← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فانظر كيف خاف ﵊ من إضلال الشيطان لعباد الله تعالى بالمبالغة في المديح فيدخل الشيطان على المسلمين من باب تعظيم الرجال والتعصب لهم ولأقوالهم؛ وقد فعل. ولقد عد الإمام الشاطبي ﵀: أن التصميم على اتباع العوائد – وهي اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق – عده من أسباب الاختلاف والفرقة، وهذا هو التقليد المذموم الذي ذم الله متبعيه حينما قالوا: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢] ثم قال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٤] فنبههم على وجه الدليل الواضح، لكنهم استمسكوا بمجرد تقليد الآباء (١).ويبين عمرو بن العاص ﵁ صورة من صور هذا التقليد المذموم الذي يصد عن اتباع الحق وذلك أن رجلا قال له: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال عمرو: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم (يعني أباه ومن هم في طبقته) وكانوا ممن نوازي حلومهم الجبال. فلما بعث النبي ﷺ فأنكروا عليه، قلدناهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين، فوقع في قلبي الإسلام (٢).إن التقليد والاتباع المحرم المذموم هو أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول كائنا من كان المخالف (٣).وهذا التقليد المذموم والتعصب الأعمى قد جر ويلات كثيرة على الأمة المسلمة، وأوجب أنواعا من الفساد كثيرة (٤)، منها: "التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا ويعاديه، ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن، والهمز، واللمز. وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله، والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله. وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته، ومن أهل الفرقة بالفرقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها رسوله " (٥).فكل من نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣٢] (٦).ثم ليعلم أن المتعصب لأحد المذاهب الفقهية فيه شبه بأهل البدع، وهو قريب من منهجهم متحل ببعض سماتهم، يقول ابن تيمية ﵀: " ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي، وكالخارجي، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء " (٧). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٤٨ - ٢٥١

стр. 72

المبحث السابع: التنازع على السلطة والملك وحب الرئاسة والظهور والبغي أخبرنا الله عن أهل الكتاب واختلافهم، وكشف لنا سبحانه عن سبب تفرقهم مع ما عندهم من العلم الذي كان يجب أن يجمعهم، ويحسم الخلاف الذي وقعوا فيه، ولكنهم حقيقة اختلفوا عن علم، وتفرقوا عن عمد، وما ذاك إلا لبغي بعضهم على بعض، يقول الله : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩]، وقال : وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: ١٤]. قال أبو العالية عن قوله تعالى: إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ بغيا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس (١).وقال الطبري في معناه: " أنهم أتوا ما أتوا من الباطل على علم منهم بخطأ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه تعديا من بعضهم على بعض، وطلب الرياسات والملك والسلطان " (٢).فالذي فرق أهل الكتاب هو تنازعهم على السلطة والملك، وحب الرئاسة والظهور والسعي لحصول ذلك ولو بظلم الناس وأخذ أموالهم وقطع رقابهم (٣).ولقد حذر عثمان بن عفان ﵁ من ذلك، فقال في آخر خطبة له في جماعة بعد كثرة الفتوحات قال للناس: ". . لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، واتقوا الله، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا " (٤).

стр. 73

إن التهالك على الدنيا والسعي الحثيث للحصول على المناصب والرئاسة فيها مذموم، إذ يطبع صاحبه على الحسد، والشح ويدفع ساعيه لظلم الناس ليتحقق مطلوبه، والفساد لا يظهر في البلاد والعباد إذا صدر هذا العمل من فئتين من الناس – المفترض فيهم الإصلاح والإخلاص – فإن صدر من الأمراء، وصدر من العلماء وقعت البلية، وعمت الرزية، وتمكن العدو من المسلمين لأن ولاتهم من العلماء والأمراء في شغل شاغل لتحقيق مصالحهم ومطامعهم. فتقع الفرقة في كيان الأمة لأن المصلحين من العلماء والأمراء متفرقون فيما بينهم، مختلفون في مصالحهم فكيف يجمعون الأمة ويسعون لإصلاح الناس؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه. لذلك جاء التحذير الشديد من الرسول الرحيم ﵊ لما سمعت الأنصار بقدوم مال من البحرين تعرضوا لرسول الله ﷺ بعد صلاة الفجر، فتبسم ﵇ ثم قال: ((أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) وفي رواية: ((وتلهيكم كما ألهتهم)) (١). ولقد أخبر ﵊ بوقوع ذلك في هذه الأمة ففي حديث آخر قال: ((إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ : " أو غير ذلك؟ تنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون – أو نحو ذلك – ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)) (٢).ولقد رتبت الأمور بعضها على بعض في الحديث، إذ الأمر يأتي بالتدريج، قال النووي ﵀: " قال العلماء التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهية أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، أما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، والتدابر: التقاطع وقد بقي مع التدابر شيء من المودة أو لا يكون مودة ولا بغض، أما التباغض فهو بعد هذا ولهذا رتبت في الحديث " (٣). وأما قوله: ((. . ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين. .)) أي ضعفائهم فيجعلون بعضهم أمراء على بعض (٤).ولقد أخبر ﷺ أن هلاكا سيقع في الأمة عند تنازع ولاتها على الملك، ففي الحديث أنه قال: ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)) (٥).والمراد بالغلمة هنا جمع غليم بالتصغير وهو الضعيف العقل والتدبير والدين، ولو كان محتلما (٦).فأخبر ﷺ أن ولايتهم هلاك للأمة، وذلك أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله، فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالي الفتن (٧).ولقد جاء في وصف الخوارج أنهم " حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام " ومن كان هذا وصفه حري به أن يسارع في الفتنة جهلا منه، مع ما قد يجتمع معه من حب الرئاسة والظهور، وهذا كان حال الخارجين على عثمان ﵁، المثيرين النزاع حول السلطة، المفرقين للأمة، إذ المتتبع لتراجم هؤلاء الخارجين على عثمان ﵁ يجدهم ممن يوصف بالشجاعة والجرأة والإقدام، ومع حب الرئاسة والظهور، وليس بينهم من يوصف بالعلم والفقه (٨).

стр. 74

ومما يدل على أن الخارجين على عثمان ﵁ كان سبب خروجهم طلب الرئاسة والملك، أنه لما بويع علي بن أبي طالب ﵁، واستقر له الأمر بعد وقعة الجمل، استعمل ﵁ عبد الله بن عباس على البصرة وبلغ ذلك مالكا الأشتر (١) - وهو من الخارجين على عثمان – فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ (٢)؟ إذ اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم (٣)، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي " (٤)؟! بل إنهم صرحوا بأن خروجهم وشغبهم على عثمان كان طلبا للرئاسة، فقد كان هؤلاء النفر (٥) أثاروا الشغب والفتنة في الكوفة، فسيرهم عثمان ﵁ إلى معاوية في الشام، فذكرهم معاوية بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة الأمة (٦)، وبين لهم معاوية كيف أن ولاة الأمر للمسلمين جنة فقال: " أن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة (٧)، فلا تسدوا عن جنتكم ... ".فقال صعصعة بن صوحان (٨): أما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا (٩). أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا (١٠).ولقد كتب معاوية إلى عثمان ﵁ يصفهم فقال: إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام وأضجرهم العدل، ولا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتة، وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم ... " (١١).إن إثارة الشغب والفتنة في الأمة، وظهور الخلافات السياسية بين ولاة أمر المسلمين من شأنه أن يضعف الدولة الإسلامية، ويشجع على ظهور الفرق المبتدعة، فسرعان ما تطل الفتنة برأسها، وترفع البدعة لوائها لتفرق الجماعة المسلمة، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال في وصف الخوارج: ((يخرجون على حين فرقة من الناس)) (١٢).ولقد عاب الصحابة ﵃ التنازع على السلطة والتقاتل على الملك، فعن سعيد بن جبير (١٣)

стр. 75

فقال خرج علينا عبد الله عمر فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا، قال فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: " قاتلوهم حتى لا تكون فتنة " فقال: " هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (١).فالرجل أراد أن يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة التي تقع بين المسلمين، والتي كان ابن عمر ترك القتال فيها، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، فأخبره عن الفتنة المأمور بالقتال فيها، وقوله: " وليس كقتالكم على الملك " أي: في طلب الملك، وهو يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك (٢).ولقد ذم أبو برزة الأسلمي (٣) ﵁ وأنكر القتال على الملك ولطلب الدنيا فقال: " إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا (٤)، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا (٥)، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل على الدنيا (٦) (٧). إن المنازعة على الملك والسلطة مذمومة لكل أحد، فما بالك إذا كانت المنازعة من قبل العلماء؟!. إن صلاح العلماء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر صلاح للأمة، وبالمقابل فإن فسادهم وسوء نياتهم بلاء وفتنة للأمة، لذلك جاء الوعيد الشديد لمن طلب العلم بقصد الرئاسة والظهور، وكان همه الحصول على متاع دنيوي بهذا العلم الرباني، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)) (٨).يقول الإمام الآجري محذرا من هذا المسلك: " فمن طلبه للفخر والرياء، والجدل والمراء، وتأكل به الأغنياء، وجالس به الملوك وأبناء الملوك، لينال به الدنيا فهو ينسب نفسه إلى أنه من العلماء، وأخلاقه أخلاق أهل الجهل والجفاء، فتنة لكل مفتون، لسانه لسان العلماء، وعمله عمل السفهاء (٩).يقول عبد الله بن مسعود ﵁: " لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله سادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها " (١٠).ويبين معاذ بن جبل ﵁ خطورة العلماء طلاب الرئاسة والدنيا فيقول في كل مجلس يجلسه: " هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ في ذلك الزمان فيقول: ما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، فيقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة " (١١). فهذا الرجل الجاهل الذي قرأ القرآن وتحلى بزي العلماء – وليس منهم – يبتدع في دين الله، ويضل عباد الله، كل ذلك طلبا للرئاسة وحب الظهور، فهذا الصنف من الناس من شأنه أن يفرق الأمة بما ينشر بينهم من بدع وضلالات. وليس هذا فقط، بل من شأنه أن يسارع في كل فتنة ويخرج عن كل قول ومذهب؛ متى ما برقت الدنيا أمامه، ووعد بمنصب أو رئاسة (١٢)، وصدق عبد الله بن المبارك حينما قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها (١٣) المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٥٥ - ٢٦٣

стр. 76

المبحث الثامن: الخروج عن طاعة أولي الأمر (العلماء والأمراء) لقد أمر الله بطاعة أولي الأمر، وعد ذلك من طاعته كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ [النساء: ٥٩]، واختلف في المراد بـ " أُوْلِي الأَمْرِ" هنا: فقيل: إنهم الأمراء، وقيل إنهم العلماء والفقهاء (١). والظاهر أن الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء (٢). يقول ابن قيم الجوزية مرجحا أن المراد بأولي الأمر: العلماء والأمراء: والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعا، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فإن العلماء، ولاته حفظا وبيانا وذبا عنه، وردا على من ألحد فيه وزاغ عنه. والأمراء ولاته قياما وعناية وجهادا وإلزاما للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس، وسائر النوع الإنسان تبع لهما ورعية" (٣). نعم، إن هؤلاء هما الناس، وسائر النوع الإنساني تبع لهما ورعية، ومتى ما اختل هذا الميزان وقعت الفرقة في الأمة، ودب الضعف في كيانها. إن تنحية العلماء عن منصب الولاية والقيادة (٤)، والخروج عن قولهم ورأيهم خطر عظيم، وأمارة من أمارات الساعة، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (٥).والمراد بـ " الأمر ": هو جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء، والإفتاء وغير ذلك (٦).ومعنى الحديث: " أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها " (٧). وقد يغفل بعض الناس عن أهمية طاعة العلماء، ويقللون من خطر الخروج عن مشورتهم، فنجد كثيرا من يتحدث عن وجوب طاعة الأمراء، وأهميته في تحقق الجماعة واستتباب الأمن في المجتمع، وهذا حق. . ولكنهم يغفلون عن أهمية طاعة العلماء، وحاجة الأمة كلها رؤساء وأمراء وعامة إليهم.

стр. 77

إن الخروج عن طاعة العلماء الربانيين، وترك مشورتهم مفسد للدنيا والآخرة، ولا يعني هذا تقديسهم أو التعصب لأقوال الرجال، ليس هذا إطلاقا، بل متى ما عارض قولهم قول الله ورسوله رد ولم يقبل، فقولهم معتبر ورأيهم متبع لأنهم يتبعون ما جاء من ربهم ويبينونه للناس، يقول الإمام أحمد بن حنبل واصفا العلماء: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة " (١).أما ولي الأمر من الأمراء فطاعتهم واجبة ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فالله سبحانه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: ٥٩]، فلم يقل وأطيعوا أولي الأمر بل عطف طاعتهم على طاعة الرسول إذ أنه لا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول ﷺ (٢).فطاعة أولي الأمر إذاً ليست طاعة مفردة مستقلة، بل طاعتهم طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم، واجبة لهم ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٣). ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قوله: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) (٤).وقال أيضا: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (٥). وقال: ((إنما الطاعة في المعروف)) (٦).وقال ﵇: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه)) (٧).وكان ما قاله ﵊ في حجة الوداع قوله: ((إن أمر عليكم عبد مجدع – حسبتها قالت أسود - (٨). يقودكم بكتاب الله فأسمعوا له وأطيعوا)) (٩). وفي هذه النصوص فوائد وأحكام منها:

стр. 78

وجوب طاعة الإمام وأن طاعته من طاعة رسول الله ﷺ . إن من أطاع الأمراء ممتثلا أمر الله ورسوله فأجره على الله، أما إن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق (١)، يقول الرسول ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ... وذكر منهم: " رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له؛ وإلا لم يف له)) (٢).إن المرام بالإمام هنا: ليس مقصورا على إمامة المسلمين العامة، بل يشمل كل من ولي أمرا من أمور المسلمين وقام بأمور الناس، وكانت توليته من الإمام العام (٣). فيجري عليه الحكم. إن طاعة الإمام ليست طاعة مطلقة أو مستقلة، بل طاعتهم تكون ما أطاعوا الله ورسوله، فالطاعة في المعروف. وبالتالي: لا طاعة للإمام إذا أمر بمعصية الله تعالى، فيحرم على من كان قادرا على الامتناع عن طاعة الإمام إذا أمر بمعصية، تحرم عليه هذه الطاعة (٤). إن على المؤمن أن يتقي الله، ولا تأخذه العزة بالإثم، وتأخذه الأنفة من أن يطيع وينقاد لمن ولي أمر المسلمين مهما كان شكله أو نسبه، ما دام أن يحكم بكتاب الله تعالى. إن وجوب طاعة الإمام، والنهي عن الخروج عليه لا تعني المداهنة والمسايرة لهذا الإمام على حساب الدين، ولا تعني السكوت عن المنكر وتحسين فعل الإمام، بل يجب إنكار المنكر، والأمر بالمعروف مع البقاء على الطاعة العامة، قال رسول الله ﷺ : ((إنه يستعمل عليكم أمراء. فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضى وتابع)) (٥). وقال: ((إذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا عن طاعة)) (٦). فمن كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه، فليكرهه بقلبه وليبرأ ولا إثم عليه، أما الإثم والعقوبة فتكون على من رضي وتابع (٧). مسألة: متى يجوز الخروج على الإمام بالسيف وقتاله وخلعه؟ بين لنا رسول الله ﷺ متى يكون ذلك، إنها في حالة واحدة في حال الكفر بالله ، ففي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: ((دعانا النبي ﷺ فبايعناه. . على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)) (٨).وفي حديث آخر لما ذكر من تغير الأمراء قالوا له: ((يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)) (٩).وفي حديث آخر قوله: (( ... وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل: يا رسول الله ألا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)) الحديث (١٠).قال النووي ﵀: " لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام " (١١).ويقول ابن حجر عن الوالي الكافر: " إنه ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض " (١٢). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٦٤ - ٢٧٥

стр. 79

المبحث التاسع: التشنيع على أولي الأمر والتقول عليهم، وتأليب الناس ضدهم وتتبع زلاتهم والاحتجاج بها إن من الأسباب التي تفرق الأمة المسلمة وتدعو للخروج على الجماعة وإمامها ما يفعله بعض المغرضين وأصحاب الأهواء، أو الجهال من التشنيع على أولي الأمر ولهم في ذلك طرق كثيرة منها: التقول على أولي الأمر من علماء وأمراء، والكذب عليهم، ولهم في هذا أهداف. محاولة تحقير أولي الأمر والحط من شأنهم بالاحتجاج بزلاتهم، والعمل على هتك سترهم وتصيد أخطائهم، وتضخيمها ونشرها، أو تأويل ما يقع حسب ما يهوون، ووفق ما يخدم مصالحهم. وبيان ذلك بالآتي:

стр. 80

التقول على أولي الأمر، والكذب عليهم: لقد دأب أهل الأهواء وأصحاب الفرقة على التقول على أولي الأمر لتأليب الناس ضدهم، ولإعطاء أنفسهم مبررا لخروجهم على الجماعة وعلى إمام المسلمين، فأشعلوا الفتنة وأراقوا دماء المسلمين. ولقد سلك مدبروا الفتنة الخارجون على عثمان ﵁ هذا المسلك فكذبوا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان حينما سرقوا خاتمه وزوروا الكتاب باسمه إلى عامله بمصر يأمره بقتل من رجع عنه من ثوار مصر (١).وزوروا كتابا آخر بلسان علي بن أبي طالب إلى ثوار أهل العراق – الذين شرعوا في المسير نحو ديارهم بعد محاورتهم لعثمان واقتناع أغلبهم – يطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة (٢).ولم يكتف هؤلاء الثوار بذلك بل سعوا إلى التقول والكذب على أم المؤمنين عائشة ﵂، وكتابة كتاب باسمها تأمر الناس فيه بالخروج على عثمان (٣).وبيَّن محب الدين الخطيب أثر التقول على الولاة، وأثر الوشايات الكاذبة في التحريض على الخروج على الإمام، فقال: كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﷺ فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرؤوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي يثبت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين، ومحرومين سلبوا حقهم (٤).إن حب الدنيا والطمع في الرئاسة يدفع أصحاب الأهواء إلى الكذب على ولاة الأمر، وإلى تزييف الحقائق، وتأويل المواقف، كل ذلك ليحصل مرادهم من تأليب الناس على الولاة، ومن تبرير عداوتهم لهم، فانظر كيف أن بعض بني مروان كان يشيع أن عليا ﵁ لم يكن خليفة راشدا، بل كان ممن ينازع على الملك؟! وكذبوا فيما قالوا (٥).بل دفع حب الدنيا والموالاة والمعاداة فيها إلى سب علي ﵁، وسب بعض الصحابة الكرام، والدعوة إلى ذلك، والتجاسر على التقول عليهم (٦). فنعوذ بالله من الخذلان، ومن استزلال الشيطان. كما أن من أسباب التقول على الولاة ورؤوس الناس أن هؤلاء الجهال أصحاب الفرقة والضلال إذا سمعوا كلاما مجملا من ولي الأمر زادوا فيه وحملوه ما لا يحتمل، تقول عائشة ﵂: " يرحم الله عليا، إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله. فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث" (٧).لذلك كان عمر ﵁ يحتاط لنفسه من ذلك، فيقول للناس: " إني قائل مقالة قدر لي أن أقولها، فمن عقلها ورعاها فليحدث بها حتى تنتهي به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب علي " (٨). لقد شرط عمر للنقل عنه: الفهم الصحيح لما قاله، والأمانة في النقل فقال: " فمن عقلها ورعاها، فالتقول على الناس عموما إما أن يكون بسبب عدم فهم ما قيل، وتحميل الكلام ما لا يحتمل، وتأويله على هوى فهم السامع لا على مراد القائل. أو يكون بسبب الخيانة في النقل والكذب فيه، وهذا يفسد كثيرا في أحوال الناس العامة، فما بالك إذا كان هذا المنهج يتبع في النقل عن المسؤولين وولاة الأمر؟!.

стр. 81

فينبغي لكل مسلم أن يتقي الله ويعلم أن قوله من عمله، وأن الله سائله عنه يوم القيامة، فيتقي الله فيما ينقل عن الناس عامة، وعن أولي الأمر والمسؤولين خاصة، ولا يكن ديدنه ومحور حديثه: يقولون إنه قيل كذا وكذا، ويزعمون أنه حصل كذا وكذا؟!!. إن الأمر خطير إن كان كذبا على الأمراء والمسؤولين، فما بالك إذا كان كذبا على العلماء حملة هذا الدين، إن الخطب أشد. إن الكذب على العلماء، والتقول عليهم يراد به أمران: - الأول: إما أن يراد به التشنيع عليهم والطعن فيهم، والحط من قدرهم بين الناس، وحقيقة هذا الطعن: طعن في الدين، إذ العلماء حملته، وتشكيك في تعاليمه: إذ العلماء الربانيون هم ورثة الأنبياء الحاصلون لواء الدعوة لهذا الدين، القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا عيبوا ولمزوا وطعن فيهم فهو طعن في علمهم الذي يحملون ويبلغون. إنها محاولة من أعداء الدين لزعزعة ثقة الناس بالعلماء، ومن ثم فقد المرجعية العلمية في أمور دينهم، ونشر الجهل بذلك بينهم فيسهل تفريقهم وإضعافهم. والثاني: أن يراد بالكذب على العلماء: ترويج القول بالباطن، والتدليس على الناس، ونشر البدعة والضلالة بنسبته إلى إمام مشهور، وعالم موثوق، فلما يسمع الناس أن هذا قول فلان من العلماء يقبلون هذا القول لثقتهم بهذا العالم دون النظر إلى القول نفسه، وبهذا تروج البدعة وتفترق الأمة، وأكثر من يسلك هذا الأسلوب: أصحاب الأهواء والبدع، إذ ينسبون أقوالهم الباطلة للعلماء المشهورين (١).فعلى المسلم أن يتثبت في النقل عن العلماء من مصادرهم وكتبهم، ولا يطير بكل كلمة تقال وتحكى عن عالم أو إمام ويغرر بها، بل عليه أن يتروى ويتثبت (٢).ولعل الخطب الآن في العصر الحديث أشد لنفوذ داء الكذب على العلماء، وسرعة انتشاره، لسرعة وسائل الإعلام الحديثة التي يتابعها عامة المسلمين، وصدق رسول الله ﷺ حينما قال: ((ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف)) (٣).

стр. 82

من الطرق التي تسلك للتشنيع على أولي الأمر: محاولة تحقيرهم والحط من شأنهم بالاحتجاج بزلاتهم، والعمل على هتك سترهم، وتصيد أخطائهم وتضخيمها ونشرها، أو تأويل ما يقع منهم حسب ما يهوون ووفق ما يخدم مصالحهم، وهاك توضيح ذلك: زلة العالم: مما جاء في التحذير منه عن الأئمة الأعلام: التحذير من زلة وخطأ العالم، يقول عمر بن الخطاب ﵁: " ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون " (١).ويقول أبو الدرداء ﵁: " إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق " (٢).وكان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال: " الله حكم قسط هلك المرتابون، وكان مما قاله يوما: ". . وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال: قلت (٣) لمعاذ: ما يدريني – رحمك الله – أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟! ولا يثنيك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا (٤). إن في كلام معاذ ﵁ فوائد وقواعد في التعامل مع زلة العالم منها:

стр. 83

الحذر من زيغة الحكيم وزلته فإنها فتنة، وإن الشيطان حريص على إضلال الناس وتفريقهم بإزلال العالم الحكيم، وإجراء كلمة الباطل على لسانه لترويجها بين المسلمين. يقول ابن تيمية مبينا كيف تكون الفتنة والمحنة للناس بزلة العالم فيقول: " ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار من أسباب المحن والفتنة، فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك، وقد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك، بل يتعدون ويزيدون زيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة، والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل، قد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم، ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله، فهذا واقع كثير في موارد النزاع الذي وقع فيه خطأ من بعض الكبار " (١).إن الغرض من التحذير من زيغة العالم وزلته هو عدم اتباعه في هذه الزلة أو الاحتجاج بها، إذ الحجة في قول الله وقول رسوله وإليهما ترد موارد النزاع (٢). إن الحق يجب أن يقبل ممن قاله أيا كان، وأن الباطل يجب أن يرد على من قاله أيا كان (٣).أما كيف نعرف أن هذا القول من العالم خطأ وزلة؟ فبين معاذ ﵁ ذلك بقوله: " اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟ "، وفي رواية أخرى: " هي كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه "؟ (٤).فزلته ضابطها: أنه يخالف بها جمهور الأمة، والعلماء المجتهدون هم الذين يعرفون ما وافق الحق وما خالفه (٥)، وينكرون على العالم زلته، يقول ابن تيمية: " وهنا أصل يجب اعتماده: وذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يعصم آحادها من الخطأ، لا صديقا ولا غير صديق، لكن إذا وقع بعضها في خطأ فلابد أن يقيم الله فيها من يكون على الصواب في ذلك الخطأ. وإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا، فلابد أن يكون فيها من يأمر بذلك المعروف " (٦).ويقول الشاطبي ﵀: " فإن قيل فهل لغير المجتهدين من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة، فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين " (٧).إن زلة العالم لا توجب هجرانه أو الحط من قدره، لذلك قال معاذ: " ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع "، فهذا هو المنهج في التعامل مع العلماء الأجلاء، وهذه هي وسطية الإسلام واعتدال السلف الصالح، يقول ابن القيم: " معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها لا توجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما ... فلا نؤثمهم ولا نعصمهم، ولا نقبل كل أقوالهم ولا نهدرها ...

стр. 84

ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع يعلم أن الرجل الجليل قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده " (١).إنه من الواجب على كل مسلم عدم حكاية الأقوال الضعيفة، أو العمل على نشرها بين المسلمين، فربما سمعها أحد من العامة فاتبعها لجهله، أو عمل بها موافقة لهواه، يقول ابن القيم: " فإذا كنا قد حذرنا زلة العالم، وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها؛ فكثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة، مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها (٢).إن إثارة هذه الأقوال الضعيفة للعلماء، والتشويش بها على عامة المسلمين، والطعن بها على علمائهم ومذاهبهم من حيل أعداء الدين لتفريق المسلمين، وتشكيكهم في الحق الذي معهم، يقول ابن تيمية: " ومثل هذه المسألة الضعيفة (٣) ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين، لا على وجه القدح فيه، ولا على وجه المتابعة له فيها، فإن ذلك ضربا من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة، وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد. والله أعلم " (٤). ب – من طرق التشنيع على أولي الأمر: ما يقوم به أهل الأهواء وأصحاب الفرقة من هتك ستر أولي الأمر، وتصيد أخطائهم والعمل على تضخيمها ونشرها بين الناس، وهذا أسلوب دنيء يخالف ما أمرنا به من الستر على المسلم وعدم التجسس عليه، وتلمس العذر له إن أخطأ، والعمل على مناصحته لا فضحه. ثم إن هذا التصرف الذي يديره أهل الأهواء، وتلوكه العامة جهلا منها بذلك، من شأنه أن ينشر البغضاء والعداوة في الأمة خاصة إذا كان هذا الأمر صادرا من العامة ضد ولاة أمرها. ثم إنه إذا انتشر هذا الأسلوب وقعت الهوة بين أولي الأمر وبين العامة، وفقدت الثقة بين هؤلاء وهؤلاء، وعمت الفوضى، وتفرقت الأمة وفقدت مرجعيتها، وأصبحت لقمة سائغة لكل خارجي مقاتل، أو عدو مخادع. فيجب على المسلم ألا ينظر للفعل الصادر من أخيه المسلم دون نظر إلى مبرراته، والسؤال عن مقتضاه حتى تتضح له الصورة، مثال ذلك أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس ﵄: " إن الناس يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية. ولولا أني أخاف أن أكتم علما لم أكتب له " (٥).

стр. 85

مثال آخر: أن حذيفة بن اليمان كان بالمدائن، وكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان الفارسي فيذكرون قول حذيفة، فيقول سلمان: " حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان في مبقلة فقال: يا سلمان، ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: ((أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فأجعلها عليهم صلاة يوم القيامة)). والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر " (١).ويروي البخاري في صحيحه (٢) أن رجلا من أهل مصر حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: " من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء من قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان, كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك ".فالسائل كان ممن يتعصب على عثمان ويعيب عليه، فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبر مستحسنا لما أجابه به ابن عمر، لكن ابن عمر أظهر له العذر عن جميعها لما عرف قصده، وقال له في آخر كلامه: اذهب بها الآن معك " أي: اقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان (٣).

стр. 86

ونجد بعض المسلمين ينتهج نهج هذا المصري من تصيد الأخطاء، واستلالها، دون تلمس للأعذار أو نظر للمحاسن. والعجب كل العجب كيف استزل الشيطان الناس في استباحتهم أعراض العلماء والأمراء والمشهورين من المسلمين، والتساهل في الخوض في سبهم وشتمهم، وغيبتهم، فبعض المجالس (١) لا تدور إلا بما قال هذا العالم أو فعل ذاك الأمير؛ مما قد يكون في أموره الخاصة والتي يستتر بها، وكأنه لا حرمة لهم، أو أن غيبتهم مباحة، بل الأمر يتعدى الغيبة ليصل إلى البهتان، فاحذر أخي المسلم من هذا المزلق، فإنه مؤشر خطير على سوء حال الراعي والرعية. ج- إن سبل الضلال كثيرة، وحيل الشيطان عديدة، لذلك نجد أصحاب الأهواء والفرقة المخالفين للسنة يعمدون إلى ما يصدر من أولي الأمر من أقوال أو أعمال – خاصة إن كانت مجملة أو فيها إيهام – فيعمدون إلى تأويلها تأويلا فاسدا حسب ما يشتهون، ويحاولون الاستدلال بالنصوص وفق ما يخدم مصالحهم، فهذا رجل سائل يأتي عبد الله بن عمر ﵁ ويقول له: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بهذه الآية التي يقول الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، قال: فإن الله يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٣٩] قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلوه، وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه – وأشار بيده – وهذه ابنته أو بنته حيث ترون " (٢).فهذا السائل يعتقد أمرا فجاء يسأل لا سؤال استفهام ومعرفة، بل سؤال من اعتقد شيئا ويريد أن يؤيده ويحتج به، فكان السائل يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك، ولذلك لما رأى أن ابن عمر لا يوافقه فيما يعتقده ولا يؤيده على استدلاله، صرح بمراده وقال: " فما قولك في علي وعثمان؟ فرد عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبي ﷺ والاعتذار عما عابوا به عثمان (٣).ومن الأمثلة على تحريف الأقوال وصرفها حسب ما يهواه السامع لا على حسب مراد القائل: أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ أرسلت إلى ابن عمر تقول له: " بلغني أنك تحرم صوم رجب؟ فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟! (٤).يقول الإمام أبو بكر محمد الطرطوشي (٥)

стр. 87

تعليقا على هذا الأثر: " وقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة مؤقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب، وهذا التحريف ديدن الناس اليوم، والله المستعان " (١).وصدق الإمام الطرطوشي فهذا التحريف ديدن الناس اليوم! لذلك يجب على العلماء والأمراء ورؤوس الناس البعد عن مواطن الشبه، والحذر من الأمر الملتبس وإن كان في نفسه مباحا، حتى لا يلتبس على العامة لجهلهم وقصر نظرهم، أو لسوء ظن بعضهم، فعلى أولي الأمر دفع الريبة عن أنفسهم وإيضاح الموقف وعدم السكوت أو التأجيل، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وذلك أن صفية بنت حيي زوجه جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبي ﷺ : ((على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي, فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبُر عليهما، فقال النبي ﷺ : إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)) (٢).قال ابن حجر ﵀: " وفي الحديث من الفوائد. . التحرز من التعرض لسوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم " (٣).لذلك لما أبصر عمر ﵁ طلحة بن عبيد الله وعليه ثوبان ممشقان (٤)، قال له: " ما هذا يا طلحة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (٥)، فقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، ولو رآك أحد جاهل قال: طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم، وإن أحسن ما يلبس المحرم البياض، فلا تلبسوا على الناس " (٦). كما أنه ينبغي على أولي الأمر: علماء وأمراء، وعلى المعارضين لهم: أن يفتحوا باب الحوار والنقاش للنظر في سبب الخلاف بينهما ووجه الاعتراض، وطرح كل أوجه النقد ومناقشتها لتجلية الموقف، فإن كان فيه لبس وضح، وإن كان العالم أو الأمير أو الرئيس مخطئا تراجع عن خطئه؛ إذ لا عصمة لأحد من الناس إلا الأنبياء. إن ترك الحوار والاستفهام، وترك التثبت يجلب الفتنة والمحنة للأمة، واعتبر بما حدث مع عثمان ﵁ ومع الخارجين عليه المخالفين لأمره، إذ طلب عثمان ﵁ – وهذا من فقهه وعلمه - في بادئ الأمر أن يستعتبوه، وأن يعرف منهم سبب غضبهم وخروجهم عليه، ويسمعوا له ويفهموا سبب فعله، ولما حدث الحوار بين الطرفين تمهدت الأعذار، وانزاحت العلل، ولم يبق لهؤلاء الخارجين الثائرين شبهة، خاصة من كان من الأتباع المخدوعين المغرر بهم، فما أن سمعوا قول عثمان ﵁ وحجته إلا عرفوا الحقيقة واقتنعوا ورجعوا إلى ديارهم (٧). لكن أصابع الفتنة ما زالت تعبث بعقول العامة، وتنشر الفرقة في جسد الأمة مستعملة الكذب والوشايات والتزوير، فما أن قفلت الجموع الثائرة على عثمان ﵁ إلى ديارهم راضية مقتنعة، إلا بعثت الكتب المزورة في أثرها تغريها بالرجوع، فكان ما كان من عودتها وحصارها لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وقتله محصورا شهيدا ﵁ وأرضاه. فهذه الجموع الثائرة لم تنصت لصوت الحق دائما، ولم تتثبت وتتبين في كل مرة، ولم تتحاكم إلى قول الله ورسوله, بل جعلت الهوى لها قائدا والكذب حجة فضلت وأضلت، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٧٧ - ٢٩١

стр. 88

المبحث العاشر: التشبه بالكافرين، واتباع سننهم لقد حذرنا الله ورسوله ﷺ من اتباع سنن الكافرين خاصة أهل الكتابين، وأخبرنا أن أمته ستتبع السنن الماضية الضالة، وأنها ستفترق كما افترقوا. وفي هذا بيان أن تقليد الكفرة واتباع طريقتهم وسيرتهم من أسباب الفرقة التي دبت في الأمة، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة "، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)). وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا شبرا وذراعا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك)). (١) وفي حديث آخر عن أبي واقد الليثي أنه قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر إنها السنن قلتم – والذي نفسي بيده – كما قالت بنو إسرائيل لموسى: قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨]. لتركبن سنن من كان قبلكم)). (٢) ويقول ابن تيمية: " فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان ﷺ ينهى عن التشبيه بهؤلاء وهؤلاء " (٣).ولقد جاءت نصوص كثيرة تأمرنا بمخالفة الكفار، وتنهى عن التشبه بهم، ولقد خصت الفرقة بمزيد ذكر في كتاب الله حيث جاء النهي عن مشابهة الكافرين في تفرقهم خاصة (٤)، يقول الله : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].

стр. 89

ويأمر الله نبيه بمخالفة الكافرين وعدم اتباع أهوائهم، يقول : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: ١٨]، ويقول سبحانه: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد: ٣٧]. والناظر لأحوال الأمة الآن يجد أن الفرقة قد دبت بين المسلمين، وأن البدعة قد فشت فيهم، وأن في كثير منها مشابهة ومضاهاة للكافرين، مثل الغلو في الصالحين، وكتم العلم أو تحريفه كما فعلت اليهود، أو جحد الحق الذي مع المخالف كما فعلت اليهود والنصارى، والغلو في الدين والابتداع فيه من البناء على القبور، واتخاذ العبادات والأعياد التي لم يشرعها الله ولا رسوله (١)، والذي من شأنه أن يحرف الناس عن الصراط المستقيم، ويلجئهم للسبل المفرقة للأمة. وحاضر المسلمين اليوم شاهد على ذلك من ترك أكثرهم نصوص الوحيين وجريهم خلف الكافرين ومتابعة عوائدهم وسننهم سواء كان على مستوى الدولة في السياسة والحكم أو على مستوى الفرد في الأخلاق والسلوك مما يوهن جسد الأمة، ويبث الفرقة والاختلاف فيها كما هو واقع الآن. ولقد بين ابن تيمية ﵀ الحكمة من النهي عن مشابهة الكافرين، والأمر بمخالفتهم، وأن في ذلك مزيد تمسك بالصراط المستقيم فقال: " وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف. وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة، وكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر لأمور منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما؛ في الأخلاق والأعمال. ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام – الذي هو الإسلام لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا، أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقته اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين " (٢). وإن صاحب هذا التقليد للكافرين هوى في النفوس كان أدهى وأمر، وأشد تفريقا للأمة، لما في اتباع الهوى من صد عن الصراط المستقيم، كما يتضح بالآتي .. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٩٢ - ٢٩٥

стр. 90

المبحث الحادي عشر: اتباع الهوى لقد أمرنا الله بوجوب طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ووصانا سبحانه بلزوم الصراط المستقيم واتباعه، وبين سبحانه أن من خرج عن الصراط المستقيم لما تهواه نفسه فهو تائه ضال بذلك (١). قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].إنهما أمران لا ثالث لهما: إما أن يكون المرء متبعا للحق، أو يكون متبعا للهوى، يقول الإمام الشاطبي في معرض ذمه للبدع: " أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦]، فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك (٢).وبين في موضع آخر أن اتباع الهوى من أسباب الاختلاف ووقوع الفرقة في الأمة فقال: " من أسباب الخلاف: اتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع " أهل الأهواء " لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك (٣). والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦]. وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامته العذر في الخلاف، وإنما أدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق (٤)، لذلك لم يأت في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم (٥). ولقد جاء الأمر صريحا لمحمد ﷺ باتباع الشرع الحنيف، والنهي عن اتباع الهوى فقال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: ١٨]. والشريعة التي جعله عليها تتضمن ما أمر به، وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة، فهو من أهواء الذين لا يعلمون، فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله على عباده من هداه.

стр. 91

ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك. قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينا وشمالا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء " (١).وصدق أبو العالية ﵀، فهذه الأهواء المذمومة قد فرقت الأمة، وفككت كيان الجماعة المسلمة، ولقد أخبرنا عن ذلك محمد ﷺ لنحذر منها، ونجانبها، ونلزم الجماعة المسلمين، ونسلك الصراط المستقيم، ففي الحديث عن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما فذكر: ((إن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقا ولا مفصلا إلا دخله)) (٢).وقال رسول الله ﷺ أيضا: ((إن مما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم، ومضلات الأهواء)) (٣). ولقد أنكر عبد الله بن عباس ﵄ على الرجل الذي قال له: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم، فقال له ابن عباس: " الهوى كله ضلالة " (٤).وها هو ذا عبد الله بن عمر يقول: " ما فرحت بشيء من الإسلام أشد فرحا بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء " (٥). وليعلم أن النهي عن اتباع الهوى نهي يشمل: هوى الشهوات وهو داء العصاة، الذي يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق كفسق الأعمال ونحوها وهو الاستمتاع بالخلاق. وهوى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وهو يقع بالاعتقاد الباطل كالبدع ونحوها، وهو الخوض في الباطل. وهما مذكوران في قوله تعالى: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة: ٦٩]. ولقد كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه. والدواء لهذين الدائين يكون بالصبر واليقين كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]. فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات " (٦).

стр. 92

إن النهي في اتباع الأهواء ليس نهيا عن اتباع أهواء الأمم السابقة، بل يلحق به متابعة أهل الأهواء والبدع في بدعهم، أو مداهنتهم عليها والسكوت عن الإنكار عليهم تحت أي دعوى من الدعاوى الحديثة التي تزعم التقريب أو التأليف بين الفرق، وهي في حقيقتها تطالب بتنازل أهل السنة عن السنة وعن الاتباع، يقول الإمام الشوكاني ﵀ عن قوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠]. يقول: " وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع عنه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدهان لأهل البدع والمتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا، وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك .... فهو إذ ذاك ماله من الله من ولي ولا نصير، ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك ولا شبهة " (١).والمتأمل لأسباب الفرقة التي تقدم ذكرها، يجد أنها تدور في رحاها بين الجهل وبين اتباع الهوى والظلم، لذلك لا اجتماع للأمة إلا بوحدتها على كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم، والتزام صراطه المستقيم علما وعملا، حقا وعدلا، وما أحوجنا إلى سؤال الله ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " الإنسان خلق ظلوما جهولا، فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وأكله وشربه، ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل، والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم" (٢). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٩٦ - ٣٠٠

стр. 93

المطلب الأول: ضرر الفرقة على الفرد المفارق لقد جاء النهي الأكيد والتحذير الشديد من الفرقة، كما أن الله توعد الساعي في تفريق الأمة، المفارق لجماعتها بالوعيد الشديد مما يلحق به الضرر البالغ، ومن ذلك: أولا: الوعيد الشديد من الله تعالى لأهل الفرقة لقد توعد الله سبحانه المفارق للجماعة المسلمة في نصوص عديدة، يقول الله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] فمن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ ، وخالف ما اجتمعت عليه الأمة المحمدية (١)، وخالف طريق المسلمين (٢) فقد عرض نفسه للعقاب الشديد من الله في قوله تعالى: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا النار يوم القيامة (٣). وقال الله متوعدا المفارقين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ١٣] فهؤلاء الذين خالفوا الله ورسوله وساروا في شق وتركوا الشرع والإيمان واتباعه في شق، وشقوا العصا وجعلوها فرقتين ... فهؤلاء توعدهم بقوله: فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ هو الطالب الغائب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء ﵎ لا إله غيره ولا رب سواه (٤). ويكفي أهل الفرقة أصحاب البدع وعيدا لهم أن رسول الله ﷺ منهم بريء، وهم منه برءاء. يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] عن الحسن البصري قال: خرج علينا عثمان بن عفان ﵁ يوما يخطبنا، فقطعوا عليه كلامه، فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء، قال: وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي ﷺ فقيل: هذا صوت أم المؤمنين، قال: فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (٥).وعند الطبري أن أم سلمة قالت: ليتق امرؤ أن لا يكون من رسول الله ﷺ في شيء، ثم قرأت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (٦).

стр. 94

ولما كان هؤلاء المفارقون بريئين من محمد ﷺ ، ومحمد منهم بريء توعدهم الله فقال: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ [الأنعام:١٥٩]. أي: أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك ودون كل أحد، إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضيل مني عليهم, ويوم القيامة يجازي كلا منهم بما فعله في الدنيا، المحسن منهم بالإحسان، والمسيء بالإساءة كما قال: ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (١). ثانيا – تسويد الوجوه يوم القيامة إن الفضيحة أن يأتي أهل الفرقة أصحاب البدع يوم القيامة وقد اسودت وجوههم عقابا لهم لما أحدثوه في دين الله وفرقوا به المسلمين، يقول الله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: ١٠٥ – ١٠٦] قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: "يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس ﵄" (٢). ثالثا – أن شذوذه عن الجماعة شذوذ إلى النار هذا ما توعد به رسول الله ﷺ المفارق للجماعة، فإن مفارقته هذه وشذوذه عن الصراط المستقيم إنما هو شذوذ إلى النار والعياذ بالله، قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار)). (٣) بل إن هذا الذي خلع طاعة إمامه، وفارق جماعة المسلمين قد ارتكب إثما عظيما عند الله, ففي الحديث عن رسول الله ﷺ : ((فمن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) (٤).وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "والله ما فارق رجل الجماعة شبرا إلا فارق الإسلام". (٥) رابعا – إن المفارق يأتي يوم القيامة ولا حجة لهولا يسأل عنه لسوء حاله، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)) (٦) وقال: ((ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده)) (٧).

стр. 95

خامسا – الحرمان من الشرب من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلمما أشد عطش الناس يوم القيامة؟! ومن أشد الحرمان أن يحرم العبد المسلم من أن يشرب من حوض نبينا محمد ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبدا، ويخشى على المبتدعة المفارقين لجماعة المسلمين أن يكونوا ممن يحال بينهم وبين الشرب من الحوض (١).ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) (٢).وقال ﷺ : ((أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجالا منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوك بعدك)) (٣). سادسا – الموت ميتة جاهليةإن هذا المفارق للجماعة لو مات وهذا حاله فميتته ميتة جاهلية قال رسول الله ﷺ : ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية)). (٤) ويقول ﷺ : ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية)) (٥) والمراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت للأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير الحق (٦).فهذا وعيد شديد لكل من يسعى لقلب الحكم وحل البيعة بسيفه بالإفساد كالتفجير والتهديد والقتل وإخلال الأمن، أو بلسانه بتأليب الناس على الإمام وتحريضهم للخروج عليه، فمن هذا شأنه ومات على ذلك فحال موته كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لا أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا (٧).

стр. 96

سابعا – البعد عن التوبة، واستدراجه في معصيته لقد حجب الله سبحانه التوبة عن صاحب البدعة المفارق للجماعة (١) الخارج عن الصراط المستقيم، يقول رسول الله ﷺ : ((إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة)) (٢).وعن يحيى بن أبي عمرو السيباني (٣) قال: "كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة توبة، وما ينتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منه" (٤).وتصديق ذلك ما قاله رسول الله ﷺ عن الخوارج: ((يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه)) (٥).ولعل بيان سبب حجب التوبة عنه وبعدها منه في قوله ﷺ بعد ذكر الافتراق المشهور وذكره لافتراق أمته قال: ((وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) (٦) يقول الإمام الشاطبي ﵀ شارحا ذلك: "وسبب بعده عن التوبة أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل مع ضميمة أخرى: وهي أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك؟ وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به, وهو الدليل الشرعي في الجملة (٧).ثم ما الذي يصده عن الاستمساك بمنهجه، والازدياد من رأيه، وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟ أفيفيد البرهان مطلبا؟! كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [المدثر:٣١] (٨).وينبغي أن نعلم أن هذه النصوص لا تدل على أن لا توبة أصلا للمبتدع المفارق للجماعة، بل قد يتوب ويرجع إلى السنة والجماعة، وقد وقع، فالعموم في الحديث ليس عموما بإطلاق يقتضي الشمول، بل هو عموم عادي يقتضي الأكثرية (٩).وأغلب من تحجب عنهم التوبة، وتكون بعيدة المنال عنه: من قد أشرب قلبه بهذه البدعة، وأعجب برأيه وفعله، وظن أنه يتقرب بذلك إلى الله، فأخذ يدعو إلى بدعته وفعله، ويوالي ويعادي على ذلك، فهذا بحق يتجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه (١٠).

стр. 97

ولقد توعد الله سبحانه هذا المفارق للجماعة المعجب ببدعته توعده باستدراجه على عمله، قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥].فهذا المفارق للجماعة السالك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ ، المخالف سبيل المؤمنين يجازيه الله تعالى بأن نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى أي: نحسن فعله في صدره ونزينه له استدراجا له، وكما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] (١). ثامنا – عدم قبول العمل وإحباطهإن هذا المفارق للجماعة، المحدث في دين الله، المخالف لسنة رسول الله ﷺ عمله مردود عليه وإن ظن أنه حسن وصواب، أو كانت نيته حسنة فلا ينفعه ذلك ما دام أنه مخالف للسنة، يقول رسول الله ﷺ :)) من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (((٢)، فلا يقبل الله منه ما ابتدع وأحدث في دين الله فإنه ضلالة (٣).وقيل: إن صاحب البدعة لا يقبل منه عمل بإطلاق على أي وجه وقع، من وفاق السنة أو خلافها، قال ابن عمر ﵄ عن القدرية: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٤).وكذلك جاء عن عبادات الخوارج حينما ذكر من صلاتهم وصيامهم وعملهم الصالح قال بعد ذلك ﷺ : ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) (٥) ويؤيد هذا القول ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((المدينة حرم من عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)) (٦).وذلك على رأي من فسر الصرف بالفريضة، والعدل بالنافلة، وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين (٧).وقيل: بل يرد عمله ولا يقبل إذا كانت بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، أو كانت بدعته تخرجه عن الإسلام، أو كان اعتقاده في الشريعة ضعيفا بأن يدعي أنها مكملة أو تابعة لرأيه وعقله (٨). تاسعا – الحرمان من شفاعة الرسول ﷺ ففي الحديث عنه ﷺ أنه قال: ((رجلان ما تنالهما شفاعتي، إمام ظلوم غشوم، وآخر غال في الدين مارق منه)) (٩).

стр. 98

عاشرا – البعد عن رحمة الله، والوقوع في عذابه تعالىإن أهل الفرقة بعيدون عن رحمة الله تعالى، إذ الرحمة تكون لأهل الاتفاق والائتلاف من الأمة، قال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ - ١١٩]. فأهل الاختلاف المذكورين في الآية مباينون لأهل الرحمة (١)، معرضون لعذاب الله, قال رسول الله ﷺ : ((الجماعة رحمة، والفرقة عذاب))، فالفرقة وأهلها بعيدون عن رحمة الله، واقعون في عذاب، معرضون أنفسهم لعقوبته تعالى. الحادي عشر – جواز قتل المفارق المفرق للجماعة، وهدر دمهلقد أجاز الشرع الحكيم قتل المفارق لجماعة المسلمين الساعي لتفريقها إذا لم يندفع إلا بذلك، وما ذاك إلا لخطورة فعله على الأمة، بل وجعل دمه هدرا لا دية ولا قصاص فيه (٢).قال رسول الله ﷺ : ((إنه ستكون هنات وهنات (٣)، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)). (٤) وقال أيضا: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) (٥). الثاني عشر – تسلط الشيطان عليه وملازمته له إن شأن كل معرض عن الحق، مقبل على هواه مخلد إلى دنياه, شأنه أن يكون وليا للشيطان، تابعا له، يقول الله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].قال رسول الله ﷺ : ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)). (٦) وقال أيضا: ((يد الله مع الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم)) (٧). فليحذر المفارق للجماعة، الساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر المفارق للجماعة، والساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر من استزلال الشيطان إياه، وتزيينه له عمله، وليعد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليلزم الصراط المستقيم، جماعة المسلمين، وليكن وليا من أولياء الرحمن، وليبعد عن حزب الشيطان.

стр. 99

الثالث عشر – إن صاحب البدعة الساعي للفرقة تنزع منه العصمة، ويبعد عن الرحمة، ويوكل إلى نفسه قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا، وأن ما سوى ذلك تفرقة لقوله: وَلاَ تَفَرَّقُواْ والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة لأن خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام (١). الرابع عشر – ما يلقى المفارق للجماعة من الذل في الدنيا والغضب من الله قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: ١٥٢]. فالآية وإن كانت في شأن عباد العجل من بني إسرائيل، ولكن قوله: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ عموم فيهم وفيمن أشبههم من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله. فكل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عزه وجبروته فهم في أنفسهم أذلاء، وما العز الذي ينالوه إلا بسبب ملازمتهم للسلاطين واللوذ بأهل الدنيا، أما من لم يقدر على ذلك فهو ذليل مستخف ببدعته عن الجمهور (٢). ومن ذلة أهل البدع والفرقة ما جاء في النهي عن توقيرهم ومجالستهم ومخالطتهم (٣). الخامس عشر – أن هذا المبتدع المفرق لجماعة المسلمين المفارق لصراطه المستقيم عليه إثم من عمل ببدعته وسار على ضلالته إلى يوم الدين، فياله من إثم عظيم ووزر ثقيل؟! (٤). قال تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥].وقال رسول الله ﷺ : ((ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء)) (٥).

стр. 100

السادس عشر – أنه يخشى عليه فتنة وسوء الخاتمةجاء رجل إلى مالك بن أنس ﵀ وسأله: يا أبا عبدالله من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ؟ إني سمعت الله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] (١).وهذه الفتنة التي ذكرها مالك ﵀ تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه، وما سنه نبيه ﷺ دون ما اهتدوا إليه بعقولهم (٢).لذلك قال عبد الله بن مسعود لمن رآهم في المسجد يذكرون الله بطريقة جماعية قال لهم: "لقد أحدثتم بدعة ظلما أو قد فضلتم أصحاب محمد علما (٣). وفي لفظ آخر: "لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم أو أنكم تمسكون بذنب ضلالة (٤).وأما ما يخاف عليه من سوء الخاتمة لأن صاحب البدعة الساعي في الفرقة مصر على ما نهى الله عنه، ومن مات مصرا على المعصية فيخاف عليه (٥).ويلخص الشاطبي ما تقدم ويزيد فيقول: "فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها، وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا؟! وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله ﷺ ، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا، ويسود وجهه في الآخرة، يعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله ﷺ وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة (٦). المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٣٠١ - ٣١٣

стр. 101

المطلب الثاني: ضرر الفرقة على المجتمع المسلم إن ضرر الفرقة عظيم، وخطرها جسيم على المسلمين أجمع، ولعل القارئ لحظ معنا في الفصول الماضية كيف أن شرر الفرقة كان باديا، وضررها كان فاشيا ينهش في جسد الأمة، ومن هذه المضار: أولا – تعطيل الجهاد في سبيل الله، وتسلط الأعداء على الأمة المسلمة لقد أمرنا الله بالجهاد في سبيله فقال عز من قائل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:٧٣].وقال سبحانه: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة: ٤١]. ولقد جعل الجهاد ذروة سنام الإسلام التي يعلو بها الأمم، كما في الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) (١).ثم إن الذل والمهانة تقع على الأمة إذا تركت الجهاد في سبيل الله قال رسول الله ﷺ : ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (٢).يقول علي بن أبي طالب ﵁: "إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالأسداد، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف ... فو الله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا" (٣).

стр. 102

إن الأمة القوية والدولة المتماسكة العاملة بأمر الله وأمر رسول الله ﷺ هي التي تستطيع أن تقيم الدين وترفع علم الجهاد، ومتى ما شغلت الأمة بهمومها، وانصرفت الدولة إلى تسكين الثائرة بين أبنائها، وتوطيد حكمها، فهي مشغولة عن جهاد عدوها. وحينما تنشغل الأمة بآلامها، وتضعف لتفرقها وتترك جهاد أعداء الدين، فلا ريب أن العدو يتربص بها، ويتسلط عليها، قال رسول الله ﷺ : ((إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد إني إذ قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا)) (١).ومعنى الحديث: إن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح ما حازوه من البلاد. فالله لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ماداموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا. فأما إذا وجدت هذه الأوصاف فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم وإمامهم كما وقع (٢).فإن هذه الأمة لما جعل بأسها بينها تفرقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو فاستولى (٣). وحاضر العالم الإسلامي برهان واقع، وتاريخها الماضي أصدق شاهد؛ أنه متى عز المسلمون دينهم، وأقاموا شرع الله تعالى، وامتثلوا أمره ونهيه علماء وأمراء وعامة، وائتلفوا واجتمعوا صفا واحدا ضد عدوهم فهم الأعلون الغالبون. أما إذا ضعف الامتثال لأمر الشريعة، وتفرقت الأمة واشتغلت بقتال بعضها بعضا، فهنا يتسلط العدو ويغلب وينتصر.

стр. 103

يقول ابن كثير واصفا حال الخلافة الإسلامية من عز وجهاد عند اتحاد صف المسلمين في خلافة عمر وعثمان وواليه معاوية ﵄، فيقول: "ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي؛ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: "والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت". فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف وبعث يطلب الهدنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسين بن علي فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته. فلم يزل مستقلا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته؛ والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو (١).هذا هو حال أعداء الإسلام يتربصون بنا الدوائر، فما أن تحل الفرقة بين المسلمين حتى يثوروا ويغزوا بلاد الإسلام، يقول ابن كثير: "ثم دخلت سنة ٧٠هـ فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف الواقع بين بني مروان وابن الزبير، فصالح عبدالملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبدالملك في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على الشام (٢).

стр. 104

فالله المستعان، بعد أن كان ملك الروم يدفع الجزية للمسلمين، صار المسلمون يدفعون له ثمن سكوته وكفه عن بلادهم، فأي ضرر أشد على الأمة من تسلط أعدائها بسبب فرقتها واختلافها فيما بينها، فهل ينظر المسلمون إلى تاريخهم، ويتعظوا بأسلافهم، ويعودوا إلى الاجتماع صفا مرصوصا ويدا واحدة وجماعة متحدة، تعمل بكتاب ربها وتهتدي بسنة نبيها ﷺ ضد عدوها؟ نسأل الله ذلك. ويعطينا شيخ الإسلام ابن تيمية صورا عدة تظهر تسلط العدو الكافر على الأمة المسلمة حينما تتفرق وتختلف فيقول: "وبلاد الشرق من أسباب بتسليط الله التتر عليها، كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها (١).ويقول: "وفي دولة بني بوية ونحوهم كان منهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، ومنهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة، ومعتزلة، ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة (٢).ويقول مبينا سبب هذا التسليط: "وهذا التفريق الذي حصل من الأمة – علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها- هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤] (٣).نعم، إن الله يعاقب الأمة المسلمة حينما تعصيه, ويعذبها بما يدب بينها من فرقة وتناحر حينما تتهاون في العمل بكتابها وسنة نبيها ﷺ ، فهل من عودة إلى الدين والعمل به؟ ليعود للأمة مجدها وسيادتها (٤) ثانيا- ذهاب قوة المسلمينإن من مضار الفرقة الجسيمة والتي تقع على الأمة ما يحدث بسببها من ذهاب قوة المسلمين: القوة المعنوية، والقوة المادية، لما تسببه الفرقة من تناحر وتقاتل بين الجماعات المسلمة كما في الحديث: ((حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا)) (٥) ولما نزل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام: ٦٥].فاستجاب الله دعاء نبيه وأعاذه من الأمرين الأولين، ولم يجبه في الأمرين الآخرين وهو أن يجعلهم فرقا مختلفين، ويذيق بعضهم بأس بعض بالحروب والقتل (٦). إن الفرقة متى ما دبت في الأمة قاتل بعضهم بعضا، وصار كل يريد الغلبة لنفسه، والسيادة لملكه، وتحقيق مصلحة نفسه، حتى لو قتل أخاه المسلم، وسبى أهله واعتدى على أرضه وماله.

стр. 105

ولعل المسلم ينظر ويعتبر بما حصل من مفاسد عظيمة جراء الخروج على عثمان ﵁، ومفارقة الجماعة والإمام؛ فخرج عليه السفهاء الجهلاء حتى قتلوه شهيدا مظلوما ﵁ وأرضاه. ولقد نبه عثمان ﵁ وحذر الذين حاصروه يريدون قتله ونبههم على ضرر الفرقة فقال: "يا أيها الناس لا تقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تصلون جميعا أبدا، ولا تجاهدون عدوا جميعا أبدا، ولتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه" (١).ولما قتل عثمان قال حذيفة بن اليمان: "والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنها لبنا، ولئن كان قتله شرا ليمتصن بها دما (٢). وقال عبدالله بن سلام ﵃ يوم قتل عثمان: "اليوم هلكت العرب" (٣). وقال: "والله لا تهرقون محجما من دم إلا ازددتم من الله بعدا" (٤).ولقد امتصت الأمة الدماء بقتل عثمان ﵁، فبعد الرخاء والأمن بدأت الفتن تثور بين المسلمين وفي بلادهم، وبدأ القتال والتفرق يطحن في كيان الأمة، فجاءت وقعة الجمل، وأعقبتها صفين، وقتل من المسلمين خلق كثير، فقتل في الجمل قرابة العشرين ألفا، وفي صفين سبعون ألفا (٥). وما توالى على المسلمين من وقائع ونكبات أشد وأنكى. وانظر كيف أشغلت الخلافة الإسلامية في العصور الماضية والحاضرة بقتال الفرق الخارجية الشاقة لعصا الطاعة، وكم من الدماء سفكت لتسكين ثائرتها؟ وكم من الأموال أنفقت لإسكات هذه الفرق؟ إن زعزعة الأمن، وإثارة القلاقل والفتن في المجتمع المسلم تنهك اقتصاده، وتبعثر طاقاته التي من المفترض أن تجتمع لإعمار الأرض بدين الله، والدعوة إلى توحيد المولى سبحانه، والجهاد في سبيله لإقامة الحق ورد الباطل. فهل يكف هؤلاء المبتدعة أصحاب الفرقة عن مساعدة أعداء الإسلام على الإسلام وأهله؟ وليتقوا الله فيما يقومون به ويفعلونه من إذهاب قوة المسلمين، وإضعاف مواردهم. وليعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليسيروا مع الجماعة المسلمة على الصراط المستقيم لتكون صفا واحدا يعلو ويعلو ... ، ويرد كيد الأعداء، ويتذكروا قول المولى : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]. ثالثا: الهزيمة والفشل مما لا شك فيه أن الهزيمة والفشل تصيب الجماعة المتفرقة، المختلفة فيما بينها، والمعترضة على قيادتها، إذ كيف ينتصرون ويغلبون وهم لم ينتصروا بعد على هوى أنفسهم، ولم يغلبوا شيطانهم. ولقد نبه المولى العزيز سبحانه عباده المؤمنين على ذلك، وأمرهم بالاجتماع على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ليتحقق لهم النصر على عدوهم، ولكن إن أبو إلا التفرق والاختلاف فالضرر لاحق بهم من الهزيمة والفشل.

стр. 106

يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].فيا أيها المؤمنون أطيعوا ربكم ورسولكم فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء، وَلاَ تَنَازَعُواْ أي: لا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم. فَتَفْشَلُواْ أي: فتضعفوا وتجبنوا. وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي: تذهب قوتكم وبأسكم ووحدتكم، وتنقطع دولتكم، ويدخلكم الوهن والخلل (١)، والضعف عن جهاد العدو والانكسار له (٢).لذلك يوصيهم الله بالصبر فيقول في ختام الآية: وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقد كان الصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والجيوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت المماليك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم تواب (٣). إن القوة والنصر مع الوحدة والجماعة: وحدة الرأي، ووحدة القيادة، ووحدة القوة، وإن الهزيمة والفشل مع الفرقة والاختلاف وتعدد القيادات حتى لو كثر العدد. مثال ذلك ما حكاه الإمام ابن كثير ﵀ يقول: "لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي ﵁ ليمانعوا به أهل الشام، فلم يتم لهم ما أرادوه وحاولوه، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآراؤهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله ﷺ وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم. وعن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون من سالمت، محاربون من حاربت، فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه، فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه" (٤). ثم كان ما كان من الصلح مع معاوية وتنازله عن الخلافة له، فرضي الله عنهم وأرضاهم (٥). رابعا- خروج الفرق، وفشو الفتن والبدعما أن تتفرق الأمة، وتخالف أمر الله تعالى لها بالتزام الجماعة وسلوك الصراط المستقيم إلا وتقوى الفرق، وتخرج على إمام المسلمين، وتقاتل الجماعة، وتوقد معها الفتنة، وتنشر معها البدعة مما يزيد الأمة وهنا، والمسلمين بلاء، ولقد أخبر رسول الله ﷺ عن الخوارج: ((أنهم يخرجون في فرقة من الناس)) (٦)

стр. 107

وهذا شأن الفرق المبتدعة، شأن الضلالات والظلمات لا تجسر على الخروج إلا عند ضعف شمس الحق، يقول ابن تيمية ﵀: "وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل: دولة المهدي، والرشيد ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل ... وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر "الخرمية" (١) ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهنود ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة. فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين (٢)، وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال، وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة ... فتولد عن ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه" (٣). خامسا – وقوع العداوة والبغضاء، وذهاب المحبة والألفة: إن من أصول الدين العظيمة، وقواعده المهمة التي هي من جماع الدين ما وصى الله به من تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين (٤). ولكن يأبى أهل الفرقة والبدعة ذلك فما يزالون يهدمون الدين، ويفرقون قلوب المسلمين، ويوقعون بينهم العداوة والبغضاء بما يفعلونه من تفريق المسلمين شيعا وأحزابا، يقول الله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣١ - ٣٢]. ولقد أخبر الله عن حال أهل الفرقة والاختلاف من التنازع والشقاق الواقع بينهم، والذي هو مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، قال الله تعالى فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧]. وقال : لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣].

стр. 108

فهؤلاء المفارقين للجماعة، المخالفين للحق في شقاق: عداوة ومنازعة للحق وأهله، وعداوة ومنازعة فيما بينهم، يسعون لشق عصا الطاعة ولصدع الكلمة، وكما وصفهم سبحانه: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤]. إن كل هذه العداوة والبغضاء التي بين أهل الفرقة وبين أهل الحق، والتي هي فيما بين المختلفين أنفسهم كلها بسبب تركهم ما أمروا به من الجماعة وإقامة الألفة والمحبة في المجتمع المسلم، يقول الله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤].يقول ابن تيمية ﵀: "فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب" (١). ويبين الإمام الشاطبي كيف يوقع أهل الفرقة بتفرقهم العداوة والبغضاء في الأمة فيقول: "وقد بين ﵊ أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين، هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع. وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم، ويدعون الكفار كما أخبر عنه الحديث الصحيح، ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك، فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا، حسبما بينه جميع أهل الأخبار. ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة، ويذمونهم ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها، كما يروى عن عمرو بن عبيد أنه قال: "لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل ما أجزت شهادتهم"وقيل له: كيف حدث الحسن عن سمرة (٢).في السكتتين؟ فقال: "ما تصنع بسمرة!! قبح الله سمرة". بل قبح الله عمرو بن عبيد. فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح لعل بضاعتهم تنفق، يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: ٣٢].وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج فهم أول من لعن السلف الصالح، وكفر الصحابة رضي الله عن الصحابة، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء (٣). ولما كانت الفرقة بهذه الخطورة وهذا الضرر كان الصحابة ﵃ أبعد ما يكون عنها، وأسلم الناس منها كما سيأتي ويتضح في المبحث القادم إن شاء الله. المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٣١٣ - ٣٢٦

стр. 109

المبحث الثاني: سلامة الصحابة ﵃ من الفرقة لقد اختار الله الصحابة ﵃ لصحبة نبيه ﷺ ، وتبليغ دينه إلى الناس كافة، وما ذاك إلا لما علم ما في قلوبهم من محبة الحق، والعمل على نصرته، والاجتماع عليه، وبذل الأموال والأنفس في سبيل ذلك، يقول الحسن البصري ﵀ واصفا الصحابة: "أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (١).وقد تقدم معنا شيئا عن فضل الصحابة وعن فقههم، ولعله بان لنا موقفهم من الفرقة من خلال الفصول السابقة، وكيف أنهم ذموها وعابوها، فهم أعرف الناس بخطرها وضررها، وكانوا كذلك أبعد الناس عنها وأسلمهم منها، ولا يعني ذلك أنهم ﵃ لم يختلفوا؛ بل اختلفوا ولكنهم لم يفترقوا، وهذا شأن أهل الرحمة الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ - ١١٩]، فهم يختلفون اختلافا لا يضرهم (٢).يقول ابن تيمية ﵀: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: ٥٩]. وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين" (٣).ويقول الإمام إسماعيل الأصبهاني ﵀: "فإنا وجدنا أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في أحكام الدين فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة ... وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع منهم نظام الألفة (٤). هكذا كان الصحابة ﵃ متآلفين، مجتمعين، بعيدين عن أهل الفرقة وعن مناهجهم، وهناك نماذج ودلائل عدة على ذلك منها: أولا: ما تقدم من أقوالهم العديدة في أمرهم المسلمين بالجماعة، ونهيهم عن الفرقة، وتحذيرهم من مغبة عواقبها يقول ابن عباس ﵁ لسماك الحنفي: "يا حنفي الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله يقول: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣] ويقول عبدالله بن مسعود ﵁: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة".ويقول عمر بن الخطاب ﵁ محذرا الأمة: "إياكم والفرقة بعدي". أما علي بن أبي طالب ﵁ والذي يسير على نفس المنهج يقول: "الاختلاف حالقة الدين وفساد ذات البين، وإياكم والخصومات فإنها تحبط الأعمال، والاختلاف يدعو إلى الفتنة، والفتنة تدعو إلى النار، وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦] (٥).

стр. 110

وهذا معاوية بن أبي سفيان ﵁ ينصح الأمة ويحذرها من الفتنة فيقول: "إياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستيصال" ثانيا: العمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف لقد حرص الصحابة ﵃ على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفها، وسعوا إلى سد باب الفرقة حتى لو كان على حساب مصلحته، فمصلحة المسلمين أولى، وحقن دمائهم أحرى بالعمل لأجله. وخوفا من الفرقة سارع الصحابة ﵃ بتولية أبي بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ ، ولإدراكهم أهمية جمع كلمة المسلمين على رجل يتولاهم، اجتمعوا ﵃ على بيعة أبي بكر ﵁ ولم يقضوا شيئا من أمر تجهيز رسول الله ﷺ ودفنه حتى أحكموا أمر البيعة (١). لقد كانوا يعلمون أهمية الاجتماع على طاعة الإمام، إذ في الخروج عن أمره ومخالفته زعزعة للأمن وتأليب للناس، وتفريق لجماعة المسلمين لذلك لما حج عثمان ﵁ سنة ٢٩هـ وهو خليفة وأتم الصلاة في منى ولم يقصرها، عاتبه في ذلك عبدالرحمن بن عوف، واعتذر له عثمان ﵁ بأنه قد تزوج بمكة فكان في حكم المقيم لا المسافر، وبأن أناسا من أهل اليمن ظنوا أن الصلاة للمقيم ركعتان، فأتم عثمان ﵁ لذلك. ولما خرج عبدالرحمن بن عوف من عند عثمان لقي عبدالله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول "أي نصلي معه أربعا (٢).هذا هو منهج العالمين بأمر الله تعالى، المدركين أهمية الجماعة وخطر الفرقة، وأنه أصل من أصول الدين وقاعدة من قواعده الكلية، لا يقدمون عليه أمر جزئي أو فرعي من أمور الدين (٣).يقول العلامة صالح بن المهدي المقبلي (٤)، مبينا حرص الصحابة على جمع الكلمة، واحتواء الخلاف وتجاوزه من أجل ذلك يقول: "أن أكثر إغضائهم كان لصيانة أخوة الإسلام وحرمة أهله، لا لتساهل في الخلاف، حتى ربما يقضي أحدهم ويترك رأيه خشية شيوع الخلاف"، كقول علي ﵁: "اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف، حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي" (٥).ونقم ابن مسعود على عثمان ﵁ ترك القصر وتابعه في الصلاة، فقيل له، فقال: "الخلاف كله شر". فتركوا التنويه بالخلاف محاذرة لتفاقم الشر، لا لأنه مرضي عندهم، بل مراد الله تعالى كما شاع في المتأخرين وانتشر، إنما كان المهم المقدم عند أحدهم أن يكون الناس جماعة أو يموت سالما من الفتنة كما قال علي ﵁ (٦).
следующие страницы →