"يقول ديوان محمد ياسين - وكان من خدام الشيخ النانوتوي رحمة الله عليه- كنت مشغولاً بالذكر تحت القبة الشمالية في مسجد "جهته" وكان الشيخ النانوتوي رحمة الله عليه، مراقباً في صحن المسجد في الجهة الشمالية نفسها، وكان متوجهاً إلى قلبي، إذ طرأت عليّ حالة خاصة، ورأيت وأنا في حالة الذكر، أن غاب سقف المسجد وقبته، مع بقاء جدرانه، وأن نوراً عظيماً في الفضاء ممتد إلى السماء، إذ رأيت عرشاً ينزل من السماء، وعليه الرسول ﷺ ، والخلفاء الأربعة على الزوايا الأربعة، نزل العرش حتى استقر قريباً مني في المسجد، فقال الرسول ﷺ لأحد خلفاءه: اذهب وأت بالشيخ محمد قاسم، فذهب وأتى به، فطلب الرسول ﷺ من الشيخ محمد قاسم حساب المدرسة، فقدم الشيخ حساب المدرسة بكل دقة، ففرح الرسول ﷺ بهذا فرحاً شديداً وأذن له بالذهاب، ثم صعد العرش إلى السماء وغاب عن الأنظار".
ثم يقول الشيخ التانوي معلقاً على هذه القصة:
"إن هذه الواقعة كانت نوعاً من الكشف، والذي يحتمل أن يكون قد حصل بتوجه الشيخ، ولعل تعبير هذه الواقعة هو أن يرى صاحبها ما رأى فيها من تدقيقه ﷺ لحساب المدرسة حتى يطمئن الذين كان في قلوبهم شك حول ذلك، وأما المعاندون فمن دأبهم التشكيك حتى في الوحي".
ويقول الشيخ عاشق إلهي الميرتي في تذكرة حياة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ما معناه:
"إن رجلاً بايع الشيخ (رشيد أحمد الكنكوهي) عن طريق الرسالة واشتغل بالذكر، وخلال أيام حصل له اللقاء مع أرواح الأنبياء الطيبة ﵈ وبالتدرج بدأ يشعر كأن سائر أعضاء جسده حتى عروقه وشعراته مرتبطة بتلك الأرواح، إذ طرأ عليه حال السكر، التي انكشفت له فيها المغيبات، وتشرف بحراسة مجلس الرسول ﷺ ".
هذا، وقد ذكر الخواجه عزيز الحسن المجذوب في تذكرة حياة الشيخ أشرف علي التانوي ما معناه:
"كان في مدينة "كانفور" درويشاً شهيراً ومعتمداً عليه، يدعى بـ"حضرت شاه غلام رسول"، ويلقب بـ"رسول نما"، لأنه بتصرفه كان يزور بالناس لرسول ﷺ وفي اليقظة".
والقصص في هذا الموضوع كثيرة، رواها علماء ديوبند عن كبارهم ومشايخهم، ومن أراد المزيد فعليه أن يراجع كتبهم ومؤلفاتهم، مثلاً "شمائم إمدادية" و"أرواح ثلاثة" وغيرهما.
стр. 3992
ثم إن الشيخ أنور شاه الكشميري قد فصّل في هذا الموضوع، وصرح بإمكان رؤيته ﷺ في اليقظة، وأنها رؤية متحققة، وإنكارها جهل، وجاء لذلك بروايات وحكايات وتأويلات غريبة، وفيما يلي النص بكامله:"ثم التحقيق أن رؤيته ﷺ لا يتعين في رؤية عين الذات المباركة فإن الأحوال في رؤية الشخص مختلفة فربما نرى شخصاً من الأحياء ولا يكون له علم برؤيتنا ولو كان في المنام عين ما في الخارج لكان عنده شعور بها، فالمرئي إذا والله تعالى أعلم قد يكون صورة مخلوقة لله تعالى على مثال تلك الصورة أي أنه تعالى يخلق حقيقة على مثال صورته وروحانيته أرانا إياها وأوقع في نفسنا مخاطبتها إياها، وقد تكون روحه المباركة بنفسها مع البدن الثاني. ثم قد تكون يقظة أيضاً كما أنها قد تكون مناماً، ويمكن عندي رؤيته ﷺ يقظة لمن رزقه الله سبحانه كما نقل عن السيوطي رحمه الله تعالى (وكان زاهداً متشدداً في الكلام على بعض معاصريه ممن له شأن) أنه رآه ﷺ اثنين وعشرين مرة وسأله عن أحاديث ثم صححها بعد تصحيحه ﷺ ، وكتب إليه الشاذلي يستشفع به ببعض حاجته إلى سلطان الوقت وكان يوقرّه فأبى السيوطي رحمه الله تعالى أن يشفع له وقال إني لا أفعل وذلك لأن فيه ضرر نفسي وضرر الأمة لأني زرته ﷺ غير مرة ولا أعرف في نفسي أمراً غير أني لا أذهب إلى باب الملوك فلو فعلت أمكن أن أحرم من زيارته المباركة فأنا أرضى بضررك اليسير من ضرر الأمة الكثير. والشعراني رحمه الله تعالى أيضاً كتب أنه رآه ﷺ وقرأ عليه البخاري في ثمانية رفقة معه ثم سماهم وكان واحد منهم حنفياً وكتب الدعاء الذي قرأه عند ختمه. فالرؤية يقظة متحققة وإنكارها جهل. ثم عند مسلم في لفظ آخر ((فسيراني في اليقظة)) (١) ولعله حديث آخر ومضمون آخر يقتصر على حياته ﷺ وفيه تبشير بالصحابية لمن كان رآه في المنام ولكن الراوي شك فيه وقال أو فكأنما رآني، فوقع التردد في أنهما حديثان أو واحد. ونقل العيني رحمه الله تعالى فيه زيادة أخرى "فإني أرى في كل صورة" وهي تضر الطائفة الأولى فإنها تشعر بالتعميم وأن لا تخصيص بحلية دون حلية. أقول وظاهر حديث البخاري يومئذ الطائفة الأولى سيما إذا كان من لفظه ((فإن الشيطان لا يتكونني)) (٢)، وحينئذ صرف هذه الزيادة عن ظاهرها أولى فإنها لا توازي حديث البخاري وشرحها عندي دفع استبعاد: وهو أن النبي ﷺ إذا كان في المنام هو ولم يتمكن الشيطان من تمثله فكيف تكون رؤيته في زمان واحد لأشخاص عديدة في أمكنة كذلك، والجواب أنه ممكن لأنه يرى في كل صورة أما أن تكل صورة مثالية أو عينه ﷺ فهو تابع لمنامه قد تكون كذا وقد تكون كذا.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٢٣٣ - ٢٣٨
стр. 3993
الفصل الرابع: موقفهم من أهل السنة
قد بالغت الديوبندية وأفرطت في نصب العداء لأهل التوحيد الذين يسمونهم (الوهابية) ولهم في شتمهم وسبهم عجائب يستحي منها من عنده حياء، ولا يرتكب مثل هذه الأفعال إلا من لا يخاف الله رب العالمين. وقد تقدم نماذج من ذلك.
ولذا أتمثل قول الشاعر:
عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقى وما راقب الرحمن يوماً وما اتقى
المثال الثالث: أنه قد ألف الشيخ خليل أحمد السهارنوفوري (١٣٤٦هـ) كتابه المعروف (المهند على المفند) والشيخ حسين أحمد المدني (١٣٧٧) كتابه المشهور (الشهاب الثاقب) وكلاهما في البراءة من عقائد أهل التوحيد الذين يسمونهم (الوهابية).
وهما من أعظم أكابر الأئمة الديوبندية، وهذان الكتابان مكتظان بالخرافات القبورية والخزعبلات الصوفية، وكلاهما من أقدس كتب الديوبندية المعول عليها، ولا سيما (المهند على المفند) باللغة العربية، وقد ترجم قريباً إلى اللغة الأردية، وطبعت الترجمة مع الأصل، وسميت الترجمة (ماضي الشفرتين على خادع أهل الحرمين) وكم أضلت هذه الترجمة من خلائق لا يحصون.
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٧٧٥
عداوتهم الرهيبة للإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله تعالى خاصة والسلفيين عامة ويذكرونهم حسب عادة أهل الأغراض والأمراض بلقب الوهابية ثم يقولون الوهابية الخبيثة الخبثاء وينبزونهم بالفرقة الزائغة ويرمونهم بالتشكيكات والتلبيسات والجهل والضلال وأن ابن القيم هو الأب لهذه الفرقة ويقولون إن محمد بن عبد الوهاب والوهابية من الخوارج واستباحوا قتل أهل السنة ويستحلون دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ويقولون: فأيم الله لم نر طائفة يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية إلا هذه الطائفة المنكرة لتقليد السلف الذامة لأهلها ويقولون كان محمد بن عبد الوهاب رجلا بليدا قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر وقالوا إن محمد بن عبد الوهاب كان يحمل خيالات باطلة وعقائد فاسدة حارب أهل السنة وقتلهم واغتنم أموالهم وكان يسيء الأدب في حق السلف الصالحين ولذلك يبغضه العرب بغضا أشد من بغضهم لليهود والنصارى والمجوس الحاصل أنه كان ظالما باغيا سفاكا فاسقا.
أقول إنا لله وإنا إليه راجعون سبحانك هذا بهتان عظيم
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني- ٣/ ٣١٢،٣١٤
المثال السابع: أنه قد ظهر كتاب جديد بعنوان (إمام الزنادقة ابن تيمية) لمجموعة من علماء الديوبندية في مناطق بشاور وردان وسوات ودير من مناطق باكستان.
وفي هذا الكتاب عجب العجاب من الوثنيات والشتائم والسباب.
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٧٧٧
المثال الثامن: أنه من ذا الذي لم يعرف الكوثري؟ فالكوثري إمام القبورية والجهمية وشيخ عصبة التعصب في آن واحد، وشتائمه لأئمة السنة وولوغه في علماء الأمة، ولا سيما ابن تيمية (٧٢٨هـ) وابن القيم (٧٥١هـ) ومجدد الدعوة الهمام (١٢٠٦هـ) مما لا يخفى على من يهتم بالتوحيد ويعرف البدعة وأهلها.
ومن أخبث كتب الكوثري على الإطلاق كتب ثلاثة (تبديد الظلام) (الرد على النونية) و (المقالات) وهذه الكتب كلها معظمة عند الديوبندية.
وإن كنت في شك من ذلك فعليك بمقدمة البنوري الكوثري أحد أئمة الديوبندية (١٣٩٧هـ) التي كتبها في إجلال هذه الكتب الثلاثة وفي الكتابين الأولين عجائب من الوثنيات السافرة والقبوريات الماكرة الفاجرة.
الحاصل: أن للكوثري موقعاً عظيماً في قلوب الديوبندية ومن الإعظام له ولكتبه ومقالاته الوثنية الجهمية والإجلال مالا يخطر بالبال
стр. 3994
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٧٧٧، ٧٧٨
المثال العاشر: أن الشيخ غلام الله الديوبندي الباكستاني (١٩٨٠م) ﵀ قد ألف كتاباً في التفسير سماه (جواهر القرآن) أجاد فيه الرد على القبورية وبين وثنيتهم فجزاه الله عن التوحيد وأهله خير الجزاء.
ولما كان شاذًّا عن عقائد الديوبندية عند جمهور الديوبندية تصدى له الشيخ عبد الشكور المذكور وكيل الديوبندية فألف في الرد عليه كتاباً سماه (هداية الحيران في جواهر القرآن) حقق فيه أنه قد شذ عن الديوبندية وخرج على عقائدهم. وكتابه (هداية الحيران) أيضاً دعوة إلى القبورية، وقد شحن فيه نصوصاً من كتب كبار أعلام الديوبندية لمناصرته والرد على مؤلف جواهر القرآن.
المثال الحادي عشر: أن الشيخ محمد طاهر بن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٤٠٧هـ) من معاصري الديوبندية الباكستانية رحمه الله تعالى قد وفقه الله تعالى لمطالعة كتب أئمة الإسلام ولا سيما شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) وابن القيم الهمام (٧٥١هـ) ومجدد الدعوة الإمام (١٢٠٦هـ) فتجرد للرد على القبورية وشن الغارة عليهم فنفع الله به خلقاً كثيراً، وانتشر تلاميذه في مناطق بشاور والقبائل الحرة وأفغانستان (مع ما عنده من العقائد الماتريدية والأفكار الصوفية النقشبندية وطامات الديوبندية والتعصب للمذهب الحنفي كالكوثري) ولكن الديوبندية عارضوه وصاروا ضده وعليه يداً واحدة ورموه عن قوس واحدة وحاربوه وشنوا عليه الغارات زعماً منهم أنه شذ عن جماعة الديوبندية والتحق بالوهابية.
قلت: كان ﵀ حنفيا متعصباً ماتريديا جلداً نقشبنديا صوفيا بحتاً، ولكن كان ذنبه عند الديوبندية أنه كان حرباً شعواء على القبورية فرحمه الله رحمة واسعة إيانا، وسامحه وغفر لنا وله.
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٧٧٩،٧٨٠
إجلال الديوبندية للملاحدة الزنادقة الوجودية الإلحادية الاتحادية الحلولية من الصوفية القبورية الوثنية.
فقد قال الشيخ حسن أحمد صدر المدرسين بدار العلوم ديوبند وأحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٧٧هـ) في المقارنة بين أهل التوحيد الذين يسمونهم الوهابية وبين الديوبندية:
(إن الوهابية يطعنون في أئمة الطريقة أمثال الخواجة بهاء الدين نقشبند، والخواجة معين الدين الجشتي، وغوث الثقلين عبد القاهر الجيلاني، والشيخ عبد الوهاب الشعراني، وغيرهم قدس الله أسرارهم أجمعين، ويسيئون الأدب في حقهم.
لكن أئمة الديوبندية يحبون هؤلاء ويعظمونهم، ويرون أن التوسل بمحبتهم وتعظيمهم مفيد إلى الغاية القصوى وباعث للبركات وموجب لرضا الله .
الحاصل: أنه لا علاقة لعقائد الوهابية بأكابر الديوبندية)
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٨٠٣
سئل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري:
"قد كان محمد بن عبد الوهاب النجدي يستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وكان ينسب الناس كلهم إلى الشرك ويسب السلف، فكيف ترون ذلك، وهل تجوّزون تكفير السلف والمسلمين وأهل القبلة أم كيف مشربكم؟ ".
وأجاب عليه السهارنفوري قائلاً:
стр. 3995
"الحكم عندنا فيهم ما قال صاحب الدر المختار، خوارج هم قوم لهم منعة خرجوا عليه بتأويل، يرون أنه على باطل كفراً ومعصية، توجب قتاله، بتأويلهم يستحلون دماءنا وأموالنا ويسبون نساءنا إلى أن قال وحكمهم حكم البغاة، ثم قال: وإنما لم نكفرهم لكونه عن تأويل وإن كان باطلاً، وقال الشامي في حاشيته، كما وقع في زماننا في أتباع عبدالوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم، حتى كسر الله شوكتهم. ثم أقول ليس هو ولا أحد من أتباعه وشيعته من مشائخنا في سلسلة من سلاسل العلم من الفقه والحديث والتفسير والتصوف، وأما استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فإما أن يكون بغير حق أو بحق، فإن كان بغير حق فإما أن يكون من غير تأويل فكفر وخروج عن الإسلام، وإن كان بتأويل لا يسوغ في الشرع ففسق، أما إن كان بحق فجائز بل واجب. وأما تكفير السلف من المسلمين فحاشا أن نكفر أحداً منهم، بل هو عندنا رفض وابتداع في الدين؛ وتكفير أهل القبلة من المبتدعين فلا نكفرهم ما لم ينكروا حكماً ضرورياً من ضروريات الدين، فإذا ثبت إنكار أمر ضروري من الدين نكفرهم ونحتاط فيه، وهذا دأبنا ودأب مشايخنا، رحمهم الله تعالى".
وقال في موضع آخر:
"إن أحمد رضا خان البريلوي يكفر علماء الأمة كما كفّرهم الوهابية أتباع محمد بن عبدالوهاب، خذله الله تعالى كما خذلهم".
وقال الشيخ أنور شاه الكشميري:
"أما محمد بن عبدالوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر،، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه".وقال الشيخ محمد التانوي في تعليقه على سنن النسائي في شرح حديث أبي سعيد الخدري عن ظهور الخوارج، والذي جاء فيه: فقال رسول الله ﷺ : ((إن من ضئضئي هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (١) الحديث.
فقال الشيخ التانوي- شرحاً لهذا الحديث- ما يلي نصه:
" ... ثم ليعلم أن الذين يدينون دين ابن عبد الوهاب النجدي ويسلكون مسالكه في الأصول والفروع، ويدعون في بلادنا باسم الوهابيين وغير المقلدين، ويزعمون أن تقليد أحد الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم شرك، وأن من خالفهم هم المشركون، ويستبيحون قتلنا أهل السنة وسبي نسائنا، وغير ذلك من العقائد الشنيعة التي وصلت إلينا منهم بواسطة الثقات وسمعناها بعضاً منهم أيضاً، هم فرقة من الخوارج، وقد صرح به العلامة الشامي في كتابه (رد المحتار) عند قول صاحب "الدر المختار": ويكفرون أصحاب نبينا ﷺ ، في كتاب البغاة، حيث قال: قد علمت أن هذا غير شرط في مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي ﵁، وإلا فيكفي فيهم اعتقاد كفر من خرجوا عليه، كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم، حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف".
وقال الشيخ حسين أحمد المدني:
стр. 3996
"إن محمد بن عبد الوهاب النجدي ظهر في بداية القرن الثالث عشر من نجد العرب، وبما أنه كان يحمل معه أفكاراً باطلة وعقائد فاسدة فقتل وقاتل أهل السنة والجماعة، وما زال يكرههم على معتقداته ويستحل أموالهم، وعدّ قتلهم موجباً للأجر والرحمة، وآذى أهل الحجاز وبخاصة سكان الحرمين إيذاء شديداً، كما تفوه في شأن السلف الصالح وأتباعهم بكلمات هي في غاية الشناعة والوقاحة، حتى اضطر الكثير منهم إلى مغادرة مكة والمدينة فراراً من إيذائه، واستشهد على يده وأيدي جيوشه آلاف من الرجال المسلمين. والحاصل أنه كان رجلاً ظالماً عاصياً فاسقاً سفاكاً، ومن أجل ذلك مازالت للعرب ولا تزال عداوة قلبية معه ومع أتباعه بحيث لا يبغضون اليهود ولا النصارى ولا الهندوس كما يبغضون الوهابيين".
وزاد قائلاً:
"وكان محمد بن عبد الوهاب يعتقد بأن كافة أهل العالم وجميع مسلمي بلاد العرب كافرون ومشركون، وأن قتلهم وقتالهم ونهب أموالهم جائز بل واجب".
هذا، وقد وجّه إليه الشيخ رياض أحمد القاسمي- من سكان مدينة لاهور- أسئلة، أولها ما يلي:
"هل كتاب (الشهاب الثاقب على المسترق الكاذب) ضد الوهابية والبريلوية من مؤلفاتك؟ ".
وأجاب الشيخ المدني عن هذا السؤال قائلاً:
"إن كتاب (الشهاب الثاقب على المسترق الكاذب) من مؤلفاتي، وهو أول كتاب صنفته رداً على مولانا أحمد رضا خان البريلوي، وأوردت فيه ذكر الوهابية تبعاً، وغرضي بذلك هو إظهار أن علماءنا ليسوا على الإفراط ولا على التفريط، وإنما يسلكون مسلكاً وسطاً، وأن أهل السنة والجماعة هم الأتباع الصادقون للأسلاف الكرام".
والسؤال الثاني الذي وجهه السائل إلى المدني هو ما يلي:
"هل اليوم أيضاً أنت على نفس الموقف الذي أبديته في ذلك الكتاب أم رجعت عنه؟ وهل ترى المرحوم محمد بن عبدالوهاب خارجياً أم عالماً متبعاً للسنة؟ كما ذكره شيخك مولانا رشيد أحمد الكنكوهي - رحمة الله عليه- في فتاواه ... ".
فأجاب عنه الشيخ المدني قائلاً:
"نعم، اليوم أيضاً أنا على نفس الموقف الذي ذكرته في ذلك الكتاب (الشهاب الثاقب) وهو موقف أسلافي الكرام، ولست أنا أول من كتبت ذلك في محمد بن عبدالوهاب وجماعته، بل وقد صرح به العلامة الشامي ﵀ على صفحة (٣٣٩) من الجزء الثالث من كتابه (رد المحتار حاشية الدر المختار)، وهو كتاب يستند إليه ويفتى به في الفقه الحنفي.
ولما كان صاحب (رد المحتار) العلامة الشامي ﵀ من سكان تلك المنطقة ومن معاصري ذلك الزمن، وكان قد سافر حاجاً إلى مكة المعظمة أيام سيطرة جماعة محمد بن عبد الوهاب على الحجاز عام ١٢٣٣هـ، كما صرح بذلك على صفحة (٦٧٤) من الجزء الأول من كتابه، فهو أعلم بأحوال محمد بن عبد الوهاب وجماعته أكثر ممن كان بعيداً منهم أو متأخراً عن عصرهم؛ وأما مولانا الكنكوهي - قدس سره العزيز- فإنه من أبعد المتأخرين عنهم ومن سكان الهند، فليس له إلمام تام بأحوال هذه الجماعة. كما صرح بذلك على صفحة (٦٤) من فتاواه المعروفة بفتاوى رشيدية.
وأما ما كتب على صفحة (٨) من فتاواه في تحسين محمد بن عبد الوهاب وجماعته، فإن مداره على الأقوال المسموعة الشائعة فقط. وقد كان مولانا الكنكوهي يعتمد كثيراً على كتاب الشامي هذا، بل ومعظم فتاواه مأخوذة منه".
كما أن هناك مكتوب آخر للشيخ المدني، صرح فيه بأن أتباع محمد بن عبد الوهاب أراقوا دماء المسلمين أنهاراً في الحرمين الشريفين خلال فترة ١٢٢٠هـ-١٢٣٣هـ؛ حيث قال تعليقاً على تعليمات الأستاذ المودودي وأنها جاءت بنتائج سيئة:
стр. 3997
"ألم يكن من نتائج مثل هذه التعليمات، ما ظهر من الخوارج في النهروان وغيرها من سفك دماء المسلمين، وأتباع عليّ ومعاوية ﵄، وما أحدثه أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي من سفك دماء المسلمين أنهاراً في الحجاز، مكة المعظمة والمدينة المنورة خلال فترة ١٢٢٠ - ١٢٣٣هـ. ففي رد المحتار حاشية الدر المختار الشامي (٣ - ٣٣٩): كما وقع في زماننا من أتباع محمد بن عبدالوهاب الذين خرجوا من نجد (وتغلبوا على الحرمين) وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم، حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف" أهـ.
وما ظهر من "الغطغط" و"الدخنة" في صورة قتل المسلمين ونهب أموالهم أيام سيطرة ابن سعود، حتى عجز ابن سعود من هذه القبائل وقوض قواتهم، فكان كل ذلك نتائج لمثل هذه التعليمات التي يقوم بها اليوم أتباع الأستاذ المودودي".
نماذج أخرى من طعونات المدني:
ومن افتراءات الشيخ المدني وطعوناته في إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأتباعه ما يلي:
قال الشيخ المدني وهو يقارن بين علمائه وبين أتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ما معناه:
"إن الشيخ الكنكوهي- قدس الله سره العزيز- وأتباعه يسلكون مسلك الاحتياط الشديد في تكفير المسلمين ويتحمسون لأتباع السلف الصالح، بخلاف الوهابية، حيث أنهم يكفرون المسلمين بأدنى شبهة وهمية، ويستحلون أموالهم وغيرها".
وقال:
"إن هؤلاء- علماء ديوبند- يثبتون شفاعة الرسول المقبول ﵇، بخلاف الوهابية، فإنهم يأتون في هذه المسألة بآلاف التأويلات، وبحيث يصلون قريباً من منزلة إنكار الشفاعة".
هذا، وقد فصّل المدني كلامه في بيان تعظيم علمائه وأكابره للحرمين الشريفين، وحبهم النبي ﷺ ، وأتباعهم لآثاره وسننه، ثم قال في كلمات صريحة بأن الوهابية ليسوا كعلماء ديوبند في جميع هذه الأمور المذكورة، ولا يعتقدون مثل اعتقادهم، بل يسيئون إلى شخصية الرسول ﷺ ولا يعظمونه ولا يحترمون الحرمين الشريفين، وتوطيداً لدعواه فقد نقل المدني أبياتاً لعلمائه تتعلق بحب الرسول ﷺ ، ثم قارن بينهم وبين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ قائلاً:
"أهذه هي حال الوهابية الخبثاء؟ أمثل هذه الكلمات تخرج من ألسنتهم النتنة؟ أمثل هذه العبارات الخلابة تصدر من أقلامهم النجسة؟ كلا، إن هؤلاء الخبثاء يرون مثل هذا الكلام شركاً، ويعدون هذا الموضوع - أي موضوع مدح الرسول ﷺ نوعاً من أنواع الخرافات".
ملحوظة:
لقد حاول بعض علماء ديوبند في العصر المتأخر أن يبرؤوا علماءهم عما كتبوه في الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وأن يثبتوا رجوعهم عن كل ذلك، ولكنه وللأسف الشديد أن جميع هذه المحاولات غير أمينة، فإنها دعايات لا تتجاوز القول بالأفواه، بل مجرد لبس يهدف إلى أغراض وغايات، فإنهم يتظاهرون بها في مكان دون آخر، وبين شخصيات دون أخرى، فالكتب التي أفردوها بالتأليف رداً على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، والتي تحتوي على الافتراءات والمطاعن والأقاويل المكذوبة على الدعوة وأتباعها، كلها مازالت مروجة عندهم طبعاً ونشراً وتصديراً، تحظى بالإعجاب والقبول لدى علمائهم وعامتها. ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في شبه القارة الهندية).
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٢٤٧ - ٢٥٩
стр. 3998
المبحث الأول: وجوب التقليد
غلو الديوبندية في التقليد الأعمى إلى حد اعترفوا بأن الحق في مسألة كذا مذهب الشافعي. ولكننا مقلدون يجب علينا تقليد إمامنا أبي حنيفة.
وقالوا: المتنقل من مذهب إلى مذهب يستوجب التعزير ولو باجتهاد وبرهان.
قلت: وهذا الغلو في التقليد هو في الحقيقة نوع من أنواع الشرك إذ هو من اتخاذ الأئمة أرباباً من دون الله. وهذا النوع من الطاعة المطلقة لغير الله شرك بالله
ومن هذا القبيل عدم تجويز إمام الفنجفيرية الانتقال من مذهب إلى آخر
المصدر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني-٢/ ٨٠٤
إن العلامة المحدث الفقيه خليل أحمد السهارنفوري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٤٦هـ) ومؤلف (بذل المجهود شرح سنن أبي داود) قد ألف كتابا يعد أهم كتب الديوبندية في العقيدة على الإطلاق وعليه توقيعات وتقريظات لخمسة وستين عالما من كبار العلماء الديوبندية وغيرهم والكتاب مطبوع بعنوان (المهند على المفند) باللغة العربية وقد ترجم قريبا إلى اللغة الأردية أيضا .... ومما قال في هذا الكتاب إنا بحمد الله ومشايخنا وجميع طوائفنا مقلدون للإمام أبي حنيفة في الفروع
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني- ٣/ ٣٠٤
الجامعة الإسلامية الشهيرة "دار العلوم" .... كان الهدف الأساسي من إنشاء هذه الجامعة هو تأييد المذهب الحنفي ونشره وإخضاع السنة النبوية وتطويعها للفقه الحنفي، وهذه حقيقة لا مبالغة فيها، وقد اعترف بها عدد من كبار علمائهم، كما ذكر المفتي الشيخ محمد شفيع أنه ذات يوم دخل على شيخه العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري في حجرته قبيل صلاة الفجر، فسمعه يقول ويردد هذه الفقرة: "يا للأسف قد ضيّعت حياتي كلها".
فلما سمع الشيخ محمد شفيع شيخه الكشميري يردد هذه الفقرة عدة مرات قال له: يا شيخنا! لقد قضيت حياتك كلها في تدريس القرآن والحديث، فإذا كانت هذه المهنة تضييعاً للحياة فما رأيك في أولئك الذين انشغلوا بهذه المهنة؟
فأجاب عليه الشيخ الكشميري بقوله:
"إن الإسلام مهجوم عليه في جميع أنحاء العالم، ونحن مشغولون بتأييد الإمام أبي حنيفة وتوثيقه، وردِّ العلماء المخالفين له ونقدهم، بدلاً من أن نواجه الهجمات الحقيقية ضد الإسلام، فما هذا إن لمن يكن تضييعاً للحياة؟ "
[ويقول الشيخ عبد الشكور الحنفي في مقال له بعنوان "بركات ديوبند" وهو يتبرأ من الوهابية ويشكو ممن يسمون الديوبندية بالوهابية أو النجدية، ما معناه:]
"لقد رفع الحساد المتأخرون أصواتهم (ضد علماء ديوبند) إلى حد إمكانياتهم، فرموهم بأنهم وهابيون نجديون، وأمطروا عليهم قنابل فتوى الكفر، وحاولوا استئصالهم ما بين دار الكفر إلى دار الإسلام، ولكنهم في عاقبة الأمر فشلوا كما فشلت الفتنة اللهابية في عصر النبوة - على صاحبها الصلاة والسلام -، إلى أن قال: إن المدرسة العالية بديوبند بركاتها هي نفس بركات أسرة ولي الله الدهلوي علماً وعملاً وصدقاً وإخلاصاً، وأما من أراد أن يقول شيئاً في علمائنا حسداً من عند نفسه فليقل في بيته ما شاء أن يقول وهابياً أو نجدياً أو ملحداً أو كافراً أو مرتداً، ولكن الحقيقة أن مدرسة ديوبند هي المدرسة الوحيدة التي تحمل راية خدمة الإسلام الصحيح وتأييد المذهب الحنفي الخالص".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢١ - ٢٣
سئل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري:
"هل يصح لرجل يقلد أحداً من الأئمة الأربعة في جميع الأصول والفروع أم لا، وعلى تقدير الصحة هل هو مستحب أم واجب، ومن تقلدون من الأئمة فروعاً وأصولاً؟ "
فأجاب عليه بقوله:
стр. 3999
"لابد للرجل في هذا الزمان أن يقلد أحداً من الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم بل يجب، فإنا جربنا كثيراً ممن ترك تقليد الأئمة واتبع رأي نفسه وهواها فسقط في حفرة الإلحاد والزندقة، أعاذنا الله منه، ولأجل ذلك نحن ومشائخنا مقلدون في الأصول والفروع لإمام المسلمين أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، أماتنا الله عليه وحشرنا في زمرته، ولمشايخنا في ذلك تصانيف عديدة شاعت واشتهرت في الآفاق".
وقال الشيخ حسن أحمد المدني وهو يذكر الفرق الشاسع بين أكابر ومشايخ ديوبند وبين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
"إن الوهابية يرون تقليد إمام معين شركاً في الرسالة. ويذكرون الأئمة الأربعة ومقلديهم بكلمات واهية خبيثة، ومن أجل ذلك يخالفون أهل السنة والجماعة، وغير المقلدين بالهند أتباع لهذه الطائفة الشنيعة وإن وهابية نجد العرب مع ادعائهم أنهم حنابلة، إلا أنهم لا يعملون بمذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه- في جميع المسائل، بل يتركون الفقه الحنبلي إذا عارضه حديث على فهمهم، وهم أيضاً متعودون على استخدام الكلمات البذيئة والسيئة في أكابر الأمة، مثل إخوانهم غير المقلدين، وأما أكابرنا فهم مخالفون لهذه الطائفة في جميع هذه الأمور، فهم مقلدون للإمام الأعظم أبي حنيفة رحمة الله عليه، في الأصول والفروع، ويرون وجوب تقليد إمام من الأئمة الأربعة كما فصّل في ذلك الشيخ النانوتوي في كتابه (لطائف قاسمية) والشيخ الكنكوهي في (سبيل الرشاد)، بل أن الشيخ الكنكوهي ألف رسالة مستقلة في وجوب التقليد الشخصي، حيث أنه قد ألف عدة رسائل في الرد على الوهابية ... ".
وقال الشيخ محمود الحسن الديوبندي الملقب بشيخ الهند (١٣٣٩هـ) وهو يوجب تقليد الإمام أبي حنيفة، حتى ولو كان رأيه مخالفاً للحق الصريح، حيث قال:
"فالحاصل: أن مسألة الخيار من مهمات المسائل، وخالف أبو حنيفة فيه الجمهور وكثيراً من الناس المتقدمين والمتأخرين، وصنفوا رسائل في ترديد مذهبه في هذه المسألة، ورجّح مولانا الشاه ولي الله المحدث الدهلوي قدس سره في رسالته مذهب الشافعي من جهة الأحاديث والنصوص، وكذلك قال شيخنا مدّ ظله بترجيح مذهبه، وقال: الحق والإنصاف أن الترجيح للشافعي في هذه المسألة. ونحن مقلدون يجب علينا تقليد إمامنا أبي حنيفة".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٢٦١ - ٢٦٣
стр. 4000
المبحث الثاني: تحريف نصوص الكتاب والسنة لنصرة مذهبهم
إن التحريف في نصوص الكتاب والسنة من الأمور الخطيرة التي تقشعر جلود المسلم من تصورها، حيث أنه تقوّل وافتراء على الله سبحانه، وعلى رسوله ﷺ ، وزيادة في كتاب الله وفي حديث نبيه ﷺ ، إلا أن علماء ديوبند لم يبالوا بذلك وحرفوا نصوصاً من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول ﷺ ، وذلك ترجيحاً لمذهبهم وتأييداً لمسائلهم الفقهية، فإلى الله المشتكى.
يقول الشيخ محمود الحسن الديوبندي في كتابه (إيضاح الأدلة) حماية للتقليد وتأييداً للمذهب الحنفي ما ترجمته:
"كما أن طاعة النائبين بمنزلة طاعة الحكام، كذلك طاعة الأنبياء ﵈ وجميع أولي الأمر طاعة لله تعالى بعينها، فمن رأى أن طاعة أتباع الأنبياء وطاعة أولي الأمر ليست داخلة في طاعة الله تعالى فهو كما يظن بعض قليلي الفهم أن طاعة النائبين ليست داخلة في طاعة الحكام. ولذلك قال تعالى: أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:٥٩]. ومعلوم أن المراد من أولى الأمر في هذه الآية هم غير الأنبياء ﵈، فظهر من الآية أن الأنبياء ﵈ وجميع أولى الأمر واجب اتباعهم، فأنتم (خطاب لأهل الحديث) قد رأيتم الآية فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:٥٩] ولكن ما علمتم إلى الآن أن القرآن الذي نقلتم منه هذه الآية موجودة فيه أيضاً تلك الآية التي نقلتها أنا، ولا عجب أنكم تفتون بنسخ إحداهما للأخرى ظنّاً منكم حسب عادتكم أنهما متعارضتان".
والجدير بالذكر أنه بعد مرور ثلاثين عاماً على طبع هذا الكتاب، ثم طبعه للمرة الثانية في عام ١٣٣٠هـ ولكنه وللأسف الشديد أن علماء ديوبند لم يحذفوا منه هذه العبارة التي تشتمل على التحريف الواضح البين، ولم يعلقوا عليها شيئاً في الهامش، مع أن علماء أهل الحديث ردوا على مؤلفه وأنكروا على ما جاء به في كتابه من التحريف، بعد طبع الكتاب للمرة الأولى، وكان من الذي ردوا على مؤلف الكتاب المذكور الشيخ محمد بن إبراهيم الجوناكري وذلك في جريدته (أخبار محمدي) التي كانت تصدر في دلهي عاصمة الهند، ثم ذكر ذلك كله في هامش كتابه (طلاق محمدي).
ومن الذين حرّفوا في كتاب الله الشيخ شبلي النعماني (المتوفى ١٣٣٢هـ) الملقب عند الحنفية بحجة الملك والدين وبشمس العلماء، ألّف كتابه (سيرة النعمان) وذكر فيه أحوال الإمام أبي حنيفة ﵀ وسعى جاهداً فيه لترجيح مذهبه على المذاهب الفقهية الأخرى في المسائل المعروفة التي لازالت مختلفاً فيها، ومنها هل الأعمال داخلة في الإيمان أم لا، وجاء بدلائل قاطعة - ظناً منه- على أن الأعمال ليست بداخلة في الإيمان، ومن هذه الأدلة ذكر آية محرفة من عنده فقال:
"والآيات التي استدل بها الإمام يثبت بها بداهة أن الأمرين منفصلان، لأن في جميع الآيات عطف العمل على الإيمان، وظاهر أن الجزء لا يمكن عطفه على الكل "من يؤمن بالله فيعمل صالحاً: فيه حرف التعقيب، الذي يحصل به فصل قطعي في هذا البحث".
هذه الآية في سورة التغابن، وفيها وَيَعْمَلْ صَالِحًا [التغابن:٩]، ولكن حرّف فيها النعماني ليثبت أن العمل ذكر متعقباً بالفاء ومؤخراً، أي بعد الإيمان مما يدل على أن الإيمان يكتمل دون العمل.
стр. 4001
والجدير بالذكر أن علماء أهل الحديث قد ردوا على مؤلف "سيرة النعمان" في ما جاء به في تحريف النص في كتابه وأنكروا عليه ذلك، ومنهم العلامة المحدث عبد العزيز الرحيم آبادي وذلك في كتابه (حسن البيان في ما في سيرة النعمان) وطبع هذا الكتاب في دلهي عام ١٣٤٦هـ، ولكنه بعد طبع كتاب (حسن البيان) بسنوات طبع كتاب النعماني للمرة الثانية، ولم يغيروا شيئاً من كتابه ولم يعلقوا على مكان التحريف رداً ولا إصلاحاً.
وفي العصر القريب ظهرت رسالة باسم "تحقيق مسألة رفع اليدين" لمؤلفها مولانا أبو معاوية صفدر جالندري، ونشرها "أبو حنيفة أكيدمي" بيهاولفور، حاول مؤلفها فيها أن يجمع كل ما وجد من الأدلة على عدم رفع اليدين في الصلاة غير تكبيرة الإحرام، وادعى أن عدم رفع اليدين ثابت من القرآن الكريم، وقال إنه ورد في القرآن الأمر بالسكوت في الصلاة، ثم ذكر ثلاث آيات في ذلك وقال في الثالثة: يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ [النساء: ٧٧]
ثم ترجم هذه العبارة باللغة الأردية محرّفاً فيها، فقال ما ترجمته بالعربية:
"يا أيها الذين آمنوا كفوا أيديكم إذا صليتم".
ثم قال:
"وقد استدل بعض الناس بهذه الآية أيضاً على منع رفع اليدين في الصلاة".
وقد ارتكب غلاة الحنفية الديوبندية التحريف أيضاً في نصوص حديث الرسول المصطفى ﷺ ، وما يمنعهم من ذلك، وقد ارتكبوا ما هو أعظم وأكبر من ذلك، وهو التحريف في كلام الله تعالى، ومن الذين حرفوا في حديث رسول الله ﷺ هو الشيخ محمود الحسن - الملقب بشيخ الهند لدى طائفته- فقد أخرج الإمام أبو داود في سننه بسنده عن الحسن أن عمر بن الخطاب- ﵁ (جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي).
هكذا نص الحديث في جميع نسخ السنن لأبي داود وشرحها المطبوعة إلى عام ١٣١٨هـ. ثم بدأ غلاة الحنفية الديوبندية يحرفون فيه مرحلة بعد مرحلة، حيث طبع هذا الكتاب- (السنن) - بحاشية الشيخ محمود الحسن، فجعلوا في صلب الحديث لفظ "ليلة" وأشاروا في الهامش إلى أن في بعض النسخ "ركعة"، ثم طبع الكتاب - (السنن) - بحاشية الشيخ فخر الحسن الديوبندي فجعلوا في الصلب لفظ "ركعة" وفي الهامش "ليلة" وما ذلك كله إلا لإيهام الناس بأن النسخ مختلفة.
وبناءُ هذا الاختلاف المزعوم المختلق هو أن هذا الحديث موجود في سنن أبي داود مع شرحه "بذل المجهود" للشيخ خليل أحمد السهارنفوري، في باب "قنوت الوتر" بلفظ "عشرين ليلة"، ومكتوب في الحاشية "في نسخة "ركعة"، كذا في نسخة مقروءة على الشيخ مولانا محمد إسحاق رحمه الله تعالى". ولكنه لم يُذكر من القائل لهذا القول؟ ومن الذي رأى تلك النسخة المقروءة على الشيخ محمد إسحاق؟ وأين هذه النسخة القيمة؟ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:٢٣]
وهذه نبذة يسيرة مما ارتكبه الديوبندية في كتاب الله وحديث المصطفى ﵊، من تحريف وتأويل، تأييداً لمذهبهم الفقهي، وردّاً على غيرهم في المسائل الفرعية. ومن الصعب جداً أن نذكر في هذه العجالة كل ما اطلعنا عليه من مثل هذه التحريفات، ومن أراد المزيد على ما ذكرناه فليراجع الكتب والمؤلفات الأخرى في هذا الموضوع.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٢٦٥ - ٢٧٠
стр. 4002
المبحث الأول: الرد على عقيدة وحدة الوجود
لقد وجه إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال حول حديث ((كنت سمعه الذي يسمع به .... )) الذي يستدل به الصوفية على موقفهم الخاطئ، وفيما يلي نص السؤال والجواب: السؤال: ما معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها)) (١)؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
الجواب: إذا أدى المسلم ما فرض عليه ثم اجتهد في التقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات واستمر على ذلك وسعه أحبه الله تعالى، وكان عونا له في كل ما يأتي ويذر، فإذا سمعه كان مسدداً من الله في سمعه فلا يستمع إلا الخير ولا يقبل إلا الحق وينزاح عنه الباطل، وإذا أبصر بعينه أو قلبه أبصر بنور من الله فكان في ذلك على هدى من الله وبصيرة نافذة بتأييد الله وتوفيقه، فيرى الحق حقاً والباطل باطلاً، وإذا بطش بشيء بطش بقوة من الله فكان بطشه من بطش الله نصرة للحق، وإذا مشى فكان مشيه في طاعة الله طلباً للعلم وجهاداً في سبيل الله، وبالجملة كان عمله بجوارحه الظاهرة والباطنة بهداية من الله وقوة منه سبحانه. وبهذا يتبين أنه ليس في الحديث دليل على حلول الله في خلقه أو اتحاده بأحد منهم، ويرشد إلى ذلك ما جاء في آخر الحديث من قوله تعالى: ((ولئن استعاذ بي لأعيذنه)) وما جاء في بعض الروايات من قوله: "فبي يسمع وبي يبصر .. إلخ" فإن ذلك إرشاد إلى المراد في أول الحديث وتصريح بسائل ومسؤول ومستعيذ ومعيذ ومستعين ومعين، وهذا الحديث نظير الحديث القدسي الآخر، يقول الله تعالى: ((عبدي مرضت فلم تعدني .. الخ)) (٢) فكل منهما يشرح آخره أوله، لكن أرباب الهوى يتبعون ما تشابه من النصوص ويعرضون عن المحكم منها فضلوا سواء السبيل".
هذا، وجاء في فتاوى ابن العثيمين:"المثال التاسع: ذكر فضيلتكم قوله - تعالى - في الحديث القدسي ((ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (٣)
وهذا حديث صحيح خرجه البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله، ﷺ إن الله قال: ((من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) وذكر تمام الحديث.
ولا ريب أنه لا يراد من الحديث أن يكون الله - تعالى وتقدس - عين سمع الولي، وبصره، ويده، ورجله، ولا يمكن أن يقال إن هذا ظاهر الحديث لمن تدبره تدبراً جيداً حتى يقال إنه يحتاج إلى التأويل بصرفه عن ظاهره، فإن في سياق الحديث ما يمنع القول بهذا، وذلك أن الله - تعالى - قال فيه: ((وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه)). وقال: ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). فأثبت عبداً ومعبوداً. ومتقرباً ومتقرباً إليه. ومحباً ومحبوباً، وسائلاً ومسئولاً. ومعطياً ومعطى. ومستعيذاً ومستعاذاً به. ومعيذا ومعاذاً. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين، كل واحد منهما غير الآخر. وعلى هذا فيمتنع أحدهما أن يكون وصفاً في الآخر، أو جزءاً من أجزائه، ولا يمكن لأحد أن يفهم هذا الفهم من مثل هذا السياق أبداً. اللهم إلا أن يكون بليد الفكر، أو معرضاً عن التدبر، أو ذا هوى أعماه.
стр. 4003
ولا يفهم أحد من مثل هذا السياق - إذا تدبره وكان ذا فكر سليم - إلا أن المراد به تسديد الله - تعالى - للعبد إدراكاً وعملاً، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره بالله ولله وفي الله، وكذلك عمله بجوارحه فيتم له بذلك كمال الاستعانة والإخلاص، والمتابعة غاية التوفيق. وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق للفظ متعين بالسياق، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة".
وجاء فيه أيضاً والشيخ يذكر ثلاثة أقسام للفناء:
"القسم الثاني: صوفي بدعي وهو: الفناء عن شهود السوي أي عن شهود ما سوى الله تعالى، وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته، غاب عن قلبه كل ما سوى الله ففني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، ففني بالمعبود عن العبادة وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا، لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور لقوة سيطرة الوارد على قلبه.
وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك، وهو فناء ناقص من وجوده:
الأول: أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة، والأمر والمأمور به، وأعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر، بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالاً عن المعبود والمذكور.
الثاني: أنه يصل بصاحبه إلى حال تشبه حال المجانين والسكارى حتى إنه ليصدر عنه من الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع ما يعلم هو وغيره غلطه فيها، كقول بعضهم في هذه الحال: "سبحاني .. سبحاني أنا الله. ما في الجبة إلا الله أنصب خيمتي على جهنم" ونحو ذلك من الهذيان والشطح.
الثالث: أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله، فلم يحصل للرسل، ولا للأنبياء، ولا للصديقين والشهداء. فهذا رسول الله، ﷺ ، رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية ما لم يقع لأحد من البشر وفي هذه الحال كان، ﷺ ، على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة كما قال الله تعالى عن قواه الظاهرة: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧]. وقال عن قواه الباطنة: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] وهاهم الخلفاء الراشدون أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أفضل البشر بعد الأنبياء وسادات أوليائهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء، وهاهم سائر الصحابة مع علو مقامهم وكمال أحوالهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء.
وإنما حدث هذا في عصر التابعين فوقع منه من بعض العباد والنساك ما وقع، فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت وعرف هذا كثيراً في بعض مشايخ الصوفية.
ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ.
وحقيقته: أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين لقوة الوارد على قلوبهم وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود ونحو ذلك.
القسم الثالث: فناء إلحادي كفري وهو: الفناء عن وجود السوي، أي عن وجود ما سوى الله ، بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة.
وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود كابن عربي، والتلمساني وابن سبعين، والقونوي ونحوهم ... وهؤلاء أكفر من النصارى من وجهين:
أحدهما: أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق وأولئك النصارى جعلوا الرب متحداً بعبده الذي اصطفاه بعد أن كانا غير متحدين.
الثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب سارياً في كل شيء، في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ. وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح، وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه: أن الرب والعبد شيء واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه والشاهد شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال.
قال الشيخ ﵀: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين: فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٤٣ - ٤٨
стр. 4004
المبحث الثاني: الرد على عقيدة تصور المشايخ:
يقول الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ رداً على ما قاله الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي:
"قلت: ما ذكر في هذه الجملة من الهوس فإنما هو من تضليل الشيطان له، وتمكنه من إغوائه، بحيث كان الشيطان يخيل إليه أن وجه الشيخ إمداد الله كان في قلبه ثلاث سنوات كاملة، وأنه ما فعل شيئاً بغير إذنه، وكان الشيطان يخيل إليه أيضاً أن رسول الله ﷺ كان في قلبه هذه السنوات التي زعم أنها كانت له مع شيخه إمداد الله، وأنه ما فعل شيئاً بدون سؤال رسول الله ﷺ عنه!! ولا يخفى ما في هذا الكلام من مخالفة العقل الصحيح.
وعلى هذا؛ فإنه ينبغي أن تضم هذه الجملة إلى أخبار الحمقى والمجانين".
كما حكى العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي عن نفسه قبل أن يعتنق بمذهب السلف، فقال:
" ... وهذا النوع من الشرك مشهور عند المتصوفة أصحاب الطرائق القِدَدِ. وأنا بنفسي حين طلبت الورد من الشيخ عبدالكريم المنصوري لأبايعه على الدخول في الطريقة التجانية لقّنني الأذكار وهي "لا إله إلا الله" مائة مرة، "أستغفر الله" مائة مرة، الصلاة على النبي بصلاة الفاتح مائة مرة، قال لي "وإذا شرعت في الذكر فلتكن مستقبل القبلة، جالساً كجلوسك للتشهد، مغمض العينين، لا تتكلم مع أحد ما دمت تذكر، وتصور بقلبك صورة شيخك الشيخ أحمد التجاني، وجهه أبيض، مشرب بحمرة، وله لحية بيضاء، على رأسه عمامة، فكنت أفعل ذلك، وهو شرك وكفر، ولكن التجانيين لا يؤمرون بذلك في الصلاة، فهؤلاء زادوا على شركهم فنعوذ بالله من الضلال، فإن من ترك الكتاب والسنة واستبدلهما بأوهام المتصوفة لم يبق له دين ولا عقل، كما قال الشافعي ﵀: "لو أن رجلاً صاحب الصوفية من الصبح إلى الظهر لذهب عقله". قال محمد تقي الدين: وكذلك دينه وماله يذهبان أيضا ذلك وهو الإفلاس العظيم".
وقد ذكر الدكتور الهلالي نفس هذه القصة - قصة أخذ الورد من الشيخ عبدالكريم المنصوري - في موضع آخر في كتابه بشيء من التفصيل، وذلك رداً على الشيح حسين أحمد المدني فقال:
стр. 4005
مقصوده بأذكار الأولياء الأوراد التي يعطيها شيوخ التصوف أتباعهم ويسمونها أوراداً، وهي حبال يربطون بها أتباعهم، وقد أخذت أحد هذه الأوراد وهو ورد الطريقة التيجانية وبقيت فيه تسع سنين، وفي السنة الأخيرة صرت مقدما، وبعد انقضاء تسع سنين سافرت من وجدة إلى فاس لزيارة قبر الشيخ أحمد التيجاني واعتكفت عنده ثلاثة أيام وأنشدته ثلاث قصائد، طلبت منه فيها خير الدنيا والآخرة، وكان ذلك في أوائل ربيع الأول سنة ١٣٣٨هـ. وبعد ذلك جمعني الله تعالى بأستاذي شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي الذي أخرجني الله بدعوته من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد والسنة، فإن قلت: وهل أخذ الورد يسمى شركاً؟ فالجواب: سأحكي لك كيف أخذت الورد وتول أنت الحكم. كان عمري حين أخذت الورد عشرين سنة فتوجهت إلى الشيخ عبدالكريم المنصوري وقلت له أريد أن تعطيني ورد الطريقة التيجانية فذهب بي إلى مكان بعيد من السوق وجلسنا على الأرض وقال لي: أبشر بخير فإن هذا الورد فيه فضائل كبيرة، منها: أن صاحبه إذا داوم عليه إلى الموت يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، هو ووالده وأولاده وأزواجه، والحفدة، وهنالك فضائل أخرى ستجدها في كتب الطريقة، فقال لي: إذا جلست لذكر الورد يجب أن تكون على طهارة تامة. طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وأن تجلس كجلوسك للتشهد، مستقبل القبلة، ولا تتكلم في أثناء الذكر، وإن غمضت عينيك فهو أحسن، وتصور أمامك صورة الشيخ أحمد التيجاني، ووجهه، أبيض مشرب بحمرة، ولحيته بيضاء، وعلى رأسه عمامة، وتصور أن عمودا من النور يخرج هن قلبه ويدخل قلبك، وهذا يسمونه الاستمداد، وهذا العمود الذي زعم أنه يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلبي ينور القلب ويشرح الصدر، ويثبت الإيمان وهذا كفر، لأن من اعتقد أن هداية القلوب يقدر عليها ملك، أو نبي، أو صالح، فهو كافر. ومن المعلوم أن أبا طالب عمّ النبي ﷺ كان يحسن إلى النبي ﷺ وكان للنبي ﷺ بمنزلة الأب من حين كان عمر النبي ﷺ عشر سنين إلى أن صار عمره خمسين سنة، وتحمل الشدائد والآلام والجوع والمقاطعة في نصرة النبي ﷺ ، ومع ذلك حين حضرته الوفاة ذهب إليه النبي ﷺ ووجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية، فدنا منه وقال له يا عم: قل: "لا إله إلا الله كلمة أحاج له بها عند الله". فقال له الرجلان المذكوران وهما من شرار كفار مكة: أترغب عن دين عبدالمطلب؟ يعنيان: كيف تترك دين أبيك وأسلافك وتدخل في دين جديد وأنت سيد قريش؟ فكلما قال له النبي ﷺ ((يا عم: قل: لا إله إلا الله)) أعادا عليه مقالهما. فكان آخر كلامه هو أن قال: هو على دين عبدالمطلب. فمات كافراً. فحزن عليه النبي ﷺ لأنه مات كافراً، فأنزل الله تعالى عليه قوله إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:٥٦]. وقال له النبي ﷺ : ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) فاستغفر له حتى أنزل الله تعالى عليه من سورة التوبة: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:١١٣] فترك النبي ﷺ الاستغفار لعمه (١).
فإذا كان النبي ﷺ لا يستطيع أن يدخل الهداية في قلب عمه الذي هو صنو أبيه، كيف يستطيع شيخ الطريقة أن ينوّر بذلك العمود المكذوب قلب المريد؟ فمن زعم أن غير الله تعالى- وإن كان ملكا أو نبيًّا- يقدر على هداية القلوب فهو كافر، مشرك".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص٥١ - ٥٥
стр. 4006
المبحث الثالث: الرد على ما ابتدعوه من أوراد وأشغال صوفية
لقد وجه إلى اللجنة الدائمة سؤال عن حكم الطرق والأوراد الصوفية، وفيما يلي نصه وجواب اللجنة عليه:
السؤال: حكم الطرق الصوفية والأوراد التي نظموها ورتبوها قبل صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، وحكم من زعم أنه رأى النبي يقظة وسلم عليه بقوله: السلام عليك يا عين العيون وروح الأرواح؟.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
الجواب: الطرق والأوراد التي ذكرتها طرق وأوراد محدثة مبتدعة، ومن جملتها طريقة التيجانية والكتانية، ولا يشرع من أورادهم إلا ما وافق الكتاب والسنة الصحيحة.
كلام الشيخ حسين أحمد المدني المذكور سابقاً:
"مقصوده أن يعيب على أهل السنة إنكارهم لبدعة المولد المأخوذة من النصارى في أواسط القرن الرابع الهجري، أخذها منهم أبو القاسم العزفي من أهل سبتة، ولم يأخذها من بعيد؛ فإن سبتة مجاورة للأندلس، وأهلها نصارى.
فيقال له: هذا المولد المقتبس من النصارى؛ من أحدثه؟ هل هو سنة أو بدعة؟ هل فعله رسول الله ﷺ أو الصحابة أو التابعون أو الأئمة المجتهدون أو أهل الحديث، كالسفيانين وعبد الله بن المبارك ومالك وأحمد والبخاري ومسلم؟ حاشاهم من ذلك".
وأما قول حسين أحمد: "وقياساً على هذا يرون أذكار الأولياء أمراً قبيحاً".
فقد قال الهلالي في الرد عليه: مقصوده بأذكار الأولياء الأوراد التي يعطيها شيوخ التصوف أتباعهم ويسمونها أوراداً، وهي حال يربطون بها أتباعهم".
إلى أن قال: "ثم قال لحسين أحمد مطية الاستعمار الهندي: هذه الأذكار التي نسبتها لأوليائك - أولياء الشيطان -: هل جاء بها النبي ﷺ وعلمها أمته وورثها إياهم، أم هي وحي أنزل على أولئك الأولياء لا يعرفه النبي ﷺ ؟
فإن قال: هي مما جاء به النبي ﷺ وورثها أمته؛ صار أخذ الإذن فيها بدعة، وإنما يعلم أهل العلم ألفاظها ومعانيها، ولا تحتاج إلى إذن؛ لأن الرسول ﷺ أعطاها أمته وأذن لها فيها.
ومن ضلالات المتصوفة أنهم يقولون: إن الذكر إذا أخذ بالإذن من الشيخ يكون أجره أعظم، وإذا لم يؤخذ الإذن من الشيخ يكون أجره أقل.
فمن ذلك قول التجانيين عن شيخهم - بزعمهم -: إن صلاة الفاتح لما أغلق إذا أخذت بالإذن من الشيخ أو ممن أذن له الشيخ؛ تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن، وإذا ذكرت بغير إذن؛ فهي كسائر الصلوات، لا فضل لها على غيرها!
فإذا أنكر الموحدون أوراد شيوخ التصوف؛ فإنما أنكروا البدع المحدثة، فمتى أعطى أبو بكر الصديق ورداً؟! ومتى أعطى عمر ورداً؟! وكذلك يقال في عثمان وعلي وسائر الصحابة؟! وهل كانت في الصحابة طرق: طريقة بكرية، وطريقة عمرية، وطريقة عثمانية، وطريقة علوية، وطريقة جابرية، وطريقة مسعودية؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
فحسين أحمد يعيب الموحدين لمحافظتهم على سنة النبي ﷺ ومحاربتهم البدع، فإذا عبرنا بمحبة سنة النبي ﷺ وترك البدع؛ فقد مدحنا من حيث يريد ذمّنا".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص٦٠ - ٦٢
стр. 4007
المبحث الرابع: الرد على ما جاء في دلائل الخيرات والبردة والهمزية
يقول الشيخ حمود بن عبد الله التويجري رداً على كلام الشيخ حسين أحمد المدني السابق ما نصه:
"وأما قراءة "دلائل الخيرات" وقصيدتي "البردة" و"الهمزية"، وجعلها ورداً؛ فهو أمر قبيح جدًّا؛ لما في هذه الثلاث من الغلو والإطراء الذي كان رسول الله ﷺ ينهى عنه ويشدد فيه، بل إن قصيدتي "البردة" و"الهمزية" قد اشتملتا على الشرك الأكبر، الذي هو أعظم الظلم وأقبح المنكرات وأشد المحرمات تحريماً، فلا يجعل هاتين القصيدتين و"دلائل الخيرات" ورداً إلا من هو مفتون بالشرك والبدع والغلو والإطراء.
وقد قال الدكتور محمد تقي الدين الهلالي في الرد على حسين أحمد: "أما دلائل الجهالات والضلالات الذي سميته "دلائل الخيرات"؛ ففيه ضلالات كثيرة:
منها قوله في ثلاثة مواضع: "اللهم صل على سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك".
وقوله: "اللهم صل على سيدنا محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء".
وقوله: "اللهم ارحم سيدنا محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شيء، اللهم بارك على سيدنا محمد حتى لا يبقى من البركة شيء".
فجعل معلومات الله معلومات محدودة، وعدل عن الصلاة التي علمها النبي ﷺ جميع المسلمين، واقتصر عليها أصحابه والتابعون لهم بإحسان، وأحدث بدعة، وألف كتاباً يتلى كما يتلى القرآن، وابتدع زيادة: "سيدنا".
ولله درُّ الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني إذ يقول في مدح شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب:
وحرق عمدا للدلائل دفتراً ... أصاب ففيها ما يجل عن العد
علو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرة فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تغزي إلى عالم فلا ... تساوي فليسا إن رجعت إلى النقد
وصيرها الجهال للذكر ضرة ... ترى درسها أزكى لديهم من الحمد
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
قال الهلالي: "وأما "البردة" و"الهمزية"؛ ففيها من الشرك والضلال ما لا يرتضيه إلا كل مشرك دجال؛ فمنها قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فماذا بقي لله تعالى؟! قاتل الله الغلاة المشركين.
وفي "الهمزية" قوله:
يا رحيما بالمؤمنين إذا ما ... ذهلت عن أبنائها الرحماء
يا شفيعا في المذنبين إذا أشفـ ... ـق من خوف ذنبه البرآء
جد لعاص وما سواي هو الـ ... ـعاصي ولكن تنكري استحياء
وتداركه بالعناية ما دام له ... بالذمام منك ذماء
وهذا شرك صريح وبهتان قبيح، لا يستسيغه إلا كل قلب مريض؛ مثل قلب حسين أحمد نصير الشرك والوثنية" انتهى.
وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كتابه (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد): "وقد اشتهر في نظم البوصيري قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
стр. 4008
وما بعده من الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات وأعظم الاضطرار لغير الله، فناقضوا الرسول ﷺ بارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقيصه، وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون، أفرطوا في تعظيمه بما نهاهم عنه أشد النهي، وفرطوا في متابعته فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله، ولا رضوا بحكمه، ولا سلموا له، وإنما يحصل تعظيم الرسول ﷺ ؛ بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء بهديه، واتباع سنته والدعوة إلى دينه الذي دعا إليه، ونصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه، فعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله علماً وعملاً، وارتكبوا ما نهى الله عنه ورسوله؛ فالله المستعان" انتهى كلامه ﵀.
وذكر الشيخ سليمان بن عبدالله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كتابه (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد) قول البوصيري:
إن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
ثم قال "فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وكل ذلك كفر صريح!
ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﵇ وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين، لابد أن يمزج الحق بالباطل؛ ليروج على أشباه الأنعام، أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق".
إلى أن قال: "وبالجملة؛ فالتعظيم النافع هو: التصديق بما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وتحكيمه وحده، والرضى بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله، فما وافقها من قوله ﷺ ؛ قبله، وما خالفها؛ رده، أو تأوله، أو أعرض عنه" انتهى.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٦٥ - ٦٨
стр. 4009
المبحث الخامس: الرد على اعتقادهم جواز الاستغاثة بغير الله
لقد وجّه إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، سؤال في هذا الموضوع، وفيما يلي نص السؤال والجواب:
السؤال: هل يمكن أن يعين ولي من أولياء الله أحداً من بعيد، مثلاً يسكن رجل في الهند ويسكن ولي في السعودية، فهل يمكن أن يعين السعودي الهندي إعانة بدنية مع أن السعودي موجود في السعودية والهندي موجود في الهند؟
الجواب: يمكن أن يعين الأحياء من الأولياء وغير الأولياء من استعان بهم في حدود الأسباب العادية، ببذل المال أو شفاعة عند ذوي سلطان مثلاً أو إنقاذ من مكروه ونحو ذلك من الوسائل التي هي في طاقة البشر، حسب ما هو معتاد ومعروف بينهم.
أما ما كان فوق قوى البشر من الأسباب غير العادية، كالمثال الذي ذكره السائل، فليس ذلك إلى العباد، بل هو إلى الله وحده لا شريك له، فهو القادر على كل شيء، وهو الذي إليه السنن الكونية، يمضي منها ما شاء أو يخرق منها ما شاء، ولهذا كانت له دعوة الحق وإليه الملجأ وحده وبه العون دون سواه، فإنه وحده الذي أحاط بكل شيء علماً ووسع كل شيء حكمة ورحمة. ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:٥ - ٦]. وقال تعالى: إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:١٤]. وعلمنا في سورة الفاتحة أن نقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥]. كما أمرنا النبي، ﷺ ، ألا نسأل إلا الله ولا نستعين إلا به بقوله ﷺ : ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) (١).
وجاء أيضاً في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي:
"الاستعانة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه جائزة، كمن استعان بشخص فطلب منه أن يقرضه نقوداً أو استعان به في يده أو جاهه عند سلطان لجلب حق أو دفع ظلم.
والاستعانة بالميت شرك وكذلك الاستعانة بالحي الغائب شرك؛ لأنهم لا يقدرون على تحقيق ما طلب منهم لعموم قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨] وقوله سبحانه: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس:١٠٦] وقوله : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:١٣ - ١٤]. والآيات في هذا المعنى كثيرة والله المستعان.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٧٤ - ٧٦
سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عمن يزور القبور ويدعو الأموات وينذر لهم ويستغيث بهم ويستعين بهم، لأنهم كما يزعم أولياء لله، فما نصيحتكم لهم؟
فأجاب بقوله: "نصيحتنا لهؤلاء وأمثالهم أن يرجع الإنسان إلى عقله وتفكيره، فهذه القبور التي يُزعم أن فيها أولياء تحتاج:
стр. 4010
أولا: إلى إثبات أنها قبور إذ قد يوضع شيء يشبه القبر ويقال هذا قبر فلان، كما حدث ذلك مع أنه ليس بقبر.
ثانياً: إذا ثبت أنها قبور فإنه يحتاج إلى إثبات أن هؤلاء المقبورين كانوا أولياء لله لأننا لا نعلم هل هم أولياء لله أم أولياء للشيطان.
ثالثاً: إذا ثبت أنهم من أولياء الله فإنهم لا يزارون من أجل التبرك بزيارتهم، أو دعائهم، أو الاستغاثة بهم، والاستعانة بهم، وإنما يزارون كما يزار غيرهم للعبرة والدعاء لهم فقط، على أنه إن كان في زيارتهم فتنة أو خوف فتنة بالغلو فيهم، فإنه لا تجوز زيارتهم دفعاً للمحظور ودرءاً للمفسدة.
فأنت أيها الإنسان حكم عقلك، فهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها لابد أن تتحقق وهي:
أ- ثبوت القبر.
ب- ثبوت أنه ولي.
ج- الزيارة لأجل الدعاء لهم. فهم في حاجة إلى الدعاء مهما كانوا، فهم لا ينفعون ولا يضرون، ثم إننا قلنا إن زيارتهم من أجل الدعاء لهم جائزة ما لم تستلزم محظوراً.
أما من زارهم ونذر لهم وذبح لهم أو استغاث بهم، فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة، يكون صاحبه به كافراً مخلداً في النار".
كما سئل فضيلته عن حكم دعاء أصحاب القبور، فأجاب بقوله: "الدعاء ينقسم إلى قسمين.
القسم الأول: دعاء عبادة، ومثاله الصلاة، والصوم وغير ذلك من العبادات، فإذا صلى الإنسان، أو صام فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، ويدل لهذا قوله - تعالى -: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠]. فجعل الدعاء عبادة، فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فقد كفر كفراً مخرجاً عن الملة، فلو ركع الإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود لكان مشركاً خارجاً عن الإسلام، ولهذا منع النبي، ﷺ ، من الانحناء عند الملاقاة سدّاً لذريعة الشرك، فسئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: "لا". وما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك خطأ ويجب عليك أن تبين له ذلك وتنهاه عنه.
القسم الثاني: دعاء المسألة، وهذا ليس كله شركاً بل فيه تفصيل: أولاً: إن كان المدعو حيّاً قادراً على ذلك فليس بشرك، كقولك اسقني ماء لمن يستطيع ذلك، قال، ﷺ : ((من دعاكم فأجيبوه)) (١). قال الله - تعالى -: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ [النساء:٨] فإن مد الفقير يده وقال ارزقني أي: أعطني فهو جائز كما قال - تعالى -: فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ [النساء:٨].
ثانيا: إن كان المدعو ميتاً فإن دعاءه شرك مخرج عن الملة.
ومع الأسف أن في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلاناً المقبور الذي بقي جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد له، وهذا - والعياذ بالله - شرك أكبر مخرج عن الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر، والزنا، واللواط؛ لأنه إقرار على كفر، وليس إقراراً على فسوق فقط، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي:
стр. 4011
السؤال: رجل يعيش في جماعة تستغيث بغير الله، هل يجوز له الصلاة خلفهم وهل تجب الهجرة عنهم وهل شركهم شرك غليظ وهل موالاتهم كموالاة الكفار الحقيقيين؟ الجواب: إذا كانت حال من تعيش بينهم كما ذكرت من استغاثتهم بغير الله، كالاستغاثة بالأموات والغائبين عنهم من الأحياء أو بالأشجار أو الأحجار أو الكواكب ونحو ذلك فهم مشركون شركاً أكبر يخرج من ملة الإسلام، لا تجوز موالاتهم كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة، ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينياً على يديه، وإلا وجب عليه هجرهم والانضمام إلى جماعة أخرى يتعاون معها على القيام بأصول الإسلام وفروعه وإحياء سنة رسول الله، ﷺ ، فإن لم يجد اعتزل الفرق كلها ولو أصابته شدة، لما ثبت عن حذيفة، ﵁، أنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله، ﷺ ، عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جنهم من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك. قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام. قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (١).متفق على صحته. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص٨٢ - ٨٦
لقد وجه إلى اللجنة الدائمة سؤال، فيما يلي نصه وجواب اللجنة الدائمة:
السؤال: نداء ودعاء النبي ﷺ في كل حاجة والاستعانة به في المصائب والنوائب من قريب أعني عند قبره الشريف أو من بعيد أشركٌ قبيح أم لا؟
الجواب: دعاء النبي ﷺ ونداؤه والاستعانة به بعد موته في قضاء الحاجات وكشف الكربات شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام سواء كان ذلك عند قبره أم بعيداً عنه، كأن يقول يا رسول الله اشفني أو رد غائبي أو نحو ذلك، لعموم قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨] وقوله : وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧] وقوله : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:١٣ - ١٤].
كما قالت اللجنة إجابة على سؤال آخر وجّه إليها:
стр. 4012
"نداء الإنسان رسول الله ﷺ أو غيره كعبد القادر الجيلاني أو أحمد التيجاني عند القيام أو القعود والاستعانة بهم في ذلك أو نحوه لجلب نفع أو دفع ضر نوع من أنواع الشرك الأكبر الذي كان منتشراً في الجاهلية الأولى، وبعث الله رسله عليهم الصلاة والسلام ليقضوا عليه وينقذوا الناس منه ويرشدوهم إلى توحيد الله سبحانه وإفراده بالعبادة والدعاء، وذلك أن الاستعانة فيما وراء الأسباب العادية لا تكون إلا بالله تعالى؛ لأنها عبادة فمن صرفها لغيره تعالى فهو مشرك، وقد أرشد الله عباده إلى ذلك فعلّمهم أن يقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] وقال: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨]. وبين لهم أنه وحده بيده دفع الضر وكشفه وإسباغ النعمة وإفاضة الخير على عباده وحفظ ذلك عليهم، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير، قال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:١٠٦ - ١٠٧]
وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين وهو يجيب على سؤال وجّه إليه:"ومن استغاث برسول الله ﷺ ، معتقداً أنه يملك النفع والضر فهو كافر مكذب لله تعالى مشرك به لقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠] وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:٢١ - ٢٢]. وقوله، ﷺ ، لأقاربه: ((لا أغني عنكم من الله شيئاً)) (١) كما قال ذلك لفاطمة وصفية عمة رسول الله، ﷺ .
ولا تجوز الصلاة خلف هذا الرجل ومن كان على شاكلته ولا تصح الصلاة خلفه ولا يحل أن يجعل إماما للمسلمين".
وقال فضيلته إجابة على سؤال وجّه إليه، وهو يذكر أقسام المديح للنبي ﷺ :"والقسم الثاني: من مديح الرسول، ﷺ ، قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي، ﷺ ، وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله)) (٢). فمن مدح النبي، ﷺ ، بأنه غياث المستغيثين ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول، ﵊، بما يصل إلى درجة الغلو لنهي النبي، ﷺ ، عن ذلك.
كما سئل فضيلته عن أنواع الشرك فقال:
" ... والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة، وشرك دون ذلك.
стр. 4013
النوع الأول: الشرك الأكبر وهو: "كل شرك أطلقه الشارع وهو يتضمن خروج الإنسان عن دينه" مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لله لغير الله، كأن يصلي لغير الله، أو يصوم لغير الله، أو يذبح لغير الله، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائباً ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم".
ومن إجابته- حفظه الله- عن حكم البناء على القبور:
"البناء على القبور محرَّم وقد نهى عنه النبي ﷺ لما فيه من تعظيم أهل القبور وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور وتتخذ آلهة مع الله كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله - تعالى- ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردّة عن الإسلام. والله المستعان".
وقال فضيلته فيمن يزور القبور ويدعو الأموات ويستغيث بهم ويستعين بهم:
" ... أما من زارهم ونذر لهم وذبح لهم أو استغاث بهم، فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة يكون صاحبه به كافراً مخلداً في النار".
كما سئل فضيلته عما يقوله الناس عند الشدة: "يا محمد، أو يا علي، أو يا جيلاني" فأجاب بقوله:
"إذا كان يريد دعاء هؤلاء والاستغاثة بهم فهو مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يدعو الله وحده، كما قال - تعالى-: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ [النمل:٦٢]، وهو مع كونه مشركاً سفيه مضيع لنفسه، قال الله - تعالى-: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:١٣٠] وقال وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:٥].
وسئل أيضاً عن رجل محافظ على الصلاة والصيام، وظاهر حاله الاستقامة، إلا أن له حلقات يدعو فيها الرسول ﷺ ، وعبد القادر، فما حكم عمله هذا؟ فأجاب بقوله:
"ما ذكره السائل يحزن القلب، فإن هذا الرجل الذي وصفه بأنه يحافظ على الصلاة، والصيام، وأن ظاهر حاله الاستقامة قد لعب به الشيطان وجعله يخرج من الإسلام بالشرك وهو يعلم أو لا يعلم، فدعاؤه غير الله شرك أكبر مخرج عن الملة، سواء دعا الرسول، ﵊، أو دعا غيره، وغيره أقل منه شأناً وأقل منه وجاهة عند الله فإذا كان دعاء رسول الله، ﷺ ، شركاً فدعاء غيره أقبح وأقبح من عبد القادر أو غير عبد القادر، والرسول ﵊، نفسه لا يملك لأحد نفعاً ولا ضرًّا قال الله تعالى آمراً له: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن:٢١]. وقال آمراً له: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:٥٠]، وقال تعالى آمراً له: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨]. بل قال الله تعالى آمراً له: قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:٢٢]. فإذا كان الرسول ﷺ نفسه لا يجيره أحد من الله فكيف بغيره؟! فدعاء غير الله شرك مخرج عن الملة، والشرك لا يغفره الله إلا بتوبة من العبد لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:٤٨] وصاحبه في النار لقوله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:٧٢].
ونصيحتي لهذا الرجل أن يتوب إلى الله من هذا الأمر المحبط للعمل فإن الشرك يحبط العمل قال الله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥]. فليتُب إلى الله من هذا، وليتعبد لله بما شرع من الأذكار والعبادات، ولا يتجاوز ذلك إلى هذه الأمور الشركية وليتفكر دائماً في قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠]
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن – ص ١٢٣ - ١٣٠
стр. 4014
المبحث السادس: الرد على تبركاتهم البدعية والشركية
يقول الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله تعالى - ما نصه:
"وليعلم أن الله قد يفتن الإنسان بشيء من مثل هذه الأمور فقد يتعلق الإنسان بالقبر فيدعو صاحبه أو يأخذ من ترابه يتبرك به فيحصل مطلوبه ويكون ذلك فتنة من الله ولهذا الرجل، لأننا نعلم أن هذا القبر لا يجيب الدعاء وأن هذا التراب لا يكون سبباً لزوال ضرر أو جلب نفع، نعلم ذلك لقول الله - تعالى -: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥ - ٦]. وقال تعالى-: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أن كل من دُعي من دون الله فلن يستجيب الدعاء ولن ينفع الداعي، ولكن قد يحصل المطلوب المدعو به عند دعاء غير الله فتنة وامتحانا، ونقول: إنه حصل هذا الشيء عند الدعاء - أي عند دعاء هذا الذي دُعي من دون الله - لا بدعائه، وفرق بين حصول الشيء بالشيء، وبين حصول الشيء عند الشيء، فإننا نعلم علم اليقين أن دعاء غير الله ليس سبباً لجلب النفع أو دفع الضرر بالآيات الكثيرة التي ذكرها الله في كتابه ولكن قد يحصل الشيء عند هذا الدعاء فتنة وامتحانا، والله - تعالى- قد يبتلي الإنسان بأسباب المعصية ليعلم من كان عبداً لله ومن كان عبداً لهواه، ألا ترى إلى أصحاب السبت من اليهود حيث حرم الله عليهم أن يصطادوا الحيتان في يوم السبت فابتلاهم الله فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة عظيمة وفي غير يوم السبت تختفي، فطال عليهم الأمد، وقالوا كيف نحرم أنفسنا هذه الحيتان ثم فكروا وقدروا ونظروا فقالوا نجعل شبكة ونضعها يوم الجمعة ونأخذ الحيتان منها يوم الأحد، فأقدموا على هذا الفعل الذي هو حيلة على محارم الله فقلبهم الله قردة خاسئين، قال الله - تعالى-: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:١٦٣]. وقال : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: ٦٥ - ٦٦]. فانظر كيف يسر الله لهم هذه الحيتان في اليوم الذي مُنعوا من صيدها فيه ولكنهم - والعياذ بالله - لم يصبروا فقاموا بهذه الحيلة على محارم الله.
стр. 4015
ثم انظر إلى ما حصل لأصحاب النبي، ﷺ حيث ابتلاهم الله - تعالى - وهم محرمون بالصيود المحرمة على المحرم فكانت في متناول أيديهم ولكنهم ﵃ لم يجرؤوا على شيء منها قال الله - تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:٩٤]. كانت الصيود في متناول أيديهم يمسكون الصيد العادي باليد وينالون الصيد الطائر بالرماح فيسهل عليهم جداً، ولكنهم- ﵃ خافوا الله فلم يقدموا على أخذ شيء من الصيود.
وهكذا يجب على المرء إذا هيئت له أسباب الفعل المحرم أن يتقي الله وأن لا يقدم على فعل هذا المحرم وأن يعلم أن تيسير أسبابه من باب الابتلاء والامتحان فليحجم وليصبر فإن العاقبة للمتقين".
هذا، وقد سئل الشيخ- حفظه الله تعالى- عن حكم النذر والتبرك بالقبور والأضرحة، فأجاب بقوله:
"النذر عبادة لا يجوز إلا لله وكل من صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فإنه مشرك كافر، قد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار، قال الله - تعالى-: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. [المائدة:٧٢].
وأما التبرك بها: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملّة، وإن كان يعتقد أنها سبب وليست تنفع من دون الله فهو ضالّ غير مصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت، فينتقل من الدنيا على أسوأ حال، وليعلم أن الذي يملك الضر والنفع هو الله وأنه هو ملجأ كل أحد، كما قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل: ٦٢]. وبدلاً من أن يتعب نفسه في الالتجاء إلى قبر فلان وفلان، ممن يعتقدونهم أولياء، ليلتفت إلى ربه وليسأله جلب النفع ودفع الضرّ، فإن الله هو الذي يملك هذا".
كما سئل فضيلته عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب، وعن حكم الحلف بغير الله، فقال:
"التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك، فيكون من هذه الناحية بدعة أيضاً، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيراً أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركاً أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقرباً له وتعظيماً له، قال الله تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧]. وقال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:١١٠]. والمشرك شركاً أكبر كافر مخلد في النار والجنة عليه حرام لقوله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:٧٢].
ويجب الإنكار على من تبرك بالقبور أو دعا المقبور أو حلف بغير الله وأن يبين له أنه لن ينجيه من عذاب الله قوله: هذا شيء أخذنا عليه، فإن هذه الحجة هي حجة المشركين الذين كذبوا الرسل وقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف:٢٣] فقال لهم الرسول: أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:٢٤] قال الله تعالى: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:٢٥].
ولا يحل لأحد أن يحتج لباطله بكونه وجد عليه آباءه، أو بكونه عادة له ونحو ذلك، ولو احتج بهذا فحجته داحضة عند الله تعالى لا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً. وعلى الذين ابتلوا بمثل هذا أن يتوبوا إلى الله وأن يتبعوا الحق أينما كان وممن كان ومتى كان، وأن لا يمنعهم من قبوله عادات قومهم أو لوم عوامهم، فإن المؤمن حقاً هو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يصده عن دين الله عائق".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٨٨ - ٩٤
стр. 4016
المبحث السابع: الرد على اعتقادهم تمثل أرواح أئمتهم والصالحين بالأجساد
يقول الشيخ حمود التويجري ردا على ما قاله التبليغيون من مجيء الرسول ﷺ إلى دار العلوم بديوبند لتدقيق حساب المدرسة:"قلت: ما جاء في هذه القصة الخرافية فهو من أعظم الافتراء على رسول الله ﷺ وعلى خلفائه وأصحابه، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كذب عليَّ متعمداً؛ فليتبوأ مقعده من النار)) (١).
فلا يأمن الذين افتروا على رسول الله ﷺ وعلى خلفائه وأصحابه أن يكون لهم نصيب وافر من هذا الوعيد الشديد، وكذلك الذين يعتقدون صحة هذه الخرافة من التبلغيين وغيرهم لا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الجزاء على هذه الفرية العظيمة.
كما يقول الدكتور تقي الدين الهلالي بعد ذكره لهذه القصة معلقاً عليها أخطاءهم:
"اقرؤوا أيها الناس، واعجبوا كيف يؤسس النبي ﷺ مدرسة تحارب سنته وتنبذ هديه، فهي ماتريدية في العقائد، حنفية في المذهب، أسست على معصية الرسول والتفرق في الدين، لا يرضاها رسول الله ﷺ ولا الخلفاء الراشدون المهديون ولا أبو حنيفة ﵀. لأن عقيدة أبي حنيفة التي رواها عنه الثقات بعيدة كل البعد من الماتريدية والتقليد والتفرق، ولكن؛ إذا لم تستح؛ فاصنع ما شئت، وقل ما شئت".
وقال أيضا:
ولماذا يحضر النبي ﷺ لتدقيق الحساب؟! هل نزلوا بالنبي ﷺ حتى جعلوه حاسباً لهم نفقات المدرسة؟! وكفى بهذا سوء أدب مع النبي ﷺ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ماذا يبلغ الجهل والتقليد والتعصب بأهله؟؛".
ولا شك أن القول بتمثل الأرواح في الأجساد من خرافات المتصوفة التي ابتليت به الأمة، فإذا كان الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتحرك في قبره بمدِّ يَدٍ أو غيرها، فكيف بمن هو دونه، وكيف يمكن لهؤلاء الصوفية - أصحاب ديوبند - أن يتشكلوا في الأشكال بعد مماتهم ويأتوا إلى الدنيا لحل نزاع أصحابهم؟
يقول علماء اللجنة الدائمة:
"الأصل في الميت نبيًّا أو غيره أنه لا يتحرك في قبره بمد يد أو غيرها، فما قيل من أن النبي ﷺ أخرج يده لبعض من سلَّم عليه غير صحيح بل هو وهم وخيال لا أساس له من الصحة".
وجاء أيضاً في فتاوى اللجنة الدائمة إجابة على سؤالٍ حول رد الأرواح إلى الأجساد:
" ... ثانياً: رد روح شخص معين إلى جسده بعد قبض الله لها ممكن بقدرة الله لكن إثبات وقوعه يحتاج إلى دليل.
ثالثاً: ورد في القرآن أدلة تدل على رد أرواح بعض المخلوقات لحكم أرادها الله تعالى، ومن ذلك ما جاء في قصة قتيل بني إسرائيل، قال تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى [البقرة:٧٢ - ٧٣] الآية، ومن ذلك رد روح عزير وحماره بعد مائة سنة، قال تعالى: كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٥٩]. ومن ذلك رده جلّ وعلا أرواح الطير في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:٢٦٠].
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ٩٨ - ١٠٠
стр. 4017
المبحث الثامن: الرد على اعتقاد تصرف أئمتهم في الكون
لقد وجّه إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال ما يلي نصه، مع إجابة اللجنة عليه:
السؤال: إنني أسمع وأرى بعيني يقولون بأن الأولياء عندهم التصرف في الدنيا في العبد ويقولون بأنهم عندهم أربعين وجهاً تراه رجلاً وتراه ثعباناً وأسداً وغير ذلك، ويذهبون عند المقابر وينامون هناك ويدلجون هناك، ويقولون بأنه يقف عندهم في المنام ويقول لهم اذهبوا فإنك شفيت فهل هذا الكلام صحيح أم لا؟
الجواب: ليس للأولياء تصرف في أحد، وما آتاهم الله من الأسباب العادية التي يؤتيها الله لغيرهم من البشر، فلا يملكون خرق العادات، ولا يمكنهم أن يتمثلوا في غير صور البشر من ثعابين أو أسود أو قرود أو نحو ذلك من الحيوان، إنما ذلك أعطاه الله للملائكة والجن وخصهم به، ويشرع الذهاب إلى القبور لزيارتها والدعاء بالمغفرة والرحمة لأهلها ولا يجوز الذهاب إليها لطلب البركة والشفاء من أهلها والاستغاثة بهم في تفريج الكربات وقضاء الحاجات، بل هذا شرك أكبر، كما أن الذبح لغير الله شرك أكبر سواء كان عند قبور الأولياء أم غيرهم، فما حكيته عنهم مخالف للشرع بل من البدع المنكرة والعقائد الشركية وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
هذا، ومما قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز- ﵀ إجابة على سؤال وجّه إليه:
"وأما دعاؤهم غير الله، واستغاثتهم بغير الله، أو زعمهم أن آباءهم وأسلافهم يتصرفون في الكون، أو يشفون المرضى أو يجيبون الدعاء مع موتهم أو غيبتهم، فهذا كله من الكفر بالله ، وكله من أعمال المشركين".
كما وجه إلى اللجنة الدائمة سؤال يقول: ما معنى قول المنتسبين للتصوف: إن فلاناً صاحب الوقت وإنه من أهل التعريف ... الخ".
فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"معنى أن فلاناً صاحب الوقت ... الخ: أن هناك من إليه شؤون الخلق من البشر، ولديه قدرة على التصرف في أمورهم، يفرج شدتهم ويفكهم ويخلصهم مما أحاط بهم من البلاء، ويسوق إليهم ما شاء من الخيرات في نظرهم، ومن اعتقد ذلك فهو مشرك مع الله غيره في الربوبية وتدبير شؤون الخلق، ولا تصح الصلاة وراءه، ولا يجوز توليته أمر المسلمين ولا أن يجعل إماما لهم في الصلاة لكفره الصريح وشركه البين وهو أشر من شرك الجاهلية الأولى، قال الله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس:٣١ - ٣٢]. إلى غير ذلك من الآيات.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص ١١٢ - ١١٤
стр. 4018
المبحث التاسع: الرد على التزامهم المراقبة عند القبور
لمعرفة الغرض من المراقبة عند القبور والمرابطة عليها ومعرفة مدى خطورة هذه العقيدة نقرأ ما كتبه العلامة تقي الدين الهلالي رداً على ما قاله الشيخ محمد يوسف، يقول الدكتور الهلالي:
"قول محمد يوسف: "إن صاحب هذا القبر- يعني: أباه محمد إلياس- يوزع النور الذي ينزل من السماء في قبره بين مريديه حسب قوة الارتباط والتعلق به": هذا يسمى في اصطلاح غيرهم من أهل طرائق التصوف استمداداً.
وقد تقدم أن الشيخ عبد الكريم المنصوري السلجماسي لما أعطاني الطريقة التجانية؛ أمرني إذا جلست لذكر الله تعالى أن أتصور صورة الشيخ أحمد التجاني أمامي وعمود من نور يخرج من قلبه ويدخل في قلبي؛ يعني أنه ينور قلبي ويشرح صدري ويؤهِّله للفيوض.
وهذا كفر صريح.
وقد أخبرني الثقات أن عليًّا أبا الحسن الندوي كان يجلس في مسجد النبي ﷺ مستقبلاً الحجرة الشريفة في غاية الخشوع، لا يتكلم ساعتين وأكثر، فاستغربت هذا الأمر، وفهمت أنه استمداد، ولم أكن أعلم أن هذا شائع عندهم في طريقتهم، إلى أن كشفه محمد أسلم جزاه الله خيراً.
فهذا شرك بالله تعالى، واتخاذ وسائط بين العبد وبين ربِّه، وقد رأيت في كتاب (كشّاف القناع في شرح الإقناع) - من أشهر كتب فقه الحنابلة- ما نصه:
قال الشيخ ﵀: من اتخذ وسائط بينه وبين الله؛ كفر إجماعاً. والمراد بالشيخ هنا هو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.
ومن المعلوم أن الله تعالى هو الذي يمد عباده بالأرزاق الحسية كالطعام والشراب وقوة البدن، وبالأرزاق المعنوية؛ كهداية القلوب وتنويرها وشرح الصدور والتجليات لها، ولكن الله تعالى لا يحتاج إلى واسطة يتوسط بينه وبين خلقه في منحهم تلك الأرزاق؛ لا من الملائكة، ولا من الأنبياء، ولا من الصالحين.
فالملائكة يستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله لهم الرحمة، ولا يستطيعون أن يعطوهم مثقال ذرة من ذلك ولا أقل.
والأنبياء يعلمون أممهم، ويبلغونهم رسالة ربهم، ولا يستطيعون أن يعطوا أحداً منهم مثقال ذرة من الهداية ولا أقل من ذلك؛ لأن الهداية بيد الله وحده. قال الله تعالى لسيد الأنبياء: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [القصص:٥٦].
وطرائق المتصوفة يشبه بعضها بعضاً في ضلالاتها وشركها، وقول محمد يوسف: إن أباه محمد إلياس يوزع النور الذي ينزل عليه من الله تعالى على حسب ارتباط المريدين به وقوة إخلاصهم واستمدادهم أدهى وأمرّ مما تقدَّم وزيادة وضوح لهذا النوع من الكفر".
ويقول الشيخ حمود التويجري في كتابه:
"ومن الشركيات التي ذكرت عن بعض مشايخ التبليغيين أنهم كانوا يرابطون على القبور، وينتظرون الكشف والكرامات والفيوض الروحية من أهل القبور، ويقرون بمسألة حياة النبي ﷺ وحياة الأولياء حياة دنيوية لا برزخية".
وقال:
"وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على الرجل الذي أشركه مع الله في المشيئة؛ فكيف بمن صرف للنبي ﷺ أشياء كثيرة من خصائص الألوهية، فجعل النبي ﷺ معتمداً له في الاضطرار، وملجأ ومستغاثاً من الضر والشدائد، وسنداً ومدداً وملتحداً وساتراً للذنوب والفند، وعافياً ومقيلاً للعثار؟! ".
وقال أيضاً:
"فلينتبه المفتونون بالقبور والتمائم والتعاويذ الشركية والشعوذة والأحوال الشيطانية من التبليغيين وغيرهم لهذا الوعيد الشديد لمن أشرك بالله، ولا يستهينوا به، ولا يأمن الواقعون في أي نوع من الشرك أن يكون لهم نصيب وافر من الوعيد الشديد للمشركين".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ١٣٣ - ١٣٦
стр. 4019
المبحث العاشر: الرد على اعتقاد علم أئمتهم بما في الأرحام
لاشك أن مسالة العلم بما في الأرحام من الأمور الغيبية التي لا يعلمها أحد إلا الله . ونكتفي في هذا الباب على تقديم فتوى اللجنة الدائمة إلى القارئ، وفيما يلي نص السؤال والجواب:
السؤال: في عدد العربي ٢٠٥ ص٤٥ التاريخ ديسمبر ١٩٧٥م في سؤال وجواب أثبت أن الرجل هو الذي يحدد نوع الجنين فما موقف الدين من هذا؟ وهل يعلم الغيب أحد غير الله؟.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
الجواب: أولاً: إن الله هو وحده الذي يصور الحمل في الأرحام كيف يشاء فيجعله ذكراً أو أنثى كاملاً أو ناقصاً، إلى غير ذلك من أحوال الجنين، وليس ذلك إلى أحد سوى الله سبحانه؛ قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:٦]، وقال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:٤٩ - ٥٠] فأخبر سبحانه أنه وحده الذي له ملك السماوات والأرض، وأنه الذي يخلق ما يشاء فيصور الحمل في الأرحام كيف يشاء من ذكورة أو أنوثة، وعلى أي حال شاء من نقصان أو تمام ومن حسن وجمال أو قبح ودمامة إلى غير ذلك من أحوال الجنين ليس ذلك إلى غيره ولا إلى شريك معه، ودعوى أن زوجاً أو دكتوراً أو فيلسوفاً يقوى على أن يحدد نوع الجنين دعوى كاذبة، وليس إلى الزوج ومن في حكمه أكثر من أن يتحرى بجماعه زمن الإخصاب رجاء الحمل، وقد يتم له ما أراد بتقدير الله وقد يتخلف ما أراد، إما لنقص في السبب أو لوجود مانع من صديد أو عقم أو ابتلاء من الله لعبده، وذلك أن الأسباب لا تؤثر بنفسها وإنما تؤثر بتقدير الله أن يرتب عليها مسبباتها، والتلقيح أمر كوني ليس إلى المكلف منه أكثر من فعله بإذن الله، وأما تصريفه وتكييفه وتسخيره وتدبيره بترتيب المسببات عليه فهو إلى الله وحده لا شريك له، ومن تدبر أحوال الناس وأقوالهم وأعمالهم تبين منهم المبالغة في الدعاوى والكذب والافتراء في الأقوال والأفعال جهلاً وغلواً في اعتبار العلوم الحديثة وتجاوزاً للحد في الاعتداد بالأسباب، ومن قدر الأمور قدرها ميز بينما هو من اختصاص الله منها وما جعله الله إلى المخلوق بتقدير منه لذلك سبحانه".
وجاء أيضاً في "فتاوى اللجنة الدائمة" السؤال والجواب التالي:
السؤال: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:٣٤]، من ضمن الآية الكريمة أن الله يقول: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان:٣٤]. لقد صار بيني وبين أحد الأصدقاء نقاش كبير حول هذه الآية، فلقد قال لي إن العلم الحديث والأطباء قد توصلوا لمعرفة ما في رحم المرأة هل هو ذكر أم أنثى بواسطة الأشعة، وقلت له: الله سبحانه يقول: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان:٣٤]، هل معنى الآية أن العلم لم يكتشف ما في الأرحام أم أن الآية تفسيرها غير ذلك؟
стр. 4020
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد: الجواب: ثبت في الأحاديث الصحيحة أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، وأنها المذكورة في الآية المسؤول عنها، من ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهن إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:٣٤])) (١) وفي رواية له عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفاتح الغيب خمس ثم قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان: ٣٤])) (٢) رواه الإمام أحمد عنه (٣) وعن ابن مسعود بمعناه (٤)، وروي من طرق أخرى تؤيد ما دلت عليه الآية، ومعنى الآية أن الله تعالى استأثر بعلم الساعة فلا يجليها لوقتها إلا هو، فلا يعلمها لميقاتها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وقد أعلمهم الله بأماراتها ولا يعلم متى ينزل الغيث ولا في أي مكان ينزل إلا الله، وقد يعرف ذلك أهل الخبرة عند وجود الأمارات وانعقاد الأسباب علماً تقريبياً إجمالياً يشوبه شيء من التخمين وقد يتخلف، واختص سبحانه أيضاً بعلم ما في الأرحام تفصيلاً من جهة تخلقه وعدم تخلقه ونموه وبقائه لتمام مدته وسقوطه قبلها حياً أو ميتاً وسلامته وما قد يطرأ عليه من آفات دون أن يكسب علمه بذلك من غيره أو يتوقف على أسباب أو تجارب بل يعلم ما سيكون عليه قبل أن يكون وقبل أن تكون الأسباب، فإن مقدر الأسباب وموجودها عليم لا يتخلف ولا يختلف عنه الواقع وهو الله سبحانه، وقد يطلع المخلوق على شيء من أحوال ما في الأرحام من ذكورة أو أنوثة أو سلامة أو إصابته بآفة أو قرب ولادة أو توقع سقوط الحمل قبل التمام، لكن ذلك بتوفيق من الله إلى أسباب ذلك من كشف بأشعة لا من نفسه ولا بدون أسباب وذلك بعد ما يأمر الله الملك بتصوير الجنين، ولا يكون شاملاً لكل أحوال ما في الرحم بل إجمالاً في بعضه مع احتمال الخطأ أحياناً، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً من شؤون دينها ودنياها، فهذا أيضاً مما استأثر الله بعلمه تفصيلاً، وقد يتوقع الناس كسباً أو خسارة على وجه الإجمال مما يبعث فيهم أملاً وإقداماً على السعي أو خوفاً وإحجاماً بناء على أمارات وظروف محيطة بهم فكل هذا لا يسمى علماً، وكذا لا تدري نفس بأي أرض تموت في بر أو بحر في بلدها أو بلد آخر إنما يعلم تفصيل ذلك الله وحده فإنه سبحانه له كمال العلم والإحاطة بجميع الشؤون علنها وغيبها، ظاهرها وباطنها.
وجملة القول: إن علم الله من نفسه غير مكتسب من غيره ولا متوقف على أسباب وتجارب وأنه يعلم ما كان وما سيكون، وأنه لا يشوب علمه غموض ولا يتخلف وأنه عام شامل لجميع الكائنات تفصيلاً جليلها ودقيقها بخلاف غيره سبحانه والله المستعان".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ١٥٩ - ١٦٤
стр. 4021
المبحث الحادي عشر: الرد على اعتقاد علم النبي والأولياء للغيب
يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين إجابة على سؤال وجه إليه، وإليك نص السؤال والجواب:
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من يدّعي علم الغيب؟
"فأجاب بقوله: الحكم فيمن يدعي علم الغيب أنه كافر؛ لأنه مكذّب لله -قال الله- تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:٦٥]، وإذا كان الله يأمر نبيه محمداً، ﷺ ، أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله في هذا الخبر. ونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي، ﷺ لا يعلم الغيب؟؛ هل أنتم أشرف أم الرسول، ﷺ ؟! فإن قالوا نحن أشرف من الرسول. كفروا بهذا القول، وإن قالوا هو أشرف فنقول لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟! وقد قال الله عن نفسه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧]. وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله - تعالى- نبيه، ﷺ ، أن يعلن للملأ بقوله: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:٥٠].
هذا، وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين- حفظه الله- عن حكم من ادعى الغيب، وما هي أنواع الغيب، التي يتشوق الإنسان إلى معرفتها؟
فأجاب:
"من ادعى علم الغيب فهو كاهن أو ساحر أو طاغوت، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله، لقوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩] والمراد بالغيب علم ما يكون في الأزمنة القادمة وعلم الآجال والأعمار، ونحو ذلك".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة الأسئلة والأجوبة التالية:
السؤال: هل النبي ﷺ حاضر وناظر "أي يعلم الغيب فالحاضر عنده والغائب سواء"؟
стр. 4022
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد: الجواب: الأصل في الأمور الغيبية اختصاص الله بعلمها، قال الله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام:٥٩]، وقال تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:٦٥]، لكن الله تعالى يطلع من ارتضى من رسله على شيء من الغيب قال الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف:٩]، وثبت في حديث طويل من طريق أم العلاء أنها قالت: "لما توفي عثمان بن مظعون أدرجناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ، فقال رسول الله ﷺ : ((وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدرى بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي فقلت: والله لا أزكي بعده أحداً أبداً)) رواه أحمد (١) وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه (٢)، وفي رواية له ((ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به)) (٣) وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ قد أعلمه الله بعواقب بعض أصحابه فبشرهم بالجنة، وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ عند البخاري ومسلم أن جبريل سأل النبي ﵊ عن الساعة فقال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) (٤). ثم لم يزد على أن أخبره بأماراتها فدل على أنه علم من الغيب ما أعلمه الله به دونما سواه من المغيبات وأخبر به عند الحاجة".
ومما جاء في فتاوى اللجنة:
стр. 4023
"السؤال: أقسام الغيب، وهل كان النبي ﷺ يعلم الغيب، وهل كان علمه له كلياً أو جزئياً. الجواب: من الغيب ما استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً كتحديد الوقت الذي يقوم فيه الخلق لله رب العالمين للحساب، فإنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:١٨٧]، وقال تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:٦٣]، وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا [النازعات:٤٢ - ٤٥]، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما الحديث الطويل المشهور أن جبريل سأل رسول الله ﷺ ((متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) (١) ثم أخبره بأماراتها.
ومن الغيب ما أعلمه الله بعض عباده كالأمور المستقبلية التي أخبر بها النبي ﷺ فكانت معجزة له وآية من آيات الله خص الله بها رسوله وهي داخلة في قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن:٢٧]، وفي قوله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء [عمران:١٧٩]، وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب علماً كلياً وإنما كان يعلمه علماً جزئياً في حدود ما أطلعه الله عليه، شأنه في ذلك شأن إخوانه النبيين، والمقصود الإيضاح بالمثال لا للاستقصاء".
وجاء في الفتاوى أيضاً:
"السؤال: إذا قلنا لإخواننا هنا إن علم الغيب خاص بالله تعالى فلا يعلم الغيب رسول ولا ملك قالوا لنا إن الرسول ﷺ يعلم الغيب وهذا القرآن الذي جاء به هو غيب و ... و ... و ... ويستدلون أيضاً بقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧] والرسول ممن ارتضاه الله يعلم الغيب. فما رد فضيلتكم في هذا وهل يجوز القول بأن الرسول يعلم الغيب استناداً إلى هذه الآية. الرجاء من معاليكم الرد على هذا السؤال.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
стр. 4024
الجواب: علم الغيب خاص بالله تعالى لقوله تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:٦٥] وقوله: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:١٨٨] لكنه سبحانه يطلع من يشاء من عباده كالملائكة والأنبياء والمرسلين على ما شاء من غيبه لقوله تعالى:: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧] ومن ذلك ما أنزله الله على رسوله محمد ﷺ من الوحي ومنه القرآن، وكذلك شأن الله مع أنبيائه ورسله السابقين غير أن علمهم ذلك ليس لهم من أنفسهم بل بإعلام الله إياهم ثم إن هذه النصوص لا تدل على أن الله تعالى علمهم كل غيب وإنما تدل على أنه علمهم ما شاء منه".
وجاء أيضاً:
"السؤال: ما حكم زيارة المرابطين الذين يزعمون علم الغيب ما حكم الشرع فيهم ومن سكت عنهم ومن زارهم؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
الجواب: علم الغيب من اختصاص الله جل وعلا، ومن ادعى علم الغيب من الناس فقد ادعى لنفسه ما هو من اختصاص الله جل وعلا وجعل نفسه شريكاً له في ذلك وقد يظهر الله ما شاء من الغيب لمن ارتضاه من رسله، قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩] وقال تعالى قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:٦٥] وقال تعالى:: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧] فقد دلت هذه الآيات على أنه جل وعلا منفرد بالغيب دون خلقه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله لهم ودلالة صادقة على ثبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب الحصى وينظر في الكتب ويزجر الطير ويدعي علم الغيب ممن ارتضاه من الرسل فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه.
وبهذا يعلم أن زيارتهم محرمة وأنهم كفار ولا يجوز السكوت عنهم ولا عمن زارهم بل الواجب بيان الحق للكل أداء للأمانة وبراءة للذمة ونصحاً للأمة".
وجاء أيضاً في الفتاوى إجابة على سؤال ما يلي:
"إن الله سبحانه حكم بأن علم الأمور الغيبية خاص به فقال: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:٦٥] ولم يستثن من ذلك إلا من ارتضى من رسله فيظهره على ما شاء من الغيب قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧].
فمن ادعى من أمم الأنبياء والمرسلين أنه يعلم الغيب فهو كاذب، ومن زعم أن أحداً من الأولياء والصالحين أتباع الرسل عقيدة وعملاً يعلم الغيب فهو مخطئ كاذب لمخالفته ما نزل من آيات القرآن وما ثبت عن النبي ﷺ من الأحاديث الدالة على اختصاص الله تعالى بعلم المغيبات".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ١٧٢ - ١٨٠
стр. 4025
المبحث الثاني عشر: الرد على اعتقاد أن النبي مخلوق من نور وأنه أول خلق الله
لقد وجهت إلى كبار علماء السنة وإلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عدة أسئلة حول موضوع خلق الرسول ﷺ هل هو بشر أم خلق من النور؟ وهل هو أول الخلق؟ وما إلى ذلك من الأسئلة، نقدم فيما يلي بعضاً منها مع ذكر إجابة العلماء عليها.
السؤال: "إذا مات الشخص وهو يعتقد أن الرسول ﷺ ليس ببشر وأنه يعلم الغيب وأن التوسل بالأولياء والأموات والأحياء قربة إلى الله فهل يدخل النار ويعتبر مشركاً؟ علماً أنه لا يعلم غير هذا الاعتقاد وأنه عاش في منطقة علماؤها وأهلها كلهم يقرون بذلك، فما حكمه، وما حكم التصدق عنه والإحسان إليه بعد موته؟ ".
وأجاب عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بقوله:
"من مات على هذا الاعتقاد بأن يعتقد أن محمداً ﷺ ليس ببشر أي ليس من بني آدم أو يعتقد أنه يعلم الغيب فهذا اعتقاد كفري يعتبر صاحبه كافراً كفراً أكبر، وهكذا إذا كان يدعوه ويستغيث به أو ينذر له أو لغيره من الأنبياء والصالحين أو الجن أو الملائكة أو الأصنام؛ لأن هذا من جنس عمل المشركين الأولين كأبي جهل وأشباهه، وهو شرك أكبر".
كما أجاب فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين على مثل هذا السؤال بقوله:"من اعتقد أن النبي ﷺ نور من الله وليس ببشر وأنه يعلم الغيب فهو كافر بالله ورسوله وهو من أعداء الله ورسوله، وليس من أولياء الله ورسوله، لأن قوله هذا تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فهو كافر، والدليل على أن قوله هذا تكذيب لله ورسوله قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [الكهف:١١٠] وقوله ﷺ : ((إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) (١).
هذا وقد وجِّه إلى اللجنة الدائمة السؤال التالي:
"هل النبي ﷺ نور من نور الله كما يقول بعض الناس، وهل هو نور عرش الله "؟
فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"النبي ﷺ نور هدى ورشاد كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]. وليس بدنه نوراً وليس هو من نور الله الذي هو وصفه بل هو لحم وعظم وما خالطهما خلق من أب وأم كغيره كما مضت بذلك سنة الله تعالى في البشر وكان يأكل ويشرب ويقضي من شأنه وله ظل إذا مشى في شمس أو نحوها، وأما قوله تعالى: قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ [المائدة:١٥ - ١٦] الآية، فالمراد بالنور في ذلك ما يبعثه الله به من الوحي، من عطف الخاص على العام ولم يثبت في القرآن ولا في السنة الصحيحة أنه نور عرش الله فمن زعم ذلك فهو كاذب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
стр. 4026
كما وجّه إلى اللجنة السؤال التالي:"إن جل الناس يعتقدون أن الأشياء خلقت من نور محمد ﷺ وأن نوره خلق من نور الله ويروون ((أنا نور الله وكل شيء من نوري)) (١) ويروون أيضاً ((أول ما خلق الله نور محمد ﷺ ) (٢) فهل لذلك من أصل؟ ويروون ((أنا عرب بلا عين أي رب، أنا أحمد بلا ميم أي أحد)) (٣) فهل لذلك من أصل؟
وأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"سبق منا جواب مفصل بالفتوى رقم ٢٨٧١ هذا نصها: "وصف الرسول ﷺ بأنه نور من نور الله إن أريد به أنه نور ذاتي من نور الله فهو مخالف للقرآن الدال على بشريته، وإن أريد بأنه نور باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سبباً لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك هذا نصها: للنبي ﷺ نور هو نور الرسالة والهداية التي هدى الله بها بصائر من شاء من عباده، ولا شك أن نور الرسالة والهداية من الله قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى:٥١ - ٥٣]. وليس هذا النور مكتسباً من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أما جسمه ﷺ فهو دم ولحم وعظم .. إلخ، خلق من أب وأم ولم يسبق له خلق قبل ولادته وما يروى أن أول ما خلق الله نور النبي ﷺ أو أن الله قبض قبضة من نور وجهه وأن هذه القبضة هي محمد ﷺ ونظر إليها فتقاطرت فيها قطرات فخلق من كل قطرة نبياً أو خلق الخلق كلهم من نوره ﷺ فهذا وأمثاله لم يصح منه شيء عن النبي ﷺ ، ومن خلال الفتوى السابقة يظهر أنه اعتقاد باطل. وأما ما يروى: أنا عرب بلا عين فلا أساس له من الصحة وهكذا أنا أحمد بلا ميم، وصفة الربوبية والانفراد من الصفات المختصة بالله فلا يجوز أن يوصف أحد من الخلق بأنه الرب ولا أنه أحد على الإطلاق، فهذه الصفات من اختصاص الله سبحانه ولا يوصف بها الرسل ولا غيرهم من البشر. كما وجّه إلى اللجنة الدائمة سؤال حول ((لولاك ما خلقت الأفلاك)) (٤) أهذا حديث موضوع أو ضعيف"؟ فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"ذكره العجلوني في "كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" وقال: قال الصغاني إنه موضوع، ثم قال: وأقول: لكنه معناه صحيح وإن لم يكن حديثاً. نقول بل هو باطل لفظاً ومعنى؛ فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] ولم يثبت حديث عن النبي ﷺ يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات في الأحاديث الموضوعة وقال: قال الصغاني موضوع. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
كما وجه إلى اللجنة السؤال: هل سيدنا رسول الله ﷺ أول خلق الله أم سيدنا آدم"؟
فأجابت اللجنة عليه بما يلي:
"أول خلق الله من البشر آدم ﵊ بإجماع المسلمين وبصريح القرآن، ونبينا ﵊ بشر من سلالة آدم، وأما قول بعض الجهلة، إن نبينا أول خلق الله أو أنه مخلوق من نور الله أو من نور العرش فقوله باطل لا أساس له من الصحة".
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ١٩٢ - ١٩٨
стр. 4027
المبحث الثالث عشر: الرد على اعتقادهم حياة النبي في قبره حياة دنيوية
وجهت إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أسئلة عن حياة النبي ﷺ وعن سماعه كل دعاء ونداء، فأجاب عليها كبار العلماء، وفيما يلي نص الأسئلة والأجوبة: السؤال: في حياة النبي ﷺ أكان النبي ﷺ حياً في قبره الشريف بإعادة الروح في الجسد والبدن (العنصرية) بحياة دنيوية حسية أو حياً في أعلى عليين بحياة أخروية برزخية بلا تكليف كما قال النبي ﷺ حين حضره الموت: ((اللهم بالرفيق الأعلى)) (١) وجسده المنور الآن كما وضع في قبر بلا روح والروح في أعلى عليين، واتصال الروح بالبدن والجسد المعطر عند يوم القيامة كما قال الله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:٧]
الجواب: إن نبينا محمدا ﷺ حي في قبره حياة برزخية يحصل بها التنعيم في قبره بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، ولم تعد إليه روحه ليصير حياً كما كان في دنياه ولم تتصل به وهو في قبره اتصالاً يجعله حياً كحياته يوم القيامة بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة، وبذلك يعلم أنه قد مات كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم، قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:٣٤] وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠] إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله قد توفاه إليه؛ ولأن الصحابة ﵃ قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ولو كان حياً حياته الدنيوية ما فعلو به ما يفعل بغيره من الأموات. ولأن فاطمة ﵂ قد طلبت إرثها من أبيها ﷺ لاعتقادها بموته ولم يخالفها في ذلك أحد من الصحابة، بل أجابها أبو بكر ﵁ بأن الأنبياء لا يورثون (٢).
ولأن الصحابة ﵃ قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر ﵁، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك فهو إجماع منهم على موته.
ولأن الفتن والمشاكل لما كثرت في عهد عثمان وعلي ﵄ وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشاكل وطريقة حلها، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء.
أما روحه فهي في أعلى عليين لكونه أفضل الخلق، وأعطاه الله الوسيلة وهي أعلى منزلة في الجنة ﵊.
стр. 4028
ومن تلك الأسئلة أيضاً: السؤال: هل يسمع النبي ﷺ كل دعاء ونداء عند قبره الشريف أو صلوات خاصة حين يصلى عليه كما في الحديث ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ... )) (١) إلى آخر الحديث أهذا الحديث صحيح أو ضعيف أو موضوع على رسول الله ﷺ ؟ الجواب: الأصل أن الأموات عموماً لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم ولا دعاءهم كما قال تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر:٢٢] ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي ﷺ يسمع كل دعاء أو نداء من البشر حتى يكون ذلك خصوصية له وإنما ثبت عنه ﷺ أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط سواء كان من يصلي عليه عند قبره أو بعيداً عنه كلاهما سواء في ذلك، لما ثبت عن علي بن الحسين بن علي ﵃ أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)) (٢).أما حديث: ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ومن صلى علي بعيداً بلغته)) (٣) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، وأما ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٤).
стр. 4029
فليس بصريح أنه يسمع سلام المسلم بل يحتمل أنه يرد عليه إذا بلغته الملائكة ذلك لو فرضنا سماعه سلام المسلم لم يلزم منه أن يلحق به غيره من الدعاء والنداء.
هذا، ويقول الشيخ حمود التويجري ردًّا على كلام حسين أحمد السابق:
"قلت: يلزم على قول حسين أحمد: "إن الأنبياء أحياء حياة حقيقية غير برزخية" لوازم باطلة:
منها: أن يكون الأنبياء يمشون على الأرض مثل غيرهم من الأحياء، ويأكلون ويشربون، ويحتاجون إلى قضاء الحاجة مثل غيرهم من الأحياء، وأن يكونوا ظاهرين بين الناس يراهم الناس ويجالسونهم ويتعلمون منهم، وكل من هذه الأمور باطل معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل، والقول بها أو بشيء منها هوس وهذيان لا يصدر من أحد له أدنى شيء من العقل.
ومن اللوازم الباطلة التي تلزم على قول حسين أحمد أيضاً: أن يكون قبر النبي ﷺ خالياً من جسده الشريف، وكذلك قبور سائر الأنبياء، وهذا معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل، ولا يقول به إلا من هو مصاب في عقله.
ومن اللوازم الباطلة أيضاً ما يترتب على هذا القول الباطل من تكذيب النصوص الدالة على موت النبي ﷺ وموت سائر البشر، كقوله تعالى في سورة الزمر: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠].
وقوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:١٤٤]
وقوله تعالى في سورة الأنبياء: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الأنبياء:٣٤ - ٣٥ [.]
وقوله تعالى في سورة العنكبوت: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٧]
وقوله تعالى في سورة آل عمران: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:١٨٥]
وقوله تعالى في سورة الرحمن:: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الرحمن:٢٦ - ٢٧ [] فإذا كان حسين أحمد وغيره من مشايخ جماعة التبليغ المخرفين يرون أن الأنبياء أحياء حياة حقيقية، وأن لجماعتهم وأكابرهم حظ وصول في مجالس النبي ﷺ يقظة لا مناماً، ويرون بطلان ما يعتقده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من أن حياة الأنبياء كانت في المدّةِ التي قضوها في الدنيا، بعد ذلك هم وأتباعهم سواء في الموت؛ فماذا يجيبون به عن هذه النصوص الدالة على أن الموت عام للأنبياء وغيرهم من سائر البشر؟! وماذا يجيبون به عن الأحاديث الكثيرة التي جاءت في موت النبي ﷺ ودفنه؟! وما ثبت عنه أنه قال: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة)) (١)؟!.
وإذا لم يكن لهم جواب صحيح عن الآيات التي تقدم ذكرها، وعن الأحاديث الدالة على موت النبي ﷺ ومكثه في قبره إلى يوم القيامة؛ فالواجب عليهم الرجوع إلى الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اعتقاد موت الأنبياء وغيرهم من سائر البشر، واعتقاد أن الأنبياء وغيرهم من الأموات لا يزالون في قبورهم إلى يوم القيامة، وأن أول من ينشق عنه القبر رسول الله ﷺ ؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح، وما خالفه، فهو من العقائد الفاسدة التي زينها الشيطان لأوليائه من الصوفية والتبليغيين.
المصدر: الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن - ص ٢٠٦ - ٢١٢
стр. 4030
المبحث الرابع عشر: الرد على اعتقاد جواز شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وأنه من أعظم القربات
يقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ﵀ في جوابه لسؤال: ما حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ وغيره من قبور الأولياء والصالحين وغيرهم؟ "لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي، ﷺ ، أو قبر غيره من الناس في أصح قولي العلماء، لقول النبي، ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)). متفق عليه (١).
والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي، ﷺ ، وهو بعيد عن المدينة أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي فتدخل زيارة القبر الشريف وقبرَيْ أبي بكر وعمر والشهداء وأهل البقيع تبعاً لذلك. وإن نواهما جاز لأنه يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، أما نية القبر بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً لا يحتاج إلى شد الرحال ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفراً فلا حرج في ذلك، لأن زيارة قبره ﷺ ، وقبر صاحبيه من دون شد رحل سنة وقربة، وهكذا زيارة قبور الشهداء وأهل البقيع وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان سنة وقربة لكن بدون شد الرحال، لقول النبي ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). أخرجه مسلم في صحيحه (٢). وكان ﷺ ، يُعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)) أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه (٣) ".
كما سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ ، فأجاب بقوله:
"شد الرحال إلى زيارة القبور لا يجوز، لأن النبي، ﷺ ، يقول: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) والمقصود بهذا أنه لا تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض لقصد العبادة بها الشد، لأن الأمكنة التي تخصص بشد الرحال هي المساجد الثلاثة فقط وما عداها من الأمكنة لا تشد إليها الرحال، فقبر النبي، ﷺ ، لا تشد الرحال إليه وإنما تشد الرحال إلى مسجده فإذا وصل المسجد فإن الرجال يسن لهم زيارة قبر النبي، ﷺ وأما النساء فلا يسن لهم زيارة قبر النبي، ﷺ ، والله الموفق".
هذا، وقد وجّهت إلى اللجنة الدائمة عدة أسئلة في هذا الموضوع، ومما أجابت اللجنة على تلك الأسئلة:"لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وغيرهم بل هو بدعة، والأصل في ذلك قوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) وقال ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٤). وأما زيارتهم دون شد رحال فسنة لقوله ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). أخرجه مسلم في صحيحه".
"السفر لزيارة قبر الرسول ﷺ لا يجوز، والمشروع زيارة مسجده، والصلاة فيه، وليست بواجبة، ومن زار مسجده ﷺ شرع له أن يسلم عليه وعلى صاحبيه ﵄.