سبق في بداية هذه المسألة – مسألة المحكم والمتشابه – ذكر أن من حجج الرازي الذي قصد بها دعم مذهب الأشاعرة، أنه لا يجوز ترك ظاهر النص إلا بدليل، ثم ذكر أن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها موقوفة على عشرة أمور. ولذلك عول على الدليل العقلي وأن ما خالفه فهو من المتشابه ويجب تأويله بما يوافقه. ومسألة العقل والنقل سبق الحديث عنها، وتبين أن القول بتعارضهما، أو تقديم العقل عند توهم التعارض بينه وبين الشرع، من أعظم الباطل. وقد رد شيخ الإسلام على كلام الرازي السابق – حول التعويل على الدليل العقلي لتمييز المحكم من المتشابه وأن الأدلة اللفظية ليست قطعية – من وجوه عديدة (١)، تعقب فيها عبارات الرازي التي أوردها في أساسه وبين فيها خطأه وتناقضه، مبينا أن كلامه هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال بالسمع أصلا – وهو ما صرح به في بعض كتبه – لأن الاحتجاج به موقوف عنده على نفي المعارض العقلي (٢)، ولذلك يقول شيخ الإسلام في أحد الأوجه: "إنك صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم، وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك، فإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن. (و) الظن لا يجوز التمثيل به في الأصول، فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك، بل يجب أن يكون من المتشابه، وعلى هذا فليس القرآن في الباب منقسما عندك إلى محكم ومتشابه، ومع هذا أنه مناقض لما تقرره فهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع، وهو باطل عقلا وشرعا" (٣).على أن قول الرازي مناقض لنص آية المتشابه لأن الله أخبر أن من الكتاب آيات محكمات هن الأصل الذي يبنى ويرد إليه المتشابه، والرازي جعل الأصل الذي يرد إليه: العقل، بل إنه جعل القرآن كله محكمه ومتشابهه يرد إلى هذا الأصل وما خالفه فهو متشابه (٤).وهذه الأدلة العقلية التي يعول عليها الرازي وأصحابه، والتي أولوا من أجلها نصوص الصفات التي دل عليها القرآن هي "أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علما ولا ظنا، بل جهلا مركبا" (٥).والقول بأن الدلائل اللفظية لا تفيد القطع هو من أعظم السفسطة، ولذلك لا يعرف هذا القول عن طائفة معينة معروفة من طوائف بني آدم لأنه يؤدي إلى القدح بلغة التخاطب بين الناس التي بها يكلم بعضهم بعضا ويفهم بعضهم عن بعض، وعامة أمور وأحوال بني آدم مبنية على هذا، من بداية تمييز الطفل وفهمه عن والديه، إلى آخر أمور البيع والشراء والنكاح والطلاق وقضاء مختلف الحوائج، ووصف بعضهم لما جرى لبعض ... الخ "ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجودا في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم، فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم، وبأن يفهم مرادهم من خطابهم، وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء، والأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم، وأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم، ثم رب العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بيانا، وقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:٤] (٦).ودعوى الرازي أن دلائل القرآن موقوفة على عشرة مقدمات ظنية باطل من وجوه (٧)،
стр. 457
ولو كان كما زعم لما صار القرآن نورا وهدى وإذا كان بعض الناس قد يحتاج لبعض هذه المقدمات لفهم بعض الآيات – وهذا مما لا ينكر لأنه قد يوجد من هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة – إلا أن تعميم ذلك لجميع الناس ولعموم الآيات هو من أظهر البهتان (١).وقول الرازي أن المعول عليه في تحديد المتشابه مخالفة دليل العقل أدى به إلى مقالته الأخرى الباطلة حين ذكر من حكم إنزال المتشابه مخاطبة العوام بما يناسبهم مما ظاهره التجسيم والتشبيه، ليناسب ما توهموه أو تخيلوه، وإنه يجب أن يكشف لهم في النهاية عن أحكام هذه الآيات بتأويلها بما يوافق العقول، يقول شيخ الإسلام عن الرازي، إنه "جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي، والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي، فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي، لا صفة في الخطاب، وكونه في نفسه قد أحكم وبين وفصل، مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جوز وقوعه في الجملة، ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العمليات، فلم يبق على قوله لنا آيات محكمات وهن أم الكتاب بحيث يرد المتشابه إليها، ولكن المردود إليه هو العقلي، فما وافقه أو لم يخالفه فهو المحكم، وما خالفه فهو المتشابه، وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته، ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب (٢) على رأي الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق، فخاطبهم بالتجسيم (٣) مع علمه أنه باطل، وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد، وقالوا خاطبهم أيضا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم، وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول" (٤).
المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١١٢٧
стр. 458
المطلب الثالث: أن الصفات ليست من المتشابه
وهذا هو محك الخلاف ونتيجته، ولو أن الكلام في المحكم والمتشابه سلم من إقحام الصفات فيه وطلب تأويلها وتحريف نصوصا تذرعا بأنها من المتشابه، كما فعل أهل البدع والكلام – لبقي الخلاف فيه مثل غيره من مسائل علوم القرآن كأول ما نزل وآخر ما نزل، والمكي منه والمدنى، وغيرها – قابلا لتعدد الآراء واختلافها.
стр. 459
ومع أن الكلام في الأمر الأول – المتعلق بمنع قول أن في القرآن ما لا سبيل لنا إلى العلم – شامل لموضوع الصفات، حيث أدخلوا أسماء الله وصفاته – أو بعض ذلك – في المتشابه، وبعضهم أعتقد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله – وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام لمن توهم ذلك من المتكلمين وغيرهم من خلال وجهين: أحدهما: مناقشة من قال: إن الصفات من المتشابه، وإنه لا يفهم معناه، يقول شيخ الإسلام: "نقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفي أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت"، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت ... " (١) وسيأتي مزيد إيضاح لكلام الإمام أحمد عند الحديث عن مسألة "التفويض".والسلف ﵏ تواتر عنهم الرد على تأويلات أهل الكلام، التي هي صرف للنصوص عن ظاهرها إلى ما يخالف ظاهرها، ثم إنهم – ﵏ – أثبتوا هذه الصفات ولم يتوقفوا فيها. فكيف يقال إنها عندهم من المتشابه؟ (٢).ومن أدلة شيخ الإسلام على أن الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه قوله بعد إيراد عدد كبير من نصوص الأسماء والصفات: "فيقال لمن ادعى هذه أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه، أم في البعض؟ فإن قلت: هذا في الجميع كان هذا عنادا ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار منه دين الإسلام، بل كفر صريح، فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: ٧٥] معنى، ونفهم من قوله: إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم: ٤٧] معنى، وصبيان المسلمين، بل كل عاقل فيهم يفهم هذا" (٣)، ثم رد على من زعم أن أسماء الله أعلام جامدة كبعض من ابتدع من أهل المغرب، ولعله يقصد ابن حزم (٤). وقد سبقت الإشارة إلى هذا في مبحث الأسماء. والثاني: إنه لو قيل: إن الصفات من المتشابه، أو فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن الإمام أحمد تسمية ما استدل به الجهمية النفاة متشابها – فيقال "الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله ... ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في القيامة (٥) وأمور القيامة، وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النبي ﷺ بقوله "إنا" و "نحن" ونحو ذلك (٦)،
стр. 460
ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإن المتشابه بين الله وخلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموعود الدنيا. وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى" (١)، ثم زاده شيخ الإسلام تقريرا وشرحا بشواهد الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر السلف والأئمة الذين تكلموا في نصوص الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، وحرص عبدالله بن مسعود على تعلم التفسير، ودعاء النبي ﷺ لابن عباس، وتعلم جميع الصحابة التفسير مع التلاوة، وأقوال الأئمة، كل ذلك أدلة واضحة لمن هداه الله على إثباتها للصفات التي دلت عليها النصوص، مع نفي العلم بالكيفية.
وبهذا يتبين أنه على القول بأن الصفات ليست من المتشابه مطلقا، أو القول بأنها من المتشابه – بالمعنى السابق – ليس لأهل الكلام ولا لغيرهم دليل على زعمهم أنه يلزم فيها تفويض السلف للمعنى والكيفية، أو تأويلها بما يوافق عقولهم الفاسدة.
المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١١٤٠
стр. 461
المطلب الرابع: أيهما الأصل العقل أم الشرع ؟
ما هو مصدر التأويل؟
وما الذي سوغ إثبات الصفات السبع وتأويل غيرها؟
وما الحجة التي دفعت إلى اعتماده قبل الشرع؟ يجيبنا الباقلاني والأشاعرة بأن العقل دل على إثبات وجود الله، ووافقه الماتريدية الذين جعلوا العقل مصدر التلقي والحجة التي يقيمها الله على العباد ولو لم يرسل الرسل، إذ الرسل عندهم قد أتوا لبيان مكملات الدين لا لبيان أصله فإن أصله يعرف بالعقل (١). فالأدلة العقلية مقدمة عندهم على الأدلة الشرعية في مسائل الاعتقاد وهذا باطل لما يلي.- نص الشافعي "على أن العلم بالصفة قبولا ورداً وتأويلاً مما لا يدرك بالعقل" (٢). وقال أبو حنيفة "لا ينبغي أن ينطق في الله بشيء من ذاته ولكن يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئا" (٣).
- أن التأويلات آراء واحتمالات، والاحتمال في العقائد محرم.
- أن المؤولة من الأشاعرة والماتريدية يستاؤون من تأويل المعتزلة لنصوص عذاب القبر من عذاب حقيقي إلى آلام نفسانية معتبرين ذلك من ضلالات المعتزلة، ويطالبونهم بالرجوع عن التأويل، فهاهم هنا يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية ويطالبون المعتزلة أن يحذوا حذوهم، ويحكمون بكفر من يتأول عذاب القبر إلى عذاب مجازي، مع أنهم يقدمون الأدلة العقلية على النقلية في صفات الله، ويستبيحون لأنفسهم الحكم على بعض صفات الله بالمجاز ويعدلون بها عن حقائقها بغير علم ولا هدى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠] علماً بأن الخوض في ذات الله أعظم شأناً من تأويل ما دون ذلك. فما هو مستندهم في تقديم عقولهم في الصفات وتأخيرها في مسائل القبر مع أن كلا المسألتين من الغيب الذي لا نعلم عنه شيئاً إلا بنص من كتاب أو سنة؟.
ولهذا لما أنكرت الأشاعرة على الفلاسفة إنكارهم عذاب القبر قال لهم الفلاسفة "قولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله" بمعنى أننا وأياكم في التأويل سواء، فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل في صفات الله وتحرمون علينا تأويل عذاب القبر والصراط والميزان؟
وهم في مسائل البدعة يميلون إلى التحسين والتقبيح العقليين فيقولون ما رأيناه من البدع حسناً فهو عند الله حسن. وهذا تأثر واضح بالمعتزلة الذين يجعلون الرأي في الدين أصلا يعتمدون عليه.
المصدر: شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٩٧
стр. 462
المطلب الخامس: نقد القاعدة الكلية للرازي وذهب الرازي إلى تقديم الدليل العقلي على الأدلة الشرعية وحجته أن العقل أصل في إثبات الشرع فإذا خالف الدليل الشرعي الدليل العقلي وجب تقديم الدليل العقلي عليه ووجب تأويل الدليل الشرعي بما يوافق الدليل العقلي (١). وذهب الغزالي إلى أن العقل حاكم لا يكذب قط، وأن من كذب العقل فقد كذب الشرع. ولولا صدق العقل لما عرف النبي من المتنبي (٢). وهذا دعوة بالناس إلى مذهب المعتزلة بعدما أبعدهم الأشعري عنه. ولنضرب على ذلك مثالا:
فالمعتزلة أنكروا عذاب القبر وبرهنوا لذلك بحجة عقلية جعلتهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة فقالوا إننا نشق عن الميت بعد دفنه فلا نرى أثراً لأي تعذيب. وقد حكمت عقولنا بما رأت عيوننا. وبمقتضى تقديم الرازي للعقل يصيرون معذورين فيما تأولوه. وهذا يؤكد أن قانون الرازي يمثل منعطفاً اعتزالياً آخر.
- أن من وصية الله فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] ولم يقل فردوه إلى عقولكم. فإن هذه العقول تتفاوت، فمرة تثبت سبع صفات ثم تكتشف عقول المتأخرين ست صفات إضافية فيصير المجموع ١٣ ويكتشف آخرون سبعة أخرى فيصير المجموع ٢٠ صفة ومنها ما يثبت صفة من الصفات فيأتي عقل آخر ويجعل إثباتها كفراً. وهكذا فالعقول تتخبط ولا تستقر على شيء، بينما أدلة الشرع ثابتة متناسقة لا تتغير.
- إساءة استخدام العقل
ويقف الأشاعرة من العقل موقفاً متناقضاً:
- ففي مسألة رؤية الله تعالى يساوون بين العقل والنقل.
- وفي التحسين والتقبيح العقليين يقدمون النقل على العقل "خلافاً للمعتزلة" ويقولون بأنه يجب أن تكون التكاليف ومسألة البعث والجزاء شرعية لا عقلية.
- أما مسائل الصفات فإنهم جعلوها عقلية بالدرجة الأولى. وهذا اضطراب منهجي وتناقض صارخ. فإن من يتورع عن تقديم العقل في مسائل الحلال والحرام والبعث والنشور يجب أن يكون أكثر ورعاً في مسائل الاعتقاد والصفات الآلهية.
المصدر: شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٩٨
стр. 463
المطلب السادس: فكرة التفريق بين العقائد والأحكام
ثم جاء الأشاعرة وظنوا أنهم توسطوا فقالوا. نقول بأنه لا يجوز الاستدلال بخبر الواحد في العقائد لأنه ظني الدلالة ولا يفيد العلم، لكننا نأخذ به في الأحكام. فوقعوا في تناقض عظيم لما يلي:
١) أنهم أتوا بتفريق لم يسبقهم إليه أحد من السلف ولا يخلو من تناقضات واعتراضات كثيرة. فالأئمة الذين شددوا على وجوب الأخذ بخبر الواحد الثقة كالشافعي وأحمد ومالك وغيرهم: لم يفرقوا في قبوله بين العقيدة والأحكام. وإنما طرأت فكرة التفريق عند الأشاعرة.
أ- فقالوا إن خبر الواحد ظني لا يفيد العلم وإنما يفيد العمل.
- أن الظن مذموم بعمومه في الشرع كما قال تعالى وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: ٢٨] فجعلوه مغنياً من الحق في الأحكام غير مغن في الحق في العقائد؟.
- أن الظن وهم خرص كما قال تعالى إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] لا منزلة له في الدين لا في العقائد ولا في الأحكام.
- أن المشركين اتبعوا الظن في العقائد والأحكام. فقالوا في العقائد لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] وفي الأحكام وَلاَ حَرَّمْنَا [الأنعام: ١٤٨] فأجابهم الله إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] فالظن لا يعمل به لا في العقائد ولا في الأحكام. بالدليل من هذه الآية.
ب- قولهم أنه يفيد العمل ولا يفيد العلم قول ضعيف. فإن العمل بالشيء فرع عن العلم به.
٢) أن النبي ﷺ كان يوفد آحاد الصحابة إلى الأمصار والقرى يعلمونهم العقائد والأحكام. فلو كان خبرهم لا يفيد العلم لما أرسلهم.
٣) أن موقفهم هذا أدى إلى الطعن في أكثر أحاديث الشيخين اللذين اتفقت الأمة على صحتها وتلقتها بالقبول. وهؤلاء يثيرون الشك في أوثق مصدرين لهذه الأمة بعد كتاب الله . ولم يستفيدوا من هذه الوسوسة إلا التشويش والتهويل على أهل السنة. وفتح ثغرة أمام المستشرقين والطاعنين بالسنة، وإلا فقد رأيناهم في مسائل التوسل والاستغاثة بالأموات يحتجون بما هو أدنى من خبر الواحد، رأيناهم يحتجون بالضعيف بل وبالموضوع من الروايات.
٤) أن أهل الحديث أجازوا العمل بالحديث الضعيف في حدود ضيقة. ومنعوه في جوانب أخرى وليس ذلك إلا لعدم صحته. وأما هؤلاء فقد جعلوا حديث الواحد الصحيح شبيهاً به. فمع وصفهم له بأنه "صحيح" إلا أنهم ينزلونه منزلة الحديث الضعيف فصار بذلك صحيح مجازاً ضعيف حقيقة!.
٥) أن أهل الحديث كأحمد ومالك والشافعي أولى بالحكم على خبر الواحد من أهل الكلام والجدل الذين هم أبعد الناس عن فن الحديث، ورأيهم في خبر الواحد هو الأولى بالأخذ وليس رأي أتباع المعتزلة والجهمية. أو أعدائهما ممن يلتزمون منهجهما في الكلام والمنطق.
٦) أنهم لم ينقذوا الأمة من معرض التجهم والفلسفة والاعتزال، وإنما قاموا فقط بتعديل طفيف على انحراف المعتزلة من غير أن يقضوا عليه. وشككوا في غالب أحاديث رسول الله ﷺ .
стр. 464
٧) أنهم قد فتحوا بهذه البدعة ثغرة على الدين نفذ منها المستشرقون وطعنوا في أحاديث النبي ﷺ ونسبوا الإسلاميين إلى التناقض حين جعلوا الصحيح ظنياً. وهؤلاء لا يقدرون على الإجابة على شبهات المستشرقين وإنما يقدر عليها من سلم من أحكام أهل الكلام المتناقضة وأثبت خبر الواحد على طريقة أحمد والشافعي.- فثبت أن هذه البدعة لم ترفع الشك ولم تدفع وسوسة ووهم التجسيم بل أثبتتهما كلاهما وفتحت باباً للطعن في هذا الدين. والذي يدفع وهم الوسوسة هو الاستعاذة بالله. وتذكر آيات التنزيه. فإن الإنسان قد يتعرض لوساوس من نوع آخر كما قال أحد الصحابة للنبي ﷺ ((إني أحدث نفسي بالشيء لو خر إلى السماء أحب إليه من أن يتكلم به. قال النبي ﷺ ذلك صريح الإيمان)) (١). أي أن إنكاره والخوف منه صريح الإيمان.
- والقيد الذي أفاده قول الشافعي "خبر الواحد العدل" يفيد بأنه ليس كل خبر واحد يقبل مطلقاً وإنما خبر الواحد الثقة العدل الضابط المتصل السند. وإلا فالخبر ثلاثة أنواع:
= ما اتصل سنده وثبتت روايته. فهذا حجة ومقبول.
= ما انقطع إسناده وضعفت روايته فهذا مردود.
= ما لا أصل لسنده وعرف وضعه وكذبه. فهذا تحرم روايته والأخذ به. وأبو بكر بن فورك يكثر من الإتيان بهذين النوعين الأخيرين من خبر الواحد ويتعسف تأويلها، وقد كان ضعف سندها كافٍ في ردها من غير ضرورة إلى هذا الاعتساف.
فالحقيقة أن ما صح سنده فهو قطعي الثبوت سواء أكان متواتراً أو آحاداً. وهذا وسط بين من نفوا خبر الواحد. ومن تناقضوا بين نفيه وإثباته من جهة، وبين من أثبتوه كله من غير نظر إلى سلامته من العلل القادحة فيه.
المصدر: شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص ٢٣١
стр. 465
المبحث الخامس: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة
• المطلب الأول: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند الكلابية والأشعرية.
• المطلب الثاني: الرد على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم.
• المطلب الثالث: الرد الإجمالي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم.
• المطلب الرابع: الرد التفصيلي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم.
• المطلب الخامس: الرد على استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل ﵊: هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٦] على شرعية دليل الأعراض وحدوث الأجسام:.
• المطلب السادس: الرد على استدلال المبتدعة بقول الخليل ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى ..
стр. 466
المطلب الأول: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند الكلابية والأشعرية
الكلابية هم أسلاف الأشعرية؛ فالأشعرية تبعوا أبا الحسن الأشعري في طوره الثاني؛ عندما كان موافقا لابن كلاب، متبعاً لمذهبه، سالكاً لطريقته.
وقد اندمجوا فيهم - فيما بعد -، حتى آل الأمر بعد انتشار مذهب الأشعرية إلى أن يطلق اسم كل طائفة من الطائفتين على الأخرى ... - فالتوافق والتطابق حاصل بينهما -، وإن كان الغالب في التسمية للأشعرية.
ويعزى السبب في ذلك إلى:
١ - الارتباط الواضح في النشأة، بين الأشعرية والكلابية.
٢ - نشاط من تبع الأشعري في طوره الثاني في نشر مذهبهم.
ولا ريب أن منهج المعتزلة العقلي، قد أثر بنحو مباشر أو غير مباشر، على هاتين الفرقتين من فرق المبتدعة، نتيجة كثرة احتكاك أصحابهما بالمعتزلة؛ فقد تصدى أصحاب هاتين الفرقتين للمعتزلة، في محاولة منهم للرد عليها، وبيان فساد أقوال معتنقيها.
لكن أصحاب هاتين الفرقتين لم تكن لديهم حصانة كافية من الكتاب والسنة، فلم يخرجوا من المعمعة سالمين، كما خرج أئمة السلف وعلماؤهم.
بل اضطرتهم حجج المعتزلة العقلية والكلامية إلى أن يسلموا لهم بعض أصولهم، وأن يلتزموا لوازم هذه الأصول، متنازل بذلك عن جزءٍ كبيرٍ من الحق الذي كان معهم قبل أن يناظروهم.
ونتيجة تسليمهم للمعتزلة ببعض أصولهم العقلية، بدأت بوادر الاختلاف والانحراف في مذهبهم، مما أبعدهم أكثر من ذي قبل عن مذهب السلف الصافي.
وكان من الأصول التي سلم الكلابية والأشاعرة للمعتزلة مضمونها، والتزموا لوازمها الفاسدة: دليل الأعراض وحدوث الأجسام. فالمعتزلة إذا: هم مصدر دليل الأعراض وحدوث الأجسام - بالنسبة للكلابية والأشاعرة - ومنهم أخذوه وعنهم تلقوه (١).فإنهم وافقوهم على "صحة دليل حدوث الأجسام، فلزمهم أن يقولوا بحدوث ما لا يخلو من الحوادث، ثم قالوا: وما يقوم به الحوادث لا يخلو منها" (٢).يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مخاطباً الأشاعرة، ومبيناً لهم موافقتهم المعتزلة على هذه الأصول الباطلة: "وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنتم فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنها، صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع، مع مقاربتكم، أو موافقتكم لهم في الحقيقة" (٣).وهذه الموافقة تفطن لها ابن رشد: حيث ذكر أنه لم يقف على كتب للمعتزلة توضح طرقهم في إثبات الصانع، وإن كان يرى أنها لا تعدو أن تكون من جنس طرق الأشاعرة .. يقول ابن رشد: "وأما المعتزلة: فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طريقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية" (٤).
فأكثر الأشاعرة: سلكوا طريقة الأعراض وحدوث الأجسام.
والملاحظ عليهم أنهم منقسمون في دليل الأعراض إلى طائفتين:
١ - طائفة: ترى صحة دليل الأعراض وحدوث الأجسام، لكنها لا توجبه، ولا تعارض به جميع نصوص الصفات؛ فتراهم يثبتون الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، ويثبتون علو الله ﵎ على خلقه، مع نفيهم قيام الأفعال الاختيارية في ذاته جل وعلا.
وهؤلاء هم متقدموا الكلابية والأشعرية؛ كابن كلاب، والأشعري، وغيرهما.
стр. 467
٢ - طائفة: ترى صحة دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتوجبه، وتحصر إثبات الصانع به.
وهؤلاء على قسمين:
أ- قسم رأوا أن هذا الدليل لا يقوى على معارضة جميع نصوص الصفات، فأثبتوا الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، وأثبتوا علو الله على خلقه.
وخير من يمثل هذا القسم: أبو بكر الباقلاني.
ب- قسم رأوا أن هذا الدليل يعارض النصوص؛ فنفوا لأجله الصفات الخبرية جلها أو جميعها - على اختلاف بينهم، ونفوا العلو، مع نفيهم للصفات الاختيارية أيضا.
هؤلاء هم بعض متقدمي الأشعرية؛ كابن فورك، والبغدادي، والجويني، ومن أتى بعدهم من متأخري الأشعرية.
والملاحظ على كلتا الطائفتين: اتفاقهما على نفي الصفات الاختيارية، مستندين في ذلك إلى هذا الدليل.
وقد استدلوا جميعاً على حدوث الأجسام بكونها لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادث.
فهذا إمامهم ورأسهم: ابن كلاب؛ عبدالله بن سعيد بن محمد بن كلاب، أبو محمد القطان البصر، صنف في الرد على الجهمية والمعتزلة مصنفات كثيرة، بين فيها تناقضهم، وكشف كثيراً من عوارهم، لكنه كان أول من تأثر بهم في هذا الدليل، فاقتفى أثرهم في هذا الأصل الذي هو ينبوع البدع. إلا أن الملاحظ عليه أنه لم يسلم لهم تسمية صفات الله تعالى أعراضاً؛ لأنها - على حد قوله - "قديمة باقية لا تعرض ولا تزول" (١)، والعرض لا يبقى زمانين (٢).
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان أثر هذا الدليل على مذهبه في الصفات.
والاعتماد في بيان ذلك على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبعض كتب المقالات والفرق؛ لأنني لم أقف على شيء من مؤلفاته.
وممن تأثر - من الأشاعرة - بهذا الدليل، وأورده في تصانيفه: الباقلاني: فقد تلقف دليل المعتزلة، واستدل على حدوث الأجسام بعدم انفكاكها عن بعض الأكوان: كالحركة والسكون .. فالموجودات كلها عند الباقلاني على ضربين: قديم لم يزل، ومحدث لوجوده أول؛ لم يكن، ثم كان (٣).والمحدثات عنده ثلاث أقسام: جسم، وجوهر، وعرض (٤).فالجسم هو المؤلف المركب (٥).والجوهر هو الذي له حيز - مكان - وله قيام بذاته، ويقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضاً واحداً (٦)؛ فلا يقبل من الألوان: البياض والسواد معا في زمان مكان واحد، ولا الحياة والموت معا، .. إلخ. والعرض هو الذي يعرض في الجواهر والأجسام، ويحدث في محل، ولا يصح قيامه بذاته؛ كاللون، والحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، والاتصال، والانفصال. ويستحيل بقاؤه زمانين؛ ويبطل في ثاني حال (٧).و "جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن هذين الجنسين؛ أعني الجواهر والأعراض، وهو محدث بأسره" (٨).
وقد دلل على حدوث العالم بحدوث الأعراض والأجسام ...
стр. 468
وطريقته في ذلك تستند إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة:
١ - مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
٢ - مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.
وهذا الطريقة مبنية على ثلاثة براهين يلزم إثباتها:
١ - إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
٢ - إثبات أن الأجسام لم تسبق الحوادث.
٣ - إثبات أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث.١ - أما الأعراض: فقد حاول إثباتها بدليل الحركة والسكون، فقال: "والدليل على إثبات الأعراض تحرك الجسم بعد سكونه، وسكونه بعد حركته. ولابد أن يكون ذلك كذلك لنفسه أو لعلة. فلو كان متحركاً لنفسه ما جاز سكونه، وفي صحة سكونه بعد تحركه دليل على أنه متحرك لعلة؛ هي الحركة" (١)."والأعراض حوادث، والدليل على حدوثها: بطلان الحركة عند مجيء السكون؛ لأنها لو لم تبطل عند مجيء السكون لكانا موجودين في الجسم معاً، ولوجب لذلك أن يكون متحركاً ساكناً معاً، وذلك مما يعلم فساده ضرورة" (٢).
فالأعراض طارئة حادثة - كما ادعى الباقلاني -، والدليل على ذلك انقطاع السكون حين الحركة، وتوقف الحركة عند السكون.٢ - وأما الأجسام: فقد دلل على أنها لم تسبق الأعراض، بعدم انفكاكها عنها؛ إذ لا أجسام ولا جواهر بدون أعراض، فهي بالتالي لم توجد قبلها، ولم تسبقها (٣)."والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث: أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجوداً، فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعاً، أو متبايناً مفترقاً؛ لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة أو متباينة منزلة ثالثة: فوجب أن لا يصح أن يسبق الحوادث" (٤).٣ - فالأجسام حادثة: لأنها "لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها، وما لم يسبق المحدث: محدث" (٥)؛ فالجسم "لا ينفك من الأولوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثا. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجوداً معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجودها" (٦).فأي الأمرين - وجود الأجسام مع الحوادث، أو وجودهما بعدها - ثبت، وجب به القضاء على حدوث الأجسام (٧).
ويمكن تلخيص طريقته هكذا:
العالم كله محدث؛ لأنه مؤلف من جواهر وأعراض.
والأعراض حوادث، ودليل ذلك: بطلان الحركة عند مجيء السكون.
والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، وما لم يسبق الحوادث: محدث مثلها.
فالعالم إذا حادث بأسره لأنه لا يخلو عن الحوادث. والباقلاني في هذه الطريقة مقتف لآثار المعتزلة حذو القذة بالقذة، إلا أنه أورد أمراً لم يورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" (٨).
стр. 469
وهذا لغاية في نفسه، سيأتي بيانها - إن شاء الله تعالى - عند توجيه استدلال المبتدعة بهذا الدليل على مذهبهم في الصفات. وقد أتى بعد الباقلاني: عبد القاهر البغدادي، الذي قال بنحو قول سلفه، ونقل اتفاق الأشاعرة على هذا الدليل (١).ودلل على حدوث العالم بحدوث الأجسام؛ مدعياً دعوى سلفه الباقلاني: أنها - أي الأجسام - لا تخلو من الأعراض الحادثة فيها، ولا تسبقها (٢)، "فإذا صح أن الأجسام لم تسبق الأعراض الحادثة وجب حدوثها؛ لأن ما لم يسبق الحوادث كان محدثا، كما أن ما لم يسبق حادثا واحداً كان محدثاً" (٣).
واستندت طريقته إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة - كطريقة سلفه الباقلاني:
١ - مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
٢ - مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.٣ - نتيجة: الأجسام حادثة (٤).
وقد:
١ - أثبت الأعراض وأثبت حدوثها.
٢ - أثبت أن الأجسام لا تخلو من الحوادث، ولا تسبقها.٣ - توصل إلى نتيجة مفادها: أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث، مقتفياً في ذلك آثار سلفه الباقلاني، مورداً نحو من أدلته التي أوردها (٥).وقد تبع الباقلاني في إيراده أمراً لم تورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" (٦).وكذا قال بنحو هذه الأقوال: الإسفراييني؛ فزعم أن الأجسام حادثة؛ لأنها لا تخلو من الحوادث، "وما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثا، وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثاً مثلها" (٧)؛وقد ادعى الإسفراييني أن أهل السنة والجماعة - يقصد الأشاعرة - على هذا المعتقد (٨).واستدل على حدوث الأعراض، وحدوث الأجسام بأدلة قريبة من أدلة أسلافه (٩).
ثم أتى بعده أبو المعالي الجويني ...
ولا بأس من التوقف عنده قليلاً لبيان موقفه من دليل الأعراض؛ لما لأقواله من وزن واعتبار عند أتباع الطائفة الأشعرية، إذ يعد الجويني من أكابر أئمة الأشاعرة المتأخرين، وأقواله مسلمة لديهم لا تقبل تمحيصاً، ولا مراجعة.
فالجويني سلك مسلك المعتزلة في دليل الأعراض، وعليه بنى أصل دينه. فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة أبي المعالي الجويني: "مأخوذة في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات" (١٠)، وعليها بنوا أصل دينهم، "وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفا عليها، وذلك أنه موقوف على الإيمان بالرسول ﷺ ، والإيمان به موقوف على معرفة المرسل، وزعموا أن المرسل لا يعرف إلا بها" (١١).
وقد قسم الجويني الموجود إلى قديم وحادث."فالقديم: هو الموجود الذي لا أول لوجوده، والحادث: هو الموجود الذي له أول" (١٢).
والموجودات الحادثة تنقسم بالضرورة إلى قسمين: ما لا يفتقر إلى محل يحله، وهو الجوهر. وما يفتقر إلى محل يحله، وهو العرض.
ثم ذكر حد الجوهر، وحقيقة العرض:
فعرف الجوهر بأنه:
- المتحيز،
- أو كل ذي حجم متحيز؛ أي له حظ من المساحة،
стр. 470
- أو ما يقبل العرض. والحيز عنده: هو الجهة أو الناحية (١).
وعرف العرض بأنه:
- ما يقوم بالجوهر، أو ما يطرأ على الجواهر: كالألوان، والطعوم، والروائح، والعلوم، والإرادات الحادثة وأضدادها، والحياة والموت. أو ما يستحيل عليه البقاء؛ فلا يبقى وجوده (٢).ولما كانت الأعراض تشمل الأكوان، فقد عرض الجويني لمعنى الكون، فذكر أنه: "ما يشمل: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق" (٣).
وقد بني الجويني كلامه - في شرحه لدليل الأعراض - على مقدمتين:
الأولى: العالم حادث.
الثانية: كل حادث لابد له من محدث. وبدأ بالمقدمة الأولى: أعني مسألة حدوث العالم، ليتوصل من خلالها إلى إثبات الصانع. وذكر "أن القول في حدوث العالم ينبني على تقديم أصول، وشرح فصول، وإيضاح عبارات واصطلاحات بين المتكلمين، ولا نتوصل إلى أغراضهم إلا بعد الوقوف على مراميهم ومعاني كلامهم" (٤).
وقد استعان بآراء من كان قبله، دون الإشارة على أسمائهم، ذاكراً أن العالم عندهم له مفهومان:١ - أحدهما: كل موجود سوى الله تعالى؛ ونسبه إلى سلف الأمة (٥).٢ - الثاني: عبارة عن الجواهر والأعراض. ونسبه إلى خلف الأمة (٦).
أما طريقة في إثبات حدوث العالم: فهي مستنده إلى إثبات عدة أمور:
أ- إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
ب- إثبات قيام الأعراض بالجواهر، وإثبات استحالة تخلي الجواهر عن الأعراض.
ج- إثبات امتناع حوادث لا أول لها.
د- ويترتب على هذه الأمور: إثبات أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وقد ذكر الجويني أن إثبات الأعراض، وإثبات قيام الأعراض بالجواهر: "من أهم الأغراض في إثبات حدوث العالم" (٧).
أولا: إثبات الأعراض:
ذكر الجويني أن العاقل إذا رأى جوهرا ساكناً، ثم رآه متحركا، يدرك التفرقة بين حالتي الحركة والسكون لهذا الجوهر."وتلك التفرقة لا تخلو: إما أن ترجع إلى ذات الجوهر. أو إلى معنى زائد على الجوهر؟ استحال أن يقال: ترجع التفرقة إلى ذات الجوهر؛ لأن الجوهر في الحالتين متحد، والشيء لا يخالف نفسه، فلا يقع الافتراق إلا بين ذاتين، فصح ووضح بذلك أن التفرقة راجعة إلى معنى زائد على الجوهر، وذلك هو العرض الذي ادعيناه" (٨).
ثانياً: إثبات حدوث الأعراض: ذكر الجويني "أنا نرى الأعراض المتضادة تتعاقب على محالها - الجواهر -، فنستيقن حدوث الطارئ منها، من حيث وجدت، ونعلم حدوث السابق منها من حيث عدمت" (٩).
فالجوهر يكون ساكناً، ثم تطرأ عليه الحركة؛ فحدوث الحركة مستيقن؛ لأنه طارئ.
وحدوث السكون معلوم بسبب انعدامه، ولو كان قديماً، لاستحال عدمه. والغرض من إثبات حدوث الأعراض (١٠):
- بيان استحالة قيام العرض بنفسه.
- بيان استحالة قيام العرض بالعرض.
- بيان استحالة انتقال العرض بل تنعدم.
- بيان استحالة انعدام القديم.
стр. 471
ثالثا: إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض:
الجوهر: لا يخلو عن كل جنس من الأعراض.
والعرض: إما أن يقدر له ضد، أو يقدر أنه لا ضد له؛ فالحركة ضدها السكون، والاجتماع ضده الافتراق، واللبث ضده الزوال، وهكذا.
فلو قدر أن للعرض ضدا: فلا يخلو الجوهر عن أحد الضدين. أما إذا قدر أن ليس ضد للعرض؛ فالجوهر لا يخلو عن قبول واحد من جنسه، وهذا مستحيل باتفاق الأشاعرة (١).
ويعلم ببديهة العقول: استحالة تعري الأجسام عن الاتصاف بالسكون، والحركة، والتأثير في المحال، والزوال، والانتقال، وكلها أعراض."وكل ذلك يوضح استحالة تعري الجواهر عن الأعراض" (٢).
وثمة دليل آخر على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض، وهو دليل اضطراري مفاده أن الجواهر الشاغلة للأحياز: لا تخلو عن الاجتماع والافتراق، وهذا مما يعلم بديهة. يقول الجويني: "والدليل على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض: أن الجواهر شاغلة للأحياز، والجواهر الشاغلة للأحياز، غير مجتمعة ولا متفرقة بحال، بل باضطرار يعلم أنها لا تخلو عن كونها مجتمعة أو متفرقة" (٣).
فالجواهر ليست ملازمة لحال واحدة أبداً، بل لا تخلو عن اجتماع، أو افتراق."وذلك يقضي باستحالة خلوها عن الاجتماع والافتراق" (٤).
رابعاً: إثبات استحالة حوادث لا أول لها:
هذا الكلام مبني على قولهم: "ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث".
فقد زعموا أن الأجسام لا تخلو من كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها.
وقد أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها بالطريقة التالية:
قالوا: حقيقة الحادث: ما له أول. ولما كان حقيقة كل حادث ما له أول، كان حقيقة كل الحوادث - مهما كثرت - ما لها أول (٥)."وهكذا كالجوهر؛ فإن حقيقة الجوهر: كونه متحيزا، فبالكثرة لا يخرج عن حقيقته، ويكون الكل متحيزا. فكذلك ههنا: إذا ثبتت الأعراض، وثبت حدوثها، وثبت استحالة تعري الجواهر عنها، وبطل قول الدهري: بأن الحوادث لا أول لها: فيترتب على ذلك أن الجواهر لا تسبق الأعراض الحادثة، وما لا يسبق الحوادث حادث على الاضطرار، من غير حاجة إلى نظر وافتكار" (٦).
وقد احتاجوا في إثبات امتناع حوادث لا أول لها إلى الرد على الدهري في قوله: عن الحوادث لا أول لها ...
وسلكوا في الرد على ذلك: "برهان التطبيق": وخلاصته أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه سلسلتان؛ سلسلة من الطوفان على ما لا نهاية في القدم أيضا. ثم يطبق بينهما، فكلما طرح من السلسلة الأولى واحد، طرح من السلسلة الثانية مقابله؛ واحد أيضا، وهكذا.
وهذا لا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور:
١ - إما أن يفرغا معا، وهذا خلاف الفرض، ويلزم منه مساواة الناقص للزائد.
стр. 472
٢ - ألا يفرغا. وهو الفرض في القضية "حوادث لا أول لها". وهو باطل أيضا؛ لأنه يلزم منه المساواة بين مختلفين، وهذا مستحيل؛ لتحقيق الزيادة في أحدهما.٣ - أن يفرغ أحدهما قبل الآخر. فإذا فرغت السلسلة الثانية، لزم أن تفرغ السلسلة الأولى أيضاً؛ لأن بينهما قدراً متناهيا "ما بين الطوفان إلى الهجرة"، والزائد على الشيء بقدر متناه، يكون متناهياً أيضاً (١).وقد مثل الجويني لهذا الدليل بقوله: "مثال إثبات حوادث لا أول لها: قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهما، إلا وأعطيك قبله ديناراً، ولا أعطيك ديناراً إلا وأعطيك قبله درهماً؛ فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه ديناراً ولا درهما" (٢).
خامساً: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث: وطريقة إثبات صحة ذلك عند الجويني: "أن الحادث جائز الوجود؛ إذ يجوز تقدير وجوده بدلا عن عدمه، ويجوز تقدير عدمه بدلا عن وجوده. فلما اختص بالوجود الممكن بدلاً عن العدم الجائز، افتقر إلى مخصص؛ وهو الصانع تعالى" (٣).فلما استوى الحادث في جواز وجوده، وجواز عدمه، كان لابد من مرجح يرجح أحدهما على الآخر؛ يرجح الوجود، أو يرجح العدم، وهذا مستبين على الضرورة (٤).
وهذا المرجح المخصص لا يخلو أن يكون واحداً من ثلاثة:
إما علة موجبة لمعلولها.
- وإما طبيعة.
- وإما فاعلاً مختاراً.
فكون المرجح المخصص علة موجبة لمعلولها: باطل؛ لأن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها.
والعلة التامة بين حالتين؛ إما أن تكون قديمة، وإما أن تكون حادثة.
فلو كانت قديمة: للزم قدم المعلول، وهو العالم؛ وهذا باطل؛ إذ الأدلة على حدوثه كثيرة. ولو كانت حادثة: لافتقرت إلى محدث مخصص، والمحدث يفتقر إلى آخر، وهكذا، حتى ينتهي الأمر إلى إثبات حوادث لا أول لها - وهو التسلسل (٥) -
وقد تقدم برهان بطلانه.
وكون المرجح المخصص طبيعة: باطل أيضاً. فيستحيل "أن يكون مخصص العالم طبيعة؛ كما صار إليه الطبائعيون" (٦)؛ لأن تلك الطبيعة لا تخلو: إما أن تكون قديمة، أو حادثة."فإن كانت قديمة، لزم قدم آثارها؛ فإن الطبيعة عند مثبتها لا اختيار لها، وهي موجبة آثارها عند ارتفاع الموانع. وقد صح حدوثها" (٧)، فإن كانت الطبيعة قديمة لزم قدم آثارها، وقد وضح حدوث العالم."وإن كانت الطبيعة حادثة، افتقرت إلى طبيعة أخرى، ثم الكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في هذه الطبيعة، وينساق هذا القول إلى إثبات حوادث لا أول لها، وقد تبين بطلان ذلك" (٨)."فوضح بذلك أن مخصص العالم: صانع، مختار، موصوف بالاقتدار والاختيار" (٩).
وبهذه البراهين والدعاوى توصل الجويني إلى إثبات حدوث العالم متبعا في ذلك طريقة أسلافه من المعتزلة، ومن اتبعهم ..
وقد أثبت ذلك بإثبات حدوث الأجسام، مستنداً إلى أصل الأصول في هذا الدليل - عندهم-؛ وهو: "ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث"، أو "ما لا يسبق الحوادث فهو حادث" ....
وقد سلك المتأخرون في ذلك مسلك المتقدمين، وتلخصت طريقتهم بأن:
العالم ينقسم إلى جواهر وأعراض.
стр. 473
وأن الأعراض لا تبقى زمانين متتاليين، بل يطرأ عليها التغير والتحول؛ فهي حادثة. والجواهر لا تتعرى عن الأعراض؛ بل هي ملازمة لها.
نتيجة:
١ - ما دامت الجواهر لا تنفك عن الأعراض؛ فهي حادثة بحدوثها؛ لأن ما لازم الحادث، فهو حادث.
٢ - ما دام العالم مكونا من الجواهر والأعراض - وقد ثبت حدوثها -؛ فالعالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث.
فالنتيجة التي توصل إليها هؤلاء - أعني الأشاعرة - بعد كل هذه المقدمات، كالنتيجة التي سبقهم إليها أسلافهم من الجهمية والمعتزلة؛ وهي الاستدلال على حدوث العالم بحدوث ما فيه من جواهر وأعراض، ومن ثم الاستدلال بحدوث العالم على وجود الله .
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا - ١/ ٣٧٧
وجه استدلال الكلابية والأشعرية بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفاتسبق الكلام عن تلقف الكلابية والأشعرية لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتلقيهم له عن الجهمية والمعتزلة، وقولهم - مثل أسلافهم-: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو من الحوادث ولا يسبقها، يكون معها، أو بعدها. وما كان من الحادث، أو بعده، فهو حادث، وطريقتهم في ذلك قريبة من طريقة الجهمية والمعتزلة (١).بيد أنهم خالفوا الجهمية، والمعتزلة - أسلافهم في هذا الباب - في تسمية الصفات أعراضاً؛ فنفوا أن تسمى كذلك، زاعمين أن العرض لا يبقى زمانين، أما صفات الله الذاتية الأزلية فهي باقية (٢).وقد نقل الرازي اتفاق الأشعرية جميعاً على أن: "العرض لا يبقى زمانين" (٣)، وتبعه الإيجي على نقل هذا الإجماع (٤).
والكلابية والأشعرية قالوا بإبطال حوادث لا أول لها؛ زاعمين أن القوال بحوادث لا أول لها يستلزم التسلسل. وقولهم بامتناع حوادث لا أول لها: حدا بهم في الحقيقة إلى نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى، والمتعلقة بمشيئته واختياره (٥).فالنزول، والاستواء، والمجيء، والإتيان والرضى، والغضب، والفرح، والضحك، .. إلخ: كلها عند هؤلاء لا تقوم بالله تعالى متعلقة بمشيئته - جل وعلا - وقدرته (٦).
وهم وإن خالفوا المعتزلة في جواز قيام الصفات بالله تعالى، وفي تسمية الصفات أعراضاً - فقالوا: نحن نقول بقيام الصفات بالله تعالى، ولا نسميها أعراضاً؛ لأن صفات الله عندنا باقية بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات - إلا أنهم سموا الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته حوادث، وقالوا بنفيها، طرداً لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا: لو قامت به، للزم ألا يخلو منها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
стр. 474
فصرحوا - إذا - بامتناع قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى. وقد استندوا في ذلك إلى أصلهم: ما يقبل الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث كان حادثاً (١).
ولهم مع هذه الصفات - أعني الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته - مسلكان؛ منهم من سلكهما معاً، ومنهم من سلك أحدهما .. وهذان المسلكان هما (٢):
"الأول": إثبات هذه الصفات، على أنها صفة أزلية قديمة مع الله تعالى، لا تتعلق بمشيئة الله وإرادته؛ فلا يتجدد له فيها حال كما يشاء.
فالرضى - مثلاً ليس بفعل يتعلق بمشيئة الله - عند هؤلاء - بمعنى أنه يرضى متى شاء على من شاء، بل هو أزلي من صفات الذات.
"الثاني" جعل مقتضى الصفة مفعولاً منفصلاً عن الله، لا يقوم بذاته ..
فالنزول - مثلاً - ليس فعلاً لازماً - عند هؤلاء -، بل يجعلونه كأفعاله المتعدية؛ من الخلق والإحسان، مفعولاً منفصلاً عنه، ويزعمون أن الله يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً.
وصفة الخلق - التي أحالوا الأفعال اللازمة عليها، وجعلوها مثلها - لا يثبتونها على أنها فعل يقوم بالله تعالى يتعلق بمشيئته وقدرته - جل وعلا -، بل هي مفعول منفصل عنه أيضاً؛ لأن الله - بزعمهم - خلق الخلق، فلم تحل بذاته حوادث؛ إذ الخلق هو المخلوق.
وهذا الأصل: "الخلق هو المخلوق"، أو "الفعل هو المفعول": معناه: أن صفة الخلق، أو الفعل: لم تقم بالله، ولا تقوم به جل وعلا.
ويقولون: إنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان؛ إما قديماً، وإما حادثاً.
فإن كان قديماً لزم قدم المخلوق.
وإن كان حادثاً، لزم أن تقوم به الحوادث.
ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر، .. وهكذا؛ يلزم التسلسل، وهو باطل. وهم "يفسرون أفعاله - تعالى - المتعدية؛ مثل قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام: ١]، وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته القديمة، وإرادته القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته .. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته .. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة هي المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه، من غير تجدد أمر وجودي، بل حاله قبل أن يخلق، وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة، وهي أمر عدمي لا وجودي" (٣).
وهذه النسبة أو الإضافة؛ كقول القائل: بيت الله، وناقة الله: إضافة تشريف، وانتساب إلى الله تعالى، من غير أن تقوم بذاته تعالى صفة.
ويعد ابن كلاب أول من قال بهذا الأصل - الخلق هو المخلوق -، بعد تلقية له عن المعتزلة كما تقدم.
وعنه أخذه تلاميذه، وعنهم أخذ أبو الحسن الأشعري الذي تكونت من أتباعه نواة مذهب الأشعرية.
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا - ٢/ ٥
стр. 475
المطلب الثاني: الرد على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم
ومن الآيات التي زعموا أنها نص في ذلك، واستدلوا بها على تصحيح دليلهم؛ دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبنوا عليها مذهبهم في نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا، ونفي أن يكون الله – تعالى – جسماً: تلك التي تحدثت عن الخليل إبراهيم ﵇، وعن مناظرته لقومه ..
وهي قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٦ – ٧٩].
وقد أخذ المبتدعة أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام بهذه الآيات؛ سيما قول الخليل ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، زاعمين أن إبراهيم ﵇ قد عول على الاستدلال بالتغير على الحدوث ..
وزعم المبتدعة أن الأفول: هو الحركة التي لم يخل الجسم منها ..
وأن قول الخليل ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ: دليل – بزعمهم – على نفي أن يكون الله يأفل ويتغير ويزول؛ فيتحرك من مكان إلى مكان ..
وقد ختموا استدلالهم الفاسد هذا، بزعمهم أن الله تعالى صدق خليله ﵇ في استدلاله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، بقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣].
فقد بنوا إذا على قصة الخليل ﵇:
١ - تصحيح دليل الأعراض، وجعله من الحجج الشرعية – بزعمهم – على إثبات الصانع جل وعلا ..
٢ - نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا؛ لئلا يكون الرب ﵎ محلاً للحوادث؛ فيكون حادثاً – بزعمهم.
٣ - نفي الجسمية عن الله جل وعلا؛ لحدوث الأجسام جميعها ..
- والحق أن هذه القصة ليست حجة لهم، بل هي حجة عليهم ..
ومزاعمهم كلها التي بنوها على هذه القصة لا تمت إلى الحقيقة بصلة ..
وبتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: يتضح الردود على استدلالهم بهذه القصة، ويبدو انحرافهم عن الجادة فيما أسسوه عليها بيناً جلياً.
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٢٩
стр. 476
المطلب الثالث: الرد الإجمالي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم
يتلخص الرد الإجمالي: على استدلال المبتدعة بقصة الخليل إبراهيم ﵇ على تصحيح دليلهم، وعلى نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا، ونفي أن يكون جسماً، فيما يأتي:١ - إن مبدأ معرفة الأنبياء ﵈ لربهم جل وعلا، ولشرائعه ﵎ تكون عن طريق الوحي، لا بالنظر (١).
يدل على ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢]، وقوله تبارك وتقدس: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: ٧]، وغير ذلك من الآيات ..
٢ - إن قصة المناظرة كانت بعد بعثة إبراهيم الخليل ﵇.
وقد كان الخليل ﵇ وقتها عارفاً بربه جل وعلا ..
ولم يكن المقام مقام استدلال بالمحدث على المحدث كما زعم المبتدعة، بل كان مقام لقومه، وإبطال لعبادتهم الكواكب من دون الله تعالى ...
يدل على ذلك قوله تعالى قبل ذكر قصة المناظرة: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥]، ثم قال بعدها: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] ... الآيات.
والفاء للعطف والترتيب ..
وهذا يدل على أن الخليل ﵇ ناظر قومه، وبين لهم بطلان عبادتهم للكواكب بعد أن رأى ملكوت السموات والأرض، أو بعد مناقشة لأبيه آزر بشأن عدم صلاحية الأصنام للعبادة.
- وهذا الفهم يعضده أمران، هما:
أ- في قول الله ﵎: نُرِي: إشارة إلى سبق معرفة إبراهيم بربه جل وعلا، ومعناها: أن الله هو الذي أرى إبراهيم الخليل ﵇ ملكوت السموات والأرض قبل مناظرته لقومه، لا أن إبراهيم ﵇ أنشأ استدلالاً فيما بعد ليتوصل إلى إثبات الصانع؛ كزعم المبتدعة ..
ب- في قول الله تعالى: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: إشارة إلى أن اليقين قد حصل لإبراهيم الخليل ﵇ قبل مناظرته لقومه .. واليقين: هو العلم، وزوال الشك (٢).
والذي حصل له العلم بربه، وزال الشك عنه، هل يحتاج على الاستدلال ليتوصل إلى معرفة ربه؟! ..
أم إنه تهيأ لمناظرة قومه، وإقامة الحجة عليهم؟
٣ - إن دليل الأعراض وحدوث الأجسام ليس طريقة الخليل ﵇، ولا طريقة إخوانه المرسلين عليهم أفضل الصلوات والتسليم ..
فلم يكن نبي من أنبياء الله ﵈ يدعو أحداً من أمته على الاستدلال على وجود الله تعالى بالجواهر والأعراض، والحركة والسكون، وغير ذلك من الألفاظ المجملة، والمعاني المبهمة التي ما أنزل الله بها من سلطان ..
بل هذا الدليل، وما يشتمل عليه من طريقة أعداء المرسلين، وطريقة أعداء الخليل ﵇ بالذات ..
فقد تقدم أن من ابتدع هذا الدليل في الإسلام، تلقاه عن الصابئة المبدلين، وهم أعداء الخليل الذين بعث فيهم ﷺ حينما عبدوا الكواكب من دون اللهِ، وهم المعنيون بالمناظرة هذه ..
٤ - إن الخليل ﵇ كإخوانه من الأنبياء والمرسلين، لم يكن ينفي عن الله تعالى صفاته، لا بعضها، ولا كلها ..
بل كان مثبتاً للصفات، موقناً أن معبوده جل وعلا متصف بصفات الكمال، منكراً على من عبد من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عن عابديه شيئاً ..
стр. 477
فهو – ﵇ – الذي قال لآبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
وهو – ﵇ – الذي قال لقومه يعيب عليهم ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: ٧٢ - ٧٣].
فاحتج على نفي إلهية ما سوى الله بكونهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا ينفعون، ولا يضرون.
وهذه صفات ذاتية بالنظر إلى أصلها، فعلية بالنظر إلى تجدد آحادها ..
وهي حجة على المبتدعة من قول إبراهيم الخليل ﵇ نفسه الذي استدلوا بقصته على مذهبهم .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ما ذكره الله عن إبراهيم – ﵇ – يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن الله؛ فإن إبراهيم قال: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [إبراهيم: ٣٩]؛ والمراد: أنه يستجيب الدعاء؛ كما يقول المصلي: سمع الله لمن حمده. وإنما يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده لا قبل وجوده؛ كما قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]؛ فهي تجادل وتشتكي حال سمع الله تحاورهما وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة في قوله: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥]، وقال: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٤]؛ فهذه رؤية مستقلة ونظر مستقل. وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلا عن الرائي السامع باتفاق العقلاء فإذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها. والرؤية والسمع أمر وجودي لا بد له من موصوف يتصف به؛ فإذا كان هو الذي رآها وسمعها، امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية، وأن تكون قائمة بغيره، فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت الأعمال والأقوال. وهذا قطعي لا حيلة فيه" (١).
فالمقصود أن الخليل ﵇ قد أثبت الصفات الاختيارية لله تعالى، ومنها السمع والبصر ..
وعلى هذا فلا حجة في قول المبتدعة إن ما ورد في قصة مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه؛ من قوله لما احتجب الكوكب: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] دليل على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى – بزعمهم.
وتفنيد استدلالهم هذا سيأتي بشكل أوسع في المطلب الثاني التفصيلي – إن شاء الله.
٥ - إن الخليل ﵇ لو قصد الاستدلال بالأعراض على نحو استدلال المتكلمين، لما قال: هَذَا رَبِّي أولاً، ولما فرق بين النجم والشمس والقمر، ولكان دليله على حدوث النجم يدل بعينه على حدوث سائر الأجسام؛ لأنه يكون قد أقام الحجة على الخصم بحدوث الأجسام حين أبطل ربوبية النجم ..
فلم أعاد الاستدلال عند رؤية القمر، ثم أعاده ثالثة عند رؤية الشمس؟
٦ - إن استدلال المبتدعة بقول الله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣] على تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وشرعيته؛ بزعمهم أن الله تعالى في هذه الآية قد صدق خليله ﵇ في استدلاله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام: مجانب للصواب.
فالله تعالى قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، ولم يقل على نفسه ..
стр. 478
فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت بين إبراهيم ﵇، وقومه؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن يطلب إبراهيم ﵇ المعرفة لنفسه."ولهذا قال الخليل في تمام الكلام: إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٨ – ٧٩]. فقوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: يبين أنه إنما يعبد الله وحده، فله يوجه وجهه؛ فإنه إذا توجه قصده إليه، تبع قصده وجهه؛ فالوجه موجه حيث توجه القلب؛ فصار قلبه ووجهه متوجهاً إلى الله تعالى ولهذا قال: وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع؛ فإن هذا كان معلوماً عند قومه، لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السموات والأرض، وإنما كان النزاع في عبادة غير الله واتخاذه رباً" (١).
"فعلم مما تقدم أن الخليل ﵇ لم يكن مستدلاً بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على إثبات الصانع، بل كان محاججاً لقومه، منكراً عليهم عبادتهم الكواكب من دون الله تعالى.
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٣١
стр. 479
المطلب الرابع: الرد التفصيلي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل ﵇ على مذهبهم
هذه القصة التي قصها الله ﵎ علينا من أحسن القصص؛ كما قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣].
وفيها أحسن مناظرة وأبينها ... قص الله علينا كيف أظهر حجة خليله، ودحض حجة أعدائه؛ فبين بطلان إلهية ما يعبدون من كواكب، ونجوم، وشمس، وقمر: بأفول ذلك، واحتجابه ..
وقد أخبر الخليل ﵇ قومه في هذه المناظرة أن الإله الحق لا يليق به أن يغيب ويحتجب، بل لابد أن يكون شاهداً غير غائب، ككونه غالباً قاهراً غير مغلوب ولا مقهور، نافعاً لعباده، يملك لعباده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه ما يؤذيه ويضره.
وذلك ليس إلا لله وحده، المعبود بحق، وكل معبود سواه باطل .. - فهذه القصة التي قصها الله تعالى علينا في كتابه الكريم من أعظم سبل الاعتبار لتحقيق التوحيد (١).
وقد ضل في هذه القصة – كما تقدم – طوائف من المتكلمين؛ من جهمية، ومعتزلة وأشعرية، وماتريدية، وغيرهم. وأصل ضلالتهم (٢):
١ - أنهم اعتقدوا أن إبراهيم الخليل ﵊ لما قال: هَذَا رَبِّي: عن الكوكب، والقمر، والشمس، أراد أن هذا هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه رب العالمين.
ومرادهم من ذلك تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عندهم؛ لأن الخليل بزعمهم استدل بحركة الكواكب، وتغيرها على حدوثها، وبالتالي على وجود المحدث لها؛ لأن كل محدث لابد له من محدث ..
٢ - أنهم اعتقدوا أن الخليل ﵇ بقوله: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] قد استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
ومرادهم من ذلك نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ لأنها حوادث، وما قامت به الحوادث كان محلاً لها، وما كان محلاً للحوادث فهو حادث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٣٨
стр. 480
المطلب الخامس: الرد على استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل ﵊: هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٦] على شرعية دليل الأعراض وحدوث الأجسام:
الخليل ﵇ لم يرد من قوله عن الكوكب، والقمر، والشمس: هَذَا رَبِّي: أن هذا هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه رب العالمين.
ومن تدبر قصته ﵇ علم أنها تدل على نقيض مذهب المبتدعة ..
- فهذه القصة التي جرت بين إبراهيم ﵇ وقومه: إنما هي في إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية، لا في إثبات أنه جل وعلا الصانع، وخالق هذا الكون ..
فمن غير المعقول أن يعتقد إبراهيم ﵇ أن الكوكب أو القمر هو خالق السموات والأرض، أو أن الشمس هي الخالقة لأنها أكبر – كما افترى المبتدعة عليه.
هذا لا يعتقده عاقل ..
ولم يكن قصد الخليل ﵇ من قوله: هَذَا رَبِّي: أن هذا الذي أشار إليه؛ من كوكب، أو شمس، أو قمر: أنه رب العالمين، وأنه الصانع لهذا الكون؟! حاشاه من قول ذلك – ﵇ – بل هو أجل من أن يقول لمثل هذه الكواكب: إنه رب العالمين (١).
فلم يكن بصدد إثبات الصانع، بل كان مناظراً لقومه، مستدلاً عليهم، مبيناً فساد معتقدهم في ألوهية الكواكب، وإشراكها مع الله في العبادة .. فكان ﵇ – إذا – بصدد الاستدلال على نفي الشريك، وإبطال عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأن قومه كانوا مقرين بالصانع، ولكنهم كانوا يشركون في عبادته غيره (٢).يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين، ولا كان قوله – ﵇ – هَذَا رَبِّي: هذا هو الذي خلق السموات والأرض؛ على أي وجه قاله؛ سواء قاله إلزاماً لقومه، أو تقديراً، أو غير ذلك. ولا قال أحد قط من الآدميين إن كوكباً من الكواكب، أو إن الشمس والقمر أبدعت السموات كلها. ولا يقول هذا عاقل. بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الأصنام الأصنام؛ كما يعبد عباد الأنبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم، وكما يعبدون آخرون للملائكة، وآخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة، أو دفع مضرة لا لاعتقادهم أنها خلقت العالم" (٣).فالمقصود أن قوم إبراهيم ﵇ كانوا يقرون بربوبية رب العالمين، ويثبتونه جل وعلا؛ فأي حاجة دعت الخليل ﵇ إلى إقامة الحجة على قومه لإثبات ما هو ثابت مستقر عندهم (٤).وإنما كان قوم إبراهيم – كما مر – يشركون بعبادة هذه الكواكب والأصنام؛ لما يرجون بعبادتها من جلب نفع، أو دفع ضر (٥).
ودليل إقرار قوم إبراهيم ﵇ بربوبية رب العالمين، وأنه الصانع، الخالق للسموات والأرض جل وعلا: موجود في آيات قرآنية، منها:
стр. 481
قول الخليل مخاطباً قومه: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]: فاستثنى رب العالمين الذي كانوا يعبدونه، ويقرون بربوبيته، ولكن يشركون معه في العبادة غيره ..
وكذا قول الخليل ﵇، ومن معه من المؤمنين يخاطبون قومهم: إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤].
فمحل النزاع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كان في إفراد الله تعالى بالعبادة وحده، وهذا ما كان يفتقر إليه مشركوا قوم إبراهيم ﵇ ..
فلم يكن الخليل ﵇ جاهلاً بخالق السموات والأرض، ولم يكن قومه جاحدين له؛ حتى يقال إنه استدل على الصانع، أو نحو ذلك.
وسبب لجوء الخليل ﵇ على هذه المناظرة لإقامة الحجة على قومه، وإلزامهم بعبادة الله وحده: هو هذه الجذور المتأصلة عندهم، والعقيدة المتوارثة خلفاً عن سلف في عبادة الكواكب والنجوم ..
فقد وجد الخليل ﵇ أن انتزاع هذه العقيدة من الصعوبة بمكان؛ لذلك رأى أن الحجة لابد أن تكون قوية وحكيمة حتى تكون أدعى للقبول ..
ولا شك أن الاستدلال الذي يجمع بين القول والحس أقوى من الاستدلال القولي المجرد عن الحس .. لذلك كان انتظار أفول هذه الأجرام، والاستدلال بذلك على عدم صلاحيتها للألوهية أدعى لإجابة قوم إبراهيم ﵇ من مجرد القول (١).
فالذي يأفل، ولا يملك أن يمنع نفسه من الاحتجاب والمغيب عن أعين عابديه، لا يصلح للعبادة.
فإذا كان لا يملك أن يمنع نفسه عن المغيب، فكيف يملك لعابده نفعاً أو ضراً؟! ..
فقول الخليل ﵇ عن الكوكب، أو الشمس، أو القمر: هَذَا رَبِّي: من نوع الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أهذا الذي تزعمون أنه ربي؟، أو أهذا الذي تعتقدونه رباً لي؟ وهذا أسلوب معروف في لغة العرب؛ من ذلك قول الله ﵎: أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤]: أي أفهم الخالدون (٢).ولو كان على إبراهيم ﵇ بقوله: هَذَا رَبِّي: أي هذا رب العالمين؛ لكانت قصة إبراهيم ﵇ حجة عليهم؛ لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين، وإنما المانع هو الأفول" (٣).
فعلم مما تقدم فساد استدلال المبتدعة بقصة الخليل ﵇ على تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وإبعادهم النجعة في فهمهم لقوله ﵊: هَذَا رَبِّي ..
فليس المراد به أن هذا رب العالمين، أو أنه خالق السموات والأرضين.
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٤٠
стр. 482
المطلب السادس: الرد على استدلال المبتدعة بقول الخليل ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى .
زعم المبتدعة أن الخليل ﵇ بقوله: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث ..
ثم نفى صلاحيتها لأن تكون صانعة للعالم بكونها محدثة، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
- وقد تقدم أن مراد المبتدعة من ذلك نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ لأنها حوادث، وما قامت به الحوادث كان محلاً لها، وما كان محلاً للحوادث فهو حادث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
- فهذا مما أبعدوا فيه النجعة، وجانبوا فيه جادة الصواب ..
ولا يسعفهم في ذلك برهان، لا من اللغة، ولا من واقع الحال ..
- أما من اللغة:
فالأفول باتفاق أهل العلم والتفسير: هو المغيب، والاختفاء، والاحتجاب .. وهذا أمر متواتر ضروري في التفسير واللغة (١).- فلا يعرف في لغة العرب إطلاق الأفول على الحركة والانتقال (٢).
فهذا المعنى لم تعرفه العرب كما هو مبين في كتب ومعاجم اللغة ..
- وكذا لم تعرف العرب أن الأفول هو التغير.
فلا يسمى المتحرك، أو المتغير في اللغة آفلاً ..
- ولا يقال لمن تحرك، أو جاء، أو ذهب، أو صعد، أو نزل، أو أتى إنه آفل ..
- ولا يقال للتغير الذي هو تحول عن حال إلى حال؛ كاستحالة لون الإنسان إلى الاصفرار عند المرض، واستحالة لون الشمس إلى الاصفرار عند تضيفها للغروب: إن ذلك أفول ..
- وإنما المعروف أن الأفول: هو الغياب والاحتجاب ..
وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب ..
- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث – بزعمهم – وزعمهم أن الأفول: هو الحركة والتغير: "إن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير.
بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للغة والتفسير.
فإن الأفوال: هو المغيب.
يقال أفلت الشمس تأفل، وتأفل أفولا: إذا غابت.
ولم يقل أحد قط إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال إنها أفلت.
ولا أن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت.
ولا أن الماء إذا جرى يقال إنه أفل.
ولا أن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل.
ولا أن الآدميين إذا تكلموا، أو مشوا، وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا.
بل ولا قال أحد قط إن من مرض، أو اصفر وجهه، أو احمر يقال إنه أفل. فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله ، وعلى رسوله ﷺ المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعاً، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن" (٣).
стр. 483
فالأفول – إذاً – باتفاق أهل اللغة جميعاً، وعلماء التفسير، وكل من يعرف معاني القرآن: هو المغيب، والاختفاء، والاحتجاب. يقول الأزهري – وهو أحد علماء اللغة -: "يقال: أفلت الشمس تأفل وتأفل أفلا وأفولا، فهي آفلة، وكذلك القمر يأفل إذا غاب قال الله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَ [الأنعام: ٧٦ - ٧٧]: أي غاب وغرب" (١).
وقال ابن فارس: "أفلت الشمس: غابت ونجم أفل وكل شيء غاب فهو آفل .. - إلى أن قال:- وإبراهيم ﵇ قال: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]؛ حين غابت الكواكب واحتجبت" (٢).ولم يشذ عن هذا أحد من أهل اللغة (٣).
فعلم أن اللغة تدحض حججهم .. بل إن من يعرف معاني القرآن ليجزم أن معنى الأفول هو الغياب والاحتجاب، وليس معناه التحرك والتغير (٤).
وأما من واقع الحال:
فلم يكن قصد الخليل إبراهيم ﵇ الاستدلال بالحركة والسكون على أن هذه الكواكب حادثة لا تصلح للألوهية – كما زعم المبتدعة.
لذلك لما رآها تتحرك لم يقل: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، وإنما قال ذلك عندما غابت واحتجبت ..
فمعلوم أن القمر لما بزغ، كان في بزوغه متحركاً إلى أن غاب ..
وكذلك الشمس لما بزغت، كانت في بزوغها متحركة إلى أن غابت .. فلو كان إبراهيم ﵇ يقصد الاستدلال بالحركة التي يسميها المبتدعة – تغيراً – لكان قد قال ذلك – لا أُحِبُّ الآفِلِينَ – حين رأى القمر، أو الشمس بازغين، ولما انتظر أفولهما، "بل كان نفس الحركة التي يشاهدها حين تطلع إلى أن تغيب هي الأفول" (٥).يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مخاطباً المبتدعة الذين استدلوا بالأفول على الحدوث: "إن قصة الخليل ﵇ حجة عليكم؛ فإنه لما رأى كوكباً وتحرك إلى الغروب فقد تحرك، ولم يجعله آفلاً. فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة، ولم يجعلها آفلة. ولما تحركت إلى أن غابت، والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلاً" (٦).
فلو كانت الحركة التي ظهرت في الشمس – مثلاً – حين بزوغها هي الدليل على الحدوث، لكان الخليل ﵇ من حين بزغت استدل بتلك الحركة على حدوثها، ولما انتظر إلى أن غابت ..
فدل ذلك على أن الحركة ليست دليلاً على نفس مطلوبه، بل الأفول هو الدليل .. فعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم ﵇، وإنما نافاه التغيب والاحتجاب (٧).
стр. 484
- ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها في هذا الباب: أن ما استدل به المبتدعة من نفي التغير – الحركة، والسكون – الذي سموه أفولاً، على تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته الاختيارية: هو على نقيض مطلوبهم، لا على تعيين مرادهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن كان إبراهيم – ﵇ – إنما استدل بالأفول على أنه ليس رب العالمين؛ كما زعموا: لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الأفول؛ من كونه متحركاً، منتقلاً، تحله الحوادث، بل ومن كونه جسماً متحيزاً: لم يكن دليلاً عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين وحينئذ: فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم، لا على تعيين مطلوبهم. وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية، ولا عقلية، إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم" (١).فقيام الحركة والانتقال بالكوكب، أو القمر، أو الشمس: لم يناف مقصود إبراهيم ﵇، لذلك لم ينف محبة من قامت به هذه الصفة، وإنما نفى محبة من أفل؛ فعلم أن التغيب ينافي مقصود الخليل ﵇؛ "فإن كان مقصوده نفي كونه رب العالمين، كان ذلك حجة عليهم لا لهم. وكانوا قد حكوا عن إبراهيم أنه لم يجعل التغير والحركة والانتقال مانعة من كون الموصوف بذلك رب العالمين، فما ذكروه لو صح كان حجة عليهم لا لهم. وبكل حال: فإبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من حب المتصف بذلك، كما جعل الأفول مانعاً فعلم أن ذلك ليس من صفات النقص التي تنافي كون المتصف بها معبوداً عند إبراهيم" (٢).يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولقائل أن يقول: إن كان الخليل ﷺ احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين، لزم أنه لم يكن ينفي عنه حلول الحوادث؛ لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة، وهو مما يعلم من اللغة اضطراراً. وهو حين بزغ قال: هَذَا رَبِّي، فإذا كان من حين بزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية، دل على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي: الأفول" (٣).
- فالخليل ﵇ لم ينف الربوبية عن الكوكب، أو القمر، أو الشمس: حال حركتهم وانتقالهم من مكان إلى مكان، وإنما نفى ذلك وقت غيابهم واحتجابهم ..
فدل ذلك على أن رب العالمين تقوم به الأفعال الاختيارية، لا كما زعم نفاتها ..
هذا لو سلمنا للمبتدعة أن إبراهيم ﵇ كان بصدد إثبات رب العالمين.
غير أن الواقع أن الخليل ﵇ كان يحتج بالأفول على أن من يتصف به لا يصلح أن يتخذ رباً يشرك به، ويدعى من دون الله.
وهكذا تبين لنا أن طريقة الخليل ﵇ إنما كانت لنفي ألوهية الكواكب، ونفي عباداتها من دون الله تعالى، لا لإثبات حدوث العالم بدليل الحركة والسكون، ولا للاستدلال على حدوث الأجسام بتغيرها وأفولها ..
واتضح أن قصة الخليل ﵇ حجة على المبتدعة؛ سيما أولئك الذين يستندون إليها في نفي قيام أفعال الله الاختيارية بذاته جل وعلا ..
المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٤٤
стр. 485
المطلب الأول: بيان موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها
لم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:
فقال في "مقالات الإسلاميين": "وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرض كما قال : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥].
وأن له وجهاً كما قال الله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧].
وأن له يدين كما قال تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].
وأن له عينين كما قال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤].
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وأنه ينزل على السماء الدنيا كما جاء في الحديث. ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ " (١) اهـ. وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: "وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله ، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف" (٢) اهـ.
وقال أيضاً: "هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة
جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئاً ..... "، إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وكما قال سبحانه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤].
وأن له عينين بل كيف كما قال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤].وأن له وجهاً كما قال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧] (٣) اهـ.
وقال في (الإبانة): "فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل – نصر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.
وجملة قولنا: .. " ثم ذكر أموراً إلى أن قول: "وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧].
стр. 486
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وكما قال سبحانه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤].وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] (١) اهـ.
وقال أيضاً: "الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وقال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: ٣٧]، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً ولا تكيف ولا تحد.
وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، وقال تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤]، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ... "، على أن قال: "مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولن إن لله سبحانه وجهاً؟
قيل له: نقول ذلك، خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧].
مسألة:
قد سئلنا: أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته)) (٢) فثبتت اليد بلا كيف" (٣) اهـ. وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: "وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلابد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلابد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلابد من إثبات حياة وسمع وبصر" (٤) اهـ
كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال: فقال في (مقالات الإسلاميين): "باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو ... , الفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه" (٥) اهـ. وقال في موضع آخر: "قولهم في العين واليد: وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن قال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأويل قول الله : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، - أي: بعلمي-" (٦) اهـ.
стр. 487
وقال: "الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا في العين واليد والوجه واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان، ورجلان، ووجه، وعينان، وجنب يذهبون على الجوارح والأعضاء.
وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله أو جاءت به الرواية من رسول الله ﷺ فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف ... وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] – أي: بعلمنا-" (١) اهـ. وقال في سياق أقوال المعتزلة: "وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله : لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٥]، أي بالقدرة. وكان سليمان ابن جرير يقول أن وجه الله هو الله (٢) اهـ. وقال في (الإبانة): "الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة" ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: "ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وقوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩] (٣) اهـ. وقال في موضع آخر: "ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين" (٤) اهـ.
وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إليه الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، ولو أنكروه لكفروا، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، ولو لم يكن كذلك لم يكن للخلاف بين أهل الحديث والمعتزلة معنى، إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل وجهاً مجازياً!!!
وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.
وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن كون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه المؤلفان.
وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: "مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
стр. 488
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته)) (١) فثبتت اليد بلا كيف. وجاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : ((أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)) (٢)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((وكلتا يديه يمين)) (٣). وقال تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٥].
وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها، ومعقولاتً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني بنعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلاً.
مسألة:
ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعاً أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس. قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣]، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]، وقال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ [النساء: ٨٢]، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه" (٤) اهـ. وقال الذهبي في السير: "قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول" (٥) اهـ.
المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم- ص ٣١٠
стр. 489
المطلب الثاني: بيان موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في عدم التفريق بين صفة وأخرى
قال في "مقالات الإسلاميين": "وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥].
وأن له وجهاً كما قال الله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧].
وأنه له يدين كما قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].
وأن له عينين كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤].
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث. ولم يقولوا شيئاً إلا وجوده في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ " (١) اهـ.
وقال في (الإبانة): "الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وقال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: ٣٧]، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيف ولا تحد. وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، وقال تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤]، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ... " (٢) اهـ.
المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم- ص ٣٤٥
стр. 490
المطلب الثالث: بيان بطلان أن يكون للأشعري قولان في الصفات وبيان خطأ من حكى عنه ذلك
لقد ادعى كثير من متأخري الأشاعرة أن للأشعري قولين في الصفات: التأويل والتفويض، واستقر هذا القول عند الأشعرية حتى أصبح قضية مسلمة لا تقبل الجدال.
ولكن التحقيق يأبى ذلك، إذ أن المتأمل في كتب الأشعري الموجودة ككتاب (الإبانة)، وكتاب (رسالة إلى أهل الثغر)، وكتاب (مقالات الإسلاميين) يجدها متفقة جميعها على قول واحد، وإبطال كل ما سواه، وهذا القول هو إثبات جميع الصفات لله تعالى على ظاهرها، ونفي وإبطال التعرض لها بتأويل، أو تحريف وهذه الكتب تمثل المرحلة الأخيرة التي استقر عليها مذهبه الذي توفي عليه.
وبناءاً عليه فإنه من حكى عنه قولين، بمعنى رأيين سائغين يجوز القول بأحدها فقد غلط عليه، إذ ليس عنده ما يثبت ذلك إلا كلام بعض متأخري الأشاعرة مع مخالفته صراحة لما هو مسطر في كتبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء، وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص، وقد رد في كتبه على المعتزلة الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء، ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك، ولا نقل أحد عنه تأويل هذه الصفات قولين.
ولكن، لأتباعه فيها قولان، فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها.
وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية، ثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في (الإرشاد)، والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي، كما ذكره في (الرسالة النظامية)، وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب، ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس هنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها، ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي. وأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم، موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف، وهو آخر أحواله، ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات" (١) اهـ.
المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٧٣٧
стр. 491
المطلب الرابع: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في بعض مسائل توحيد الألوهية:
إن الاهتمام الكبير الذي أولاه الأشاعرة لمسألة إثبات وجود الله تعالى وزعمهم أنه هو الغاية خطأ كبير وترتب عليه خلل ويظهر في الأمور الآتية:
١ - عدم التحقيق الدقيق لمسائل توحيد الألوهية، وحمل الآيات الواردة لتقريره على أنها لتقرير الربوبية تقصيراً وقلباً للحقائق الشرعية.
٢ - ظن كثير من المتأخرين من الأشعرية أن الشرك لا يتحقق وقوعه إلا إذا ظهر اعتقاد الإنسان تأثيراً لغير الله تعالى. وهذا تقصير في معرفة كل أنواع الشرك وقد وقع كثير من الناس في هذه الأزمة المتأخرة في بعض مظاهر الشرك كالنذر لغير الله والطلب من الأموات والأحياء ما لا يقدرون عليه – بل وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد بأن بعض الناس له تأثير في كثير من الأمور، فأطلقوا عليهم أوصافاً فيها بعض خصائص الربوبية كالغوث والقطب، ووصفوا بعضهم بأنهم يعلمون الغيب.
٣ - التقصير في معرفة بعض أنواع العبادة لدى كثير من المتأخرين – كالدعاء، ويطلقون عليه أنه عادة وليس بعبادة، مما دفعهم لأن يصرفوه لغير الله تعالى.
٤ - وظهر لهؤلاء المتأخرين تناقض غريب في مسألة الاستغاثة بغير الله وطلب قضاء الحوائج من غيره، مع وصفهم لمن يدعونه بالغوث الأعظم!، والقول بأن الله قد أعطاه حق التصرف!، وقد مضى أن هذا الاعتقاد ظهر في كثير من المتأخرين ولم يكن عند متقدميهم، وهذا كله مع تنصيصهم بأن المؤثر هو الله!!، ولما ألزموا قالوا: إن تأثير غيره مجازي فراراً من التناقض، ولكن مثل هذا الهروب لا يخفى على أحد، فأين الدليل على وجود مثل هذه الأوصاف – التي هي من خصائص الربوبية – في الخلق.
اضطرابه وتناقضه في بعض مسائل توحيد الربوبية
إن الأشعرية يقرون بأنه لا خالق إلا الله، ولكنهم غلوا غلواً شديداً فقالوا: إنه لا فاعل على الحقيقة إلا الله، وأما أعمال غيره فمجازية!! ثم نفوا الحكمة التي تعود إلى الله تعالى، ونفوا التحسين والتقبيح العقلييين مطلقاً زعماً منهم أن إثبات ذلك ينافي المشيئة والاختيار، فالكلام إذاً في ثلاث مسائل لبيان اضطرابهم هنا.
المسألة الأولى: تتعلق بأفعال العباد.
وتناقضهم فيها يظهر في أمرين: الأمر الأول: هو أنهم أثبتوا كسباً للعباد غير معقول، حيث أثبتوا للعبد قدرة تقارن الفعل ولا تؤثر فيه، فألزمهم الناس القول بالجبر، وأن المسألة إذا كانت مجرد مقارنة فلم لا يقال إن المقارن للعمل: الرؤية أوالسماع أو نحو ذلك (١).
الأمر الثاني: وهذا قد ظهر في كثير من المتأخرين، وهو إثبات تأثير للعباد في أمور لا قدرة لهم عليها، وهذا الإثبات إما أن يكون صريحاً كإثبات الغوث الأعظم وصفاً لبعض البشر، وإما أن يكون لازماً كما في الاستغاثة بالميت أو بالحي فيما لا يمكنه الغوث منه، وهذا مع قولهم إنه لا مؤثر إلا الله!!.
المسألة الثانية: تتعلق بالحكمة. فإنهم ذكروا بأن أفعال الله لا تخلوا عن الحكم ولكنها حكم، غير مقصودة فنفوا القصد، مع أنهم أثبتوا هذا القصد شرطاً لإثبات صفة العلم لله، لأن الفعل المتقن إن لم يكن بالقصد والاختيار فإنه لا يدل على علم فاعله، بخلاف الفعل المتقن المقصود، فنفيهم للقصد في الحكمة، وإثباتهم له في العلم تناقض واضح (٢). وكذلك: من نفى الحكمة واثبت التعليل والقياس فقد تناقض! وسيأتي إن شاء الله كذلك أن من نفاها يلزمه أن يقول بتجويز تصديق الله تعالى لمدعي النبوة الكاذب.
المسألة الثالثة: وهي تتعلق بالتحسين والتقبيح.
стр. 492
والمراد بها هنا استخدامها من جهة الاستدلال بقياس الأولى، فكل صفة نقص يتنزه عنها المخلوق فأولى أن يتنزه عنها الخالق كالكذب.
وقد حصل للأشاعرة اضطراب نتيجة لهذه المسألة في أمرين، الثاني منهما متفرع عن الأول.
فالأمر الأول: وهو هل يمتنع الكذب على الله في كلامه أو لا؟ اتفق الأشاعرة على أنه يمتنع عليه الكذب – وذكروا وجوهاً في بيان امتناع الكذب في كلامه، ومن هذه الأوجه كما قال الإيجي: "أنه نقص، والنقص على الله محال، وأيضاً فيلزم أن نكون أكمل منه في بعض الأوقات" (١) وهذه الإجابة سديدة لكنها لا تتفق مع الأصل الذي قرروه، ولذلك اعترف الإيجي بمناقضة هذه الإجابة لأصل التحسين والتقبيح فقال: "واعلم أنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه!!، وإنما تختلف العبارة! (٢) " اهـ.
ثم إن لهم وجهين آخرين ذكروهما سيأتي ذكرهما في تناقضهم في صفة الكلام إن شاء الله تعالى.
стр. 493
الأمر الثاني: وهو متفرع على الأمر الأول، وهو في إثبات النبوات: لقد تقدم أن الأشاعرة قد أطالوا المقدمات ليصلوا إلى أهم المطالب عندهم وهو إثبات وجود الله تعالى وهذه المقدمات الطويلة تتعلق بتعريف العلم وأنواعه وطرق تحصيله واكتسابه، ثم الكلام عن الجواهر والأعراض وإثباتها بمقدمات طويلة. ثم بعد إثبات وجود الله يقيمون الأدلة على وحدانيته في الذات والصفات والأفعال. ثم بعد هذه المقدمات يأتون إلى مسألة تعد رابطة بين تلك المسائل العقلية وبين الشرع – ألا وهي إثبات النبوات، وطريق إثباتها: المعجزات فقط (١).وقد ذكروا عن كيفية حصولها: أن المعجزة: "فعل الفاعل المختار يظهرها على من يريد تصديقه بمشيئته لما تعلق به مشيئته" (٢).وأما كيفية دلالتها فهي عندهم" إجراء الله عادته بخلق العلم بالصدق عقيبه، فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكناً عقلاً فمعلوم انتفاؤه عادة كسائر العاديات" (٣) ولهم تناقضان في هذا الأمر – وهما: التناقض الأول: بعد الضجة الكبرى التي أقامها هؤلاء المتكلمون الأشاعرة في أنه لابد من القواطع العقلية في المسائل الاعتقادية، وحكموا على الأدلة النقلية كلها أو بعضها على أنها ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، إذا بهم يصلون إلى مسألة عظيمة ليتوصلوا بها إلى الشرع وهي إثبات النوبات فقالوا: إن طريق إثباتها المعجزات فقط!! وأن دلالتها على النبوة عادية! أي ليست عقلية محضة، وهم يجوزون خرق العادة، وعليه فلا تكون المسألة قطعية على قولهم هذا. وقولهم: إن دلالتها وإن كانت عادية إلا أنها ضرورية (٤) يستدعي عدم دقتهم في تحديد الأمور الضرورية كمسألة وجود الله تعالى إذ جعلوها من الأمور النظرية لا الضرورية! مع أنها ضرورية (٥) وسيأتي إلزامهم في العادة والضرورة في التناقض الثاني إن شاء الله. التناقض الثاني: هو أنهم جعلوا دلالة المعجزة على صدق الرسول بمنزلة القول الصريح من الله بأن مدعي الرسالة صادق (٦) وهذه الدلالة لا تتم إلا إذا قيل بامتناع الكذب على الله تعالى ولذلك قال الجويني: "فصل: امتناع الكذب على الله تعالى شرط في دلالة المعجزة" (٧) اهـ. ووجه اشتراط امتناع الكذب، أنه لو لم يكن الكذب ممتنعاً عليه لجاز أن يصدق مدعى النبوة الكاذب. ولما قال الأشاعرة إن الكذب محال على الله بالشروع وأنه جائز عليه الكذب عقلاً، ألزمهم الناس بأنه يلزم الدور في هذا الاستدلال، إذ كيف يصح الاستدلال بدليل ولما يثبت طريق إثباته!. فالدليل هنا: الدليل السمعي – وطريق إثباته: المعجزة، فظهر الدور (٨) أجابوا بأن دلالة المعجزة المنزلة منزلة القول ليست إخباراً يتصور فيه الكذب والصدق وإنما هي إنشاء، قال الجويني: "كأن المرسل قال: جعلته رسولاً، وأنشأت ذلك فيه آنفاً، ولم يقل ذلك مخبراً عما مضى" (٩) اهـ.
стр. 494
وهذا غير كاف على أصل الأشعرية نفاة الحكمة، إذ أنهم جوزوا عليه كل فعل ممكن وإن كان خلاف الحكمة، ولا شك أن خلق المعجزات على يد الكاذب جائز، فيبقى الشك قائماً في صدق مدعي النبوة على أصلهم، أما أهل السنة والجماعة فينزهون الله تعالى عن مثل هذا الفعل لأنه خلاف حكمته (١).
وأما زعمهم بأن دلالة المعجزة على صدق النبي ضرورية، فإنه يوجب عليهم أحد أمرين: إما أن يقولوا: إن الله لا يمكنه أن يخلقها على يد الكاذب، وهذا تصريح بعجزه – وهم لا يسلمون بهذا لأنه يمكنه فعل كل شيء ممكن – فيقال إذاً ما معنى قولكم إن دلالتها ضرورية؟ فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو: أن الله يمكنه هذا الفعل ولكنه لا يفعله لحكمته – وهو الصواب – لكنه ينقض أصلهم من أساسه (٢).وأما زعمهم بأن انتفاء إظهار المعجزة على يد الكاذب معلوم عادة كسائر العاديات فيقال لهم: لم تأتوا بجديد إذ أصلكم ما زال قائماً وهو تجويز الكذب فكما أن دلالة المعجزة على الصدق من العاديات، فكذلك يجوز إظهارها على يد الكاذب، إذ لا مانع من خرق هذه العادة، لأنكم جوزتم أن يفعل الله كل شيء ولم تثبتوا له حكمة يفعل لمقتضاها (٣).والحق أن أدلة الأشاعرة من الضرورة والعادة دالة على إثبات الحكمة لله تعالى إلا أنهم لم يصرحوا بها، بل إن الرازي الذي ينفي التحسين والتقبيح العقليين قد صرح بذلك فقال: "والعلم الضروري حاصل بأن الكذب على الله تعالى محال، لأنه صفة نقص، وشهادة الفطرة دالة على أن صفة النقص محال على الله – تعالى – وعند هذا يحصل الجزم واليقين بأن ظهور المعجزات يدل على صدق الأنبياء ﵈" (٤).فظهر من العرض السابق أن الأشاعرة يلزمهم على أصلهم هذا: "سد باب النبوة وعدم الوثوق بالشرائع مع عدم التسليم" (٥).
ويلاحظ كذلك أن الأشاعرة بإنكارهم لتحسين العقل وتقبيحه مطلقاً لشبهات أوجبت لهم ذلك، يكونون قد ضعفوا جانب العقل – وهذا تفريط منهم – يقابله إفراط آخر منهم في تقديم العقل، وأشير هنا إلى أمرين مما رفعوا فيه مقام العقل مقاماً مبالغاً فيه، وهما:
١ - إن الأشاعرة قد حكموا على الأدلة النقلية بأحكام مفادها تقديم العقل عليها في حالة التعارض – حسب زعمهم – وعدوا أخبار الآحاد من الظنون التي لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية، بل جعل بعضهم الأدلة النقلية كلها ظنية مما يترتب عنه عدم الأخذ بها في المسائل العلمية! فأين هذا من أصلهم القاضي بمنع تحسين العقل وتقبيحه! ٢ - والأمر الثاني هو أنهم قد نصوا على أن المسائل التي يتوقف عليها الشرع لا تثبت إلا بالعقل، ومنها: معرفة وجود الله – فقالوا: طريق إثباتها العقل فقط، ووجوب المعرفة لا يثبت إلا بالشرع، فألزموا بالدور، ولا يخرجهم من هذا إلا بأن يسلموا أن المعرفة فطرية، أو يقولوا بتحسين العقل وتقبيحه على مقتضى الفطرة، ولذلك هم قد صرحوا بأنه لا يعذر أحد في عدم معرفة الله، بل جعلوا المقر بوحدانيته التارك للنظر مع تمكنه منه آثماً!! وفي هذا إقرار بشيء من تحسين العقل وتقبيحه وإن جاروا بإنكاره، وربما يكون هذا الأمر وغيره هو الذي جعل بعضهم يقر بأنواعه للحسن والقبح العقليين ويحصر الخلاف في استحقاق العذاب والجزاء فقط. وقد يكون هذا هو الذي جعل السجزي يرى أن الأشاعرة يقولون بوجوب معرفة الله عقلاً مع نفيهم لتحسين العقل وتقبيحه، فعده تناقضاً لهم فقال: "وقال الأشعري: "العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع، ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه، ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة"، والنص إنما دل على ترك عقوبته لا أنه مستحق لها. فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها، واستحق تارك النظر فيها اللوم، كان متلاعباً، وإن قال: إنها حسنة، فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح، وإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد الله شيئاً ثم عذب عليه كان ظالماً، فركب الطريقة الشنعاء في أن لا حسن في العقل ولا تقبيح" (٦).
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٣٢
стр. 495
المطلب الخامس: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في توحيد الأسماء والصفات
ويمكن حصر التناقض والاضطراب في هذا النوع في مسألتين:
المسألة الأولى: في الإثبات: التناقض الأول: أثبت الأشاعرة من الصفات الوجودية الثبوتية سبع صفات سموها صفات المعاني، ونفوا ما عداها من الصفات الخبرية الذاتية والفعلية، فألزمهم الناس إلزاماً قوياً وهو: إن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فإن كان لا يلزم من إثبات الصفات السبع أي محذور من المعاني الباطلة من الجسمية أو حلول الحوادث أو التركيب، فكذلك لا يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير – وهذا هو الصواب -. وإن كان يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير، فقد لزم إثباتها من الصفات السبع كذلك، إذ الأصل واحد كما تقدم (١). ولا شك أن الذي دفعهم إلى هذا التفريق هو ما توهموه من قياس الغائب على الشاهد – وسيأتي مزيد بيان لتناقضهم في السبب الموجب للتأويل إن شاء الله.
التناقض الثاني: إن طريقة إثباتهم لصفات المعاني طريقة غريبة أوقعتهم في بعض الإشكالات المتناقضة:
منها أنهم أثبتوا إرادة قديمة ذاتية – وهذا حق – ولكنهم نفوا تخصيصاً فعلياً فلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا إن الحوادث كلها قديمة لقدم موجبها – وهم لا يقولون به-.، أو يقولوا إن كل حادث حدث بعد أن لم يكن لتخصيصه بالإرادة في وقته المعين، فيلزم إثبات الصفات الاختيارية، وهو الصواب.
ومنها: أنهم أثبتوا نوعين من الكلام، نفسي قديم أزلي وآخر لفظي مخلوق، ثم قالوا بأن الأسماء الحسنى – وهي كلام الله – غير مخلوقة فاضطربوا، وحاولوا تخريج هذا القول فلم يوفقوا.
ومنها: أنهم جوزوا عقلاً وقوع الكذب عليه يثبت بالشرع، والشرع يثبت بالمعجزة، وهي لا تثبت إلا بالعلم بامتناع الكذب على الله، فحصل الدور!
والثاني: جواز إفحام الأنبياء، إذ يمكن على أصلهم إفحام الأنبياء بأنه لا يلزم من الإتيان بالمعجزة إثبات صدقهم!
ومنها أنهم أثبتوا تعدداً للكلام بحسب تعلقاته أما هو في أصله فمعنى واحد، فألزموا بأمرين:
الأول: إذا كان التعدد في الكلام إنما هو بحسب التعلق فإذا كان طلب فعل سمى أمراً، وإذا كان طلب ترك سمي نهياً وهكذا ... فلم لا يجوز أن يقال إن الصفات السبع التي أثبتموها حقيقتها صفة واحدة، وتعددها إنما هو بحسب التعلقات فقط، فمثلاً إذا تعلقت تلك الصفة بالممكن إيجاداً سميت قدرة، وبه تخصيصاً سميت إرادة، وإذا تعلقت بالموجود انكشافاً سميت سمعاً أو بصراً .. – وهكذا إلى بقية الصفات.
الثاني: وهو متفرع عن هذا الإلزام، وهو: إذا عادت حقيقة الصفات السبع إلى صفة واحدة، فلم لا يجوز رد هذه الصفة إلى الذات فلا تثبت له أي صفة، فيقال عندئذ: إن الذات إذا تعلقت بإيجاد الممكن سميت قدرة، وإذا تعلقت بتخصيصه سميت إرادة – وهكذا.
ومنها في صفة العلم، فإنهم اشترطوا لإثباته قصد إتقان الفعل وإحكامِهِ، لأنه إذا لم يشترط كان حدوث الفعل اتفاقياً – وهو لا يدل على العلم، لذلك اشترطوه – وهذا كلام مستقيم، ولكنهم تناقضوا، فنفوا قصد الحكمة في أفعال الله وأحكامه، وأثبتوا حكمة في الجملة، أما أن تكون مقصودة فلا، فصارت الحكمة على أصلهم هذا اتفاقية لا مقصودة، وكل ما أوردوه من إشكالات في صفة الحكمة فإنها ترد عليهم في العلم والإرادة كذلك.
المسألة الثانية: في التنزيه:
وأما تناقضهم واضطرابهم فيه ففي عدة أشياء منها: أنهم اعتمدوا في نفي الصفات الفعلية كالغضب والرضى والنزول والاستواء على أصل: نفي حلول الحوادث، ثم شرعوا في تأويلها، فثبت تناقضهم في أمرين: