كما وجّه إلى اللجنة السؤال التالي:"إن جل الناس يعتقدون أن الأشياء خلقت من نور محمد ﷺ وأن نوره خلق من نور الله ويروون ((أنا نور الله وكل شيء من نوري)) (١) ويروون أيضاً ((أول ما خلق الله نور محمد ﷺ ) (٢) فهل لذلك من أصل؟ ويروون ((أنا عرب بلا عين أي رب، أنا أحمد بلا ميم أي أحد)) (٣) فهل لذلك من أصل؟
وأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"سبق منا جواب مفصل بالفتوى رقم ٢٨٧١ هذا نصها: "وصف الرسول ﷺ بأنه نور من نور الله إن أريد به أنه نور ذاتي من نور الله فهو مخالف للقرآن الدال على بشريته، وإن أريد بأنه نور باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سبباً لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك هذا نصها: للنبي ﷺ نور هو نور الرسالة والهداية التي هدى الله بها بصائر من شاء من عباده، ولا شك أن نور الرسالة والهداية من الله قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى:٥١ - ٥٣]. وليس هذا النور مكتسباً من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أما جسمه ﷺ فهو دم ولحم وعظم .. إلخ، خلق من أب وأم ولم يسبق له خلق قبل ولادته وما يروى أن أول ما خلق الله نور النبي ﷺ أو أن الله قبض قبضة من نور وجهه وأن هذه القبضة هي محمد ﷺ ونظر إليها فتقاطرت فيها قطرات فخلق من كل قطرة نبياً أو خلق الخلق كلهم من نوره ﷺ فهذا وأمثاله لم يصح منه شيء عن النبي ﷺ ، ومن خلال الفتوى السابقة يظهر أنه اعتقاد باطل. وأما ما يروى: أنا عرب بلا عين فلا أساس له من الصحة وهكذا أنا أحمد بلا ميم، وصفة الربوبية والانفراد من الصفات المختصة بالله فلا يجوز أن يوصف أحد من الخلق بأنه الرب ولا أنه أحد على الإطلاق، فهذه الصفات من اختصاص الله سبحانه ولا يوصف بها الرسل ولا غيرهم من البشر. كما وجّه إلى اللجنة الدائمة سؤال حول ((لولاك ما خلقت الأفلاك)) (٤) أهذا حديث موضوع أو ضعيف"؟ فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"ذكره العجلوني في "كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" وقال: قال الصغاني إنه موضوع، ثم قال: وأقول: لكنه معناه صحيح وإن لم يكن حديثاً. نقول بل هو باطل لفظاً ومعنى؛ فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] ولم يثبت حديث عن النبي ﷺ يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات في الأحاديث الموضوعة وقال: قال الصغاني موضوع. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
كما وجه إلى اللجنة السؤال: هل سيدنا رسول الله ﷺ أول خلق الله أم سيدنا آدم"؟
فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"أول خلق الله من البشر آدم ﵊ بإجماع المسلمين وبصريح القرآن، ونبينا ﵊ بشر من سلالة آدم، وأما قول بعض الجهلة، إن نبينا أول خلق الله أو أنه مخلوق من نور الله أو من نور العرش فقوله باطل لا أساس له من الصحة".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ١٩٢ - ١٩٨
стр. 4027
المبحث الثالث عشر: الرد على اعتقادهم حياة النبي في قبره حياة دنيوية
وجهت إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أسئلة عن حياة النبي ﷺ وعن سماعه كل دعاء ونداء، فأجاب عليها كبار العلماء، وفيما يلي نص الأسئلة والأجوبة: السؤال: في حياة النبي ﷺ أكان النبي ﷺ حياً في قبره الشريف بإعادة الروح في الجسد والبدن (العنصرية) بحياة دنيوية حسية أو حياً في أعلى عليين بحياة أخروية برزخية بلا تكليف كما قال النبي ﷺ حين حضره الموت: ((اللهم بالرفيق الأعلى)) (١) وجسده المنور الآن كما وضع في قبر بلا روح والروح في أعلى عليين، واتصال الروح بالبدن والجسد المعطر عند يوم القيامة كما قال الله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:٧]
الجواب: إن نبينا محمدا ﷺ حي في قبره حياة برزخية يحصل بها التنعيم في قبره بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، ولم تعد إليه روحه ليصير حياً كما كان في دنياه ولم تتصل به وهو في قبره اتصالاً يجعله حياً كحياته يوم القيامة بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة، وبذلك يعلم أنه قد مات كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم، قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:٣٤] وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠] إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله قد توفاه إليه؛ ولأن الصحابة ﵃ قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ولو كان حياً حياته الدنيوية ما فعلو به ما يفعل بغيره من الأموات. ولأن فاطمة ﵂ قد طلبت إرثها من أبيها ﷺ لاعتقادها بموته ولم يخالفها في ذلك أحد من الصحابة، بل أجابها أبو بكر ﵁ بأن الأنبياء لا يورثون (٢).
ولأن الصحابة ﵃ قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر ﵁، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك فهو إجماع منهم على موته.
ولأن الفتن والمشاكل لما كثرت في عهد عثمان وعلي ﵄ وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشاكل وطريقة حلها، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء.
أما روحه فهي في أعلى عليين لكونه أفضل الخلق، وأعطاه الله الوسيلة وهي أعلى منزلة في الجنة ﵊.
стр. 4028
ومن تلك الأسئلة أيضاً: السؤال: هل يسمع النبي ﷺ كل دعاء ونداء عند قبره الشريف أو صلوات خاصة حين يصلى عليه كما في الحديث ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ... )) (١) إلى آخر الحديث أهذا الحديث صحيح أو ضعيف أو موضوع على رسول الله ﷺ ؟ الجواب: الأصل أن الأموات عموماً لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم ولا دعاءهم كما قال تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر:٢٢] ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي ﷺ يسمع كل دعاء أو نداء من البشر حتى يكون ذلك خصوصية له وإنما ثبت عنه ﷺ أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط سواء كان من يصلي عليه عند قبره أو بعيداً عنه كلاهما سواء في ذلك، لما ثبت عن علي بن الحسين بن علي ﵃ أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)) (٢).أما حديث: ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ومن صلى علي بعيداً بلغته)) (٣) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، وأما ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٤).
стр. 4029
فليس بصريح أنه يسمع سلام المسلم بل يحتمل أنه يرد عليه إذا بلغته الملائكة ذلك لو فرضنا سماعه سلام المسلم لم يلزم منه أن يلحق به غيره من الدعاء والنداء.
هذا، ويقول الشيخ حمود التويجري ردًّا على كلام حسين أحمد السابق:
"قلت: يلزم على قول حسين أحمد: "إن الأنبياء أحياء حياة حقيقية غير برزخية" لوازم باطلة:
منها: أن يكون الأنبياء يمشون على الأرض مثل غيرهم من الأحياء، ويأكلون ويشربون، ويحتاجون إلى قضاء الحاجة مثل غيرهم من الأحياء، وأن يكونوا ظاهرين بين الناس يراهم الناس ويجالسونهم ويتعلمون منهم، وكل من هذه الأمور باطل معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل، والقول بها أو بشيء منها هوس وهذيان لا يصدر من أحد له أدنى شيء من العقل.
ومن اللوازم الباطلة التي تلزم على قول حسين أحمد أيضاً: أن يكون قبر النبي ﷺ خالياً من جسده الشريف، وكذلك قبور سائر الأنبياء، وهذا معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل، ولا يقول به إلا من هو مصاب في عقله.
ومن اللوازم الباطلة أيضاً ما يترتب على هذا القول الباطل من تكذيب النصوص الدالة على موت النبي ﷺ وموت سائر البشر، كقوله تعالى في سورة الزمر: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠].
وقوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:١٤٤]
وقوله تعالى في سورة الأنبياء: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الأنبياء:٣٤ - ٣٥ [.]
وقوله تعالى في سورة العنكبوت: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٧]
وقوله تعالى في سورة آل عمران: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:١٨٥]
وقوله تعالى في سورة الرحمن:: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الرحمن:٢٦ - ٢٧ [] فإذا كان حسين أحمد وغيره من مشايخ جماعة التبليغ المخرفين يرون أن الأنبياء أحياء حياة حقيقية، وأن لجماعتهم وأكابرهم حظ وصول في مجالس النبي ﷺ يقظة لا مناماً، ويرون بطلان ما يعتقده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من أن حياة الأنبياء كانت في المدّةِ التي قضوها في الدنيا، بعد ذلك هم وأتباعهم سواء في الموت؛ فماذا يجيبون به عن هذه النصوص الدالة على أن الموت عام للأنبياء وغيرهم من سائر البشر؟! وماذا يجيبون به عن الأحاديث الكثيرة التي جاءت في موت النبي ﷺ ودفنه؟! وما ثبت عنه أنه قال: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة)) (١)؟!.
وإذا لم يكن لهم جواب صحيح عن الآيات التي تقدم ذكرها، وعن الأحاديث الدالة على موت النبي ﷺ ومكثه في قبره إلى يوم القيامة؛ فالواجب عليهم الرجوع إلى الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اعتقاد موت الأنبياء وغيرهم من سائر البشر، واعتقاد أن الأنبياء وغيرهم من الأموات لا يزالون في قبورهم إلى يوم القيامة، وأن أول من ينشق عنه القبر رسول الله ﷺ ؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح، وما خالفه، فهو من العقائد الفاسدة التي زينها الشيطان لأوليائه من الصوفية والتبليغيين.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٠٦ - ٢١٢
стр. 4030
المبحث الرابع عشر: الرد على اعتقاد جواز شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وأنه من أعظم القربات
يقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ﵀ في جوابه لسؤال: ما حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ وغيره من قبور الأولياء والصالحين وغيرهم؟ "لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي، ﷺ ، أو قبر غيره من الناس في أصح قولي العلماء، لقول النبي، ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)). متفق عليه (١).
والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي، ﷺ ، وهو بعيد عن المدينة أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي فتدخل زيارة القبر الشريف وقبرَيْ أبي بكر وعمر والشهداء وأهل البقيع تبعاً لذلك. وإن نواهما جاز لأنه يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، أما نية القبر بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً لا يحتاج إلى شد الرحال ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفراً فلا حرج في ذلك، لأن زيارة قبره ﷺ ، وقبر صاحبيه من دون شد رحل سنة وقربة، وهكذا زيارة قبور الشهداء وأهل البقيع وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان سنة وقربة لكن بدون شد الرحال، لقول النبي ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). أخرجه مسلم في صحيحه (٢). وكان ﷺ ، يُعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)) أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه (٣) ".
كما سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ ، فأجاب بقوله:
"شد الرحال إلى زيارة القبور لا يجوز، لأن النبي، ﷺ ، يقول: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) والمقصود بهذا أنه لا تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض لقصد العبادة بها الشد، لأن الأمكنة التي تخصص بشد الرحال هي المساجد الثلاثة فقط وما عداها من الأمكنة لا تشد إليها الرحال، فقبر النبي، ﷺ ، لا تشد الرحال إليه وإنما تشد الرحال إلى مسجده فإذا وصل المسجد فإن الرجال يسن لهم زيارة قبر النبي، ﷺ وأما النساء فلا يسن لهم زيارة قبر النبي، ﷺ ، والله الموفق".
هذا، وقد وجّهت إلى اللجنة الدائمة عدة أسئلة في هذا الموضوع، ومما أجابت اللجنة على تلك الأسئلة:"لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وغيرهم بل هو بدعة، والأصل في ذلك قوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) وقال ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٤). وأما زيارتهم دون شد رحال فسنة لقوله ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). أخرجه مسلم في صحيحه".
"السفر لزيارة قبر الرسول ﷺ لا يجوز، والمشروع زيارة مسجده، والصلاة فيه، وليست بواجبة، ومن زار مسجده ﷺ شرع له أن يسلم عليه وعلى صاحبيه ﵄.
стр. 4031
وطاعته ﷺ وملازمة سنته وهديه ابتغاء ثواب الله في أي زمان أو مكان من أسباب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. وبالله التوفيق"."لا يلزم الحجاج رجالاً ونساء زيارة قبر الرسول ﷺ ولا البقيع، بل يحرم شد الرحال إلى زيارة القبور مطلقاً ويحرم ذلك على النساء ولو بلا شد رحال، لقول النبي ﷺ ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) (١) ((ولأنه ﷺ لعن زائرات القبور)) (٢) ويكفي النساء أن يصلين في المسجد النبوي ويكثرن من الصلاة والسلام على الرسول ﷺ في المسجد وغيره. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
"شد الرحال لا يجوز إلا إلى المساجد الثلاثة لقوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) وهذا قول ابن القيم ﵀ وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع كثير من أهل العلم عملاً بالحديث المذكور وبذلك تعلم أنه لا يجوز في أصح قولي العلماء شد الرحال لقبر الخليل ولا غيره من القبور للحديث المذكور".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢١٨ - ٢٢٢
стр. 4032
المبحث الخامس عشر: الرد على اعتقاد جواز التوسل بالنبي ﷺ
يقول سماحة الشيخ ابن باز ﵀ في جوابه على سؤال وجّه إليه في حكم التوسل بالنبي ﷺ ، ما نصه:
"التوسل بالنبي ﷺ فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهية والإخلاص لله في العبادة فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف .. وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى - فهذا هو الشرك الأكبر وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فعل ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام. وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه ﷺ أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا الله بنبيك أو جاه نبيك أو حق نبيك أو جاه الأنبياء أو حق الأنبياء أو جاه الأولياء أو الصالحين وأمثال ذلك فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ولا يجوز فعله معه ﷺ ولا مع غيره؛ لأن الله لم يشرع ذلك، والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته ﷺ فهو توسل به ﷺ ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة بصره إليه، وليس توسلاً بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.
وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى: (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة) وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه.
وهذا حكم جائز مع غيره ﷺ من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد عليّ بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق".
وقال الشيخ ابن عثيمين في جوابه على سؤال وجّه إليه:
"واعلم أن المقصود بالزيارة أمران:
стр. 4033
أحدهما: انتفاع الزائر بتذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، فإن هؤلاء القوم الذين هم الآن في بطن الأرض، كانوا بالأمس على ظهرها، وسيجري لهذا الزائر ما جرى لهم، فيعتبر ويغتنم الأوقات والفرص، ويعمل لهذا اليوم الذي سيكون في هذا المثوى الذي كان عليه هؤلاء. وثانيهما: الدعاء لأهل القبور بما كان الرسول، ﷺ يدعو به من السلام وسؤال الرحمة، وأما أن يسأل الأموات ويتوسل بهم فإن هذا محرم ومن الشرك؛ ولا فرق في هذا بين قبر النبي، ﷺ وقبر غيره، فإنه لا يجوز أن يتوسل أحد بقبر النبي ﵊، أو بالنبي ﷺ بعد موته، فإن هذا من الشرك لأنه لو كان هذا حقاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة- ﵃ ومع ذلك فإنهم لا يتوسلون به بعد موته فقد استسقى عمر- ﵁ ذات يوم فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ثم قام العباس- ﵁ فدعا (١)، وهذا دليل على أنه لا يتوسل بالميت مهما كانت درجته ومنزلته عند الله - تعالى- وإنما يتوسل بدعاء الحي الذي ترجى إجابة دعوته؛ لصلاحه واستقامته في دين الله فإذا كان الرجل ممن عرف بالدين والاستقامة وتوسل بدعائه، فإن هذا لا بأس به كما فعل أمير المؤمنين عمر ﵁، وأما الأموات فلا يتوسل بهم أبداً، ودعاؤهم شرك أكبر مخرج من الملة، قال الله - تعالى-: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠]
وقال أيضاً:
"أما التوسل الممنوع فهو أن يتوسل الإنسان بالمخلوق، فإن هذا لا يجوز، فالتوسل بالمخلوق حرام، يعني لا بدعائه ولكن بذاته، مثل أن تقول (اللهم إني أسألك بمحمد ﷺ كذا وكذا) فإن هذا لا يجوز، وكذلك لو سألت بجاه الرسول ﷺ فإنه لا يجوز، لأن هذا المسبب لم يجعله الله ورسوله سبباً".
هذا، وقد وجهت إلى اللجنة الدائمة أسئلة في هذا الموضوع ومما أجابت اللجنة عليها:
"التوسل إلى الله في الدعاء بجاه الرسول ﷺ أو ذاته أو منزلته غير مشروع لأنه ذريعة إلى الشرك، فكان البحث فيه لبيان ما هو الحق من مباحث العقيدة، وأما التوسل إلى الله بأسمائه جل شأنه وبصفاته وباتباع رسوله والعمل بما جاء به من عقيدة وأحكام فهذا مشروع. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
"أولاً: التوسل على الله ببركة القرآن مشروع وليس شركاً. ثانياً: التوسل ببركة بعض المخلوقين مثل النبي ﷺ من البدع المنكرة، لأن التوسل من العبادات التوقيفية ولم يثبت في الشرع المطهر ما يدل على جوازه في المخلوقين أو حقهم أو جاههم أو بركتهم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢).
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٢٨ - ٢٣٢
стр. 4034
المبحث السادس عشر: الرد على قولهم بجواز رؤية النبي يقظة
جواب اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على سؤال وجه إليها وفيما يلي نص السؤال والجواب:
السؤال: هل صحيح أن النبي ﷺ يمكن أن يُرى في اليقظة كما يزعم الصوفية في أنهم يرونه يقظة؟
الجواب: الرسول ﷺ توفي، وهو حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله جل وعلا، وأما دعوى أنه يرى يقظة فهذا ليس بصحيح لعدم الدليل الدال عليه، ولأنه ثبت عنه ﷺ أنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فدل ذلك على أنه لا يخرج من قبره يوم القيامة، ويدل على ذلك في حقه وحق غيره: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠] وقوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٥ - ١٦] فدل على أنه ليس هناك خروج من القبور قبل يوم القيامة.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٣٨، ٢٣٩
стр. 4035
المبحث السابع عشر: الرد على تأويلهم صفة العلو
سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن قول بعض الناس إذا سئل "أين الله" قال: "الله في كل مكان" أو "موجود" فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها؟ فأجاب بقوله:"هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها فإذا سئل أين الله؟ فليقل: "في السماء"، كما أجابت بذلك المرأة التي سألها النبي، ﷺ ، ((أين الله؟ " قالت: في السماء)) (١).
وأما من قال: "موجود" فقط. فهذا حيدة عن الجواب ومراوغة منه.
وأما من قال: "إن الله في كل مكان" وأراد بذاته فهذا كفر لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص، بل الأدلة السمعية، والعقلية، والفطرية، من أن الله - تعالى- عليٌّ على كل شيء وأنه فوق السموات مستوٍ على عرشه".
كما سئل فضيلته عن تفسير استواء الله على عرشه بأنه علوه -تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله؟ فأجاب بقوله:
"تفسير استواء الله تعالى على عرشه بأنه علوه- تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح. قال ابن جرير إمام المفسرين في تفسيره "من معاني الاستواء: العلو والارتفاع كقول القائل: استوى فلان على سريره يعني علوه عليه".
وقال في تفسير قوله - تعالى-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] "يقول جل ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا". أ. هـ. ولم ينقل عن السلف ما يخالفه.
ووجهه: أن الاستواء في اللغة يستعمل على وجوه:
الأول: أن يكون مطلقاً غير مقيد فيكون معناه الكمال كقوله - تعالى-: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص:١٤].
الثاني: أن يكون مقروناً بالواو فيكون بمعنى التساوي. كقولهم: استوى الماء والعتبة.
الثالث: أن يكون مقروناً بإلى فيكون بمعنى القصد كقوله - تعالى-: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [فصلت:١١].
الرابع: أن يكون مقروناً بعلى فيكون بمعنى العلو والارتفاع كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥].
وذهب بعض السلف إلى أن الاستواء المقرون بإلى كالمقرون بعلى، فيكون معناه الارتفاع والعلو، كما ذهب بعضهم إلى أن الاستواء المقرون بعلى بمعنى الصعود والاستقرار.
وأما تفسيره بالجلوس فقد نقل ابن القيم في (الصواعق) (٤/ ١٣٠٣) عن خارجة بن مصعب في قوله - تعالى-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] قوله: "وهل يكون الاستواء إلا الجلوس". أ. هـ. وقد ورد ذكر الجلوس في حديث أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً. والله أعلم.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٤٣ - ٢٤٦
стр. 4036
المبحث الثامن عشر: الرد على إيجابهم اتباع أبي حنيفة
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله- إجابة على سؤال وجّه إليه:
" ... ولكن ليعلم أن هذه المذاهب الأربعة لا ينحصر الحق فيها بل الحق قد يكون في غيرها، فإن إجماعهم على حكم مسألة من المسائل ليس إجماعاً للأمة، والأئمة أنفسهم ﵏ ما جعلهم الله أئمة لعباده إلا حيث كانوا أهلاً للإمامة حيث عرفوا قدر أنفسهم، وعلموا أنه لا طاعة لهم إلا فيما كان موافقاً لطاعة النبي، ﷺ ، وكانوا يحذرون عن تقليدهم إلا فيما وافق السنة، ولا ريب أن مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام أحمد، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام مالك وغيرهم من أهل العلم أنها قابلة لأن تكون خطأ وصواباً، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، ﷺ ... ".
وجاء أيضاً في فتاواه:
" ... وهو جائز لمن لا يصل إلى العلم بنفسه لقوله: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:٤٣].
والمذاهب المشهورة أربعة، وهناك مذاهب أخرى كمذهب الظاهرية، والزيدية، والسفيانية، وغيرهم، وكل يؤخذ من قوله ما كان صواباً، ويترك من قوله ما كان خطأ، ولا عصمة إلا في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٦٣، ٢٦٤
стр. 4037
مراجع للتوسع:
مراجع الديوبندية:
ـ جامعة ديوبند رسالتها وإنجازاتها لعدد من العلماء.
ـ جامعة دار العلوم بديوبند تاريخها وخدماتها.
ـ مائة وسبعة عشر عاماً للجامعة الإسلامية ـ دار العلوم بديوبند ـ الهند ـ في ضوء خدماتها العلمية والدعوية والاجتماعية.
ـ (هذه المطبوعات من نشر مكتب الاحتفال المئوي للجامعة الإسلامية ـ دار العلوم ـ ديوبند ـ الهند).
ـ أرواح ثلاثة "أردو" نجم الدين حقاني مطبعة كتب خانه مظهري كراجي.
ـ الشهاب الثاقب "أردو" حسين أحمد مدني ـ مطبعة مكتبة مدينة لاهور.
ـ عقائد وكمالات ديوبند "أردو" مولانا الله بار ـ مطبعة مكتبة رشيدية لاهور.
ـ نقش حيات "أردو" حسين أحمد مدني ـ مطبعة الأشاعت كراجي.
ـ مقدمة مسلك علماء ديوبند "أردو" مولانا يوسف بنوري ـ مطبعة الأشاعت كراجي.
ـ سوانح قاسمي ـ مناظر أحمد كيلاني، مكتبة رحمانية لاهور.
ـ شمائل إمدادية حاج إمداد الله المهاجر المكي.
ـ مقالات حكمت، أشرف علي تهانوي ـ إدارة التأليف.
ـ المهند على المفند ـ أحمد سهارنفوري ـ مكتبة المدينة لاهور.
ـ نشر الطيب، أشرف علي تهانوي.
ـ كرامات إمدادية ـ أشرف تهانوني.
ـ جريدة الداعي من إصدار الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند الهند العدد ١٧ ـ ١٨ السنة ١٦ العدد ١٠ السنة ١٧.
كتب ورسائل لغير الديوبنديين:
ـ دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها على الحركات الإسلامية المعاصرة ـ صلاح الدين مقبول أحمد.
ـ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ أبو المكارم بن عبد الجليل في شبه القارة الهندية بين مؤيديها ومعانديها ـ مكتبة دار السلام ـ الرياض.
ـ الديوبندية ـ سيد طالب الرحمن ـ نازكوبرنترز راولبندي "باكستان".
стр. 4038
المبحث الأول: تعريف الباطنية لفظ الباطنية مأخوذ من كلمة بطن بمعنى خفي فهو باطن, جمعه بواطن, واستبطن أمر وقف على دخلته, والباطنة بالكسرة, السريرة, والباطن هو داخل كل شيء ومن الأرض ما غمض يسمى باطنا (١).
والباطنية: هي الفرق التي تنتسب إلى التشيع, وحب آل البيت, وتتخذ من ذلك ستارا وغطاء لخداع المسلمين مع إبطانهم للكفر المحض والباطنية اصطلاح عام يطلق على جمع من الطوائف والفرق المتعددة المتشعبة, وبينها قاسم مشترك هو الاعتقاد بالظاهر والباطن, وتأويل نصوص الشريعة تأويلا باطنا يتوافق مع معتقدات زعموا أنهم اختصوا بها وبمعرفتها دون سواهم وبهذا يعلم أن الباطنية ليست فرقة واحدة, وإنما فرق متعددة.
стр. 4039
المبحث الثاني: سبب التسمية وسبب تسميتهم بهذا الاسم لأنهم يزعمون أن لظواهر القرآن بواطن يعرفونها دون سواهم, قال الشهرستاني في سبب تسميتهم بهذا اللقب: "إنه لزمهم بهذا اللقب لحكمهم بأن لكل شيء ظاهرا وباطنا, ولكل تنزيل تأويلا" (١).
стр. 4040
المبحث الثالث: بداية الحركة الباطنية يرى علماء الفرق والتاريخ أن بداية ظهور حركة الباطنية في أيام المأمون على يد حمدان بن قرمط, وعبد الله بن ميمون القداح, وأن هذه الدعوة انتشرت في زمن المعتصم العباسي, وأنهم اجتمعوا في سجن المهدي, للتنسيق بينهم, وكانوا أربعة رجال, وهم: أحمد بن الحسين, وعبد الله بن ميمون بن قداح, والزنداني, وحمدان بن قرمط" (١).قال البغدادي: اعلموا أسعدكم الله أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس بل أعظم من مضرة الدهرية" (٢).
وقال: "الذين أسسوا دعوة الباطنية: جماعة منهم ميمون بن ديصان المعروف بالقداح, وكان مولى لجعفر الصادق, وكان بالأهواز ومنهم: محمد بن الحسن بدندان, اجتمعوا كلهم مع ميمون بن ديصان في سجن العراق, فأسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية .. , ثم رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب, وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب, وزعم أنه من نسله, فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية, ادعى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق ثم ظهر في دعوته إلى الباطنية رجل يقال له حمدان بن قرمط ... , وإليه ينتسب القرامطة".قال البغدادي: "الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم, وينكرون الرسل والشرائع كلها" (٣).
المصدر: ضوابط تكفير المعين عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب لأبي العلا بن راشد – ص ٣٠٤
стр. 4041
المبحث الرابع: فرق الباطنية يشترك الغزالي وابن الجوزي في ذكر ألقاب الباطنية الثمانية وهي: الباطنية والتعليمية والسبعية والقرامطة والإسماعيلية والخرمية والبابكية والمحمرة (١).
والملاحظ على هذه الألقاب أن بعضها يدل على فرق الباطنية وبعضها يدل على أصولهم ومعتقداتهم، والبعض الآخر يدل على الحركات الثورية التي تعتبر كالممهد والبداية لظهور التيار الباطني في العالم الإسلامي وتفصيل ذلك كالآتي:
فالباطنية لقب عام تشترك فيه عدة فرق وينضوي تحت لوائه طوائف متعددة القاسم المشترك بينها تأويل النصوص الشرعية عن معناها الظاهر إلى معان باطنية غير معهودة ومعروف لدى المسلمين شرعاً أو لغة أو عقلاً ومن أشهر هذه الفرق طائفتا الإسماعيلية والقرامطة وقد اقتصر ابن الجوزي والغزالي عليهما ولم يتعرضا لبقية الفرق الأخرى والسبب في ذلك –والله أعلم- أن الفرق الأخرى عندهما كالنصيرية أو الدروز إما أنها في أصلها ترجع إلى الشريعة الإمامية كالنصيرية أو أنها تعتبر فرعاً من فروع إحدى الفرق الباطنية التي ذكروها كالإسماعيلية فإن الدروز من الفرق التي انشعبت من الإسماعيلية. وأما لقب التعليمية فيعبر عن أصل من أصول الباطنية والمراد منه –كما ذكر الغزالي- إبطال الرأي وإغلاق باب الاجتهاد والتعلم من الإمام المعصوم (٢).ولقب السبعية يدل على بعض معتقداتهم عن الكون والأئمة مع تقديس هذا العدد لديهم حتى أن بعض علماء الفرق لقب بعض الإسماعيلية بالسبعية (٣).أما لقب الخرمية والبابكية والمحمرة فإنها جميعاً ترجع إلى حركة ثورية قامت في العصر العباسي وكان قيامها سنة ٢٠١هـ ومن آثارها وأهدافها في آن واحد إنهاك وإضعاف الدولة العباسية وذلك من خلال المعارك الدامية ليتسنى للحركات الباطنية الأخرى الظهور والمقاومة وأخيراً تم القضاء عليهم عام ٢٢٣هـ ولكل لقب سبب فالخرامية نسبة إلى حاصل المذهب وزبدته، والبابكية نسبة إلى بابك والمحمرة نسبة إلى لبسهم ثياباً مصبوغة بحمرة (٤).
وبقي من هذه الألقاب لقبا القرامطة والإسماعيلية وهما فرقتان من أكبر الفرق الباطنية وأقدمها ظهوراً ونشأ بعدهما الفرقتان الأخريان وهما: (١) النصيرية نسبة إلى ابن نصير مؤسس الفرقة وظهروا في جبال الشام وسواحله وكان لابن تيمية ﵀ مواقف جهادية معهم بالسيف والقلم ولا زالت الفرقة موجودة إلى يومنا هذا حيث دعمهم وقواهم الاستعمار الفرنسي وبالتالي صار لهم قوة وسلطة وسماهم بالعلويين (٥). (٢) الدروز. نسبة إلى محمد بن إسماعيل الدرزي أحد المؤهلين للحاكم العبيدي وهي طائفة من طوائف الباطنية انشقت عن الإسماعيلية في عهد الحاكم واتخذت لها مبادئ في ظاهرها مخالفة لمبادئ الإسماعيلية وفي حقيقتها وجوهرها موافقة ومؤيدة لها (٦).
ولذا فإن فرق الباطنية الكبرى أربع فرق هي:
الإسماعيلية.
القرامطة.
النصيرية.
الدروز. وجميع هذه الفرق تندرج تحت ستار التشيع لآل البيت ويعمها القول بالباطن. ويضيف بعض الكتاب المعاصرين فرقاً أخرى للباطنية لا تزال منتشرة بين المسلمين إلى يومنا هذا ولكل فرقة رأي ونصيب من التأويل الباطني وذلك كالبابية والبهائية والقاديانية. والحقيقة أن فرق الباطنية كثيرة ومتجددة ومن الصعب حصرها واعتبارها محددة ومعدودة؛ لأن لهم –كما يقول الشهرستاني- دعوة في كل زمان مقالة جديدة بكل لسان (٧). كما أن لهم فروعاً في عصرنا الحاضر تظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة التي يعيشون فيها وما فرقة القرآنيين في الباكستان أو الجمهوريين في السودان أو البلاليين في الولايات المتحدة إلا نماذج واقعية على استمرار التيار الباطني على خلاف الأزمان والأمصار.
وحسبنا في حصر فرق الباطنية القاعدة المشهورة عند علماء الفرق والمقالات وخلاصتها: أن القائل لكل ظاهر باطن ولكل تنزيل تأويل. وإن الظاهر بمنزلة القشرة والباطن بمنزلة اللب كل قائل لذلك يعتبر باطنياً.
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان عبد الله السلومي – ١/ ٢٢٤
стр. 4042
المبحث الأول: الحركات الباطنية وأثرها في تدمير الأمة
يمثل الباطنيون أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور الأمة الإسلامية، حيث كانوا يعتمدون على عقائد اليهود والزرادتشتيه وغيرها من الملل والنحل والفرق الأرضية التي كانت تنخر في جسد الأمة. وقد أدت حروب المغول والتتار والصليبيين إلى ضعف الأمة الإسلامية وتفرقها. مما جعل المجال خصبا أمام الباطنيين، فنشطوا في دعوتهم، واستغلوا الفرص لنشر مبادئهم الهدامة. وقد وضح لنا أبو حامد الغزالي ﵀، الباطنية ومبادئهم وأهدافهم توضيحا دقيقا في مقالته (مما تطابق عليه نقلة المقالات قاطبة أن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسب إلى ملة، ولا معتقد لنحله معتضد بنبوة، فإن مساقها ينقاد إلى الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين، ولكن تشاور جماعة من المجوس والمزدكية، وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، ضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنه ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم، من إنكار الصانع وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر، والمعاد إلى الله في آخر الأمور، وزعموا أنا بعد أن عرفنا الأنبياء كلهم مخرقون منمسون (١): فإنهم يستعبدون الخلق بما يخيلونه إليهم من فنون الشعوذة – وقد تفاقم أمر محمد، واستطارت في الأقطار دعوته، واتسعت ولايته، واتسقت أسبابه وشوكته، حتى استولوا على ملك أسلافنا، وانهمكوا في التنعم في الولايات المتحدة مستحقرين عقولنا، وقد طبقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عما أصروا عليه إلا بمكر واحتيال، ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا عن الإصغاء إلينا، فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، هم أركهم عقولا، وأسخفهم رأيا، وألينهم عريكة، لقبول المجالات وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات، وهم الروافض، ونتحصن بالانتساب إليهم، والاعتزاء إلى أهل البيت عن شرهم، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم: من ذكر ما تم على سلفهم من الظلم العظيم، والذل الهائل، ونتباكى على ما حل بآل محمد – ﷺ – ونتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم، حتى إذا قبحنا أحوالهم في أعينهم وما ينقل إليهم شرعهم بنقلهم وروايتهم – اشتد عليهم باب الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، وإن بقي عندهم معتصم من ظواهر القرآن ومتواتر الأخبار أوهمنا عندهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن إمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن، ثم إذا تكثرنا بهؤلاء، سهل علينا استدراج سائر الفرق بعد التحيز إلى هؤلاء، والتظاهر بنصرهم.
ثم قالوا: طريقنا أن نختار رجلا ممن يساعدنا على المذهب، ونزعم أنه من أهل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، وتتعين عليهم طاعته، فإنه خليفة رسول الله، ومعصوم عن الخطأ والزلل من جهة الله تعالى، ثم لا نظهر هذه الدعوة على القرب من جوار الخليفة الذي وسمناه بالعاصمة، فإن قرب الدار ربما يهتك هذه الأستار، وإذا بعدت الشقة، وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب إلى الدعوة أن يفتش عن حاله، وأن يطلع على حقيقة أمره. ومقصدهم بذلك كله الملك والاستيلاء والتبسط في أموال المسلمين وحريمهم، والانتقام منهم فيما اعتقدوه فيهم، وعالجوهم به من النهب والسفك، وأفاضوا عليهم من فنون البلاء.
وقد جرت الباطنية على العالم الإسلامي من ويلات وخطوب، فلطالما عاثت في ربوعه فسادا، وجاست خلاله حرابا، وقد كانت الكوباء، إذا أتت على شيء جعلته كالرميم، بلقعا يبابا، كأن لم تغن بالأمس، حتى الكعبة المقدسة لم تسلم من سطواتها المخربة، ولم تنج من حملاتها المدمرة.
أصول فرق الباطنية:
أصل هؤلاء كلهم المجوس الذين ذهب ملكهم على يد الفاتحين من المسلمين، فمكروا وتحركوا لإعادة نار المجوس الذين يعظمون الأنوار والثيران والماء والأرض، ويقرون بنبوة زرادشت، ولهم شرائع يرجعون إليها.
المصدر: البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي – ١/ ١٧٣
стр. 4043
المبحث الثاني: أثرها في الناحية الفكرية
إن الهدف السياسي للحركات الباطنية هو إسقاط الخلافة الإسلامية وإعلان الإمامة الشيعية أمر لا يختلف فيه اثنان ولكن اتجاه هذه الحركات بعد فترة طويلة من ظهورها اتجاها دينيا وفكريا تستر به اتجاهها السياسي يثير الشك والانتباه ويبدو أن هذه الحركات - وعلى رأسها الإسماعيلية – قد تنبهت إلى نقطة مهمة وخطيرة وهي أن غالبية الحركات والثورات التي اشتعلت ضد الخلافة الإسلامية قد آلت إلى الفشل الذريع لعدم استنادها على مفهوم ديني وفكري تدعم به حركتها.
وقد سارعت الحركة الباطنية الشيعية لاستغلال هذه النقطة أبشع استغلال فجعلت لأئمتهم من نسل علي بن أبي طالب صفات أوصلتهم إلى رتبة الإجلال والتقديس بل في بعض الأحيان إلى درجة الألوهية فهم بفضل الصفات التي أودعها الشيعة فيهم أئمة المسلمين وفقهاؤهم ووارثو رسالة النبي ﷺ فيأمرون ويعلمون باسم الله كما كان يفعل ﵊ حتى أنهم أضافوا إلى (أركان الإسلام الخمسة) ركنا سادسا وهو الولاية أي الانضواء إلى الأئمة وعدم مخالفتهم وموالاة أعدائهم وبهذا الركن الذي أدخلوه على الإسلام استطاعوا أن يروجوا ما يريدون على أنه من الأئمة الذين لا تجوز مخالفتهم بحيث أصبحت حركة التشيع تعني اتجاها مغايرا للإسلام الصحيح بأفكارها الدينية وعقائدها الجديدة الغريبة على الإسلام والمسلمين. وهكذا نشأت أنظمة سرية تعمل على نشر الآراء الدينية والفكرية الجديدة بين الناس فكانت الحركة الباطنية الشيعية (عبارة عن دعاية خفية مستترة أكثر مما هي مقاومة مكشوفة وهذا ما جعلها مخالفة لغيرها من الفرق وهي دعاية يحيط بها جو من الأسرار وتغشاها أساليب المكر والمرواغة) (١).فكان من أكبر ما تمتاز به الحركة الفكرية في القرن الرابع الهجري ظهور مذهب الشيعة يحمل بين ثناياه الكثير من الأفكار الشرقية القديمة ويجعلها مكان بعض الأفكار الإسلامية وقد كان فللإسماعيلية دور كبير وخطير في حمل هذه الأفكار ومزجها بالعقائد الإسلامية (فالضلال لم يتفشى في العالم الإسلامي بقدر ومثل ما تفشى بسبب الفرق الشيعية وما غير السنن إلا المتشيعون الذين دخلوا الإسلام لهدمه وتقويض أركانه) (٢).
ومن البديهي أن يكون لأتباع الحركة الباطنية أهدافا مرسومة وغايات بعيدة من وراء زرع هذه الأفكار في العالم الإسلامي من أهمها إزالة هالة الخوف والقداسة عن العقائد الإسلامية ومناقشتها ووضعها تحت مجهر العقل والحس من قبل أصحاب النفوس المريضة التي نافقت الإسلام ودخلت به رياء ونفاقا أو خوفا وبذلك شجعت الحركة الباطنية أصحاب تلك النفوس للزنادقة والمجوس والفلاسفة الصابئة وغيرهم من الذين كانوا يتربصون الفرص للنيل من الإسلام والمسلمين.
وهكذا نلاحظ وبعد فترة من ظهور هذه الحركة أنها مهدت الطريق لأمثال الفارابي وابن سينا والكندي والمعري وغيرهم ليتجرأوا ويجاهروا بكفرهم وفلسفتهم الأفلاطونية الوثنية.
ولم يقف الأثر الفكري للحركة الباطنية عند هذا الحد بل أوجدت لها أثرا واضحا على الصوفية والصوفيين بأفكارها وعقائدها الفلسفية ويبدو أن عملية المطاردة لأتباع الفرق الباطنية جعلت الكثير منهم يختفون في حلقات الصوفيين وهذا كان له أثر خطير على أفكار الصوفية فظهر منهم الغلاة المتأثرون بأفكار الإسماعيلية وفلسفتها الذين زعموا وحدة الوجود والاتحاد بالمعبود ولم يكن لهم أي اهتمام بالأديان ولا بالإسلام أمثال الحلاج وابن العربي والسهروردي والبسطامي وغيرهم.
стр. 4044
وأن الطابع الفسلفي للحركة الباطنية قد جعل نظرية الإمام وولايته محورا تدور حوله الأفكار الباطنية وترتب على ذلك رفع منزلة علي بن أبي طالب وذريته إلى مرتبة الألوهية وتجسد الجوهر الإلهي في أشخاصهم (مما أفسح المجال لظهور عقائد وتصورات للألوهية مغرقة في التشبيه والتجسيم والمادية وإلى آراء أسطورية محضة تسلب أصحابها أدنى حق في معارضة الوثنية أو المقابلة بين عقائدهم وعقائد الوثنيين) ولعبيد الله مهدي (مؤسس الدولة العبيدية في المغرب) مواقف من الزيغ والضلال تدل على مدى المغالاة الذي وصل إليها الباطنيون (فقد حكى أحدهم أنه سمع الكفر بأذنيه وذلك أنه حضر شهادة وكان فيه جمع من أهل سنة ومشارقة وكان بالقرب مني – يحكي عن نفسه – أبو قضاعة الداعي فأتى رجل مشرقي من أهل الشرق ومن أعظم المشارقة فقام إليه رجل مشرقي وقال إلى هاهنا يا سيدي إلى جانب رسول الله يعني أبا قضاعة الداعي ويشير بيده إليه فالخليفة العبيدي الإله وداعيه أبو قضاعة ورسوله) (١).
بالإضافة إلى ذلك فإن من أقوى المؤثرات الفكرية التي ساعدت الفكر الباطني على الانتشار دعوى الإسماعيلية وأتباعها بوحدة الأديان فهم في سبيل الوصول إلى غايتهم المريبة كانوا يظهرون للناس في أثواب مختلفة ويكلمون كل شخص بلغة خاصة مما صادف هوى في نفوس بعض أفراد وجماعات تبغض الإسلام والمسلمين فوجد هؤلاء الإسماعيلية كل ما يهدفون إليه من هدم للإسلام وتقويض لأركانه.
ويؤيد هذا أيضا أن جماعة إخوان الصفاء الإسماعيلية كانت تضم في صفوفها (أبا إسحاق الصابي الحراني وهو من عبدة النجوم (الصابئة) ويحيى بن عدي النصراني رئيس أساقفة الكنيسة اليعقوبية وماني المجوسي وأبو سليمان المنطقي السجستاني الإسماعيلي فما الذي يجمع هؤلاء ويدعوهم إلى تأليف مجمع سري) إلا الهدف الواحد وهو هدم التوحيد الإسلامي بالأفكار الوثنية المستترة برقع التحرر.
وينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا النشاط الفكري الواسع للحركات الباطنية في العصر الحالي وكل مطلع على النشاط الثقافي وخاصة في مجال النشر يرى كثيرا من دور النشر المتسترة من كتب الباطنية والباطنيين المسمومة الشيء الكثير على اعتبار أنها كتب التراث الذي يجب أن يحفظ أو التاريخ الذي يجب أن يدون ولا يضيع مستغلين جهل القارئ المسلم بحقيقتها وأصلها وبذلك يضللون الكثير من العقول.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك النشاط الباطني المخيف للإسماعيلية في كثير من الولايات الأمريكية والبلدان الأفريقية حيث مهد لها أعداء الإسلام الطريق هناك بعد أن خافوا من امتداد الإسلام إلى تلك البلاد فافتتحت الإسماعيلية المراكز الضخمة في ظاهرها دعوة الإسلام وفي باطنها هدم للإسلام وتقويض له.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب – ص٤٣٧
стр. 4045
المبحث الثالث: أثرها في الناحية الاجتماعية
لقد كان للفوضى الاجتماعية التي أوجدتها الباطنية في جسم المجتمع الإسلامي من أهم الأخطار العظيمة الذي هدد المسلمين في القرون الماضية وأخص بالذكر الثورات المتلاحقة على الخلافة العباسية التي أوجدت هذه الفوضى.
ومن أخطر الآفات الاجتماعية التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت انعدام الثقة بين أفراد المجتمع بل بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب الغزو الفكري الباطني لعقول الناس وخاصة الشباب منهم مما أحدث ارتباكا فكريا خلف من ورائه انحلالا اجتماعيا خطيرا ترك أثاره على تعامل الناس مع بعضهم البعض وعلى تعامل أفراد الأسرة الواحدة أيضا.
وقد ظهر هذا واضحا في أيام ظهور القرامطة والحشاشين الذين سلبوا بأفكارهم الهدامة بعض عقول الشباب المراهق غير الواعية بما يدور حولها بحث أصبح هؤلاء أداة بلا عقل ولا إرادة في يد زعماء الباطنية يحققون بها غاياتهم المريبة.
وتعطينا القصة التالية التي رواها ابن الأثير صورة واضحة للوضع الاجتماعي الخطير الذي خلفته الباطنية على أفراد المجتمع الإسلامي فيقول (ذكر عن متطبب يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد وقالت أريد أن تعالج جرحا في كتفي فقلت ها هنا امرأة تعالج النساء فانتظرتها فقعدت هي باكية مكروبة فسألتها عن قصتها قالت كان لي ولد طالت غيبته عني فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره فخرجت من الرقة في طلبه فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه فرأيته فشكوت إليه حالي وحال أخواته فقال دعيني من هذا أخبريني ما دينك فقلت أما تعرف ديني فقال ما كنا فيه باطل والدين ما نحن فيه اليوم فعجبت من ذلك وخرج وتركني ووجه بخبز ولحم فلم أمسه حتى عاد فأصلحه.
وأتاه رجل من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئا فقلت نعم فأدخلني دارا فإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلمها ولا تكلمني حتى ولدت غلاما فأصلحت من شأنه وتلطفت بها حتى كلمتني فسألتها عن حالها فقالت أنا امرأة هاشمية أخذنا هؤلاء الأقوام فذبحوا أبي وأهلي جميعا وأخذني صاحبهم فأقمت عنده خمسة أيام ثم أمر بقتلي فطلبني منه أربعة أنفس من قواده فوهبني لهم وكنت معهم فوالله ما أدري ممن هذا الولد منهم. قالت فجاء رجل فقالت لي هنيه فهنيته فأعطاني سبيكة فضة وجاء آخر وآخر أهني كل واحد منهم ويعطيني سبيكة فضة ثم جاء الرابع ومعه جماعة فهنيته فأعطاني ألف درهم وبتنا فلما أصبحنا قلت للمرأة قد وجب حقي عليك فالله الله خلصيني قالت ممن أخلصك فأخبرتها خبر ابن فقالت عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم فأقمت يومي فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له وقبلت يده ورجله ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي فدعا قوما من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره وقال اتركوها فيه وارجعوا فساروا بي عشرة فراسخ فلحقنا ابني فضربني بالسيف فجرحني ومنعه القوم وساروا بي إلى المكان الذي سماه صاحبهم وتركوني وجئت إلى هاهنا قالت ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس وهو يبكي فقلت لا خفف الله عنك ولا خلصك!؟ (١).
وهكذا فقد أصبح الابن جاحدا لأمه والأب لا يعترف بابنه والصديق عدوا لصديقه بعد الغزو الباطني الخطير لأفكار المسلمين.,
стр. 4046
ويمكن أن يضاف إلى البلبلة الفكرية التي سببت الانحلال الاجتماعي سبب آخر وهو أن الحركة الباطنية استغلت حالة الفقر التي كان يعيشها بعض أفراد المجتمع الإسلامي فعملت على إشباع شهواتهم الجنسية والمالية وخاصة لذوي النفوس المريضة منهم مما سهل الأمر على الحركة الباطنية أن تستغلهم أبشع استغلال وهذا ما هو واضح عند القرامطة والحشاشين على وجه الخصوصوعند ظهور الدولة العبيدية في المغرب وامتدادها بعد ذلك إلى مصر (بلغ التعفن الاجتماعي أقصى مداه حيث عمد الشيعة إلى إنزال الويلات بالناس فجاروا عليهم جورا شديدا وتعللوا على أموال الناس من كل جهة وقد أصاب الناس على ذلك طاعون شمال إفريقيا وما والاها إلى مصر سنة ٣٠٧هـ نشأ قطعا عما يعاني الناس من انهيار اجتماعي زاده الفقر استفحالا والمجاعة تعفنا (١).
أما الباطنية من الحشاشين فقد أحدثوا انهيارا اجتماعيا لا مثيل له تدل خطورته على الوضع الذي وصل إليه الناس في ذلك الوقت حيث صار هؤلاء مصدرا للخوف والقلق بين جميع طبقات الناس فصار الأخ لا يثق بأخيه والأب يخاف من ابنه والأمير لا يعلم المخلص من أتباعه وحراسه لخوفهم أن يكون واحدا منهم ممن سلب الباطنية عقولهم بأفكارها المريبة البراقة.
ومن البديهي أن تحدث هذه الأمور مجتمعة شرخا اجتماعيا كانت له انعكاساته على الوضع السياسي للعالم الإسلامي وهو يقاوم الأعداء الخارجيين من الصليبيين والتتار فكانت الباطنية عدوا داخليا يوالي الطعنات المخيفة من الخلف مما أضعف المسلمين وأحدث ثغرة عميقة في صفوفهم.
ومن الأمور الخطيرة أيضا التي عملت الباطنية على تحقيقها في المجتمع الإسلامي وهو يواجه الصليبيين والتتار محاولتها قتل عدد كبير من خيرة العلماء والقادة والأمراء في محاولة منها لإبعاد هؤلاء عن طريقها حتى يفسح المجال لها لتنفيذ أغراضها الجهنمية في المجتمع الإسلامي فكان فَقْدُ أمثال هؤلاء من المجتمع عاملا خطيرا في ارتباك المجتمع الإسلامي وتخلخله. من ذلك أنهم قتلوا في همذان قاضي القضاة زين الإسلام أبا سعد محمد بن نصر الهروي أثناء عودته من خراسان إلى بغداد ولم يجرؤ شخص على أن يتبعهم للخوف منهم وفي سنة ١١٢٦هـ قتلوا البرسقي أتابك الموصل وفي سنة ١١٢٧هـ قتلوا المعين وزير السلطان سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان وفي سنة ١١٣٠هـ أرسل الباطنية من مركزهم في آلموت اثنين من الخراسانية لقتل تاج الملوك بوري أتابك دمشق ويطول بنا الأمر لو حاولنا تسجيل كافة الاغتيالات الباطنية ولكن يكفي أن نختم هذه القائمة بالإشارة إلى أنهم حاولوا أكثر من مرة قتل صلاح الدين الأيوبي ولكن الله سلمه (٢).
هذا غيض من فيض للأثر الاجتماعي الذي أوقعته في القرون الماضية أما حديثا فيكفي أن نجمل بأمر خطير تعمل على تحقيقه الباطنية بجميع فرقها وهو امتدادهم البشري إلى كافة المدن والقرى المجاورة لمعاقلهم في محاولة منهم للسيطرة على أكبر قدر من أراضي المدن والقرى التي يقطنها المسلمون ويمكن أن نلاحظ هذا الزحف البشري بوضوح في سوريا فقد ترك مئات الألوف من النصيرية جبالهم واستوطنوا دمشق وحلب وحماة وحمص مما أحدث شرخا عميقا في مجتمعات هذه المدن وخاصة بعد أن أصبح هؤلاء الباطنيون المسيطرون على مقدرات هذه المدن سياسيا وماديا.
وهكذا ظلت الباطنية قديما وحديثا مصدرا خطيرا للانحلال السياسي والاجتماعي بأفكارها المسمومة وأعمالها الإرهابية ومن البديهي أن يكون لهذا الخطر الباطني في المستقبل أثر لا يجوز الاستهانة به.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب – ص٤٤١
стр. 4047
المبحث الرابع: أثرها في الناحية السياسية
إن أسوأ الآثار التي ترتبت نتيجة لظهور الحركة الباطنية هو انقسام العالم الإسلامي إلى فئتين متناحرتين فقد استطاعت الباطنية (المتمثلة بالإسماعيلية) استمالة قبيلة كتامة في بلاد المغرب مما ساعدها كثيرا على قيام أول دولة لها سميت بـ (الدولة الفاطمية) أو (العبيدية).
ولا شك أن قيام هذه الدولة الباطنية قد أوجد انقساما خطيرا في صفوف المسلمين هو الأول من نوعه لادعاء حكام هذه الدولة أنهم من ذرية آل البيت وبأحقيتهم أن يكونوا أئمة المسلمين بعد أن كان المسلمون جميعهم يتجهون في ولائهم إلى الخليفة العباسي في بغداد ولكن سرعان ما تكشف حقيقة هؤلاء الأعداء عندما عملوا مرارا على إثارة الفتن بين السنة والشيعة في العراق مقر الخلافة العباسية وعلى إظهار باطن ما يعتقدون في قوانينهم وتصرفات أتباعهم.
ومن المؤكد أن تفتيت العالم الإسلامي الذي عمل على تنفيذه أتباع الباطنية كان له أثر بالغ الخطورة على التطورات السياسية فيه وخاصة وهو يواجه الصليبيين والتتار فإذا به يتعرض لطعنة قوية من الخلف من جانب الباطنية أضعف المسلمين وأحدث ثغرة قوية في جبهتهم نفذ من خلالها الأعداء من الصليبيين وغيرهم فاستطاعوا بذلك أن يوطدوا قوتهم داخل بلاد المسلمين. وينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا أن الباطنية كانت تمد يد العون والمساعدة لهؤلاء الأعداء وتتحالف معهم في سبيل القضاء على الخلافة الإسلامية (ولما تحرك الصليبيون صوب الجنوب كانت سياسيتهم التقليدية تقوم على محالفة الفاطميين الشيعة بمصر لمناهضة الخلفاء العباسيين والترك السنيين (١).
стр. 4048
وكان أكثر عونا للصليبيين وأشد خطرا على كل محاولة إسلامية لقتالهم فرقة الحشاشين الذين عرفوا بالقتل والتدمير وأصبحوا أداة غادرة بيد الصليبيين موجهة ضد المسلمين. فكان ما أقدموا عليه من اغتيالات ضد القادة المسلمين موضع ترحيب وتقدير من قبل الصليبيين بعد أن وجدوا فيهم ضالتهم المنشودة فسارعوا للتحالف الوثيق معهم وكان هذا التحالف واضحا عندما زحف المسلمون على الصليبيين حتى بلغوا طبرية في فلسطين بقيادة مودود وطغتكين سنة ١١١٣م فأغضب هذا الباطنية فعملوا على قتل مودود بينما كان يدخل المسجد الكبير لتأدية صلاة الجمعة فطعنه أحد الباطنية بخنجر فلقي مصرعه (١). وهكذا تخلص الفرنج من عدو لدود لهم بمصرع مودود على يد الباطنية. وزاد من نفوذ الباطنية في بلاد الشام اعتناق رضوان ملك حلب للمذهب الباطني وعطفه على أتباعه فاستغل الباطنية تلك المكانة وأخذوا يباشرون أعمالهم الإجرامية ضد زعماء المسلمين (٢). وما اتسمت به سياسة رضوان الباطنية أسهمت إلى حد كبير في توطيد ملك الفرنج في الشام (٣).وتوطدت العلاقات الودية بين الصليبيين والباطنية في أيام نور الدين وصلاح الدين اللذين عملا جاهدين على توحيد العالم الإسلامي ضد الصليبيين فقد كانت كراهية الباطنية لنور الدين شديدة واعتبروه عدوهم اللدود نظرا لأن سلطانه قيد توسعهم فحقدوا عليه وعاونوا حلفاءهم الصليبيين ضده حتى أنه عندما استطاع نور الدين أن يلحق الهزيمة بالصليبيين نرى زعيم الحشاشين حينئذ (علي بن وفا الكردي) يسارع للتحالف مع الصليبيين ويقوم بهجوم مفاجئ على نور الدين سنة ١١٤٨م بالقرب من أنطاكية ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا اغتيال نور الدين وأرسل زعيم الحشاشين الجديد رشيد الدين سنان إلى الصليبيين يعرض عليهم إجراء تحالف وثيق لمناهضة نور الدين ملوحا بأنه يفكر مع قومه في التحويل إلى النصرانية (٤).ولم يتوان هذا الحشاش عن محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي نفسه فقد تم اكتشاف جماعة من الباطنية عند خيمة صلاح الدين في جوف عسكره (٥). بعد أن استطاع أن يدحر الصليبيين وقد تكررت هذه المحاولة عدة مرات وكل هذا يدل بالطبع على نوعيه الحقد الدفين الذي يكنه الباطنيون لكل ما يحمل علامة النصر للإسلام والمسلمين.
ويحسن بنا أن نلاحظ أن من الآثار السياسية للحركة الباطنية الفتن السياسية التي قامت بها فأدخل العالم الإسلامي في بلبلة وقلاقل جعله نهبا للأعداء من كل جهة.
стр. 4049
فالاضطرابات التي قام بها أدعياء التشيع من الباطنية أمثال الخطابية وغيرها كانت تمهيدا لثورات وقلاقل أكبر خطرا حاقت بالعالم الإسلامي قام بها بعد ذلك الباطنيون وأهم تلك القلاقل ثورة القرامطة الإرهابية وما حملته من فتنة سياسية أحرقت الأخضر واليابس وأحدثت فراغا كبيرا في صفوف المسلمين وقوتهم دخل من خلاله الأعداء من كل صوب إلى قلب العالم الإسلامي فوجدوا من أتباع الباطنية خير عون ومساعد لهم ضد المسلمين. والمطلع على تاريخ الباطنية لا بد أن يربط القديم بالحديث في تاريخ هؤلاء فما نراه اليوم من أعمالهم لا يمكن أن نستغربه فتاريخهم السياسي القديم أسود حالك بالسواد مليء بالحقد والكراهية وتاريخهم الحديث امتداد لهذا التاريخ (فقد جهد الاستعمار الأوروبي ليجد أسلحة يهدم بها الإسلام ويسيطر على المسلمين ويبدو أن الإسماعيلية كانوا أحد هذه الأسلحة فإذا بإمام إسماعيلي يظهر من جديد يساعد الإنجليز ويساعده الإنجليز يتيح له الإنجليز أن ينشر مذهبه بين مسلمي مستعمراتهم ويضمن لهم هو أن يخضع أتباعه لهم (١).
والنصيرية في السنين الماضية فاقت الإسماعيلية في تحالفها الوثيق مع أعداء الإسلام والمسلمين فأصبحت أداة خبيثة بيد اليهودية والصليبية مزروعة في جسم العالم الإسلامي تتحرك وتنفذ مخططات الأعداء بكل حقد وخاصة بعد أن استولت على مقاليد الأمور في سورية فكان تسليم الجولان لإسرائيل عبارة عن صفقة خائنة عقدت بين النصيرية والدولة اليهودية لا تزال آثارها الإجرامية تتفاقم إلى اليوم.
ولم يكتف النصيريون بهذا فعملوا أيضا على تحطيم المسلمين في لبنان بعد أن كاد المسلمون أن يسيطروا على أكثر لبنان فدخلت قوات النصيريين لبنان وحطمت هذا النصر ودكت مخيم تل الزعتر بمعاونة قوات النصارى واليهود يقتلون ويشوهون ويهتكون الأعراض معاً.
وهكذا نرى أن الباطنية كانت ولا تزال مصدر الفتن والقلاقل في المجتمع الإسلامي وعونا لكل عدو لهذه الأمة تساعده بكل ما أوتيت من قوة لعلها بذلك تحقق هدفها وهو هدم الإسلام وقتل المسلمين.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب – ص٤٤٥
стр. 4050
المطلب الأول: التعريف
الإسماعيلية فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4051
المطلب الثاني: فرق الإسماعيلية
ظهر التفرق في طائفة الإسماعيلية كسائر فرق الشيعة منذ نشأتها حيث نجد هذه المصطلحات والأسماء الآتية في كتب الفرق وكلها تدل على فرق عديدة وانشقاقات في داخل فرقة الإسماعيلية وهذه طبيعة السبل التي نهانا الله عنها وحذرنا من أتباعها كما قال تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]، وهذه الفرق حسب أسمائها في كتب المقالات على النحو الآتي:
١ـ الإسماعيلية الخالصة:
وهم الذين قالوا: إن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر وأنكروا موت إسماعيل في حياة أبيه وقالوا إن ذلك على جهة التلبيس لأنه خاف عليه فغيبه عنهم وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمور الناس وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده وقلدهم ذلك له وأخبرهم أنه صاحبهم وهذه الفرقة تنتظر إسماعيل بن جعفر وجزم كل من الأشعري القمي والنوبختي إلى أن هذه الفرقة هي الخطابية أتباع أبي الخطاب قبل موته ولما توفى أبو الخطاب انضم أتباعه إلى الإسماعيلية وقالوا بإمامة إسماعيل في حياة أبيه مع إنكارهم لموته في تلك الفترة.
٢ـ الإسماعيلية المباركية أو الإسماعيلية الثانية:
وهم القائلون بأن الإمام بعد جعفر هو محمد بن إسماعيل بن جعفر وأمه أم ولد وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل وكان الحق له ولا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين ﵄ ولا يكون الإمام إلا في العقاب ولم يكن لأخوة إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق كما لم يكن لمحمد ابن الحنفية فيها حق مع علي بن الحسن وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية نسبة إلى رئيس لهم يسمى المبارك كان مولى لإسماعيل بن جعفر
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي - ٢/ ٣٥٢
٣ـ فرقة القرامطة:
فرقة باطنية ثورية انشقت عن حركتها الأم الإسماعيلية وأصبحت فرعا من فروعها وسموا بالقرامطة نسبة إلى زعيمها وداعيتها الأول (حمدان قرمط) الذي يقول عنه الغزالي: كان حمدان أحد دعاة الباطنية في الابتداء حيث استجاب له في دعوته رجال فسموا قرامطة وقرمطية ودار بينهما محاورة دعوية استجاب فيها حمدان لجميع ما دعاه إليه هذا الباطني ومنها أخذه العهد والميثاق على حمدان بالبيعة للإمام الإسماعيلي والتزام سر الإمام وسر هذا الداعية ومن ثم انتدب حمدان للدعوة وصار أصلا من أصولها
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان عبد الله السلومي – ٢/ ٣٥٣ و (انظر بحث القرامطة من هذه الموسوعة)
٤ـ فرقة الدروز:
هذه الفرقة من فرق الباطنية الإسماعيلية التي جاهرت بالغلو في شخصية الحاكم فانشقت عن المذهب الإسماعيلي ورغم انشقاقها وتفردها ببعض المعتقدات فإنها بلا شك وليدة الدعوة الإسماعيلية وبتعبير أدق جناحا من أجنحتها.
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٣٥٨ و (انظر بحث الدروز من هذه الموسوعة)
٥ـ الإسماعيلية المستعلية:
стр. 4052
يعتبر انقسام الطائفة الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية أضخم انقسام وافتراق منذ تأسيسها وبدايتها إلى عصرنا الحاضر حيث اتجهت كل فرقة إلى إمام من أئمتها في فترة الظهور وتمسكت به وبإمامة نسله من بعده إن كان له نسل أو عقب وحدث من جراء هذا الانقسام أن أصبح لكل فرقة كتب خاصة بها لأن لكل فرقة دعاة خاصين ومنظمين فكريين بل أصبح بعد ذلك لكل فرقة دولة خاصة بها ولا أدل على ذلك من دولة الصليحيين في اليمن والتي تمثل الإسماعيلية المستعلية ودولة الصباحيين أو الحشاشين في ألموت وجنوب فارس والتي تمثل الإسماعيلية النزارية. وبداية هذا الانقسام وسببه كما ذكرنا سابقا أن المستنصر العبيدي (الإمام الثامن من أئمة الظهور عند الإسماعيلية) لما مات في ذي الحجة من عام ٤٨٧هـ أقام الأفضل ابن بدر أمير الجيوش ابنه المستعلي بالله بن المستنصر واسمه أبو القاسم أحمد للإمامة والحكم وخالفه في ذلك أخوه نزار بن المستنصر وبعد مناوشات بينهما فر إلى الإسكندرية ثم حاربه الأفضل حتى ظفر به فقتله ثم أمر الأفضل الناس بتقبيل الأرض وقال لهم قبلوا الأرض لمولانا المستعلي بالله وبايعوه فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده (١).وبذلك انقسمت الإسماعيلية إلى مستعلية أتباع المستعلي ونزارية أتباع نزار والحديث الآن عن المستعلية حيث يسمون بهذا الاسم نسبة إلى القول بإمامة المستعلي مع إنكار إمامة نزار بن المستنصر ويقولون إنه نازع الحق أهله من حيث أن الحق في الإمامة والخلافة كان لإمامهم المستعلي فادعاه لنفسه ويقولون إن شيعته على الباطل ويرون من الضلال اتباع الحسن الصباح داعية نزار والناقل عن المستنصر النص على إمامته (٢). ومن أسماء هذه الفرقة فيما بعد الطيبية نسبة إلى الطيب ابن الآمر المزعوم.
الذي سبق أن ذكرنا ادعاء الملكة أروى الصليحية إمامته وكفالتها له. وبعد ذلك أطلق عليهم لقب الإسماعيلية الطيبية لزعمهم بإمامته وإمامة نسله المستورين من بعده كما يطلق على هذه الفرقة الإسماعيلية الغريبة وهؤلاء هم إسماعيلية مصر واليمن وبعض بلاد الشام تمييز لهم عن الإسماعيلية الشرقية إسماعيلية بلاد فارس أصحاب الحسن الصباح (٣).
وتبنى هذه الفرقة وأبقاها الدولة الصليحية الذين حاولوا نشرها وبسطها في بلاد اليمن حتى انقرضت الدولة الصليحية عام ٥٦٣هـ ولم يقم أتباع هذه الفرقة بأي نشاط سياسي يذكر ونراهم اتجهوا بعد ذلك اتجاها جديدا هو التجارة والاقتصاد واتخذوا التقية والستر – كعادتهم في التمويه – أسلوبا في نقل الدعوة الإسماعيلية المستعلية الطيبية إلى شبه القارة الهندية وظهر لهم لقب جديد ومسمى يتناسب مع مهنتهم وهو (البهرة) وسبب ذلك أنه عندما اعتنق جماعة من الهندوس الدعوة الإسماعيلية الطيبية وكثر عددهم في الهند عرفت الدعوة بينهم باسم البهرة وهي كلمة هندية قديمة معناها التاجر
стр. 4053
البهرة: عندما اعتنق جماعة من الهندوس الدعوة الإسماعيلية الطيبية وكثر عددهم في الهند عرفت الدعوة باسم البهرة الذي يرمز إلى مهنتهم التي اشتهروا بها وهي التجارة حيث انصرفوا لها وحاولوا نشر عقيدتهم عن طريقها ولذا نجد أن دعوتهم انتشرت في أقطار متعددة نتيجة جهل الشعوب الإسلامية بهذه الدعوة الباطنية وعدم فهم الإسلام فهما صحيحا فلهم أتباع في بلاد الهند والباكستان وعدن كما يوجد عدد منهم في اليمن الشمالي في جبال حراز ولا زال يطلق عليه اسمهم الحقيقي والأصلي حيث يدعون بالقرامطة والباطنية ومن آثارها – كما يقول النشار – قبيلة يام وهي إلى اليوم باطنية تنتمي إلى بهرة الهند (١).
ويشتهر البهرة بالتعصب الشديد لمذهبهم وعقيدتهم وتقاليدهم التي ورثوها من قادتهم وزعمائهم (إسماعيلية اليمن المعروفين بالصليحيين) فهم يحافظون عليها محافظة تامة ولا يقبلون تبديلا لتلك التقاليد أو تطويرها ومن مظاهر ذلك:
١ـ الزي الخاص بهم رجالا ونساء حتى أن الناظر المتمعن فيهم يعرف البهري من غيره.
٢ـ لهم أماكن خاصة للعبادة لا يدخلها غيرهم أطلقوا عليها اسم جامع خانة فهم لا يؤدون فريضة الصلاة إلا في الجامع خانة مع رفضهم لإقامة الصلاة في المساجد التي لغيرهم من المسلمين.
(وقد شاهدت مرارا وتكرارا البهريين يخرجون من المسجد الحرام عند إقامة الصلاة ويذهبون لأدائها في رباط لهم يسمى (الرباط السيفي) يقع بالقرب من الحرم المكي في الجهة الجنوبية).٣ـ الحرص الشديد على ستر عقائدهم المذهبية الباطنية إما في الظاهر فإنهم قد يشاركون المسلمين في أداء بعض الفرائض والأركان (٢).ورغم اتفاق البهرة ظاهريا مع غيرهم من المسلمين في العبادات والشعائر فإنهم يعتقدون عقائد باطنية بعيدة كل البعد عند معتقد أهل السنة والجماعة فهم مثلا يؤدون الصلاة كما يؤديها المسلمون ويحافظون على حدودها وأركانها كالمسلمين تماما ولكنهم يقولون إن صلاتهم هذه للإمام المستور من نسل الطيب بن الآمر ويؤدون شعائر الحج كما يؤديها المسلمون ولكنهم يقولون إن الكعبة التي يطوفون حولها هي رمز للإمام وهكذا يذهبون في عقائدهم مذهبا باطنيا يلتقي مع التيار الباطني العام (٣).
стр. 4054
وفي القرن العاشر الهجري انقسم البهرة إلى طائفتين تسمى إحداهما بالداودية والأخرى بالسيمانية ويرجع هذا الانقسام إلى الخلاف على من يتولى مرتبة الداعي المطلق للطائفة. فالفرقة الداودية تنتسب إلى الداعي السابع والعشرين من سلسلة دعاة الفرقة المستعلية الطيبية ويسمى بقطب شاه داوود برهان الدين المتوفى سنة ١٠٢١هـ وهم الأكثرية وهم بهرة كجرات ولذا أصبح مركز دعوتهم في الهند حيث يقيم داعيتهم الآن وهو طاهر سيف الدين في مدينة بومباي ويعتبر الداعي الحادي والخمسين من سلسلة الدعاة حيث بينه وبين الداعي الذي تنتسب إليه الداودية اثنان وعشرون داعيا ذكرهم العزاوي بالترتيب في مقدمته سمط الحقائق (١).أما الفرقة السليمانية فتنتسب إلى الداعي سليمان بن الحسن الذي أبى أتباعه الاعتراف بداوود بدعوى عجب شاه اختار سليمان وأعطاه وثيقة بذلك ويدعي جماعته أنها لا تزال عندهم تلك الوثيقة وتبعه شرذمة قليلة نسبوا إليه ويتواجدون في اليمن ورئيسها الحالي علي بن الحسن ومحل إقامته بنجران جنوبي السعودية وهذه الطائفة منتشرة في قبائل بني يام باليمن وبعض أفراده مقيمون في الهند والباكستان (٢). وكلا الداعيان برتبة (داع مطلق) وهي مرتبة وراثية تنتقل من أب إلى ابن وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها الأئمة على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية (٣). ومما يدل على استعباد هؤلاء الدعاة لأتباعهم وخضوعهم لهم كما يخضعون للأئمة المظاهر التالية:١ـ تعظيم دعاتهم المطلقين وتحيتهم بانحناء الرؤوس وتقبيل الأرض بين يديهم حتى ليكادوا يسجدوا لهم كما يعتقدون أنه – أي الداعي المطلق – كالمعصوم لا يخطئ ولا يضل أبدا وطاعته واجبة (٤).٢ـ تقديس الأتباع لزعيمهم حتى أنه استخف بهم وأخذ يصنع الصكوك لأتباعه على قطع في الجنة وهذا مما نقل عن علي بن الحسن زعيم المكارمة في نجران (٥).
٣ـ تأليه الأئمة أو الداعي المطلق الذي يحل محله وأدل شيء على ذلك ما نقله لنا الدكتور محمد كامل حسين في طائفة الإسماعيلية عن محاورة جرت بينه وبين أحد زعماء الأغاخنية في العصر الحاضر ونصها قوله لأغاخان:
لقد أدهشتني بثقافتك وعقليتك فكيف تسمح لأتباعك أن يدعوك إله؟ فضحك طويلا جدا وعلت قهقهاته ودمعت عيناه من كثرة الضحك ثم قال: هل تريد الإجابة عن هذا السؤال. إن القوم في الهند يعبدون البقرة ألست خيرا من البقرة (٦). وهذا وإن كان حدثنا لزعيم الأغاخانية إلا أن زعيم البهرة كذلك حيث يعبده أتباعه ويؤلهونه (٧).
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٣٦٢ (و (انظر بحث (البهرة) من هذه الموسوعة))
стр. 4055
٦ـ الإسماعيلية النزارية (الحشاشون) يعتبر الإسماعيليون النزاريون طائفة وفرقة من أكبر الطوائف والفرق الإسماعيلية في العصر الحاضر حيث بدأ انفصال هذه الفرقة وتكونها بعد وفاة المستنصر عام سبع وثمانين وأربعمائة هجرية وكان حسب تقاليد الإسماعيلية قد نص على إمامة ابنه نزار لكن الوزير الجمالي صرف النص إلى أخيه المستعلي – ابن أخت الوزير – كما سبق أن ذكرنا ذلك تفصيلا وحصل من جراء ذلك انقسام الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية وعلى الرغم من القضاء على نزار وقتله في الإسكندرية على يد وزير المستعلي الأفضل بن بدر الجمالي ولم يكن له عقب مستتر أو ظاهر على الرغم من ذلك فإن أحد دعاة الإسماعيلية ويدعى بالحسن الصباح انتصر لنزار وأصبح يدعو له ولأبنائه من بعده وجعل نفسه نائبا للإمام المستور من ولد نزار وأصبح يدعو له وبذلك تكونت هذه الفرقة وأصبح يطلق عليها الإسماعيلية النزارية نسبة إلى نزار بن المستنصر كما يطلق عليها اسم الدعوة الجديدة تمييزا لها عن الدعوة الإسماعيلية الأولى كما يطلق عليها الإسماعيلية الشرقية نسبة إلى مكان ظهورها وانتشارها وإشارة إلى انفصالها عن الإسماعيلية الأم والتي تسمى بالإسماعيلية الغربية (١). ويسميها بعض الكتّاب المعاصرين بإسماعيلية إيران نسبة إلى مكانها (٢).،وجميع هذه المسميات دالة عليها ومحددة لها وقد عاصر ظهور هذه الفرقة عالمان كبيران تولى كل واحد منهما فضح هذه الفرقة وبيان باطنيتها وشدة خطرها وعظم ضررها على الإسلام والمسلمين وهما: الإمام الغزالي الذي ألف كتابه (فضائح الباطنية) والشهرستاني الذي أفرد لهم حديثا خاصا بهم عند قوله ثم إن أصحاب الدعوة الجديدة .. إلخ (٣).،وحفاظا على بقاء هذه الفرقة وإظهارها ادعى منظموها أن لنزار بن المستعلي ولدا ثم له نسلا استمرت الإمامة فيهم وبقيت ولكنهم – أي النزاريون – فيما بعد كذبوا أنفسهم حيث ادعوا الإمامة للحسن الصباح ومن جاء بعده ممن خلفه في قيادة دولة الحشاشين أو الفدائيين ولا أدل على ذلك من ادعاء الحسن الثاني من نسل الحسن الصباح في عام ٥٥٩هـ أنه هو الإمام من نسل نزار بن المستنصر وأصبح اسمه لا يذكر إلا مقرونا (على ذكره السلام) كما يطلق في العادة في الأئمة المستقرين وبذلك أصبح حكام ألموت بعد الحسن الثاني والذين جاءوا بعده من النسب الفاطمي وهكذا أتى الحسن الثاني – كما يقول بدوي – بثلاثة تجديدات ما لبث النزارية في كل مكان أن قبلوها على درجات متفاوتة وأولها أنه أعلن نفسه خليفة لله في أرضه ولم يعد مجرد داع كما كان أسلافه (٤).
ويعتبر الحسن الصباح العقل المدبر الذي نظم هذه الطائفة ووجهها ومن ثم نشرها في بلاد فارس مما نتج عن هذه الجهود قيام دولة الحشاشين أو الفدائيين كما سنفصل القول إن شاء الله في دولتهم عند الحديث عن دول الإسماعيلية في آخر هذا الفصل.
стр. 4056
وبعد أن بدأت دولة الحشاشيين أو الإسماعيلية النزارية في ألموت في الأفول ظهر داعية إسماعيلي نزاري في بلاد الشام واسمه راشد الدين سنان ويلقب بشيخ الجبال وحاول تجميع طائفة الإسماعيلية من جديد حيث أن دعوة الإسماعيلية في بلاد الشام ترجع إلى وقت مبكر ولاسيما في مدينة سلمية التي كانت مقرا للأئمة المستورين والإمام الظاهر عبيد الله المهدي. ومن أساليبهم التي حاولوا بها نشر مذهبهم وتقوية سلطتهم الاستيلاء على الحصون والقلاع ولذا يقول الدكتور محمد كامل حسين: وما زال الإسماعيلية النزارية في الشام يشترون الحصون أو يستولون عليها حتى بلغ عدد حصونهم الرئيسة في الشام في القرن السابع للهجرة ثمانية حصون هي القدموس ومصياف وبانياس والكهف والخوابي والمنيقة والقليقة والرصافة ثم يضيف قائلا: وازدادت قوة الإسماعيلية بالشام بظهور شخصية فذة وداعية داهية في سياسته وفي مواهبه وحكمته وهو (راشد الدين سنان) الذي استطاع بمقدرته وكفايته أن يجمع كل إسماعيلية الشام فقد كان الإسماعيلية في الشام يدينون بإمامة أصحاب قلعة ألموت في فارس فجاء سنان وكون مذهب السنانية واعترفوا بإمامته غير أنهم عادوا بعد موته إلى طاعة الأئمة بألموت وبالرغم من تحولهم هذا فإن إسماعيلية الشام إلى الآن يذكرون الإمام راشد الدين على أنه أعظم شخصياتهم على الإطلاق (١).وقد تعاصر شيخ الجبل مع القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي ﵀ وكانت بينهما مساجلات كلامية حادة في أول الأمر ولكن صلاح الدين ﵀ لما تبين له أنهم بقيادة شيخ الجبل يبيتون له ولجنده من أهل السنة أمرا ويضمرون لهم شرا حيث حاول عدد من الإسماعيلية اغتيال صلاح الدين بعد ذلك عزم على قتالهم والقضاء عليهم ففي سنة ٥٧٢هـ قصد صلاح الدين بلد الإسماعيليين وانتصر عليهم كما حصر قلعة مصياف واضطروا بعد ذلك إلى طلب الصلح. (٢).وظل أمر الإسماعيلية النزارية في الشام بعد ذلك يضعف تارة ويقوى تارة أخرى إلى أن استسلمت آخر قلاعهم للظاهر بيبرس عام ٦٧٢هـ وخفت أمرهم من الحياة السياسية حتى لم يسمع عنهم شيئا ولم تنقل الكتب التاريخية عنهم أحداثا تذكر ويبدو أن لجأوا إلى التقية والدعوة سرا إلى أن ظهر في إيران رجل شيعي يدعى حسن علي شاه ما بين سنة ١٢١٩هـ إلى سنة ١٢٩٨هـ جمع حوله عددا من الإسماعيلية وغيرهم وقام بأعمال هدد بها الأمن وأقلق بها السلطات. في إيران حتى ذاع صيته وأصبح أسطورة على ألسنة الناس وانضمت إليه جماعات كثيرة إعجابا به أو طمعا في مكاسب آلية تأتيهم عن طريقه وواكب ظهور هذه الثورة التي هددت الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران ظهور الإنجليز كقوة لها مطامع في بلاد فارس ومن ثم اتصلوا بحسن علي شاه وعضدوه ومنوه حكم فارس وفعلا قام حسن علي شاه بثوره عام ١٨٤٠م كانت نهايتها الفشل والقبض على قائدها ولكن الإنجليز تدخلوا وحصلوا على أمر بالإفراج عنه بشرط أن يجلو عن إيران كلها وزين له الإنجليز الذهاب إلى أفغانستان ليكون صنيعة لهم هناك ولكن الأفغانيين كشفوا عن هويته واضطروه إلى الرحيل إلى الهند واتخذ من مدينة بومباي مقرا له وأراد الإنجليز أن يستفيدوا منه مرة أخرى ومن ثم اعترفوا به إماما للطائفة الإسماعيلية النزارية وخلعوا عليه لقب أغاخان ومنحوه السلطة المطلقة على أتباعه الإسماعيلية فالتف حوله الإسماعيلية في الهند (٣).
стр. 4057
وهذا بلا شك منعطف جديد أو تلفيق في انقطاع أئمة الإسماعيلية عموما والنزارية بوجه خاص حيث أن أمر النزارية انتهى بانتهاء أئمة وحكام ألموت عام ٦٥٤هـ ولكن الاستعمار الإنجليزي لفق لهم هذه الشخصية المجهولة نسبا ودينا يصف الدكتور محمد حسين مشاعر الإسماعيليين وبداية هذه المسميات والألقاب عند ظهور هذا الرجل بقوله فتجمع – حول المدعو حسن علي شاه الملقب بأغا خان- الإسماعيلية في الهند وفرحوا بظهور شأنهم بعد أن ظلوا مغمورين طوال هذه القرون وبظهور إمامهم الذي ظل في الستر والكتمان مئات السنين!! فرأى حسن علي شاه أو أغاخان نفسه بين جماعة يطيعونه طاعة تدين دون أن يكون لهم غرض مادي فقوي نفوذه بينهم وأصبح كأنه سلطانهم الفعلي فأخذ ينظم شؤونهم إلى أن توفى عام ١٢٩٨هـ وبذلك وجدت الأسرة الأغاخانية وصارت لهم إمامة الإسماعيلية النزارية وانتسبوا إلى الإمام نزار بن المستنصر بالله الفاطمي ومؤسس هذه الأسرة هو حسن علي شاه وهو أول إمام إسماعيلي لقب بأغاخان (١).
ومن هنا أطلق على الإسماعيلية في العصر الحاضر (الأغاخانية) فكما أن طائفة البهرة امتدادا للإسماعيلية المستعلية فكذلك طائفة الأغاخانية امتداد للإسماعيلية النزارية. و (انظر بحث (الإسماعيلية المعاصرة) من هذه الموسوعة)
وقد اشتهر من زعمائهم الذين أطلقوا عليهم أئمة فيما بعد أربعة أشخاص وهم.
١ـ أغاخان الأول الذي نصبه الإنجليز على الطائفة بعد تجميعها من سنة ١٢٣٣هـ حتى هلك عام ١٢٩٨هـ
٢ـ ابن علي شاه المعروف باسم أغاخان الثاني وتوفي بعد فترة قصيرة من توليه زعامة الطائفة حيث هلك عام ١٣٠٢هـ٣ـ وبعد تولي زعامة الطائفة ابنه محمد علي شاه ولقب بأغاخان الثالث وهو أشهر زعماء الأغاخانية حيث طالت مدته وبقي في زعامة الطائفة حتى هلك عام ١٣٧٧هـ فتكون فترة زعامته خمسا وسبعين سنة وقد تظاهر بأعمال أكسبته بعض الشهرة كدفاعه عن الخلافة العثمانية ودفاعه عن حقوق الأتراك بعد سقوط الخلافة ومشاركته في تأسيس الرابطة الإسلامية بالهند وإنشاء جامعة عليكرة الشهيرة في الهند (٢).
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٣٦٧ و (انظر بحث (الحشاشون) من هذه الموسوعة)
стр. 4058
المبحث الثاني: أئمة الإسماعيلية
الأئمة الأوائل:
إسماعيل بن جعفر
محمد بن إسماعيل
- أئمة دور الستر بعد محمد بن إسماعيل:
حاول الإسماعيليون تغطية هذه الفترة الغامضة وإغلاق الثغرة المخلة بتسلسل إمامة أئمتهم بعد محمد بن إسماعيل فطبقوا نظرية الاستتار على عدد من أئمتهم اختلفوا في أسمائهم وألقابهم وعددهم اختلافا كثيرا مما يشعر بالتلفيق ومحاولة تركيب المذهب من جديد وهذه الفترة الغامضة مثار جدل ونقاش بين المؤرخين والنسابين حول فاطمية الدولة أو عبيديتها .....
ويصف الدكتور محمد كامل حسين هذه الفترة بقوله: "إنها فترة غامضة أشد الغموض حتى أن بعض مؤرخي وكتاب الإسماعيلية تحدثوا عن هذه الفترة رمزا دون تصريح مما يجعل موضوع الحديث عن دور الستر شاقا وعسيرا على كل باحث في تأريخ الإسماعيلية فإن الشيعة عامة والإسماعيلية بوجه خاص اتخذوا التقية مذهبا من مذاهبهم".
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ١/ ٢٥٥
- أئمة الظهور من عبيد الله المهدي حتى سقوط الدولة الفاطمية (العبيدية)
كان من نتاج الدعوة الإسماعيلية أن قامت لهم دولة واسعة الأطراف امتدت حينا من الزمن توالى عليها وتعاقب عدد من الحكام ابتداء من عام ٢٩٧هـ حتى قضى صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليه على دولتهم نهائيا عام ٥٦٧هـ وعدد حكامها أربعة عشر أولهم المهدي وآخرهم العاضد وبيان ذلك بالتفصيل عن هؤلاء الحكام كالآتي:
١ - عبيد الله المهدي أول أئمة دور الظهور:
يكنى بأبي محمد ويلقب بالمهدي ويعرفه الذهبي بأنه أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض وأبطنوا مذهب الإسماعيلية وبثوا الدعاة يستغوون الجبلية والجهلة وادعى هذا المدبر أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق ...
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ١/ ٢٧٥
٢ - القائم: الإمام الإسماعيلي الثاني (وقام القائم بأمر الله مقام المهدي بعده واقتفى سيرته وآثاره وأحكامه) (١).وعمره يومئذ سبع وأربعون سنة (٢).
٣ - إسماعيل المنصور: الإمام الإسماعيلي الثالثفخلفه من بعده في الزعامة الإسماعيلية ابنه إسماعيل الملقب بالمنصور بعد ما مات ابنه البكر القاسم الذي كان قد نص عليه القائم باستخلافه على الناس لكنه مات في حياة أبيه (فكان يقال بالقيروان: ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة) (٣).
٤ - معد بن إسماعيل المعز الإمام الإسماعيلي الرابعولي بعد المنصور الزعامة الإسماعيلية وبلاد المغرب ابنه معد المكنى بأبي تميم الملقب بالمعز لدين الله سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة (٤).
٥ - العزيز بالله نزاروخلف من بعده ابنه الثالث بعد تميم وعبدالله سنة خمس وستين وثلاثمائه وكان مولده بالمهدية من القيروان ببلاد المغرب سنة أربع وأربعين أو سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة (٥).
٦ - أبو علي المنصور الحاكم بأمر اللهوخلفه بعده ابنه الوحيد أبو علي المنصور البالغ من العمر الحادية عشرة سنة الذي ذكره الذهبي بقوله (الإسماعيلي الزنديق المدعي الربوبية) (٦).
٧ - الظاهر بن الحاكمقامت أخت الحاكم ست الملك بأمور البلاد وعزلت عبد الرحيم بن إلياس من ولاية العقد وأقامت ابنه البالغ من العمر ست عشرة سنة عليا مقامه ولقبته بالظاهر وبويع له بالخلافة يوم عيد النحر سنة إحدى عشرة وأربعمائة وعمره ست عشرة سنة (٧).
٨ - المستنصر أبو تميم معد بن الظاهروولي أبو تميم معد المتلقب بالمستنصر سنة سبع وعشرين وعمره يومئذ سبع سنين وأمه أم ولد كانت أمة سوداء لتاجر يهودي يقال له أبو سعد سهل بن هارون التستري فابتاعها منه الظاهر واستولدها المستنصر فلما أفضت الخلافة إليه استندت أمه أبا سعد ورقته درجة عليا (٨).
٩ - أبو القاسم أحمد بن المستنصر المتلقب بالمستعلي
لما مات المستنصر بادر الأفضل؛ قام الوزير أفضل شاهنشاه وأجلس ابنه الأصغر أحمد على عرض البلاد ولقبه بالمستعلي.
١٠ - أبو علي المنصور المتلقب بالآمر
ولى بعد المستعلي إمامة الإسماعيلية وزعامتها أبو علي المنصور يوم مات أبوه سنة خمس وتسعين وأربعمائة وهو طفل له من العمر خمس سنين وأشهر وأيام
المصدر: الإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير – ص١٢١ - ١٦١
стр. 4059
المبحث الثالث: مراتب الأئمة
أعطى الإسماعيلية الإمامة أهمية كبرى سواء من الناحية الاعتقادية أو الجانب التنظيمي فقد أطلقوا على هذه المراتب أسماء مختلفة وقسموها إلى درجات متعددة فمن الأسماء التي أطلقوها ما يعرف عندهم بالأدوار والأكوار والمراد من ذلك: فترات زمنية معينة يكون في كل منها ناطق –أي نبي- وسبعة أئمة وقد ذكر السجستاني -أحد علمائهم- أن الدور على نوعين:
دور كبير ودور صغير. فالدور الكبير يتعلق بالأنبياء ويطلق عليهم اسم النطقاء وهو الفترة الزمنية التي تكون بين كل نبي ونبي. أما الدور الصغير فهو يتعلق بالأئمة الذين بين كل ناطق وناطق وهو الفترة الزمنية وبين كل إمام وإمام ويتخلل الدور –كما قلنا- سبعة أئمة مستقرين إلا في الفترات التي تحدث لعلل وأسباب (١).ففي الظروف الطارئة والاستثنائية يمكن أن يزاد في عدد الأئمة المستودعين عن سبعة وذلك عندما يقع الستر على الأئمة المستقرين أو تحصل الفترة التي هي بالتعبير اضطرار الإمام المستقر إلى الستر والاحتجاب (٢).
ويحدد الإسماعيلية هذه الأدوار –كما يقول السجستاني- على النحو الآتي:
إن آدم هو الناطق الأول للدور الأول وأساسه الصامت شيث وبعده ستة أئمة.
وبعده نوح صاحب الدور الثاني وأساسه الصامت سام وبعده ستة أئمة.
وبعده إبراهيم صاحب الدور الثالث وأساسه الصامت إسماعيل وبعده ستة أئمة وبعده موسى صاحب الدور الرابع وأساسه هارون وبعده ستة أئمة.
وبعده عيسى صاحب الدور الخامس وأساسه شمعون الصفا ومن بعده ستة أئمة. ومن بعده محمد صاحب الدور السادس وأساسه علي بن أبي طالب ومن بعده أئمة كثيرون حتى القائم الذي هو صاحب الدور السابع وصاحب الكشف والظهور (٣).فالأئمة طبقا لما عرف عند الإسماعيلية بنظرية الدور يحملون صفات من سبقهم من الأنبياء الذي يسمونهم بالنطاق وأول هؤلاء الأئمة بين كل ناطقين يعرف بالأساس وهو كما يقولون الباب إلى علم الناطق في حياته والوصي بعد مماته والإمام لمن هم في زمانه (٤).ويلاحظ في أدوار الأئمة أنها تتم بسبعة وهو إشارة إلى أصل من أصولهم الاعتقادية التي يدينون بها ولذا يطلق عليهم بعض العلماء السبعية لاعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور وهو المراد بالقيامة وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له قط (٥). أما مراتب الأئمة فهي كالتالي:
١ - الإمام المقيم:
وهو الذي يقيم الرسول الناطق ويعلمه ويربيه ويدرجه في مراتب رسالة النطق وينعم عليه بالإمدادات ويطلق عليه أحياناً اسم (رب الوقت) وصاحب القصر وتعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الإمامة وأرفعها وأكثرها دقة وسرية.
٢ - الإمام الأساسي:
وهو الذي يرافق الناطق في كافة مراحل حياته ويكون ساعده الأيمن وأمين سره والقائم بأعمال الرسالة الكبرى والمنفذ للأوامر العليا. فمنه يتسلسل الأئمة المستقرون في الأدوار الزمنية وهو المسؤول عن شؤون الدعوة الباطنية القائمة على الطبقة الخاصة ممن عرف التأويل ووصلوا إلى العلوم الإلهية العليا.
٣ - الإمام المتم:
стр. 4060
وهو الذي يتم أداء الرسالة في نهاية الدور. والدور كما هو معروف أصلاً يقوم به سبعة من الأئمة. فالإمام المتم يكون سابعاً ومتماً لرسالة الدور. وأن قوته تكون معادلة لقوة الأئمة الستة الذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم. ومن جهة ثانية يطلق عليه اسم ناطق الدور أيضاً أي أن وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للأدوار. أما الإمام الذي يأتي بعده فيكون قائماً بدور جديد ومؤسسا لبنيان حديث.
٤ - الإمام المستقر: هو الذي يملك صلاحية توريث الإمام لولده كما أنه صاحب النص على الإمام الذي يأتي بعده ويسمونه أيضاً الإمام بجوهر والمتسلم شؤون الإمامة بعد الناطق مباشرة والقائم بأعباء الإمام أصالة (١).ومما يميز الإمام المستقر من المستودع أن استقرار الإمامة لا تكون إلا بأبناء علي بن أبي طالب روحياً وجسمياً كما أن للمستقر الحق في تفويض الإمامة لأحد دعاته الثقات ليبث الدعاية باسمه بينما هو يبقى بعيداً عن الخطر. ويذكر المستشرق لويس: أنه بموجب هذا المبدأ انتحل بعض الدعاة ألقاب الإمامة ووظائفه فكانوا يدبرون الحركات ويخبرون باتجاه الرأي العام دون أن يتعرض الإمام المستقر لخطر. ومن هذا ما نقرأه في عدة كتب إسماعيلية بأن الإمام أحمد –الذي ينسب له تأليف رسائل إخوان الصفا- أذن للداعي الترمذي أن يظهر بين الناس إماماً ويتقبل الموت بهذه الصفة وذلك للتأكد مما إذا كانت الظروف ملائمة لإظهار أمره (٢).
٥ - الإمام المستودع: هو الذي يتسلم الإمامة في الظروف والأحوال الاستثنائية وفي الفترات المظلمة التي يخيم فيها الظلام على النور –بزعمهم- عند احتجاب الإمام الأصيل فيقوم عندئذ بمهمات الإمامة نيابة عن الإمام المستقر بنفس الصلاحيات. ولكن من الواضح والأكيد أنه لا يستطيع توريث الإمامة لأحد من ولده بل تبقى مستودعه عنده لحين انجلاء الظلمة وعندئذ يعود الحق إلى نصابه والإمامة إلى أصحابها الشرعيين، ومن إطلاقات الإسماعيلية على هذا الإمام المستودع "نائب غيبة" (٣).
إن وضع الأئمة في مراتب على هذا النحو تخطيط مبتدع يخدم أهدافاً وأغراضاً باطنية. فمثلاً فكرة الإمام المستقر والإمام المستودع اتخذها الإسماعيلية وسيلة لتبرير إمامة القداحيين وكأن هناك سلسلة من الأئمة المستقرين من أبناء محمد بن إسماعيل بينما في حقيقة الأمر لا وجود لهؤلاء الأئمة المزعومين حيث مات محمد بن إسماعيل دون عقب –كما أسلفنا- ومن ثم أصبح القداحيون هم الأئمة للإسماعيلية وحتى لا تنكشف هذه الحقيقة ابتدعوا فكرة الاستقرار والاستيداع الإمامي فمرت فترة تاريخية عرفت عند المؤرخين بفترة الاستتار أو دور الأئمة المستورين. وتعتبر هذه نموذجاً عملياً لهذه الفكرة عند الإسماعيلية.
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ١/ ٣٢٣
стр. 4061
المبحث الرابع: درجات دعاتهم ومراتبهم
١ - الإمام: ويعتبر في قمة الدعاة فله رتبة الأمر والسياسة للأمة التي هو بعض منها وعن ذلك يقول تامر: إن رتبة الإمام تمثل القيادة العليا المطلقة فهي أعلى سلطة وأرفعها في الدعوة وهي مصدر كل قانون أو تنظيم أو تشريع (١).وبالغ الإسماعيلية في رتبة الإمام حتى قالوا: إن أهميته تأتي بعد الناطق (أي النبي المرسل) فهو يقوم بتأويل الشرائع ويدرك العلوم الإلهية من حيث لا يتهيأ للواحد إدراكها واستفادتها (٢).
٢ - الباب:
تعتبر هذه المرتبة سرية للغاية حيث لا يعرف شاغلها إلا الإمام نفسه فهي من أرفع مراتب الدعوة بعد رتبة الإمام الدينية مباشرة وقد وصف أحد الدعاة هذه المرتبة بقوله: "وحد الباب هو من حدود الصفوة واللباب فهو أفضل الحدود وهو حد العصمة ولا ينتهي إلى ذلك الآحاد والأفراد".
٣ - داعي الدعاة:
رتبة تلي رتبة الباب أو الحجة –كما يسمونه- ويحدثنا المقريزي عن أوصاف من يلي هذه المرتبة بقوله: إن داعي الدعاة يلي قاضي القضاة ويتزيا بزيه في اللباس وغيره ويشترط فيمن يصل إلى هذه الرتبة أن يكون عالماً بجميع مذاهب أهل البيت يقرأ عليه ويأخذ العهد على من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم وبين يديه من نقباء المعلمين اثنا عشر نقيباً وله نواب في سائر البلاد (٣).
٤ - داعي البلاغ: يعتبر أحد الحدود السبعة المتمين لدور الإمام ورابع الحجج التي بان عنها الباب وهي داعي البلاغ والحجة والباب والإمام (٤).ومن مهمات داعي البلاغ الاحتجاج بالبرهان في إثبات الحدود العلوية ومراتبها في وجوداتها مع تعريف المعاد حسبما هو وارد في معتقدات الباطنية (٥).وهذا بالنسبة للمعتقدات وتأويلها أما النواحي التنظيمية فيعتبر داعي البلاغ مسئولاً عن تبليغ الأوامر التي يرسلها داعي الدعاة إلى الأقاليم وعن سيرتها ووصولها كما عليه تحرير الرسائل وكتابة البلاغات فهو قائم بالبلاغ والإبلاغ لكل شيء في حينه (٦).
٥ - الداعي المطلق: تشير المصادر الباطنية إليه بخطين يتصل أحدهما بالآخر ويكنى عنهما "بالسلم" ويقولون: إن تلك إشارة إلى الداعي المطلق في الجزيرة كلها. وسمي بالسلم تشبيهاً له بسلم نجاة يرتقي به نفوس أهل جزيرته إلى أن تحل في حظيرة القدس بوساطته ووساطة من فوقه من الحدود، وكان ذا خطين موصولين إشارة إلى إنه يقوم لأهل جزيرته مقام الإمام في أوقات الفترات لاستتار دعاة البلاغ والحجج والأبواب باستتار الإمام وهو جائز بالنسبة إلى من دونه من الحدود رتبة التذكير فلم يكن فيهم خطان متصلان غيره (٧).
٦ - الداعي المحدود أو المحصور: ويتعلق به مراسم العبادة العلمية الظاهرة وتعريف الحدود السفلية وأدوارها صغاراً وكباراً ويقابل من الحدود السفلية الفلك الثامن والمسمى "بعطارد" (٨).وتشير بعض المصادر الباطنية إلى الداعي المحصور بالطميس والأبتر. ومعنى ذلك أن الطميس فيه إشارة إلى أن رتبته خفية في الدعوة لا تكاد تعرف عند أكثر أهلها وكونه أبتر إشارة إلى أنه ليس له إقامة حد ولا إطلاقه إذ هو بالنسبة للداعي المطلق كالأنثى فكني عنه بالأبتر والطميس بهذا المعنى (٩).
٧ - الجناح الأيمن:
стр. 4062
٨ - الجناح الأيسر: درجتان من درجات الدعاة وهما ملحقان بصورة دائمة بالداعي المطلق فهما جناحاه يقدمان له الخدمات أثناء جولاته في الأقاليم للدعاية ويطلقون عليهما أحياناً "اليد" أي أنهما يقدمان الخدمات للداعي كما تقدم اليد الخدمات للجسم وهذان لهما مهمتان صعبتان فإن عليهما أن يذهبا مسبقاً إلى البلد التي يقرر الداعي الذهاب إليه فيدرسان أوضاعه السياسية والعلمية والأدبية وحالة ندواته ومدارسه وطبقات أهله وعلمائه وشعرائه ونفسياتهم ونواحي القوة والضعف لديهم وميولهم وأديانهم وما هم عليه من المكانة الاجتماعية وبعد أن يدرسا كل شيء عن البلد يعودان إلى الداعي المطلق ويقدمان له تقريرهما فينتقل إلى البلد المقرر على ضوء تقريرهما بينما ينتقل الجناحان إلى البلد الثاني المقرر زيارته (١).
٩ - الداعي المأذون:
تناول فلاسفة الإسماعيلية هذه الدرجة بالإيضاح ولكنهم اختلفوا حول أقسام المأذونين. فالسجستاني قال إنهم ثلاثة أقسام:
(أ) مأذون مطلق.
(ب) مأذون محدود. (ج) مأذون (٢).
والكرماني اعتبرهم قسمين:
(أ) مأذون مطلق.
(ب) مأذون محدود. وقال عن الأخير أنه هو المكاسر (٣).
١٠ - المكاسر: تعتبر هذه الدرجة من المراكز الظاهرة للدعاة حيث أن من مهامه الأساسية مخالطة الناس بلا تحفظ وترغيبهم إلى عقيدته وفكرته ومن ثم اختيار من يصلح للدعوة والولوج في مراتبهم. ويحدد الكرماني مهام المكاسر بقوله: أن عليه جذب الأنفس المستجيبة (٤).والواقع أن فلاسفة الإسماعيلية قديماً وحديثاً تحدثوا عن هذه الدرجة كثيراً لظهورها وعدم استتار أصحابها (٥).
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ١/ ٣٣٦
стр. 4063
المبحث الخامس: أبرز دعاة الإسماعيلية
إن الإسماعيلية وليدة أفكار وآراء لأشخاص ساهموا في نشأتها وتكوينها وإبرازها من العدم إلى الوجود مبنية على أسس شيعية وقواعد باطنية من الحاقدين الحانقين على الأمة المحمدية وأسلافها وخاصة أصحاب رسول الله ﷺ وعلى رأسهم خلفاؤه الراشدون الثلاثة وأزواجه أمهات المؤمنين ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم وتبعهم على مر الزمان وكر الدهور فحاولوا القضاء على الخلافة الإسلامية والدولة المسلمة آنذاك وإقامة مملكتهم وسلطنتهم على أنقاضها وأشلائها وهدم شريعة الإسلام التي جاء بها محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه شرعية العمل والجد والجهد والجهاد شرعية تأمر أتباعها بإتيان المعروف وتنهاهم عن الفحشاء وتضع عن معتنقيها إصر العمل وأغلال الجهد وثقل التقيد بالأوامر والإرشادات وإطلاق الحريات لهم بكل ما يريدون ويشتهون.
فاشترك الكثيرون الكثيرون لبناء عمارة هذه الديانة وبنيان هذا المذهب كل بقدره وإمكاناته وقوته وطاقته بالكتابة والخطابة والرأي والفكر ووضع القواعد والمعتقدات واختلاف العقائد والآراء.
فمن هذه المجموعة والأفكار تكون المذهب وهؤلاء هم الذين اختلقوه وبنوه ولذلك يرى القارئ والباحث التناقض الظاهر والتعارض البين في مسألة واحدة لدى الإسماعيلية مع ادعائهم أن مذهبهم مأخوذ عن المعصوم الذي لا يخطئ ولا يغلط وقد صدق الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] وعلى ذلك نريد أن نذكر بعض الأشخاص البارزين الذين لهم دور كبير في تكوين هذه النحلة وتأسيس قواعدها وترسيخ أصولها وأسسها ونشر أفكارها ومعتقداتها ........ فمنهم:
أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور هو أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي نسبة إلى بني تميم ويسميه الإسماعيلية القاضي النعمان تهربا من أن يلتبس اسمه باسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت المشهور وقد اختلف في ولادته فيقال إنه ولد سنة ٢٥٩هـ (١). وقيل سنة ٢٩٣هـ (٢). ولد في القيروان كما يذكر الزركلي (٣). في بيئة إسماعيلية من أبوين إسماعليين (٤). لا كما يقوله ابن خلكان بأنه كان مالكيا ثم انتقل إلى الإسماعيلية (٥). ولا اثنا عشريا كما يقوله النوري الطبرسي (٦). ولا حنفيا كما ذكره أبو المحاسن (٧).بل إن أباه كان من دعاة الإسماعيلية (الذين تلقوا البذرة الإسماعيلية الأولى على أيدي الحلواني وأبي سفيان (٨).
نبذة من تعاليم القاضي النعمان
إن من تعاليم القاضي النعمان أنه كان يعتقد بتحريف القرآن الكريم ولقد صرح بهذه العقيدة في كتابه (أساس التأويل).
........... وكان يعتقد بنسخ شريعة محمد ﷺ بمجيء القائم ......
وغير ذلك من العقائد المنحرفة الباطلة فهذه هي بعض عقائد قاضي الإسماعيلية وتعاليمه.
стр. 4064
ولقد انتقل النعمان مع المعز إلى مصر عند انتقاله إليها وشارك في القضاء مع أبي طاهر الذهلي الذي كان على قضاء مصر قبل استيلاء المعز عليها. وكان النعمان من بناة هذا المذهب كما ذكر الفيضي نقلا عن الداعي الإسماعيلي عماد الدين أن النعمان كان مشرعا وإنه كان دعامة من دعائم المذهب الإسماعيلي وأضاف الفيضي الإسماعيلي بأنه فيما أحسبه وصل إلى رتبة الحجة (١).
جعفر بن منصور اليمنومن أهمّ بناة المذهب الإسماعيلي وزعماء الديانة الإسماعيلية وقادتها جعفر (٢) الذي هو ابن الحسن بن فرج بن حسن بن حوشب بن زادان الوفي، الداعي الإسماعيلي المشهور الذي أرسله الإمام الإسماعيلي المستور قبل ظهور ابنه المهدي الإسماعيلي في المغرب.
تعاليمه:
من أهم تعاليمه أنه يعتقد بألوهية الأئمة والحلول والتناسخ والغيبة والرجعة وتكفير الصحابة والطعن في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وتشديد القول فيهم وتكفير كل من لا يؤمن بولاية علي، ونسخ شريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه بقيام القائم ونزول جبريل عليه وجعل العبادات كلها رموز أو إشارات على الباطن، ويغلب على كتاباته الغلو والمبالغة والإغراق، وأيضاً عدم المبالاة والاحتياط والتحفظ غير ما يوجد في كتابات النعمان القاضي لأننا كما قلنا إن كتابات النعمان تعد من الظاهر بينما تعدّ كتابات جعفر من الباطن.
أحمد حميد الدين الكرماني: ومن الدعاة الإسماعيلية الكبار الذي صاغوا دعوتها في قالب الفلسفة، وأصبغوها بصبغة منطقية، وقدّموها إلى الناس في قوالب الأفلاطونية الحديثة، أحمد حميد الدين بن عبدالله الكرماني، ويظهر أنه ولد في كرمان في فارس، وانتقل في بداية حياته إلى البصرة، ومنها كان يتردد على بغداد، وكان يلقي فيها دروسه الباطنية ومحاضراته التأويلية التي جمعت فيما بعد في كتابين (المجالس البغدادية) و (المجالس البصرية) (٣).
المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي
ومن الدعاة المشهورين للإسماعيلية الذين ساهموا في نشر مذهبهم ودينهم بين الناس, وقدموا له الجهود الجبارة, وتحملوا له العناء والمشقة ولعبوا في توسيع نطاقه دورا هاما, هبة الله بن موسى بن داؤد الشيرازي.
أبو يعقوب إسحاق السجستاني
ومن الدعاة المشهورين الذين وضعوا أسس الديانة الإسماعيلية، وأرسخوا قواعدها، وأعطوها صبغة فلسفية أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجستاني أو السجزي وكان يلقب بدندان.
أبو عبدالله النسفيأبو عبدالله النسفي أستاذ السجستاني كان تلميذاً للداعي الإسماعيلي بخراسان الحسين بن علي المروزي، وحاول نشر الدعوة الإسماعيلية في بلاد خراسان وما وراء النهر، واستطاع هذا الداعي الإسماعيلي أن يوقع في فخه وشراكه نصر بن أحمد الساماني، ويحصل منه على تأييده للمهدي الإسماعيلي الذي ظهر في بلاد المغرب آنذاك (٤).
أبو حاتم الرازي
وكان من الدعاة الإسماعيلية القدامى أبو حاتم أحمد بن حمدان بن أحمد الورسامي، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) بقوله:"ذكره أبو الحسن بن بابويه في تاريخ الري، وقال: كان من أهل الفضل والأدب والمعرفة باللغة، وسمع الحديث كثيراً، وله تصانيف، ثم أظهر القول بالإلحاد وصار من الدعاة الإسماعيلية، وأضلّ جماعة من الأكابر، ومات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة" (٥).
المصدر: الإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير – ص ٦٩١ - ٧٢٠
стр. 4065
المبحث السادس: أصول الإسماعيلية
تمهيد
غني عن البيان أن للإسماعيلية أصولا وقواعد واهية ولفقوها وأصبحت معتقداتهم المتعددة وآراءهم المتشعبة ترجع إلى هذه الأصول وترتبط بها ومن خلال الاستقراء والمتابعة لمصادر الإسماعيليين المعتمدة عندهم وصلت إلى أصلين هما الأساس والمرجع لجميع معتقداتهم وآرائهم فعن طريقهما شرعوا وبناء عليهما ابتدعوا وهذان الأصلان هما: الإمامة والتأويل الباطني وتفصيل القول فيهما كالآتي:
أصل الإمامة
تمهيد
تعتبر الإمامة من الأصول التي قام عليها مذهب الشيعة على تعدد فرقهم وتشعبها حيث تعد ركنا أساسيا في مذهبهم تطغى بأهميتها ومنزلتها على جميع المعتقدات والأصول الإيمانية بل هي في نظرهم أهم وأعظم من أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة المتفق عليها بين المسلمين ومما نقل الشهرستاني عن الشيعة جميعا قولهم: إن الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل إغفالها وإهمالها ولا تفويضها إلى العامة وإرسالها (١).
ومع انحراف الشيعة الاثنى عشرية وغلوهم في أصل الإمامة واعتقاداتهم في الأئمة فإن الشيعة الإسماعيلية أشد غلوا وتطرفا وأعظم انحرافا في هذا الأصل
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٤١٣
تعريف الإمامةـ تعريف الإمامة عندهم: هي كما يقول الشيرازي – اعتقاد وصاية علي بن أبي طالب وإمامة الأئمة المنصوص عليهم من ذريته ووجوب طاعته وطاعة الأئمة (٢).
ـ أهمية الإمامة: إن الدارس لكتب الإسماعيلية يرى الإصرار العجيب حول هذا الأصل وتضخيمه حتى يطغى على جميع المعتقدات والآراء فهو محور أساسي تدور عليه كل عقائد الإسماعيلية فعندهم أن الإمامة أحد أركان الدين بل هي الإيمان بعينه وعن ذلك يقول أحد دعاتهم أن الإمامة أحد أركان الدين بل هي الإيمان بعينه وهي أفضل الدعائم وأقواها لا يقوم الدين إلا بها كالدائرة التي تدور عليها الفرائض لا تصح إلا بوجودها (٣).
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٤١٤
ـ تفضيل الإمامة على النبوة
بلغ الغلو في أصل الإمامة عند الإسماعيليين أقصاه حيث اعتبروا رتبتها أعظم قدرا وأفضل منزلة من النبوة والرسالة فأطلقوا على النبوة والرسالة رتبة (الاستيداع) وأطلقوا على الإمامة والوصاية رتبة (الاستقرار) ولا شك بأفضلية الرتبة الثانية على الأولى حسب أصول الإسماعيلية وقواعدها
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٤١٧
ـ استمرار الإمامة أو تسلسلها:
إن هذا المعتقد ضمن أصل الإمامة مما يختلف فيه الإسماعيليون عن الإماميين الاثنى عشرية ذلك أن الفرقة الثانية وإن كانوا يسلسلون الإمامة إلى الإمام الثاني عشر فإنه يعتبر آخر الأئمة وليس لديهم من ذلك الوقت إمام إلى الآن طمعا في خروجه من السرداب
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان بن عبد الله السلومي – ٢/ ٤١٨