هو دليل العقل، والذي قلتم إنه لم يدل على ما عدا الصفات السبع، لا يستلزم عدم المدلول المعين الذي هو باقي الصفات، "فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت" (٣).الثاني: أن يقال: إذا كان دليل العقل لم يثبت هذه الصفات، - وعدم إثباته لها ليس دليلا على نفيها – فإن هناك دليلا آخر دل عليها، وهو دليل السمع "ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم" (٤).وهذا الوجه الثاني مترتب على الوجه الأول، ولذلك جمع بينهما في وجه واحد في التدمرية، وأفردهما عن بعض في (مجموع الفتاوى) (٥).الثالث: "أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في معقولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم وأعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة" (٦).

стр. 413

ولا فرق بين استدلالهم بالعقل على الإرادة والعلم، وبين استدلال غيرهم به على الحب والبغض، والحكمة والرحمة وغيرها. وهذه الوجوه الثلاثة مبينة أن احتجاجهم بدليل العقل على الصفات السبع لا يدل على نفي ما عداها من الصفات الثابتة. ولكن لو عاد الأشعري وقال: صحيح أنني أثبت هذه الصفات بالعقل، ولكني أيضا نفيت ما عداها بالعقل لأنها تستلزم التجسيم. وحينئذ يعود الكلام إلى ما ذكر أولا في بداية هذه المناقشة ويقال له: "القول في هذه الصفات التي تنفيها كالقول في الصفات التي أثبتها، فإن كان هذا مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر، وإن لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر" (١)، فدعواه التفريق بينهما باطل وهو متناقض كما تقدم. هذا هو أهم الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام، وهو مثال شامل لجميع الصفات التي نفاها الأشاعرة (٢). وهناك أمثلة أخرى ترجع إلى ما سبق ومنها: ٢ - تطبيقه في صفة النزول: يقول شيخ الإسلام في شرح حديث النزول بعد تقريره لهذا الأصل وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر: "ومثال ذلك أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك، من صفات الأجسام؛ فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم، فيلزم تنزيهه عن الملزوم، أو قال: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب، وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك من صفات الأجسام. فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة – من صفات الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوي، ويغضب، ويرضى، إلا جسما، لم نعقل ما يسمع، ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما. فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا ... " (٣) ثم أكمل الكلام بمثل ما سبق (٤). ٣ - في نفيهم العلو:

стр. 414

من شبه الأشاعرة في نفي العلو أنه يلزم منه أن يكون الله مركبا، منقسما، ذا قدر: وكان من مناقشة شيخ الإسلام أن ألزمهم ذلك بإثباتهم للصفات فقال: "وإذا جاز أن يقولوا: إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، جاز أيضا أن يقال: إن الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه، ولا يكون المشار إليه هو عين الآخر" (١).ثم إن شيخ الإسلام ألزم الأشاعرة في إثبات علو الله وقيامه بنفسه بما أثبتوه أيضا من الصفات التي لا يجعلونها أعراضا وينكرون على من ألزمهم بذلك فكذلك يقال لهم: إذا ثبت أن الله تعالى بائن من خلقه قائم بنفسه لا يلزم أن يكون جسما مركبا، يقول شيخ الإسلام: "فيقال إذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم والقدرة وإن شارك سائر الصفات في هذه الخصائص "ولم يكن عندك عرضا، فكذلك القائم بنفسه وإن شارك غيره من القائمين بأنفسهم فيما ذكرته، لم يجب أن يكون جسما مركبا منقسما، ولا فرق بين البابين بحال؛ فإن المعلوم من القائم بنفسه أنه جسم، ومن القائم بغيره أنه عرض، وأن القائم بنفسه لابد أن يتميز منه شيء عن شيء، والقائم بغيره لابد أن يحتاج على محله، فإذا أثبت قائما بغيره يخالف ما علم من حال القائم بنفسه في ذلك، فكذلك لزمه أن يثبت قائما بنفسه يخالف ما علم من حال القائمين بأنفسهم" (٢).ومثل ذلك ما يقال من أن اختصاص الله تعالى بالوصف كاختصاصه بالقدر، فكيف يفرق بينهما من ينكر العلو والاستواء لاستلزامه القدر (٣) .... ٤ - في حديث الصورة: ((خلق الله آدم على صورته)) (٤).ذكر شيخ الإسلام في رده على من تأوله فقال: "المحذور الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة، أو الصورة المعنوية، أو الروحانية، ونحو ذلك، يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه، وإذا كان مثل هذا لازما على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه لأجله، ولم يكن أيضا محذورا بالاتفاق ... " (٥). ٥ - القول في نصوص الصفات كالقول في نصوص المعاد: أي أن النصوص التي ثبتت بها الصفات هي مثل النصوص التي ثبت بها المعاد، فتفريق الأشاعرة – وغيرهم – بينهما بإثبات هذا ونفي هذه تناقض، بل يلزمهم أن يقروا بكل ما ورد من الصفات كإقرارهم بنصوص المعاد، خاصة وأن نصوص الصفات أكثر (٦). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١١٨٦

стр. 415

المطلب الثامن: الرد عليهم في نفيهم للصفات الاختيارية ومسألة الصفات الاختيارية، أو الفعلية، هي التي يسميها المعتزلة والأشاعرة مسألة حلول الحوادث (١)، وأهم ما يميزها بالنسبة للمذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم عليها، لأنها كانت الأساس الذي قام عليه المذهب الكلابي، ثم الأشعري. وهذا بخلاف الصفات الخبرية، أو العلو، فإن الخلاف فيها قائم بين المتقدمين والمتأخرين. والصفات الاختيارية هي – كما يقول شيخ الإسلام – "الأمور التي يتصف بها الرب ، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته، مثل كلامه، وسمعه وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه، وإحسانه، وعدلة، ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة" (٢) ..... مقدمات في بيان الخلاف حول الصفات الإختيارية ومنشئه: ذكر شيخ الإسلام خلاصة أقوال الطوائف في هذه المسألة فقال: "وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم. وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم. وقد ذكر أبو بكر عبدالعزيز في كتاب (الشافي) عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين، مبنيين على هذا الأصل: أحدهما: أنه قديم، لا يتعلق بمشيئته وقدرته. والثاني: أنه لم يزل متكلما إذا شاء. وكذلك ذكر أبو عبدالله بن حامد قولين. وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته – كقول ابن كلاب – أبو الحسن التميمي وأتباعه – والقاضي أبو يعلى وأتباعه، كابن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة، وهذا تارة. وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبدالله بن حامد، وأبو بكر عبدالعزيز وأبو عبدالله بن بطه، وأبو عبدالله بن منده، وأبو نصر السجزي، ويحيى ابن عمار السجستاني، وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم. والنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك، وبين أصحاب الشافعي، وبين أصحاب أبي حنيفة، وبين أهل الظاهر أيضا: فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك، وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك. وكذلك أهل الكلام: فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك، والمعتزلة على نفي ذلك ... وكذلك المتفلسفة: فحكوا عن أساطينهم – الذين كانوا قبل أرسطو – أنهم كانوا يثبتون ذلك، وهو قول أبي البركات صاحب "المعتبر"، وغيره من متأخريهم، وأما أرسطوا وأتباعه – كالفارابي وابن سينا – فينفون ذلك، وقد ذكر أبو عبدالله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه، وقرر ذلك. وكلام السلف والأئمة، ومن نقل مذهبهم، في هذا الأصل كثير، يوجد في كتب التفسير والأصول ... " (٣). ومن خلال هذا العرض المفصل لأقوال الطوائف في هذه المسألة يتبين أن الخلاف فيها ليس مع الأشاعرة فقط، كما أن القائلين بها ليسوا أهل السنة فقط، وإنما وافقهم عليها – ولو بشكل مجمل – كثير من أتباع الطوائف المختلفة. ومنشأ الخلاف في هذه المسألة من جهتين: الجهة الأولى: المضافات إلى الله وأنواعها، وقد ذكر شيخ الإسلام أن المضافات إلى الله في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام:

стр. 416

أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل علم الله، وقدرة الله سواء كان إضافة إسمية مثل استخيرك بعلمك، أو بصيغة الفعل مثل عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧]، أو الخبر الذي هو جملة إسمية مثل: وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]. الثاني: إضافة المخلوقات، مثل: بيت الله، ناقة الله، رسول الله. الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل، مثل قوله: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] وقوله: فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة: ٩٠] وغيرها. فالقسم الأول: لم يختلف أهل السنة والجماعة في أنه قديم وغير مخلوق، وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها. والقسم الثاني: لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق. أما القسم الثالث – وهو ما فيه معنى الصفة والفعل – فالناس فيه على قولين: القول الأول: قول المعتزلة، والكلابية، والأشعرية، وغيرهم، أن هذا القسم لابد أن يلحق بأحد القسمين قبله، فيكون: إما قديما قائما به أزليا، وإما مخلوقا منفصلا عنه. ثم هؤلاء فريقان: فريق: يرى امتناع قيام الصفات به، وهؤلاء هم المعتزلة، قالوا: القرآن مخلوق، وليس لله مشيئة ولا حب ولا بغض. وفريق:- وهم الصفاتية – الذين يرون قيام الصفات به، ويقولون: له مشيئة، وكلام قديم، واختلفوا في حبه وبغضه، وأسفه ورحمته وسخطه ونحو ذلك هل هو بمعنى المشيئة أو صفات أخرى غير المشيئة؟ على قولين. ثم هؤلاء اختلفوا في الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك من أنواع الأفعال التي هي أنواع جنس الحركة على أحد قولين: أ- إما أن يجعلوها من باب النسب والإضافات المحضة، بمعنى أن الله خلق العرش بصفة النحت فصار مستويا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيا إليهم ... مثل قول الأشعري عن الاستواء إنه فعل فعله في العرش سماه استواء. ب- أو يقول هذه أفعال محضة في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. القول الثاني: وهو قول الكرامية وكثير من الحنبلية وأكثر أهل الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين وأكثر كلام السلف يدل على هذا القول، وهو: أن هذه الصفات الفعلية ونحوها، المضافة إلى الله تعالى، قسم ثالث، ليست من المخلوقات المنفصلة عنه، وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التي لا تتعلق بها مشيئته لا بأنواعها، ولا بأعيانها.

стр. 417

وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلما بمعنى إنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، وكلامه منه ليس مخلوقا، وكذلك يقولون: وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد إذا شاء، ويغضب ويمقت ويقر هؤلاء – أو أكثرهم – بما جاء من النصوص على ظاهره مثله قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى [الأعراف: ٥٤] إنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه، وإنه يدنو إلى عباده ويقرب منهم، وينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيا. ثم هؤلاء اختلفوا: هل يقال: تحل الحوادث بذاته؟ فمنهم من يطلقه، ومنهم من لا يطلق ذلك إما لعدم ورود الأثر به، أو لإيهام معنى فاسد ... (١).وببيان هذه المسألة العظيمة، مسألة المضاف إلى الله تعالى يتبين كيف وقع كثير من الطوائف في الانحراف في هذا الباب (٢). الجهة الثانية: التي نشأ بسببها الخلاف في الصفات الفعلية أو الاختيارية هي: أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ وبيان ذلك أنه إذا كان من المتفق عليه بين جميع الطوائف أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، كما اتفقوا على أن هذه المخلوقات وجدت مخلوقة منفصلة عنه. إلا أنهم اختلفوا في أنه تعالى لما خلقها هل قامت به صفة الخلق، أو أن الخلق هو نفس المخلوق من غير أن تقوم به صفة؟ وارتباط هذه المسألة بحلول الحوادث أو الصفات الاختيارية واضح جدا؛ لأن من المعلوم أن السموات والأرض أو غيرها من المخلوقات ليست مخلوقة منذ الأزل، بل هي حادثة، فحين خلقها الله لابد أن تكون قد تجددت له صفة لم تكن موجودة من قبل، فبخلقه السماء قامت به صفة الخلق لها لأن السماء لم تكن مخلوقة من قبل، ومعنى ذلك حسب تعبير أهل الكلام أن الله حلت به الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل. فالذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية ومنع حلول الحوادث أجابوا عن ذلك بأن قالوا إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، ومعنى ذلك أن صفة الخلق أو الفعل لا تقوم بالله تعالى ويفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام: ١] وأمثاله أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستوائه. وهذا قول الأشاعرة (٣). أما جمهور أهل السنة فيفرقون بينها ويقولون: الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول، فيثبتون صفة الخلق والفعل قائمة بالله، ويقولون بوجود المخلوق والمفعول المنفصل عن الله تعالى، ويقولون بإثبات الصفات الاختيارية التي تقوم بالله وتتعلق بمشيئته.

стр. 418

وهذا مع أن النصوص المتواترة من الكتاب والسنة قد دلت عليه فقد دل عليه صريح المعقول، "فإنه قد ثبت بالأدلة السمعية والعقلية أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، محدث، كان بعد أن لم يكن، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية، وقد قال تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [السجدة: ٤]، فهو حين خلق السموات ابتداء: إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض، وأما أن لا يحصل منه فعل، بل وجدت المخلوقات بلا فعل، ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها، ومع خلقها سواء، وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص. وأيضا: فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداية العقول، وإذا قيل الإرادة والقدرة خصصت: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء، وأيضا فلا تعقل إرادة تخصص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب التخصيص، وأيضا فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه، وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا للزم وجوده قبل ذلك، لأنه مع الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور" (١). وقد سبق تقرير هذا عند الكلام عن مسألة دليل حدوث الأجسام والتسلسل ومسألة حوادث لا أول لها. والذين قالوا بأن الخلق هو المخلوق من الأشاعرة وغيرهم – عمدتهم في ذلك: أنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان إما قديما وإما حادثا: فإن كان قديما لزم قدوم المخلوق، وهو محال، وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث، ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل وهو باطل. فأجابهم الجمهور – كل طائفة بحسب أصلها-: فطائفة قالت: الخلق قديم، وإن كان المخلوق حادثا، وهذه مسألة التكوين التي قال بها الأحناف والماتريدية، وهؤلاء يقولون القول في الخلق كالقول في الإرادة، فإذا كنتم تسلمون أن الإرادة قديما أزلية، والمراد حادث، فكذلك نحن نقول في الخلق. وطائفة قالت: بل الخلق حادث في ذاته، ولا يفتقر إلى خلق آخر، بل يحدث بقدرته، وهؤلاء يقولون: إذا كان المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن، والمخلوق منفصل فالمتصل به أولى. وهذا قول الكرامية والهشامية. وطائفة قالت: هب أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم قلتم إن ذلك ممتنع، وقولكم: هذا تسلسل، يقال: ليس هذا تسلسلا في الفاعلين والعلل الفاعلة، وإنما هو تسلسل في الآثار، وهو حصول شيء بعد شيء، والسلف على إثباته، فإنهم يقولون إن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، وقد قال تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل لأن نعيم الجنة لا نفاد له (٢). وقد سبق توضيح هذا في مسألة التسلسل، وأهل السنة يقولون: الخلق والتكوين حادث إذا أراد الله خلق شيء وتكوينه، والله تعالى ذكر وجود أفعاله شيئا بعد شيء، فهو خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش، وكذا رضاه ومحبته وكلامه وغيرها من الصفات المتعلقة بمشيئته وإرادته (٣).

стр. 419

فهذه الطوائف الثلاث ردت على ما يقوله الأشاعرة من أن الخلق هو المخلوق، وقول الطائفة الثالثة هو قول أهل السنة الموافق للسمع والعقل. الفرع الثاني: الأدلة على إثبات الصفات الاختيارية: وهي أدلة كثيرة جدا من الكتاب والسنة وأقوال السلف، تدل على اتصاف الله تعالى بهذه الصفات. وقد أفرد لذلك شيخ الإسلام قرابة مجلد كامل من مجلدات (درء تعارض العقل والنقل) (١)، واشتمل ذلك على: أ- أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى (٢).ب- وأدلة من الأحاديث الصحيحة (٣).ج- وأدلة من أقوال أئمة السلف وغيرها (٤). وهذه الأدلة صريحة في إثبات الصفات الاختيارية القائمة به "كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك، بل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لابد له من فاعل، سواء كان متعديا إلى مفعول، أو لم يكن، والفاعل لابد له من فعل، سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لابد له من الفاعل، وهذا معلوم سمعا وعقلا: أما السمع فإن أهل العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال: "قام فلان وقعد" وقال: "أكل فلان الطعام وشرب الشراب"، فإنه لابد أن يكون في الفعل إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول ... فقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد: ٤] تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني – وهو قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى – فعلا متعلقا بالفاعل، فقوله خَلَقَ كذلك بلا نزاع بين أهل العربية .... وأما من جهة العقل: فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء، كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أن يمنع قيام الصفة المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة والسمع والبصر، ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر ... وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعا لما يفعل من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفا بأنه يتكلم بما شاء، فعال لما يشاء، وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث، ونقوله عن السلف والأئمة وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة" (٥). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٢٠٩

стр. 420

المطلب التاسع: أدلة نفاة الصفات الاختيارية ومناقشتها لما كان متأخرو الأشعرية حاولوا استقصاء أدلة من سبقهم من نفاة الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، جعل شيخ الإسلام ردوده منصبة على ما كتبه هؤلاء المتأخرون، مستخدما منهجه الفريد في المناقشة وهو ردود بعضهم على بعض، ثم إضافة ما يراه من أدلة أخرى تثبت بطلان مذهب النفاة. ولما كان الآمدي والرازي هما أبرز المتأخرين الذين كتبوا كتبا مطولة في عقائد الأشاعرة، وصار من بعدهما يعتمد على أقوالهم – ذكر شيخ الإسلام – في مناقشة هذه المسألة – ما ذكره إبطالا لحجج من سبقهما، أو حججا جديدة أتوا بها. ويلاحظ هنا أن هذه المسألة قد اتفق على نفيها متقدمو الأشعرية ومتأخروهم، ولكن لما أن المتأخرين أبطلوا أدلة المتقدمين وزيفوها أورد ذلك شيخ الإسلام، فيكون من باب رد المتأخرين على المتقدمين. كما أن شيخ الإسلام في مسألة العلو والاستواء والصفات الخبرية لما كان المتقدمون يثبتونها وينكرها المتأخرون، رد على هؤلاء المتأخرون بأقوال شيوخهم المتقدمين. عكس المسألة التي معنا. ويمكن ذكر نماذج من ردود المتأخرين على نفاة حلول الحوادث. يقول شيخ الإسلام: "وفحول النظار كأبي عبدالله الرازي، وأبي الحسن الآمدي وغيرهما ذكروا حجج النفاة لحلول الحوادث وبينوا فسادها. فذكروا لهم أربع حجج. إحداهما: الحجة المشهورة وهي: أنها لو قامت به لم يخل منها ومن أضدادها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. ومنعوا المقدمة الأولى. والمقدمة الثانية. ذكر الرازي وغيره فسادها" (١)، كما أن الآمدي قال: "وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة: الأولى ... " (٢)، وذكر الحجة السابقة ثم زيفها وذكر الاعتراضات عليها، وانظر تعليقات شيخ الإسلام على كلام الآمدي (٣)، حيث قال في آخرها: "وهذه الحجة التي صدر بها الآمدي وزيفها هي الحجة التي اعتمد عليها الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية ... " (٤). الثانية:- من حجج النفاة – "أنه لو كان قابلا لها في الأزل لكان القبول من لوازم ذاته، فكان القبول يستدعي إمكان القبول، ووجود الحوادث في الأزل محال. وهذه أبطلوها هم بالمعارضة بالقدرة: بأنه قادر على إحداث الحوادث، والقدرة تستدعي إمكان المقدور، ووجود المقدور وهو الحوادث في الأزل محال" (٥).وقد أورد هذه الحجة الآمدي، وزيفها (٦)، وعلق على ذلك شيخ الإسلام (٧)، كما أوردها الرازي، ورد عليه الأرموي (٨)، كما نقضها شيخ الإسلام من وجوه (٩).

стр. 421

الحجة الثالثة: للنفاة: "أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم تغيره والتغير على الله محال. وأبطلوا هم هذه الحجة – الرازي وغيره – بأن قالوا: ما تريدون بقولكم: لو قامت به تغير، أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا آخر؟ فإن أردتم الأول كان المقدم هو الثاني، والملزوم هو اللازم، وهذا لا فائدة منه، فإنه يكون تقدير الكلام: لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث، وهذا كلام لا يفيد، وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع، فلا نسلم أنها لو قامت به لزم "تغير" غير حلول الحوادث. فهذا جوابهم" (١).وقد أوضح شيخ الإسلام وجه الرد على النفاة ببيان ما في لفظ "التغير" من الإجمال، وأن التغير المعروف في اللغة العربية لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث، ولذلك فالناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت: إنها تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى تغير .. وإنما يقولون لمن استحال من صفة إلى صفة، كالشمس إذا زال نورها ظاهرا لا يقال تغيرت، فإذا أصفرت قيل تغيرت .. (٢).الحجة الرابعة: للنفاة – وهي مرتبطة بالحجة السابقة، حيث قالوا: حلول الحوادث أفول والخليل قد قال قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]، والآفل هو المتحرك، أو المتغير (٣).وقد ذكر هذه الحجة – مع التي قبلها – الآمدي وزيفها، انظر كلامه مع تعليق شيخ الإسلام (٤)، كما أن شيخ الإسلام بين الحق في الآية التي استدلوا بها (٥) – وقد سبق الكلام حولها عند بحث موضوع دليل حدوث الأجسام -. فهذه أهم حجج النفاة لحلول الحوادث بين الأشاعرة أنفسهم فسادها وهي فاسدة في نفس الأمر، لأنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة والمعقول. ولكن إذا كان كحل من الرازي والآمدي قد أبطلا حجج النفاة فهل رجعا إلى الحق وقالا بقول أهل السنة الذي قال فيه الرازي: إنه لازم لجميع الطوائف؟.والجواب أنهما لما أبطلا الحجج كلها اعتمدا على حجة واحدة وهي "حجة الكمال والنقصان"، وخلاصتها: أن هذه الصفات "إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها، وإن كانت صفات كمال فقد كان فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص، فيلزم أن يكون ناقصا، وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع" (٦). وقد رد شيخ الإسلام على هذه الحجة – في أماكن متعددة من كتبه – من وجوه عديدة: منها:١ - "أن يقال القول في أفعاله القائمة به الحادثة بمشيئته وقدرته كالقول في أفعاله التي هي المفعولات المنفصلة التي يحدثها بمشيئته وقدرته، فإن القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال فقالوا: الفعل إن كان صفة كمال لزم عدم الكمال له في الأزل، وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص. فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال" (٧). وهذا نقض لحجتهم وإلزام لا محيد لهم عنه، لأن كلاً من الأمرين حادث بقدرته ومشيئته، فحكمها بالنسبة للكمال والنقصان واحد.٢ - أن يقال: "إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها البتة، بل هي بمنزلة الزَّمِنِ الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قضى العقل الصريح أن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمال في اتصافه بهذه الصفات، لا في نفي اتصافه بها" (٨).٣ - أن يقال: "الأفعال التي حدثت بعد أن لم تكن، لم يكن وجودها قبل وجودها كمالا، ولا عدمها نقصا، فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده، وما به يحصل الكمال، وينبغي وجوده، ونحو ذلك، والرب تعالى حكيم في أفعاله، وهو المقدم والمؤخر، فما قدمه كان الكمال في تقديمه، وما أخره كان الكمال في تأخيره، كما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة وإن لم نعلم نحن تفاصيل ذلك، واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات" (٩). ومثال ذلك تكليم الله لموسى ﵇ ونداؤه له: "فنداؤه حين ناداه صفة كمال ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصا، فكل منها كمال حين وجوده ليس بكمال قبل وجوده ... " (١٠). المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٢٠٩

стр. 422

المطلب العاشر: الصفات الاختيارية تفصيلا لم يكتف شيخ الإسلام بالمناقشات المجملة حول الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، وإنما ناقشها صفة، صفة، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الصفات ... وأهم هذه الصفات: أولا: صفة الاستواء: هذه الصفة يرد بحثها في موضعين: أ- في هذا الموضع، وهو الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، لأنه تعالى استوى على العرش بعد خلقه، فهو متعلق بمشيئته وإرادته. ب- وفي موضوع "العلو"، لأن من أهم أدلة العلو الاستواء على العرش. ويلاحظ أن العلو من الصفات العقلية المعلومة بالعقل السمع. أما الاستواء فهو من الصفات المعلومة بالسمع فقط (١). وبهذا يكون الاستواء جزءا من أدلة العلو السمعية. ولذلك فإن الأشاعرة تأولوا الاستواء بأحد تأويلين: أ- بالاستيلاء، وهذا تأويل نفاة العلو من متأخري الأشاعرة. ب- أو بأنه فعل فعله الله في العرش سماه استواء، وهذا قول الأشعري وكثير من أصحابه الذين يثبتون العلو كأن ينفون قيام الصفات الفعلية به. وقولهم هذا ليس خاصا بالاستواء، بل يشمل جميع الصفات الدالة على هذا المعنى كالنزول والمجيء والإتيان. ومعنى الاستواء عند هؤلاء أن الله "يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به نفسه فعل اختياري، سواء قالوا: الفعل هو المفعول أو لم يقولوا، وكذلك النزول ... " (٢). وهذا بسبب أصلهم في منع حلول الحوادث، ومعنى هذا القول أن الاستواء أو النزول أو المجيء ليس إلا نسبة وإضافة بين المخلوق والخالق من غير صفة فعل تقوم بالخالق نفسه (٣). ومذهب السلف وأئمة السنة أن هذه الصفات الفعلية تقوم بذات الله تعالى كما دلت عليها النصوص. فمتقدمو الأشاعرة أثبتوا الاستواء دالا على العلو فقط ولذا جعلوه من صفات الذات. ولم يثبتوه صفة فعل تقوم بالله. أما متأخروهم فقد نفوا دلالته على الأمرين (٤). ومنهج شيخ الإسلام في تقرير هذه الصفة – الاستواء – والرد على متأوليها، هو كما يلي – باختصار -:

стр. 423

١ - بين أدلة إثبات صفة الاستواء لله وأقوال السلف في معناه، وأنه مخالف لأقوال هؤلاء المتأولين. وقد أكثر شيخ الإسلام من النقول عن الأئمة – على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم – التي يثبتون فيها صفة الاستواء لله تعالى ويردون على من تأوله بالاستيلاء أو غيره. وغالب هذه النقول ذكرها شيخ الإسلام في إثبات صفة العلو لله تعالى ولعل الإشارة إليها هنا – مع ذكر مصادرها – يغني عن إعادتها هناك (١).٢ - الرد على من أول استوى بمعنى استولى من عدة وجوه (٢).٣ - الرد على متأخري الأشعرية بأقوال متقدميهم الذين أثبتوا الاستواء وردوا على من تأوله بالاستيلاء (٣). ٤ - بقي مما يتعلق بالاستواء مسألتان: أحداهما: هل يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون الله جسما؟ وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأن مثبتي الاستواء اختلفوا: - فمنهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم، وهذا قول ابن كلاب والأشعرية القدماء. - ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم.- ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات، ومنهم من يستفصل عن المراد بالجسم، فإن فسر بما ينزه الرب عنه نفاه، وإن فسر بما يتصف الرب به أثبته (٤). وشيخ الإسلام يرجح هذا القول الأخير الذي هو الاستفصال كما هو منهجه عموما في مثل هذه المسائل. والمسألة الثانية: مسألة "الحد"، وهل يقال إن استواء الله تعالى على العرش بحد، أو بغير حد، وهذه مرتبطة بالمسألة السابقة، وقد أورد شيخ الإسلام الخلاف في ذلك بين مثبتي الاستواء؛ وأن منهم من قال بالحد، ومنهم من منع إطلاقه. وإن كان الذي ورد في عامة كتب السلف إطلاق الحد لبيان بينونة الله عن خلقه والرد على الجهمية والحلولية وغيرهم.

стр. 424

وقد ذكر شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي لما اعترض بأنه يلزم من إثبات العلو والاستواء لله إثبات الحد والنهاية وأن هذا تجسيم – ذكر أن الكلام في هذه الحجة في مقامين: المقام الأول: "قول من يقول: هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم، كما يقول ذلك كثير من الصفاتية، من الكلابية، وأئمة الأشعرية وقدمائهم، ومن وافقهم من الفقهاء والطوائف الأربعة غيرهم، وأهل الحديث، والصوفية، وغير هؤلاء. وهم أمم لا يحصيهم إلا الله، ومن هؤلاء أبو حاتم ابن حبان، وأبو سفيان الخطابي، البستاني ... " (١) والقاضي أبو يعلى كان ينكر الحد ثم رجع إلى الإقرار به (٢). وممن نفي الحد أبو نصر السجزي (٣).فهؤلاء الذين ينفون الحد والمقدار والجسم ونحو ذلك من الصفاتية الذين يثبتون الاستواء على العرش يقولون إذا كان هو نفسه فوق العرش لا يلزم أن يوصف بالحد أو تناهي المقدار (٤).والمقام الثاني: "كلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو على العرش ... بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا أو معنى، أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات، وهذا المقام هو الذي يتكلم فيه سلف الأمة وأئمتها، وجماهير أهل الحديث، وطوائف من أهل الكلام والصوفية وغيرهم. وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين، حيث ائتموا بما في الكتاب والسنة، وأقروا بفطرة الله التي فطر عليها عباده، فلم يغيروا، وجعلوا كتب الله التي بعث بها رسله هي الأصل في الكلام، وأما الكلام في المجمل والمتشابه الذي يتكلم فيه النفاة، ففصلوا مجمله، ولم يوافقوهم على لفظ مجمل قد يتضمن نفي معنى حق، ولا وافقوهم أيضا على نفي المعاني التي دل عليها القرآن والعقل، وإن شنع النفاة على من يثبت ذلك، أو زعموا أن ذلك يقدح في أدلتهم وأصولهم" (٥).وقد أثبت الحد الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة كما ذكر ذلك الدارمي في نقضه على المريسي، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات، والخلال في كتاب السنة، والهروي في ذم الكلام. وغيرهم (٦).وهم لما أثبتوا "الحد" قالوا: له حد لا يعلمه إلا هو، كما بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه ولا يدركونه، وهذا الذي قصده الإمام أحمد لما قال: "نحن نؤمن بالله على عرشه كيف شاء، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد ... " (٧). وإلا فهو قد قال في رواية أخرى عنه: لله تعالى حد لا يعلمه إلا هو (٨). فما نفاه الإمام أحمد قصد به الصفة التي يعلمها الخلق، وما أثبته قصد به ما يتميز به عن عباده، ويبين به عنهم، وهذا هو الذي قصده بقوله: له حد لا يعلمه إلا الله وهو الذي قصده من أطلق هذا من السلف. وقد أخطأ من ظن من الحنابلة أو غيرهم أن للإمام أحمد في ذلك روايتين، بل كلامه متسق غير متناقض وكل رواية موافقة للأخرى (٩).

стр. 425

وقد اعترض "الخطابي" على إثبات "الحد" بأن صفة "الحد" لم ترد في الكتاب والسنة، ولكن شيخ الإسلام رد عليه من وجوه وبين أن السلف لم يقصدوا بذلك الصفة مطلقا، ولم يقولوا: له صفة هي "الحد", والحد إنما هو ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره، والسلف قصدوه بذلك الرد على الجهمية الذين قالوا: ليس له حد، وقصدوا بذلك أنه لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم لأن ذلك مستلزما للحد، فلم استفصل الأمر على أئمة السلف بذكر هذا اللازم وقيل لهم: بحد قالوا: بحد. ومقصودهم بذلك واضح جدا (١). هذه ملامح من منهج شيخ الإسلام في تقرير هذه الصفة والرد على من تأولها. ثانيا: صفة "النزول":القول في هذه الصفة كالقول في صفة الاستواء وغيرها من الصفات الفعلية، ومذهب الأشاعرة فيها واحد، ومعنى النزول عندهم: أن الله يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا، وهذا بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به (٢)، وبعضهم يقول في النزول إنه من صفات الذات وإنه أزلي كما يقولون أيضا مثل ذلك في الاستواء والمجيء والغضب والفرح والضحك ونحوها (٣). فالقول في صفة النزول كالقول في صفة الاستواء. والسلف رحمهم الله تعالى أثبتوا هذه الصفة كما وردت، وردوا على من تأولها بنزول أمره أو رحمته أو ملك أو غير ذلك. وأقوالهم في ذلك مشهورة متواترة (٤). ومن الأمور المتعلقة بصفة النزول:١ - بطلان قول من تأوله بنزول رحمته وأمره أو ملك أو غير ذلك، وقد ذكر شيخ الإسلام في إبطال هذه التأويلات وجوها عديدة (٥). ٢ - ومما يتعلق بالنزول والمجيء والإتيان وغيرها مسألة "الحركة" وهل يوصف الله بها أم لا؟، وقد ساق شيخ الإسلام الخلاف في ذلك فقال: "واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك، هل يقال: إنه بحركة وانتقال، أم يقال: بغير حركة وانتقال، أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب: (اختلاف الروايتين والوجهين): فالأول: قول أبي عبدالله بن حامد وغيره. والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. والثالث: قول أبي عبدالله بن بطة وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر بن (عبدالبر) وغيره. ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملا، ومنهم من يتصوره مفصلا إما مع الإصابة أو مع الخطأ ... " (٦). وخلاصة مذهب أئمة السلف في إطلاق لفظ "الحركة"، مع اتفاق الجميع على إثبات المعنى الذي دلت عليه هذه النصوص – أنهم على ثلاثة أقوال:
следующие страницы →